قوله :[ وكم من قرية ]( كم ) في اللغة العربية هنا معناها الإخبار بعدد كثير، ومميزها هو المجرور ب( من ) معناه : وكثير من القرى أهلكناه ودمرناه لأنهم اتبعوا غير ما أنزلنا، وتركوا اتباع ما أنزلنا. ف( كم ) هنا هي الخبرية، والمراد بها : الإخبار بعدد كثير. والمعنى : وكثير من نوع القرية أهلكناه ودمرناه. وإنما أنث الضمير في [ أهلكناها ] لأنه عائد إلى القرية، إلا أن هذه القرية عددها كثير كما دل عليه قوله :( كم ) لأنه يخبر بعدد ضخم من القرى الظالمة أهلكها الله ودمرها ؛ لأنها لم تتبع ما أنزل. فمعنى :[ وكم من قرية ] كثير من نوع القرية أهلكناه. و( كم ) هنا في موضع رفع على أنها مبتدأ، وجملة [ أهلكناها ] خبره، على أجود الإعرابين. ويجوز أن تكون منصوبة على الاشتغال، منصوبة ب( أهلكنا ) مضمرة دلت عليها [ أهلكناها ]
على حد قوله :[ إنا كل شيء خلقناه بقدر( ٤٩ ) ]( القمر : آية ٤٩ ) إلا أن الرفع هنا على الابتداء أجود ؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير.
والقرية تطلق في اللغة العربية إطلاقين : تطلق على مطلق الأبنية من الحجارة والطين والأسس والسقوف، وتطلق على أهل القرية التي هي عامرة بهم، دل القرآن على إطلاقها هذين الإطلاقين. والتخويف بإهلاك أهلها وإن كان نفس القرى والأبنية يدمره الله ويهلكه، إلا أن التخويف الشديد إنما هو بإهلاك أهلها. والمراد بالإهلاك : إهلاك أهلها ؛ لأن الله قال بأن المراد الأهل، قال :[ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون( ٤ ) ] فقوله :[ هم قائلون ] يدل على أن المراد هو السكان ؛ لأن نفس الأبنية لا يقال فيها :[ هم قائلون ] فلا بد هنا من تقدير :( أهل القرية ) على كل حال ؛ لأن الله قال :[ أو هم قائلون ]فقال بعضهم : يقدر في قوله :[ وكم من قرية أهلكناها ]أي : أهلكنا أهلها[ فجاءها أي : القرية، والمراد : أهلها [ بأسنا بياتا ] بدليل قوله :[ أو هم قائلون ]. وقال بعض العلماء : لا حاجة إلى تقدير ( الأهل ) في الأول :[ وكم من قرية أهلكناها ] أي : دمرنا أبنيتها وجعلناها خاوية على عروشها لما سخطنا على أهلها [ فجاءها بأسنا ] في حال كون أهلها بائتين، أو في حال كونهم قائلين، أي : مستريحين وقت القيلولة.
وفي هذه الآية الكريمة حذف النعت، وحذف النعت يقول بعض علماء العربية : إنه قليل، كما قال ابن مالك في الخلاصة :
وما من المنعوت والنعت عقل *** يجوز حذفه وفي النعت يقل
ولكنه بتتبع اللغة العربية يعلم أن حذف النعت. والنعت المحذوف هنا هو قوله :" وكم من قرية ظالمة عاصية غير متبعة ما أنزل إليها ". والدليل على هذا النعت المحذوف : أن الله لا يهلك قرية إلا قرية ظالمة، كما صرح به في قوله :[ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ]( القصص : آية ٥٩ ) فدلت هذه الآيات على أن القرية يحذف نعتها هنا. أي :" وكم من قرية ظالمة عاصية ممتنعة من اتباع ما أنزلنا، متبعة للأولياء المضلين غير ما أنزلنا، كم من قرية بهذه المثابة أهلكناها ".
وحذف النعت مشهور في كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى :[ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ]( الكهف : آية ٧٩ ) لأن المراد : كل سفينة صحيحة صالحة. إذ لو كان يأخذ المعيبة المخروقة لما كان في خرق الخضر للسفينة فائدة ؛ لأنه لما خرقها خرقها ليعيبها لتسلم بذلك العيب من أخذ الملك الغاصب لها ؛ لأن عيبها بالخرق يزهده في أخذها ؛ ولذا قال :[ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ]( الكهف : آية ٧٩ ) أي : لئلا يأخذها الملك الغاصب. فدل كون الملك لا يأخذ السفينة المعيبة على حذف النعت في قوله :[ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ] أي : صحيحة صالحة غير معيبة ولا مخروقة. وحذف النعت معروف في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب قول المرقش الأكبر :
ورب أسيلة الخدين بكر *** مهفهفة لها فرع وجيد
يعني : لها فرع فاحم، وجيد طويل. فحذف النعت لدلالة المقام عليه. ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي يمدح رجلا :
من قوله قول ومن فعله *** فعل ومن نائله نائل
يعني : من قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزل. فحذف النعوت لدلالة المقام عليها. والمعنى :[ كم من قرية ] أي : كثير من نوع القرية الظالمة العاصية المتبعة غير ما أنزل الله أهلكناها بسخطنا عليها فدمرناها تدميرا مستأصلا ؛ لأنها لم تتبع ما أنزلنا واتبعت غير ما أنزلنا.
وهذه القرى بينها الله بكثرة إجمالا وتفصيلا، كقوله :[ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا( ٨ ) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا( ٩ ) ] ثم بين عذابهم الأخروي فقال :[ أعد الله لهم عذابا ]الآية( الطلاق : ألايات٨-١٠ ) وكقوله :[ فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد( ٤٥ ) ]( الحج : آية٤٥ ) والمعنى : أن آبارها تعطلت لم يبق من يستقي عليها لهلاك أهلها وفنائهم عن آخرهم. وكقوله :[ وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين( ١١ ) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون( ١٢ )لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون( ١٣ ) قالوا ياويلنا إنا كنا ظالمين( ١٤ ) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين( ١٥ ) ]( الأنبياء : الآيات١١-١٥ ) والآيات بمثل هذا كثيرة. ومن هذه القرى التي أهلكها الله قرى لوط( سدوم ) وغيرها، رفعها الله إلى السماء وقلبها فجعل عاليها سافلها، وأرسل عليها حجارة السجيل ؛ ولأجل أنه قلبها وجعل عاليها سافلها سميت القرى :( المؤتفكات ) وسميت عاصمتها( المؤتفكة ) لأن جبريل أفكها، أي : قلبها فجعل عاليها سافلها. والإفك : قلب الشيء، ومنه قيل لأسوأ الكذب ( إفك ) لأنه قلب للحقائق عن ظواهرها. ومن تلك القرى : قوم مدين( أصحاب شعيب ) الذين أهلكتهم الظلة، وقوم صالح الذين واعدهم ثلاثة أيام وعدا غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ومنهم قوم هود أرسل الله عليهم الريح العقيم فدمرهم، ومنهم قوم نوح أرسل الله عليهم الطوفان فدمرهم، كما جاء مفصلا في الآيات القرآنية، وكل هؤلاء القرى التي دمرها الله إنما دمرها لأنه انزل إليها وحيا تشريعا على لسان نبي كريم وقال لها :[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ] ولا تتبعوا غيره. فتمردوا، ولم يتبعوا ما أنزل الله، واتبعوا غيره فدمرهم الله تدميرا مستأصلا ؛ ولذا يحذر هذه الأمة على لسان نبيها أن لا تتبع غير ما انزل الله، لئلا يهلكها بهلاك مستأصل.
فهذه الآيات فيها تخويف عظيم، وتهديد كبير من رب السماوات والأرض ؛ لأنهم إذا تركوا العمل بما أنزل الله، وذهبوا يعملون بغير ما أنزل الله، فقد استحقوا العقوبة والهلاك، فهم مستحقون للعقوبة والهلاك، فعليهم أن يتبعوا ما أنزل الله، ويتركوا اتباع غير ما انزل الله ؛ ليسلموا بذلك من استحقاق عقوبات الله وإهلاكه العظيم ؛ ولذا قال :[ وكم من قرية أهلكناها ] أي : إهلاكا مستأصلا لم يبق منها داع ولا مجيب [ فجاءها بأسنا ] أي : عذابنا وهلاكنا المستأصل. والبأس يطلق على كل نكال شديد، والمراد به هنا : إهلاكهم وتدميرهم عن آخرهم.
وقوله :[ بياتا ] مصدر منكر في موضع الحال، أي :[ فجاءها بأسنا ] أي : جاء أهلها بأسنا في حال كونهم بائتين، أي : نائمين في الليل في بيوتهم، أو جاءهم بأسنا في حال كونهم وهم قائلون.
والتحقيق : أن الجملة الحالية إذا عطفت بأداة عطف حذف منها واو العطف لاستثقال تكرر أدوات العطف. هذا هو التحقيق، ومناقشات النحويين في عدم حذفه كلها ساقطة. والحق الذي لا شك فيه أن الجملة الحالية إذا عطفت على حال بأداة عطف تحذف منها واو الحال ؛ لأن واو الحال تشبه أداة العطف، فيستثقل إثباتها مع حرف العطف، ويكون الربط بالضمير، لأن ربط الجملة الحالية بالضمير يكفي عن ربطها بالواو.
والبيات : أصله مصدر بات الرجل، يبيت، بيتوتة، وبياتا، وسمي البيت بيتا لأنه يبات فيه، وهو مصدر منكر في موضع الحال، والمصادر المنكرة تقع أحوالا بكثرة. أي :[ فجاءها بأسنا ] أي : جاء أهلها بأسنا في حال كونهم بائتين في غفلة. أو جاءها بأسنا في حال كونهم وهم قائلون.
والقائلون : جمع القائل، وهمزته منقلبة عن ياء، لأن الفاعل من الأجوف تبدل عينه همزة، سواء كانت واوا أو ياء، فإن قلت :" قال زيد، يقول، فهو قائل " الهمزة مبدلة من واو ؛ لأن أصل الأجوف واوي العين من ( القول ). وإن قلت :" قال زيد " معناه : استراح في وقت النهار، يعني من العمل. سواء كانت القيلولة استراحا مع نوم أو غير نوم. تقول :" قال يقيل، فهو قائل " ك :( باع، يبيع، فهو بائع ) فالهمزة مبدلة من ياء ؛ لأن ( قال، يقيل ) أجوف واوي العين، والهمزة تبدل من الواو والياء، وهي هنا مبدلة من ياء ؛ لأن ( القائلين ) هنا جمع ( قائل ) وهو اسم فاعل ( قال، يقيل ) ك ( باع، يبيع ) من ( القيلولة ) وهي الاستراحة في نصف النهار وقت شدة الحر، سواء كانت مع نوم أو مع غير نوم.
وهذان الوقتان وقت راحة ودعة واستراحة، فإتيان العذاب والإهلاك فيها أفظع. وقد أهلك الله قوم شعيب في وقت القائلة حيث أرسل عليهم الظلة في شدة النهار وأحرقتهم، واهلك قوم لوط قبل أن يستيقظوا من نومهم عند انصداع الفجر، كما قال :[ إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ]( هود : آية٨١ ) والله( جل وعلا ) يخوف الظالمين المتبعين لغير ما انزل الله بأن يهلكهم وقت البيات، أو وقت القيلولة، أو أن يهلكهم في أوقات أخر كما قال :[ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون( ٩٧ ) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون( ٩٨ ) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون( ٩٩ ) ]( الأعراف : الآيات٩٧-٩٩ )، وقال جل وعلا :[ أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون( ٤٥ ) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين( ٤٦ ) أو يأخذهم على تخوف[ ( النحل : الآيات٤٥-٤٧ ) إلى آخر الآيات التي يخوف الله بها خلقه من معاصيه.
وعلينا جميعا أن نعرف أن خالق السماوات والأرض هو الجبار العظيم، شديد البطش والنكال[ إن بطش ربك لشديد( ١٢ ) ]( البروج : آية ١٢ ) وهو يخوف خلقه أن يعملوا بمعصيته، وان يتبعوا غير ما أنزل، فيجب على كل مسلم أن يخاف من عقوبات الله وسخطه وإهلاكه، وان يحذر كل الحذر من أن يتبع غير ما أنزل الله ؟ ؟، فيجب على كل أحد أن يتبع ما أنزل الله ويدع غيره.
واستدلال ابن حزم وغيره من الظاهرية بهذه الآية على منع القياس سنبسط الكلام عليه في قصة إبليس- عليه لعائن الله- الآتية في الآيات القادمة قريبا- إن شاء الله-
وقوله جل وعلا :[ فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون( ٤ ) فما كان دعواهم ]( الأعراف : الآيتان٥، ٤ ) يعني : لما أهلك الله القرى بظلمها ودمرها تدميرا مستأصلا لم يكن عندها عذر ولا حجة مقبولة ؛ لأن الله ( جل وعلا ) هو العدل الذي لا يأخذ ظلما :[ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ]( النساء : الآية ٤٠ ) فلا يأخذ أحدا بعذاب إلا وهو مستحق كل الاستحقاق لذلك العذاب ؛ ولذا القرى التي دمرها لم تكن عندها دعوى ولا معذرة تقول : يا ربنا إنك ظلمتنا ؛ أو عاقبتنا ولم تنذرنا ! ! لأنه لا يعذب أحدا حتى يقطع حجته ويعذر إليه من جميع الجهات، كما قال جل وعلا :[ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ]( النساء : آية ١٦٥ ) فلو كان عذبهم قبل أن ينذرهم لاعتذروا وقالوا : أنت لم تنذرنا ونحن جاهلون معذورون. ولكن الله يقول :[ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ] وهذه الحجة التي أشار لها في سورة النساء أوضحها في سورة طه، وأشار لها في سورة القصص، حيث قال في طه :[ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى( ١٣٤ ) ]( طه : آية ١٣٤ ) وقال في القصص :[ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين( ٤٧ ) ]( القصص : آية ٤٧ ) فلما قطع عذرهم بالرسل والآيات والمعجزات لما جاءهم الهلاك لم تكن عندهم دعوى يعتذرون بها، ولا حجة يبدونها إلا الإقرار والاعتراف بأنهم الخبثاء الظالمون ؛ ولذا قال :[ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين( ٥ ) ]( الأعراف : آية ٥ ) لم يكن عندهم عذر ولا دعوى ؛ ولذا قالوا : إنا كنا ظالمين ].
فقوله :[ فما كان دعواهم ] قال بعض العلماء : فما كان قولهم ؛ لأنهم لا حجة لهم ولا دعوى.
وقال بعض العلماء : لم يكن عندهم ادعاء ولا معذرة إلا قولهم :[ إنا كنا ظالمين ].
وقال بعض العلماء : الدعوى هنا بمعنى الدعاء، لم يكن عندهم دعاء ولا تضرع إلا الاعتراف بالذنب حين لا ينفع الاعتراف، والندم حيث لا ينفع الندم.
والدعوى تطلق على القول، وعلى الادعاء، وعلى الدعاء. أي : فما كان قولهم ومعذرتهم حين جاءهم العذاب إلا الاعتراف [ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ].
واظهر القولين هنا أن [ دعواهم ] في محل رفع اسم لكان، وأن قوله :[ إلا أن قالوا ] المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في محل نصب خبرا لكان ؛ لأنه إذا كان الفاعل والمفعول أو الاسم والخبر معرفتين كان الأولى منها يستحق أن يكون هو الفاعل أو الاسم إلا بدليل يدل عليه.
وقول بعض العلماء : إن [ دعواهم ] هنا منصوب بدليل قوله :[ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ]( النمل : آية ٥٦ ) فجعل [ إلا أن قالوا ] هو المرفوع، و[ جواب ] هو المنصوب، كذلك [ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا ] فيه فرق ؛ لأن [ جواب ] يظهر فيه النصب فيتعين الاسم من الخبر، وقوله :[ دعواهم ] لا يتعين فيه الاسم من الخبر ؛ لأنه لا يظهر عليه النصب، فالأولى أن يكون الأول هو المرفوع، والثاني هو المنصوب إلا بقرينة تدل عليه. والمعنى فما كان دعواهم وادعاؤهم إلا قولهم :[ إنا كنا ظالمين ] يعني : إنا كنا ظالمين فيما كنا عليه من اتباع غير ما أنزل الله، وترك اتباع ما أنزل الله.
والظالمين جمع تصحيح للظالم، وهو خبر كان منصوب، وهو جمع تصحيح للظالم. والظالم : اسم فاعل الظلم، وقد قدمنا مرارا، أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن أنه وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئا في غير موضعه فهو ظالم.
وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه : وضع العبادة في غير الخالق( جل وعلا ) ؛ ولذا كان الشرك بالله وعبادة غيره هو النوع الأكبر من أنواع الظلم، كما قال العبد الحكيم لقمان :[ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ]( لقمان : آية ١٣ ) وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله :[ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ]( الأنعام : آية ٨٢ ) قال : بشرك. ثم تلا قول لقمان :[ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ] ( لقمان : آية ١٣ ) ونظيره في القرآن :[ والكافرون هم الظالمون ]( البقرة : آية ٢٥٤ ) وقوله :[ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين( ١٠٦ ) ]( يونس : آية ١٠٦ ) هذا أصل الظلم في لغة العرب. أعظم أنواعه : وضع الشيء في غير موضعه، وضع العبادة في غير من خلق، وهي الكفر بالله.
ومن أنواع الظلم وضع الطاعة في غير موضعها بأن يطيع عدوه إبليس ويعصي خالقه ( جل وعلا ). فمن أطاع إبليس واتبع تشريعه، وعصى الله ولم يتبع ما انزل فهو ظالم ؛ لأنه وضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير موضعها ؛ والله يقول :[ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ]( الكهف : آية ٥٠ ) وكل من وضع شيئا في غير موضعه تسميه العرب ( ظالما ) ومن ذلك قولهم للذي يضرب لبنه قبل أن يروب :" هو ظالم " ؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه ؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وإضاعة زبده وضع للضرب في غير موضعه، ومنه سمي الذي يضرب لبنه قبل أن يروب ( ظالما ) وفي لغز الحريري في مقاماته :" هل يجوز أن يكون الحاكم ظالما ؟ قال : نعم إذا كان عالما ". يعني بقوله :" ظالما " أنه يضرب لبنه قبل أن يروب ويسقيه الناس. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
| وقائلة ظلمت لكم سقائي | وهل يخفى على العكد الظليم |
| وصاحب صدق لم تربني شكاته | ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر |
| وصاحب صدق لم تربني شكاته | ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر |
| وصاحب صدق لم تربني شكاته | ظلمت وفي ظلمي لع عامدا أجر |
| وقفت فيها أصيلالا أسائلها | عيت جوابا وما بالربع من أحد |
| إلا الأواري لأيا ما أبينها | والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد |
| فأصبح في غبراء بعد إشاحة | من العيش مردود عليها ظليمها |
وهو في اصطلاح الشرع : وضع العبادة في غير موضعها، وهو الشرك بالله. أو وضع الطاعة في غير موضعها، كطاعة إبليس، ومعصية الله. وقد جاء الظلم في القرآن في موضع واحد يراد به النقص وهو قوله تعالى :[ كلتا الجنتين أتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ]( الكهف : آية ٣٣ ) يعني أي : ولم تنقص منه شيئا. وهذا معنى قوله :[ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين( ٥ ) ]( الأعراف : آية٥ ) أي : واضعين الشيء في غير موضعه حيث كنا نضع الاتباع في غير موضعه، فنتبع قانون الشيطان ونترك اتباع ما أنزل الله، ونطيع الشيطان ونعصي ( في الأصل :( غير ) وهو سبق لسان ) أمر الله. فهم متبعون ما لا ينبغي أن يتبع، وتاركون ما ينبغي أن يتبع، فقد وضعوا الأمر في غير موضعه، وأوقعوه في غير موقعه، وذلك معنى الظلم في لغة العرب ؛ ولذا قال :[ قالوا إنا كنا ظالمين ].
وفي الآية التي ذكرنا إشكال معروف وسؤال مشهور عند العلماء، وهو الفاء في قوله :[ فجاءها بأسنا ] لأن المعروف في لغة العرب : أن الفاء حرف تعقيب، وأن ما بعدها آت بعد ما قبلها ؛ لأنك لو قلت : جاء زيد فعمرو. معناه أن عمرا جاء بعد مجيء زيد، عقبه. والقرآن هنا قال :[ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ] فجعل مجيء البأس كأنه واقع عقب الإهلاك، ومجيء البأس واقعا عقب الإهلاك، بل مجيء البأس هو عين الإهلاك، فالتعقيب بالفاء هنا فيه إشكال معروف وسؤال مشهور عند العلماء ؛ لأن طالب العلم يقول : كيف يقول :[ أهلكنا
وقوله جل وعلا :[ فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون( ٤ ) فما كان دعواهم ]( الأعراف : الآيتان٥، ٤ ) يعني : لما أهلك الله القرى بظلمها ودمرها تدميرا مستأصلا لم يكن عندها عذر ولا حجة مقبولة ؛ لأن الله ( جل وعلا ) هو العدل الذي لا يأخذ ظلما :[ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ]( النساء : الآية ٤٠ ) فلا يأخذ أحدا بعذاب إلا وهو مستحق كل الاستحقاق لذلك العذاب ؛ ولذا القرى التي دمرها لم تكن عندها دعوى ولا معذرة تقول : يا ربنا إنك ظلمتنا ؛ أو عاقبتنا ولم تنذرنا ! ! لأنه لا يعذب أحدا حتى يقطع حجته ويعذر إليه من جميع الجهات، كما قال جل وعلا :[ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ]( النساء : آية ١٦٥ ) فلو كان عذبهم قبل أن ينذرهم لاعتذروا وقالوا : أنت لم تنذرنا ونحن جاهلون معذورون. ولكن الله يقول :[ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ] وهذه الحجة التي أشار لها في سورة النساء أوضحها في سورة طه، وأشار لها في سورة القصص، حيث قال في طه :[ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى( ١٣٤ ) ]( طه : آية ١٣٤ ) وقال في القصص :[ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين( ٤٧ ) ]( القصص : آية ٤٧ ) فلما قطع عذرهم بالرسل والآيات والمعجزات لما جاءهم الهلاك لم تكن عندهم دعوى يعتذرون بها، ولا حجة يبدونها إلا الإقرار والاعتراف بأنهم الخبثاء الظالمون ؛ ولذا قال :[ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين( ٥ ) ]( الأعراف : آية ٥ ) لم يكن عندهم عذر ولا دعوى ؛ ولذا قالوا : إنا كنا ظالمين ].
فقوله :[ فما كان دعواهم ] قال بعض العلماء : فما كان قولهم ؛ لأنهم لا حجة لهم ولا دعوى.
وقال بعض العلماء : لم يكن عندهم ادعاء ولا معذرة إلا قولهم :[ إنا كنا ظالمين ].
وقال بعض العلماء : الدعوى هنا بمعنى الدعاء، لم يكن عندهم دعاء ولا تضرع إلا الاعتراف بالذنب حين لا ينفع الاعتراف، والندم حيث لا ينفع الندم.
والدعوى تطلق على القول، وعلى الادعاء، وعلى الدعاء. أي : فما كان قولهم ومعذرتهم حين جاءهم العذاب إلا الاعتراف [ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ].
واظهر القولين هنا أن [ دعواهم ] في محل رفع اسم لكان، وأن قوله :[ إلا أن قالوا ] المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في محل نصب خبرا لكان ؛ لأنه إذا كان الفاعل والمفعول أو الاسم والخبر معرفتين كان الأولى منها يستحق أن يكون هو الفاعل أو الاسم إلا بدليل يدل عليه.
وقول بعض العلماء : إن [ دعواهم ] هنا منصوب بدليل قوله :[ فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ]( النمل : آية ٥٦ ) فجعل [ إلا أن قالوا ] هو المرفوع، و[ جواب ] هو المنصوب، كذلك [ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا ] فيه فرق ؛ لأن [ جواب ] يظهر فيه النصب فيتعين الاسم من الخبر، وقوله :[ دعواهم ] لا يتعين فيه الاسم من الخبر ؛ لأنه لا يظهر عليه النصب، فالأولى أن يكون الأول هو المرفوع، والثاني هو المنصوب إلا بقرينة تدل عليه. والمعنى فما كان دعواهم وادعاؤهم إلا قولهم :[ إنا كنا ظالمين ] يعني : إنا كنا ظالمين فيما كنا عليه من اتباع غير ما أنزل الله، وترك اتباع ما أنزل الله.
والظالمين جمع تصحيح للظالم، وهو خبر كان منصوب، وهو جمع تصحيح للظالم. والظالم : اسم فاعل الظلم، وقد قدمنا مرارا، أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن أنه وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئا في غير موضعه فهو ظالم.
وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه : وضع العبادة في غير الخالق( جل وعلا ) ؛ ولذا كان الشرك بالله وعبادة غيره هو النوع الأكبر من أنواع الظلم، كما قال العبد الحكيم لقمان :[ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ]( لقمان : آية ١٣ ) وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله :[ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ]( الأنعام : آية ٨٢ ) قال : بشرك. ثم تلا قول لقمان :[ يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ] ( لقمان : آية ١٣ ) ونظيره في القرآن :[ والكافرون هم الظالمون ]( البقرة : آية ٢٥٤ ) وقوله :[ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين( ١٠٦ ) ]( يونس : آية ١٠٦ ) هذا أصل الظلم في لغة العرب. أعظم أنواعه : وضع الشيء في غير موضعه، وضع العبادة في غير من خلق، وهي الكفر بالله.
ومن أنواع الظلم وضع الطاعة في غير موضعها بأن يطيع عدوه إبليس ويعصي خالقه ( جل وعلا ). فمن أطاع إبليس واتبع تشريعه، وعصى الله ولم يتبع ما انزل فهو ظالم ؛ لأنه وضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير موضعها ؛ والله يقول :[ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ]( الكهف : آية ٥٠ ) وكل من وضع شيئا في غير موضعه تسميه العرب ( ظالما ) ومن ذلك قولهم للذي يضرب لبنه قبل أن يروب :" هو ظالم " ؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه ؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وإضاعة زبده وضع للضرب في غير موضعه، ومنه سمي الذي يضرب لبنه قبل أن يروب ( ظالما ) وفي لغز الحريري في مقاماته :" هل يجوز أن يكون الحاكم ظالما ؟ قال : نعم إذا كان عالما ". يعني بقوله :" ظالما " أنه يضرب لبنه قبل أن يروب ويسقيه الناس. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
| وقائلة ظلمت لكم سقائي | وهل يخفى على العكد الظليم |
| وصاحب صدق لم تربني شكاته | ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر |
| وصاحب صدق لم تربني شكاته | ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر |
| وصاحب صدق لم تربني شكاته | ظلمت وفي ظلمي لع عامدا أجر |
| وقفت فيها أصيلالا أسائلها | عيت جوابا وما بالربع من أحد |
| إلا الأواري لأيا ما أبينها | والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد |
| فأصبح في غبراء بعد إشاحة | من العيش مردود عليها ظليمها |
وهو في اصطلاح الشرع : وضع العبادة في غير موضعها، وهو الشرك بالله. أو وضع الطاعة في غير موضعها، كطاعة إبليس، ومعصية الله. وقد جاء الظلم في القرآن في موضع واحد يراد به النقص وهو قوله تعالى :[ كلتا الجنتين أتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ]( الكهف : آية ٣٣ ) يعني أي : ولم تنقص منه شيئا. وهذا معنى قوله :[ فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين( ٥ ) ]( الأعراف : آية٥ ) أي : واضعين الشيء في غير موضعه حيث كنا نضع الاتباع في غير موضعه، فنتبع قانون الشيطان ونترك اتباع ما أنزل الله، ونطيع الشيطان ونعصي ( في الأصل :( غير ) وهو سبق لسان ) أمر الله. فهم متبعون ما لا ينبغي أن يتبع، وتاركون ما ينبغي أن يتبع، فقد وضعوا الأمر في غير موضعه، وأوقعوه في غير موقعه، وذلك معنى الظلم في لغة العرب ؛ ولذا قال :[ قالوا إنا كنا ظالمين ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير