ولا تقعدوا بكل صراط أي : طريق من طرف الدين توعدون أي : تمنعون الناس من الدخول فيه وتهدّدونهم على ذلك وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات فيخبرون من أتى عليهم أنّ شعيباً الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم وقيل : كانوا يقطعون الطريق على الناس أو يقعدون لأخذ المكس منهم وقوله تعالى : وتصدّون أي : تصرفون الناس عن سبيل الله أي : دينه من آمن به دليل على أنّ المراد بالطريق سبيل الحق.
فإن قيل : صراط الحق واحد قال تعالى : وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( الأنعام، ١٥٣ ).
فكيف قيل : بكل صراط ؟ أجيب : بأنّ صراط الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة وكانوا إذا رأوا أحد يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه وتبغونها أي : تطلبون الطريق عوجاً أي : تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة عن الحق غير مستقيمة لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها أو يكون ذلك تهكماً بهم وإنهم يطلبون لها ما هو محال فإنّ طريق الحق لا يعوج واذكروا نعمة الله عليكم وآمنوا به إذ كنتم قليلاً فكثركم أي : كثر عددكم بعد القلة أو كثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقدرة بعد الضعف قيل : إنّ مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط عليهما السلام فولدت فرمى الله تعالى في نسلهما بالبركة والنماء فكثروا ونموا وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين قبلكم بتكذيبهم رسلهم أي : آخر أمرهم من الهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسوله.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني