الربع الأخير من الحزب السابع عشر
في المصحف الكريم
قوله تعالى في بداية هذا الربع : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة جزء من دعاء موسى عليه السلام، وهو تتمة لدعائه الوارد في نهاية الربع الماضي : أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين وهذا الدعاء من حق كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله وكتبه أن يدعو به لنفسه ولكافة المؤمنين.
وبعد الانتهاء من هذا الدعاء الشامل لخير الدنيا وخير الآخرة، يبدأ خطاب إلهي عام في موضوع العذاب والثواب، والنعمة والنقمة، ومضمون هذا الخطاب أن رحمة الله العامة تسع كل شيء مما يشاء، وأن عذابه يصيب به من يشاء، وإذا كانت الرحمة شاملة للنبات والحيوان والإنسان وكافة المخلوقات، فإن العذاب إنما يكون بالمرصاد لأعداء الله المتمردين على أوامره، من خصوم النبوات والرسالات، وذلك قوله تعالى : قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ولا يفهمن أحدا من هذه الآية أن الله يعذب من يشاء من عباده دون مبرر للعذاب، فإرادة الله المطلقة إرادة حكيمة، ومشيئته الحرة من كل قيد مشيئة عادلة، بمقتضى قوله تعالى : ولا يظلمون نقيرا ، وقوله تعالى في آية أخرى ولا يظلم ربك أحدا وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن لله عز وجل مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة }.
ثم نبه كتاب الله إلى أن هناك رحمة خاصة زائدة على الرحمة العامة التي تشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والنبات والحيوان، وجميع المخلوقات المنتشرة في الأكوان، وهذه الرحمة الخاصة اقتضت حكمته واستوجب عدله أن تكون قاصرة على خير أمة أخرجت للناس، متى حافظت على خيريتها ولم تتنازل عن هويتها، وذلك ما وعدها به الحق سبحانه وتعالى وعد حق وصدق إذ قال تعالى : فسأكتبها أي الرحمة الخاصة، وتندرج تحتها عدة نعم جليلة ودقيقة، في الدنيا والآخرة : للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .
وهذه الآيات الكريمة تتناول صفات الرسول صلى الله عليه وسلم التي يشترك فيها مع غيره من الأنبياء والرسل السابقين : يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث كما تبرز أهم الصفات، التي ميزته أولا النبي الأمي والتي ميزت رسالته عن بقية الرسالات ثانيا : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت شائعة قبل الإسلام، بمعنى أنه جاء بدين طبعه الله بطابع السماحة واليسر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :( بعثت بالحنيفية السمحة ) وقال صلى الله عليه وسلم :( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وقال صلى الله عليه وسلم :( إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل ).
وتتناول نفس الآيات صفات أتباع الرسول عليه السلام من صالحي المؤمنين، فهم أهل إيمان وإحسان، وتقوى وإتباع، وهم أهل وفاء وثبات على العهد الذي عاهدوا الله عليه، من نصرة رسوله، وبذل الأرواح في سبيله في كافة الظروف وجميع البقاع : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول – فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .
ومما تنبغي ملاحظته هنا ما كررته الآية الكريمة هنا من صفة الإتباع التي هي شارة التكريم والتشريف، وموضع الأفضلية والخيرية للأتباع، فقد كررتها الآية مرتين، بصيغة المضارع الدالة على تجدد العمل حينا بعد حين : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي وبصيغة الماضي الدالة على وقوع الإتباع فعلا، لا قولا، وعملا لا ادعاء، واتبعوا النور الذي أنزل معه وكان مسك الختام في هذا المقام، تلك الإشارة الكريمة ذات المغزى البعيد، والطالع السعيد، أولئك هم المفلحون أي هم الفائزون لا غيرهم، وغيرهم خاسرون حتما، دنيا وأخرى.
وفي قوله تعالى : فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة نقطة مهمة يجب الوقوف عندها، ذلك أن سورة الأعراف سورة ( مكية ) و ( الزكاة ) بالمعنى الذي تعرف به بين المسلمين الآن فريضة ( مدنية )، فما معنى ( الزكاة ) إذن في سورة الأعراف وما ماثلها من السور المكية، مثل سورة فصلت التي ورد فيها في سياق ذم المشركين قوله تعالى : وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة ؟.
والجواب الذي أجاب به المحققون عن مثل هذا السؤال هو أن اسم ( الزكاة ) أطلق أولا بصفة إجمالية لم يكن فيها تقرير لمقادير خاصة، ولا تعيين لأنصبة معينة، ولما كثر عدد المسلمين بمكة نوعا ما فرض الله على أهل الأموال أن يعطوا للمحتاجين صدقة من زرعهم ونخلهم وثمارهم، بقوله تعالى في سورة الأنعام المكية، وهي من آخر ما نزل بمكة : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده .
وعندما تألفت جماعة المسلمين بالمدينة من المهاجرين والأنصار قام الأنصار بمواساة المهاجرين، وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا يعتبرون تلك العطايا واجبة عليهم، لأن القرآن كرر الأمر بها، وسماها ( زكاة ) وقرنها بالصلاة، وهكذا كانت الزكاة في أول الإسلام مفروضة على المسلمين بوجه إجمالي غير مفصل، وكانت مقاديرها ومواقيتها موكولة إلى أريحية المؤمنين أنفسهم وتقديرهم للظروف دون أي تحديد، اعتمادا على الوازع الديني المجرد، الذي يحث على التقرب إلى الله بكل ما فيه رضاه. وإنما فرضت الزكاة المعينة المحددة الأنواع والأنصبة والمواقيت في سنة اثنتين أو ثلاث بعد الهجرة إلى المدينة، فكان منها زكاة الأنعام، وزكاة الثمار، وزكاة النقدين، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوبها والحكمة في فرضها في غير ما حديث، ومن ذلك قوله لمعاذ وهو يودعه حين بعثه إلى اليمن :( فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ). وهكذا مرت الزكاة بعدة مراحل، ممن فصل القول فيها الشيخ محمد الطاهر " ابن عاشور " في كتابه " أصول النظام الاجتماعي في الإسلام "، وهو في ذلك متفق معنى وروحا مع ما قرره الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه " الموافقات " حول التشريع المكي والتشريع المدني وما بينهما من علاقة وتدرج. ثم خاطب الحق سبحانه وتعالى خاتم أنبيائه ورسله مكلفا إياه أن يبلغ الرسالة التي تلقاها من عند الله إلى جميع الناس، فهو رسول الله إلى كافة السلالات والأجناس، وهو رسول الله إلى من عاصره وإلى كل من يأتي بعده إلى يوم الدين : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا . كما كلفه بأن يدعوهم جميعا إلى الإيمان بالله ورسوله، وأن يأمرهم بإتباعه إن أرادوا الهدى والبعد عن الضلال : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون فالسر كله في الإتباع " إتباع الهدى المحمدي " والشر كله في الابتداع " ابتداع الضلالات والبدع ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري