ولما وصف المتقون الذين هم العلماء ملوحاً إلى نصح وليهم لهم، وعرف من حالهم أنهم أعداء الشيطان، وعرف أن أضدادهم أولياؤه؛ أتبعه وصف الجاهلين وغش أوليائهم لهم والكل غير متقين، فقال: وإخوانهم أي وإخوان الجاهلين من شياطين الأنس والجن يمدونهم أي يمدون الجاهلين، من المد وهو الإمهال والإطالة على قراءة الجماعة، وهو بمعنى قراءة أهل المدينة بالضم من الإمداد، وقال الواحدي: إن هذا أكثر ما يأتي فيما يحمد كأمددناهم بفاكهة، فهو من استعمال الشيء في ضده نحو فبشرهم بعذاب، وكأنه يشير إلى أن الشيطان أكثر ما يأتي الإنسان في صورة الناصح الشفيق، والأوجه أن يكون الإخوان الجاهلين لأنهم في مقابلة الذين اتقوا ويكون الضمير للشيطان المراد به الجنس، أي وإخوان الشياطين - وهم الجاهلون الذين لا يتقون - يمدهم أولياؤهم من الشياطين في الغي وهو ضد
صفحة رقم 206
الرشاد، وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال والإغراء بأداة التراخي فقال: ثم لا يقصرون* أي لا يتركون إغواءهم ولو لحظة لجهلهم وشرهم.
ولما تقرر ما شرعه من التعفف وعدم التنطع والتكلف، وكان قد أخبر أن من عمههم تكلفهم السؤال عن الساعة، والشياطين لا يفترون عن إغوائهم، أخبره عن مطلق تكلفهم تعجباً منهم وإشهاداً لتماديهم مع إغواء شياطينهم، وأمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يجيبهم به فقال عاطفاً على يمدونهم :وإذا لم تأتهم بآية أي على حسب اقتراحهم قالوا لولا أي هلا اجتبيتها والجبي: الجمع، والإجباء تركه، والاجتباء: الجد في الجمع، ويلزم منه الاصطفاء والاختبار، فمعنى اجتبيتها اجتلبتها، أي تكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختاره.
ولما كان المقام داعياً إلى السؤال في تعليم الجواب، أسعف ذلك بقوله: قل أي إذا قالوا ذلك إنما أتبع أي أتعمد وأتكلف اتباع ما يوحي إليّ أي يأتيني به الملك من ربي أي المحسن إليّ بتعليمي ما ينفعني، لا أني آتي بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ربي.
ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل: ما هذا الذي
يوحي إليك؟ فقال - ويجوز أن يكون تعليلاً لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته مغنٍ عن الآيات المقترحه قاهر في وجوب اتباعه -: هذا مشيراً إلى ما يوحى إليه تنبيهاً على أنه يجب أن يكون مستحضراً في سائر الأذهان، حاضراً بين عيني كل إنسان بصائر أي أشياء هي - على حسب ما طلبتم - مجتباة، بل هي خيار الخيار، يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضاً بصر يقربه مما يحث الكتاب على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل ذلك، وهي حجج بينة قاهرة على تصديقي وقبول كل ما جئت به، وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة أصولاً وفروعاً، فهو تسمية للسبب باسم المسبب، وعليّ مدحها بقولة: من ربكم أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم أصلاً، فهو جدير بأن يتلقي ما أتى منه بكل جميل.
ولما كانت البصائر جمعاً، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون متفاوتة، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في أعلى طبقات الهداية فقال: وهدى أي بيان؛ ولما كان البيان قد لا يكون على وجه الإكرام، قال: ورحمة أي إكرام.
ولما كان من لا ينتفع بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة إليه، قال: لقوم يؤمنون* أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها في كل وقت، وأما غيرهم فقد يكون عليهم عذاباً.
ولما عظم الله شأن القرآن، فكان التقدير: فآمنوا به تفلحوا، عطف عليه قوله: وإذا قرىء القرآن أي وهو هذا الذي يوحى إليّ، فتأدبوا وتواضعوا لأنه صفة ربكم فاستمعوا له أي ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يشغلكم عن السمع.
ولما كان بعض الفهماء يسمع وهو يتكلم، أشار إلى أن هذا الكتاب أعلى قدراً من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل فقال: وأنصتوا أي للتأمل والتدبر لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقته فتعلموا بما فيه ولا يكون في صدوركم حرج منه؛ ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات لكل قارىء على كل أحد، رغب فيه تعظيماً لشأنه فقال: لعلكم ترحمون* أي لتكونوا على رجاء من أن يكرمكم ربكم ويفعل بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم.
ولما تقدم الأمر بالذكر عند نزغ الشيطان، ومر إلى أن أمر بالاستماع لأعظم الذكر، وكان التالي ربما بالغ في الجهر ليكثر سامعه، وربما أسر لئلا يوجب على غيره الإصغاء، علمهم أدب القراءة،
وأطلق ذلك في كل حال لأنه ربما فهم فاهم الاقتصار على ذكر في حالة النزغ، ورقي الخطاب منهم إلى إمامهم ليكون أدعى لقبولهم مع الإشارة إلى أنه لا يكاد يقوم بهذا الأمر حق قيامه غيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: واذكر أي بكل ذكر من القرآن وغيره - ربك أي الذي بلغ الغاية في الإحسان إليك في نفسك أي ذكراً يكون راسخاً فيك مظروفاً لك لفهمك لمعانيه وتخلقك بما فيه، وليكن سراً لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص وأعون على التفكر، وكونه سراً دال على أشرف الأحوال، وهو المراقبة مع تحقق القرب، فإذا كان كذلك أثمر قوله: تضرعاً أي حال كونك ذا تضرع بالظاهر وخيفة أي لتدعو المخافة إلى تذلل قبلك لتجمع بين تضرع السر والعلن، وبهذا يكمل ذل العبودية لعز الربوبية.
ولما أمر بالسر، قال مقابلاً له: ودون الجهر أي لأنه أدخل في الإخلاص، ومن المعلوم أنه فوق السر، وإلا لم تفد الجملة شيئاً، ولما كان الجهر قد يكون في الأفعال، أكده بقوله: من القول أي فإن ذلك يشعر بالتذلل والخضوع من غير صياح كما يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب، وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصحابة وقد جهروا بالدعاء فوق المقدار
«إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً» فإن
المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي، والمقصود حاصل بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي، ولا تزال الأنوار تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام.
ولما أمر بالذكر مكيفاً بكيفيته اللائقة به، أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمداومة عليه ذاكراً أحسن الأوقات له وأحقها به، لكونها لما فيها من الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال: بالغدو أي أوقات البكر، ولعله أفرده على جعله مصدر غداً، لأنه ما ثم إلا صلاة الصبح، وجمع ما بعده للعصرين والمغرب فقال: والآصال أي أوقات العشاء، وقيل: الغدو وجمع غدوة، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم أصيلاً لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني، وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت، وبالأصيل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاوياً على تعظيمه حق تعظيمه.
ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن ظاهراً في
الدوام، قال مصرحاً: ولا تكن من الغافلين* أي في وقت غيرهما، بل كن ذاكره في كل وقت على كل حال؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال: إن الذين وزاد ترغيباً في ذلك بقوله: عند ربك أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة، والقرب دنو مكانة لا مكان لا يستكبرون أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر عن عبادته أي الخضوع له والتلبس بانحاء التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم ويسبحونه أي ينزهونه عن كل مالا يليق مع خلوصهم عن دواعي الشهوات والحظوظ.
ولما كان هذا يرجع إلى المعارف، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب، أردفه بقوله: وله أي وحده يسجدون أي يخضعون بإثباتهم له كل كمال، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار: عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية، والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا يليق، وتخصيصه بالسجود، ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار، وكانت على قسمين: قلبية وجسمانية، أشار إلى القلبية بالتنزيه، وإلى الجسمانية بالسجود، وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه كالملائكة قرباً وزلفى «
أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» نبه عليه أبو حيان على أن العبادتين مرجعهما القلب، وإحداهما مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل، وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أيّ التفات، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء، فقوله
ولقد ذرأنا [الأعراف: ١٧٩] هو قوله والذي خبث لا يخرج إلا نكداً [الأعراف: ٥٨] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: ١٨٠] هو - ادعوا ربكم تضرعاً وخفية و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق [الأعراف: ١٨٠]- هو والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة [الأعراف: ٤٢] والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها [الأعراف: ٣٦] وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم [الأعراف: ١٨٥] هو إذا جاء أجلهم لا يستأخرون [الأعراف: ٣٤] و يسئلونك عن الساعة [النازعات: ٤٢] هو كما بدأكم تعودون [الأعراف: ٢٩] و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين [الأعراف: ٢٤] و هو الذي خلقكم من نفس واحدة [الأعراف: ١٨٩] لقد خلقناكم ثم صورناكم [الأعراف: ١١] إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي [الأعراف: ٢٠٣]- إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله: ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون [ٍالأعراف: ٣] فسبحان من هذا كلامه، وتعالى حجابه وعز مرامه، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه، وتحيته وإكرامه.
وتسمى الجهاد (بسم الله) أي الذي له جميع الحول والقوة والطول (الرحمن) الذي أحاط دائرة العقل بشموس الأدلة من كل منقول (الرحيم) الذي منّ على من شاء من الأتباع؛ ومقصد هذه السورة تبرؤ العباد من الحول والقوة، وحثهم على التسليم لأمر الله المثمر لاجتماع الكلمة المثمر لنصر الدين وإذلال المفسدين المنتج لكل خير، والجامع لذلك كله أنه لما ثبت بالسور الماضية وجوب اتباع أمر الإله والاجتماع عليه لما ثبت من تفرده واقتداره، كان مقصود هذه إيجاب اتباع الداعي إليه بغاية الإذغان والتسليم والرضى والتبرؤ من كل حول وقوة إلى من انعم بذلك ولو شاء سلبه وأدل ما فيها على هذا قصة الأنفال التي اختلفوا في امرها وتنازعوا قسمها فمنعهم الله منها وكف عنهم حظوظ الأنفس وألزمهم الإخبات والتواضع، وأعطاها نبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لأنه الذي هزمهم بما رمى من الخصبات التي خرق الله فيها العادة بأن بثها في أعين جميعهم وبما أرسل من جنوده، فكأن الأمر له وحده، يمنحه من يشاء، ثم لما صار له النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)،
صفحة رقم 214رده فيهم منة منه عليهم وإحساناً إليهم، واسمها الجهاد كذلك لأن الكفار دائماً أضعاف المسلمين، وما جاهد قوم من أهل الإسلام قط إلا أكثر منهم، وتجب مصابرة الضعف، فلو كان النظر إلى غير قوته سبحانه ماأطيق ذلك، ولهذه المقاصد سنت قراءتها في الجهاد لتنشيط المؤمنين للجلاد، وإن كثرت من الأعادي الجموع والأعداد، وتوالت إليهم زمر الأمداد من سائر العباد، كما ذكره الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي المغربي في فتوح البلاد من كتابه الاكتفاء في سيرة المصطفى وأصحابه الثلاثة الخلفاء، وكذا شيخةالخطيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش في كتابه الذي جمعه في الفتوح، قالا وقعه اليرموك من فتوح الشام عن حديث سيف بن عمر وهذا لفظ ابن سالم: قال: وكان القارئ يوم ذاك المقداد، قالوا: ومن السنة التي سن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد بدر أن نقرأ سورة الجهاد عند اللقاء، وهي سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد على ذلك؛ قالا في وقعه القادسية من فتوح فارس واللفظ لابن سالم أيضاً قالوا: ولما صلى سعد - يعني ابن أبي وقاص - رضي الله عنه الظهر أمر غلاماً كان عمر رضي الله عنه ألزمه إياه وكان من القراء يقرأ سورة الجهاد، وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها فقرأها على الكتبية التي تليه، وقرئت في كل كتيبة، فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها، قال مصعب بن سعيد: وكانت قراءتها سنة يقرأها رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عند الزخرف ويستقرئها، فعمل
صفحة رقم 215
الناس بذلك - انتهى.
ومناسبتها للأعراف انه لما ذكر تعالى - كما تقدم - قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم في تلك، ناسب أن يذكر قصة هذا النبي الكريم صلى عليه وسلم مع قومه، وتقدم أنه لما أطنب سبحانه في قصة موسى عليه السلام كان ذلك ربما أوهم تفضيله على الجميع، فأتى بقصة المخاطب بهذا القرىن في سورتين كاملتين، الأنفال في أول أمره وأثانه، وبراءة في ختام أمره وانتهائه، وفرق بين القصتين، وذلك أن قوم مةوسى عليه السلام كانوا في سوء العذاب، وكانوا يعلمون عن اسلافهم أن الله سيذكرهم وينجيهم من أيدي القبط، فلما أتاهم موسى عليه السلام وبين لهم الآيات التي أمره الله بها لم يشكوا في انه الموعود به من رحمة الله لهم، وإتيانه نفع لهم عاجل مع ما فيه من النفع الآجل، فأطبقوا على أتباعه، وكانوا أكثر من ستمائة الف مقاتل، ومع ذلك فقد كانوا يخالفون عليه في كل قليل، ولا يجدون قلوباً يواجهون بها القبط في الإباء عن امتثال أوامرهم، وأما محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فاتى قومه ولا حس عندهم من نبوة ولا علم لهم بها، ولم يكونوا تحت ذل أحد، بل كانوا ملوك العرب، فعندهم أنه جاء يسلبهم عزهم ويصيرهم له تبعاً فخالفوا اشد المخالفة ولم يدعوا كيداً حتى باشروه في رده عما جاء به، ومع ذلك فنصره الله عليهم ولم يزل يؤيده حتى دخل الناس هم وغيرهم في دين الله افواجاً، واظهر دينه على الدين كله كماوعده سبحانه، ثم أيد أمره من بعده ولم يزل اتباعه ظاهرين ولا يزالون إلى يوم الدين،
فبين القصتين فرقان لأولى الإبصار والإتقان، وأما مناسبة أولها لآخر تلك فقد تبين أن آخر الأعراف آخر قصة موسى عليه السلام المختتمة بقصة بلعام وأن ما بعد ذلك إنما هو تتمات لما تقدم لا بد منها وتتمات للتتمات حتى كان آخر ذلك مدح من أهلهم لعنديته سبحانه بالإذعان وتمام الخضوع، فلما أضيفوا إلى تلك الحضرة العالية، اقتضى ذلك سؤالاً عن حال الذين عند المخاطب (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فأجيب
صفحة رقم 217نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أبو الحسن، برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط بن علي بن أبي بكر البقاعي