تفسير المفردات : الطوف والطواف بالشيء : الاستدارة به أو حوله، وطيف الخيال : ما يرى في النوم من مثال الشخص، والمس : يراد به هنا ما ينال الإنسان من شر وأذى، فقد ذكر في التنزيل مس الضر والضراء والبأساء والسوء والعذاب.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة أمثل الطرق في معاملة الناس بعضهم بعضا مما لو عملوا بهديه لم يجد الفساد إلى نفوسهم سبيلا ـ قفى على ذلك بالوصية التي تتضمنها هذه الآيات الثلاث، وهي اتقاء إفساد الشياطين : أي شياطين الجن المستترة ـ فالآية السالفة أمرت بالإعراض عن الجاهلين وهم السفهاء اتقاء لشرهم ـ وهذه الآيات أمرت بالاستعاذة بالله من الشياطين اتقاء لشرهم.
الإيضاح : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون أي إن خيار المؤمنين وهم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون إذا ألم بهم طائف من الشيطان ليحملهم بوسوسته على المعصية أو إيقاع البغضاء بينهم، تذكروا أن هذا من إغواء الشيطان عدوهم الذي أمر الله بالاستعاذة منه والالتجاء إليه في الحفظ من غوايته، فإذا هم أولوه بصيرة يربئون بأنفسهم أن تطيعه، فهو إنما تأخذ وسوسته الغافلين عن ربهم الذين لا يراقبونه في شؤونهم وأعمالهم، ولا شيء أقوى على طرد وساوس الشيطان من ذكر الله ومراقبته في السر والعلن، من قبل أنه يقوي في النفس حب الحق وداعي الخير، ويضعف فيها الميل إلى الشرور والآثام، فما مثل المؤمن المتقي الذي لا يتمكن الشيطان من إغوائه وإن تمكن من مسه، إلا مثل الصحيح الجسم القوي المزاج النظيف البدن والثوب والمكان لا تجد النسم " الميكروبات " طريقا لإفساد مزاجه وإصابته بالأمراض، فإن مسه شيء منها بدخوله في جسمه فتكت بها نسم الصحة فحالت دون فتكها به، وهذا ما يسميه الأطباء : المناعة.
فقوي الروح بالإيمان والتقوى غير قابل لتأثير الشيطان في نفسه، لكن الشيطان دائما يتحين الفرض وعروض بعض الأهواء النفسية من شهوة أو غضب أو داعية حسد أو انتقام، حتى إذا وجد الفرصة سانحة افترصها ولابس النفس وقوي فيها داعي الشر كالحشرات القذرة التي تعرض للنظيف إذا أهملها بالغفلة عنها فعلت فعلها، وإذا تداركها نجا من شرها وضرها، وما سر هذا إلا المناعة النفسية أو الروحية.
وإن الإنسان ليشعر بتنازع دواعي الخير والشر في نفسه، وإن لداعية الخير والحق ملكا يقويها، ولداعية الشر والباطل شيطانا يقويها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله ( إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ).
تفسير المراغي
المراغي