(وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا... (٨٦)
* * *
" الصراط " الطريق المعبَّد المستقيم الذي يسير فيه السابلة وينتقلون فيه من مكان إلى مكان أو قرية إلى قرية أو مصر إلى مصر، لَا تقعدوا فيه توعدون المارة، وتقطعون الطريق، وهذا هو القعود الحسي والمنع الحسي الواضح الأذى، وهناك منع معنوي، وهو ليس لمنع المارة وقتلهم، أو سرقتهم، ولكنه للصد عن سبيل الله بمنع الناس من الإيمان بالله وحده، يصدون بهذا عن سبيل الله تعالى من آمن ويبغونها عوجا أي معوجة لا استقامة، وهم يغفلون الأمرين بكل صراط مستقيم، يقطعون السبيل على المارة، ويصدون عن سبيل الله.
ويصح أن يفسر " الإيعاد " بإيذاء المؤمنين وتعذيبهم أو التهديد بتعذيبهم، كما يتبين من بعد. وصد من آمن، يراد به منع من هم بصدد الإيمان من أن يدخلوا فيه، وإيذاء من آمنوا، وإيعادهم بالعذاب الشديد. ويذكرهم بأمرين، بنعمة الله تعالى عليهم إذ كثر جمعهم بعد قلة، والثانية بعاقبة من أفسدوا من قوم نوح، وعاد وثمود، فقال لهم:
(وَاذْكرُوا إِذْ كنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) أي جعلكم كثيرين، (وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) الذين أفسدوا في دينهم، فأشركوا مع الله تعالى غيره، وأفسدوا
في جمعهم، فلم يوفوا الكيل والميزان، وبخسوا الناس أشياءهم وأكلوا أموالهم، وظلموهم.
وقد استجاب ناس من قومه، فآمنوا، وعصى آخرون فجحدوا، فذكر القسمين، وأن الله تعالى هو الذي يحكم بينهم، فقال لهم - عليه السلام:
* * *
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة