ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ

واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا [ الأعراف : آية ١٥٥ ] جمهور العلماء على أن قومه منصوب بنزع الخافض ؛ لأن أصل الفعل يتعدى إليه ب( من ) فتعدى الفعل إليه بنفسه فنصب، والأصل، : واختار موسى من قومه سبعين رجلا، فحذفت ( من ) ونصب قومه ، وهذا الأسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الفرزدق :

منا الذي اختير الرجال سماحة وجودا إذا هب الرياح الزعازع
معناه :( اختير الرجال ) أي : اختير من الرجال ؛ لأجل سماحته وجوده. ومنه قول الراعي يمدح رجلا :
اخترتك الناس إذا رثت خلائقهم واختل من كان يرجى عنده السول
يعني : اخترتك من الناس، هذا أسلوب معروف لا إشكال فيه. وزعم الأخفش الصغير – سليمان بن علي- أن النصب بنزع الخافض مطرد قياسي إذا أمن اللبس، وجماهير علماء العربية يقولون إنه سماعي يحفظ ما سمع منه ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله.
واختار موسى من قومه سبعين رجلا. اعلم أن هذه السبعين لا شك أن الله أمر موسى أن يختارها، ووقت لها وقتا معينا يأتيه بها في محل معين، إلا أنه مختلف في ميقات هذه السبعين ما هو ؟ وما سببه ؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب بعض العلماء إلى أن ميقات السبعين هذه المذكورة هنا في قوله : واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا زعم بعضهم أنه الميقات الأول الذي قال فيه : ولما جاء موسى لميقاتنا [ الأعراف : آية ١٤٣ ] وأن الله لما أمر موسى بذلك الميقات أمره أن يأتيه في سبعين رجلا من قومه يختارها، وتكون من خيارهم، وأنه جاءه بسبعين منهم، وسأل الله أن يسمعهم كلام الله، فسمعوا كلام الله يكلم موسى، يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، وأنه لما انقضت المناجاة، وارتفع عمود الغمام الذي كانوا فيه قالوا له : يا موسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [ البقرة : آية ٥٥ ] وأنهم أخذتهم الصاعقة، كما سيأتي تفصيله، وعلى هذا القول فالميقات ميقات السبعين هو ميقات موسى للمناجاة وإنزال التوراة. وهذا القول ليس بظاهر ؛ لأن ما وقع في الميقاتين والقصتين كله مختلف، فيظهر أنه ميقات آخر وقصة أخرى، وللعلماء فيه أقوال :
قال بعض العلماء : لما عبدوا العجل أمره الله أن يأتي إلى الطور بسبعين يختارها من خيارهم ليعتذروا إلى ربهم من عبادة قومهم للعجل حتى يتوب عليهم، وأن هذا هو ميقات السبعين التي اختيرت من أجله.
وقال بعض العلماء : ذهب موسى وهارون ومع هارون ابنه شبر وابنه شبير، جاؤوا على جبل فوجدوا عند ذلك الجبل كرسيا فاضطجع عليه هارون وقبض الله روحه، فلما رجع موسى لبني إسرائيل قالوا : أين هارون ؟ قال : مات. قالوا : بل قتلته وحسدتنا على لين خلقه، وأنت الذي قتلته ! ! وأنه قال : كيف أقتله ومعي ابناه ؟ وأن الله أعطاه وعدا يختار منهم سبعين حتى يحي لهم هارون ويسألوه، وأن السبعين ذهبت حتى جاء هارون وقال : من قتلك ؟ قال : ما قتلني أحد ولكن الله توفاني. إلى أقوال كثيرة من هذا النمط لا دليل عليها.
هذه هي الأقوال في الميقات، وعلى كل حال فهم سبعون رجلا من خيار الإسرائيليين اختارها موسى لميقات وقته الله له، ولما جاؤوا ذلك الميقات أخذتهم الرجفة، والرجفة : الزلزلة الشديدة، والهزة العظيمة.
واختلف العلماء في سبب هذه الرجفة وهذه الهزة اختلافا مبنيا على الميقات الذي كنا نقول، فقال بعضهم : إنه ذهب بهم ليعتذروا من عبادة العجل، وأن الله أسمعهم كلامه لنبيه، وأنهم قالوا له : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فامتنعوا من الإيمان والتصديق حتى يروا الله، فأخذتهم الصاعقة، وتلك الصاعقة هي التي أرجفتهم، وقال هنا : أخذتهم الرجفة [ الأعراف : آية ١٥٥ ].
وقال بعض العلماء : هؤلاء الطائفة لم يفعلوا ذنبا لكنهم لما ذهبوا مع موسى وسمعوا كلام الله داخلتهم هيبة شديدة وخوف عظيم حتى كادت مفاصلهم يبين بعضها من بعض. وهذا القول لا يتجه ؛ لأنه يقول : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وهذا يدل على أن هنالك بعض الشيء.
وقال بعض العلماء : إن الله لما أمر موسى أن يأتي الميقات بسبعين، اختار السبعين وهم في نظره أفضل بني إسرائيل، وما كان يظن أنهم قد عبدوا العجل مع من عبده، وهم قد عبدوه، وموسى لا يدري عن ذلك، فلما جاؤوا الميقات جاءتهم الرجفة والهزة العنيفة بسبب عبادتهم للعجل.
وقال بعض العلماء : لم يعبدوا العجل ولكنهم داهنوا من عبده فلم يزجروه زجرا قويا، فجاءتهم الرجفة لعدم زجرهم كما ينبغي.
هذه أقوال المفسرين، وفيها غير هذا، ولا شيء يقوم عليه الدليل القاطع منها، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله : واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة الهزة الشديدة، سواء قلنا أنها بسبب قولهم : أرنا الله جهرة [ البقرة : آية ٥٥ ] أو بسبب أنهم عبدوا العجل، أو أنهم لم ينهوا من عبد العجل، أو غير ذلك من الأسباب، ضاق الأمر بموسى، وعلم أنهم إن ماتوا وقعت بنو إسرائيل في بلية لا مخرج منها ؛ لأنه لو ماتت تلك السبعون من خيارهم وجاءهم فقالوا : أين السبعون ؟ فقال : ماتوا. يقولون : أنت الذي قتلتهم ! ! ويقع فيهم الخلاف والشقاق والفساد الذي لا حد له، ومن هنا كان نبي الله موسى حريصا جدا على أن يحييهم – على القول بأنهم ماتوا- أو يرفع عنهم الرجفة –على القول بأنهم سقطوا مغشيا عليهم غير ميتين- كما هو معروف. وهذا معنى قوله : فلما أخذتهم الرجفة قال موسى متضرعا لربه ألا يقتلهم في ذلك الوقت الحرج، وذلك الظرف العصيب الذي له عواقب سيئة في قومه : قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل يا رب لو شئت إهلاكهم أهلكتهم من قبل هذا الوقت ؛ لأنه مرت أوقات لو هلكوا فيها ما كان في إهلاكهم عاقبة سيئة، فلو قتلهم بمحضر قومهم وهم ينظرون لما كانوا يتهمونني ولا نشأ عن ذلك فساد ولا بلايا لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أي : وأهلكتني معهم في غير هذا الظرف كان ذلك أهون علي وأقل أذية لي.
ثم إنه قال مناجيا ربه، وهذا الاستفهام –على التحقيق- استفهام استعلام مع تذلل واستعطاف أتهلكنا تهلكني أنا وإياهم. وقال بعض العلماء : تهلك جميع بني إسرائيل ؛ لأنهم إن ماتوا في ذلك اتهموا نبيهم ووقع فيهم الخلاف والقيل والقال الذي لا يرتفع.
بما فعل السفهاء منا السفهاء : جمع سفيه. والمراد بهم هنا : الذين فعلوا الموجب الذي أخذتهم الرجفة بسببه، سواء قلنا : إنه قولهم : أرنا الله جهرة [ البقرة : آية ٥٥ ] ولا سفه أكبر من ذلك، أو عبادتهم العجل، أو عدم نهيهم من عبد العجل، إلى غير ذلك.
والسفهاء : جمع سفيه، والسفه في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناه : الخفة والطيش، تقول العرب :( تسفهت الريح الريشة ) إذا استخفتها فطارت بها كل مطار.
وهو في الاصطلاح : خفة العقل وعدم رجاحة الحلم، حتى يفعل الأشياء التي تضره وهو لا يدري أنها تضره.
والسفه في اصطلاح الفقهاء الذي يحجر به على المال اختلف علماء الفقه في تحقيق مناطه، فذهب مالك بن أنس ومن وافقه من العلماء أن مناطه على حفظ المال وحسن النظر فيه، فلو كان الإنسان يحفظ ماله ويحسن النظر فيه لم يكن سفيها عند مالك، وأعطي له ماله ولو كان فاسقا شريبا سكيرا عاصيا لله.
وذهب الشافعي في طائفة من العلماء إلى أنه كان يعصي الله فهو أسفه السفهاء، وأنه لا يستحق ماله إلا وهو مطيع لله ؛ لأن من عصى الله سفيه خفيف العقل طائشه لا يعلم مصلحته.
وشارب الخمر إذا ما ثمرا لما يلي من ماله لم يحجرا
أي : عند مالك، خلافا للشافعي ومن وافقه – رحم الله الجميع- وهذا معنى بما فعل السفهاء منا .
ثم قال موسى : إن هي إلا فتنتك الذي جرأ موسى على أن يضيف الفتنة إلى الله هو أن الله قال له : قال فإنا قد فتنا قومك ومن بعدك وأضلهم السامري ٨٥ [ طه : آية ٨٥ ] فأسند الله هذه الفتنة لنفسه بقوله : فإنا قد فتنا قومك من بعدك فجرأ ذلك موسى على أن يقول : إن هي إلا فتنتك سواء قلنا : إن الرجفة أخذتهم بسبب قولهم : أرنا الله جهرة فهذا امتحان وابتلاء من الله، أو بسبب أنهم عبدوا العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله، أو بسبب أنهم لم ينهوا من عبدوا العجل فذلك ابتلاء وامتحان من الله. وهذا معنى قوله : إن هي أي : الفتنة التي فتنوا بها، وما هي إلا : فتنتك تضل بها من تشاء .
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن ( الفتنة ) أطلقت في القرآن إطلاقات معروفة مشهورة، فمن أشهر إطلاقاتها : الاختبار والامتحان، ومنه قوله : لأسقيناهم ماء غدقا ١٦ لنفتهم فيه [ الجن : الآيتان ١٧ ] ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : آية ٣٥ ] فأشهر إطلاقاتها : الامتحان والابتلاء.
ومن إطلاقات الفتنة هو : الإحراق بالنار كقوله : يوم هم على النار يفتنون ١٣ [ النازعات : آية ١٣ ] أي : يحرقون، وقوله : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات [ البروج : آية ١٠ ] أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك.
ومن إطلاقات الفتنة : نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، كقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي : لا يبقى شرك على وجه الأرض، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وتدل على ذلك الآيتان في سورة البقرة وسورة الأنفال، لأن الله قال في البقرة : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الذين لله [ البقرة : آية ١٩٣ ] فقوله : ويكون الدين لله معناه : أنه لا يبقى شرك في الأرض ؛ لأن الشرك ما دام في الأرض فالدين بعضه للشركاء، وآية الأنفال قوله : ويكون الدين كله لله [ الأنفال : آية ٣٩ ] كما هو ظاهر.
وأطلقت الفتنة في سورة الأنعام على الحجة في قوله : ثم لم تكن فتنتهم وفي القراءة الأخرى : فتنتهم أي : حجتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [ الأنعام : آية ٢٣ ].
تضل بها من تشاء كما أضللت الذين عبدوا العجل والذين قالوا : أرنا الله جهرة [ البقرة : آية ٥٥ ] وتهدي بها من تشاء فلا تفتنه.
أنت ولينا الولي في لغة العرب التي نزل بها القرآن : هو من انعقد بينك وبينه سبب يجعلك تواليه ويواليك، والله ولي المؤمنين إنما وليكم الله ورسوله [ المائدة : ٥٥ ] والمؤمنون أولياء الله ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٦٢ الذين آمنوا وكانوا يتقون ٦٣ [ يونس : الآيتان ٦٢، ٦٣ ] فهم يوالونه بطاعة وهو يواليهم بالثواب الجزيل والرحمة والغفران. وهذا معنى قوله : أنت ولينا .
فاغفر لنا الغفر في لغة العرب : معناه الستر، ومنه سمي المغفر مغفرا لأنه يستر الرأس، والمراد به ستر الذنوب ومحوها حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها.
وارحمنا } الرحمة صفة معروفة من صفات الله تظهر آثارها في خلقه، وهي على التحقيق صفة معنى قائمة بالذات، غلط كثير من المتكلمين زعم أنها من صفات الأفعال – كما هو معلوم في محله-.
وأنت خير الغافرين الذين يغفرون الذنوب ؛ لأن من غفر في الدنيا قد يغفر لتحسن سمعته (... ) ( في هذا الموضع انقطع التسجيل ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير