قوله لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ يعنى من مخالفة النفس وقمع الهوى يكون فراشهم ولحافهم حتى تحيط بهم فتذيبهم وتحرق منهم انانيتهم مع أثقال أوزارهم ليستحقوا دخول الجنة وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ يعنى بهذه الطريقة نضع عنهم أوزارهم ونرد مظالمهم فى الدنيا ليردوا القيامة مستعدين لدخول الجنة ومن لم نجزه فى الدنيا بهذه الطريقة فنجزه فى الآخرة كما قال وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ فى الآخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فيه كذا فى التأويلات النجمية فالمجاهدة وسلوك طريق التصفية من دأب الأخيار ذكر عن ابراهيم ابن أدهم انه لما أراد ان يدخل البادية أتاه الشيطان فخوفه ان هذه بادية مهلكة ولا زاد معك ولا مركب فعزم على نفسه رحمه الله ان يقطع البادية على تجرده ذلك وان لا يقطعها حتى يصلى تحت كل ميل من اميالها الف ركعة وقام بما عزم عليه وبقي فى البادية اثنتي عشرة سنة حتى ان الرشيد حج فى بعض تلك السنين فرآه تحت ميل يصلى فقيل له هذا ابراهيم بن أدهم فأتاه فقال كيف نجدك يا أبا اسحق فانشد ابراهيم بن أدهم يقول نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فطوبى لعبد آثر الله ربه وجاء بدنياه لما يتوقع: قال الحافظ
| دع التكاسل تغنم فقد جرى مثل | كه زاد رهروان چستيست و چالاكى |
| پاك وصافى شو واز چاه طبيعت بدر آي | كه صفايى ندهد آب تراب آلوده |
| كر بدرقه لطف تو ننمايد راه | از راه تو هيچكس نكردد آگاه |
| آنكه كه بره رسند وبايد رفتن | توفيق رفيق نشد وا ويلاه |
فعلى السالك الاجتهاد فى طلب الحق الى ظهور كنز الحقيقة فان المطلب الأعلى عند من يميز النقد الجيد من النبهرج والزيوف وعن ذى النون رضى الله عنه قال اوحى الله سبحانه الى موسى عليه السلام يا موسى كن كالطير الوحدانى يأكل من رؤس الأشجار ويشرب الماء القراح او قال من الأنهار إذا جنه الليل أوى الى كهف من الكهوف استئناسا بي واستيحاشا ممن عصانى يا موسى انى آليت على نفسى ان لا أتم لمدعى عملا ولأقطعن امل من امل غيرى ولأقصمنّ من استند الى سواى ولاطيلن وحشة من انس بغيري ولا عرضن عمن أحب حبيبا سواى يا موسى ان لى عبادا ان ناجونى أصغيت إليهم وان نادونى أقبلت عليهم وان اقبلوا على أدنيتهم وان دنوا منى قربتهم وان تقربوا منى كفيتهم وان والونى واليتهم وان صافونى صافيتهم وان عملوا الى جازيتهم انا مدبر أمرهم وسائس قلوبهم ومتولى أحوالهم لم اجعل لقلوبهم راحة فى شىء الا فى ذكرى فهؤلاء سقامهم شفاء وعلى قلوبهم ضياء لا يستأنسون إلا بي ولا يحطون رحال قلوبهم الا عندى ولا يستقر بهم قرار فى الإيواء الا الىّ وَبَيْنَهُما اى بين الفريقين او بين الجنة والنار حِجابٌ كسور المدينة حتى لا يقدر اهل النار ان يخرجوا الى الجنة ولئلا يتأذى اهل الجنة بالنار ولا يتنعم اهل النار بنعيم الجنة لان الحجاب المضروب بينهما يمنع وصول اثر إحداهما الى الاخرى لانه قد جاء ان الحور العين لو نظرت واحدة منهن الى الدنيا نظرة لامتلأت الدنيا من ضوئها وعطرها وجاء فى وصف النار ان شرارة منها لو وقعت فى الدنيا لاحرقتها قال الحدادي فان قيل كيف يصح هذا التأويل فى الحجاب بين الجنة والنار ومعلوم ان الجنة فى السماء والنار فى الأرض قيل لم يبين الله حال الحجاب المذكور فى الآية ولا قدر المسافة فلا يمتنع ان يكون بين الجنة والنار حجاب وان بعدت المسافة وَعَلَى الْأَعْرافِ اى اعراف ذلك الحجاب اى أعاليه وهو السور المضروب بينها قيل هو جبل أحد يوضع هناك جمع عرف وهو كل عال مرتفع ومنه عرف الديك والفرس سمى عرفا لانه بسبب ارتفاعه يكون اعرف مما انخفض منه رِجالٌ طائفة من المؤمنين تساوت حسناتهم وسيآتهم فهم ينظرون الى النار وينظرون الى الجنة وما لهم رجحان بما يدخلهم احدى الدارين فاذا دعوا الى السجود وهو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف يسجدون فيرجع ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة وهو أحد الأقوال فى تعيين اصحاب الأعراف وسيجيئ الباقي يَعْرِفُونَ صفة رجال كُلًّا اى كل فريق من اصحاب الجنة واصحاب النار بِسِيماهُمْ اى بسبب علاماتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده وهذا فى العرصات قبل دخول الجنة والنار فان المعرفة بعد الدخول تحصل بالمشاهدة والاحساس ولا يحتاج الى الاستدلال بسيماهم واما النداء والصرف والإتيان فبعد الدخول وَنادَوْا اى الرجال وهو صفة ثانية لرجال عدل الى لفظ الماضي تنزيلا للنداء منزلة الواقع أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ تفسيرية او مخففة سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعنى إذا نظروا إليهم سلموا عليهم سلام التحية والإكرام وبشروهم بالسلامة من جميع المكاره والآفات لَمْ يَدْخُلُوها حال من فاعل نادوا اى نادوا حال كونهم لم يدخلوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ
صفحة رقم 166روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء