ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ: قَدْ كَانَ مِنْ سَبْقِ رَحْمَتِي غَضَبِي أَنْ أَجْعَلَ عَذَابِي خَاصًّا أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ، وَأَمَّا رَحْمَتِي فَقَدْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَهِيَ مِنْ صِفَاتِي الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي قَامَ بِهَا أَمْرُ الْعَالَمِ مُنْذُ خَلَقْتُهُ، وَالْعَذَابُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي بَلْ مِنْ أَفْعَالِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى صِفَةِ الْعَدْلِ؛ وَلِهَذَا عَبَّرَ عَنِ التَّعْذِيبِ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَعَنْ تَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْعَامَّةُ الْمَبْذُولَةُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ، وَلَوْلَاهَا لَهَلَكَ كُلُّ كَافِرٍ وَعَاصٍ عَقِبَ كُفْرِهِ وَفُجُورِهِ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ (٣٥: ٤٥) وَهُنَالِكَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ يُوجِبُهَا وَيَكْتُبُهَا تَعَالَى لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحْسِنِينَ، وَيَبْذُلُ مَا شَاءَ مِنْهَا لِمَنْ شَاءَ بِغَيْرِ كِتَابَةٍ مِنْهُ، وَمَا كِتَابَتُهُ إِلَّا فَضْلٌ مِنْهُ وَرَحْمَةٌ، وَأَمَّا الْعَذَابُ فَلَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ، وَلَا فِي خَبَرِ الْمَعْصُومِ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - كَتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ أَثْبَتَهُ، وَتَوَعَّدَ بِهِ فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ صِفَتَيِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَقَدْ أَفْرَطَ فِي النَّظَرِ إِلَى عُمُومِ الرَّحْمَةِ، وَغَفَلُوا عَنِ النَّظَرِ فِي مُقْتَضَى الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، وَالْوَعِيدِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَدَمِ تَعْذِيبِ أَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَآخَرُونَ إِلَى عَدَمِ تَعْذِيبِ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ بَعْضُ غُلَاةِ التَّصَوُّفِ؛ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَذَابَ صُورِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ، وَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُذُوبَةِ، وَإِنَّ فِي جَهَنَّمَ مَنْ هُمْ أَحَبُّ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ - جَعَلَهُمُ اللهُ مِنْهُمْ -. وَأَفْرَطَ آخَرُونَ فِي النَّظَرِ إِلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ تَعَالَى تَعْذِيبَ الْعُصَاةِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ لَا الْكُفَّارِ فَقَطْ، وَلَوْلَا أَنْ صَارَ هَذَا وَذَاكَ مَذْهَبًا لَسَهُلَ جَمْعُ كَلِمَةِ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْأَخْذِ
بِظَوَاهِرِ نُصُوصِ الْقُرْآنِ، فِي كُلِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَنِ، وَلَمَا قَالَ مِثْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِنْ جَهَابِذَةِ الْبَيَانِ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ أَيْ: مَنْ وَجَبَ عَلَيَّ فِي الْحِكْمَةِ تَعْذِيبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ مَسَاغٌ؛ لِأَنَّهُ مَفْسَدَةٌ انْتَهَى. فَقَدْ فَسَّرَ مَنْ يَشَاءُ تَعَالَى تَعْذِيبَهُ بِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعْذِيبُهُ، وَجَمَاعَتُهُ يَقُولُونَ إِنَّ هَذَا وُجُوبٌ عَقْلِيٌّ لَا يَدْخُلُ الْإِمْكَانُ سِوَاهُ وَلَا تَتَعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُنَافِي الْمَشِيئَةَ مُنَافَاةً قَطْعِيَّةً فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِهِ؟ ! ‍ يَا لَيْتَ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَنْتَحِلْ مَذْهَبًا، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي خِلَافِ الْمَذَاهِبِ، وَإِذًا لَكَانَ كَشَّافُهُ حُجَّةً عَلَى أَصْحَابِهَا وَمَرْجِعًا لَهُمْ فِي تَحْرِيرِ مَعَانِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَدَقِّ عُلَمَاءِ هَذِهِ اللُّغَةِ فَهْمًا وَأَحْسَنِهِمْ بَيَانًا وَلَمَا فَهِمَ، وَمَسْأَلَةُ الْوُجُوبِ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - نَظَرِيَّةٌ فِكْرِيَّةٌ لَا لُغَوِيَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - شَيْءٌ لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ فِي النُّصُوصِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوُجُوبِ إِلَّا أَنْ يُوجِبَهُ تَعَالَى بِمَشِيئَتِهِ، بِمَعْنَى كِتَابَتِهِ وَجَعْلِهِ أَمْرًا مَقْضِيًّا، وَلَيْسَ فِي إِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَشِيئَتِهِ مَا فِي إِيجَابِ عُقُولِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَى اسْتِعْلَاءِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى - أَوْ مِنْ إِيهَامِ كَوْنِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَحْكُومًا

صفحة رقم 192

بِمَا يُنَافِي سُلْطَانَهُ الِاخْتِيَارِيَّ الَّذِي هُوَ فَوْقَ كُلِّ سُلْطَانٍ، بَلْ لَا سُلْطَانَ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا سُلْطَانُ غَيْرِهِ بِهِ وَمِنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي اخْتِلَافِ التَّعْبِيرِ إِلَّا مُرَاعَاةَ الْأَدَبِ لَكَفَى.
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ إِلَخْ؛ أَيْ: وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَسَأَكْتُبُ رَحْمَتِي كَتْبَةً خَاصَّةً، وَأُثْبِتُهَا بِمَشِيئَتِي إِثْبَاتًا لَا يَحُولُ دُونَهُ شَيْءٌ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ وَالتَّمَرُّدَ عَلَى رَسُولِهِمْ، وَيُؤْتُونَ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ الَّتِي تَتَزَكَّى بِهَا أَنْفُسُهُمْ، وَغَيْرَهَا مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَخَصَّ الزَّكَاةَ بِالذِّكْرِ دُونَ الصَّلَاةِ، وَمَا دُونَهَا مِنَ الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ حُبِّ الْمَالِ تَقْتَضِي بِنَظَرِ الْعَقْلِ وَالِاخْتِبَارِ بِالْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُونَ لِلزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنَ التَّارِكِينَ لِغَيْرِهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ حُبِّ الْيَهُودِ لِلدُّنْيَا وَافْتِتَانِهِمْ بِجَمْعِ الْمَالِ وَمَنْعِ بَذْلِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ مَعْنَاهُ: وَسَأَكْتُبُهَا كَتْبَةً خَاصَّةً لِلَّذِينِ يُصَدِّقُونَ بِجَمِيعِ آيَاتِنَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِنَا وَصِدْقِ رُسُلِنَا تَصْدِيقَ إِذْعَانٍ، مَبْنِيٍّ عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِيقَانِ دُونَ التَّقْلِيدِ لِلْآبَاءِ وَعَصَبِيَّاتِ الْأَقْوَامِ.
وَنُكْتَةُ إِعَادَةِ الْمَوْصُولِ (الَّذِينَ) مَعَ الضَّمِيرِ (هُمْ) إِمَّا جَعْلُ الْمَوْصُولِ الْأَوَّلِ عَامًّا لِقَوْمِهِ
الَّذِينَ دَعَا لَهُمْ - مَنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْتِزَامِ التَّقْوَى، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ - وَجَعْلُ الثَّانِي خَاصًّا بِمَنْ يُدْرِكُونَ بِعْثَةَ خَاتَمِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَيَتَّبِعُونَهُ كَمَا يَعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ - وَإِمَّا لِبَيَانِ الْفَصْلِ بَيْنَ مَفْهُومِ الْإِسْلَامِ وَمَفْهُومِ الْإِيمَانِ وَالتَّعْرِيضِ بِأَنَّ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً وَالَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ وَالَّذِينَ قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً (٢: ٥٥) لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِآيَاتِ اللهِ الْعَامَّةِ وَلَا الْخَاصَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا نَبِيُّهُمْ إِذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْقِلُونَهَا، بَلْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لَهُ لِإِنْقَاذِهِمْ مِنْ ظُلْمِ الْمِصْرِيِّينَ - وَبَيَانُ أَنَّ كِتَابَةَ الرَّحْمَةِ الْخَاصَّةِ إِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِسْلَامِ؛ وَهُوَ إِتْبَاعُ الرُّسُلِ بِالْفِعْلِ - وَالْإِيمَانُ الصَّحِيحُ بِالْآيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْيَقِينِ الْمَانِعِ مِنَ الْعَوْدَةِ إِلَى الشِّرْكِ بِمِثْلِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَالْمُقْتَضَى لِاتِّبَاعِ مَنْ يَأْتِي مِنَ الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَفِي هَذَا تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ، فَهُوَ بَيَانٌ لِصِفَةِ مَنْ يَكْتُبُ تَعَالَى لَهُمُ الرَّحْمَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ مَا ذَكَرَ مِنْ قَوْمِهِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ اسْتِجَابَةَ دُعَائِهِ بِشَرْطِهِ، وَيَلِيهِ بَيَانُ أَحَقِّ الْأُمَمِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ؛ ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ عَلَى سُنَّةِ الْقُرْآنِ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ قَصَصِ الرُّسُلِ إِلَى أُمَّةِ خَاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ فَصَلَ الِاسْمَ الْمَوْصُولَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْمَوْصُولِ الْأَخِيرِ أَوْ لِلْمَوْصُولَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ مَعًا، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآيَاتِ، وَلَوْ وَصَلَهُ فَقَالَ: " وَالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ " إِلَخْ. لَكَانَ مُغَايِرًا لَهُمَا فِي الْمَاصَدَقِ فِي الْمَفْهُومِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَخِيرِ مَنْ يُدْرِكُونَ بِعْثَةَ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَيَتَّبِعُونَهُ بِالْفِعْلِ فِي زَمَنِهِ

صفحة رقم 193

وَبَعْدَ زَمَنِهِ، وَيُرَادُ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ مَعْنَى صِلَةِ الْمَوْصُولَيْنِ فِي زَمَنِ مُوسَى، وَمَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، وَمَعْنَى الْفَصْلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ اتِّحَادُ الْمَوْصُولَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَفْهُومِ وَالْمَاصَدَقِ جَمِيعًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ كِتَابَةَ الرَّحْمَةِ كَتْبَةً خَاصَّةً هِيَ لِلْمُتَّصِفِينَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ صِلَاتُ الْمَوْصُولَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّمَا هُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ نِسْبَةً إِلَى الْأُمِّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسَمُّونَ الْعَرَبَ بِالْأُمِّيِّينَ، وَلَعَلَّهُ كَانَ لَقَبًا لِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ دُونَ أَهْلِ الْيَمَنِ. لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي الْخَوَنَةِ مِنَ الْيَهُودِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ
سَبِيلٌ (٣: ٧٥) الْعُمُومُ وَلَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ، وَقَالَ - تَعَالَى -: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (٦٢: ٢) وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا غَيْرَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ وَصْفٌ خَاصٌّ لَا يُشَارِكُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَالْأُمِّيَّةُ آيَةٌ مِنْ أَكْبَرِ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ، فَإِنَّهُ جَاءَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِأَعْلَى الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَهِيَ مَا يَصْلُحُ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِ الْبَشَرِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَآدَابِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ، وَعَمِلَ بِهَا فَكَانَ لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي الْعَالَمِ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَتَعْرِيفُ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ الْمَوْصُوفِ بِالْأُمِّيَّةِ كِلَاهُمَا لِلْعَهْدِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَنُبَيِّنُهُ مِنْ بِشَارَاتِ الْأَنْبِيَاءِ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالرَّسُولُ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ أَخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَمَا كَلُّ نَبِيٍّ رَسُولٌ؛ وَلِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ الرَّسُولِ عَلَى النَّبِيِّ هُنَا كَوْنُهُ أَهَمُّ وَأَشْرَفُ أَوْ أَنَّهُمَا ذُكِرَا هُنَا بِمَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيِّ كَقَوْلِهِ: وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ نُكْتَةِ التَّقْدِيمِ أَظْهَرُ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ وَصْفٌ مُمَيَّزٌ لِلرَّسُولِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ اتِّبَاعُهُ مَتَى بُعِثَ، وَأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (٣: ٨١) إِلَى آخِرِ آيَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَالنَّبِيُّ فِي اللُّغَةِ (فَعِيلٌ) مِنْ مَادَّةِ النَّبَأِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ الْمُهِمِّ الْعَظِيمِ الشَّأْنِ، أَوْ بِمَعْنَى الِارْتِفَاعِ وَعُلُوِّ الشَّأْنِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ لَا تَهْمِزُهُ بَلْ نُقِلَ أَنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ إِلَّا أَهْلُ مَكَّةَ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ عَلَى رَجُلٍ قَالَ لَهُ: يَا نَبِيءَ اللهِ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ؛ فَالنَّبِيُّ مَنْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، وَأَنْبَأَهُ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِكَسْبِهِ مِنْ خَبَرٍ أَوْ حُكْمٍ يَعْلَمُ بِهِ عَلِمَا ضَرُورِيًّا أَنَّهُ مِنَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَالرَّسُولُ نَبِيٌّ أَمَرَهُ اللهُ - تَعَالَى - بِتَبْلِيغِ شَرْعٍ وَدَعْوَةِ دِينٍ وَبِإِقَامَتِهِ بِالْعَمَلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَحْيِ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كِتَابًا يُقْرَأُ وَيُنْشَرُ، وَلَا شَرْعًا جَدِيدًا يُعْمَلُ بِهِ وَيُحْكَمُ بَيْنَ النَّاسِ

صفحة رقم 194

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية