ثم ذكر وبال من لم يتبع، فقال :
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ
قلت : كم : خبرية، مفعول أهلكنا ، وهو على حذف الإرادة، أي : في الحال أردنا إهلاكها، و بياتًا أو هم قائلون : حالان، أي : بائتين أو قائلين، وأغني الضمير في هم عن واو الحال.
يقول الحقّ جلّ جلاله : كثيرًا من القرى أهلكناها لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، فجاءها بأسُنَا أي : عذابنا بياتًا أي : ليلاً، كقوم لوط ؛ قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسَّحَر، أو هم قائلون نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين ؛ لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.
وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أُجيبوا به، يسأل خلفاءهم ـ وهم الأولياء والعارفون ـ عما إذا قُوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي