ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

٢٠٢ - قوله تعالى: وَإِخْوَانُهُمْ، اختلفوا في هذه الكناية، فالأكثرون على أن المراد بها: الشياطين، وهو قول الحسن (١) وقتادة (٢) والسدي (٣) والضحاك (٤) والكناني (٥) واختيار الزجاج (٦)، قال: (يعني به: الشياطين؛ [لآن الكفار إخوان الشياطين] (٧) لاجتماعهم على الضلالة)، وعلى هذا المراد بالإخوان: الكفار، وعادت الكناية إلى الشياطين لأنهم قد ذكروا في قوله طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ [الأعراف: ٢٠١]، و (٨) هو اسم جنس.
وقال آخرون: المراد بالإخوان: الشياطين، فقوله: وَإِخْوَانُهُمْ، أي: إخوان المشركين من الشياطين، وهذا قول ابن عباس (٩) في رواية عطاء،

= (إذا) اسم لزمان مستقبل ومعناه: أي وقت، ولهذا يجاب به عن السؤال عن الوقت فيقال: هل ألقاك فتقول: إذا شئت، كما تقول: أي وقت شئت، فكان على الفور، كما لو قال: أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، وليس كذلك! فإنه لا يستعمل الزمان، ولهذا لا يجوز أن يقال متى ألقاك فتقول: إن شئت، وإنما يستعمل في الفعل ويجاب بها عن السؤال عن الفعل، فيقال: هل ألقاك فتقول: إن شئت، فيصير معناه: إن فاتني أن أطلقك فأنت طالق، والفوات يكون آخر العمر) اهـ.
(١) ذكره هود الهواري في "تفسيره" ٢/ ٦٨، وذكره القرطبي ٧/ ٣١٥ عن الحسن وقتادة والضحاك.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦، والطبري ٩/ ١٦٠، بسند جيد.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤١ بسند جيد.
(٤) ذكره النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٦٦١.
(٥) الكناني: هو الإِمام عبد العزيز بن يحيى المكي، ولم أقف على قوله.
(٦) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٧.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٩) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٢ بسند ضعيف، وأخرج ابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤١ بسند جيد عنه قال: (إخوان الشياطين يمدونهم في الغي).

صفحة رقم 555

ومجاهد (١) والكلبي، وابن مسلم (٢) وابن جريج (٣) ومقاتل (٤)، قال الكلبي: (لكلّ كافرٍ أخ من الشياطين) (٥). وهذا القول اختيار الفراء (٦) وأبي بكر؛ قال: (والكناية على هذا تعود إلى الجاهلين في قوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩]، وهم المشركون، وَإِخْوَانُهُمْ وهم الشياطين) (٧).
و (٨) قوله تعالى: يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ. هذا من فعل الشياطين على القولين جميعًا، قال مقاتل: (يدعونهم إلى المعصية) (٩)، وقال أبو بكر: (أي: يزينونه لهم ويريدون منهم لزومه والإقامة عليه) (١٠).

(١) "تفسير مجاهد" ١/ ٢٥٤، وأخرجه الطبري ٩/ ١٦٠ بسند جيد.
(٢) "تفسير غريب القرآن" ص ١٨٧، ونحوه قال مكي في "تفسير المشكل" ص ٨٩.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩ بسند جيد.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٨٢
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٩١، والبغوي ٣/ ٣١٨، والخازن ٢/ ٣٢٩.
(٦) "معاني الفراء" ١/ ٤٠٢.
(٧) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣١١، وقال النحاس في "إعرابه" ١/ ٦٦١: (أحسن ما قيل في هذا قول الضحاك وَإِخْوَانُهُمْ أي: إخوان الشياطين وهم الفجار، وعلى هذا يكون الضمير متصلاً، فهذا أولى في العربية، وقيل للفجار: إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم) اهـ. ونحو قال القرطبي ٧/ ٣٥١، وقال السمين في "الدر" ٥/ ٥٤٨: (الضمير في (وَإِخْوَانُهُمْ يعود على الشياطين لدلالة لفظ الشيطان عليهم، والضمير المنصوب في (يمدوهم) يعود على الكفار والتقدير: وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين، وهذا قول الجمهور وعليه عامة المفسرين) اهـ.
وانظر: "تفسير السمرقندي" ١/ ٥٩٠، وابن عطية ٦/ ١٩٢ - ١٩٣، وابن الجوزي ٣/ ٣١٠، والرازي ١٥/ ١٠٠.
(٨) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٩) "تفسير مقاتل" ٢/ ٨٢.
(١٠) ذكره ابن الجوزي ٣/ ٣١٠ - ٣١١ بلا نسبة.

صفحة رقم 556

وقال أهل المعاني: (يطولون لهم الإغواء حتى يستمروا عليه) (١)، وذكرنا معنى المدّ في قوله: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ١٥] واختلف القراء (٢) في قوله: يَمُدُّونَهُمْ فقرءوا من المدّ والإمداد جميعًا، وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ [الطور: ٢٢]. وقوله: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ [النمل: ٣٦] وما كان خلافه يجيء على مددت قال: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ١٥]، فالوجه هاهنا قراءة العامة وهو فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو للخير في ضده كقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، وقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] (٣).
وقوله تعالى: ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ، قال الليث: (الإقصار الكف عن الشيء) (٤). وقال أبو زيد: (أقصر فلان عن الشيء يقصر إقصارًا إذا كف عنه وانتهى) (٥).

(١) هذا قول ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص ١٨٧، الثعلبي ٦/ ٣٣ ب، ومكي في "تفسير المشكل" ص ٨٩، وانظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٣٧، و"غريب القرآن" ص ١٥٦، و"معاني النحاس" ٣/ ١٢١.
(٢) قرأ نافع يَمُدُّونَهُمْ بضم الياء وكسر الميم من أمدَّ، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الميم من مدَّ، انظر: "السبعة" ص ٣٠١، و"المبسوط" ص ١٨٨، و"التذكرة" ٢/ ٣٤٠، و"التيسير" ص ١١٥، و"النشر" ٢/ ٢٧٥.
(٣) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" ٤/ ١٢٢ - ١٢٣، وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٦٦١، و"معاني القراءات" ١/ ٤٣٤، و"الحجة" لابن زنجلة ص ٣٠٦، و"الكشف" ١/ ٤٨٧.
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٧٢: وانظر: "العين" ٥/ ٥٧ (قصر).
(٥) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٩٧٢: وانظر: "الجمهرة" ٢/ ٧٤٢، و"الصحاح" ٢/ ٧٩٢، و"المجمل" ٣/ ٧٥٦، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٩٦، و"المفردات" ص ٦٧٢، و"اللسان" ٦/ ٣٦٤٥ (قصر).

صفحة رقم 557

قال ابن عباس: (يريد: لا يألون في ضلالتهم) (١).
وقال ابن زيد: (لا يسأمون ولا يفترون) (٢)، وقال الضحاك (٣) (الشياطين يمدون المشركين (٤) في الضلالة ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ. يعني: المشركين، بخلاف ما قال في المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠١]) ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان: (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ عن الضلالة، ولا يبصرونها كما أقصر المتقي عنها حين أبصرها) (٥).
وهو قول ابن جريج: (لا يقصر الإنسان من أهل الشرك كما يقصر الذين اتقوا) (٦).
فعلى قول ابن عباس قوله: ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ من (٧) فعل الشياطين وعلى قول الباقين من فعل المشركين، وقال قوم: إنه من فعلهم جميعًا.

(١) لم أقف عليه، وأخرج الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند ضعيف عنه قال: (لا يسأمون) اهـ.
(٢) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٣ أ.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٩٢، والبغوي ٣/ ٣١٨ عن الضحاك ومقاتل، وذكر النحاس في "إعرابه" ١/ ٦٦١، عن الضحاك قال: (أي: إخوان الشياطين وهم الفجار: يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ أي: لا يتوبون ولا يرجعون) اهـ.
(٤) في (ب): (يمدون المشركين والضلالة)، وهو تحريف.
(٥) "تفسير مقاتل" ٢/ ٨٢.
(٦) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٤٣ بسند جيد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير المكي.
(٧) لفظ: (من) ساقط من (ب).

صفحة رقم 558

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية