تفسير المفردات : الحجاب : هو السور الذي بين الجنة والنار كما قال في سورة الحديد : فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [ الحديد : ١٣ ] والأعراف واحدها عرف : بزنة قفل، وهو أعلى الشيء وكل مرتفع من الأرض وغيرها، ومن عرف الديك والفرس والسحاب، والسيما والسيمياء : العلامة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان ـ عقب ذلك ببيان بعض ما يكون بين الفريقين : فريق أهل الجنة وفريق أهل السعير من المناظرة والحوار بعد استقرار كل منهما في داره.
وفيها دليل على أن الدارين في أرض واحدة يفصل بينهما سور لا يمنع إشراف أهل الجنة وهم في أعلى عليين على أهل النار وهم في هاوية الجحيم، وأن بعضهم يخاطب بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة النعمة، ويزيد أهل النار حسرة وشقاء على ما كان من التفريط في جنب الله،
وهذا التخاطب لا يقتضي قرب المكان على ما هو معهود في الدنيا، فعالم الآخرة عالم تغلب فيه الروحانية على ظلمة الكثافة الجسدية، فيمكن الإنسان أن يسمع من بعيد المسافات، ويرى من أقاصي الجهات.
وإن ما جد الآن من المخترعات والآلات التي يتخاطب بها الناس من شاسع البلاد وتفصل بينهما ألوف الأميال إما بالإشارات الكتابية كالبرق ـ التلغراف اللاسلكي والسلكي ـ وإما بالكلام اللساني كالمسرة ـ التليفون اللاسلكي ـ والسلكي ليقرّب هذا أتم التقريب، ويزيدنا فهما له.
وقد تم لهم الآن أن يروا صورة المتكلم بالتليفون مطبوعة على الآلة التي بها الكلام وأن ينقلوا الصور من أقصى البلدان إلى أقصاها بهذه الآلة : التليفزيون.
الإيضاح : وبينهما حجاب أي وبين الفريقين فريقي أهل الجنة وأهل النار حجاب يفصل كلا منهما من الآخر ويمنعه من الاستطراق إليه.
وهذا الحجاب هو السور الذي سيأتي ذكره في سورة الحديد بقوله : يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [ الحديد : ١٣ ] الآية.
وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم أي وعلى أعالي ذلك السور رجال يرون أهل الجنة وأهل النار جميعا قبل الدخول فيها، فيعرفون كلا منهما بسيماهم التي وصفهم الله بها في نحو قوله : وجوه يومئذ مسفرة٣٨ ضاحكة مستبشرة٣٩ ووجوه يومئذ عليها غبرة٤٠ ترهقها قترة٤١ أولئك هم الكفرة الفجرة [ عبس : ٣٨ ٤٢ ].
وهؤلاء الرجال هم طائفة من الموحدين قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينما هم كذلك إذ يطلع عليهم ربهم فيقول : قوموا ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم.
أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة، وفي رواية عنه :
( يجمع الله الناس ثم يقول لأصحاب الأعراف : ما تنتظرون ؟ قالوا : ننتظر أمرك فيقال : إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوها بمغفرتي ورحمتي ).
ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم أي ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين لهم : سلام عليكم، وهذا السلام إما تحية ودعاء وإما إخبار بالسلامة من المكروه والنجاة من العذاب، هذا إن كان قبل دخول الجنة، فإن كان بعدها فهو تحية خالصة تدخل في عموم قوله تعالى : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما٢٥ إلا قيلا سلاما سلاما [ الواقعة : ٢٥ ٢٦ ].
لم يدخلوها وهم يطمعون أي نادوهم مسلمين عليهم حال كونهم لم يدخلوها بعد وهم طامعون في دخولها، لما بدا لهم من يسر الحساب.
وقد جاء في الآثار : أن الناس يكونون في الموقف بين الخوف والرجاء، لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخلوها.
روى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لو نادى مناد يا أهل الموقف ادخلوا النار إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى. دخلوا الجنة إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الرجل.
تفسير المراغي
المراغي