ويقول الحق بعد ذلك :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ( ٤ ) :
وساعة تسمع " كم " فاعرف أن المسألة خرجت عن العد بحيث تستوجب أن تستفهم عنها، وهذا يدل على أمر كثير فوق العدد، لكن عندما يكون العدد قليلا فلا يستفهم عنه، بل يعرف. والقرية اسم للمكان المعد إعدادا خاصا لمعيشة الناس فيه. وهل القرى هي التي تهلك أم يهلك من فيها ؟. أوضح الحق أنها تأتي مرة ويراد منها المكان والمكين : أو يكون المراد بالقرية أهلها، مثال على ذلك قوله الحق في سورة يوسف : واسأل القرية التي كنا فيها والعير.. ٨٢ [ سورة يوسف ]. وبطبيعة الحال لن يسأل إنسان المكان أو المباني، بل يسأل أهل القرية، ولم يقل الحق : اسأل أهل القرية ؛ لأن المسؤول عنه هو أمر بلغ من الصدق أن المكان يشهد مع الملكين، ومرة أخرى يوضح الحق أنه يدمر القرية بسكانها ومبانيها : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا .
وأيهما يأتي أولا : الإهلاك أم يأتي البأس أولا فيهلك ؟. الذي يأتي أولا هو البأس فيهلك، فمظاهر الكونيات في الأحداث لا يأتي أمرها ارتجالا، وإنما أمرها مسبق أزلا، وكأن الحق يقول هنا : وكم من قرية حكمنا أن نهلكها فجاءها بأسنا ليتحقق ما قلناه أزلا، أي أن تأتي الأحداث على وفق المرادات ؛ حتى ولو كان هناك اختيار للذي يتكلم عنه الحق.
ونعلم أن القرية هي المكان، وعلى ذلك فليس لها اختيار. وإن كان لمن يتحدث عنه حق الاختيار، فسبحانه يعلم أزلا أنه سيفعل ما يتحدث عنه سبحانه. ويأتي به في قرآن يتلى ؛ ليأتي السلوك موافقا ما أخبر به الله. وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ( ٤ ) [ سورة الأعراف ] : والبأس هو القوة التي لا ترد ولا تقهر، و " بياتا " أي بالليل، أو هم قائلون أي في القيلولة. ولماذا يأتي البأس في البيات أو في القيلولة ؟. ونجد في خبر عمن أهْلِكوا مثل قوم لوط أنه حدث لهم الهلاك بالليل، وقوم شعيب حدث لهم الهلاك في القيلولة، والبيات والقيلولة هما وقت الاسترخاء ووقت الراحة وتفاجئهم الأحداث فلا يستطيعون أن يستعدوا. فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ١٧٧ ( سورة الصافات ) : أي يأتيهم الدمار في وقت هن نائمون فيه، ولا قوة لهم لمواجهة البأس. فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ( من الآية ٤ سورة الأعراف ) :
وإذا قال سبحانه : بياتا أو هم قائلون فيصح أن لهذه القرية امتدادات، ووقت القيلولة عند جماعة يختلف عن وقت من يسكن امتداد القرية، فيكون الوقت عندهم ليلا، والقيلولة هي الوقت الذي ينامون فيه ظهرت للاسترخاء والراحة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي