ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

قوله تعالى : يا بني آدم قد أنزلنا إلى قوله تعالى : للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ١ :
خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع الناس. والمراد من كان من العرب يتعرى عند الطواف بالبيت. وذكر بعضهم أن الذين كانوا يفعلون ذلك ثقيف وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة وبنو مدلج وعامر أو الحارث ابنا عبد مناف. وهذه كانت عادة رجالهم ونسائهم. قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع آيات. وقيل إن الذين كانوا يطوفون عراة قريش. وقيل كان ذلك من عادة قبيلة من اليمن. وقيل كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس ومن والاها وهذا أصح ما في الآية. لأن قريشا وسائر الحمس بعد عام الفيل سنوا سننا ٢ تعظيما لحرمتهم ٣ منها أن لا يطوفوا عراة. وكان غيرهم إما يعيره أحد من الحمس ٤ ثوبا يطوف به وإما أن يتعرى وإما أن يطوف في ثيابه ثم يلقيها وكان هذا الأمر عند العرب قربة. فكانت تقول : نطوف عراة كما خرجنا من بطون أمهاتنا ولا نطوف بثياب ٥ قد تدنسنا ٦ فيها بالذنوب. وقال بعضهم كانوا إذا حجوا نزعوا ثيابهم فرموا بها ثم طافوا عراة فإذا قضوا نسكهم لم يلبسوها وتركوها ملقاة تدوسها الأرجل حتى تبلى. وكانوا يقولون إنها ثياب قد قارفنا ٧ فيها الآثام فلا نعود فيها ويسمون تلك الثياب التي كانوا يلقونها عن ظهورهم اللقا ٨.
قال الشاعر :

كفى حزنا كرى عليه كأنه لقي بين أيد الطائفين حريم ٩
وكانت المرأة تطوف عريانة حتى إن إحداهن تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله١٠
قيل والمرأة منهم كانت تتعرى وتشد في حقويها شيئا من سيور ١١ منطقة ١٢ تسمى العرب ذلك الرهط. وأنشد البيت المذكور كانت ١٣ تطوف وعليها رهط فنهى الله عز وجل عن ذلك. ونودي سنة تسع بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان " ١٤.
– قوله تعالى : لباسا :
فيه تأويلان : أحدهما : أن يريد فأنزلنا خلقنا كقوله تعالى : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد [ الحديد : ٢٥ ] لأن خلق الله تعالى ١٥ وأفعاله إنما هو في علو في القدر والمنزلة. والثاني : أن يريد أنزلنا ما يكون عنه ١٦ اللباس وهو المطر فتجاوز المطر ١٧ إلى اللباس فأوقع الإنزال عليه وهذا يسمى في كلام العرب التدريج ومثله قول الشاعر :
الحمد لله العلي المنان صار الثريد في رؤوس العيدان ١٨
وقوله تعالى : إني أراني أعصر خمرا [ يوسف : ٣٦ ].
- وقوله تعالى : وريشا :
اختلف فيه فقيل هو المال ١٩ وقيل هو الجمال ٢٠ وقيل الأثاث ٢١. والأليق به أن يقال هو عبارة عن سعة الرزق والتمتع في العيش واتخاذ الملابس، وأصله من ريش الطائر.
- وقوله تعالى : ولباس التقوى :
اختلف فيه أيضا فقيل ٢٢ العمل الصالح وقيل ٢٣ الإيمان وقيل ٢٤ السمت الحسن في الوجه وقيل ٢٥ الحياء وقيل ٢٦ الخشية لله تعالى وقيل ٢٧هو لبس الصوف وخشن الثياب وكل ما فيه تواضع لله تعالى وقيل ٢٨ هو العفاف وقيل ٢٩هو استشعار تقوى الله تعالى في ما أمر به ونهى عنه وقيل ٣٠هو السلاح وآلة الجهاد وقيل ٣١هو ستر العورة وقيل ٣٢هو الورع والسمت الحسن في الدنيا. فهذه عشرة أقوال. وقوله : ذلك خير أي لباس التقوى خير من الثياب.
- قوله تعالى : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم :
استدل به كثير من الفقهاء ٣٣ على وجوب ستر العورة. قالوا لأنه تعالى قال : يواري سوءاتكم وذلك إشارة إلى وجوب الستر ٣٤ ورد غيرهم هذا الاستدلال وقال إنما ذكر الله تعالى هذا تنبيها لعباده على ما أنعم به عليهم من اللباس فقط. واحتج أيضا من أوجب الستر بقوله تعالى : لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما . وقال من رد هذا الاستدلال إنما ذكر الله تعالى ذلك على جهة التحذير من زوال النعم. قال : وأيضا فإنما جاء هذا في شرع آدم عليه السلام ولم يثبت أن شرعه لازم لنا ٣٥.
وقوله : سوءاتكم يحتمل أن العورة من الرجل سوءتان خاصة. وهي مسألة قد اختلف فيها فقيل العورة السوءتان فقط وهو قول داود ٣٦ ومن حجته ما قدمناه لأنه تعالى إنما ذكر مواراة السوءات خاصة فدل على أن ما عداهما لا تجب مواراته. ورأى أن إطلاق اللفظ إنما يقع على القبل والدبر، وأما المرأة فقصتها أخرى. وقد قال تعالى فيهن : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها [ النور : ٣١ ]. وقيل العورة منه السوءتان والفخذان وهو قول بعض أصحاب مالك. وقيل ما بين السرة والركبة هي العورة وهو المشهور في المذهب وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وقيل من ٣٧ الركبة إلى الفخذ مع السرة عورة. والحجة لما في المذهب ما جاء في الحديث المبين لكتاب الله تعالى من قوله عليه الصلاة والسلام : " ما بين السرة إلى الركبة عورة " ٣٨ وقوله عليه الصلاة والسلام لجرهد ٣٩ : " غط فخذك فإن الفخذ عورة " ٤٠ وإن كان قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام ما يعارض ذلك ولكنه ضعيف٤١. وأما عورة المرأة فسنتكلم عليها في سورة النور.
١ وهذه الآيات هي: الآيات ٢٦ – ٣٢ من سورة الأعراف..
٢ في (ج)، (ح): "سنة"..
٣ في (أ)، (ح): "لحرمهم"..
٤ والحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم. انظر سيرة ابن هشام ١/ ١٨٤..
٥ في (ح): "في ثياب"..
٦ في (ب)، (ج)، (ح): "قد تدانسنا"..
٧ في (أ): "قارفنا" وفي (د): "فارقنا"..
٨ ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٤١، والواحدي في أسباب النزول ص ١٦٢..
٩ البيت من البحر الطويل..
١٠ البيت من البحر الرجز. قال القرطبي وهذه المرأة هي: ضباعة بنت عامر بن قرط. راجع الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٨٩..
١١ في (هـ): "بسور"..
١٢ في (أ): "منعطفة"..
١٣ كلمة "كانت" ساقطة في (ب)، (ج)، (ح)..
١٤ وقد ذكر ابن عاشور أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه عام حجته سنة تسع أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. انظر التحرير والتنوير ٨/ ٩٣..
١٥ كلمة " الله تعالى " ساقطة في (أ)..
١٦ في (ج)، (ح): "عليه"..
١٧ "فتجاوز المطر" ساقط في (د)، (هـ)..
١٨ البيت من البحر السريع وقد ذكره المبرد في الكامل ٢/ ٩١..
١٩ قاله ابن عباس. راجع تنوير المقباس: ص ١٢٥..
٢٠ نسبه ابن عطية إلى ابن زيد. راجع المحرر الوجيز ٧/ ٣٨..
٢١ قاله الطبري. راجع جامع البيان ١٢/ ٣٦٥..
٢٢ قاله ابن عباس..
٢٣ قاله قتادة والسدي وابن جريج..
٢٤ قاله ابن عباس وعثمان بن عفان..
٢٥ قاله معبد الجهني..
٢٦ قاله عروة بن الزبير..
٢٧ ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٧/ ٣٩..
٢٨ قاله بن عباس..
٢٩ قاله الطبري..
٣٠ قاله زيد بن علي..
٣١ قاله ابن زيد..
٣٢ قاله الحسن. راجع كل ذلك في المحرر الوجيز ٧/ ٣٩، جامع البيان ١٢/ ٣٦٥ – ٣٧٢. أحكام القرآن للجصاص ٤/ ٢٠٣، ٢٠٤..
٣٣ في (أ)، (ز): "العلماء"..
٣٤ نسبه الكيا الهراسي إلى علي بن موسى القمي وإلى أبي بكر الرازي. راجع أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٣٤..
٣٥ الرد هو للكيا الهراسي فراجعه في تفسيره أحكام القرآن ٣/ ١٣٤.
وقد بين ابن عاشور أن هناك أربعة مذاهب في هذه المسألة:
المذهب الأول: وهو مذهب مالك وأكثر أصحابه أن شريعة من قبلنا تكون أحكاما لنا.
المذهب الثاني: وهو مذهب أكثر الشافعية والظاهرية أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا.
المذهب الثالث: إنما يلزم الاقتداء بشرع إبراهيم عليه السلام. وهذا المذهب لا يعرف صاحبه.
المذهب الرابع: لا يلزم إلا اتباع مذهب عيسى عليه السلام لأنها آخر الشرائع نسخت ما قبلها. وهذا المذهب لا يعرف صاحبه أيضا. راجع التحرير والتنوير ٧/ ٣٥٩..

٣٦ داود: هو داود الظاهري بن علي بن خلف الفقيه العلامة الإمام رأس المدرسة الظاهرية. توفي سنة ٢٠٧هـ/ ٨٨٤م. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ١٥٠، وكذلك وفيات الأعيان ٢/ ٢٥٥..
٣٧ "من" ساقطة في (ح)..
٣٨ الحديث أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ٢/ ١٨٧..
٣٩ كلمة جرهد ساقطة في (ز). وجرهد هو أبو عبد الرحمن الأسلمي روى عنه ابنه هذا الحديث. انظر إسعاف المبطأ ٢/ ٣٣٦..
٤٠ الحديث أخرجه البخاري عن ابن عباس في كتاب الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ ١/ ٩٧ وكذلك أبو داود عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد في كتاب الحمام باب: النهي عن التعري ٤/ ٣٠٣..
٤١ راجع حد العورة في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ١٨٢، ١٨٣..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير