ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين قوله عز وجل: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً فيه وجهان: أحدهما: في الرغبة والرهبة، قاله ابن عباس.
صفحة رقم 230
والثاني: التضرع: التذلل والخضوع، والخفية: إخلاص القلب. ويحتمل أن التضرع بالبدن، والخفية إخلاص القلب. إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يعني في الدعاء، والاعتداء فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن يسأل ما لا يستحقه من منازل الأنبياء، قاله أبو مجلز. والثاني: أنه يدعو باللعنه والهلاك على من لا يستحق، قاله مقاتل. والثالث: أن يرفع صوته بالدعاء، روى أبو عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة فأشرفوا واد، فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنفُسكُم إِنَّكُم لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِباً إِنَّكُم تَدْعُونَ سَمِيعاً قَرِيباً وَهُوَ مَعَكُمْ). قوله عز وجل: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا فيه أربعة أقاويل: أحدها: لا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان. والثاني: لا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل. والثالث: لا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة، قاله الكلبي. والرابع: لا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه، قاله الحسن. وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً يحتمل وجهين: أحدهما: خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه. والثاني: خوفاً من الرد وطمعاً في الإجابة. إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ فإن قيل: فلم أسقط الهاء من قريب والرحمة مؤنثة؟ فعن ذلك جوابان. أحدهما: أن الرحمة من الله إنعام منه فَذُكِّرَ على المعنى، وهو أن إنعام الله قريب من المحسنين، قاله الأخفش.
صفحة رقم 231
والثاني: أن المراد به مكان الرحمة، قاله الفراء، كما قال عروة بن حزام:
| (عَشِيَّة لاَ عَفْرَاءَ مِنكِ قَرِيبَةٌ | فَتَدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكِ بَعِيدُ) |
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود