ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٨٥ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ٨٦ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين٨٧
قصة شعيب عليه السلام
هو من أنبياء العرب المرسلين واسمه مرتجل وقيل مصغر شعب بفتح المعجمة أو كسرها، وما قيل من حظر تصغير أسماء لا يدخل فيه الوضع الأول بل المراد به تصغير الاسم المعروف بما يوهم الاحتقار كأن تقول في شعيب " شعيعيب " بناء على أنه غير مصغر في الأصل، وقصد الاحتقار لا يقع من مؤمن بأنه من رسل الله عليهم السلام.
أخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر قال أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال : إن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا اسمه في التوراة ميكائيل واسمه بالسريانية خبري بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ( ع. م ) وأخرج من طريقه عن الشرقي بن القطامي وكان نسابة عالما بالأنساب قال هو يتروب بالعبرانية وشعيب بالعربية بن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه السلام. يوبب يوزن جعفر أوله مثناة تحتية وبعد الواو موحدتان اهـ من الدر المنثور ولعل يشخر فيه مصحف يشجر.
وأقول إن اليهود كانوا يغشون المسلمين فيما يروون لهم من كتبهم، والذي في توراتهم أن حمي موسى كان يدعي رعوئيل كما في سفر الخروج ( ٢ : ١٨ ) وسفر العدد ( ١٠ : ٩٩ ) وقالوا إن " رعو " معناه صديق فمعنى رعوئيل ( صديق الله ) أي الصادق في عبادته وفي ( ٣ : ١ خروج ) ان اسمه يثرون بالمثلثة والنون إذ قال وكان موسى يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين ومثله في ( ٤ : ١٨ منه ) وضبط في ترجمة الأمير كان بكسر الياء وسكون الثاء، وفي ترجمة الجزويت " يثرو " بفتح الياء وبدون نون وفي قاموس الكتاب المقدس للدكتور بوست الأميركاني : يثرون ( فضله ) كاهن أو أمير مديان وهو حمو موسى ( خر ٣ : ١ ) ويدعى أيضا رعوئيل ( خر ٢ : ١٨ ) ( وعد ١ : ٢٩ ) ويثر ( حاشية خر ٤ : ١٨ ) ويرجح أن يثرون كان لقبا لوظيفته وإنه كان من نسل إبراهيم وقطورة ( تك ٢٥ : ٢ ) أهو ذكر قبل ذلك يثر وفسره بفضل كما فسر يثرون لفضله أي فضل مضافا إلى ضمير الغائب ولعل مرجع الضمير إلى الله تعالى كضمير عده علما في زماننا ويختصرون به عبد الله.
وفي الفصل الخامس من سفر التكوين أن زوجة إبراهيم قطورة ولدت له ستة أولاد منهم مدان ومدين، وأهل الكتاب يكسرون ميم مدين وبعضهم بقول مديان، والمدينيون عرب، والعرب تفتح ميم الكلمة، وفي قاموس بوست أن معناها خصام، ونقل عن بعض المؤرخين أن أرضهم كانت تمتد من خليج العقبة إلى موآب وطور سيناء. وعن آخرين أنها كانت تمتد من شبه جزيرة سيناء إلى الفرات. وقال إن الإسماعيليين كانوا من سكان مدين. ثم ذكر أن أهل مدين حسبوا مع العرب والموآبيين.
وأما علماؤنا فقال بعضهم كأبي عبيدة من حملة اللغة والبخاري من المحدثين والمؤرخين أن مدين بلد وإن قوله تعالى : وإلى مدين فيه حذف المضاف أي أهل مدين، وهو غلط. وأما شعيب فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات : هو ابن مكييل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وقيل إن جده يشجر بن لاوي بن يعقوب ( ع. م ) وقال الحافظ في الفتح : هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن لاوي بن يعقوب. كذا قال ابن إسحاق ولا يثبت. وقيل هو شعيب ابن صفور ابن عنقا بن ثابت بن مدين، وكان مدين ممن آمن بإبراهيم لما أحرق.
وروى ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ومحمد " فعلى هذا هو من العرب الخلص وقيل إنه من بني عنزة بن أسد في حديث سلمة بن سعيد العنزي أنه قدم على النبي فانتسب إلى عنزة فقال صلى الله عليه وسلم " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون، رهط شعيب وأختان موسى " أخرجه الطبراني وفي إسناده مجاهيل اهـ قال الآلوسي : ومدين وسمع مديان في الأصل علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمية ثم سميت به القبيلة وقيل هو عربي اسم لما كانوا عليه، وقيل اسم بلد ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث فلا بد من تقرير مضاف حينئذ اهـ ومما تقدم تعلم أن الراجح من هذه الثلاثة الأقوال هو الأول.
وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا قلنا إنه عليه السلام قد بدأ بدعوتهم إلى توحيد العبادة لأنه ركن الدين الأعظم الذي هدمته الوثنية، وثنى بالأوامر والنواهي المتعلقة بحالهم الغالبة عليهم. وأما هذا النهي عن قطعهم الطرق على من يغشى مجلسه عليه السلام ويسمع دعوته ويؤمن به فلم يؤخره لأن اقترافه دون اقتراف التطفيف في الكيل والميزان وبخس الحقوق، بل لأنه متأخر عنها في الزمن، فالدعوة قد وجهت أولا إلى أقرب الناس إليه في بلده ثم إلى الأقرب فالأقرب منهم وممن يزور أرضهم، وقد كان الأقربون دارا هم الأبعدين استجابة له في الأكثر وتلك سنة الله في الخلق. فلما رأوا غيرهم يقبل دعوته ويعلقها ويهتدي بها شرعوا يصدون الناس عنه فلا يدعون طريقا توصل إليه إلا قعد بها من توعد سالكيها إليه ويصدونهم عن سبيل الله يدعوهم إليها، ويطلبون بالتمويه والتضليل أن يجعلوا استقامتها عوجا وهداها ضلالا، وتقدم مثل هذه الجملة ( في الآية ٤٤ من هذه السورة فيراجع ).
روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : ولا تقعدوا بكل صراط توعدون قال كانوا يجلسون في الطريق فيقولون لمن أتى عليهم إن شعيبا كذاب فلا يفتنكم عن دينكم. وفي رواية عنه كل صراط طريق توعدون قال تخوفون الناس أن يأتوا شعيبا وهذا تفسير للصراط بالطريق الحسي الحقيقي وروي عن مجاهد تفسيره بالسبيل المجازي قال : بكل صراط بكل سبيل حق إلخ وروي أنهم كانوا يخوفون الناس بالقتل إذا آمنوا به.
والحاصل أنه نهاهم هنا عن ثلاثة أشياء : أولها : قعودهم على الطرقات التي توصل إليه يخوفون من يجيئه ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته ثانيها : صدهم من وصل إليه وآمن بصرفه عن الثبات على الإيمان والإسلام والاستقامة على سبيل الله تعالى الموصلة إلى سعادة الدارين ثالثها : ابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة ذات عوج بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها كقولهم له عليه السلام الذي حكاه الله تعالى عنهم في سورة هود ( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } ( هود ٦٢ ). أو نفعل في أموالنا ما نشاء ( هود ٨٧ ) ؟
فهاهنا ضلالتان ضلالة التقليد والعصبية للآباء والأجداد ولا تزال تكأة أكثر الضالين في أصل الدين وفي فهمه وفي الاهتداء به وضلالة الغلو في الحرية الشخصية التي لم تكن فتنتها في زمن ما أشد وأعم منها في هذا الزمن بما بث الإفرنج الفاتنون المفتونون لدعوتها في كل الأمم حتى أن حكومة كالحكومة المصرية تبيح الزنا لشعب يدين أكثر أهله بالإسلام وأقله بالنصرانية واليهودية وكلهم يحرمون الزنا وإنما أباحته بإغواء أساتذتها وسادتها من الإفرنج وقد خنع الشعب المستذل المستضعف لها، وسكت علماؤه ومرشدوه الدينيون فلا ينكرون عليها أفرادا ولا جماعات، ولا يتظاهرون على الاحتجاج على عملها بالخطب الدينية والاجتماعية ولا بالنشر في الصحف العامة، وقد أدى السكوت عن هذا وما أشبهه إلى أن صار المنكر معروفا يكثر أنصاره والمستحسنون له، ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن استحلال الزنا وإباحته كفر وردة. وعلماء الدين يتحدثون فيما بينهم بكفر واضعي أمثال هذه الأحكام والقوانين والمستبيحين لها من سواهم، ولكنهم قلما يتجاوزون التناجي في ذلك بينهم إما لضعفهم أو لأن أرزاقهم من الأوقاف ومنصب القضاء في أيدي هؤلاء الحكام، كما بيناه في مواضع ومن مفاسد هذا السكوت عن إنكار المنكر بأن بعض المسلمين يحتجون به على شرعية كل ما يسكت عنه علماء الدين.
وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ أي وتذكروا ذلك الزمن الذي كنتم فيه قليلي العدد فكثركم الله تعالى بما بارك في نسلكم فاشكروا له ذلك بعبادته وحده واتباع وصاياه في الحق والعدل وترك الفساد في الأرض.
وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الشعوب المجاورة لكم كقوم لوط وقوم صالح وغيرهم، وكيف أهلكهم الله تعالى بفسادهم، فيجب أن يكون لكم عبرة في ذلك.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير