ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

يقول جل وعلا :[ وبينهما حجاب ] أي : بين أهل الجنة وأهل النار، وقيل : بين الجنة وبين النار حجاب، والحجاب هو : الحاجز الساتر بين الشيئين، ومنه قوله تعالى :[ وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ]( الأعراف : آية ٥٣ ). وهذا الحجاب الذي بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الجنة والنار هو السور المذكور في سورة الحديد في قوله جل وعلا :[ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ]( الحديد : آية ١٣ ) وهذا الحجاب الذي هو هذا السور المبين في سورة الحديد لا يمنع من كون النار في أسفل السافلين، والجنة في أعلى ؛ لأن الجنة فوق السماوات والنار منسفلة تحت الأرضين، وهذا لا يمنع من أن الله يجعل سورا ساترا بين أهل الجنة وأهل النار كما صرح به في قوله :[ وبينهما حجاب ] وقوله : مبينا لهذا الحجاب :[ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله من قبله العذاب ]( الحديد : آية ١٣ ).
وضرب ذلك الحجاب يبين أن أهل الجنة لا ينالهم شيء من عذاب النار لا من حرها ولا من نتنها ولا من أذاها، كما أن أهل النار لا ينالهم شيء مما في الجنة من النعيم، لا من بردها، ولا من نسيم روائحها الشذية، وهذا معنى قوله :[ وبينهما حجاب ].
[ وعلى الأعراف رجال ] الأعراف في اللغة : جمع عرف، والفعل يجمع على أفعال. والعرف في لغة العرب هو كل مكان من الأرض مرتفع تسميه العرب عرفا، فالجبل المرتفع والرمل المرتفع تسميه العرب عرفا، ومن ذلك عرف الديك لارتفاعه على سائر بدنه، وعرف الفرس لارتفاعه على سائر بدنها، فكل مرتفع تسميه العرب عرفا، وتجمعه على أعراف، وربما قالوا للعرف عرف بضمتين، ومنه قول الكميت :
أبكاك بالعرف المنزل *** وما أنت والطلل المحول
وهذه الأعراف معناها بإطباق المفسرين أماكن مرتفعة عالية، وأكثر المفسرين على أنها هي أعاليها والسور وشرفاته ؛ لأن هذا الحجاب المضروب بين أهل الجنة والنار، والسور الذي له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب له شرفات- أي : أعاليه له شرفات- مرتفعة في أعلاه هي الأعراف التي عليها هؤلاء الرجال المذكورون. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، خلافا لمن زعم ان الأعراف مرتفعات فوق الصراط عليها رجال على هذه المرتفعات فوق الصراط، محبوسون عن الجنة، مزحزحون عن النار. والأكثر أن المراد بالأعراف : أعالي ذلك السور وشرفاته المرتفعة عليها رجال. الرجال : جمع الرجل، واختلف في المراد بهؤلاء الرجال الذي هم على الأعراف المذكورة على نحو من اثنين عشر قولا مدارها على قولين كل منهما تفرع منه أقوال :
أحدهما : أن الرجال الذين هم على الأعراف رجال قلت حسناتهم عن سائر اهل الجنة فاستوت حسناتهم وسيئاتهم ؛ لأنه إذا وزن أعمال الجميع بالميزان المتقدم في قوله :[ والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون( ٨ ) ]( الأعراف : آية ٨ ) من ثقلت حسناته على سيئاته بقدر صؤابة- وهي بيضة القملة- دخل الجنة، وكذلك من ثقلت سيئاته على حسناته فخفت كفة حسناته بقدر ذلك دخل النار، ومن اعتدلت سيئاته وحسناته فلم ترجح كفة السيئات، ولم ترجح كفة الحسنات ؛ لأن آحاده قابلت عشراته فلم يكن هنالك رجحان لهذه ولا هذه فهؤلاء هم أصحاب الأعراف على قول جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم. وممن صرح بهذا : عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس-رضي الله عنهم-.
فعلى هذا مدار هذه الأقوال راجع إلى هذا القول، سواء قلنا ما قاله بعضهم من أنهم رجال جاهدوا في سبيل الله، فنهاهم آباؤهم، فعصوا آباءهم وعقوهم بالخروج، وقتلوا في سبيل الله، فمنعهم القتل في سبيل الله من دخول النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة فكانوا على الأعراف.
وكذلك قول من قال : إنهم بروا آباءهم وعقوا أمهاتهم، أو العكس، فمنعهم بر الأمهات من النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة. إلى نحو هذا من الأقوال فمداره راجع إلى شيء واحد، كما روي مصرحا به عن عبد الله بن مسعود أنه الوزن، وأن من ثقلت موازينه دخل إلى الجنة، ومن خفت موازينه دخل النار، ومن اعتدلت موازينه فلم ترجح على هذا إحدى الكفتين على الأخرى كان على الأعراف. أقوال العلماء تدور على هذا وعلى هذا القول فأصحاب الأعراف أقل عملا من غيرهم من أهل الجنة ؛ لأن لهم سيئات ثبطتهم عن دخول الجنة، ولهم حسنات منعتهم من دخول النار. وعلى هذا فهم أقل مرتبة من أهل الجنة الذين دخلوها.
وقال بعض العلماء : كما سيأتي في أنهم إذا دخلوا الجنة تبقى في كل واحد منهم شامة بيضاء يعرف بها.
وقال بعضهم : يقال لهم مساكين أهل الجنة ؛ لأنهم آخر الداخلين فيها، وسواء قلنا : إن الأعراف هو أعالي السور المذكور وشرفاته، أو أنه مرتفعات فوق الصراط كما قاله بعض العلماء. وعلى هذا القول فأصحاب الأعراف أقل درجة من أهل الجنة.
وذهب قوم إلى أن أصحاب الأعراف من أعظم درجات أهل الجنة، فزعم بعضهم أنهم ملائكة، وزعم بعضهم أنهم الشهداء، وزعم بعضهم أنهم خيار أهل الجنة من العلماء العاملين، والأتقياء الكرام، أنهم جاؤوا لا خوف عليهم ولا هو يحزنون، وأن الله أجلسهم على هذا المكان المرتفع ليشرفوا على أهل النار وأهل الجنة على سبيل النزهة والتمتع بمعرفة أخبار الجميع، وما صار إليه أهل النار وأهل الجنة.
والذين قالوا هذا القول اختلفوا فيهم اختلافا كثيرا، بعضهم يقول : ملائكة. وهذا لا يساعده ظاهر قوله :[ رجال ] لأن الملائكة لا يسمون رجال. واحتجوا بقوله :[ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ]( الأنعام : آية ٩ ) أنهم في صفة الرجال، أو أنهم أنبياء الشهداء، إلى غير ذلك.
وزعم بعضهم أنهم مؤمنو الجن. كما ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة فزعم بعضهم أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وإنما جزاؤهم الإجارة من العذاب الأليم كما صرحوا به في قوله تعالى عنهم في سورة الأحقاف عن الجن حيث قالوا :[ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم( ٣١ ) ]( الأحقاف : آية ٣١ ) ولم يقولوا : يدخلكم الجنة. قالوا : فعلموا أنهم إن أجابوا داعي الله وأطاعوه كان جزاؤهم غفران الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم، قالوا : وربما سمى الله الجن رجالا أيضا كقوله :[ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ]( الجن : آية ٦ ) وقد قدمنا ان التحقيق أن المؤمنين من الجن يدخلون كالمؤمنين من الإنس، وانه دل عليه بعض الآيات، كقوله مخاطبا للجن والإنس معا :[ ولمن خاف مقام ربه جنتان[ ( الرحمن : آية ٤٦ ) ثم بين شمول الوعد بهاتين الجنتين للإنس والجن معا فقال بعده :[ فبأي ألاء ربكما تكذبان ]( الرحمن : آية ٤٧ ) وهو خطاب للإنس والجن بالإجماع كما بينا.
وقول من قال : إن أصحاب الأعراف من أعظم أهل الجنة رتبا، أو أنهم ملائكة لا يتجه كل الاتجاه ؛ لأنه يشير إلى عدم اتجاهه قوله :[ لم يدخلوها وهم يطمعون ]( الأعراف : آية ٤٦ ) على التحقيق من أنها في أصحاب الأعراف ؛ لأن الملائكة وخيار أهل الجنة لا يناسب أن يقال فيهم :[ وهم يطمعون ] وإن احتج من قال بأن العرب قد تطلق الطمع على اليقين، إلا أنه ليس بالإطلاق المعروف المشهور الذي يجب حمل القرآن عليه.
وأقوال العلماء في هذا كثيرة، أظهرها الذي عليه الجمهور من الصحابة فمن بعدهم أن أصحاب الأعراف أنهم رجال منعتهم حسناتهم من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة، ولم يكن هنالك رجحان للحسنات على السيئات، ولا للسيئات على الحسنات. وظاهر القرآن أنهم كلهم ذكور ؛ لأنه قال :[ رجال ] و لم يقل ( نساء ) والمقرر في الأصول : أن لفظة ( الرجال ) لا يدخل فيها النساء. وقال بعض العلماء : إذا ذكر الرجال فلا مانع من دخول النساء بحكم التبع. واستأنسوا لهذا بأن العرب تسمي المرأة ( رجلة )، وتسمية المرأة ( رجلة ) لغة صحيحة معروفة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
كل جار ظل مغتبطا *** غير جيران بني جبلة
مزقوا ثوب فتاتهم *** لم يراعوا حرمة الرجلة
يعني : المرأة. وقوله :[ وعلى الأعراف رجال ]( الأعراف : آية ٤٦ ) جملة حالية.
[ يعرفون كلا ]( الأعراف : آية ٤٦ ) التنوين تنوين عوض [ كلا ] من أهل الجنة وأهل النار.
[ بسيماهم ] السيما في اللغة : العلامة التي تميز بها الشيء عن غيره. فسيما أهل الجنة : ابيضاض الوجوه، ونضرة النعيم، والحسن، وسيما اهل النار : اسوداد الوجوه، والقبح، والتشويه الخلقي بأكل النار لهم والعياذ بالله [ يعرفون بسيماهم ]( الأعراف : آية ٤٦ ).
ثم بين الله أن أصحاب الأعراف ربما نظروا تارة إلى الجنة، وربما اجبروا إلى النظر إلى أهل النار ؛ لأن منظر النار فظيع جدا، لا ينظر إليه أحد باختياره ؛ ولذا قال :[ ونادوا أصحاب الجنة ]( الأعراف : آية ٤٦ ) إذا نظروا إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم حيوهم تحية كريمة، نادوهم من مكانهم :[ أن سلام عليكم ]( الأعراف : آية ٤٦ ) ومعنى :[ سلام عليكم ] سلمتم من جميع الآفات، وصرتم في مأمن من كل ما يؤذي. وهذه تحية الإسلام :( سلام عليكم ) لأن ( السلام ) معناه السلامة من كل الآفات ( عليكم )، وهي أحسن تحية يحيا بها، تحية الإسلام أحسن من تحيات الجاهلية وتحايا الملوك. فأحسن تحية هي تحية الإسلام. ( السلام عليكم ) معناه : سلمكم الله من جميع الآفات، ومن كل شيء يؤذيكم. وكان الجاهلية يحيون فيقولون : حياك الله، و( حياك الله ) : أطال الله حياتك. ومن ذلك قيل للسلام : تحية ؛ لأن التحية مصدر : حياه يحييه تحية. أصلها :( تحيية ) لأن المقرر في فن التصريف أن ( فعل ) مضعفة العين إذا كانت معتلة اللام ينقاس مصدرها على ( التفعلة ) كزكاه تزكية، ونماه تنمية، وحياه تحيية، إلا أن الياء أدغمت في الياء فقيل :( تحية ). ومعنى :)حياك الله( : أطال الله حياتك. ومطلق الدعاء بطول الحياة لا يستلزم الخير ؛ لأن الإنسان قد تكون حياته تعسة نكدة يتمنى أن يستريح منها بالموت، فرب حياة يفضل صاحبها عليها الموت، كما قال بعض المتأخرين :
ألا موت يباع فأشتريه *** فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر *** تصدق بالوفاة على اخيه
فهذا يريد من يتصدق عليه بالموت تفضيلا لها على حياته. ومنه الآبيات المعروفة، قيل لغيره :
المرء يرغب في الحيا *** ة وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويب *** قى بعد حلو العيش مره
وتسوؤه الأيام ح *** تى ما يرى شيئا يسره
كم شامت بي إذ هلك *** ت وقائل لله دره
فالشاهد أن ( حياك الله ) : أي : أطال الله حياتك. طول الحياة لا يستلزم الخير ؛ لأنه ربما يكون في حياة مزعجة قلقة يتمنى أن يموت، فالموت خير منها، كما جاءت الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أنه في آخر الزمان يأتي الرجل قبر أخيه فيتمنى كل المنى أن يكون مكانه ميتا، قلقا من حياته، وإيثار للراحة منها من كثرة الفتن، والعياذ بالله.
هذا معنى [ سلام عليكم ] أي : سلمكم الله سلاما. فالسلام اسم مصدر ( سلم ) وقد تقرر في علم العربية أن ( فعل ) مضعفة العين قياس مصدرها ( التفعيل ) إلا إذا كانت معتلة اللام أو مهموزته فالقياس في مصدرها ( التفعلة ) ويكثر إتيان ( الفعال ) بدلا من ( التفعيل ) اسم مصدر، كما تقول : سلم عليه سلاما. أي : تسليما. وكلمه كلام

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير