وقوله : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجَاءها
يقال : إنما أتاها البأس من قَبْل الإهلاك، فكيف تقدم الهلاك ؟ قلت : لأن الهلاك والبأس يقعان معا ؛ كما تقول : أعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله : إنما وقعا معا، فاستجيز ذلك. وإن شئت كان المعنى : وكم من قرية أهلكناها فكان مجيء البأس قبل الإهلاك، فأضمرت كان. وإنما جاز ذلك على شبيه بهذا المعنى، ولا يكون في الشروط التي خَلَفتْها بمقدّم معروف أن يقدم المؤخر أو يؤخر المقدم ؛ مثل قولك : ضربته فبكى، وأعطيته فاستغنى، إلا أن تدع الحروف في مواضعها. وقوله : أَهْلَكْناها فَجَاءها قد يكونان خبرا بالواو : أهلكناها وجاءها البأس بياتا.
وقوله : أَوْ هُمْ قَائلُونَ
ردّ الفعل إلى أهل القرية وقد قال في أولها ( أهلكناها ) ولم يقل : أهلكناهم فجاءهم، ولو قيل، كان صوابا. ولم يقل : قائلة، ولو قيل لكان صوابا.
وقوله : أَوْ هُمْ قَائلُونَ واو مضمرة. المعنى أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو وهم قائلون، فاستثقلوا نسقا على نسق، ولو قيل لكان جائزا ؛ كما تقول في الكلام : أتيتني واليا، أو وأنا معزول، وإن قلت : أو أنا معزول، فأنت مضمر للواو.
معاني القرآن
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء