ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

( ٣ ) تضرعا : تذللا.
( ٤ ) خفية : سرا وبدون إعلان.
( ٥ ) المعتدين : هنا بمعنى المتجاوزين الحد.
إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار١ يطلبه حثيثا٢ والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين( ٥٤ ) ادعوا ربكم تضرعا٣ وخفية٤ إنه لا يحب المعتدين٥( ٥٥ ) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين( ٥٦ ) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت٦ سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون( ٥٧ ) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا٧ كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون( ٥٨ ) [ ٥٤-٥٨ ].
الآيات استمرار للسياق السابق ومتصلة به على ما هو المتبادر، وقد جاءت بعد بيان مصائر المؤمنين والكافرين في الآية لتخاطب الناس عودا على بدء، وتلفت نظرهم إلى مظاهر ربوبية الله في الكون العظيم ومطلق تصرفه، وتذكرهم بنعمة الله، وتبشر المحسنين الصالحين برحمته الواسعة، وتدلل على استحقاقه وحده للعبودية والخضوع والدعاء وتبرهن على قدرته على إحياء الناس بعد الموت.
وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وأسلوبها تقريري رصين موجه إلى العقول والقلوب معا. ومع أن ضمير الجمع المخاطب عائد إلى السامعين فإنه عام التوجيه. وقد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى. سواء في تعليمها آداب دعاء لله وعبادته تضرعا وخفية وخوفا وطمعا بدون إعلان ولا صخب، أم في نهيها عن الفساد في الأرض، أم في تأميلها المحسنين الذين يقومون بواجباتهم، أم في التفكير في آلاء الله وعظمة كونه والاستشعار بعظيم قدرته ومطلق تصرفه، وتحرير النفس من كل ما عداه.
وسامعو القرآن كانوا يعرفون ويعترفون بأن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، والمدبر للأكوان والمتصرف فيها على ما حكته عنهم آيات عديدة منها آية سورة الزخرف هذه : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم٩ وآية سورة يونس هذه : قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون٣١ وآيات سورة المؤمنون هذه : قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم٨٦ سيقولون لله قل أفلا تتقون٨٧ بحيث تستحكم الحجة على السامعين بما أرادته الآيات من التدليل على استحقاق الله وحده للخضوع والدعاء وقدرته على إحياء الناس بعد الموت.
والمتبادر أن تعبير ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها هو تعبير أسلوبي ؛ إذ الفساد ليس أصلا، وإنما يكون طارئا ومستأنفا. والجملة بسبيل تشديد خطر البغي والفساد، فإذا كان الفساد في أصله قبيحا محظورا فهو بعد الصلاح أشد قبحا وآكد خطرا ؛ لأنه هدم للصلاح القائم وإقامة الفساد مكانه. ولعل الجملة تتضمن التنويه بالرسالة النبوية التي جاءت بالإصلاح بعد الفساد والتنديد بالذين يقفون منها موقف الهادم لها وإتاحة الاستمرار للفساد أو استئنافه.
وتبدأ بعد هذه الآيات سلسلة طويلة في قصص الأنبياء مع أقوامهم. وهكذا تكون هذه الآيات وبخاصة الأخيرة منها قد جاءت خاتمة قوية للفصل الطويل الذي ابتدأ من أول السورة.
تعليق على الآية
ادعوا ربكم تضرعا وخفية إلخ
وما فيها من تلقين واستطراد إلى موضوع الدعاء في
القرآن والحديث وما في ذلك من دلالة على إعارة
الكتاب والسنة لهذا الأمر من عناية ومدى هذه العناية
والأمر بالدعاء خفية قد تكرر في القرآن كما جاء في آية سورة الأعراف هذه أيضا : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين٢٠٥ وآية سورة الإسراء هذه : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا١١٠ . وواضح أن هذا هو بسبيل التهذيب النفسي وتقرير كونه أدل على الإخلاص لله في الدعاء والعبادة وأبعد عن تهمة المظاهرة والرياء.
ولقد أورد ابن كثير حديثا ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال :( رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائب، إن الذي تدعون سميع قريب ) وروى الترمذي حديثا عن أبي أمامة قال :( قيل : يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة ) وفي الحديثين تساوق مع التلقين القرآني شأن سائر الأمور.
استطراد إلى موضوع الدعاء لله ومداه
ونستطرد إلى ذكر الدعاء لله بصورة عامة فنقول : إن في القرآن آيات كثيرة في الحث على الدعاء لله تعالى، وفي كل ظرف وفي التنويه به، ووعد رباني بالاستجابة لمن يدعوه. وإيذان بأن قريب إليه كما ترى في الآيات التالية :
١- وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون [ البقرة : ١٨٦ ].
٢- واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا [ الكهف : ٢٨ ].
٣- إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [ الأنبياء : ٩٠ ].
٤- أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون [ النمل : ٦٢ ].
٥- تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون [ السجدة : ١٦ ].
٦- فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون [ غافر : ١٤ ].
٧- وقال ربكم ادعوني أستجيب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [ غافر : ٦٠ ].
حيث يبدو من هذه الأمثلة ما اقتضته حكمة التنزيل من إعارة العناية لهذا الأمر. وإذا لا حظنا أن الدعاء في الإنسان يكاد يكون فطريا ؛ لأنه لا يكاد يجد نفسه في مأزق أو ضيق أو كرب أو أمام صعوبة إلا وسارع إلى دعاء الله، تبينت لنا تلك الحكمة حيث ينطوي فيها علاج روحي لكثير من مشاكل النفس والحياة. فإذا ما أفضى الإنسان المحزون والمكروب والذي يواجه المشاق والمصاعب إلى ربه ما يعانيه، وطلب منه العون فإنه يشعر بطمأنينة ونفحة روحية تنشله مما هو فيه أو تخفف عنه وتبث فيه الأمل والرجاء إذا كان ذلك مترافقا مع الإيمان والاعتقاد بأن الله سامع له قريب إليه مجيب لدعائه. وهذا فضلا عما ينطوي في الدعاء لله من وسيلة إلى ذكر الله ثم في إثارة الشعور بتقوى الله بصالح الأعمال واجتناب السيئات. وفي هذا ما فيه من وسيلة إلى تقويم أخلاق المسلم.
وهناك أحاديث نبوية عديدة في هذا الموضوع منها حديث رواه الترمذي والإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء ]١. وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من لم يسأل الله يغضب عليه )٢. وحديث رواه الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الدعاء مخ العبادة )٣. وحديث رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم : إذا نكثر. قال : الله أكثر )٤ وعن ابن عمر قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئا يعطي أحب إليه من أن يسأل العافية )٥. وعن ابن عمر أيضا قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء )٦. وعن سلمان قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر )٧. وعن عبد الله قال :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : سلوا الله من فضله فإن الله عز وجل يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج )٨.
وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت. ليعزم المسألة فإنه لا مكره له )٩. وحديث رواه البخاري ومسلم أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول : دعوت فلم يستجب لي )١٠. وحديث رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة كذلك عن أبي هريرة كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ). وحديث رواه الترمذي ومسلم عن أبي هريرة جاء فيه :( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك )١١.
وينطوي في الأحاديث تلقينات نبوية متساوقة مع التلقين القرآني وتأديب نبوي في صدد الدعاء بوجه عام.
وهناك صيغ كثيرة في الدعاء في مختلف الظروف مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم نكتفي بواحدة منها وصفت بأنها من جوامع الدعاء رواها الثلاثة عن أنس قال :( كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )١٢.

١ - التاج جـ ٥ ص ١٠٠..
٢ - انظر المصدر نفسه..
٣ - انظر المصدر نفسه..
٤ انظر المصدر نفسه ص ١٠٠-١٠١..
٥ - انظر المصدر نفسه..
٦ - انظر المصدر نفسه..
٧ - انظر المصدر نفسه..
٨ - انظر المصدر نفسه..
٩ انظر المصدر نفسه ص ١٠٣- ١٠٤..
١٠ - انظر المصدر نفسه..
١١ - التاج جـ ٤ ص ١٦٣..
١٢ - التاج جـ٥ ص ١٠٨ وانظر الصيغ الأخرى في الصفحات ١٠٣ وما بعدها..

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير