المعنى الجملي : بعد أن افتتح عزت قدرته السورة بالدعوة إلى التوحيد وإتباع ما أنزل على لسان رسوله وتلاه بالتذكير بنشأة الإنسان الأولى في الخلق والتكوين والعداوة بينه وبين الشيطان.
اختتم السورة بهذه المعاني، فذكر بالنشأة الأولى، ونهى عن الشرك وإتباع وسوسة الشيطان، وأمر بالتوحيد وإتباع ما جاء به القرآن.
الإيضاح : وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم أي وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به رغباتكم أو تنجون به من المكاره التي تحيق بكم، لا يتبعوكم فلا يستجيبوا لكم ولا ينفعوكم.
ثم أكد عدم نفعهم فقال :
سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون أي مستولديكم دعاؤكم إياهم وبقاؤكم على صمتكم، فإنه لا يتغير حالكم في كلتا الحالين، إذ هم لا يفهمون دعاءكم ولا يسمعون أصواتكم ولا يعقلون ما يقال لهم.
والخلاصة : إنه لا ينبغي أن يعبد من كانت هذه صفته، وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده، الضار من يعصيه، الناصر وليّه، الخاذل عدوّه، الهادي إلى الرشاد من أطاعه، السامع دعاء من دعاه.
ولا شك أن هذه الحجة قائمة على من يقصدون قبور الأولياء والصلحاء ويعظمونها ويطلبون منها قضاء الحاجات، لأن هذه الأوصاف التي سيقت في معرض التوبيخ والإنكار تنطبق على حالهم أشد الانطباق، فهم لا ينفعون ولا يضرون و سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون وقد روى البخاري عن ابن عباس في أصنام قوم نوح التي انتقلت إلى العرب، أنها لم تنصب إلا للتذكير بأناس من الأولياء والصالحين وقد كانت اللات لرجل يلت عليها السويق ويطعم الناس.
والخلاصة : إن الأصنام والتماثيل والقبور التي تعظم تعظيما دينيا، عمل لم يأذن به الله، وكلها سواء في كونها وضعت للتذكير بأناس عرفوا بالصلاح وكانوا هم المقصودين بالدعاء تخيلا من عابديها بأن لها تأثيرا في إرادة الله أو التصرف الغيبي في ملك الله، وذلك من أفحش الشرك وأقبحه ولا فرق بين إشراك الصنم والوثن وإشراك الولي أو النبي أو الملك.
تفسير المراغي
المراغي