الآية ١٥٥ وقوله تعالى : واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا قال بعضهم : لميقاتنا أي لتمام الموعدة التي وعد، وهو الأربعون الذي وعد. ولكن لا ندري ما ذلك الميقات الذي ذكر ؟
وقوله تعالى : واختار موسى قومه قال بعضهم : السبعين الذين اختارهم موسى ليكونوا مع هارون، فعبدوا العجل في أفنيتهم، فلم ينكروا، ولم يغيروا عليهما١، فلمّا أخذتهم الرجفة وقال الحسن : إنهم٢ جميعا قد عبدوا العجل إلا هارون، فالرجفة التي أخذتهم إنما أخذتهم عقوبة لما عبدوا العجل. ولسنا ندري من أولئك السبعون٣ الذين اختارهم موسى ؟
وأمكن أن يكون موسى اختار السبعين ليخرجوا معه، فيكونوا شهداء له على إنزال التوراة عليه كلام ربه.
وقيل : هم الذين تركهم في أصل الجبل، فلما جاءهم موسى بالتوراة قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [ البقرة : ٥٥ ] فأخذتهم الصاعقة، وهلكوا، لقولهم ذلك. وقد ذكرنا أنّا لا ندري من كانوا ؟
وقيل : اختارهم موسى ليتوبوا إلى الله مما عمل قومهم.
وقوله تعالى : فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم قال بعض أهل التأويل : لو شئت أمتّهم وإياي بقتل القبطيّ. وقال آخرون : لو شئت أهلكتهم على نفس الإهلاك وإياي على القدرة ؛ أي تقدر على إهلاكي، ولكن لا تهلكنا لما لم يكن ما نستحقه٤ ذلك. ويشبه أن يكون قوله لو شئت أهلكتهم إهلاك فتنة وإياي.
وقوله تعالى : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقول، والله أعلم، لك أن تهلكنا ابتداء إهلاك [ وتهلك السفهاء ]٥ بما فعلوا.
والثاني : يقول : لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي وما تهلكنا بقومنا٦ لأن موسى أتى قومه وأخبرهم أنهم أهلكوا بسبب كذا، لم يصدّقه٧ قومه بذلك، ولكنه يتهمونه، ويقولون : أنت قتلتهم٨ على ما ذكر في بعض القصة أنه خرج بهارون إلى بعض الجبال، فمات هارون هناك، فأخبر قومه بذلك، فكذّبوه، وقالوا : أنت قتلته.
فعلى ذلك جائز أن يكون ههنا خاف أن يتّهمه قومه في أولئك، ولا يصدّقوه في ما حل بهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : أتهلكنا بما فعل السفهاء يحتمل هذا وجوها : يحتمل ما يراد به التقرير، ويحتمل الإنكار والرد، ويحتمل الإيجاب.
أما الإنكار فيكون معناه أتهلكنا بما فعل السفهاء أي لا تفعل، ولا تهلكنا بما فعل السفهاء منا ومثل هذا قد يقال : يقول رجل لآخر : أتفعل أنت كذا على الإنكار ؟ أي لا تفعل، فعلى ذلك هذا، والله أعلم، ويراد به الإيجاب، كأنه قال : لك أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك أن يكون ذلك امتحانا وابتلاء ابتداء ؛ أي تفعله امتحانا وابتلاء لا تعذيبا.
ويحتمل أن يكون على الاستفهام، لكن لم يخرج له الجواب كقوله تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [ الرعد : ٣٣ ] وقوله تعالى : ومن أظلم ممّن افترى على الله كذبا [ الأنعام : ٢١ ] ومحوه مما لم يخرج له جواب. فعلى ذلك هذا.
ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم يراه من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم كقوله تعالى : إذ تحسّونهم بإذنه الآية [ آل عمران : ١٥٢ ].
فعلى ذلك هذا.
وقوله تعالى : إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء قال أبو بكر : تضل بها أي تنهى من فعل الاهتداء، لكنّ حرف من إنما يعبّر به [ عن ]٩ الأشخاص دون الأفعال. فلو كان على ما ذكر هو لقال : تضل به ما١٠ تشاء. فإن لم يقل ذا ثبت أنه ليس على ما ذكر.
وتأويله عندنا أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك [ لقوله تعالى ]١١ : هو خالق كل شيء [ الأنعام : ١٠٢ ].
وأصل ذلك أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف١٢ وجوهها، حقيقة ذلك من الله ؛ خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه. فعلى ذلك قوله تعالى : وتهدي و تضل . ويحتمل : توفّق، وتخذل.
وقوله تعالى : أنت وليّنا أي أنت وليّ بنا، ويحتمل : أنت وليّ هدايتنا أو أنت وليّ نعمتنا ؛ فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [ كقوله تعالى ]١٣ وأنت خير الراحمين [ المؤمنون : ١٠٩و١١٨ ] لأن كل أحد دونه إنما يرحمه١٤ ويغفر [ له ]١٥ برحمته.
٢ في الأصل وم: إنه..
٣ في الأصل وم: السبعين..
٤ في الأصل وم: يستحقه..
٥ في الأصل وم: والسفهاء..
٦ الباء ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: يصدقوا..
٨ من م، في الأصل: قتلهم..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ من م، في الأصل: من..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: بالاختلاف..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ في الأصل وم: يرحم..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم