وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه إنه سميع عليم ٢٠٠ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ٢٠١ وإخوانهم يمدونهم في الغيّ ثم لا يقصرون ٢٠٢
بين الله تعالى في الآية التي قبل هذه الآيات أفضل ما يعامل البشر به بعضهم بعضا من الوصايا الثلاث التي لا يمكن شرح التعامل بها تفصيلا إلا بسفر كبير، ولو عمل الناس بهذه الوصايا لصلحت أحوالهم ولم يجد الفساد إليهم سبيلا- ثم قفى عليها بهذه الثلاث الآيات في الوصية باتقاء إفساد الشيطان أي جنسه لجنس البشر، والمراد هنا شياطين الجن المستترة، فالتناسب القريب بينهن وبين ما قبلهن المقابلة بين معاملة البشر ومعاملة الجن، ومن فروعه التناسب بين الجاهلين أي السفهاء الذين أمرت الآية السابقة بالإعراض عنهم اتقاء لشرهم، وبين الشياطين التي أمرت هذه الآيات بالاستعاذة بالله منهم اتقاء لشرهم، وبعبارة أخرى : اتقاء شر شياطين الإنس وشياطين الجن، فإن الشيطان هو الشرير المفسد من الفريقين كما تقدم في سورة الأنعام، ومن فسر آيات هو الذي خلقكم من نفس واحدة [ الأعراف : ١٨٩ ] الخ بما مر من أن شرك الأبوين آتاهما الله من الولد الصالح كان بإغواء الشيطان يرجعون إليه في التناسب بين الآيات، ويقولون إن الآية بينت لنا أن وسوسة الشيطان لأبوينا كانت سبب ما وقع لهما من الشرك فيما آتاهما من الولد- والأولى إرجاع التناسب في هذه المسألة إلى ما بين في أوائل السورة من خلق آدم وحواء ووسوسة الشيطان لهما- وما بين في خواتيمها من الإرشاد إلى اتقاء نزغ الشيطان ومسه- وهو ما أشرنا إليه في بدء سياق هذه الخاتمة.
وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون الغي الفساد. والمد والإمداد الزيادة في الشيء من جنسه، وقد قرأ نافع يمدونهم بضم الياء وكسر الميم من الإمداد والجمهور بفتح الياء وضم الميم من المد، وقرئ في الشواذ يمادّونهم بصيغة المشاركة، والمد يستعمل في القرآن في الخلق والتكوين كقوله تعالى : وهو الذي مد الأرض [ الرعد : ٣ ] ألم تر إلى ربك كيف مد الظل [ الفرقان : ٤٥ ] والبحر يمده من بعده سبعة أبحر [ لقمان : ٢٧ ] وفي مد الناس فيما يذم ويضر كقوله : قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدا [ مريم : ٧٥ ] ونمد له من العذاب مدا [ مريم : ٧٩ ] ويمدهم في طغيانهم يعمهون [ البقرة : ١٥ ] وأما الإمداد ففيما يحمد وينفع كقوله تعالى : أمدكم بأنعام وبنين [ الشعراء : ١٣٣ ] وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا [ الإسراء : ٦ ] كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك [ الإسراء : ٢٠ ] ومنه إمداد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالملائكة يثبتون قلوبهم في غزوة بدر، وحملت قراءة نافع هنا على التهكم. والإقصار التقصير وأقصر عن الأمر تركه وكف عنه وهو قادر عليه.
والمعنى مع سابقه أن شأن المؤمنين المتقين إذا مسهم طائف من الشيطان لحملهم على محاكاة الجاهلين والخوض معهم وعلى غير ذلك من المعاصي والفساد تذكروا فأبصروا فحذروا وسلموا، وإن زلوا تابوا أو أنابوا، وأن إخوان الشياطين وهم الجاهلون غير المتقين يتمكن الشياطين من إغوائهم فيمدونهم في غيبهم وفسادهم، لأنهم لا يذكرون الله تعالى إذا شعروا في أنفسهم بالنزوع إلى الشر والباطل والفساد في الأرض، ولا يستعيذون به سبحانه من نزغ الشيطان ومسه فيبصروا ويتقوا –إما لأنهم لا يؤمنون بالله، وإما لأنهم لا يؤمنون بأن للإنسان شيطانا من الجن يوسوس إليه ويغريه بالشر- ثم لا يقصرون ولا يكفون عن إغوائهم وإفسادهم، فلذلك يصرون على الشرور والفساد لفقد الوازع النفسي والواعظ القلبي. وفي هذا التفسير عود الضمير إلى الشيطان بالجمع لأن المراد به الجنس لا الشخص كما تقدم وهو استعمال عربي معروف ومنه والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت [ البقرة : ٢٥٧ ]. وقيل إن الضمير يعود إلى الجاهلين، إي وإخوان أولئك الجاهلين من الإنس وهم شياطينهم يمدونهم في غيهم وفسادهم، فيكونون أعوانا لشياطين الجن في ذلك كما بيناه في تفسير الآية التي قبل هذه.
تفسير المنار
رشيد رضا