ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

ادعوا ربكم يعني أذكروه واعبدوه واسألوا منه حوائجكم تضرعا حال من فاعل ادعوا أي ذوي تضرع أو متضرعين تفعل من الضرع من ضرع الرجل ضراعه ضعف وذل فهو ضارع وضرع وتضرع أظهر الضراعة، في القاموس ضرع إليه يثلث ضرعا محركة وضراعة خضع وذل واستكان، وخفية قرأ أبو بكر بكسر الخاء والباقون بالضم أي ذوي إخفاء أو مخفين فإن الإخفاء دليل الإخلاص وأبعد من الرياء أعلم أن الذكر مطلقا عبادة سواء كان جهرا إذا لم يخالطه الرياء أو سرا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم :( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم )١ متفق عليه، فإن هذا الحديث يفيد ذكر الجهر والخفي كليهما، وزعم بعض الناس أن هذا الحديث يدل على أفضلية الجهر من الخفي وليس بشيء إذ لا مزية لذكر الله عبده في ملأ على ذكره إياه في نفسه بل نفسه بل الأمر على العكس ويدرك ذوق هذا الكلام من ذاق كأس العشق وقوله تعالى : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ٢ ليس في التشبيه في الجهر بل في إكثار الذكر، ثم أجمع العلماء على أن الذكر سرا هو الأفضل والجهر بالذكر بدعة إلا في مواضع مخصوصة مست الحاجة فيها إلى الجهر به كالأذان والإقامة وتكبيرات التشريق وتكبيرات الانتقال في الصلاة للإمام والتسبيح للمقتدي إذا ناب نائبة والتلبية في الحج ونحو ذلك، ذكر ابن الهمام في حواشي الهداية أن أبا حنيفة أخذ في تكبيرات التشريق بقول ابن مسعود( أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر ) الحديث رواه ابن أبي شيبة والصاحبان أخذا بقول علي رضي الله عنه أنه كان يكبر بعد الفجر يوم العرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق رواه ابن أبي شيبة، وكذا روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة بسنده عنه، فقال ابن الهمام من جعل الفتوى على قولهما فقد خالف مقتضى الترجيح فإن الخلاف فيه مع رفع الصوت لا في نفس الذكر، والأصل في الأذكار الإخفاء والجهر بدعة فإذا وقع التعارض في الجهر يرجح الأقل، ويدل على كونه ذاكر السر أفضل ومجمعا عليه من الصحابة من تبعهم قول الحسن أن بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوتا إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله سبحانه وتعالى قوله : ادعوا ربكم تضرعا وخفية وأن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله، فقال : إذ نادى ربه نداء خفيا( ٣ ) ٣ وأيضا يدل على فضل الذكر الخفي حديث سعد بن أبي وقاص قال : رسول الله صلى الله عليه آله وسلم ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي )٤ رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان، وحديث أبي موسى قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه آله وسلم خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير فقال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم :( اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا ) رواه البغوي، قلت : هذا الحديث وإن كان دالا على أفضلية الذكر الخفي لكن قوله( اربعوا على أنفسكم ) يدل على النهي عن الجهر والأمر بالإخفاء إنما هو شفقته لا لعدم جواز الجهر أصلا وكذا حديث ( خير الذكر الخفي ).
فصل اعلم أن الذكر على ثلاثة مراتب : أحدها الجهر ورفع الصوت بها وذلك مكروه إجماعا إلا إذا دعت إليه داعية واقتضته حكمة فحينئذ قد يكون أفضل من الإخفاء كالأذن والتلبية ونحو ذلك، ولعل الصوفية الجشتية قدس الله تعالى أسرارهم اختاروا الجهر للمبتدئ لاقتضاء حكمة وهي طرد الشيطان ودفع الغفلة والنسيان وحرارة القلب واشتغال نائرة الحب بالرياضة ومع ذلك يشترط لذلك الاحتراز عن الرياء والسمعة، ثانيها الذكر باللسان سرا وهو المراد بقوله صلى الله عليه آله وسلم :( لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله )٥ رواه الترمذي وابن ماجة، وروى أحمد والترمذي قيل :( أي الأعمال أفضل ؟ قال :( أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله ) وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا، قال : فيسئلهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقولون عبادي ؟ قال : يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال : فيقول هل رأوني ؟ قال : فيقولون لا والله ما رأوك، قال : فيقول كيف لو رأوني ؟ قال : فيقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا، قال : فيقول فما يسئلون ؟ قالوا : يسئلونك الجنة، قال : فيقول وهل رأوها ؟ قال : فيقولون لا والله يا رب ما رأوها، قال : يقول فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال : فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون من النار، قال : فيقول فهل رأوها ؟ قال : يقولون لا والله يا رب ما رأوها، قال : يقول فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة، قال : فيقول : فاشهدوا أني قد غفرت لهم، قال : يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس بينهم إنما جاء لحاجة قال : هم الجلساء لا يشقى جليسهم )٦ رواه البخاري ومسلم نحوه. ثالثها الذكر بالقلب والروح والنفس وغيرها الذي لا مدخل فيه للسان وهو الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة، أخرج أبو يعلي عن عائشة قالت قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( الفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفا إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال : لهم انظروا هل بقي له من شيء ؟ فيقولون : ما تركنا شيئا مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه فيقول الله تعالى إن له حسنا لا تعلمه وأخبرك به هو الذكر الخفي ) قلت : وهذا الذكر هو الذي لا انقطاع لها ولا فتور فيها إنه تعالى لا يحب المعتدين قيل : المعتدين في الدعاء كمن سأل منازل الأنبياء أو الصعود إلى السماء أو دخول الجنة قبل أن يموت ونحو ذلك مما يستحيل عقلا أو عادة أو يسأل أمورا لا فائدة فيها معتدا بها، روى البغوي : بسنده من طريق أبي داود السجستاني عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل يسمع ابنه يقول اللهم إني أسئلك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال : يا بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :( إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء )٧ كذا روى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه. وروى أبو يعلى في مسنده من حديث سعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم :( سيكون قوم يعتدون في الدعاء حسب المرئ أن يقول اللهم إني أسئلك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل )قال : أبو يعاى لا أدري قوله وحسب المرأ أن يقول اللهم إلى آخره هو من قول سعد أو من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال : عطية هم الذين يدعون على المؤمنين ما لا يحل فيقولون اللهم العنهم اللهم العنهم والبالغ في هذا الاعتداء الروافض الذين يلعنون الصحابة وبعض أهل البيت، وقال : ابن جريح الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح لما مر في حديث أبي موسى قوله صلى الله عليه وآله وسلم( اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا )٨ قلت : الاعتداء التجاوز عن حدود الشرع فيعم جميع أقسام الاعتداء منها ما ذكر ومنها غير ذلك نحو أن يدعو ما فيه ثم أو قطيعة رحم أو يقول دعوت فلم يستجب لي أو يدعوا الله بأسماء لم يرد الشرع بها أو يدعو قائلا أنه يستجاب له

١ أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قوله الله تعالىويحذركم الله نفسه (٨٣٠٥) وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: الحض على التوبة والفرح بها(٢٦٧٥)..
٢ سورة البقرة، الآية: ٢٠٠..
٣ سورة مريم، الآة: ٣..
٤ رواه أحمد وأبو يعلى وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة وقد وثقة ابن حبان. أنظر مجمع الزوائد في كتاب: الأذكار، باب: ما جاء في الذكر الخفي (١٦٧٩٥)..
٥ أخرج الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في فضل الذكر (٣٣٧٥)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل ذكر الله عز وجل (٦٠٤٥) وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: فضل مجالس الذكر(٦٤٠٨)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: الإسراف في الوضوء(٩٦)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت بالتكبير((٢٩٩٢) وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر(٢٧٠٤)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير