* قوله تعالى : واختار موسى قومه سبعين رجلا :
٦١٨- أي : من قومه. ( الذخيرة : ٤/١٣٠ )
٦١٩- الاختيار هو الإرادة الكائنة بين شيئين فصاعدا، ومنه قوله تعالى : واختار موسى قومه سبعين رجلا أي : " أرادهم دون غيرهم مضافا إلى اعتقاد رجحان المختار "، وهو جائز على الله تعالى، قال الله تعالى : ولقد اخترناهم على علم على العالمين ١. ( الأمنية في إدراك النية المطبوع مع كتاب " الإمام القرافي وأثره... " : ٤٩٢ )
* قوله تعالى : إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء :
٦٢٠- استثناء مفرغ لتوسطه بين المتبدإ وخبره.
وفيه أسئلة وهي : أن الضمير في قوله : هي على أي شيء يعود، مع أنه لم يتقدم قبله ظاهر يعود عليه ؟ وما وجه هذا الحصر لهذا الضمير في الفتنة ؟ ولم سميت فتنة ؟ وما المحسن لهذا الخطاب مع الله تعالى ؟ وكيف تكون الفتنة سبب الإضلال لقوله تعالى : تضل بها من تشاء ؟ وهل قوله تعالى : وتهدي معناه بالفتنة، أو هو كلام مستأنف ؟ وما المستثنى منه ؟
والجواب :
أما الضمير فتقدمه أمران : طلب الرؤية وعبادة العجل، وكلامهما صالح أن يعود عليه الضمير باعتبار كونه فعله، أي الفعلة التي هي عبادة العجل أو طلب الرؤية. وقد ورد عن المفسرين القولان، والضمير قد يعود على المصادر وإن لم تذكر إلا أفعالها. بل الضمائر تعود على المعلوم من السياق وإن لم يتقدم له ذكر، بل وإن لم يدل السياق عليه، كقوله تعلى : إنا أنزلناه في ليلة القدر ٢، ولم يتقدم للقرآن ذكر، بل لما كان معلوما من حيث الجملة صح إضماره، وذكر ضميره.
وأما وجه الحصر لهذا الضمير، فلأنه لا أحد يقدر على امتحان العباد حقيقة إلا الله تعالى، وأما غيره من خلقه فإنما يختبر ويمتحن بقضاء الله وقدره وقدرته الخالقة لذلك الفعل الممتحن به. فالفعل لله تعالى، والمشيئة له، وكل كشيء يحدث في الوجود فإنما هو منسوب بطريق الإيجاد والاختراع له سبحانه وتعالى. فيكون معنى الكلام : " إن هذه الفعلة ليست فتنة لأحد على التحقيق، بل ليست فتنة على التحقيق إلا لك ومنك ". فهذا وجه الحصر.
وأما إذا حملنا الفتنة على ما هو أعم من الخلق الحقيقي بحيث يندرج في الكسب العادي اندرج فيه فعل السامري وغيره، وبطل الحصر. فالفتنة حصر فيها الضمير وحصرت لله تعالى، فهاهنا حصران. وأصل الكلام : " إن هي إلا فتنة "، ثم أضيفت الفتنة إليه سبحانه وتعالى بطريق الحصر أيضا، أي هذه الفتنة مخصوصة بك.
وأما تسميتها فتنة فلأن الفتنة لها معان، أحدها : الاختبار، قال الله تعالى : وفتناك فتونا ٣، أي : اختبرناك. وقال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة ٤، أي : اختبارا.
وعرض عبادة العجل على بني إسرائيل وخلق الله تعالى فيه الخوار مثل الحيوان٥ فتنة يختبر بها القلوب والعقول والعزائم، فيزيغ الضعيف ويثبت القوي، فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من يحيى عن بينة.
وأما المحسن لهذا الخطاب فلأنه صدر من موسى عليه السلام في معرض طلب الغفران والمسامحة، وطلب اللطف من بني إسرائيل، ولذلك قال عليه السلام : تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين . ولما كان الطالب لمسامحة الجاني يبذل جهده في ذلك كان من بذل الجهد للجاني الإشارة إلى بعض عذره، فإن ذلك في مجاري العادات أقرب لحصول مسامحته ومن عذرها ولأن الأمور كلها بقضاء الله تعالى وقدره، وأنه الخالق لها والمجريها على عباده فذكر هذا التوحيد، وإن لم ينتهض عذرا في سقوط الذنب ونفي التكليف قد ينتهض وسيلة لحصول العفو عن الجاني وكذلك جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى.. ٦ ". وذكر في الحديث أن موسى عليه السلام عاتب آدم عليه السلام على أكل الشجرة، فقال له آدم عليه السلام : " أتلومني على أمر قد قدر علي من قبل أن أخلق ؟ " فجعل من أسباب مسامحة موسى له وترك اللوم ملاحظة القضاء في ظاهر اللفظ. مع أن الحديث عند العلماء محمول على أنه إنما قصد صرفه عن اللوم بعد التوبة، وأن بعد التوبة لا يليق التعنيف، إلا أن الموطنين قد اشتركا في العذر عذرا في تقريب العفو وترك اللوم، فهذا هو المحسن لهذا الخطاب مع الله تعالى.
فإن قلت : فهل لأحدنا أن يقتدي بموسى عليه السلام في إطلاق هذه العبارة في هذا المعرض أم لا يحسن ذلك لما يفهم من خشونة القول ؟
قلت : لا يلحق به عليه السلام لوجهين :
أحدهما : أن العوائد قد تحدث في الألفاظ خشونة وبعدا عن الأدب بعد أن لم يكن كذلك، تحدث حسنا وعذوبة في الألفاظ لم يكن لها قبل ذلك، ومن اطلع على أشعار القدماء من الجاهلية وغيرها ومخاطبات ملوكهم، وغير ذلك من تصرفاتهم في ألفاظهم وجد أشياء كثيرة كانت حسنة عندهم، وهي اليوم مستهجنة جدا.
وكذلك عندنا ألفاظ نحن نستحسنها كانت الأوائل لا يعرجون عليها من مخاطبات الملوك ومن المكاتبات والتحيات والنعوت والمعاملات، وأشياء غير واحدة، وهذا وما بالعهد من قدم قول المتنبي في ديوانه :
وإن يكن العلق النفيس ***...
فصرح بهذه اللفظة في سياق المدح، لأن العلق الذي يعلق بالقلب لجميل صفاته، فاستعمله على حال زمانه، وهو اليوم عندنا متهجن من المذام والسب، بل يوجب حد القذف على قائله عند مالك رحمه الله، باعتبار ما تجدد فيه لا باعتبار ما كان في زمان مالك رحمه الله تعالى، وذلك كثير لا يحصى عددا لمن كان مطلعا على أحوال الناس.
فكذلك هذه اللفظة هي في عرفنا خشنة بعيدة عن الأدب، فيمتنع استعمالها لذلك، ولم يدلنا دليل على أنها كانت في زمان موسى كذلك، أعني معناها، وإلا فاللفظ العربي هذا بعينه لم ينطق به موسى عليه السلام، بل هذا اللفظ العربي مترجم عن اللفظ العبراني، فلم يتعين المنع في حقه عليه السلام، وإن تعين في حقنا أصلا والبتة.
وثانيهما : أن الخواص من الأنبياء والأولياء كما أنهم يناقشوا أكثر من غيرهم، فإنه يحسن منهم ما لا يحسن من غيرهم. والعوائد دالة على ذلك في خواص الملوك والأكابر، فيغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم، يمنعون مما أطلق لغيرهم، فكذلك هاهنا لا يلزم من حسن هذا الإطلاق من موسى عليه السلام لعلو قدره، وعلو منزلته عند ربه، ومعرفته بمكانته أن يحسن ذلك من آحاد المؤمنين مع بعده، فإن الفرق ظاهر فلا نطلق نحن هذه العبارة.
وأما كون هذه الفتنة سببا للضلال فلأنها سبب عادي كذلك. فإن قلت : عبادة العجل هي نفس الضلال، والشيء لا يكون سببا لنفسه.
قلت : ليس المراد نفس العابدة، لكن ما صدر في الوجود من الأوصاف في العجل الباعثة على عبادته.
وأما قوله عليه السلام لله تعالى : وتهدي من تشاء فالظاهر من القول ومن المعنى أنه منقطع عما قبله، وأنه كلام مستقل بنفسه، وليس المراد أن الله تعالى يضل بعبادة العجل ويهدي بها، بل يضل من يشاء بهذه الفتنة، ويهدي من يشاء بسبب آخر. فإن عبادة الله تعالى جارية أن مثل عبادة العجل لا تكون سببا للهداية، بل من اهتدى لعدم عبادته إنما هي بأمور أخرى صارفة عن العبادة من ألطاف الحق ونور العقل والدلائل الدالة على نقص العجل وعدم صلاحيته للعبادة.
وأما المستثنى منه، فهو أفراد الفاعلين الذي يمكن أن يتوهم أنهم يفتنون الخلق على جهة الحقيقة، فيكون التقدير : " لا يفتن الناس أحد على التحقيق إلا الله تعالى " فيكون المستثنى منه أفراد الفاعلين للفتنة على التحقيق. ( الذخيرة : ٢/٢١٦ )
٢ - سورة القدر: ١..
٣ - سورة طه: ٤١..
٤ - سورة الأنبياء: ٣٥..
٥ - فيه إشارة إلى قوله تعالى عن السامري: فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار. طه: ٨٦..
٦ - الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، الباب: ١١. ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، الباب: ١٤. وأحمد في مسنده: ٢/٣١٤..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي