[ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين( ٥٥ ) ]( الأعراف : آية ٥٥ ) لما بين-جل وعلا- انه العظيم الأعظم، خالق السماوات والأرض وخالق الشمس والقمر والنجوم، ومسخر الجميع، وبين عظمته وجلاله، أمر خلقه الضعاف المساكين أن يسألوه ويدعوه ليأتيهم بما يطلبون، ويكشف عنهم من الضر ما يسألون كشفه، والمراد بذلك : كأنه يقول : أنا العظيم الأعظم الجبار، الذي خلق السماوات والأرض والكواكب العظام، وأنا خالق كل شيء، وانتم عبادي الفقراء الضعاف فادعوني ؛ لأن الدعاء يستشعر به الداعي ذله وفقره وضعفه وحاجته، ويستشعر به عظمة من يدعو، وأنه عالم بكل شيء، لا يخفى عليه دعاؤه ولو كان في أخفى الخفاء، وأنه عظيم قادر على كل شيء، قادر على أن يذهب عنه بالضر ويأتيه بالخير، فالدعاء مخ العبادة، وهو من أعظم العبادات إذا كان مخلصا فيه لله ؛ ولذا أمر الله خلقه به في هذه الآية [ ادعوا ربكم ] أي : خالقكم وسيدكم ومدبر شؤونكم، ادعوه [ تضرعا ] تضرعا : مصدر منكر حال. أي : في حال كونكم متضرعين. والتضرع :( التفعل ) من الضراعة. والعرب تقول : ضرع فلان لفلان. إذا ذل له وخشع. أي : ادعوه تضرعا، أي في حال كونكم متضرعين أذلاء خاشعين له –جل وعلا- مستشعرين ذلكم وفقركم وحاجتكم، وعظمة ربكم وكبرياءه، وشدة فقركم إليه، وشدة غناه عنكم. وكل ذليل خاشع تسميه العرب :( ضارعا )، وهو معروف في كلامهم، ومنه قول الشاعر :
| ليبك يزيد ضارع لخصومة | ومختبط مما تطيح الطوائح |
ومعنى ادعوه خفية : أي ليكن دعاؤكم في خفاء. وكان السلف الصلح ( رضي الله عنهم ) من الصحابة فمن بعدهم يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم شيء، إنما هو همس خفي فيما بينهم وبين ربهم ؛ لأن إخفاء الدعاء أبعد من الرياء، ولأنه يجل على ثقة العبد بان ربه عالم بما خفي وما ظهر لا يخفى عليه شيء. فالدعاء الخفي أفضل وأعظم من الدعاء الذي هو ( جهرا ) ( في الأصل :" سرا "، وهو سبق لسان ) وعلانية، وقد أثنى الله بخفاء الدعاء على عبده زكريا في قوله :[ كهيعص( ١ ) ذكر رحمت ربك عبده زكريا( ٢ ) إذ نادى ربه نداء خفيا( ٣ ) ]( مريم : الايات١-٣ ) فتعليم رب العالمين أن الله يأمرك أن تدعوه في جميع حوائجك إذا اضطررت إلى شيء فادع خالق السماوات والأرض ييسره لك، وإذا نابك أمر، أو حزبك مكروه، أو دهمتك خطوب فادع خالق السماوات والأرض، وتضرع إليه بذل واستكانة في دعاء خفي لا يسمعه أحد ؛ لأن الله- جل وعلا- السر عنده علانية، إذا أسررت به يعلمه ولا يخفى عليه، ولو همست به في نفسك كما قال تعالى :[ فإنه يعلم السر وأخفى ]( طه : آية ٧ ).
ومن هذه الآية الكريمة أخذ الإمام أبو حنيفة وأصحابه حكما فقهيا وهو عدم رفع الصوت ب( آمين ) إذا قال الإمام [ ولا الضالين ] قالوا : إن ( آمين ) دعاء ؛ لأن معناها : اللهم استجب. والله –جل وعلا- يقول :[ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ]( الأعراف : آية ٥٥ ) قالوا : الأمر بإخفاء الدعاء نص صريح في القرآن المتواتر المعصوم، فلا تعارضه الأحاديث التي وردت بإظهار التأمين ؛ لأنه جاء بعض الأحاديث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ :[ ولا الضالين ] رفعوا أصواتهم بآمين حتى ترتج الجدران.
والقاعدة المقررة في أصول أبي حنيفة رحمه الله : أنه لا يقدم الخاص على العام ؛ لأن دلالة العام عنده على أفراده قطعية، فكل فرد داخل في العام كأنه نص عليه بنص خاص، ولا يقدم الخاص على العام بل ينظر في الخاص والعام إذا عرف المتأخر منهما نسخ به الأول، وإذا لم يعرف المتأخر منهما احتاط ؛ ولأجل هذه القاعدة المقررة في أصول أبي حنيفة ( رحمه الله ) كان يقول بوجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض ولم يبلغ خمسة أوسق، ولا نصف وسق، ولا ربع وسق ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال :" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " قال أيضا :" فيما سقت السماء العشر " وكان أبو حنيفة لا يرى تقديم الخاص على العام. قال : يتعارض هذا العام وهو قوله :" فيما سقت السماء العشر " مع الخاص الذي هو قوله :" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " لأن العام عند أبي حنيفة قطعي الشمول لأفراده إلا ما أخرجه دليل، فكأن كل فرد من أفراد العام عنده دل عليه نص مستقل. فنظر أبو حنيفة في التاريخ فلم يعرف تاريخهما أيهما السابق، هل الأول الذي قال النبي :" فيما سقت السماء العشر " أو قوله :" ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " ؟ فلما جهل التاريخ احتاط لوجوب الزكاة احتياطا لبراءة الذمة والخروج من عهدة التكليف بالزكاة. وكذلك في هذه الآية قال : إن الأحاديث التي جاءت برفع الصوت في التامين أخبار آحاد. ولو فرضنا أنها متأخرة ؛ لأن الظاهر أنها متأخرة ؛ لأن هذه السورة- سورة الأعراف- من القرآن النازل بمكة إلا ثمان آيات منها تأتي في قوله :[ وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ] الآيات. أما غيرها في سورة الأعراف فهي من القرآن النازل بمكة قبل الهجرة. وأحاديث التامين بالصلاة هي في المدينة متأخرة عنها، إلا أن القاعدة المقررة في أصول الإمام أبي حنيفة- رحمه الله- أنه لا تنسخ المتواترات بأخبار الآحاد، والأحاديث أخبار آحاد، والإسرار بالدعاء متواتر ؛ لأن قوله هنا في سورة الأعراف :[ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ] نص متواتر ظاهر الدلالة يدل على إخفاء الدعاء، و( آمين ) هي من الدعاء، لأن معناها : اللهم استجب.
وهنالك قول شاذ يقول : إن( آمين ) من أسماء الله تعالى. وعلى هذا القول قال بعض أصحاب أبي حنيفة : لو قدرنا أن ( آمين ) من أسمائه تعالى فالله يقول :[ واذكر ربك في نفسك ]( الأعراف : آية ٢٠٥ ) كذا يقولون !
والعلماء الذين يقولون : إن القضاء بالمتأخر، يقولون : إن هذا عام، ورفع الأصوات بالتأمين خاص، ولا يتعارض عام وخاص. وهذا مذهب الجمهور المقرر في أصول الشافعية والحنبلية والمالكية أن الخاص يقضي على العام ويقدم عليه، وكذلك المقيد على المطلق سواء تقدم أو تأخر عنه كما هو معروف في الأصول. وهذا معنى قوله :[ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ].
[ إنه لا يحب المعتدين ] [ إنه ] جل وعلا ] لا يحب المعتدين ]( الأعراف : آية ٥٥ ) في الدعاء ولا غيره. وقد جاء حديث في ابن ماجه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنه يكون في أمتي قوم يعتدون في الدعاء ".
والاعتداء في الدعاء على أنواع كثيرة : منها : الذي يصيح بالدعاء صياحا مزعجا، ومنها : الذي يسأل الله أن يعطيه مرتبة النبيين في الجنة، أو فوق مرتبة النبيين، فهذا اعتداء في الدعاء، وقد جاء عن عبد الله بن مغفل ( رضي الله عنه ) أنه سمع ابنا له يقول :" اللهم إني أسألك القصر الأبيض الذي عن يمين الجنة إذا أدخلتني الجنة " فهذا من الاعتداء في الدعاء. وعن بعض الصحابة أنه سمع ولده يقول :" اللهم إني أسألك الجنة وحورها ونعيمها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا وكذا. قال : هذا الاعتداء في الدعاء، يكفيك أن تقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ".
فالله جل وعلا [ لا يحب المعتدين ] المجاوزين في الحدود، سواء كان في الدعاء أو في غير الدعاء من مجاوزة ما ينبغي إلى ما لا ينبغي كما هو عام، وهي وإن نزلت في الدعاء فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
ونحن وإن كنا نعلم أن الإخفاء في الدعاء أفضل من ( الجهر ) ( في الأصل :" الإسرار " وهو سبق لسان ) به وندعو غالبا في هذا المجلس دعاء ظاهرا قصدنا به أن يسمعنا إخواننا ويؤمنون لنا فنكون مجتمعين على الدعاء في هذا الشهر المبارك، ولو أسررنا الدعاء لما سمعوه ولما امنوا لنا، والمؤمن أحد الداعيين، وقد نص على ذلك القرآن ؛ لأن الله في سورة يونس قال عن نبيه موسى :[ وقال موسى ] ذكر موسى وحده[ وقال موسى ربنا إنك أتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ]( يونس : آية ٨٨ ) وفي القراءة الأخرى [ ليضلوا عن سبيلك ] [ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ]ثم قال :[ قال قد أجيبت دعوتكما ]( يونس : آية ٨٩ ) فجعل الداعي اثنين، والداعي في الآية واحد، وهو [ قال موسى ] قالوا : لأن هارون امن، والمؤمن أحد الداعيين. ومن هنا أخذ بعض العلماء أن قراءة الإمام إذا قال المأموم( آمين ) تكفي المأموم ؛ لأن الله سمى المؤمن داعيا، كما ذكره بعض العلماء.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير