قوله تعالى: طَائِفٌ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «طَيْفٌ» والباقون «طائف» بزنة فاعل. فأمَّا طَيْف ففيه ثلاثة أوجه،
صفحة رقم 545
أحدُها: أنه مصدرٌ مِنْ طاف يَطيف كباع يبيع، وأنشد أبو عبيدة:
| ٢٣٧١ - أنَّى ألمَّ بك الخيالُ يَطيفُ | ومَطافُه لك ذُكْرَةٌ وشُعُوفُ |
وأمَّا طائفٌ فاسمُ فاعل، يُحْتمل أن يكون مِنْ طاف يطوف فيكون كقائم وقائل، وأن يكونَ مِنْ طاف يطيف فيكون كبائع ومائل. وقد زعم بعضُهم أنَّ طَيْفاً وطائفاً بمعنى واحد ويُعزى للفراء، فيحتمل أن يَرُدَّ طائفاً لطَيْف فيجعلهما مصدرين. وقد جاء فاعِل مصدراً كقولهم: «أقائماً وقد قعد الناس» وأن يَرُدَّ طيفاً لطائف، أي: فيجعله وَصْفاً على فَعْل. صفحة رقم 546
وقال الفارسي: «الطيف كالخَطْرة، والطائف كالخاطر» ففرَّق بينهما. وقال الكسائي: «الطَّيْف: اللَّمَم، والطائف ما طاف حول الإِنسان». قال ابن عطية: «وكيف هذا وقد قال الأعشى:
ولا أدري ما تَعَجُّبُه؟ وكأنه أخذ قوله» ما طافَ حول الإِنسان «مقيَّداً بالإِنسان، وهذا قد جعله طائفاً بالناقة، وهي سَقْطة لأن الكسائي إنما قاله اتفاقاً لا تقييداً. وقال أبو زيد الأنصاري:» طافَ: أقبل وأدبر يَطُوف طَوْفاً وطَوَافاً، وأطاف: استدار القومُ من نواحيهم. وطاف الخيالُ: أَلَمَّ، يَطيف طَيفاً «فقد فرَّق أبو زيد بين ذي الواو وذي الياء، فخصَّص كلَّ مادة بمعنى. وفرَّق أيضاً بين فعل وأفعل كما رأيت.٢٣٧٢ - وتُصْبح مِنْ غِبِّ السُّرَى وكأنما ألمَّ بها من طائفِ الجنِّ أولقُ
وزعم السُّهَيْلي أنه لا يُسْتعمل مِنْ» طاف الخيال «اسم فاعل قال:» لأنه تخيُّلٌ لا حقيقة له «. قال:» فأمَّا قوله تعالى: فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ [القلم: ١٩] فلا يقال فيه طَيْف لأنه اسمُ فاعل حقيقةً. وقال حسان:
| ٢٣٧٣ - جِنِّيَّةٌ أرَّقَني طيفُها | تَذْهَبُ صُبْحاً وتُرى في المنامْ |
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط