ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

وقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ. الكناية في قوله هِيَ تعود إلى الفتنة، [كما تقول: إن هو إلا زيد، وإن هي إلا هند، والمعنى: إن تلك الفتنة] (١) التي وقع فيها السفهاء لم تكن إِلَّا فِتْنَتُكَ أي: اختبارك، وابتلاؤك، وهذا تأكيد لقوله: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا لأن معناه: لا تهلكنا بفعلهم، فإن تلك الفتنة كانت اختبارًا منك وابتلاءً أضللت بها قوماً فافتتنوا، وهديت قومًا فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك (٢)، فذلك معنى قوله: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ (٣). وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر (٤).
١٥٦ - قوله تعالى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً. أي: أوجب لنا، والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب، وقد مضى ذلك، وسؤالهم الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله عنهم في قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة: ٢٠١]. ومضى تفسير هذه الآية.
و (٥) قال ابن عباس في الآية في هذه السورة: (يريد: اقبل وفادتنا وردنا بالمغفرة والرحمة)، وَفِي الْآخِرَةِ، قال: (يريد: حسنة، يعني: الجنة) (٦). وقول ابن عباس: (يريد: حسنة)، يعني: إن تقدير الآية:

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٧٦، و"معاني النحاس" ٣/ ٨٨، و"إعراب النحاس" ١/ ٦٤٢، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٧٣.
(٣) لفظ: (وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ) ساقط من (ب).
(٤) انظر: "تفسير الرازي" ١٥/ ١٩، والقرطبي ٧/ ٢٩٦، والخازن ٢/ ٢٩٥.
(٥) (الواو) ساقطة من (ب).
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٥٠.

صفحة رقم 391

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حسنة.
وقوله تعالى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ. قال جميع المفسرين (١) وأهل المعاني (٢): (تبنا ورجعنا إليك بتوبتنا). قال الليث: (الهَوْد التوبة) (٣).
وقوله تعالى: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ. قال ابن عباس: (يريد: على الذنب اليسير) (٤).
وقوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. قد ذكرنا (٥) قديمًا أن رحمة الله تعالى إرادته الخير (٦)، وإرادته الخير تنقسم إلى أقسام كثيرة، وكل خيرٍ من خير الدنيا والآخرة أصاب أحدًا فذلك من رحمته، ثم من تلك الخيرات ما هو أعم وأوسع، ومنها ما هو أخصّ.
والأحسن في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه الحسن وقتادة (٧)، وهو:

(١) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٧٧، ٧٨، وأخرجه من طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وقتادة والسدي والضحاك وأبي العالية، وانظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٧٣، والماوردي ٢/ ٢٦٦.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٢٩، و"غريب القرآن" لليزيدي ص ١٥١، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٨١، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٠، و"نزهة القلوب" ص ٤٧٨، و"معاني النحاس" ٣/ ٨٨، و"تفسير المشكل" ص ٨٧.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٨٩، وانظر: "العين" ٤/ ٧٦، (هود)، و"الزاهر" ٢/ ٢١٤
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٥٠.
(٥) انظر: "البسيط" تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) أول الكتاب.
(٦) الرحمة: صفة من صفات الله تعالى تثبت له كما أثبتها لنفسه ولا يلزم من إثباتها مشابهة صفة المخلوقين ولا نؤولها بإرادة الخير كما يفعل أهل التأويل. انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨٠، و"مختصر الصواعق" لابن القيم ٣/ ٨٦٩.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٤٣، الطبري ٩/ ٨٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٧٨ بسند جيد عن الحسن وقتادة.

صفحة رقم 392

(أن رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وقد بين [عطية العوفي] (١) هذا أحسن بيان فقال: (إن الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمن خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه) (٢). وهذا اختيار الزجاج (٣)، وذكر أبو بكر بن الأنباري وجهين في هذه الآية:
أحدهما: (أن الرحمة يراد بها الصنع والأفضال، وما يخلو من صنع الله وأفضاله مؤمنٌ ولا كافر، كالمطر يسمى الرحمة، وما خرج منه كافر ولا غيره)، وهذا معنى ما ذكرنا عن المفسرين أنهم قالوا: (رحمته وسعت في الدنيا البار والفاجر).
الوجه الثاني: (أن رحمته (٤) تسع كل شيء يجوز أن يدخل فيها، وأن يكون مستحقًا لها (٥)، كقولهم: فلان يحسن كل شيء، يريدون من الأشياء التي يحسنها أمثاله، ومن هذا قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٤٤]، يعني: مما يجوز أن يفتح عليهم، وكذلك (٦): وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣]. معناه: من الأشياء التي يمكن أن يؤتاها مثلها.

(١) لفظ: (عطية العوفي) ساقط من (ب).
(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٨ ب، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٥٠، والبغوي ٣/ ٢٨٧.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٠.
(٤) في (ب): (أن رحمته وسعت تسع)، وهو تحريف.
(٥) انظر: "معاني الأخفش" ٢/ ٢١٣.
(٦) في (ب): (وكذلك في).

صفحة رقم 393

وهذا مذهب جماعة المفسرين (١)، وهو أنهم قالوا: هذا من العام الذي أريد به (٢) الخاص) (٣).
وقوله تعالى: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، يعني: فسأوجبها في الآخرة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وهذا معنى قول المفسرين (٤): (وهي يوم القيامة للمتقين خاصة)، وهذا تخصيص بعد التعميم باللفظ. وبيان [ذلك] (٥) أن ذلك يجب في الآخرة لمن اتصف بما ذكر في قوله تعالى: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إلى آخر الآية. قال ابن عباس: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (يريد: أمة محمد - ﷺ -) (٦).
وقوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: صدقات الأموال عند محلها) (٧).
وروي أيضًا عنه أنه قال في قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ: (يطيعون الله ورسوله) (٨)، كأنه ذهب إلى ما يزكي النفس ويطهرها من الأعمال (٩)، وبه

(١) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨٠، والسمرقندي ١/ ٥٧٣، والماوردي ٢/ ٢٦٧.
(٢) في (ب): (منه).
(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٢٧١، وفيه قال ابن الأنباري: (أن الرحمة تسع
كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم) اهـ.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨٠
(٥) لفظ: (ذلك) ساقط من (ب).
(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٩/ ٧٩، ٨٠، ٨٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠ من عدة طرق جيدة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠ بسند ضعيف، وقال الماوردي في "تفسيره" ٢/ ٢٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٧١ (هذا هو قول الجمهور) اهـ. ورجحه ابن عطية ٦/ ٩٩.
(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٩/ ٨١، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠ بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم قال: (يعني: طاعة الله والإخلاص).
(٩) هذا توجيه الطبري ٩/ ٨١، وانظر الماوردي ٢/ ٢٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٧١.

صفحة رقم 394

قال الحسن (١).
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. قال: (يريد: بما أنزلت (٢) على محمد والنبيين قبله يصدّقون) (٣).
قال المفسرون (٤): (إن وقد بني إسرائيل سألوا الله تعالى فقالوا: وَاكْتُبْ لَنَا إلى قوله: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ. فسألوه النعمة في الدنيا والآخرة، وتقربوا إليه بالتوبة من المعاصي، فأخبرهم الله تعالى أنه واسع الرحمة بقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فكانوا هم من جملة من وسعتهم الرحمة، ثم خص أمة محمد - ﷺ - بذكرهم وأوجب لهم الرحمة بقوله: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ).
ولهذا قال نوف (٥) البكالي: (ألا تحمدون ربًّا (٦) حفظ غيبتكم وأخذ لكم بسهمكم (٧)، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم) (٨).
وروى عطاء أيضًا عن ابن عباس أيضاً في هذه الآية أنه قال: (هذه الوفادة صارت للصالحين من أمة محمد) (٩)، ثم زاد في البيان أن المراد

(١) ذكره الماوردي ٢/ ٢٦٧، وابن الجوزي ٣/ ٢٧١.
(٢) كذا في (النسخ): (بما أنزلت) والأولى (بما أُنزل).
(٣) "تنوير المقباس" ٢/ ١٣٢.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨١، وقد أخرجه من عدة طرق جيدة عن قتادة، وابن جريج، وأبي بكر الهذلي ونوف البكالي.
(٥) نوف بن فضالة الحميري البكالي أبو يزيد الشامي. تقدمت ترجمته.
(٦) في (ب): (ربنا).
(٧) في (ب): (لسهمكم).
(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ والطبري ٩/ ٨٣ من عدة طرق جيدة.
(٩) أخرجه الطبري ٩/ ٨٢، ٨٣، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٠، من عدة طرق جيدة.

صفحة رقم 395

بقوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ هذه الأمة، فقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ. [والأمي] (١) الذي لا يكتب ولا يقرأ في قول جميع المفسرين (٢)، قال الزجاج: (معنى الْأُمِّيَّ: الذي هو على خِلْقَة الأُمَّة، لم يتعلم الكتاب فهو على جبلته) (٣). وقد قال - ﷺ -: "إنا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسُب" (٤).
قال الأزهري: ([وقد] (٥) قيل للنبي - ﷺ -: الأمي؛ لأن أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب، وبعثه الله رسولاً وهو لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وكانت هذه الخلة إحدى آياته المعجزة؛ لأنه تلا عليهم كتاب الله منظومًا تارة بعد تارة بالنظم الذي أنزل عليه فلم يغيره ولم يبدل ألفاظه، وكان الخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها أو نقص، فحفظه الله على نبيّه كما أنزله وأبانه من سائر من بعثه إليهم بهذه الآية، وفي ذلك أنزل الله: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ

(١) لفظ: (والأمي) ساقط من (ب).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨٠، و"معاني النحاس" ٣/ ٨٩، والسمرقندي ١/ ٥٧٤.
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨١، والأُمَّة -بضم الهمزة وفتح الميم المشددة-، انظر: "اللسان" ١/ ١٣٨ (أمم) وجبلته -بالكسر- أي خلقته، وقال الزجاج في "معانيه" ١/ ١٥٩: (معنى الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة أُمَّته أي: لا يكتب فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه) اهـ.
وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٤: (قيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نُسب إلى ما ولد عليه أي: هو على ما ولدته أُمه عليه) اهـ.
(٤) أخرجه البخاري رقم (١٩١٣) في كتاب الصوم، باب: قول النبي - ﷺ -: "لا نكتب ولا نحسب"، مسلم رقم (١٠٨٠) كتاب الصيام، باب: وجوب صوم رمضان، عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما.
(٥) لفظ: (قد) ساقط من (ب).

صفحة رقم 396

الآية (١) [العنكبوت: ٤٨]. وقد مضى صدر من الكلام في معنى الأمّي عند قوله: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة: ٧٨].
وقوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. أي: يجدونه بنعته وصفته، وهو مذكور في الكتابين بنعوته وصفاته، قد عرف ذلك أهلهما.
وقوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ. قال الزجاج: (يجوز أن يكون يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ استئنافًا، ويجوز أن يكون المعنى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ أنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (٢). وعلى هذا يكون الأمر بالمعروف، وما ذكر بعده، من صفته التي (٣) ذكرت في الكتابين.
وقال أبو علي فيما استدرك عليه: إلا وجه لقوله يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا أنه يَأْمُرُهُمْ إن كان يعني: إن ذلك مراد؛ لأنه لا شيء يدل على حذفه، ولأنا لم نعلمهم حذفوا هذا في شيء.
قال: وتفسير الآية: إن وجدت فيها المتعدي إلى مفعولين و مَكْتُوبًا مفعول ثانٍ، والمعنى: يجدون ذكره أو اسمه مكتوبًا.
قال سيبويه: (تقول إذا نظرت في هذا الكتاب (٤): هذا عمرو، وإنما المعنى: هذا اسم عمرو، وهذا ذكر عمرو، وقال: إن هذا يجوز على سعة

(١) "تهذيب اللغة" ١/ ٢٠٤ (أم).
(٢) "الإغفال" لأبي علي ص ٨١٧، وفي "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨١، قال: (قوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يجوز أن يكون يَأْمُرُهُمْ مستأنفًا) اهـ.
(٣) في (ب): (الذي).
(٤) في "الكتاب" ٣/ ٢٦٩، و"الإغفال" ص ٨١٨: (تقول إذا نظرت في الكتاب).

صفحة رقم 397

الكلام) (١)، فالمفعول الأول في الآية قائم مقام المضاف إليه، يدل على (٢) هذا أن المكتوب عندهم الاسم والذكر لا الرسول نفسه، ألا ترى أن المفعول الثاني هاهنا يجب أن يكون الأول كقوله: وجدت زيدًا منطلقًا، فالمنطلق في المعنى هو الأول، فلو جعلت الهاء في قوله يَجِدُونَهُ المفعول الأول دون تقدير حذف المضاف لم يكن المفعول الثاني هو الأول فلا يستقيم ذلك، فأما قوله (٣): يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فهو عندي تفسير لما كُتب، كما أن قول: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٩]. تفسير لوعدهم، وكما أن قوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالاً من المفعول الأول، ألا ترى أنه إذا كان المعنى: يجدون ذكره أو اسمه، لم يجز أن يكون يأمرهم حالاً منه، لأن الاسم والذكر لا يأمران إنما يأمر المذكور والمسمى) (٤).
فأما تفسير المعروف، فقال عطاء عن ابن عباس: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يريد: مكارم الأخلاق وخلع الأنداد، وصلة الأرحام) (٥). وقال الكلبي: (أي: بالتوحيد وشرائع الإِسلام) (٦).

(١) "الكتاب" ٣/ ٢٦٩.
(٢) في (ب): (يدل على أن هذا أن)، وهو تحريف.
(٣) في النسخ: (قولهم)، وهو تحريف.
(٤) "الإغفال" ص ٨١٧ - ٨٢٠، وانظر: "الدر المصون" ٥/ ٤٧٩ - ٤٨١، وذكر رد الفارسي على الزجاج، وقال: (وهذا الرد تحامل منه عليه لأنه أراد تفسير المعنى وهو تفسير حسن) اهـ.
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٥٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٢، وذكره الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٩، والقرطبي ٧/ ٢٩٩، الخازن ٢/ ٢٩٨، عن عطاء فقط.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ١٣٢.

صفحة رقم 398

وقوله تعالى: وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ. قال عطاء: (يريد: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام، والكفر بما أنزل الله على النبيين) (١).
وقال الكلبي: (هو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة) (٢).
وقوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ. قال عطاء: (يريد: ما حُرّم عليهم في التوراة والإنجيل من لحوم الإبل وشحوم الضأن والمعز والبقر) (٣). وقيل (٤): (هي الحلالات التي كان أهل الجاهلية تحرمها من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي).
وقوله تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ. قال عطاء عن ابن عباس (٥): (يريد: المَيْتَةَ وَالدَّمَ وما ذكر (٦) في المائدة [٣] إلى قوله: ذَلِكُمْ فِسْقٌ.
[و] (٧) قوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ. ذكرنا معنى (الإصر) في

(١) ذكره الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٩، والقرطبي ٧/ ٢٩٩، والخازن ٢/ ٢٩٨، وجعله الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٥٣، وابن الجوزي ٣/ ٢٧٢، من قول ابن عباس.
(٢) ذكره السمرقندي في "تفسيره" ١/ ٥٧٤، بلا نسبة.
(٣) لم أقف عليه، وانظر: "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨١، النحاس ٣/ ٨٩.
(٤) هذا هو قول الطبري ٩/ ٨٤، والثعلبي ١٩٩ أ، والماوردي ٢/ ٢٦٩، والبغوي ٣/ ٢٨٩.
(٥) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٥/ ٢٤، وأخرج الطبري ٩/ ٨٤، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٣ بسند جيد عن ابن عباس قال: (هي لحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله) اهـ.
(٦) في (ب): (وما ذكره) وهو يريد قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ [المائدة: ٣]
(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

صفحة رقم 399

آخر سورة البقرة. واختلف (١) القراء هاهنا، فقرءوا: إِصْرَهُمْ وآصَارهم (٢)، قال أبو علي الفارسي: (الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، ويدل على ذلك إضافته وهو مفرد إلى الكثير، كما قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ (٣) [البقرة: ٢٠]. ومن جمع أراد ضروبًا من العهود (٤). مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما تجمع سائر الأجناس) (٥).
قال ابن عباس: (يريد: العهد (٦) الثقيل الذي كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة) (٧).
وهو قول الحسن والضحاك والسدي ومجاهد (٨)، والمعنى: ويُسقط عنهم ثقل العهد الذي أُخذ عليهم.

(١) في (ب): (واختلفوا).
(٢) قرأ ابن عامر: (آصَارهم) -بفتح الهمزة والصاد، وألف بعدها على الجمع- وقرأ الباقون: إِصْرَهُمْ -بكسر الهمزة وسكون الصاد من غير ألف بعدها على الإفراد-، انظر: "السبعة" ص ٢٩٥، و"المبسوط" ص ١٨٥، و"التذكرة" ٢/ ٤٢٦، و"التيسير" ص ١١٣، و"النشر" ٢/ ٢٧٢.
(٣) في (ب): (فلو شاء)، وهو تحريف.
(٤) في "الحجة" لأبي علي ٤/ ٩٤: (أراد ضروبًا من المآثم مختلفة).
(٥) "الحجة" لأبي علي ٤/ ٩٣، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٢٥، و"إعراب القراءات" ١/ ٢١٠، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٦٥، ولابن زنجلة ص ٢٩٨، و"الكشف" ١/ ٤٧٩.
(٦) في: (أ): (يريد: بالعهد).
(٧) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، ابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٣ من عدة طرق جيدة.
(٨) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، من عدة طرق عن مجاهد والحسن والسدي والضحاك، وذكره الثعلبي ١٩٩ أ، والبغوي٣/ ٢٨٩، عن هؤلاء.

صفحة رقم 400

قال الزجاج: (والإصر ما عقدته من عقد ثقيل) (١).
وقال سعيد بن جبير: (هو شدة العبادة) (٢).
وقال ابن جريج: (من أَتبع محمدًا - ﷺ - من أهل الكتاب وضع عنه ما كان عليه من التشديد في دينه) (٣).
وقوله تعالى: وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ. قال المفسرون (٤): (وهي الشدائد التي كانت في العبادة؛ كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من اللحم).
قال ابن قتيبة: وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ تحريم الله عليهم كثيراً مما أطلقه الله لأمة محمد - ﷺ -، وجعله أغلالًا لأن التحريم يمنع، كما يقبض الغُل اليد فاستعيرت) (٥).
وقال الزجاج: (الأغلال تمثيل؛ ألا ترى أنك تقول: قد جعلت هذا طوقًا في عنقك، وليس هناك طوق، وإنما تأويله: أني قد وليتك هذا وألزمتك القيام [به] (٦)، فجعلت لزومه (٧) كالطوق في عنقك. قال:

(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨١، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص ١٨١، و"نزهة القلوب" ص ١٢٣، و"تفسير المشكل" ص ٨٧.
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٣، من عدة طرق جيدة.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥ بسند جيد عن ابن جريج عن مجاهد، وذكر النحاس في "معانيه" ٣/ ٩٠، وقال: (الأقوال فيه متقاربة أي: ما يثقل عليهم) اهـ.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨٥، وقد أخرجه من طرق عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد.
(٥) "تأويل مشكل القرآن" ص ١٤٨، وانظر: "تفسير غريب القرآن" ص ١٨١، وقال القرطبي ٧/ ٣٠٠: (الأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال، هذا قول جمهور المفسرين) اهـ.
(٦) لفظ: (به) ساقط من (ب).
(٧) في: (أ): (لزومه له) وفي "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨١ (لزومه لك).

صفحة رقم 401

وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ؛ أنه من قَتَل قُتِل لا تقبل في ذلك ديةٌ، وكان عليهم إذا أصاب جلودهم شيء من البول أن يقرضوه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السبت) (١).
وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح (٢)، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعًا لله) (٣)، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة.
وقوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، قال ابن عباس: (يعني: من اليهود) (٤)، وَعَزَّرُوهُ، (يريد: وقروه) (٥)، وقد ذكرنا الكلام في معنى التعزير مستقصى عند قوله: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ [المائدة: ١٢].
وَنَصَرُوهُ أي: على عدوه، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، قال المفسرون (٦): (يعني: القرآن).
وقال عطاء: (يريد: الهدى والبيان والرشاد) (٧).
وقال الزجاج: (أي: اتبعوا الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور) (٨).

(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨١، ونحوه قال النحاس في "معانيه" ٣/ ٩١.
(٢) المسُوح جمع مِسْح: وهو الكساء من الشعر، انظر: "اللسان" ٧/ ٤١٩٨ (مسح).
(٣) ذكره الرازي ١٥/ ٢٥، بلا نسبة.
(٤) "تنوير المقباس" ٢/ ١٣٢.
(٥) أخرجه الطبري ٩/ ٨٥، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٨٥ بسند جيد عن ابن عباس قال: (حموه ووقروه) وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص ١٤٧، و"اللسان" ٥/ ٢٩٢٥ (عزر).
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٨٦، والسمرقندي ١/ ٥٧٤، والماوردي ٢/ ٢٦٩.
(٧) ذكره الرازي ١٥/ ٢٥، بلا نسبة.
(٨) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٨٢، ونحوه قال النحاس في "معانيه" ٣/ ٩١.

صفحة رقم 402

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية