ولا تقعُدُوا بكل صِراطٍ أي : طريق تُوعِدُون من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبًا : إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ؛ ويوعدون من آمن، وقيل : كانوا يقطعون الطريق.
وتَصُدُّون عن سبيل الله أي : تصدون الناس عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله : من آمن به ؛ من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة ؛ كانوا يصدونه عن العمل، وتبغونها عِوَجًا أي : وتطلبون لطريق الله عوجًا بإلقاء الشُّبَه فيها، أو بوصفها للناس بأنها مُعوَجَّة.
واذكروا إذ كنتم قليلاً عَددهم وعُددكم فكثَّرَكُم بالبركة في النسل والمال، وانظروا كيف كان عاقبةِ المفسدين من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم.
ويؤخذ من قوله : وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علَّق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية :" يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمَّنتك، فعلمي لا يحيط به محيط " والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي