ثم إن البشر لا بد أن تعتريه أحكام البشرية، كالغضب وشبهه، كما بينه الحق تعالى بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ
قلت : الطيف بسكون الياء : مصدر طاف به الخيال يطيف طيفًا، أو مخفف ؛ من طيّف ؛ كهين ولين وميت. ومن قرأ طائف : فاسم فاعل، والمراد به : لَمَّةُ الشيطان ووسوسته. وحذف مفعول تذكروا ؛ للعموم على ما يأتي في المعنى. وقوله : فإذا هم مبصرون : أتى بإذا الفجائية ؛ ليقتضي سرعة تيقظهم، وبالجملة الاسمية ولم يقل : تذكروا فأبصروا ؛ ليفيد أنهم كانوا على البُصرى، وإنما السَّنة طرقتهم ثم رجعوا عنها.
يقول الحقّ جلّ جلاله : إن الذين اتَّقَوا الشرك والمعاصي، إذا مسَّهُم طائفٌ من الشيطان أي : لَمَّةُ منه، كما في الحديث :" إنَّ للشَّيطَانِ لَمّةٌ وللمَلكِ لَمّةَ. . . " (١) الخ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا تذكّروا عقابَ الله وغضبه، أو ثواب الله وإنعامه، أو مراقبته والحياء منه، أو مننه وإحسانه، أو طرده وإبعاده، أو حجبه وإهماله، أو عدواة الشيطان وإغواءه، كلٌ على قدر مقامه، فلما تذكروا ذلك فإذا هم مبصرون بسبب ذلك التذكر، أي : فإذا هم على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس، أو : فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في الغفلة، كما قال تعالى : وإِخوانُهم يَمدُّونهم في الغَي .
قال القشيري : إنما يمس المتقين طيفُ الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقَربُ قلبًا في حال شهوده الله ؛ لأنه يخنس عند ذلك، ولكل عازمٍ فترة، ولكلِّ عالم هفوة، ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارفٍ حجبة. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ :" الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي " (١) فأخبر بأن خيار الأمة، وإن جلت رتبتهم، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم. هـ. وكأنه يشير إلى أن طائف الشيطان يمس الواصلين والسائرين، وهو كذلك بدليل أول الآية في قوله : وإما ينزغنك... الآية، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به، وترقية له، وتحويش له إلى ربه، والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي