بجاءت (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو استئنافية، ونودوا فعل ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعل، وأن يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة أو مفسرة، وتلكم الجنة اسم الاشارة مبتدأ، والجنة خبر أو بدل من اسم الاشارة، والخبر جملة أورثتموها. وعلى الأول تكون جملة أورثتموها حالية، وبما كنتم تعملون تقدم إعراب نظائرها كثيرا.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
اللغة:
(العوج) بكسر العين: في المعاني وفي الأعيان، ما لم يكن
منتصبا، وبالفتح فيما كان منتصبا كالرمح والحائط. وسيرد المزيد من البحث لهذه المادة اللغوية.
(الْأَعْرافِ) : سور مضروب بين الجنة والنار، وهي أعاليه، جمع عرف، استعير من عرف الديك والفرس، وقد أفاض أصحاب المطوّلات في وصفه، وأنهى بعضهم الأقوال فيه الى ثلاثة عشر قولا.
أما مادة عرف اللغوية فهي عجيبة، ونورد هنا بعض خصائصها ومعانيها جريا على ما توخيناه في هذا الكتاب. يقال عرف الشيء يعرفه من باب ضرب عرفة وعرفانا ومعرفة علمه، وعرف يعرف بالضم من باب نصر عرافة على القوم دبرهم وساس أمرهم، وعرف يعرف بالضم في الماضي والمضارع عرافة: صار عريفا وأكثر من الطيب. ومن المستعار: أعراف الريح والسحاب والضباب لأوائلها، واعرورف البحر: أي ارتفعت أمواجه، واعرورف فلان للشرّ: اشرأب له، وقلة عرفاء مرتفعة، قال زهير:
| ومرقبة عرفاء أوفيت مقصرا | لأستأنس الأشباح فيه وأنظرا |
| جعلت لعرّاف اليمامة حكمه | وعرّاف نجد إذ هما شفياني |
الإعراب:
(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ) الجملة استئنافية مسوقة للتقرير والتبكيت. وأصحاب الجنة فاعل نادى، وأصحاب النار مفعوله (أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا) أن مخففة من الثقيلة، فيكون اسمها ضمير الشأن، وجملة قد وجدنا خبرها، أو تكون «أن» مفسرة، فتكون جملة قد وجدنا لا محل لها لأنها مفسره، وما مفعول به، وجملة وعدنا ربنا صلة لا محل لها، وحقا مفعول به ثان لوجدنا (فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ) الفاء عاطفة، وهل حرف استفهام، ووجدتم وما بعدها تقدم إعرابه، قالوا فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ونعم حرف جواب، وجملة الجواب المحذوفة في محل نصب مقول القول (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة، وأذن مؤذن فعل وفاعل، وأن مخففة من الثقيلة، وهي مع مدخولها في محل جر بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بأذن، ويجوز أن تكون «أن» مفسرة فجملة أن وما في حيزها لا محل لها، ولعنة الله مبتدأ، وعلى الظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لعنة وان كانت أن مخففة من الثقيلة فتعرب «لعنة» مبتدأ أيضا (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) الذين اسم موصول في محل جر صفة للظالمين، ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين يصدون، وجملة يصدون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وعن سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيصدون، ويبغونها عطف على يصدون، وهي فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وعوجا حال، أي: معوجة، ومعنى الاعوجاج هنا الميل عن الحق، وذلك بتشويه الدين والتلبيس على الناس وإيهامهم أن فيه انحرافا عن الجادة وميلا عن الحق (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) الواو حالية، و «هم» مبتدأ
وبالآخرة جار ومجرور متعلقان ب «كافرون»، وكافرون خبر «هم»، والجملة في محل نصب على الحال (وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ) الواو عاطفة، وبينهما الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وحجاب مبتدأ مؤخر، أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وكذلك قوله: وعلى الأعراف رجال، وجملة يعرفون في محل رفع صفة لرجال، وكلا مفعول به، وبسيماهم جار ومجرور متعلقان بيعرفون (وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة للحديث عن أهل الأعراف، والقول فيهم، وعن منزلتهم. مرجعه في المطوّلات، فارجع إليها إن شئت.
ونادوا فعل وفاعل، والضمير يعود على أصحاب الأعراف، وأصحاب الجنة مفعوله، وأن مخففة من الثقيلة أو مفسرة، وقد تقدّمت، وسلام مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى الدعاء فتخصص، وعليكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، وجملة لم يدخلوها مستأنفة مسوقة لتكون بمثابة جواب عن سؤال سائل عن أصحاب الأعراف، فكأنه قيل: ما صنع بهم؟ فقيل لم يدخلوها، والواو حالية، وهم مبتدأ، وجملة يطمعون خبر، وجملة وهم إلخ في محل نصب على الحال (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) الواو عاطفة لاستكمال حديث أصحاب الأعراف، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو قالوا، وجملة صرفت في محل جر بالإضافة، وأبصارهم نائب فاعل، وتلقاء ظرف مكان متعلق بصرفت، ويأتي مصدرا ولم يأت من المصادر على تفعال بكسر التاء غير مصادر محددة.
(قالُوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الجملة جواب شرط غير جازم، فلا محل لها، وربنا منادى مضاف، ولا ناهية المقصود بها هنا الدعاء، ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ومع ظرف مكان
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش