ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

مَسْمُوعٌ وَلَا مَعْلُومٌ، فَلَيْسَ الْقَصْدُ الْإِخْبَارَ عَنِ الْفِعْلِ كَمَا كَانَ فِي الْأُولَى أَنَّهُ يَسْمَعُ الدُّعَاءَ وَيَعْلَمُ الْإِخْلَاصَ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ اهـ. فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى وَجْهَ سَلَامَةِ مَنْ يَسْتَعِيذُ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، لِإِزَالَةِ جَهْلِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ أَوْ مَنْ لَمْ يَفْقَهْهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ الطَّوْفُ وَالطَّوَافُ وَالطَّيْفُ بِالشَّيْءِ الِاسْتِدَارَةُ بِهِ أَوْ حَوْلَهُ، فَهُوَ وَاوِيٌّ يَأْتِي يُقَالُ: طَافَ يَطُوفُ وَيَطِيفُ بِالشَّيْءِ، كَـ " قَالَ وَبَاعَ " وَطَافَ الْخَيَالُ بِطَيْفٍ طَيْفًا: جَاءَ فِي النَّوْمِ، وَطَيْفُ الْخَيَالِ مَا يُرَى فِي النَّوْمِ مِنْ مِثَالِ الشَّخْصِ، وَأَصْلُهُ طَيِّفٌ بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ كَمَيِّتٍ،
وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عُمَرَ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ هُنَا " إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ " وَالْبَاقُونَ " إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ " وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَرَسْمُهُ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ (طَفٌ) كَرَسْمِ (مَلِكِ) فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، فَتُؤَدَّى قِرَاءَةُ وَزْنِ فَاعِلٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ بِمَدِّ الْحَرْفِ الْأَوَّلِ، وَالْمَسُّ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ كَاللَّمْسِ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَنَّ الْمَسَّ يُقَالُ فِي كُلِّ مَا يَنَالُ الْإِنْسَانَ مِنْ شَرٍّ وَأَذًى بِخِلَافِ اللَّمْسِ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّنْزِيلِ مَسُّ الضُّرِّ وَالضَّرَّاءِ وَالْبَأْسَاءِ وَالسُّوءِ وَالشَّرِّ وَالْعَذَابِ وَالْكِبَرِ وَالْقَرْحِ وَاللُّغُوبِ وَالشَّيْطَانِ وَطَائِفِ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَسُّ الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ إِلَّا فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٧٠: ١٩ - ٢٢) فَقَدْ ذُكِرَ الْخَيْرُ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ الشَّرِّ، وَلَكِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ مَنْعِ الْخَيْرِ لَا فِعْلِهِ، وَاسْتُعْمِلَ الْمَسُّ وَالْمَسِيسُ بِمَعْنَى الْوِقَاعِ، وَهُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ كَاسْتِعْمَالِهِ فِي الْجُنُونِ مَجَازًا.
وَمَعْنَى الْآيَةِ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَهْمُ خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وُصِفُوا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِذَا مَسَّهُمْ أَيْ أَلَمَّ أَوِ اتَّصَلَ بِهِمْ طَيْفٌ أَوْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْمِلَهُمْ بِوَسْوَسَتِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، أَوْ يَنْزَغَ بَيْنَهُمْ لِإِيقَاعِ الْبَغْضَاءِ وَالتَّفْرِقَةِ (تَذَكَّرُوا) أَنَّ هَذَا مِنْ عَدُوِّهِمُ الشَّيْطَانِ وَإِغْوَائِهِ، وَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ فِي الْحِفْظِ مِنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَذَكَّرُوا مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: تَذَكَّرُوا عِقَابَ اللهِ لِمَنْ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَعَصَى الرَّحْمَنَ، وَجَزِيلَ ثَوَابِهِ لِمَنْ عَصَى الشَّيْطَانَ وَأَطَاعَ الرَّحْمَنَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَذَكَّرُوا وَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ - وَمَآلُ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ يَعُمُّهَا - كَمَا تُقَيِّدُهُ قَاعِدَةُ حَذْفِ الْمَفْعُولِ - فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ أَيْ: فَإِذَا هُمْ أُولُو بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ يَرْبَأُ بِأَنْفُسِهِمْ أَنْ تُطِيعَ الشَّيْطَانَ، فَهُوَ إِنَّمَا تَأْخُذُ وَسْوَسَتُهُ الْغَافِلِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لَا يُحَاسِبُونَهَا عَلَى خَوَاطِرِهَا، الْغَافِلِينَ عَنْ رَبِّهِمْ لَا يُرَاقِبُونَهُ فِي أَهْوَائِهَا وَأَعْمَالِهَا، وَلَا شَيْءَ أَقْوَى عَلَى طَرْدِ الشَّيْطَانِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ، فَذِكْرُ اللهِ تَعَالَى بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ يُقَوِّي فِي النَّفْسِ حُبَّ الْحَقِّ وَدَوَاعِيَ الْخَيْرِ، وَيُضْعِفُ فِيهَا الْمَيْلَ إِلَى الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ مُدْخَلٌ إِلَيْهَا، فَهُوَ إِنَّمَا يُزَيِّنُ لَهَا بِالْبَاطِلِ وَالشَّرِّ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهَا لِأَيِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا. فَإِنْ وَجَدَ

صفحة رقم 453

بِالْغَفْلَةِ مُدْخَلًا إِلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَّقِي، لَا يَلْبَثُ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ; لِأَنَّهُ غَرِيبٌ
عَنْ نَفْسِهِ، وَمَتَى شَعَرَ ذَكَرَ فَأَبْصَرَ فَخَنَسَ الشَّيْطَانُ وَابْتَعَدَ عَنْهُ، وَإِنْ أَصَابَ مِنْهُ غِرَّةً قَبْلَ تَذَكُّرِهِ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ.
فَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ فِي عَدَمِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْ إِغْوَائِهِ، وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ مَسِّهِ، كَمَثَلِ الْمَرْءِ الصَّحِيحِ الْمِزَاجِ الْقَوِيِّ الْجِسْمِ النَّظِيفِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، لَا تَجِدُ الْأَمْرَاضُ الْمُفْسِدَةُ لِلصِّحَّةِ; اسْتِعْدَادًا لِإِفْسَادِ مِزَاجِهِ وَإِصَابَتِهِ بِالْأَمْرَاضِ، فَهِيَ تَظَلُّ بَعِيدَةً عَنْهُ، فَإِنْ مَسَّهُ شَيْءٌ مِنْهَا بِدُخُولِهِ فِي مَعِدَتِهِ أَوْ دَمِهِ فَتَكَتْ بِهَا نَسَمُ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ فَحَالَتْ دُونَ فَتْكِهَا بِهِ - وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِ الطِّبِّ الْمَنَاعَةَ - وَكَذَلِكَ يَكُونُ قَوِيَّ الرُّوحِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ لِتَأْثِيرِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ يَطُوفُ بِهَا يُرَاقِبُ غَفْلَتَهَا وَعُرُوضَ بَعْضِ الْأَهْوَاءِ النَّفْسِيَّةِ لَهَا مِنْ شَهْوَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ دَاعِيَةِ حَسَدٍ أَوِ انْتِقَامٍ، فَمَتَى عَرَضَتِ افْتَرَصَهَا، فَلَابَسَ النَّفْسَ وَقَوَّاهَا فِيهَا، كَمَا تُلَابِسُ الْحَشَرَاتُ الْقَذِرَةُ أَوْ جِنَّةُ الْأَمْرَاضِ الْخَفِيَّةِ مَا يَعْرِضُ مِنَ الْقَذَرِ لِلنَّظِيفِ وَالضَّعْفِ لِلْقَوِيِّ، فَإِذَا أَهْمَلَهَا بِالْغَفْلَةِ عَنْهَا فَعَلَتْ فِعْلَهَا، وَإِذَا تَدَارَكَهَا نَجَا مِنْ ضَرَرِهَا، وَيَحْسُنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذَا بِالْحَصَانَةِ، فَيُقَالُ: مَنَاعَةٌ جَسَدِيَّةٌ وَحَصَانَةٌ نَفْسِيَّةٌ أَوْ رُوحِيَّةٌ.
ذَكَرْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَوَائِلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْعُرُ بِقَدْرِ عِلْمِهِ بِتَنَازُعِ دَوَاعِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّ لِدَاعِيَةِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ مَلَكًا يُقَوِّيهَا، وَلِدَاعِيَةِ الْبَاطِلِ وَالشَّرِّ شَيْطَانًا يُقَوِّيهَا، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ هَذَا بِقَوْلِهِ: إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً: فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَى ذَلِكَ. وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ ثُمَّ قَرَأَ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ (٢: ٢٦٨) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَّمَ عَلَيْهِ السَّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالصِّحَّةِ، وَلَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ. وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ بَعْضَ كَلَامِ الْإِمَامِ الْغَزَّالِيِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ طَوِيلٌ فِي كِتَابِ شَرْحِ عَجَائِبِ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْإِحْيَاءِ، وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ كِتَابٌ خَاصٌّ فِي ذَلِكَ اسْمُهُ: (إِغَاثَةُ اللهْفَانِ فِي مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ) فَمَنْ قَرَأَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْكُتُبِ، كَانَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ عَلَى حَذَرٍ.
وَمَا زَالَ الصَّالِحُونَ الْمُتَّقُونَ يُرَاقِبُونَ خَوَاطِرَهُمْ، وَيُجَاهِدُونَ الْوَسْوَاسَ الَّذِي يُلِمُّ بِهَا، وَلَهُمْ حِكَايَاتٌ فِي ذَلِكَ غَرِيبَةٌ. حَدَّثَنِي الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الرَّافِعِيُّ الْفَقِيهُ الصُّوفِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَ فِي أَيَّامِ سُلُوكِهِ وَهُوَ فِي مَيْعَةِ شَبَابِهِ بُسْتَانًا فِي طَرَابُلُسَ يَعْمَلُ فِيهِ نِسَاءٌ مِنْ نَصَارَى لُبْنَانَ، فَإِذَا بِشَابَّةٍ جَمِيلَةٍ مِنْهُنَّ فِي مَكَانٍ خُلُوٍّ، فَنَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى هَمَّ بِمُبَاشَرَتِهَا فَتَذَكَّرَ

صفحة رقم 454

قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (١٧: ٣٢) فَتَرَدَّدَ وَانْكَمَشَ ثُمَّ سَاوَرَتْهُ ثَوْرَةُ الْغُلْمَةِ تُهَوِّنُ لَهُ الْأَمْرَ، وَلَجَّ بِهِ الْوَسْوَاسُ: هَلُمَّ هَلُمَّ، فَقَوِيَ سُلْطَانُ الْآيَةِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى صَارَ قَلْبُهُ يَتْلُو بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ بِأُذُنَيْهِ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (١٧: ٣٢) قَالَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ بِيَدِي فَوْقَ صَدْرِي هَكَذَا - يَعْنِي يَمْسَحُهُ كَمَنْ يُنَحِّي عَنْهُ شَيْئًا - أُحَاوِلُ أُسْكِتُ قَلْبِي فَلَمْ أَسْتَطِعْ إِسْكَاتَهُ، فَتَوَلَّيْتُ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَحَفِظَنِي اللهُ بِذِكْرِ الْآيَةِ مِنَ الْفَاحِشَةِ وَلَهُ الْحَمْدُ.
وَأَقُولُ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللهِ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَبْلُغْ مِنِّي غِرَّةً يَدْعُونِي فِيهَا إِلَى الْفَاحِشَةِ قَطُّ، فَمَا ذَكَرْتُهُ فِي مَقْصُورَتِي فِي سِيَاقِ حَادِثَةِ امْتِحَانٍ امْتَحَنَنِي اللهُ تَعَالَى بِهَا، قَدِ اسْتَمَرَّ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى مِنْ سِنِّ الشَّبَابِ إِلَى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ، وَأَسْأَلُهُ بِفَضْلِهِ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ. وَذَلِكَ قَوْلِي فِي فَتَاةٍ بَارِعَةِ الْجَمَالِ طَلَبَتْ مِنِّي أَنْ أَضَعَ يَدِي عَلَى صَدْرِهَا أَرْقِيهِ:

وَرُبَّ مَلْدَاءَ خَمِيصَةُ الْحَشَا بَهْنَانَةٌ تَرْنُو بِأَلْحَاظِ اللَّأَى
رَقْرَاقَةٌ شَفَّ زُجَاجُ وَجْهِهَا عَنْ ذَوْبِ يَاقُوتٍ وَرَاءَهُ جَرَى
خَاشِعَةُ اللِّحَاظِ وَالطَّرْفِ أَتَتْ تَلْتَمِسُ الدُّعَاءَ مِنِّي وَالرُّقَى
أَوَّاهُ يَا مَوْلَايَ صَدْرِي ضَاقَ عَنْ قَلْبِي وَمَا يَفِيضُ عَنْهُ مِنْ جَوَى
فَضَعْ عَلَيْهِ يَدَكَ الَّتِي بِمَا بَارَكَ فِيهَا اللهُ تُبْرِئُ الضَّنَى
أَنْتَ فَتًى خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ مَا زَالَ يَنْهَى نَفْسَهُ عَنِ الْهَوَى
لَمْ يَقْتَرِفْ فَاحِشَةً قَطُّ وَلَمْ يَعْزِمْ وَلَا هَمَّ بِهَا وَلَا نَوَى
بِغُرَّةٍ مِنْهَا وَحُسْنِ نِيَّةٍ فِي مَعْزِلِ تَشَهِّيهِ أَقْصَى مَا اشْتَهَى
مِمَّا يُمَنِّيهِ بِهِ شَيْطَانُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَطْمَعُ مِنْهُ فِي خَنَا
لَكِنَّهُ اسْتَعْصَمَ رَاوِيًا لَهَا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَمَا نَهَى
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي (١٢: ٥٣) مِمَّا دُونَ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَهُوَ اللَّمَمُ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢: ٥٣) وَلَا أَعُدُّ مِنَ اللَّمَمِ حُضُورَ الْمَرَاقِصِ النِّسَائِيَّةِ وَمَلَاهِيهَا، فَأَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنَّ نَفْسِي لَمْ تُطَالِبْنِي بِحُضُورِهَا يَوْمًا مَا، وَلَمْ يَجِدْ شَيْطَانُ الْجِنِّ مِنْ نَفْسِي مَيْلًا إِلَيْهَا فَيُزَيِّنُهَا لِي بِوَسْوَسَتِهِ، وَلَكِنْ دَعَانِي إِلَيْهَا بَعْضُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ; لِأَجْلِ اخْتِبَارِهَا وَالنَّهْيِ عَنْهَا عَلَى مَعْرِفَةٍ، فَأَبَيْتُ وَقُلْتُ لِلدَّاعِي: حَسْبُكَ مِنْ شَرٍّ سَمَاعُهُ، عَلَى أَنَّنِي رَأَيْتُ نَمُوذَجًا مِنْ أَهْوَنِهَا عَرَضًا لَا قَصْدًا إِلَيْهَا، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ مَلَاهِي تَمْثِيلِ الْقِصَصِ التَّارِيخِيَّةِ أَوِ الْوَصْفِيَّةِ فِي لَيْلَةٍ خَيْرِيَّةٍ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ بِاسْتِحْدَاثِ ذَلِكَ فِيهَا، وَأَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أَنَّنِي مَقَتُّهَا عَلَى غَرَابَةِ الصَّنْعَةِ وَالزِّينَةِ فِيهَا، وَخَرَجْتُ مِنَ الْمَكَانِ وَآلَيْتُ أَلَّا أَعُودَ إِلَيْهِ،

صفحة رقم 455

فَقَدْ صَارَتْ هَذِهِ الْأَمَاكِنُ بُؤَرَ فَسَادٍ، وَكَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَدَبِ وَالْعِبْرَةِ، وَتَمْرِينِ الْعَوَامِّ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَقْرُبُ مِنَ الْفَصِيحَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى النَّاسُ فِيهَا مِنْ مُنْكَرَاتِ الزِّيِّ أَكْثَرَ مِمَّا يُرَى فِي الْأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ، فَأَصْبَحَتْ كَالْخَمْرِ، إِثْمُهَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهَا.
قَدْ يَقُولُ مَنْ يَظُنُّونَ أَنَّ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَمَّ بِالْفَاحِشَةِ: إِنَّكَ قَدْ فَضَّلْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ بِزَعْمِكَ أَنَّكَ لَمْ تَهُمَّ وَهُوَ قَدْ هَمَّ، وَأَقُولُ: إِنَّهُ اخْتَلَفَتِ الْحَالُ وَالدَّاعِيَةُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَهُمَّ بِالْفَاحِشَةِ، وَإِنَّمَا هَمَّتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ، وَهَمَّ هُوَ بِالِانْتِقَامِ، وَهُوَ بَطْشُهَا بِهِ بِالْقَتْلِ أَوِ الضَّرْبِ، وَدِفَاعُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ بِمُقْتَضَى الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ، وَشَوَاهِدُهُ تَقَعُ دَائِمًا، وَالْعِبَارَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ دُونَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ هَمَّ بِالشَّخْصِ فِي مَقَامِ الْخِلَافِ وَالْمُغَاضَبَةِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ الْهَمُّ بِالضَّرْبِ أَوْ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ مِنَ الْإِيذَاءِ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ الْمَرْأَةَ هَمَّتْ بِالرَّجُلِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْهَمَّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ دُونَ الشَّخْصِ، وَهِيَ فِي الْمُبَاشَرَةِ مُوَاتِيَةٌ لَا عَمَلَ لَهَا، وَمَا اسْتَبَقَا الْبَابَ إِلَّا وَهُوَ فَارٌّ مِنْ ثَوْرَةِ غَضَبِهَا، وَهِيَ مُوَاثِبَةٌ لَهُ تُرِيدُ الْبَطْشَ بِهِ لِإِهَانَتِهِ إِيَّاهَا بِمُخَالَفَتِهَا وَهُوَ غُلَامُهَا، بَعْدَ أَنْ أَذَلَّتْ نَفْسَهَا بِبَذْلِهَا لَهُ. وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ (١٢: ٢٤) إِلَّا عِصْمَتُهُ مِنَ الْبَطْشِ بِهَا دِفَاعًا عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ السُّوءُ، وَعِصْمَتُهُ مِمَّا دَعَتْهُ إِلَيْهِ وَهُوَ الْفَحْشَاءُ، وَلَوْلَا الرِّوَايَاتُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ فِي الْقِصَّةِ لَمَا خَطَرَ بِبَالِ الْمُفَسِّرِينَ الرَّاسِخِينَ فِي ذَوْقِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ غَيْرُ
هَذَا الْمَعْنَى، وَكَمْ لَفَتَتْهُمْ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ عَمَّا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهَا، فَتَأَوَّلُوا وَتَكَلَّفُوا; لِتَصْحِيحِ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا؟ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
الشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ وَقَرِيبٌ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَآرَائِهِ الَّتِي تَرَبَّى عَلَيْهَا، وَمُنَاسِبٌ لِحَالِهِ وَشُعُورِهِ الَّذِي يَكُونُ غَالِبًا عَلَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ فِي حَالِ نُعَاسٍ أَوْ فُتُورٍ زَيَّنَ لَهُ النَّوْمَ وَتَرْكَ الصَّلَاةِ إِلَى وَقْتِ الْيَقَظَةِ وَالنَّشَاطِ; لِأَجْلِ إِقَامَتِهَا كَمَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى! ! فَإِذَا خَالَفَهُ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ زَيَّنَ لَهُ بِوَسْوَسَتِهِ الْعَجَلَةَ وَالِاخْتِصَارَ، وَقِرَاءَةَ السُّوَرِ الْقِصَارِ، أَوْ قِرَاءَةَ السُّورَةِ مِنْ مُتَوَسِّطِ الْمُفَصَّلِ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِذَا وَجَدَ مِنْهُ جِدًّا وَنَشَاطًا فِيهَا فَقَدْ يُزَيِّنُ لَهُ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّطْوِيلِ; لِيُسْرِعَ إِلَيْهِ الْمَلَلُ، وَ " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ " كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَإِذَا كَانَتْ تَرْبِيَتُهُ الدِّينِيَّةُ مُنَفِّرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ، أَغْرَاهُ بِمُقَدِّمَاتِهَا وَوَسَائِلِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَرُبَّمَا أَفْتَاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٤: ٣١) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا أَنْ يَحْتَقِرَ الْإِنْسَانُ الصَّغَائِرَ وَيَتَعَمَّدَهَا وَيُوَاظِبَ عَلَيْهَا كَالْمُسْتَحِلِّ لَهَا، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنَ التَّدَرُّجِ مِنْهَا إِلَى الْكَبَائِرِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللَّمَمُ، وَهُوَ مِمَّا يُلِمُّ بِهِ الْمَرْءُ إِذَا مَا عَرَضَ لَهُ، وَلَا يَتَعَمَّقُ فِيهِ وَلَا يُصِرُّ عَلَيْهِ، بَلْ يَلُومُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وَيَتُوبُ مِنْهُ، (وَقَدْ بَيَّنْتُ هَذَا الْمَعْنَى

صفحة رقم 456

فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ - ج ٤) فَإِذَا تَابَ تَنْتَقِلُ نَفْسُهُ بِهِ مِنْ دَرَكَةِ (النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ) إِلَى دَرَجَةِ (النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) وَلَا يَزَالُ يُجَاهِدُهَا فِي مِثْلِهِ إِلَى أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى دَرَجَةِ (النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ) فَإِذَا هُوَ أَطَاعَ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ فَإِنَّهَا تَهْبِطُ بِهِ إِلَى دَرَكَةِ الْفُحْشِ وَالْفُجُورِ، وَرُبَّمَا تَهْوِي بِهِ إِلَى اسْتِحْلَالِ الْمَعَاصِي، وَهُوَ مِنَ الْكُفْرِ، كَمَنْ يُدْمِنُ النَّظَرَ بِشَهْوَةٍ إِلَى بَعْضِ الْحِسَانِ فَيَنْتَقِلُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمُغَازَلَةِ، وَمِنَ الْمُغَازَلَةِ إِلَى الْمُهَازَلَةِ، وَمِنَ الْمُهَازَلَةِ إِلَى الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُبَاعَلَةِ، وَمِنْهَا إِلَى الْمُفَاعَلَةِ. قَالَ الشَّاعِرُ الْعَرَبِيُّ:

فَلَمَّا رَأَتْنِي رَأْرَأَتْ ثُمَّ أَقْبَلَتْ تُهَازِلُنِي وَالْهَزْلُ دَاعِيَةُ الْعُهْرِ
وَقَالَ شَاعِرٌ مُصِرٌّ فِي التَّنَقُّلِ مِنْ كُلِّ حَالَةٍ إِلَى مَا بَعْدَهَا:
نَظْرَةٌ فَابْتِسَامَةٌ فَسَلَامٌ فَكَلَامٌ فَمَوْعِدٌ فَلِقَاءٌ
وَقَدِ اسْتَفْتَانِي شَابٌّ مِصْرِيٌّ افْتُتِنَ بِفَتَاةٍ شَغَفَتْهُ حُبًّا، فَكَانَ يَخْلُو بِهَا - لِمَا فِي مِصْرَ فِي هَذَا الْعَهْدِ مِنْ إِبَاحَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَثِيرِينَ - فَيَتَدَاعَبَانِ حَتَّى يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْفَضِيحَةَ الْكُبْرَى، ثُمَّ يَتَفَارَقَانِ فَيَنْدَمُ وَيَتُوبُ، وَيَعْزِمُ أَلَّا يَعُودَ، حَتَّى إِذَا مَا زَارَتْهُ نَقَضَ الْعَزْمَ، ثُمَّ يُفَارِقُهَا فَيُبْرِمُهُ وَيُؤَكِّدُهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ تَغْلِبُهُ عَلَى أَمْرِهِ فَيَنْكُثُ مَا أَبْرَمَ، وَيَحْنَثُ بِمَا أَقْسَمَ، حَتَّى قَالَ أَخِيرًا: لَئِنْ عُدْتُ لَأَكُونَنَّ بَرِيئًا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّهُ عَادَ مَغْلُوبًا عَلَى أَمْرِهِ، لَا يَمْلِكُ تِجَاهَ سِحْرِ فَاتِنَتِهِ شَيْئًا مِنْ قُوَّةِ إِرَادَتِهِ، فَعَظُمَ هَذَا الْحِنْثُ الْعَظِيمُ عَلَيْهِ، وَجَاءَنِي مُسْتَفْتِيًا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَوَعَظْتُهُ وَأَرْشَدْتُهُ بِمَا أَلْهَمَنِي اللهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَعُدْ إِلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا أَدْرِي كَيْفَ انْتَهَتْ فِتْنَتُهُ، وَقَدْ حَدَثَ هَذَا مُنْذُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً هَبَطَتْ بِهَا الْبِلَادُ الْمِصْرِيَّةُ إِلَى الدَّرَكَاتِ السُّفْلَى مِنَ الْإِبَاحَةِ.
الرَّاجِحُ أَنَّ هَذَا الشَّابَّ مِنْ أَحَدِ الْبُيُوتِ الَّتِي لَا تَزَالُ فِيهَا بَقِيَّةٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ الدِّينِيَّةِ، وَأَخْلَاقِ الْعِفَّةِ وَالْحَيَاءِ الْمَوْرُوثَةِ، وَهَذِهِ التَّرْبِيَةُ وَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ الَّتِي كَانَ بِهَا الشَّعْبُ ذَا وُجُودٍ مُمْتَازٍ مُسْتَقِلٍّ فِي نَفْسِهِ، فَطَفِقَ دُعَاةُ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَإِبَاحَةِ الشَّهَوَاتِ يَهْدِمُونَهَا بِاسْمِ التَّجْدِيدِ الْمَدَنِيِّ، وَالتَّقْلِيدِ الْأُورُبِّيِّ، وَمِنْهُ وُجُوبُ السُّفُورِ الَّذِي يَعْنُونَ بِهِ إِبَاحَةَ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، وَمُعَاشَرَةِ الْفِتْيَانِ لِلْفَتَيَاتِ بِحُجَّةِ التَّمْهِيدِ لِلزَّوَاجِ عَنْ تَعَارُفٍ وَحُبٍّ وَاخْتِبَارٍ... وَقَدْ تَفَاقَمَتِ اسْتِبَاحَةُ التَّهَتُّكِ وَالْفُجُورِ فِي هَذِهِ السِّنِينَ إِلَى حَدٍّ يُنْذِرُ بِهَلَاكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَالنِّسَاءُ يَرْقُصْنَ مَعَ الرِّجَالِ كَاسِيَاتٍ عَارِيَاتٍ، وَيَسْبَحْنَ مَعَهُنَّ فِي شَوَاطِئِ الْبِحَارِ، وَقَلَّمَا تُعَاشِرُ الْفَتَاةُ الْعَذْرَاءُ شَابًّا، وَلَوْ بِقَصْدِ الزَّوَاجِ عَنْ تَعَرُّفٍ وَحُبٍّ وَاخْتِبَارٍ، إِلَّا وَيَنْتَهِي هَذَا الِاخْتِبَارُ بِفَضِيحَةِ الِافْتِرَاقِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ الزَّوَاجُ مَضْمُونًا، وَإِذَا وَقَعَ لَا يَكُونُ الْوِفَاقُ غَالِبًا، وَلَا حُبُّ شَهْوَةِ الصِّبَا دَائِمًا، بَلْ يَصِيرُ الِاخْتِبَارُ لِكُلِّ مِنْهُمَا عَادَةً مِنَ الْعَادَاتِ، وَالتَّنَقُّلُ مِنْ حَبِيبٍ إِلَى آخَرَ مِنْ أَفْتَنِ اللَّذَّاتِ، وَإِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الذَّوَّاقِينَ وَالذَّوَّاقَاتِ.

صفحة رقم 457

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية