أعاره القرآن لموضوع الشكر لله من عناية واهتمام.
ولقد رويت أحاديث نبوية في هذا الصدد متساوقة في المدى والتلقين مع الآيات القرآنية. منها حديث رواه الترمذي عن ثوبان أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لما سئل أي المال خير فنتخذه: «أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه» «١». وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لا يشكر الله لا يشكر الناس» «٢». وحديث رواه الإمامان المذكوران أيضا عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به ومن لم يجد فليثن فإنّ من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر» «٣».
وللشيخ مصطفى المراغي كلمة جديرة بالإيراد في هذا السياق حيث قال إن كلمة الشكر من جوامع الكلم تنتظم كل خير وتشمل كل ما يصلح به قلب الإنسان ولسانه وجوارحه. وإن الشكر لله على ما أنعم به على الإنسان من مال أو علم يطهّر النفوس ويقرّبها من الله ويوجّه إرادتها إلى الوجهة الصالحة في إنفاق النعم في وجوهها المشروعة. ويبث فيها الأمل والرجاء والطمأنينة إلى وعد الله بالزيادة والرعاية وحسن الجزاء.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
. (١) لباسا يواري سوآتكم وريشا: إشارة إلى ما يسّره الله للناس من وسائل
(٢) التاج ج ٥ ص ٦٢- ٦٣.
(٣) انظر المصدر نفسه.
اللباس. وقيل إن الريش هو المال أو ما يستر به أو ما يتزين به، ويتبادر لنا أنه إشارة إلى أصواف الأنعام وأشعارها وأوبارها التي تصنع منها الثياب.
(٢) لباس التقوى: الأرجح أنه تعبير مجازي يقصد به أن التزام سبيل التقوى أو العمل الذي فيه تقوى أو الدعوة التي أنزلها الله في القرآن هو خير من كل شيء.
روى الطبري عن مجاهد أن هاتين الآيتين والآيتين اللتين بعدهما نزلتا في قريش حيث كانوا في الجاهلية يطوفون عراة بقصد تحذيرهم وتنبيههم إلى وجوب الاحتشام والتزين وقبح التعري وأن الله قد أنزل لهم اللباس والرياش لتفادي ذلك.
والرواية لم ترد في كتب الصحاح. ونرجح أنها من قبيل التطبيق بسبب ما روي في سياق آية أخرى تأتي بعد قليل. وأن الآيات جاءت معقبة على قصة آدم وإبليس لتستطرد إلى تذكير بني آدم بما أنعم الله عليهم من اللباس والرياش الذي يواري سوآتهم وإلى تحذيرهم من أن يفتنهم الشيطان الذي فتن أبويهم من قبل والذي يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم، وإيذانهم بأن التزام تقوى الله وخشيته كما أمروا هو كل الخير لهم. وبأن الشياطين قد جعلوا أولياء للذين لا يؤمنون بالله ولا يلتزمون أوامره.
ويبدو فحوى الآيتين بهذا الشرح المستلهم منه قويّا نافذا كما تبدو صلتهما بالسياق السابق واضحة. والله تعالى أعلم.
تعليق على دلالة جملة إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
وتعبير إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ قد استهدف فيما هو المتبادر شدّة التحذير والتنبيه. فلا يقولن أحد إني لا أرى الشيطان أو إني في نجوة منه، فهو دائم الترصد للناس. وإذا كانوا لا يرونه فإنه يراهم هو وقبيله والعدو المتربص المختفي هو أشد نكاية من الظاهر. ولعله يندمج في هذه العبارة تقرير ما يتنازع الإنسان من عوامل الشر والميول الأثيمة في باطنه مما يحسّ به كل امرئ.
ولقد استدلّ بعضهم بهذه الجملة على أن بني آدم لا يمكن أن يروا الجن الذين منهم إبليس ومرادفه الشيطان كما ذكرت ذلك آية سورة الكهف [٥٠] التي أوردناها قبل قليل. بل قال بعضهم إن من قال إنهم يرون هو كافر لأنه بذلك يكذب القرآن وإن زعم رؤيتهم زور ومخرقة. وإلى هذا قال بعضهم إنه ليس في الآية تقرير صريح بأن رؤيتهم ممتنعة البتة وكل ما فيها أن الشيطان يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم وإن انتفاء رؤيته لنا في وقت ما لا يستلزم انتفاءها مطلقا.
وبعضهم يستثني من ذلك الأنبياء ويساق في هذا المساق حديث رواه البخاري ومسلم في رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم عفريتا. ويساق حديث رواه الإمام أحمد في رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم إبليس. والحديثان أوردناهما في سياق تعليقنا على قصة سليمان في سورة ص. ويساق كذلك ما ورد في القرآن من خبر تسخير الجن لسليمان في مختلف الأعمال وحبسه بعضهم مما ورد شيء منه في السورة المذكورة كذلك.
وتعليقا على ذلك نقول مرة أخرى:
أولا: إن القرآن ذكر استماع الجن للقرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم مرتين بأسلوب يدلّ دلالة قاطعة على أن النبي لم يرهم وإنما أعلم بذلك أو أمر بأن يقول إن الله أخبره بذلك على ما جاء في آيتي سورتي الأحقاف والجن اللتين أوردناهما في ذلك التعليق.
وثانيا: إنه لم يثبت ثبوتا يقينيا عيانيا أن بني آدم رأوا أو يرون الجنّ.
وثالثا: إزاء النص القرآني بالنسبة لسليمان وإزاء الحديث الصحيح بالنسبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم يمكن أن يقال إن الأنبياء يرونهم بالقوة التي امتازوا بها والتي كانوا يرون بها الملائكة أيضا.
وعلى كل حال فهذه المسألة تابعة لأصل وجود الجن الواجب الإيمان به لأنه ثابت بالنصّ القرآني مع ملاحظة ما نبهنا عليه من ذلك في سياق سورة الناس. والله تعالى أعلم.
تعليق على جملة إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
ويتبادر لنا أن تعبير إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هو أسلوبي من باب ما جرى عليه النظم القرآني أحيانا من نسبة كل أمر إلى الله عزّ وجلّ من حيث الأصل مع قيام القرينة على أن ذلك نتيجة لمسلك وأخلاق الذين لا يؤمنون. وقد قصد به التنديد بالكافرين ونسبة ما هم فيه من كفر وإثم إلى وسوسة الشياطين وإغراءاتهم كما قصد به تطمين المؤمنين بأنه لا سبيل للشياطين عليهم فأولياء الكفار هم الشياطين في حين أن الله عزّ وجلّ هو وليّ المؤمنين. وفي آيات قصة آدم وإبليس في سورتي الحجر والإسراء تقرير صريح لذلك حيث جاء في الأولى هذه الآية: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وفي الثانية هذه الآية: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)، وفي سورة النحل آيتان تؤيدان هذا القصد مع تأييدهما لأسلوبية التعبير وهما:
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وفي إحدى الآيات التالية توكيد آخر حيث نسب فعل اتخاذ الشياطين أولياء إلى الكفار. فنحن ننزّه الله عزّ وجلّ عن أن يجعل الشياطين أولياء لأناس دون كسب وسبب منهم. وهو إنما يضلّ الظالمين والفاسقين ويهدي إليه من أناب ويثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما جاء في آية سورة إبراهيم هذه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧) وآيات سورة البقرة هذه:
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة