ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

٢٦ - قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ الآية. قال سعيد بن جبير: (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ يعني: خلقنا لكم) (١).
قال أبو علي: (أَنْزَلْنَا هنا كقوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: ٢٥]. وكقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] أي: خلق) (٢).
وقال صاحب النظم: (هذا من باب التدريج (٣) والترقي، وذلك أن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس، لما كان بسبب (٤) ما يُنزل وهو المطر) (٥).
قال ابن عباس: ([و] (٦) ذلك أن أهل مكة كانوا يطوفون حول البيت

(١) ذكره القرطبي في "تفسيره" ٧/ ١٨٤. وانظر: "تفسير الرازي" ١٤/ ٥١، و"البحر المحيط" ٤/ ٢٨٢.
(٢) "الحجة" لأبي علي ٤/ ١٢.
(٣) ذكر نحوه مكي في "المشكل" ١/ ٢٨٦، والماوردي ٢/ ٢١٣، وابن عطية ٥/ ٤٧٠، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" ١٢/ ٢٥٤ - ٢٥٧: (قد تبين أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ نزول إلا وفيه معنى النزول المعروف، وهذا هو اللائق بالقرآن، فإنه نزل بلغة العرب ولا تعرف العرب نزولًا إلا بهذا المعنى ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابًا بغير لغتها، ومما يبين هذا أنه لم يستعمل فيما خلق من السفليات، وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال، وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام، وقد قيل فيه: خلقناه، وقيل: أنزلنا أسبابه، وقيل: ألهمناهم كيفية صنعته، وهذا الأقوال ضعيفة، واللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون، فهو منزل من الجهتين، فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به حتى ينزل) اهـ. ملخصًا.
(٤) في (ب): (لما كان لسبب مما ينزل).
(٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٦٨ - ١٦٩.
(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).

صفحة رقم 73

عراة، فقال الله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ (١) يريد: يستر عوراتكم)، ونحو هذا قال مجاهد (٢).
وقال الكلبي: (يعني: الثياب التي تستر العورة من العُري، وذلك لما ذكر من عُري آدم وحواء منّ علينا باللباس) (٣).
وقوله تعالى: وَرِيشًا، وقرئ: وَرِياشًا (٤). قال ابن السكيت. (قالت بنو كلاب (٥): الرياش هو الأثاث من المتاع ما كان من لباس أو حشو من فراش أو وثار (٦)، والريش من الأموال، وقد يكون في

(١) ذكره أكثر أهل التفسير بدون نسبة. انظر: "تفسير الثعلبي" ١٨٩ أ، والماوردي ٢/ ٢١٣، والبغوي ٣/ ٢٢١، وابن عطية ٥/ ٤٧٠، وسيأتي مزيد بيان له في سبب نزول قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
(٢) "تفسير مجاهد" ١/ ٢٢٣، وأخرجه الطبري ٨/ ١٤٦، ١٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٦ من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٤٠.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٦٨، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ١٨١ بدون نسبة.
(٤) قرأ الجمهور (السبعة): وَرِيشًا بإسكان الياء من غير ألف، وقرأ جماعة منهم: عثمان وعلي وابن عباس والحسن، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما: ورياشا بفتح الياء وألف بعدها، وهو إما جمع ريش، أو مصدر راش ريشًا ورياشًا.
انظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٤٧، و"إعراب النحاس" ١/ ٦٠٦، و"معاني القراءات" ١/ ٤٠٢، و"إعراب القراءات" ١/ ١٧٨، و"مختصر الشواذ" ص ٤٨، و"التذكرة" ٢/ ٤١٧، و"تفسير ابن عطية" ٥/ ٤٧١، و"البحر المحيط" ٤/ ٢٨٢، و"الدر المصون" ٥/ ٢٨٧.
(٥) بنو كلاب: بطن من عامر بن صعصعة، كانت ديارهم في جهات المدينة ثم انتقلوا إلى الشام. انظر: "نهاية الأرب" للقلقشندي ص ٣٦٥.
(٦) الوِثَار، بالفتح والكسر: الفراش الوطيء. انظر: "اللسان" ٨/ ٤٧٦٣ (وثر)، وجاء في (أ): (أو دثار)؛ والدثار، بفتح الدال المشددة: ما يتدثر به والثوب الذي =

صفحة رقم 74

الثياب (١) دون المال، وإنه لحسن الريش أي: الثياب).
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (كل شيء يعيش [به] (٢) الإنسان من متاع أو مال ومأكول فهو ريش ورياش) (٣)
قال ابن الأنباري: (يقال: هما المال، ويقال: هما المعاش) (٤).
وقال أبو عبيدة: (الريش (٥) ما ظهر من اللباس والشارة (٦)، قال: ويقال: أعطاه رجلاً بريشه يراد: بكسوته [و] (٧) جهازه).
وقال رؤبة:

= يستدفأ به فوق الشَّعار. انظر: "اللسان" ٣/ ١٣٢٦ (دثر)، والنص في "تهذيب اللغة" ٢/ ١١٤٧. وانظر: "إصلاح المنطق" ص٣٠، وذكر مثله ابن جني في "المحتسب" ١/ ٢٤٦ عن أبي الحسن الأخفش.
(١) في (ب): (النبات)، وهو تصحيف.
(٢) لفظ: (به) ساقط من (ب).
(٣) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٤/ ٥١، وفي "مجالس ثعلب" ١/ ٣٥، قال: (الريش والرياش: اللباس الحسن) اهـ. وفي "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣١٨، عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (راش فلان صديقه يريشه ريشًا: إذا جمع الرَّيش وهو المال والأثاث) اهـ.
(٤) انظر: "الزاهر" ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، وفيه قال: (الرياش في قول جماعة من المفسرين: المال، وكذلك الريش، والرياش: المعاش، ويقال: الرياش ما ستر الإنسان وواراه، وقد تريش الرجل معناه: قد صار إلى معاش ومال) اهـ. ملخصًا.
(٥) في "مجاز القرآن" ١/ ٢١٣: (الرياش والريش واحد وهو..). وأيضًا قال: (والرياش أيضًا الخصب والمعاش) اهـ.
ومثله ذكر السجستاني في "نزهة القلوب" ص ٢٥١.
(٦) الشارة: الحُسن والهيئة واللباس، وما يلبس من عمامة ونحوهما. انظر: "اللسان" ٤/ ٢٣٥٧ (شور).
(٧) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).

صفحة رقم 75

إِلَيكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ وَجَهد أَعْوَامٍ نَتَفْنَ ريِشي (١)
أي: ذهبن بخصبي وجدتي.
وقال الفراء: (يجوز أن يكون الرياش جمع الريش، ويجوز أن (٢) يكون بمعنى الريش كما قرأ: لِبْس ولباس) (٣).
وقال الزجاج: (الرياش: اللباس، والريش: كل ما ستر الرجل في معيشته، يقال: تريش فلان أي: صار له ما يعيش به) (٤).
وأنشد (٥):
فَرِيشي (٦) مِنْكُمُ وَهَواىَ مَعْكُمْ وإنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامَا
(١) "ديوانه" ص ٧٨، وقد تقدم تخريجه.
(٢) في "معاني الفراء" ١/ ٣٧٥، قال: (وإن شئت جعلت الرياش مصدرًا في معنى الريش) اهـ.
(٣) ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٧، وابن خالويه في "إعراب القراءات" ١/ ١٧٨، وابن جني في "المحتسب" ١/ ٢٤٦، والريش اسم لهذا الشيء المعروف، أو مصدر راشه يريشه ريشًا إذا جعل فيه الرَّيش. قال السمين في "الدر" ٥/ ٢٨٧: (ينبغي أن يكون الريش مشتركًا بين المصدر والعين، وهذا هو التحقيق) اهـ.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٢٨.
(٥) الشاهد لجرير في "ديوانه" ص ٤١٠، وللراعي النميري، أيضًا في "ديوانه" ص ٢٤٣، و"الكتاب" ٣/ ١٨٧، وبلا نسبة في: "الزاهر" ١/ ٢٥٠، و"معاني النحاس" ٣/ ٢٣، و"الماوردي" ٢/ ٢١٤، و"أمالي ابن الشجري" ١/ ٣٧٥، و"ابن الجوزي" ٣/ ١٨٢، و"القرطبي" ٧/ ١٨٤، و"رصف المباني" ص ٣٩٤، و"اللسان" ٧/ ٤٢٣٤ (معع)، و"الدر المصون" ٥/ ٢٨٧، واللمَّام: الشيء اليسير، انظر: "لسان العرب" ٧/ ٤٠٧٩ (لمم).
(٦) في (ب): (وريشي) بالواو وهي كذلك في "ديوان جرير"، والراعي وبعض المراجع، وفي هامش نسخة (أ): (وهواي فيكم بدل معكم)، وهو كذلك في "ديوان جرير".

صفحة رقم 76

وقال عبد الله بن مسلم: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله به) (١) هذا قول أهل اللغة (٢).
فأما المفسرون فقال ابن عباس (٣) ومجاهد (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦): (وَرِيشًا يعني: مالًا).

(١) "تفسير غريب القرآن" ص ١٧٦، ونحوه ذكر اليزيدي في "غريب القرآن" ص ١٤٥، ومكي في "تفسير المشكل" ص ٨٤.
(٢) انظر: "العين" ٢/ ٢٨٣، و"الجمهرة" ٢/ ٧٣٦، و"الصحاح" ٣/ ١٠٠٨، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٤٦٦، و"المجمل" ٢/ ٤٠٩، و"المفردات" ص ٣٧٢، و"اللسان" ٣/ ١٧٩٢ (ريش). وقال النحاس في "معانيه" ٣/ ٢٣: (الريش عند أكثر أهل اللغة ما ستر من لباس أو معيشة) اهـ. وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ١٨٢: (على قول الأكثرين الريش والرياش بمعنى) اهـ. وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" ١٢/ ٢٥٥: (الصحيح أن الريش هو الأثاث والمتاع) اهـ.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨ بسند جيد، وهو في "تنوير المقباس" ٢/ ٨٦، و"مسائل نافع بن الأزرق" ص ٨٧، وذكر البخاري في "صحيحه" ٥/ ١٩٥، عن ابن عباس قال: (ورياشا: المال) وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٤٥٧ بسند جيد. وأخرج الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧ بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (الرياش: اللباس والعيش والنعيم) اهـ.
انظر: "الدر المنثور" ٣/ ١٤١، ولعله يقصد باللباس هنا لباس الزينة والجمال؛ لأن اللباس الضروري لستر العورة ذكر في الآية قبل ذلك، وهذا لا يختلف مع تفسير الريش بالمال، لأنه هو وسيلة الحصول على لباس الزينة والعيش النعيم.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨ بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" ٣/ ٢٣، وفي تفسير مجاهد ١/ ٢٣٣ (الرياش المال) اهـ.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨ بسند ضعيف، بلفظ: (رياشا)، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٥/ ١٤٥٧ عن مجاهد والضحاك.
(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨ بسند جيد بلفظ: (رياشًا) وذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٨٩ أ، والبغوي ٣/ ٢٢٢، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي =

صفحة رقم 77

وقال الكلبي: (المعيشة والمال) (١).
وقال ابن زيد: (الريش: الجمال) (٢)، وهو قول زيد (٣) بن علي قال: (اللباس هذا الذي يلبسون يُوَارِي سَوْآتِكُمْ، والريش والرياش: الذي يتجملون به من الثياب) (٤).
وقوله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى قُرئ (٥) بالنصب والرفع، فمن نصب فعلى أنه حمل على أنزل من قوله: قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ. وقوله: ذَلِكَ على هذا مبتدأ وخبره خَيْرٌ، ومن رفع قطع اللباس من الأول واستأنف به

= والسدي، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨ بسند ضعيف عن عروة بن الزبير، وقال سفيان الثوري في "تفسيره" ص ١١٢: (الريش: المال، والرياش: الثياب) اهـ، وذكر هود الهواري في "تفسيره" ٢/ ١٢ عن الحسن أنه قال: (الريش: المال والمتاع) اهـ.
(١) "تنوير المقباس" ٢/ ٨٦.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧ بسند جيد، ولفظ ابن أبي حاتم: (الرياش).
(٣) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو الحسين المدني، إمام زاهد فقيه، فصيح، ثقة، وهو الذي ينسب إليه الزيدية، خرج في خلافة هشام بن عبد الملك فقتل بالكوفة سنة ١٢٢ هـ، وكان مولده سنة ثمانين من الهجرة.
انظر: "وفيات الأعيان" ٥/ ١٢٢، و"سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣٨٩، و "تهذيب التهذيب" ١/ ٦٦٨، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" ٦/ ١٧، و"الأعلام" ٣/ ٥٩.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٦ بسند ضعيف. وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٤١، وفي "تفسير غريب القرآن" لزيد بن علي ص ١٣٩، قال: (الريش والرياش: ما ظهر من اللباس، والرياش أيضًا: المعاش والخِصْب) اهـ.
(٥) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وَلِبَاسُ التَّقْوَى بنصب وَلِبَاسُ وقرأ الباقون بالرفع. انظر: "السبعة" ص ٢٨٠، و"المبسوط" ص ١٨٠، و"التذكرة" ٢/ ٤١٧، و"التيسير" ص ١٠٩، و"النشر" ٢/ ٢٦٨.

صفحة رقم 78

فجعله مبتدأ، وقوله ذَلِكَ على هذا صفة (١)، أو بدل أو عطف بيان، ومن، قال إن (ذلك (٢)) لغو لم يكن على قوله دلالة؛ لأنه يجوز أن يكون علي أحد ما ذكرنا، و خَيْرٌ خبر اللباس (٣)، ومعنى قولنا: صفة أن ذَلِكَ أشير به إلى اللباس كأنه قيل: وَلِبَاسُ التَّقْوَى المشار إليه خَيْرٌ [وقولنا: يجوز أن يكون بدلاً أو عطف بيان؛ لأن المعنى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى خير] (٤) وكذلك (٥) هو في قراءة عبد الله (٦)، ثم جعل ذَلِكَ مترجمًا عنه

(١) وأكثرهم على أنه صفة، وهو قول الفراء في "معانيه" ١/ ٣٧٥، والطبري في "تفسيره" ٨/ ١٥٠، والأزهري في "معاني القراءات" ١/ ٤٠٣، وابن خالويه في "إعراب القراءات" ١/ ١٧٨، و"الحجة" ص ١٥٤. وقال النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٦٠٦: (أولى ما قيل في النصب أنه معطوف، و ذَلِكَ مبتدأ، وأولى ما قيل في الرفع أن ترفعه بالابتداء و ذَلِكَ نعته) اهـ.
(٢) نقل قول الواحدي السمين في "الدر" ٥/ ٢٨٨، وقال: (قوله: (لغو) هو قريب من القول بالفصل؛ لأن الفصل لا محل له من الإعراب على قول الجمهور) اهـ، والذي قال هو فصل الحوفي كما ذكره أبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٨٣، والرماني كما ذكره الهمداني في "الفريد" ٢/ ٢٨٦.
وقال ابن هشام في "الإعراب عن قواعد الإعراب" ص ١٠٨ - ١٠٩: (وكثير من المتقدمين يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مؤكدًا وبعضهم يسميه لَغْوا ولكن اجتناب هذه العبارة في التنزيل واجب) اهـ.
(٣) هذا نص كلام أبي علي في "الحجة" ٤/ ١٢ - ١٣، واختيار أبي حيان في "البحر" ٤/ ٢٨٣، والسمين في "الدر" ٥/ ٢٨٨، أن يكون وَلِبَاسُ مبتدأ، و ذَلِكَ مبتدأ ثان، و خَيْرٌ خبر الثاني، والجملة خبر الأول، والرابط هنا اسم الإشارة. قال السمين: (وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية الكريمة) اهـ، وانظر: "وضح البرهان" للغزنوي ١/ ٣٥٧.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). وانظر: "تفسير ابن عطية" ٥/ ٤٧٢.
(٥) في (أ): (ولذلك).
(٦) قرأ عبد الله بن مسعود وأبى -رضي الله عنهما-: (ولباس التقوى خير). ذكره =

صفحة رقم 79

وبيانًا له، وهذا كله معنى قول الزجاج (١) وأبي علي (٢) وابن الأنباري (٣).
وأما معنى وَلِبَاسُ التَّقْوَى، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد. إن ستر عوراتكم بعضكم من بعض من التقوى فلا تطوفوا عراة) (٤) وهو قول ابن زيد (٥) واختيار الزجاج.
[قال ابن زيد: (هو ستر العورة؛ يتقي الله فيواري عورته)، وقال الزجاج: (أي] (٦) وستر العورة (لباس المتقين) على أن يكون (لباس التقوى) مرفوعاً بإضمار (هو)، المعنى: وهو لِبَاسُ التَّقْوَى أي: اللباس الذي أنزل الله تعالى ليواري سوءاتكم هو لِبَاسُ التَّقْوَى) (٧) وهذا وجه آخر (٨) في رفع اللباس سوى ما ذكرنا، قال أبو بكر: (وعلى هذا، وَلِبَاسُ التَّقْوَى هو اللباس الأول، وإنما أعاده الله لما أخبر عنه بأنه خير من التعري

= الفراء في "معانيه" ١/ ٣٧٥، وابن خالويه في "إعراب القراءات" ١/ ١٧٨، و"مختصر الشواذ" ص ٤٨، وذكرها النحاس في "معانيه" ٣/ ٢٤ عن الأعمش.
(١) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٢٨، وفيه ذَلِكَ صفة.
(٢) "الحجة" ٤/ ١٢ - ١٣، وانظر "الحجة" لابن زنجلة ص٢٨٠.
(٣) ذكره السمين في "الدر" ٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩، ونحوه ذكر مكي في "الكشف" ١/ ٤٦١، وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري ٢/ ٦٥٢.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٨ بسند جيد.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) "معاني القرآن" ٢/ ٣٢٩.
(٨) وعليه يكون وَلِبَاسُ خبر مبتدأ محذوف أي: هو، وقوله ذَلِكَ خَيْرٌ جملة أخرى من مبتدأ وخبر، وقدره النحاس في "إعراب القرآن" ١/ ٦٠٦، ومكي في "المشكل" ١/ ٢٨٦، وستر العورة لباس المتقين، وانظر: "البيان" ١/ ٣٥٨، و"التبيان" ١/ ٣٧١، و"الفريد" ٢/ ٢٨٦، و"الدر المصون" ٥/ ٢٨٨.

صفحة رقم 80

إذ كان جماعة من أهل الجاهلية يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت، فجرى هذا في التنكير مجرى قول القائل: (قد عرَّفتُك الصدقَ وأبوابَ (١) البر، والصدقُ خير لك من غيره) فيعيد الصدق لإخباره عنه بالخبر المحدد) (٢).
وقال قتادة (٣) والسدي (٤) وابن جريج (٥) [(وَلِبَاسُ التَّقْوَى: الإيمان).
وقال ابن عباس في رواية عطية، (٦) (وَلِبَاسُ التَّقْوَى: العمل الصالح) (٧)، وهو قول سعيد بن جبير (٨)، وروى الذيال (٩) بن عمرو

(١) في (ب): (واثواب).
(٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٦٩، والبغوي ٣/ ٢٢٢، وابن الجوزي ٣/ ١٨٣، وقال القرطبي ٧/ ١٨٥، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ٢٨٣: (قال ابن زيد: هو ستر العورة، وهذا فيه تكرار؛ لأنه قد قال: لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) اهـ.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٩ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٤١.
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٩ بسند جيد.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٩ بسند جيد، وذكره الثعلبي في "الكشف" ١٨٩ أ، والماوردي في "تفسيره" ٢/ ٢١٤، والبغوي ٣/ ٢٢٢، عن قتادة والسدي، وذكره ابن الجوزي ٣/ ١٨٣ عن قتادة والسدي وابن جريج.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٧ بسند ضعيف.
(٨) لم أقف عليه، وفي "الوسيط" للمؤلف ١/ ١٧٠ عن سعيد بن جبير قال: (السمت الحسن)، وجاء في أصل نسخة: (أ) سعيد بن جريج، ثم ضرب عليه وصحح إلى ابن جبير.
(٩) الذيال بن عمرو، تابعي روى عنه محمد بن موسى، وعبد الله بن داود الواسطي، وذكر ابن الأثير في "الكامل" ٤/ ٣٣٩ في حوادث سنة ٧١ هـ الذيال الكلبي، ولم أجد له سوى ما ذكرت. انظر: "تهذيب الكمال" ٤/ ٤٦٨، وتعليق الشيخ أحمد شاكر الملحق في "تفسير الطبري" ١٢/ ٥٨٩ (٧).

صفحة رقم 81

عنه (١) قال: (هو السمت الحسن).
وقال الكلبي: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى: العفاف والتوحيد؛ لأن المؤمن لا تبدو له عورة، وإن كان عاريًا من الثياب، والفاجر لا يزال تبدو (٢) له عورة وإن كان كاسيًا) (٣).
وقال معبد (٤): (هو الحياء) (٥)، وينشد على هذا (٦):

إني كأنّي أرَى مَنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ وَلاَ أَمَانَةَ بين النَّاسِ (٧) عُرْيانا
قال أبو علي: (معنى الآية وتأويله: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله مما خلق له من اللباس والرياش الذي يتجمل
(١) أي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- كما هو ظاهر رواية الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٩، وذكره الثعلبي في "الكشف" ص ١٨٩، وابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ١٨٣، وابن كثير ٢/ ٣٢٣.
(٢) في (أ): (يبدوا).
(٣) في "تنوير المقباس" ٢/ ٨٦، قال: (التوحيد والعفة)، وذكر الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٧٠، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٢٢٢، وابن الجوزي ٣/ ١٨٣ عنه قال: (العفاف).
(٤) معبد الجهني، يقال: هو معبد بن خالد، أو معبد بن عبد الله، نزيل البصرة، تابعي، صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة، وقد نهى جماعة من التابعين عن مجالسته وقالوا عنه: هو ضال مضل، قتل سنة ٨٠ هـ، انظر: "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١٨٥، و"البداية والنهاية" ٩/ ٣٤، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ١١٥.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ١٤٥٨ من عدة طرق جيدة، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ٢٥٠، والسيوطي في "الدر" ٣/ ١٤٢.
(٦) الشاهد لسَوَّار بن مُضَرَّب في "النوادر" لأبي زيد ص ٤٥، و"الحماسة" لأبي تمام ٢/ ١٣٨، وبلا نسبة في "غريب القرآن" ص١٧٧، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٣٦، والثعلبي ص ١٨٩/ أ، وابن الجوزي ٣/ ١٨٣.
(٧) في المصادر السابقة (وسط الناس) بدل (بين الناس).

صفحة رقم 82

به، قال: وأضيف اللباس إلى التَّقْوَى، كما أضيف إلى الجوع في قوله: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ [النحل: ١١٢] (١) والمعنى: ما ظهر عليهم من السكينة والإخبات (٢) والعمل الصالح، فاستعير لذلك اسم اللباس، وهذا معنى قول ابن عباس: (ذَلِكَ خَيْرٌ أي: أزكى عند الله) (٣).
وقوله تعالى: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، قال الكلبي: (يعني: اللباس والرياش مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) (٤). قال ابن عباس: (يريد: من فرائض الله) (٥)، يعني: إن ستر العورة مما أوجبه الله بآياته (٦).
وقال غيره: (أي: إنزاله اللباس وخلقه إياه مما يدل على توحيده) (٧).
وقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، قال ابن عباس: (يريد: كي (٨) يتعظوا) (٩).

(١) "الحجة" لأبي علي ٤/ ١٣.
(٢) هذا نص كلام ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص ١٦٥، والأحسن في معنى الآية العموم، فكل ما يحصل به الاتقاء المشروع فهو من لباس التقوى، وهو يصدق على كل ما فيه تقوى الله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال، فهي كلها مثل ومن لباس التقوى، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" ٨/ ١٥١، وابن عطية ٧/ ٣٩ - ٤٠، والقرطبي ٧/ ١٨٥، وأبو حيان ٤/ ٢٨٣.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" ٢/ ٨٧: (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ من عجائب الله) اهـ.
(٦) انظر: "تفسير القرطبي" ٧/ ١٨٢.
(٧) ذكر نحوه مقاتل في "تفسيره" ٢/ ٣٣، وانظر: "تفسير الطبري" ٨/ ١٥١، والسمرقندي ١/ ٥٣٦.
(٨) في (ب): (كي يتعطفوا) وهو تحريف.
(٩) "تنوير المقباس" ٢/ ٨٧.

صفحة رقم 83

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية