ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

يقول الله عز وجل : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ١٥٦ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ١٥٧ هذا من بقية دعاء موسى بن عمران ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام )، قال : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة قوله : واكتب لنا معناه قدر لنا واقض لنا، أي : اجعل ذلك مقدورا وقضاء مقضيا لنا في هذه الدنيا في هذه الحياة ( الدنيا ) تأنيث الأدنى لدنوها أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة. حسنة قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله : ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ٢٠١ [ البقرة : آية ٢٠١ ] أن أظهر الأقوال أن الحسنة المطلوبة في الدنيا شاملة، فهي شاملة للتوفيق، والحياة الطيبة، والرزق الحسن، والعافية، وأن حسنة الآخرة المسؤولة هي الجنة ونعيمها والنظر إلى وجه الله الكريم، فطلب موسى حسنة الدنيا الشاملة لعافيتها وتوفيقها ورزقها، وحسنة الآخرة التي هي التنعيم في الجنة، والنظر إلى وجهه الكريم، هذا معنى قوله : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة أي : وفي الآخرة حسنة. فحذفت لدلالة ما قبلها عليها.
وقوله : إنا هدنا إليك العرب تقول : هاد يهود. إذا تاب ورجع، وهذا هو المعنى المشهور الصحيح في هذه الآية إنا هدنا إليك أي : تبنا ورجعنا إليك. وهذا كالتعليل لما قبله ؛ لأن التوبة والإنابة والرجوع إليه من الأسباب التي يكتب الله بها حسنة الدنيا وحسنة الآخرة العرب تقول : هد أيها الرجل. تب إلى الله من ذنوبك وارجع. هاد : أي : تاب. والهود : جمع هائد وهو التائب. وقد قال بعضهم :
يا راكب الذنب هدهد *** واسجد كأنك هدهد
معنى : هدنا إليك أي : تبنا ورجعنا منيبين إليك.
قال الله جل وعلا : عذابي أصيب به من أشاء قرأ هذا الحرف جماهير القرء : عذابي أصيب به من أشاء بإسكان ياء المتكلم. وقرأه نافع : عذابي أصيب به من أشاء وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان.
عذابي أصيب به أعذب به وأهين به من أشاء أي : من أشاء إهانته به. والقراءة الصحيحة التي قرأ بها الجمهور : من أشاء بالشين المعجمة المثلثة وضم الهمزة.
أما القراءة التي تذكر عن الحسن وغيره أنه قرأ :( قال عذابي أصيب به من أساء ورحمتي وسعت كل شيء ) فهي قراءة شاذة لا تجوز القراءة بها. ومعلوم أن أهل الأهواء والبدع من قدرية وغيرهم يستدلون بتلك القراءة :( أصيب به من أساء ) يستدلون بها لشيء من مذاهبهم، ولما كانت قراءة شاذة لا تجوز القراءة بها فلا معول عليها ولا طائل لما أخذوه منها واستدلوا به لمذاهبهم الباطلة.
وقوله : ورحمتي وسعت كل شيء الرحمة صفة من صفات الله اشتق منها لنفسه اسمه ( الرحمن ) واسمه ( الرحيم )، وهي على التحقيق من صفات المعاني القائمة بذاته ( جل وعلا )، وكثير من المتكلمين الذين يؤولون صفات الله ويحملونها أولا على محامل غير طيبة ثم يلجؤهم ذلك إلى تأويلها يزعمون أنها صفة فعل. وذلك ليس بحق، والحق أنها صفة ذات من صفات المعاني القائمة بذات الله، ولا تشبه شيئا من صفات المخلوقين، ليس فيها رقة مخلوقية، ولا انعطاف مخلوقي، لا وكلا، بل هي صفة كمال وجلال لائقة برب العالمين، منزهة كل التنزيه، مقدسة كل التقديس، لم تشبه شيئا من صفات الخلق.
وقوله : وسعت كل شيء رحمة الله واسعة لا تضيق عن شيء، فهي تسع كل شيء كائنا ما كان. و( الشيء ) عند أهل السنة والجماعة يطلق على الموجود، ولا يطلق على المعدوم، فكل موجود يطلق عليه اسم ( الشيء ) عند أهل السنة والجماعة، ولا يطلق ( الشيء ) على [ المعدوم ] ( في الأصل :( الموجود ) وهو سبق لسان ). وجاز إطلاقه على الله كما قال تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه [ القصص : آية ٨٨ ] وقال : قل أي شيء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم [ الأنعام : آية ١٩ ]، ولا يطلق على المعدوم بدليل أن الله صرح بان المعدوم ليس بشيء كقوله : وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا [ مريم : آية ٩ ] فصرح بان المعدوم ليس بشيء.
والمعتزلة يقولون : إن المعدوم يصدق عليه اسم ( الشيء ) ويتعسفون الاستدلال لذلك من آية من كتاب الله، قالوا : إن الله قال : إنما قولنا لشيء إذا أردناه فسماه ( شيئا ) قبل أن يريده، وقبل أن يقول له :( كن ) وهو في ذلك الحين معدوم. وهذا لا دليل فيه ؛ لأنه لما تعلقت إرادة الله به صار كأنه موجود بالفعل ؛ لأن المتوقع وجوده كالموجود بالفعل. هذا معنى قوله : وسعت كل شيء .
يقول بعض المفسرين : إنه لما عمم سعة رحمته لكل شيء أن إبليس طمع ومد عنقه، وأنه لما قال : فسأكتبها للذين يتقون أنه يئس ورجع. هكذا يقولون، والله أعلم بصحته. ويزعمون أن أهل الكتابين قالوا : نحن ممن يتقي. فلما جاء بعض الصفات علموا أنها لا تنطبق كل الانطباق إلا على هذه الأمة الكريمة المرحومة ؛ ولذا قال : فسأكتبها للذين يتقون .
فسأكتبها أجعلها مكتوبة مقدرة مقضية لهم، والعرب كل شيء لازم محتوم تسميه مكتوبا، وهو معروف في لغتهم، ومنه : كتب عليكم الصيام [ البقرة : آية ١٨٣ ] كتب عليكم القصاص [ البقرة : آية ١٧٨ ] لأن ( كتب الشيء ) معناه : جعله لازما، وهذا معروف في لغة العرب، ومنه قول الشاعر :
يا بنت عمي كتاب الله أخرجني *** عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا
قوله ( كتاب الله ) أي : ما كتبه وقضاه وحكمه. ومنه بهذا المعنى قول ابن أبي ربيعة :
كتب القتل والقتال علينا *** وعلى الغانيات جر الذيول
وهذا معنى قوله : فسأكتبها للذين يتقون أي : يجعلون بينهم وبين غضب خالقهم وعقابه وقاية تقيهم سخط ربهم وعذابه. وتلك الوقاية هي امتثال أمره واجتناب نهيه ( جل وعلا ) كما بيناه مرارا. أي : يتقون الشرك والمعاصي، ويمتثلون أوامر الله، وهذا معنى قوله : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة .
أكثر العلماء على أن معنى : ويؤتون الزكاة يعطون الحقوق الواجبة في المال المقررة المفصلة في السنة في المواشي والزروع والثمار والمعادن والذهب والفضة والتجارة وما جرى مجرى ذلك مما تجب فيه الزكاة، وأن هذا هو المراد بالزكاة الحقوق الواجبة في المال.
وقال بعض العلماء : هي زكاة الأبدان وتطهيرها من أدران الذنوب والمعاصي والشرك بطاعة الله ( جل وعلا ) ؛ لأن من أطاع الله زكى، أي : طهر من أدناس الذنوب وأرجاسها كما قال : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولاكن الله يزكي من يشاء [ النور : آية ٢١ ] هذا معنى قوله : للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا الشرعية التي أنزلنا على رسلنا يؤمنون أي : يصدقون الرسل فيها، ويشمل ذلك عند بعضهم : بآياتنا : الكونية القدرية، كما نصبنا من العلامات على قدرتنا، وأني أنا المستحق العبادة وحده، يؤمنون بذلك فيعلمون أنها دالة على ربوبية من نصبها، واستحقاقه للعبادة وحده.
ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها : أن الذين لا يتقون الشرك ولا المعاصي، ولا يؤتون الزكاة لا يكتب لهم هذه الرحمة، وقد بين تعالى ذلك في قوله : وويل للمشركين ٦ الذين لا يؤتون الزكاة الآية [ فصلت : الآيتان ٦، ٧ ] وهذا معنى قوله : والذين هم بآياتنا يؤمنون [ الأعراف : آية ١٥٦ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير