القول في تأويل قوله: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واختار موسى من قومه سبعين رجلا للوقت والأجل الذي وعده الله أن يلقاه فيه بهم، (١) للتوبة مما كان من فعل سفهائهم في أمر العجل، كما: -
١٥١٥٢- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناسٍ من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته، فأرناه! فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رَبِّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، لو شئتَ أهلكتهم من قبل وإيّاي! (٢)
١٥١٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخيِّر فالخيرَ، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتَطَهَّروا، وطهِّروا ثيابكم! فخرج بهم إلى طور سيْناء، لميقات وقَّته له ربه. وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال السبعون =فيما ذكر لي= حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربِّه، لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربِّنا! فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عمودُ الغمام، حتى تغشى الجبلَ كله. ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا! وكان موسى إذا كلمه الله وقَع على جبهته نور
(٢) (٢) الأثر: ١٥١٥٢ - مضى مطولا برقم ٩٥٨، ومراجعه هناك.
ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه! فضرب دونه بالحجاب. ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقَعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلِّم موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل! فلما فرغ الله من أمره، انكشف عن موسى الغمام. أقبل إليهم، (١) فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة! فأخذتهم الرجفة= وهي الصاعقة= فَافْتُلِتَتْ أرواحهم، (٢) فماتوا جميعًا، وقام موسى عليه السلام يناشد ربّه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإياي! قد سفهوا! أفتهلك مَنْ ورائي من بني إسرائيل؟ (٣)
١٥١٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، قال: كان الله أمرَه أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختار سبعين رجلا فبرزَ بهم ليدعوا ربَّهم. فكان فيما دَعَوُا الله قالوا: اللهم أعطِنا ما لم تعط أحدًا بعدنا! فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. قال موسى: ربِّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيَّاي!
١٥١٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن حيان، عن جعفر، عن ميمون: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، قال: لموعدهم الذي وعدهم.
١٥١٥٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "سبعين رجلا لميقاتنا"، قال: اختارهم لتمام الوعد.
* * *
وقال آخرون: إنما أخذتهم الرجفة من أجل دَعْواهم على موسى قتلَ هارون.
(٢) (٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((فالتقت أرواحهم))، ولا معنى لها، صوابها ما أثبته. ((افتلتت نفسه)) (بالبناء للمجهول) : مات فلتة، أي بغتة. وانظر ما سلف ٢: ٨٧، تعليق: ١.
(٣) (٣) الأثر: ١٥١٥٣ - مضى هذا الخبر برقم ٩٥٧، ومراجعه هناك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٥٧- حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبد السَّلولي، عن علي رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير، فانطلقوا إلى سفح جَبَلٍ، فنام هارون على سرير، فتوفاه الله. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفّاه الله. قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خُلقه ولينه= أو كلمة نحوها= قال: فاختاروا من شئتم! قال: فاختاروا سبعين رجلا. قال: فذلك قوله: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، قال: فلما انتهوا إليه، قالوا: يا هارون، من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد، ولكنني توفّاني الله! قالوا: يا موسى لن تعصَي بعد اليوم! قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى يرجع يمينًا وشمالا وقال: "يا رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء"، قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياءَ كلهم. (١)
١٥١٥٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني سلول، أنه سمع عليًّا رضي الله عنه يقول في هذه الآية: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، قال: كان هارون
وهذا الخبر، ذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٦١، ٥٦٢: ((وهذا أثر غريب جدا، وعمارة بن عبد هذا، لا أعرفه)). فقد تبين مما ذكرت أنه معروف، وأن ابن كثير لم يستوعب بحثه. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٢٨، ونسبه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في كتاب: من عاش بعد الموت، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ ولم أجده في كتاب ((من عاش بعد الموت)) المطبوع، فدل هذا علي نقص النسخة المطبوعة منه.
حسنَ الخلق محبَّبًا في بني إسرائيل. قال: فلما مات، دَفَنَه موسى. قال: فلما أتى بني إسرائيل، قالوا له: أين هارون؟ قال: مات! فقالوا: قتلته! قال: فاختار منهم سبعين رجلا. قال: فلما أتوا القبرَ قال موسى: أقُتِلت أو مِتّ! قال مت! فأُصعقوا، فقال موسى: ربِّ ما أقول لبني إسرائيل؟ إذا رجعت يقولون: أنت قتلتهم! قال: فأحيُوا وجُعِلوا أنبياء.
١٥١٥٩- حدثني عبد الله بن الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبي قال، حدثنا الربيع بن حبيب قال: سمعت أبا سعيد =يعني الرقاشي= وقرأ هذه الآية: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، فقال: كانوا أبناءَ ما عدا عشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، وذلك أن ابن عشرين قد ذهب جهلُه وصباه، وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يفقد من عقله شيئًا. (١)
* * *
وقال آخرون: إنما أخذت القوم الرَّجفة، لتركهم فِراق عبدة العجل، لا لأنهم كانوا من عَبَدته.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٦٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، فقرأ حتى بلغ: "السفهاء منا"، ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إنما تناولتهم الرجفة، لأنهم لم يزايلوا
و ((الربيع بن حبيب الحنفي))، ((أبو سعيد)). روى عن الحسن، وابن سيرين، وأبي جعفر الباقر. روى عنه أبو داود الطيالسي، ويحيى القطان، وعبد الصمد بن عبد الوارث. وثقه أحمد ويحيى. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٢٥٣، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٥٧. و ((أبو سعيد الرقاشي)) هو فيما أرجح ((قيس، مولى أبي ساسان حضين بن المنذر الرقاشي)). وكان أبو سعيد قليل الحديث. مترجم في ابن سعد ٧/١/١٥٤ والكبير ٤/١/١٥١، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٠٦. وهناك أيضا ((أبو سعيد الرقاشي))، البصري وهو ((بيان بن جندب الرقاشي))، روى عن أنس. مترجم في الكبير ١/٢/١٣٣، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤٢٤، ولسان الميزان ٢: ٦٩. قال ابن حبان في الثقات: ((يخطئ)).
القوم حين نَصَبُوا العجل، وقد كرهوا أن يجامِعُوهم عليه.
١٥١٦١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"، ممن لم يكن قال ذلك القول، على أنهم لم يجامعوهم عليه، فأخذتهم الرجفة من أجل أنهم لم يكونوا باينوا قومَهم حين اتخذوا العجل. قال: فلما خرجوا ودعوا، أماتهم الله ثم أحياهم. فلما أخذتهم الرجفة قال: "رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا".
١٥١٦٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، قال مجاهد: "واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا"= و"الميقات"، الموعد= فلما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاءَ فلم يستجب لهم، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصابَه قومهم= قال أبو سعد (١) فحدثني محمد بن كعب القرظي قال: لم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ويأمروهم بالمعروف. قال: فأخذتهم الرجفة، فماتوا ثم أحياهم الله.
١٥١٦٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عون، عن سعيد بن حيان، عن ابن عباس: أن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنما أخذتهم الرجفة، أنهم لم يرضَوا ولم ينهَوا عن العجل.
١٥١٦٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عون قال، حدثنا سعيد بن حيان، عن ابن عباس، بنحوه.
* * *
واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: "قومه سبعين رجلا لميقاتنا". فقال بعض نحويي البصرة: معناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا = فلما نزع "من" أعمل الفعل، كما قال الفرزدق:
وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً وَجُودًا، إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ (١)
وكما قال الآخر: (٢)
أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ، فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبٍ (٣)
| ومِنَّا الَّذِي أَعْطَى الرَّسُولُ عَطِيَّةً | أُسَارَى تَمِيمٍ، والعُيُونُ دَوَامِعُ |
(٢) (٢) هو أعشى طرود: ((إياس بن عامر بن سليم بن عامر)). وروى هذا البيت أيضاً في شعر نسب إلى عمرو بن معد يكرب، وإلى العباس بن مرداس، وإلى زرعة بن السائب، وإلى خفاف بن فدية (الخزانة ١: ١٦٦).
(٣) ديوان الأعشين: ٢٨٤، سيبويه ١: ١٧، والمؤتلف والمختلف: ١٧، الكامل ١: ٢١، أمالي الشجري ١: ٢٦٥ / ٢: ٢٤٠، الخزانة ١: ١٦٤ - ١٦٧، وغيرها كثير. فمن نسبها إلى أعشى طرود قال من بعد أبيات يذكر وصية أبيه له:
| إِنِّي حَوَيْتُ عَلَى الأَقْوَامِ مَكْرُمَة | قِدْمًا، وَحَذَّرَنِي مَا يَتَّقُونَ أَبِي |
| وَقَالَ لِي قَوْلَ ذِي عِلْمٍ وَتَجْرُبَةٍ | بِسَالِفَاتِ أُمُورِ الدَّهْرِ وَالحِقَبِ |
| أَمَرْتُكَ الرُّشْدَ، فافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ | فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ |
| لا تَبْخَلَنَّ بِمَالٍ عَنْ مَذَاهِبِهِ | فِي غَيْرِ زَلَّةِ إِسْرَافٍ وَلا تَغَبِ |
| فَإنّ وُرَّاثَهُ لَنْ يَحْمَدُوكَ بِهِ | إِذَا أَجَنُّوكَ بَيْنَ اللِّبْنِ وَالخَشَبِ |
أما الشعر المنسوب إلى عمرو بن معد يكرب أو غيره فهو:
| إِنِّي حَوَيْتُ عَلَى الأقْوَامِ مَكْرُمَةً | قِدْمًا، وَحَذَّرَنِي مَا يَتَّقُونَ أَبِي |
| فَقَالَ لِي قَوْلَ ذِي رَأيٍ وَمَقْدِرَةٍ | مُجَرَّبٍ عَاقِلٍ نَزْهٍ عَنْ الرَّيَبِ |
| قَدْ نِلْتَ مَجْدًا فَحَاذِرْ أَنْ تُدَنِّسُهُ | أبٌ كَرِيمٌ، وجَدٌّ غَيْرُ مُؤْتَشَبِ |
| واتْرُكْ خَلائِقَ قَوْمٍ لا خَلاقَ لَهُمْ | وَاعْمِدْ لأَخْلاقِ أَهْلِ الفَضْلِ والأدَبِ |
| وَإِنْ دُعِيتَ لِغَدْرٍ أوْ أُمِرْتَ بِهِ | فَاهْرُبْ بِنَفْسِكَ عَنْهُ آبِدَ الْهَرَبِ |
| وَعُصْبَةِ النَّبِيِّ إِذْ خَافُوا الحَصَرْ | شَدُّوا لَهُ سُلْطَانَهُ حَتَّى اقْتَسَرْ |
| بِالْقَتْلِ أَقْوَامًا وَأَقْوَامًا أَسَرْ | تَحْتَ الَّذِي اخْتَارَ لَهُ اللهُ الشَّجَرْ |
(٣) (٣) انظر مجاز القرآن ١: ٢٢٩، ونصه: ((تحت الشجرة التي اختار له الله من الشجر)).
وقد بينا معنى "الرجفة" فيما مضى بشواهدها، وأنّها: ما رجف بالقوم وزعزعهم وحرّكهم، (١) أهلكهم بعدُ فأماتهم، (٢) أو أصعقهم، فسلب أفهامهم. (٣)
* * *
وقد ذكرنا الرواية في غير هذا الموضع وقول من قال: إنها كانت صاعقة أماتتهم. (٤)
١٥١٦٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فلما أخذتهم الرجفة"، ماتوا ثم أحياهم.
١٥١٦٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "سبعين رجلا لميقاتنا"، اختارهم موسى لتمام الموعد= "فلما أخذتهم الرجفة"، ماتوا ثم أحياهم الله.
١٥١٦٧- حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "فلما أخذتهم الرجفة"، قال: رُجف بهم.
* * *
(٢) (٢) في المطبوعة، زاد ((واو)) فكتب: ((وأهلكهم)) عطفاً على ما قبله، فأفسد معنى أبي جعفر. وإنما أراد أبو جعفر أن الرجفة: إما أن تعقب الهلاك، وتصعق من تنزل به فتسلبه فهمه من شدة الروع.
(٣) (٣) انظر تفسير ((الرجفة)) فيما سلف: ١٢: ٥٤٤، ٥٤٥، ٥٦٦.
(٤) (٤) انظر ما سلف قديماً ٢: ٨٤ - ٩٠، ثم ما سلف حديثاً ص: ١٤٠.
القول في تأويل قوله: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: أتهلك هؤلاء الذين أهلكتهم بما فعل السفهاء منا، أي: بعبادة من عبد العجل؟ قالوا: وكان الله إنما أهلكهم لأنهم كانوا ممن يَعبد العجل. وقال موسى ما قال، ولا علم عنده بما كان منهم من ذلك. (١)
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٦٨- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا"، فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجلَ! فذلك حين يقول موسى: "إن هي إلا فتنتك تُضل بها من تشاء وتهدي من تشاء". (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: إن إهلاكك هؤلاء الذين أهلكتهم، هلاك لمن وراءهم من بني إسرائيل، إذا انصرفت إليهم وليسوا معي= و"السفهاء"، على هذا القول، كانوا المهلَكين الذين سألوا موسى أن يُرِيهم ربَّهم.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٦٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما أخذت الرجفة السبعين فماتوا جميعًا، قام موسى يناشد ربّه ويدعوه ويرغب
(٢) (٢) الأثر: ١٥١٦٨ - مضى قديمًا برقم ٩٥٨ بتمامه، ومضى صدره قريبًا برقم: ١٥١٥٢
إليه، يقول: "رب لو شئتَ أهلكتهم من قبل وإيّاي"، قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما فعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاكٌ، قد اخترت منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر، أرجع إليهم وليس معى رجل واحد! فما الذي يصدِّقونني به، أو يأمنونني عليه بعد هذا؟ (١)
* * *
وقال آخرون في ذلك بما: -
١٥١٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا"، أتؤاخذنا وليس منا رجلٌ واحد تَرَك عبادتك، ولا استبدل بك غيرك؟
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، قولُ من قال: إن موسى إنما حزن على هلاك السبعين بقوله: "أتهلكنا بما فعل السفهاء منا"، وأنّه إنما عنى ب"السفهاء" عبدةَ العجل. وذلك أنه محالٌ أن يكون موسى ﷺ كان تخيَّر من قومه لمسألة ربِّه ما أراه أن يسألَ لهم إلا الأفضل فالأفضل منهم، ومحالٌ أن يكون الأفضل كان عنده مَنْ أشرك في عبادة العجل واتخذَه دون الله إلهًا.
* * *
قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى عليه السلام كان معتقدًا أن الله سبحانه يعاقب قومًا بذنوب غيرهم، فيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل، ونحن من ذلك برآء؟ قيل: جائز أن يكون معنى "الإهلاك" قبض الأرواح على غير وجه العقوبة، كما قال جل ثناؤه: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ)، [سورة النساء: ١٧٦] = يعني: مات= فيقول: أتميتنا بما فعل السُّفهاء منَّا؟ (٢)
* * *
(٢) انظر تفسير ((الهلاك)) فيما سلف ٩: ٣٠ / ١٠٤: ١٤٧، وفهارس اللغة (هلك).
وأما قوله: "إن هي إلا فتنتك"، فإنه يقول جل ثناؤه: ما هذه الفعلة التي فعلَها قومي، من عبادتهم ما عبَدُوا دونك، إلا فتنة منك أصَابتهم= ويعني ب"الفتنة"، الابتلاء والاختبار (١) = يقول: ابتليتهم بها، ليتبين الذي يضلَّ عن الحق بعبادته إياه، والذي يهتدي بترك عبادته. وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلى الله، إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سببٍ منه جل ثناؤه.
* * *
وبنحو ما قلنا في "الفتنة" قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥١٧١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (إن هي إلا فتنتك"،) قال: بليّتك.
١٥١٧٢-.... قال، حدثنا حبويه الرازي، عن يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير: "إلا فتنتك"،: إلا بليتك. (٢)
١٥١٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، (٣) عن الربيع بن أنس: "إن هي إلا فتنتك"، قال: بليتك.
١٥١٧٤-.... قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء"، إن هو إلا عذابك تصيبُ به من تشاء، وتصرفه عمن تشاء. (٤)
(٢) (٢) الأثر: ١٥١٧٢ - ((حبويه الرازي)) هو: ((إسحق بن إسماعيل الرازي)) ((أبو يزيد))، مضى مرارًا، آخرها رقم ١٥٠١٥، والراوي عن حبويه هو ((ابن وكيع))، كما هو ظاهر، ولذلك وضعت نقطاً مكان اسمه، في هذا الموضع وما يشابهه من المواضع، حيث يختصر أبو جعفر شيخه من الإسناد.
(٣) (٣) في المطبعة والمخطوطة: ((أخبرنا ابن جعفر))، وهو خطأ ظاهر جداً، صوابه ما أثبت. وقد مضى هذا الإسناد وشبهه من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع، انظر ما سلف قريباً: ١٥١٧١.
(٤) (٤) الأثر: ١٥١٧٤ - شيخ الطبري في هذا الإسناد، هو ((المثنى)) المذكور في الأثر قبله. وسأضع هذه النقط، حيث يختصر أبو جعفر شيخه، ثم لا أنبه إليه، ومعلوم أن المحذوف هو شيخه في الإسناد قبله.
١٥١٧٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "إن هي إلا فتنتك"، أنت فتنتهم.
* * *
وقوله: "أنت ولينا"، يقول: أنت ناصرنا. (١) = "فاغفر لنا"، يقول: فاستر علينا ذنوبَنا بتركك عقابَنا عليها= "وارحمنا"، تعطف علينا برحمتك= "وأنت خير الغافرين"، يقول: خير من صَفَح عن جُرم، وسَتر على ذنب. (٢)
* * *
(٢) (٢) انظر تفسير ((المغفرة))، و ((الرحمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) و (رحم).
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر