تفسير سورة سورة آل عمران من كتاب البحر المحيط في التفسير
.
لمؤلفه
أبو حيان الأندلسي
.
المتوفي سنة 745 هـ
سورة آل عمران
هذه السورة، سورة آل عمران، وتسمى : الزهراء، والأمان، والكنز، والمعينة، والمجادلة، وسورة الاستغفار وطيبة. وهي : مدنية الآيات، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور : أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم، أميرهم : العاقب عبد المسيح، وصاحب رحلهم : السيد الأيهم، وعالمهم : أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائد. وذكر من جلالتهم، وحسن شارتهم وهيئتهم. وأقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى، ويزعمون تارة أنه الله، وتارة ولدا لإله، وتارة : ثالث ثلاثة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى، وانتفاءها عن عيسى، وهم يوافقونه على ذلك، ثم أبوا إلاَّ جحوداً، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال :«بلى ». قالوا : فحسبنا. فأنزل الله فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلى الإبتهال.
وقال مقاتل : نزلت في اليهود المبغضين لعيسى، القاذفين لأمّه، المنكرين لما أنزل الله عليه من الإنجيل. ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه، لما ذكر آخر البقرة ﴿ أَنتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴾ ناسب أن يذكر نصرة الله تعالى على الكافرين، حيث ناظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم، ولما كان متفتح آية آخر البقرة ﴿ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ ﴾ فكأن فيذلك الإيمان بالله وبالكتب، ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلى الله عليهم.
هذه السورة، سورة آل عمران، وتسمى : الزهراء، والأمان، والكنز، والمعينة، والمجادلة، وسورة الاستغفار وطيبة. وهي : مدنية الآيات، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور : أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم، أميرهم : العاقب عبد المسيح، وصاحب رحلهم : السيد الأيهم، وعالمهم : أبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائد. وذكر من جلالتهم، وحسن شارتهم وهيئتهم. وأقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى، ويزعمون تارة أنه الله، وتارة ولدا لإله، وتارة : ثالث ثلاثة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى، وانتفاءها عن عيسى، وهم يوافقونه على ذلك، ثم أبوا إلاَّ جحوداً، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال :«بلى ». قالوا : فحسبنا. فأنزل الله فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلى الإبتهال.
وقال مقاتل : نزلت في اليهود المبغضين لعيسى، القاذفين لأمّه، المنكرين لما أنزل الله عليه من الإنجيل. ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه، لما ذكر آخر البقرة ﴿ أَنتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴾ ناسب أن يذكر نصرة الله تعالى على الكافرين، حيث ناظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، فقص تعالى أحوالهم، وردّ عليهم في اعتقادهم، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم، ولما كان متفتح آية آخر البقرة ﴿ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ ﴾ فكأن فيذلك الإيمان بالله وبالكتب، ناسب ذكر أوصاف الله تعالى، وذكر ما أنزل على رسوله، وذكر المنزل على غيره صلى الله عليهم.
ﰡ
ﭑ
ﰀ
ﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ
ﰁ
ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ
ﰂ
ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ
ﰃ
ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ
ﰄ
ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ
ﰅ
ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ
ﰆ
ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ
ﰇ
ﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ
ﰈ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ
ﰉ
ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ
ﰊ
[الجزء الثالث]
سورة ال عمران[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)
التَّوْرَاةُ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ، وَقَدْ تَكَلَّفَ النُّحَاةُ فِي اشْتِقَاقِهَا وَفِي وَزْنِهَا وَذَلِكَ بَعْدَ تَقْرِيرِ النُّحَاةِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْأَعْجَمِيَّةَ لَا يَدْخُلُهَا اشْتِقَاقٌ، وَأَنَّهَا لَا تُوزَنُ، يَعْنُونَ اشْتِقَاقًا عَرَبِيًّا. فَأَمَّا
5
اشْتِقَاقُ: التَّوْرَاةَ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهَا مِنْ: وَرَى الزَّنْدُ يَرَى، إِذَا قَدَحَ وَظَهَرَ مِنْهُ النَّارُ، فَكَأَنَّ التَّوْرَاةَ ضِيَاءٌ مِنَ الضَّلَالِ، وَهَذَا الِاشْتِقَاقُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وذهب أَبُو فَيْدٍ مُؤَرِّجٌ السَّدُوسِيُّ إِلَى أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ: وَرَّى،
كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا وَرَّى بِغَيْرِهِ
، لِأَنَّ أَكْثَرَ التَّوْرَاةِ تَلْوِيحٌ. وَأَمَّا وَزْنُهَا فَذَهَبَ الْخَلِيلُ، وَسِيبَوَيْهِ، وَسَائِرُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهَا:
فَوْعَلَةٌ، وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، كَمَا أُبْدِلَتْ فِي: تُولِجُ، فَالْأَصْلُ فِيهَا وَوَزْنُهُ: وَوَلَجَ، لِأَنَّهُمَا مِنْ وَرَّى، وَمِنْ وَلَجَ. فَهِيَ: كَحَوْقَلَةَ، وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّ وَزْنَهَا: تَفْعِلَةٌ، كَتَوْصِيَةٍ. ثُمَّ أُبْدِلَتْ كَسْرَةُ الْعَيْنِ فَتْحَةً وَالْيَاءُ أَلِفًا. كَمَا قَالُوا فِي: نَاصِيَةٍ، وَجَارِيَةٍ: نَاصَاهُ وَجَارَاهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَأَنَّهُ يُجِيزُ فِي تَوْصِيَةٍ تَوْصَاهَ، وَهَذَا غَيْرُ مَسْمُوعٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهَا: تَفْعَلَةٌ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ: وَرَّيْتُ بِكَ زَنَادِيَّ، وَتَجُوزُ إِمَالَةُ التَّوْرَاةِ.
وَقَدْ قرىء بِذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْإِنْجِيلَ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ اشْتِقَاقٌ، وَأَنَّهُ لَا يُوزَنُ، وقد قالوا: وزنه فعيل. كَإِجْفِيلَ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْلِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ الْخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الْأَرْضُ نِجَالًا، وَبِهَا نِجَالٌ، إِذَا خَرَجَ مِنْهَا الْمَاءُ. وَالنَّجْلُ أَيْضًا: الْوَلَدُ وَالنَّسْلُ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَغَيْرُهُ. وَنَجَلَهُ أَبُوهُ أَيْ: وَلَدَهُ. وَحَكَى أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: أَنَّ الْوَلَدَ يُقَالُ لَهُ: نَجْلٌ، وَأَنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَالنَّجْلُ أَيْضًا: الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْإِنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْلِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، فَهَذَا يَنْحُو إِلَى مَا حَكَاهُ الزَّجَّاجِيُّ.
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: فَهُوَ مِنْ نَجَلَ إِذَا ظَهَرَ وَلَدُهُ، أَوْ مِنْ ظُهُورِ الْمَاءِ مِنَ الْأَرْضِ، فَهُوَ مُسْتَخْرَجٌ إِمَّا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَإِمَّا مِنَ التَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّنَاجُلِ، وَهُوَ التَّنَازُعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتُنَازِعِ النَّاسِ فِيهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ، وَتَكَلَّفَ اشْتِقَاقُهُمَا مِنَ الْوَرْيِ وَالنَّجْلِ، وَوَزْنُهُمَا مُتَفْعَلَةٌ وَإِفْعِيلٌ: إِنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ كَوْنِهِمَا عَرَبِيَّيْنِ. انْتَهَى. وَكَلَامُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ فِي كَلَامِهِ اسْتِدْرَاكًا فِي قَوْلِهِ: مُتَفْعَلَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ فِي أَنَّ وَزْنَهَا: فَوْعَلَةٌ، وَلَمْ يُنَبِّهْ فِي: تَفْعَلَةٍ، عَلَى أَنَّهَا مَكْسُورَةُ الْعَيْنِ، أَوْ مَفْتُوحَتُهَا.
وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ نَجَلَ الْعَيْنَ، كَأَنَّهُ وَسَّعَ فِيهِ مَا ضَيَّقَ فِي التَّوْرَاةِ.
كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا وَرَّى بِغَيْرِهِ
، لِأَنَّ أَكْثَرَ التَّوْرَاةِ تَلْوِيحٌ. وَأَمَّا وَزْنُهَا فَذَهَبَ الْخَلِيلُ، وَسِيبَوَيْهِ، وَسَائِرُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهَا:
فَوْعَلَةٌ، وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، كَمَا أُبْدِلَتْ فِي: تُولِجُ، فَالْأَصْلُ فِيهَا وَوَزْنُهُ: وَوَلَجَ، لِأَنَّهُمَا مِنْ وَرَّى، وَمِنْ وَلَجَ. فَهِيَ: كَحَوْقَلَةَ، وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّ وَزْنَهَا: تَفْعِلَةٌ، كَتَوْصِيَةٍ. ثُمَّ أُبْدِلَتْ كَسْرَةُ الْعَيْنِ فَتْحَةً وَالْيَاءُ أَلِفًا. كَمَا قَالُوا فِي: نَاصِيَةٍ، وَجَارِيَةٍ: نَاصَاهُ وَجَارَاهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَأَنَّهُ يُجِيزُ فِي تَوْصِيَةٍ تَوْصَاهَ، وَهَذَا غَيْرُ مَسْمُوعٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهَا: تَفْعَلَةٌ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ: وَرَّيْتُ بِكَ زَنَادِيَّ، وَتَجُوزُ إِمَالَةُ التَّوْرَاةِ.
وَقَدْ قرىء بِذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْإِنْجِيلَ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ أَيْضًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ اشْتِقَاقٌ، وَأَنَّهُ لَا يُوزَنُ، وقد قالوا: وزنه فعيل. كَإِجْفِيلَ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّجْلِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ الْخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الْأَرْضُ نِجَالًا، وَبِهَا نِجَالٌ، إِذَا خَرَجَ مِنْهَا الْمَاءُ. وَالنَّجْلُ أَيْضًا: الْوَلَدُ وَالنَّسْلُ، قَالَهُ الْخَلِيلُ، وَغَيْرُهُ. وَنَجَلَهُ أَبُوهُ أَيْ: وَلَدَهُ. وَحَكَى أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ فِي نَوَادِرِهِ: أَنَّ الْوَلَدَ يُقَالُ لَهُ: نَجْلٌ، وَأَنَّ اللَّفْظَةَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَالنَّجْلُ أَيْضًا: الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْإِنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْلِ، وَهُوَ الْأَصْلُ، فَهَذَا يَنْحُو إِلَى مَا حَكَاهُ الزَّجَّاجِيُّ.
قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: فَهُوَ مِنْ نَجَلَ إِذَا ظَهَرَ وَلَدُهُ، أَوْ مِنْ ظُهُورِ الْمَاءِ مِنَ الْأَرْضِ، فَهُوَ مُسْتَخْرَجٌ إِمَّا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَإِمَّا مِنَ التَّوْرَاةِ. وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّنَاجُلِ، وَهُوَ التَّنَازُعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتُنَازِعِ النَّاسِ فِيهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ اسْمَانِ أَعْجَمِيَّانِ، وَتَكَلَّفَ اشْتِقَاقُهُمَا مِنَ الْوَرْيِ وَالنَّجْلِ، وَوَزْنُهُمَا مُتَفْعَلَةٌ وَإِفْعِيلٌ: إِنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ كَوْنِهِمَا عَرَبِيَّيْنِ. انْتَهَى. وَكَلَامُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ فِي كَلَامِهِ اسْتِدْرَاكًا فِي قَوْلِهِ: مُتَفْعَلَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ فِي أَنَّ وَزْنَهَا: فَوْعَلَةٌ، وَلَمْ يُنَبِّهْ فِي: تَفْعَلَةٍ، عَلَى أَنَّهَا مَكْسُورَةُ الْعَيْنِ، أَوْ مَفْتُوحَتُهَا.
وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ نَجَلَ الْعَيْنَ، كَأَنَّهُ وَسَّعَ فِيهِ مَا ضَيَّقَ فِي التَّوْرَاةِ.
6
الِانْتِقَامُ: افْتِعَالٌ مِنَ النِّقْمَةِ، وَهُوَ السَّطْوَةُ وَالِانْتِصَارُ. وَقِيلَ: هِيَ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى الذَّنْبِ مُبَالَغَةً فِي ذَلِكَ، وَيُقَالُ: نَقَمَ وَنَقِمَ إِذَا أَنْكَرَ، وَانْتَقَمَ عَاقَبَ.
صَوَّرَ: جَعَلَ لَهُ صُورَةً. قِيلَ: وَهُوَ بِنَاءٌ لِلْمُبَالَغَةِ مَنْ صَارَ يُصَوِّرُ، إِذَا أَمَالَ، وَثَنَى إِلَى حَالٍ، وَلَمَّا كَانَ التَّصْوِيرُ إِمَالَةً إِلَى حَالٍ، وَإِثْبَاتًا فِيهَا، جَاءَ بِنَاؤُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. وَالصُّورَةُ: الْهَيْئَةُ يَكُونُ عَلَيْهَا الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ. وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: التَّصْوِيرُ إِنَّهُ ابْتِدَاءُ مِثَالٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ مِثْلُهُ.
الزَّيْغُ: الْمَيْلُ، وَمِنْهُ: زَاغَتِ الشَّمْسُ وزاغَتِ الْأَبْصارُ «١». وَقَالَ الرَّاغِبُ: الزَّيْغُ:
الْمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَزَاغَ وزال ومال يتقارب، لكن زاع لَا يُقَالُ إِلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ حَقٍّ إِلَى بَاطِلٍ.
التَّأْوِيلُ: مَصْدَرُ أَوَّلَ، وَمَعْنَاهُ: آخِرُ الشَّيْءِ وَمَآلُهُ، قَالَهُ الرَّاغِبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّأْوِيلُ الْمَرَدُّ وَالْمَرْجِعُ. قَالَ:
الرُّسُوخُ: الثُّبُوتُ. قَالَ:
الْهِبَةُ: الْعَطِيَّةُ الْمُتَبَرَّعِ بِهَا، يُقَالُ: وَهَبَ يَهَبُ هِبَةً، وَأَصْلُهُ: أَنْ يَأْتِيَ الْمُضَارِعُ عَلَى يَفْعِلُ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ. وَلِذَلِكَ حُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الْعَيْنُ حَرْفَ حَلْقٍ فُتِحَتْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْكَسْرَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَهُوَ نَحْوُ: وَضَعَ يَضَعُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا فُتِحَ لِكَوْنِ لَامِهِ حَرْفَ حَلْقٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِمَا: يُوهِبُ وَيُوضِعُ. وَيَكُونُ: وَهَبَ، بِمَعْنَى جَعَلَ، وَيَتَعَدَّى إِذْ ذَاكَ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: وَهَبَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَيْ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ.
وَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَا تَتَصَرَّفُ، فَلَا تُسْتَعْمَلُ مِنْهَا بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْفِعْلُ الْمَاضِي خَاصَّةً.
لَدُنْ: ظَرْفٌ، وَقَلَّ أَنْ تُفَارِقَهَا: مِنْ، قَالَهُ ابْنُ جِنِّي، وَمَعْنَاهَا: ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الذَّوَاتِ غَيْرِ الْمَكَانِيَّةِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَرَبِ، وَإِعْرَابُهَا لُغَةٌ قَيْسِيَّةٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةَ اللَّامِ مَضْمُومَةَ الدَّالِ بَعْدَهَا النُّونُ، فَمَنْ بَنَاهَا قيل: فأشبهها بِالْحُرُوفِ فِي لُزُومِ اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ، وَامْتِنَاعِ الْإِخْبَارِ بِهَا، بِخِلَافِ: عِنْدَ، وَلَدَيَّ. فَإِنَّهُمَا
صَوَّرَ: جَعَلَ لَهُ صُورَةً. قِيلَ: وَهُوَ بِنَاءٌ لِلْمُبَالَغَةِ مَنْ صَارَ يُصَوِّرُ، إِذَا أَمَالَ، وَثَنَى إِلَى حَالٍ، وَلَمَّا كَانَ التَّصْوِيرُ إِمَالَةً إِلَى حَالٍ، وَإِثْبَاتًا فِيهَا، جَاءَ بِنَاؤُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ. وَالصُّورَةُ: الْهَيْئَةُ يَكُونُ عَلَيْهَا الشَّيْءُ بِالتَّأْلِيفِ. وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: التَّصْوِيرُ إِنَّهُ ابْتِدَاءُ مِثَالٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ مِثْلُهُ.
الزَّيْغُ: الْمَيْلُ، وَمِنْهُ: زَاغَتِ الشَّمْسُ وزاغَتِ الْأَبْصارُ «١». وَقَالَ الرَّاغِبُ: الزَّيْغُ:
الْمَيْلُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَزَاغَ وزال ومال يتقارب، لكن زاع لَا يُقَالُ إِلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ حَقٍّ إِلَى بَاطِلٍ.
التَّأْوِيلُ: مَصْدَرُ أَوَّلَ، وَمَعْنَاهُ: آخِرُ الشَّيْءِ وَمَآلُهُ، قَالَهُ الرَّاغِبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّأْوِيلُ الْمَرَدُّ وَالْمَرْجِعُ. قَالَ:
| أَؤَوِّلُ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهِهِ | ليس قضاي بِالْهَوَى الْجَائِرِ |
| لَقَدْ رَسَخَتْ فِي الْقَلْبِ مَنِّي مَوَدَّةٌ | لِلَيْلَى أَبَتْ أَيَّامُهَا أَنْ تُغَيَّرَا |
وَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَا تَتَصَرَّفُ، فَلَا تُسْتَعْمَلُ مِنْهَا بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْفِعْلُ الْمَاضِي خَاصَّةً.
لَدُنْ: ظَرْفٌ، وَقَلَّ أَنْ تُفَارِقَهَا: مِنْ، قَالَهُ ابْنُ جِنِّي، وَمَعْنَاهَا: ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الذَّوَاتِ غَيْرِ الْمَكَانِيَّةِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَرَبِ، وَإِعْرَابُهَا لُغَةٌ قَيْسِيَّةٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةَ اللَّامِ مَضْمُومَةَ الدَّالِ بَعْدَهَا النُّونُ، فَمَنْ بَنَاهَا قيل: فأشبهها بِالْحُرُوفِ فِي لُزُومِ اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ، وَامْتِنَاعِ الْإِخْبَارِ بِهَا، بِخِلَافِ: عِنْدَ، وَلَدَيَّ. فَإِنَّهُمَا
(١) سورة الأحزاب: ٣٣/ ١٠.
7
لَا يَلْزَمَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا، فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُسْتَعْمَلَانِ فَضْلَةً وَعُمْدَةً، فَالْفَضْلَةُ كَثِيرٌ، وَمِنَ الْعُمْدَةِ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ «١» وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ «٢».
وَأَوْضَحَ بَعْضُهُمْ عِلَّةَ الْبِنَاءِ فَقَالَ: عِلَّةُ الْبِنَاءِ كَوْنُهَا تَدُلُّ عَلَى الْمُلَاصَقَةِ لِلشَّيْءِ وَتَخْتَصُّ بِهَا، بِخِلَافِ: عِنْدَ، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمُلَاصَقَةِ، فَصَارَ فِيهَا مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ، بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، فَهِيَ كَأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلْحَرْفِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ دَلِيلًا عَلَى الْقُرْبِ. وَمِثْلُهُ:
ثم، و: هنا. لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لَمَّا تَضَمَّنَا مَعْنَى الْحَرْفِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِشَارَةِ.
وَمَنْ أَعْرَبَهَا، وَهُمْ قَيْسٌ، فَتَشْبِيهًا: بِعِنْدَ، لِكَوْنِ مَوْضِعِهَا صَالِحًا لِعِنْدَ، وَفِيهَا تِسْعُ لُغَاتٍ غَيْرُ الْأُولَى: لَدُنْ، وَلَدْنٌ، وَلَدِنٌ، وَلُدْنٌ، وَلَدِنِ، وَلَدْ وَلُدْ، وَلُدُ وَلَتْ. بِإِبْدَالِ الدَّالِّ تَاءً، وَتُضَافُ إِلَى الْمُفْرَدِ لَفْظًا كَثِيرًا، وَإِلَى الْجُمْلَةِ قَلِيلًا.
فَمِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَجَاءَ إِضَافَتُهَا إِلَى: أَنْ وَالْفِعْلِ، قَالَ:
وَأَحْكَامُ لَدُنْ كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
الْإِغْنَاءُ: الدَّفْعُ وَالنَّفْعُ، وَفُلَانٌ عَظِيمُ الْغِنَى، أَيِ: الدَّفْعُ وَالنَّفْعُ.
الدَّأْبُ: الْعَادَةُ. دَأَبَ عَلَى كَذَا: وَاظَبَ عَلَيْهِ وَأَدْمَنَ. قَالَ زُهَيْرُ:
الذَّنْبُ: التِّلْوُ، لِأَنَّ الْعِقَابَ يَتْلُوهُ، وَمِنْهُ الذَّنْبُ وَالذُّنُوبُ لِأَنَّهُ يتبع الجاذب.
وَأَوْضَحَ بَعْضُهُمْ عِلَّةَ الْبِنَاءِ فَقَالَ: عِلَّةُ الْبِنَاءِ كَوْنُهَا تَدُلُّ عَلَى الْمُلَاصَقَةِ لِلشَّيْءِ وَتَخْتَصُّ بِهَا، بِخِلَافِ: عِنْدَ، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمُلَاصَقَةِ، فَصَارَ فِيهَا مَعْنًى لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ، بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، فَهِيَ كَأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلْحَرْفِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ دَلِيلًا عَلَى الْقُرْبِ. وَمِثْلُهُ:
ثم، و: هنا. لِأَنَّهُمَا بُنِيَا لَمَّا تَضَمَّنَا مَعْنَى الْحَرْفِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِشَارَةِ.
وَمَنْ أَعْرَبَهَا، وَهُمْ قَيْسٌ، فَتَشْبِيهًا: بِعِنْدَ، لِكَوْنِ مَوْضِعِهَا صَالِحًا لِعِنْدَ، وَفِيهَا تِسْعُ لُغَاتٍ غَيْرُ الْأُولَى: لَدُنْ، وَلَدْنٌ، وَلَدِنٌ، وَلُدْنٌ، وَلَدِنِ، وَلَدْ وَلُدْ، وَلُدُ وَلَتْ. بِإِبْدَالِ الدَّالِّ تَاءً، وَتُضَافُ إِلَى الْمُفْرَدِ لَفْظًا كَثِيرًا، وَإِلَى الْجُمْلَةِ قَلِيلًا.
فَمِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| صريع عوان رَاقَهُنَّ وَرُقْنَهُ | لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائِبِ |
| لَزِمْنَا لَدُنْ سَأَلْتُمُونَا وَفَاقَكُمْ | فَلَا يَكُ مِنْكُمْ لِلْخِلَافِ جُنُوحُ |
| تَذْكُرُ نَعَّمَاهُ لَدُنْ أَنْتَ يَافِعُ | إِلَى أَنْتَ ذُو فَوْدَيْنِ أَبْيَضُ كَالنَّسْرِ |
| وَلَيْتَ فَلَمْ يَقْطَعْ لَدُنْ أَنْ وَلَيْتَنَا | قُرَابَةُ ذِي قُرْبَى وَلَا حَقُّ مُسْلِمِ |
الْإِغْنَاءُ: الدَّفْعُ وَالنَّفْعُ، وَفُلَانٌ عَظِيمُ الْغِنَى، أَيِ: الدَّفْعُ وَالنَّفْعُ.
الدَّأْبُ: الْعَادَةُ. دَأَبَ عَلَى كَذَا: وَاظَبَ عَلَيْهِ وَأَدْمَنَ. قَالَ زُهَيْرُ:
| لَأَرْتَحِلَنَّ بِالْفَجْرِ ثُمَّ لَأَدْأَبَنَّ | إِلَى اللَّيْلِ إِلَّا أَنْ يُعَرِّجَنِي طِفْلُ |
(١) سورة الأنعام: ٦/ ٥٩.
(٢) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٦٢.
(٢) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٦٢.
8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ هَذِهِ السُّورَةُ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، وَتُسَمَّى: الزَّهْرَاءَ، وَالْأَمَانَ، وَالْكَنْزَ، وَالْمُعِينَةَ، وَالْمُجَادِلَةَ، وَسُورَةَ الِاسْتِغْفَارِ وَطِيبَةَ. وَهِيَ: مَدَنِيَّةٌ الْآيَاتُ سِتِّينَ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ:
أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثلاثة إليهم يؤول أَمْرُهُمْ، أَمِيرُهُمُ: الْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمُ: السَّيِّدُ الْأَيْهَمُ، وَعَالِمُهُمْ: أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَذَكَرَ مِنْ جَلَالَتِهِمْ، وَحُسْنُ شَارَتِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ. وَأَقَامُوا بِالْمَدِينَةِ أَيَّامًا يُنَاظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم في عِيسَى، وَيَزْعُمُونَ تَارَةً أَنَّهُ اللَّهُ، وَتَارَةً وَلَدُ الْإِلَهِ، وتارة: ثالث ثلاثة. رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ لَهُمْ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي تَعَالَى، وَانْتِفَاءَهَا عَنْ عِيسَى، وَهُمْ يُوَافِقُونَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا جُحُودًا، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: «بَلَى». قَالُوا: فَحَسْبُنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا، إِلَى أَنْ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الِابْتِهَالِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الْمُبْغِضِينَ لِعِيسَى، الْقَاذِفِينَ لِأُمِّهِ، الْمُنْكِرِينَ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِنْجِيلِ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِمَا قَبْلَهَا وَاضِحَةٌ لِأَنَّهُ، لَمَّا ذَكَرَ آخِرَ الْبَقَرَةِ أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ «١» نَاسَبَ أَنْ يذكر نصره تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِينَ، حَيْثُ نَاظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ، فَقَصَّ تَعَالَى أَحْوَالَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ، وَذَكَرَ تَنْزِيهَهَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ، وَبَدَاءَةَ خَلْقِ مَرْيَمَ وَابْنِهَا الْمَسِيحِ إِلَى آخَرِ مَا رَدَّ عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا كَانَ مُفْتَتَحُ آيَةِ آخِرِ الْبَقَرَةِ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ «٢» فَكَأَنَّ فِي ذَلِكَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَبِالْكُتُبِ، نَاسَبَ ذِكْرَ أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَذَكَرَ الْمُنَزَّلَ عَلَى غَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَرَأَ السَّبْعَةُ: الم اللَّهُ، بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَأَلْفُ الْوَصْلِ سَاقِطَةٌ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، عَنْ عَاصِمٍ: سُكُونَ الْمِيمِ، وَقَطْعَ الْأَلِفِ. وَذَكَرَهَا الْفَرَّاءُ عَنْ عَاصِمٍ، وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ الْحَسَنِ. وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، والرؤاسي، وَالْأَعْمَشِ، وَالْبُرْجُمِيِّ، وَابْنِ الْقَعْقَاعِ:
وَقَفُوا عَلَى الْمِيمِ، كَمَا وَقَفُوا عَلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَحَقُّهَا ذَلِكَ، وَأَنْ يُبْدَأَ بما بَعْدَهَا كَمَا تَقُولُ:
وَاحِدٌ اثنان.
أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثلاثة إليهم يؤول أَمْرُهُمْ، أَمِيرُهُمُ: الْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمُ: السَّيِّدُ الْأَيْهَمُ، وَعَالِمُهُمْ: أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَذَكَرَ مِنْ جَلَالَتِهِمْ، وَحُسْنُ شَارَتِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ. وَأَقَامُوا بِالْمَدِينَةِ أَيَّامًا يُنَاظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم في عِيسَى، وَيَزْعُمُونَ تَارَةً أَنَّهُ اللَّهُ، وَتَارَةً وَلَدُ الْإِلَهِ، وتارة: ثالث ثلاثة. رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ لَهُمْ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَاتِ الْبَارِي تَعَالَى، وَانْتِفَاءَهَا عَنْ عِيسَى، وَهُمْ يُوَافِقُونَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَبَوْا إِلَّا جُحُودًا، ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: «بَلَى». قَالُوا: فَحَسْبُنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا، إِلَى أَنْ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الِابْتِهَالِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الْمُبْغِضِينَ لِعِيسَى، الْقَاذِفِينَ لِأُمِّهِ، الْمُنْكِرِينَ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِنْجِيلِ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ السُّورَةِ لِمَا قَبْلَهَا وَاضِحَةٌ لِأَنَّهُ، لَمَّا ذَكَرَ آخِرَ الْبَقَرَةِ أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ «١» نَاسَبَ أَنْ يذكر نصره تَعَالَى عَلَى الْكَافِرِينَ، حَيْثُ نَاظَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ، فَقَصَّ تَعَالَى أَحْوَالَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ، وَذَكَرَ تَنْزِيهَهَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ، وَبَدَاءَةَ خَلْقِ مَرْيَمَ وَابْنِهَا الْمَسِيحِ إِلَى آخَرِ مَا رَدَّ عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا كَانَ مُفْتَتَحُ آيَةِ آخِرِ الْبَقَرَةِ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ «٢» فَكَأَنَّ فِي ذَلِكَ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَبِالْكُتُبِ، نَاسَبَ ذِكْرَ أَوْصَافِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَذَكَرَ الْمُنَزَّلَ عَلَى غَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَرَأَ السَّبْعَةُ: الم اللَّهُ، بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَأَلْفُ الْوَصْلِ سَاقِطَةٌ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، عَنْ عَاصِمٍ: سُكُونَ الْمِيمِ، وَقَطْعَ الْأَلِفِ. وَذَكَرَهَا الْفَرَّاءُ عَنْ عَاصِمٍ، وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ الْحَسَنِ. وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، والرؤاسي، وَالْأَعْمَشِ، وَالْبُرْجُمِيِّ، وَابْنِ الْقَعْقَاعِ:
وَقَفُوا عَلَى الْمِيمِ، كَمَا وَقَفُوا عَلَى الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَحَقُّهَا ذَلِكَ، وَأَنْ يُبْدَأَ بما بَعْدَهَا كَمَا تَقُولُ:
وَاحِدٌ اثنان.
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢٨٦، الآية الأخيرة.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢٨٥.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢٨٥.
9
وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَنَسَبُهَا ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الرؤاسي، وَنَسَبَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَقَالَ: تَوَهَّمَ التَّحْرِيكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَمَا هِيَ بِمَقْبُولَةٍ، يَعْنِي: هَذِهِ الْقِرَاءَةَ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ رَدِيءٌ، لِأَنَّ الْيَاءَ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ قِرَاءَةُ جُمْهُورِ النَّاسِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يَجُوزُ: الم اللَّهُ، بِكَسْرِ الْمِيمِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ، وَلَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ لِثِقْلِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي فَتْحَةِ الْمِيمِ: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّهَا حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، كَمَا حَرَّكُوا: مِنَ اللَّهِ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ سَاقِطَةٌ لِلدَّرَجِ كَمَا سَقَطَتْ فِي نَحْوِ: مِنَ الرَّجُلِ، وَكَانَ الْفَتْحُ أَوْلَى مِنَ الْكَسْرِ لِأَجْلِ الْيَاءِ، كَمَا قَالُوا: أَيْنَ؟ وَكَيْفَ؟ وَلِزِيَادَةِ الْكَسْرَةِ قَبْلَ الْيَاءِ، فَزَالَ الثِّقَلُ. وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّهَا حركة نقل من همزة الْوَصْلِ، لِأَنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ يُنْوَى بِهَا الْوَقْفُ، فَيُنْوَى بِمَا بَعْدَهَا الِاسْتِئْنَافُ. فَكَأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي حُكْمِ الثَّبَاتِ كَمَا فِي أَنْصَافِ الْأَبْيَاتِ نَحْوُ:
لَتَسْمَعَنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِكُمُ... أَللَّهُ أَكْبَرُ: يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا
وَضَعُفَ هَذَا الْمَذْهَبُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ الْمَوْصُولَةَ فِي التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ فِي الْوَصْلِ.
وَمَا يسقط يتلقى حَرَكَتُهُ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ. وَقَدِ اخْتَارَ مَذْهَبَ الْفَرَّاءِ فِي أَنَّ الْفَتْحَةَ فِي الْمِيمِ هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ حِينَ أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَأَوْرَدَ أَسْئِلَةً وَأَجَابَ عَنْهَا.
فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ إِلْقَاءُ حَرَكَتِهَا عَلَيْهَا وَهِيَ هَمْزَةُ وَصْلٍ لَا تَثْبُتُ فِي دَرَجِ الْكَلَامِ، فَلَا تَثْبُتُ حَرَكَتُهَا لِأَنَّ ثَبَاتَ حَرَكَتِهَا كَثَبَاتِهَا؟
قُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بِدَرَجٍ، لِأَنَّ ميم فِي حُكْمِ الْوَقْفِ وَالسُّكُونِ، وَالْهَمْزَةَ فِي حُكْمِ الثَّابِتِ. وَإِنَّمَا حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا لِتَدُلَّ عَلَيْهَا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: وَاحِدِ اثْنَانِ، بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الدَّالِ. انْتَهَى هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ. وَلَيْسَ جَوَابُهُ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ الْمِيمَ حِينَ حُرِّكَتْ مَوْقُوفَةً عَلَيْهَا. وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَرَجٍ، بَلْ هُوَ وَقْفٌ، وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ وَالنُّحَاةُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مُتَحَرِّكٍ أَلْبَتَّةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَرَكَتُهُ إِعْرَابِيَّةً، أَوْ بِنَائِيَّةً، أَوْ نَقْلِيَّةً، أَوْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، أَوْ لِلْحِكَايَةِ، أَوْ
وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ رَدِيءٌ، لِأَنَّ الْيَاءَ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ قِرَاءَةُ جُمْهُورِ النَّاسِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: يَجُوزُ: الم اللَّهُ، بِكَسْرِ الْمِيمِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ، وَلَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ لِثِقْلِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي فَتْحَةِ الْمِيمِ: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّهَا حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، كَمَا حَرَّكُوا: مِنَ اللَّهِ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ سَاقِطَةٌ لِلدَّرَجِ كَمَا سَقَطَتْ فِي نَحْوِ: مِنَ الرَّجُلِ، وَكَانَ الْفَتْحُ أَوْلَى مِنَ الْكَسْرِ لِأَجْلِ الْيَاءِ، كَمَا قَالُوا: أَيْنَ؟ وَكَيْفَ؟ وَلِزِيَادَةِ الْكَسْرَةِ قَبْلَ الْيَاءِ، فَزَالَ الثِّقَلُ. وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّهَا حركة نقل من همزة الْوَصْلِ، لِأَنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ يُنْوَى بِهَا الْوَقْفُ، فَيُنْوَى بِمَا بَعْدَهَا الِاسْتِئْنَافُ. فَكَأَنَّ الْهَمْزَةَ فِي حُكْمِ الثَّبَاتِ كَمَا فِي أَنْصَافِ الْأَبْيَاتِ نَحْوُ:
لَتَسْمَعَنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِكُمُ... أَللَّهُ أَكْبَرُ: يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا
وَضَعُفَ هَذَا الْمَذْهَبُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ الْمَوْصُولَةَ فِي التَّعْرِيفِ تَسْقُطُ فِي الْوَصْلِ.
وَمَا يسقط يتلقى حَرَكَتُهُ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ. وَقَدِ اخْتَارَ مَذْهَبَ الْفَرَّاءِ فِي أَنَّ الْفَتْحَةَ فِي الْمِيمِ هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ حِينَ أُسْقِطَتْ لِلتَّخْفِيفِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَأَوْرَدَ أَسْئِلَةً وَأَجَابَ عَنْهَا.
فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ إِلْقَاءُ حَرَكَتِهَا عَلَيْهَا وَهِيَ هَمْزَةُ وَصْلٍ لَا تَثْبُتُ فِي دَرَجِ الْكَلَامِ، فَلَا تَثْبُتُ حَرَكَتُهَا لِأَنَّ ثَبَاتَ حَرَكَتِهَا كَثَبَاتِهَا؟
قُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بِدَرَجٍ، لِأَنَّ ميم فِي حُكْمِ الْوَقْفِ وَالسُّكُونِ، وَالْهَمْزَةَ فِي حُكْمِ الثَّابِتِ. وَإِنَّمَا حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا لِتَدُلَّ عَلَيْهَا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: وَاحِدِ اثْنَانِ، بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الدَّالِ. انْتَهَى هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ. وَلَيْسَ جَوَابُهُ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ الْمِيمَ حِينَ حُرِّكَتْ مَوْقُوفَةً عَلَيْهَا. وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِدَرَجٍ، بَلْ هُوَ وَقْفٌ، وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ وَالنُّحَاةُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مُتَحَرِّكٍ أَلْبَتَّةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَرَكَتُهُ إِعْرَابِيَّةً، أَوْ بِنَائِيَّةً، أَوْ نَقْلِيَّةً، أَوْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، أَوْ لِلْحِكَايَةِ، أَوْ
10
لِلِاتِّبَاعِ. فَلَا يَجُوزُ فِي: قَدْ أَفْلَحَ، إِذَا حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ، وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى دَالِ: قَدْ، أَنْ تَقِفَ عَلَى دَالِ: قَدْ، بِالْفَتْحَةِ، بَلْ تَسْكُنُهَا قَوْلًا وَاحِدًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: وَاحِدِ اثْنَانِ بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الدَّالِ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُشِمُّونَ آخِرَ وَاحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ، وَلَمْ يَحْكِ الْكَسْرَ لُغَةً. فَإِنْ صَحَّ الْكَسْرُ فَلَيْسَ وَاحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، كَمَا زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَلَا حَرَكَتُهُ حركة نقل من همزة الْوَصْلِ، وَلَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمْ: اثْنَانِ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ، دَالُ، واحد، و: ثاء، اثْنَيْنِ، فَكُسِرَتِ الدَّالُ لِالْتِقَائِهِمَا، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي الْوَصْلِ. وَأَمَّا ما استدل به للفراء مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَلَاثَةٌ أَرْبَعَةٌ، بإلقائهم الْهَمْزَةِ عَلَى الْهَاءِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَمْزَةَ أَرْبَعَةَ هَمْزَةُ قَطْعٍ فِي حَالِ الْوَصْلِ بِمَا قَبْلَهَا وَابْتِدَائِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَمْزَةُ الْوَصْلِ نَحْوُ: مِنَ اللَّهِ، وَأَيْضًا، فَقَوْلُهُمْ: ثَلَاثَةٌ أَرْبَعَةٌ بِالنَّقْلِ لَيْسَ فِيهِ وَقَفٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ، إِذْ لَوْ وُقِفَ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ الْحَرَكَةَ، وَلَكِنْ أُقِرَّتْ فِي الْوَصْلِ هَاءً اعْتِبَارًا بِمَا آلَتْ إِلَيْهِ فِي حَالٍ مَا، لَا أَنَّهَا مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا.
ثُمَّ أَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤَالًا ثَانِيًا. فَقَالَ:
فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا زَعَمْتَ أَنَّهَا حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ؟.
قُلْتُ: لِأَنَّ الْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ لَا نُبَالِي بِهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ، وَدَاوُدُ، وَإِسْحَاقُ. وَلَوْ كَانَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي حَالِ الْوَقْفِ مُوجِبُ التَّحْرِيكِ لَحُرِّكَ الْمِيمَانِ فِي أَلِفْ لَامْ مِيمْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَمَّا انْتَظَرَ سَاكِنٌ آخَرُ. انْتَهَى هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ. وَهُوَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ، وَجَوَابٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الَّذِي قَالَ: إِنَّ الْحَرَكَةَ هِيَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْتِقَاءَ الْيَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ أَلِفْ لَامْ مِيمْ فِي الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا عَنَى الْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا: مِيمْ مِيمِ الْأَخِيرَةِ. و: لام التَّعْرِيفِ، كَالْتِقَاءِ نُونِ: مِنْ، وَلَامِ: الرَّجُلِ، إِذَا قُلْتَ: مِنَ الرَّجُلِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤَالًا ثَالِثًا، فَقَالَ:
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا لَمْ يُحَرِّكُوا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مِيمْ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوَقْفَ، وَأَمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِسَاكِنَيْنِ، فَإِذَا جَاءَ بِسَاكِنٍ ثَالِثٍ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا التَّحْرِيكُ فَحَرَّكُوا؟
قُلْتُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ لَيْسَتِ لِمُلَاقَاةِ السَّاكِنِ، أَنَّهُمْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا:
وَاحِدْ اثْنَانِ، بِسُكُونِ الدَّالِ مَعَ طَرْحِ الْهَمْزَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، كَمَا قَالُوا: أَصْيَمْ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: وَاحِدِ اثْنَانِ بِإِلْقَاءِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَى الدَّالِ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُشِمُّونَ آخِرَ وَاحِدٍ لِتَمَكُّنِهِ، وَلَمْ يَحْكِ الْكَسْرَ لُغَةً. فَإِنْ صَحَّ الْكَسْرُ فَلَيْسَ وَاحِدٌ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، كَمَا زَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَلَا حَرَكَتُهُ حركة نقل من همزة الْوَصْلِ، وَلَكِنَّهُ مَوْصُولٌ بِقَوْلِهِمْ: اثْنَانِ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ، دَالُ، واحد، و: ثاء، اثْنَيْنِ، فَكُسِرَتِ الدَّالُ لِالْتِقَائِهِمَا، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي الْوَصْلِ. وَأَمَّا ما استدل به للفراء مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَلَاثَةٌ أَرْبَعَةٌ، بإلقائهم الْهَمْزَةِ عَلَى الْهَاءِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، لِأَنَّ هَمْزَةَ أَرْبَعَةَ هَمْزَةُ قَطْعٍ فِي حَالِ الْوَصْلِ بِمَا قَبْلَهَا وَابْتِدَائِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَمْزَةُ الْوَصْلِ نَحْوُ: مِنَ اللَّهِ، وَأَيْضًا، فَقَوْلُهُمْ: ثَلَاثَةٌ أَرْبَعَةٌ بِالنَّقْلِ لَيْسَ فِيهِ وَقَفٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ، إِذْ لَوْ وُقِفَ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ الْحَرَكَةَ، وَلَكِنْ أُقِرَّتْ فِي الْوَصْلِ هَاءً اعْتِبَارًا بِمَا آلَتْ إِلَيْهِ فِي حَالٍ مَا، لَا أَنَّهَا مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا.
ثُمَّ أَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤَالًا ثَانِيًا. فَقَالَ:
فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا زَعَمْتَ أَنَّهَا حُرِّكَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ؟.
قُلْتُ: لِأَنَّ الْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ لَا نُبَالِي بِهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ، وَدَاوُدُ، وَإِسْحَاقُ. وَلَوْ كَانَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي حَالِ الْوَقْفِ مُوجِبُ التَّحْرِيكِ لَحُرِّكَ الْمِيمَانِ فِي أَلِفْ لَامْ مِيمْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَمَّا انْتَظَرَ سَاكِنٌ آخَرُ. انْتَهَى هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ. وَهُوَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ، وَجَوَابٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الَّذِي قَالَ: إِنَّ الْحَرَكَةَ هِيَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْتِقَاءَ الْيَاءِ وَالْمِيمِ مِنْ أَلِفْ لَامْ مِيمْ فِي الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا عَنَى الْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا: مِيمْ مِيمِ الْأَخِيرَةِ. و: لام التَّعْرِيفِ، كَالْتِقَاءِ نُونِ: مِنْ، وَلَامِ: الرَّجُلِ، إِذَا قُلْتَ: مِنَ الرَّجُلِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ سُؤَالًا ثَالِثًا، فَقَالَ:
فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا لَمْ يُحَرِّكُوا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مِيمْ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوَقْفَ، وَأَمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِسَاكِنَيْنِ، فَإِذَا جَاءَ بِسَاكِنٍ ثَالِثٍ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا التَّحْرِيكُ فَحَرَّكُوا؟
قُلْتُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ لَيْسَتِ لِمُلَاقَاةِ السَّاكِنِ، أَنَّهُمْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا:
وَاحِدْ اثْنَانِ، بِسُكُونِ الدَّالِ مَعَ طَرْحِ الْهَمْزَةِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، كَمَا قَالُوا: أَصْيَمْ
11
وَمَدْيَقْ، فَلَمَّا حَرَّكُوا الدَّالَّ عُلِمَ أَنَّ حَرَكَتَهَا هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ السَّاقِطَةِ لَا غَيْرَ، وَلَيْسَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. انْتَهَى هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ. وَفِي سُؤَالِهِ تَعْمِيَةٌ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا لَمْ يُحَرِّكُوا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ؟ وَيَعْنِي بِالسَّاكِنَيْنِ: الْيَاءَ وَالْمِيمَ فِي مِيمْ، وَحِينَئِذٍ يَجِيءُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوَقْفَ وَأَمْكَنَهُمُ النُّطْقُ بِسَاكِنَيْنِ، يَعْنِي الْيَاءَ وَالْمِيمَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ جَاءَ بِسَاكِنٍ ثَالِثٍ، يَعْنِي لَامَ التَّعْرِيفِ، لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا التَّحْرِيكُ، يَعْنِي فِي الْمِيمِ، فَحَرَّكُوا يَعْنِي:
الْمِيمَ لِالْتِقَائِهَا سَاكِنَةً مَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُحَرِّكُوا لَاجْتَمَعَ ثلاث سَوَاكِنَ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ. هَذَا شَرْحُ السُّؤَالِ.
وَأَمَّا جَوَابُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنْ سُؤَالِهِ، فَلَا يُطَابِقُ، لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ على أن الحركة ليست لِمُلَاقَاةِ سَاكِنٍ بِإِمْكَانِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ: وَاحِدِ اثْنَانِ، بِأَنْ يُسَكِّنُوا الدَّالَ، وَالثَّاءُ سَاكِنَةٌ، وَتَسْقُطُ الْهَمْزَةُ. فَعَدَلُوا عَنْ هَذَا الْإِمْكَانِ إِلَى نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى الدَّالِ، وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ فِي الْمَحْسُوسِ، لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا هُوَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ أَنْ يَجْمَعُوا فِي النُّطْقِ بَيْنَ سُكُونِ الدَّالِ وَسُكُونِ الثَّاءِ، وَطَرْحِ الْهَمْزَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَجَمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا قُلْنَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا قَالُوا:
أَصْيَمْ وَمَدْيَقْ، فَهَذَا مُمْكِنٌ كَمَا هُوَ فِي: رَادْ وَضَالْ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ عَلَى حَدِّهِمَا الْمَشْرُوطِ فِي النَّحْوِ، فَأَمْكَنَ النُّطْقُ بِهِ، وَلَيْسَ مِثْلَ: وَاحِدِ اثْنَانِ. لِأَنَّ السَّاكِنَ الْأَوَّلَ لَيْسَ حَرْفَ عِلَّةٍ، وَلَا الثَّاءَ فِي مُدْغَمٍ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَمَّا حركوا الدال علم أن حَرَكَتَهَا هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ السَّاقِطَةِ لَا غَيْرَ، وَلَيْسَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، لِمَا بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ فِي وَاحِدِ اثْنَانِ مُمْكِنٌ، وَحَرَكَةُ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ إنما هي فِيمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ فِي اللَّفْظِ، ادَّعَى أَنَّ حَرَكَةَ الدَّالِّ هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ السَّاقِطَةِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَدَمَ إِمْكَانِ ذَلِكَ، فَإِنَّ صَحَّ كَسْرُ الدَّالِ، كَمَا نَقَلَ هَذَا الرَّجُلُ، فَتَكُونُ حَرَكَتُهَا لالتقاء الساكنين لا للنقل، وَقَدْ رُدَّ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَاخْتِيَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ إِيَّاهُ بِأَنْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَةَ الْمِيمِ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلَيْهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ وَالتَّدَافُعِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُكُونَ آخَرِ مِيمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى نِيَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهَا، وَإِلْقَاءَ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى نِيَّةِ الْوَصْلِ، وَنِيَّةُ الْوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الْهَمْزَةِ، وَنِيَّةُ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَبْلَهَا تُوجِبُ ثَبَاتَهَا وَقَطْعَهَا، وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ. انْتَهَى. وَهُوَ رَدٌّ صَحِيحٌ.
وَالَّذِي تَحَرَّرَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ: أَنَّ الْعَرَبَ مَتَى سَرَدَتْ أَسْمَاءَ مُسَكَّنَةَ الْآخِرِ وَصْلًا
الْمِيمَ لِالْتِقَائِهَا سَاكِنَةً مَعَ لَامِ التَّعْرِيفِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُحَرِّكُوا لَاجْتَمَعَ ثلاث سَوَاكِنَ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ. هَذَا شَرْحُ السُّؤَالِ.
وَأَمَّا جَوَابُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَنْ سُؤَالِهِ، فَلَا يُطَابِقُ، لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ على أن الحركة ليست لِمُلَاقَاةِ سَاكِنٍ بِإِمْكَانِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ: وَاحِدِ اثْنَانِ، بِأَنْ يُسَكِّنُوا الدَّالَ، وَالثَّاءُ سَاكِنَةٌ، وَتَسْقُطُ الْهَمْزَةُ. فَعَدَلُوا عَنْ هَذَا الْإِمْكَانِ إِلَى نَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى الدَّالِ، وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ فِي الْمَحْسُوسِ، لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا هُوَ فِي قُدْرَةِ الْبَشَرِ أَنْ يَجْمَعُوا فِي النُّطْقِ بَيْنَ سُكُونِ الدَّالِ وَسُكُونِ الثَّاءِ، وَطَرْحِ الْهَمْزَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَجَمَعُوا بَيْنَ سَاكِنَيْنِ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ كَمَا قُلْنَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا قَالُوا:
أَصْيَمْ وَمَدْيَقْ، فَهَذَا مُمْكِنٌ كَمَا هُوَ فِي: رَادْ وَضَالْ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْتِقَاءَ السَّاكِنَيْنِ عَلَى حَدِّهِمَا الْمَشْرُوطِ فِي النَّحْوِ، فَأَمْكَنَ النُّطْقُ بِهِ، وَلَيْسَ مِثْلَ: وَاحِدِ اثْنَانِ. لِأَنَّ السَّاكِنَ الْأَوَّلَ لَيْسَ حَرْفَ عِلَّةٍ، وَلَا الثَّاءَ فِي مُدْغَمٍ، فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَمَّا حركوا الدال علم أن حَرَكَتَهَا هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ السَّاقِطَةِ لَا غَيْرَ، وَلَيْسَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، لِمَا بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ فِي وَاحِدِ اثْنَانِ مُمْكِنٌ، وَحَرَكَةُ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ إنما هي فِيمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ فِي اللَّفْظِ، ادَّعَى أَنَّ حَرَكَةَ الدَّالِّ هِيَ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ السَّاقِطَةِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَدَمَ إِمْكَانِ ذَلِكَ، فَإِنَّ صَحَّ كَسْرُ الدَّالِ، كَمَا نَقَلَ هَذَا الرَّجُلُ، فَتَكُونُ حَرَكَتُهَا لالتقاء الساكنين لا للنقل، وَقَدْ رُدَّ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَاخْتِيَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ إِيَّاهُ بِأَنْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَةَ الْمِيمِ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلَيْهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ وَالتَّدَافُعِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُكُونَ آخَرِ مِيمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى نِيَّةِ الْوَقْفِ عَلَيْهَا، وَإِلْقَاءَ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى نِيَّةِ الْوَصْلِ، وَنِيَّةُ الْوَصْلِ تُوجِبُ حَذْفَ الْهَمْزَةِ، وَنِيَّةُ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَبْلَهَا تُوجِبُ ثَبَاتَهَا وَقَطْعَهَا، وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ. انْتَهَى. وَهُوَ رَدٌّ صَحِيحٌ.
وَالَّذِي تَحَرَّرَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ: أَنَّ الْعَرَبَ مَتَى سَرَدَتْ أَسْمَاءَ مُسَكَّنَةَ الْآخِرِ وَصْلًا
12
وَوَقْفًا، فَلَوِ الْتَقَى آخِرُ مُسَكَّنٍ مِنْهَا، بِسَاكِنٍ آخَرَ، حُرِّكَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. فَهَذِهِ الْحَرَكَةُ الَّتِي فِي مِيمِ: الم اللَّهُ، هِيَ حَرَكَةُ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ: الم، تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْمُنْتَشِرَ الَّذِي لَا يُوقَفُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ وَتَفْسِيرِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ تَقَدَّمَ فِي آيَةِ وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ «١» وَفِي أَوَّلِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الْقَاضِي الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ فِي النَّظْمِ إِلَى أَنَّ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ هُنَا أَنْ يَكُونَ الم إِشَارَةً إِلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ كِتَابُكَ، أَوْ نَحْوُ هَذَا.
وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ عَلَى مَا تُرِكَ ذِكْرُهُ، مِمَّا هُوَ خَبَرٌ عَنِ الْحُرُوفِ، قَالَ: وَذَلِكَ فِي نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ «٢» ترك الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «٣» عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: كَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَيْ: وَلَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقَالُ لَهَا: خَامِرِي أُمَّ عَامِرٍ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يحْسُنُ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ خَبَرُ قَوْلِهِ: اللَّهُ، حَتَّى يَرْتَبِطَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِثْلِيَّتَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَّبَهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ، وَمَا قَالَهُ فِي الْآيَةِ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ الْأَبْرَعَ فِي نَظْمِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ الم لَا يُضَمُّ مَا بَعْدَهَا إِلَى نَفْسِهَا فِي الْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كَلَامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا، جُمْلَةٌ رَادَّةٌ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، فحاجوه في عيسى بن مَرْيَمَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ اللَّهُ. انتهى كلامه.
وَالْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ: الم، تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْمُنْتَشِرَ الَّذِي لَا يُوقَفُ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ وَتَفْسِيرِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ تَقَدَّمَ فِي آيَةِ وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ «١» وَفِي أَوَّلِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الْقَاضِي الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ فِي النَّظْمِ إِلَى أَنَّ أَحْسَنَ الْأَقْوَالِ هُنَا أَنْ يَكُونَ الم إِشَارَةً إِلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ كِتَابُكَ، أَوْ نَحْوُ هَذَا.
وَيَدُلُّ قَوْلُهُ: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ عَلَى مَا تُرِكَ ذِكْرُهُ، مِمَّا هُوَ خَبَرٌ عَنِ الْحُرُوفِ، قَالَ: وَذَلِكَ فِي نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ «٢» ترك الْجَوَابَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ «٣» عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: كَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| فَلَا تَدْفِنُونِي، إِنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ | عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ |
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يحْسُنُ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ خَبَرُ قَوْلِهِ: اللَّهُ، حَتَّى يَرْتَبِطَ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِثْلِيَّتَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَّبَهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ، وَمَا قَالَهُ فِي الْآيَةِ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ الْأَبْرَعَ فِي نَظْمِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ الم لَا يُضَمُّ مَا بَعْدَهَا إِلَى نَفْسِهَا فِي الْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كَلَامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا، جُمْلَةٌ رَادَّةٌ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، فحاجوه في عيسى بن مَرْيَمَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ اللَّهُ. انتهى كلامه.
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٦٣.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٢٢.
(٣) سورة الزمر: ٣٩/ ٢٢.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٢٢.
(٣) سورة الزمر: ٣٩/ ٢٢.
13
قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَوْضِعُ: ألم، نصب، والتقدير: قرأوا ألم، و: عليكم الم. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنَى: هذا ألم، و: ذلك الم.
وَتَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْجُرْجَانِيِّ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: هَذِهِ الْحُرُوفُ كِتَابُكَ.
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: الْقَيَّامُ. وَقَالَ خَارِجَةٌ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: الْقَيَّمُ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ.
اللَّهُ رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ونَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: نَزَّلَ، هُوَ الْخَبَرُ، وَ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، جملة اعترض.
وَتَقَدَّمَ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ اسْتِقْصَاءُ إِعْرَابِ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: مَطْلَعُ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبٌ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَازَعُوا كَأَنَّهُ قِيلَ: إِمَّا أَنْ تُنَازِعُوا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ، أَوْ فِي النُّبُوَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ:
حَيٌّ قَيُّومٌ، وَالْحَيُّ الْقَيُّومُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِي فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي عَرَفْتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، هُوَ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ هُنَا، وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْجِزَةُ.
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الْكِتَابَ هُنَا: الْقُرْآنُ، بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ، وَتَكَرَّرَ كَثِيرًا، وَالْمُرَادُ الْقُرْآنُ، فَصَارَ عِلْمًا. بِالْغَلَبَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: نَزَّلَ، مُشَدَّدًا وَ: الْكِتَابَ، بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: نَزَلَ، مُخَفَّفًا، وَ: الْكِتَابُ، بِالرَّفْعِ، وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ تَحْتَمِلُ الْآيَةُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِمَا قَبْلَهَا، أَيْ: نَزَلَ الْكِتَابُ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَتَى هُنَا بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَيْكَ، وَلَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ، وَلَا الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وَتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وَجَاءَ بِذِكْرِ الْخِطَابِ لِمَا فِي الْخِطَابِ مِنَ الْمُؤَانَسَةِ، وَأَتَى بِلَفْظَةِ: عَلَى، لِمَا فِيهَا مِنِ الِاسْتِعْلَاءِ. كَأَنَّ الْكِتَابَ تَجَلَّلَهُ وَتَغَشَّاهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَعْنَى: بِالْحَقِّ: بِالْعَدْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَدْلُ فِيمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَنْ حَمْلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ. الثَّانِي: بِالْعَدْلِ فِيمَا اخْتَصَّكَ بِهِ مِنْ شَرَفِ النُّبُوَّةِ.
وَتَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْجُرْجَانِيِّ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: هَذِهِ الْحُرُوفُ كِتَابُكَ.
وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: الْقَيَّامُ. وَقَالَ خَارِجَةٌ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: الْقَيَّمُ، وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ.
اللَّهُ رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ونَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: نَزَّلَ، هُوَ الْخَبَرُ، وَ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، جملة اعترض.
وَتَقَدَّمَ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ اسْتِقْصَاءُ إِعْرَابِ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: مَطْلَعُ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبٌ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَازَعُوا كَأَنَّهُ قِيلَ: إِمَّا أَنْ تُنَازِعُوا فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ، أَوْ فِي النُّبُوَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ:
حَيٌّ قَيُّومٌ، وَالْحَيُّ الْقَيُّومُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِي فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي عَرَفْتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، هُوَ بِعَيْنِهِ قَائِمٌ هُنَا، وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْجِزَةُ.
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الْكِتَابَ هُنَا: الْقُرْآنُ، بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ، وَتَكَرَّرَ كَثِيرًا، وَالْمُرَادُ الْقُرْآنُ، فَصَارَ عِلْمًا. بِالْغَلَبَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: نَزَّلَ، مُشَدَّدًا وَ: الْكِتَابَ، بِالنَّصْبِ، وَقَرَأَ النَّخَعِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: نَزَلَ، مُخَفَّفًا، وَ: الْكِتَابُ، بِالرَّفْعِ، وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ تَحْتَمِلُ الْآيَةُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِمَا قَبْلَهَا، أَيْ: نَزَلَ الْكِتَابُ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَتَى هُنَا بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَيْكَ، وَلَمْ يَأْتِ بِذِكْرِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ، وَلَا الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلُ، تَخْصِيصًا لَهُ وَتَشْرِيفًا بِالذِّكْرِ، وَجَاءَ بِذِكْرِ الْخِطَابِ لِمَا فِي الْخِطَابِ مِنَ الْمُؤَانَسَةِ، وَأَتَى بِلَفْظَةِ: عَلَى، لِمَا فِيهَا مِنِ الِاسْتِعْلَاءِ. كَأَنَّ الْكِتَابَ تَجَلَّلَهُ وَتَغَشَّاهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَعْنَى: بِالْحَقِّ: بِالْعَدْلِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَدْلُ فِيمَا اسْتَحَقَّهُ عَلَيْكَ مَنْ حَمْلِ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ. الثَّانِي: بِالْعَدْلِ فِيمَا اخْتَصَّكَ بِهِ مِنْ شَرَفِ النُّبُوَّةِ.
14
وَقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ. وَقِيلَ: بِالصِّدْقِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الْوَعِيدِ بِالْعِقَابِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وَقِيلَ: مَعْنَى بِالْحَقِّ: بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ.
وَالْبَاءُ: تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أَيْ: بِسَبَبِ إِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ الْحَالَ، أَيْ: مُحِقًّا نَحْوُ:
خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ، أَيْ مُتَسَلِّحًا.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ: مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، وَوُقُوعُ الْمُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ الْمُخْبِرَ صَادِقًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوَافِقْهَا، قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إِلَّا بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَالْإِيمَانِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ صَلَاحُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ. فَالْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الْكُتُبِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَالْقُرْآنُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِخًا لِشَرَائِعِ أَكْثَرِ الْكُتُبِ، فَهِيَ مُبَشِّرَةٌ بِالْقُرْآنِ وَبِالرَّسُولِ، وَدَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَهَا تَثْبُتُ إِلَى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى الله عليه وسلم، وَأَنَّهَا تَصِيرُ مَنْسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ. فَقَدْ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ مُصَدِّقًا لَهَا لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى ثُبُوتِ الْإِلَهِيَّةِ لَا تَخْتَلِفُ.
وَانْتِصَابُ: مُصَدِّقًا، عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَهِيَ لَازِمَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ:
وَقِيلَ: انْتِصَابُ: مُصَدِّقًا، عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ: بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ. وَ: لِمَا، متعلق بمصدقا، وَاللَّامُ لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ، إِذْ: مُصَدِّقًا، يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ فِعْلَهُ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ. وَالْمَعْنَى هُنَا بِقَوْلِهِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُتَقَدِّمُ فِي الزَّمَانِ. وَأَصْلُ هَذَا أَنْ يُقَالَ: لِمَا يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. كَالشَّيْءِ الَّذِي يَحْتَوِي عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا كَانَ قُدَّامُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ فَخَّمَ رَاءَ التَّوْرَاةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَضْجَعَهَا: أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ. وَقَرَأَهَا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ: حَمْزَةُ، وَنَافِعٌ. وَرَوَى الْمُسَيِّبِيُّ عَنْ نَافِعٍ فَتْحَهَا.
وَقِيلَ: مَعْنَى بِالْحَقِّ: بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ.
وَالْبَاءُ: تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ أَيْ: بِسَبَبِ إِثْبَاتِ الْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ الْحَالَ، أَيْ: مُحِقًّا نَحْوُ:
خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ، أَيْ مُتَسَلِّحًا.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ: مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَصْدِيقُهُ إِيَّاهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِمَجِيئِهِ، وَوُقُوعُ الْمُخْبَرِ بِهِ يَجْعَلُ الْمُخْبِرَ صَادِقًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُوَافِقْهَا، قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا قَطُّ، إِلَّا بِالدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَالْإِيمَانِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ صَلَاحُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ. فَالْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِتِلْكَ الْكُتُبِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَالْقُرْآنُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِخًا لِشَرَائِعِ أَكْثَرِ الْكُتُبِ، فَهِيَ مُبَشِّرَةٌ بِالْقُرْآنِ وَبِالرَّسُولِ، وَدَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَهَا تَثْبُتُ إِلَى حِينِ بِعْثَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى الله عليه وسلم، وَأَنَّهَا تَصِيرُ مَنْسُوخَةً عِنْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ. فَقَدْ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ مُصَدِّقًا لَهَا لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى ثُبُوتِ الْإِلَهِيَّةِ لَا تَخْتَلِفُ.
وَانْتِصَابُ: مُصَدِّقًا، عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَهِيَ لَازِمَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ:
| أَنَا ابْنُ دَارَةَ مَعْرُوفًا بِهِ نَسَبِي | وَهَلْ بِدَارَةَ يَا لِلنَّاسِ مِنْ عَارِ؟ |
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ فَخَّمَ رَاءَ التَّوْرَاةَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَضْجَعَهَا: أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ. وَقَرَأَهَا بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ: حَمْزَةُ، وَنَافِعٌ. وَرَوَى الْمُسَيِّبِيُّ عَنْ نَافِعٍ فَتْحَهَا.
15
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: وَالْأَنْجِيلَ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ، لِأَنَّ أَفْعِيلًا لَيْسَ مِنْ أَبْنِيَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ، بِخِلَافِ إِفْعِيلٍ، فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ فِي أَبْنِيَتِهِمْ: كَإِخْرِيطٍ، وَإِصْلِيتٍ.
وَتَعَلَّقَ: مِنْ قَبْلُ، بِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْكِتَابُ الْمَذْكُورُ، أَيْ: مِنْ قَبْلُ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْكَ وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ مِنْ قَبْلِكَ، فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ ضَمِيرَ الرَّسُولِ. وَغَايَرَ بَيْنَ نَزَّلَ وَأَنْزَلَ، وَإِنْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِذِ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَمَا أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
فَإِنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: نَزَّلَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؟.
قُلْتُ: لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، وَنَزَلَ الْكِتَابَانِ جُمْلَةً. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ على هذا القول. وإن التَّعْدِيَةَ بِالتَّضْعِيفِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَلَا التَّنْجِيمِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: نَزَّلَ وَأَنْزَلَ، قَالَ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ «١» وأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ مَا كَانَ: مِمَّنْ يَنْزِلُ، مُشَدِّدًا بِالتَّخْفِيفِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْجِيمِ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى النُّزُولِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِتَنَاقُضِ الْإِخْبَارِ. وَهُوَ مُحَالٌ.
هُدىً لِلنَّاسِ قِيلَ: هُوَ قَيْدٌ فِي الْكِتَابِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَمْ يُثَنَّ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَقِيلَ: هُوَ قَيْدٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَحْدَهُ، وَحُذِفَ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي لِلْإِنْجِيلِ وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ فَيَكُونُ الْهُدَى لِلْفُرْقَانِ فَحَسْبُ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْفُرْقَانَ الْقُرْآنَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هُدًى إِذْ ذَاكَ يَكُونُ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ هُدًى، وَمَا بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، مجردة و: ضربت هِنْدًا، تُرِيدُ، وَضَرَبْتُ هِنْدًا مُجَرَّدَةً لَمْ يَجُزْ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْهُدَى: هُوَ الْبَيَانُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ هُدًى بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ النَّاسُ هُنَا مَخْصُوصًا، إِذْ لَمْ تَقَعِ الْهِدَايَةُ لِكُلِّ النَّاسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُمَا هُدًى فِي ذَاتِهِمَا، وَأَنَّهُمَا دَاعِيَانِ لِلْهُدَى، فَيَكُونُ النَّاسُ عَامًّا، أَيْ: هُمَا منصوبان وداعيان لمن
وَتَعَلَّقَ: مِنْ قَبْلُ، بِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفُ هُوَ الْكِتَابُ الْمَذْكُورُ، أَيْ: مِنْ قَبْلُ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْكَ وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ مِنْ قَبْلِكَ، فَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ ضَمِيرَ الرَّسُولِ. وَغَايَرَ بَيْنَ نَزَّلَ وَأَنْزَلَ، وَإِنْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، إِذِ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَمَا أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلتَّعْدِيَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
فَإِنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: نَزَّلَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؟.
قُلْتُ: لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، وَنَزَلَ الْكِتَابَانِ جُمْلَةً. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ على هذا القول. وإن التَّعْدِيَةَ بِالتَّضْعِيفِ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَلَا التَّنْجِيمِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: نَزَّلَ وَأَنْزَلَ، قَالَ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ «١» وأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ مَا كَانَ: مِمَّنْ يَنْزِلُ، مُشَدِّدًا بِالتَّخْفِيفِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى التَّنْجِيمِ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى النُّزُولِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لِتَنَاقُضِ الْإِخْبَارِ. وَهُوَ مُحَالٌ.
هُدىً لِلنَّاسِ قِيلَ: هُوَ قَيْدٌ فِي الْكِتَابِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَمْ يُثَنَّ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. وَقِيلَ: هُوَ قَيْدٌ فِي الْإِنْجِيلِ وَحْدَهُ، وَحُذِفَ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي لِلْإِنْجِيلِ وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ فَيَكُونُ الْهُدَى لِلْفُرْقَانِ فَحَسْبُ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا الْفُرْقَانَ الْقُرْآنَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هُدًى إِذْ ذَاكَ يَكُونُ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ هُدًى، وَمَا بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا، مجردة و: ضربت هِنْدًا، تُرِيدُ، وَضَرَبْتُ هِنْدًا مُجَرَّدَةً لَمْ يَجُزْ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ. وَقِيلَ: هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْهُدَى: هُوَ الْبَيَانُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ هُدًى بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ النَّاسُ هُنَا مَخْصُوصًا، إِذْ لَمْ تَقَعِ الْهِدَايَةُ لِكُلِّ النَّاسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُمَا هُدًى فِي ذَاتِهِمَا، وَأَنَّهُمَا دَاعِيَانِ لِلْهُدَى، فَيَكُونُ النَّاسُ عَامًّا، أَيْ: هُمَا منصوبان وداعيان لمن
(١) سورة النحل: ١٦/ ٤٤.
16
اهْتَدَى بِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ الْهِدَايَةِ بِالْفِعْلِ لِجَمِيعِ النَّاسِ. وَقِيلَ: النَّاسُ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى وَقِيلَ: نَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِشَرَائِعَ مَنْ قَبْلَنَا، فَالنَّاسُ عَامٌّ. قَالَ الْكَعْبِيُّ: هَذَا يُبْطِلُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ عَمِيٌّ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَيْسَ هُدًى لَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى «١» أَنَّهُمْ عِنْدَ نُزُولِهِ اخْتَارُوا الْعَمَى عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ، لِقَوْلِ نُوحٍ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً «٢» انْتَهَى.
قِيلَ: وَخَصَّ الْهُدَى بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ هُدًى، لِأَنَّ الْمُنَاظَرَةَ كَانَتْ مَعَ النَّصَارَى وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ بِالْقُرْآنِ، بَلْ وَصَفَ بِأَنَّهُ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، قَبِلُوهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَأَمَّا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُمَا، فَلِذَلِكَ اخْتُصَّا فِي الذِّكْرِ بِالْهُدَى.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ هُنَا لِلنَّاسِ، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعَاءُ، وَالصَّرْفُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَحَسُنَتِ الصِّفَةُ لِيَقَعَ مِنَ السَّامِعِ النَّشَاطُ وَالْبِدَارُ، وَذَكَرَ الْهُدَى الَّذِي هُوَ إِيجَادُ الْهِدَايَةِ فِي الْقَلْبِ، وَهُنَا إِنَّمَا ذَكَرَ الْهُدَى الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ، أَوِ الْهُدَى الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ مُعَدٌّ أَنْ يَهْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ، فَسُمِّيَ هُدًى بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ فُورَكَ: التَّقْدِيرُ هَنَا: هُدًى لِلنَّاسِ الْمُتَّقِينَ، وَيُرَدُّ هَذَا الْعَامُّ إِلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَ مَدْلُولَيِ الْهُدَى، فَحَيْثُ كَانَ بِالْفِعْلِ ذُكِرَ الْمُتَّقُونَ، وَحَيْثُ كَانَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُ هُدًى فِي ذَاتِهِ، ذُكِرَ الْعَامُّ.
وَأَمَّا الْمَوْضِعَانِ فَكِلَاهُمَا خَبَرٌ لَا فَرْقَ فِي الْخَبَرِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِهِ ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «٣» وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ.
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ الْفُرْقَانَ: جِنْسُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، لِأَنَّهَا كلها فرقان يفرق بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، مِنْ كُتُبِهِ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ، أَوْ أَرَادَ الْكِتَابَ الرَّابِعَ، وَهُوَ الزَّبُورُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى:
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً «٤» أَوِ الْفُرْقَانَ: الْقُرْآنُ، وَكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِمَا هُوَ نَعْتٌ لَهُ وَمَدْحٌ مِنْ كَوْنِهِ فَارِقًا بَيْنَ الحق والباطل، بعد ما ذَكَرَهُ بِاسْمِ الْجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَإِظْهَارًا لِفَضْلِهِ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْأَخِيرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ
قِيلَ: وَخَصَّ الْهُدَى بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ هُدًى، لِأَنَّ الْمُنَاظَرَةَ كَانَتْ مَعَ النَّصَارَى وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ بِالْقُرْآنِ، بَلْ وَصَفَ بِأَنَّهُ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، قَبِلُوهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَأَمَّا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُمَا، فَلِذَلِكَ اخْتُصَّا فِي الذِّكْرِ بِالْهُدَى.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ هُنَا لِلنَّاسِ، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعَاءُ، وَالصَّرْفُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَحَسُنَتِ الصِّفَةُ لِيَقَعَ مِنَ السَّامِعِ النَّشَاطُ وَالْبِدَارُ، وَذَكَرَ الْهُدَى الَّذِي هُوَ إِيجَادُ الْهِدَايَةِ فِي الْقَلْبِ، وَهُنَا إِنَّمَا ذَكَرَ الْهُدَى الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ، أَوِ الْهُدَى الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ مُعَدٌّ أَنْ يَهْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ، فَسُمِّيَ هُدًى بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ فُورَكَ: التَّقْدِيرُ هَنَا: هُدًى لِلنَّاسِ الْمُتَّقِينَ، وَيُرَدُّ هَذَا الْعَامُّ إِلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَ مَدْلُولَيِ الْهُدَى، فَحَيْثُ كَانَ بِالْفِعْلِ ذُكِرَ الْمُتَّقُونَ، وَحَيْثُ كَانَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّهُ هُدًى فِي ذَاتِهِ، ذُكِرَ الْعَامُّ.
وَأَمَّا الْمَوْضِعَانِ فَكِلَاهُمَا خَبَرٌ لَا فَرْقَ فِي الْخَبَرِيَّةِ بَيْنَ قَوْلِهِ ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «٣» وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ.
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ الْفُرْقَانَ: جِنْسُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، لِأَنَّهَا كلها فرقان يفرق بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، مِنْ كُتُبِهِ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ، أَوْ أَرَادَ الْكِتَابَ الرَّابِعَ، وَهُوَ الزَّبُورُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى:
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً «٤» أَوِ الْفُرْقَانَ: الْقُرْآنُ، وَكَرَّرَ ذِكْرَهُ بِمَا هُوَ نَعْتٌ لَهُ وَمَدْحٌ مِنْ كَوْنِهِ فَارِقًا بَيْنَ الحق والباطل، بعد ما ذَكَرَهُ بِاسْمِ الْجِنْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَإِظْهَارًا لِفَضْلِهِ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْأَخِيرَ ابْنُ عَطِيَّةَ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ
(١) سورة فصلت: ٤١/ ٤٤.
(٢) سورة نوح: ٧١/ ٦. [.....]
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٢.
(٤) سورة النساء: ٤/ ١٦٣ والإسراء: ١٧/ ٥٥.
(٢) سورة نوح: ٧١/ ٦. [.....]
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٢.
(٤) سورة النساء: ٤/ ١٦٣ والإسراء: ١٧/ ٥٥.
17
السَّلَامُ الَّذِي جَادَلَ فِيهِ الْوَفْدَ. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُمَا: فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِي أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ، وَفِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: الْفُرْقَانُ: كُلُّ أَمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا قَدُمَ وَحَدَثَ، فَدَخَلَ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ: طُوفَانُ نُوحٍ، وَفَرْقُ الْبَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، وَيَوْمُ بَدْرٍ، وَسَائِرُ أَفْعَالِ اللَّهِ الْمُفَرِّقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقِيلَ: الْفُرْقَانَ: النَّصْرُ. وَقَالَ الرَّازِيُّ: الْمُخْتَارُ أن يكون المراد بالفرقان هُنَا الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي قَرَنَهَا اللَّهُ بِإِنْزَالِ هَذِهِ الْكُتُبِ، لأنهم إذا ادعو أَنَّهَا نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ افْتَقَرُوا إِلَى، تَصْحِيحِ دَعْوَاهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَكَانَتْ هِيَ الْفُرْقَانَ، لِأَنَّهَا تُفَرِّقُ بَيْنَ دَعْوَى الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهَا، أَنْزَلَ مَعَهَا مَا هُوَ الْفُرْقَانُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنْزَلَ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ وَأَهْلُ الْمِلَلِ. وَقِيلَ: الْفُرْقَانَ: هُنَا الْأَحْكَامُ الَّتِي بَيَّنَهَا اللَّهُ لِيُفَرِّقَ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ فِي تفسير الفرقان. والفرقان مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ، وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ، أَيِ: الْفَارِقُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَفْعُولُ أَيِ: الْمَفْرُوقُ. قَالَ تَعَالَى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ «١».
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لَمَّا قَرَّرَ تَعَالَى أَمْرَ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَمْرَ النُّبُوَّةِ بِذِكْرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، تَوَعَّدَ مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَغَيْرِهَا، بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، كَالْقَتْلِ، وَالْأَسْرِ. وَالْغَلَبَةِ، وَعَذَابِ الْآخِرَةِ: كَالنَّارِ.
والَّذِينَ كَفَرُوا عَامٌّ دَاخِلٌ فِيهِ مَنْ نَزَلَتِ الْآيَاتُ بِسَبَبِهِمْ، وَهُمْ نَصَارَى وَفْدِ نَجْرَانَ. وَقَالَ النَّقَّاشُ: إِشَارَةٌ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وكعب بْنِ أَسَدٍ، وَبَنِي أَخْطَبَ وَغَيْرِهِمْ.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أَيْ: مُمْتَنِعٌ أَوْ غَالِبٌ لَا يُغْلَبُ، أَوْ مُنْتَصِرٌ ذُو عُقُوبَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَصْفَ: بِذُو، أَبْلَغُ مِنَ الْوَصْفِ بِصَاحِبٍ، ولذلك لم يجىء فِي صِفَاتِ اللَّهِ صَاحِبٌ، وَأَشَارَ بِالْعِزَّةِ إِلَى الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَأَشَارَ بِذِي انْتِقَامٍ، إِلَى كَوْنِهِ فَاعِلًا لِلْعِقَابِ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُو انْتِقامٍ لَهُ انْتِقَامٌ شَدِيدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ. انْتَهَى.
وَلَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ لَفْظُ: ذُو انْتِقَامٍ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَارِجِ اللفظ.
فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ فِي تفسير الفرقان. والفرقان مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ، وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْفَاعِلِ، أَيِ: الْفَارِقُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَفْعُولُ أَيِ: الْمَفْرُوقُ. قَالَ تَعَالَى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ «١».
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ لَمَّا قَرَّرَ تَعَالَى أَمْرَ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَمْرَ النُّبُوَّةِ بِذِكْرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، تَوَعَّدَ مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَغَيْرِهَا، بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، كَالْقَتْلِ، وَالْأَسْرِ. وَالْغَلَبَةِ، وَعَذَابِ الْآخِرَةِ: كَالنَّارِ.
والَّذِينَ كَفَرُوا عَامٌّ دَاخِلٌ فِيهِ مَنْ نَزَلَتِ الْآيَاتُ بِسَبَبِهِمْ، وَهُمْ نَصَارَى وَفْدِ نَجْرَانَ. وَقَالَ النَّقَّاشُ: إِشَارَةٌ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وكعب بْنِ أَسَدٍ، وَبَنِي أَخْطَبَ وَغَيْرِهِمْ.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أَيْ: مُمْتَنِعٌ أَوْ غَالِبٌ لَا يُغْلَبُ، أَوْ مُنْتَصِرٌ ذُو عُقُوبَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَصْفَ: بِذُو، أَبْلَغُ مِنَ الْوَصْفِ بِصَاحِبٍ، ولذلك لم يجىء فِي صِفَاتِ اللَّهِ صَاحِبٌ، وَأَشَارَ بِالْعِزَّةِ إِلَى الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَأَشَارَ بِذِي انْتِقَامٍ، إِلَى كَوْنِهِ فَاعِلًا لِلْعِقَابِ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذُو انْتِقامٍ لَهُ انْتِقَامٌ شَدِيدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ مُنْتَقِمٌ. انْتَهَى.
وَلَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ لَفْظُ: ذُو انْتِقَامٍ، إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَارِجِ اللفظ.
(١) سورة الإسراء: ١٧/ ١٠٦.
18
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ شَيْءٌ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فتعم، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى كَمَالِ الْعِلْمِ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، وَعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، إِذْ هُمَا أَعْظَمُ مَا نُشَاهِدُهُ، وَالتَّصْوِيرُ عَلَى مَا شَاءَ مِنَ الْهَيْئَاتِ دَالٌ عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَبِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ يَتِمُّ مَعْنَى الْقَيُّومِيَّةِ، إِذْ هُوَ الْقَائِمُ بِمَصَالِحِ الْخَلْقِ وَمُهِمَّاتِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى، إِذْ شُبْهَتُهُمْ فِي ادِّعَاءِ إِلَهِيَّةِ عِيسَى كَوْنُهُ: يُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْعِلْمِ، وَكَوْنُهُ: يُحْيِي الْمَوْتَى، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْقُدْرَةِ. فَنَبَّهَتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْعَالِمُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عِيسَى عَالِمًا بِبَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَنَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ ذُو الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عِيسَى قَادِرًا عَلَى الْإِحْيَاءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَرْكِيبِ الصُّوَرِ وَإِحْيَائِهَا، بَلْ إِنْبَاؤُهُ بِبَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ، وَخَلْقُهُ وَإِحْيَاؤُهُ بَعْضَ الصُّوَرِ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِإِنْبَاءِ اللَّهِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْوَحْيِ، وَإِقْدَارِهِ تَعَالَى لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكُلُّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي أَجْرَاهَا، وَأَمْثَالَهَا، عَلَى أَيْدِي رُسُلِهِ.
وَفِي ذِكْرِ التَّصْوِيرِ فِي الرَّحِمِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِيسَى إِلَهٌ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ صُوِّرَ فِي الرَّحِمِ.
وَقِيلَ: فِي قَوْلِهِ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ تَحْذِيرٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَوَعِيدٌ بِالْمُجَازَاةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُونَهُ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
مُطَّلِعٌ عَلَى كُفْرِ مَنْ كَفَرَ، وَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ من الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ عَنِ الْخَلْقِ، فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَةٌ عِنْدَكُمْ؟ وَكُلُّ هَذِهِ تَخْصِيصَاتٌ. وَاللَّفْظُ عَامٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَبْلَغُ مِنْ: يَعْلَمُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ يُفِيدَانِ مَعْنًى وَاحِدًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالرَّبِيعُ، فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الطَّبِيعَةِ، إِذْ يَجْعَلُونَهَا فَاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً كيف تشاء. قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: فِيهِ إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ
وَفِي ذِكْرِ التَّصْوِيرِ فِي الرَّحِمِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِيسَى إِلَهٌ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ صُوِّرَ فِي الرَّحِمِ.
وَقِيلَ: فِي قَوْلِهِ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ تَحْذِيرٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَوَعِيدٌ بِالْمُجَازَاةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُونَهُ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
مُطَّلِعٌ عَلَى كُفْرِ مَنْ كَفَرَ، وَإِيمَانِ مَنْ آمَنَ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ من الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ عَنِ الْخَلْقِ، فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمُ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَةٌ عِنْدَكُمْ؟ وَكُلُّ هَذِهِ تَخْصِيصَاتٌ. وَاللَّفْظُ عَامٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَبْلَغُ مِنْ: يَعْلَمُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَيْنِ فِيهِ يُفِيدَانِ مَعْنًى وَاحِدًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالرَّبِيعُ، فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الطَّبِيعَةِ، إِذْ يَجْعَلُونَهَا فَاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً كيف تشاء. قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: فِيهِ إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ
19
يَجْعَلُ قَوْلَ الْقَائِفِ حُجَّةً فِي دَعْوَى النَّسَبِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ عِلْمَ التَّصْوِيرِ فِي الْأَرْحَامِ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ القائف صَوَّرَهُ مِنْ مَائِهِ عِنْدَ قِيَامِ التَّشَابُهِ فِي الصُّوَرِ؟ انْتَهَى.
وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمَلُ مُسْتَقِلَّةً، فَتَكُونُ الْأُولَى: إِخْبَارًا عَنْهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ التَّامِّ، وَالثَّانِيَةُ: إِخْبَارًا بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَبِالْإِرَادَةِ وَالثَّالِثَةُ: بِالِانْفِرَادِ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ: إِنَّ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ، هُنَا: يُصَوِّرُكُمْ، بِلَفْظِ الْحَالِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَصَوَّرَكُمْ، لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْأَزْمِنَةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَتِ الْأَلْفَاظُ فِيهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَزْمِنَةِ بِحَسَبِ اللُّغَاتِ، وَأَيْضًا: فَصَوَّرَكُمْ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى نِسْبَةِ التَّقْدِيرِ، وَإِنَّ فِعْلَهُ تَعَالَى فِي حكم ما قد فرغ مِنْهُ. وَيُصَوِّرُكُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا حَالًا فحالا. انتهى.
وقرأ طاووس: تَصَوَّرَكُمْ، أَيْ صَوَّرَكُمْ لِنَفْسِهِ وَلِتَعَبُّدِهِ. كَقَوْلِكَ: أَثَلْتُ مَالًا، أَيْ:
جَعَلْتُهُ أَثْلَةً. أَيْ: أَصْلًا. وَتَأَثَّلْتُهُ إِذَا أَثَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ. وَتَأْتِي: تَفَعَّلَ، بِمَعْنَى: فَعَّلَ، نَحْوُ:
تَوَلَّى، بِمَعْنَى: وَلَّى.
وَمَعْنَى كَيْفَ يَشاءُ أَيْ: مِنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَاللَّوْنِ، وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافَاتِ. وَفِي قَوْلِهِ: كَيْفَ يَشاءُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِسَبَبٍ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ فَقَطْ.
وَ: كَيْفَ، هُنَا لِلْجَزَاءِ، لَكِنَّهَا لَا تَجْزِمُ. وَمَفْعُولُ: يَشَاءُ، مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، التَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَشَاءُ أَنْ يُصَوِّرَكُمْ. كَقَوْلِهِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ «١» أَيْ: كَيْفَ يَشَاءُ أَنْ يُنْفِقَ، وَ: كَيْفَ، منصوب: بيشاء، وَالْمَعْنَى: عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ أَنْ يُصَوِّرَكُمْ صَوَّرَكُمْ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، وَحَذْفُ فِعْلِ الْجَزَاءِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ فَأَنْتَ ظَالِمٌ، وَلَا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِمَا قَبْلَهَا فِي الْمَعْنَى، فَتَعَلُّقُهَا كَتَعَلُّقِ إِنْ فَعَلْتَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ ظَالِمٌ.
وَتَفْكِيكُ هَذَا الْكَلَامِ وَإِعْرَابُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَا يُهْتَدَى لَهُ إِلَّا بَعْدَ تَمَرُّنٍ فِي الْإِعْرَابِ، وَاسْتِحْضَارٍ لِلَطَائِفِ النَّحْوِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَيْفَ يَشاءُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، مَعْمُولُ: يُصَوِّرُكُمْ وَمَعْنَى الْحَالِ
وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمَلُ مُسْتَقِلَّةً، فَتَكُونُ الْأُولَى: إِخْبَارًا عَنْهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ التَّامِّ، وَالثَّانِيَةُ: إِخْبَارًا بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَبِالْإِرَادَةِ وَالثَّالِثَةُ: بِالِانْفِرَادِ بِالْإِلَهِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ: إِنَّ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ، هُنَا: يُصَوِّرُكُمْ، بِلَفْظِ الْحَالِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَصَوَّرَكُمْ، لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْأَزْمِنَةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَتِ الْأَلْفَاظُ فِيهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْأَزْمِنَةِ بِحَسَبِ اللُّغَاتِ، وَأَيْضًا: فَصَوَّرَكُمْ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى نِسْبَةِ التَّقْدِيرِ، وَإِنَّ فِعْلَهُ تَعَالَى فِي حكم ما قد فرغ مِنْهُ. وَيُصَوِّرُكُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا حَالًا فحالا. انتهى.
وقرأ طاووس: تَصَوَّرَكُمْ، أَيْ صَوَّرَكُمْ لِنَفْسِهِ وَلِتَعَبُّدِهِ. كَقَوْلِكَ: أَثَلْتُ مَالًا، أَيْ:
جَعَلْتُهُ أَثْلَةً. أَيْ: أَصْلًا. وَتَأَثَّلْتُهُ إِذَا أَثَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ. وَتَأْتِي: تَفَعَّلَ، بِمَعْنَى: فَعَّلَ، نَحْوُ:
تَوَلَّى، بِمَعْنَى: وَلَّى.
وَمَعْنَى كَيْفَ يَشاءُ أَيْ: مِنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَاللَّوْنِ، وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافَاتِ. وَفِي قَوْلِهِ: كَيْفَ يَشاءُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِسَبَبٍ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ فَقَطْ.
وَ: كَيْفَ، هُنَا لِلْجَزَاءِ، لَكِنَّهَا لَا تَجْزِمُ. وَمَفْعُولُ: يَشَاءُ، مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، التَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَشَاءُ أَنْ يُصَوِّرَكُمْ. كَقَوْلِهِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ «١» أَيْ: كَيْفَ يَشَاءُ أَنْ يُنْفِقَ، وَ: كَيْفَ، منصوب: بيشاء، وَالْمَعْنَى: عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ أَنْ يُصَوِّرَكُمْ صَوَّرَكُمْ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، وَحَذْفُ فِعْلِ الْجَزَاءِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ فَعَلْتَ فَأَنْتَ ظَالِمٌ، وَلَا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِمَا قَبْلَهَا فِي الْمَعْنَى، فَتَعَلُّقُهَا كَتَعَلُّقِ إِنْ فَعَلْتَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ ظَالِمٌ.
وَتَفْكِيكُ هَذَا الْكَلَامِ وَإِعْرَابُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَا يُهْتَدَى لَهُ إِلَّا بَعْدَ تَمَرُّنٍ فِي الْإِعْرَابِ، وَاسْتِحْضَارٍ لِلَطَائِفِ النَّحْوِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَيْفَ يَشاءُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، مَعْمُولُ: يُصَوِّرُكُمْ وَمَعْنَى الْحَالِ
(١) سورة المائدة: ٥/ ٦٤.
20
أَيْ: يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ قَادِرًا عَلَى تَصْوِيرِكُمْ مَالِكًا ذَلِكَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ:
يُصَوِّرُكُمْ عَلَى مَشِيئَتِهِ، أَيْ مُرِيدًا، فَيَكُونُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ، أَيْ: يُصَوِّرُكُمْ مُنْقَلِبِينَ عَلَى مَشِيئَتِهِ.
وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، الْمَعْنَى: يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ تَصْوِيرَ الْمَشِيئَةِ، وَكَمَا يَشَاءُ.
لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كَرَّرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الدَّالَّةَ عَلَى نَفْيِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَانْحِصَارِهَا فِيهِ، تَوْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَرَدًّا عَلَى مَنِ ادَّعَى إِلَهِيَّةَ عِيسَى، وَنَاسَبَ مَجِيئَهَا بَعْدَ الْوَصْفَيْنِ السَّابِقَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، إِذْ مَنْ هَذَانِ الْوَصْفَانِ لَهُ، هُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْإِلَهِيَّةِ لَا غَيْرُهُ، ثُمَّ أَتَى بِوَصْفِ الْعِزَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ النَّظِيرِ، وَالْحِكْمَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَصْوِيرِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِتْقَانِ التَّامِّ.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ مُنَاسَبَةُ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ: لَمَّا ذَكَرَ تَعْدِيلَ الْبِنْيَةِ وَتَصْوِيرَهَا عَلَى مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَشْكَالِ الْحَسَنَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ جُسْمَانِيٌّ، اسْتَطْرَدَ إِلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ أَمْرٌ رُوحَانِيٌّ. وَكَانَ قَدْ جَرَى لِوَفْدِ نَجْرَانَ أَنَّ مِنْ شُبَهِهِمْ قَوْلَهُ وَرُوحٌ مِنْهُ «١» فَبَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْهُ مُحْكَمُ الْعِبَارَةِ قَدْ صِينَتْ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَمِنْهُ مُتَشَابِهٌ، وَهُوَ مَا احْتَمَلَ وُجُوهًا.
وَنَذْكُرُ أَقَاوِيلَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ.
وَقَدْ جَاءَ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِأَنَّ آيَاتِهِ مُحْكَمَةٌ، بِمَعْنَى كَوْنِهِ كَامِلًا، وَلَفْظُهُ أَفْصَحُ، وَمَعْنَاهُ أَصَحُّ، لَا يُسَاوِيهِ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ كَلَامٌ، وَجَاءَ وَصْفُهُ بِالتَّشَابُهِ بِقَوْلِهِ: كِتاباً مُتَشابِهاً «٢» مَعْنَاهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْجِنْسِ وَالتَّصْدِيقِ. وَأَمَّا هُنَا فَالتَّشَابُهُ مَا احْتَمَلَ وَعَجَزَ الذِّهْنُ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، نَحْوُ: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا «٣» وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً «٤» أَيْ: مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ مُتَّفِقَ الْمَنْظَرِ، وَمِنْهُ: اشْتَبَهَ الْأَمْرَانِ، إِذَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَيُقَالُ لِأَصْحَابِ الْمَخَارِيقِ: أَصْحَابُ الشُّبَهِ، وَتَقُولُ: الْكَلِمَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِمَعْنًى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ نَصٌّ، أَوْ يَحْتَمِلُ رَاجِحًا أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاجِحِ ظَاهِرٌ، وإلى المرجوح
يُصَوِّرُكُمْ عَلَى مَشِيئَتِهِ، أَيْ مُرِيدًا، فَيَكُونُ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ، أَيْ: يُصَوِّرُكُمْ مُنْقَلِبِينَ عَلَى مَشِيئَتِهِ.
وَقَالَ الْحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، الْمَعْنَى: يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ تَصْوِيرَ الْمَشِيئَةِ، وَكَمَا يَشَاءُ.
لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كَرَّرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الدَّالَّةَ عَلَى نَفْيِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَانْحِصَارِهَا فِيهِ، تَوْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَرَدًّا عَلَى مَنِ ادَّعَى إِلَهِيَّةَ عِيسَى، وَنَاسَبَ مَجِيئَهَا بَعْدَ الْوَصْفَيْنِ السَّابِقَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، إِذْ مَنْ هَذَانِ الْوَصْفَانِ لَهُ، هُوَ الْمُتَّصِفُ بِالْإِلَهِيَّةِ لَا غَيْرُهُ، ثُمَّ أَتَى بِوَصْفِ الْعِزَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ النَّظِيرِ، وَالْحِكْمَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَصْوِيرِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِتْقَانِ التَّامِّ.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ مُنَاسَبَةُ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ: لَمَّا ذَكَرَ تَعْدِيلَ الْبِنْيَةِ وَتَصْوِيرَهَا عَلَى مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَشْكَالِ الْحَسَنَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ جُسْمَانِيٌّ، اسْتَطْرَدَ إِلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ أَمْرٌ رُوحَانِيٌّ. وَكَانَ قَدْ جَرَى لِوَفْدِ نَجْرَانَ أَنَّ مِنْ شُبَهِهِمْ قَوْلَهُ وَرُوحٌ مِنْهُ «١» فَبَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْهُ مُحْكَمُ الْعِبَارَةِ قَدْ صِينَتْ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَمِنْهُ مُتَشَابِهٌ، وَهُوَ مَا احْتَمَلَ وُجُوهًا.
وَنَذْكُرُ أَقَاوِيلَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ.
وَقَدْ جَاءَ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِأَنَّ آيَاتِهِ مُحْكَمَةٌ، بِمَعْنَى كَوْنِهِ كَامِلًا، وَلَفْظُهُ أَفْصَحُ، وَمَعْنَاهُ أَصَحُّ، لَا يُسَاوِيهِ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ كَلَامٌ، وَجَاءَ وَصْفُهُ بِالتَّشَابُهِ بِقَوْلِهِ: كِتاباً مُتَشابِهاً «٢» مَعْنَاهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْجِنْسِ وَالتَّصْدِيقِ. وَأَمَّا هُنَا فَالتَّشَابُهُ مَا احْتَمَلَ وَعَجَزَ الذِّهْنُ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، نَحْوُ: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا «٣» وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً «٤» أَيْ: مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ مُتَّفِقَ الْمَنْظَرِ، وَمِنْهُ: اشْتَبَهَ الْأَمْرَانِ، إِذَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا. وَيُقَالُ لِأَصْحَابِ الْمَخَارِيقِ: أَصْحَابُ الشُّبَهِ، وَتَقُولُ: الْكَلِمَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِمَعْنًى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ نَصٌّ، أَوْ يَحْتَمِلُ رَاجِحًا أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاجِحِ ظَاهِرٌ، وإلى المرجوح
(١) سورة النساء: ٤/ ١٧١ والمجادلة: ٥٨/ ٢٢.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٢٣.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٧٠.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢٥.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٢٣.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٧٠.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢٥.
21
مُؤَوَّلٌ، أَوْ يَحْتَمِلُ مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ، فَمُشْتَرَكٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَمُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ هُوَ الْمُحْكَمُ، وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤَوَّلِ هُوَ الْمُتَشَابِهُ، لِأَنَّ عَدَمَ الْفَهْمِ حَاصِلٌ فِي الْقِسْمَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ، وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: الْمُحْكَمُ: مَا بَيَّنَ تعالى حلاله وحرمه فَلَمْ تَشْتَبِهْ مَعَانِيهِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اشْتَبَهَتْ مَعَانِيهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بن جعفر بن الزبير، وَالشَّافِعِيُّ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُحْكَمُ: مَا لَمْ تَتَكَرَّرْ أَلْفَاظُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا تَكَرَّرَتْ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ دئاب، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا: الْمُحْكَمُ مَا فَهِمَ الْعُلَمَاءُ تَفْسِيرَهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ: كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ عِيسَى.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْمُحْكَمُ، الْفَاتِحَةُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفضل: سورة الإخلاص، لأن لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْمُحْكَمَاتُ مَا لَيْسَ لَهَا تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْمُحْكَمَاتُ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ، لِأَنَّهَا تُبَسِّطُ مَعَانِيهَا، فَكَانَتْ أُمَّ فُرُوعٍ قِيسَتْ عَلَيْهَا وَتَوَلَّدَتْ مِنْهَا، كَالْأُمِّ يَحْدُثُ مِنْهَا الْوَلَدُ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا: أُمَّ الْكِتَابِ، وَالْمُتَشَابِهُ: الْقِصَصُ وَالْأَمْثَالُ.
وَقَالَ يَحيْيَ بْنُ يَعْمَرَ: الْمُحْكَمُ الْفَرَائِضُ، وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْمُتَشَابِهُ: الْقِصَصُ وَالْأَمْثَالُ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِدْلَالٍ. وَالْمُتَشَابِهُ مَا كَانَ مَعَانِي أَحْكَامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ، وَاخْتِصَاصِ الصَّوْمِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ شَعْبَانَ.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا تَقَرَّرَ مِنَ الْقِصَصِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى «١» فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «٢» وقُلْنَا احْمِلْ «٣» وفَاسْلُكْ «٤».
وَقَالَ أَبُو فَاخِتَةَ: الْمُحْكَمَاتُ فَوَاتِحُ السُّوَرِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهَا السور: كألم والمر.
وَقِيلَ: الْمُتَشَابِهُ فَوَاتِحُ السُّوَرِ، بِعَكْسِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمَاتُ: الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، والمتشابهات: آلم والمر، وَمَا اشْتَبَهَ عَلَى الْيَهُودِ من هذه
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالضَّحَّاكُ: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ، وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ: الْمُحْكَمُ: مَا بَيَّنَ تعالى حلاله وحرمه فَلَمْ تَشْتَبِهْ مَعَانِيهِ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا اشْتَبَهَتْ مَعَانِيهِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بن جعفر بن الزبير، وَالشَّافِعِيُّ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُحْكَمُ: مَا لَمْ تَتَكَرَّرْ أَلْفَاظُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ: مَا تَكَرَّرَتْ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ دئاب، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا: الْمُحْكَمُ مَا فَهِمَ الْعُلَمَاءُ تَفْسِيرَهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ: كَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ عِيسَى.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْمُحْكَمُ، الْفَاتِحَةُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفضل: سورة الإخلاص، لأن لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فَقَطْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْمُحْكَمَاتُ مَا لَيْسَ لَهَا تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْمُحْكَمَاتُ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ، لِأَنَّهَا تُبَسِّطُ مَعَانِيهَا، فَكَانَتْ أُمَّ فُرُوعٍ قِيسَتْ عَلَيْهَا وَتَوَلَّدَتْ مِنْهَا، كَالْأُمِّ يَحْدُثُ مِنْهَا الْوَلَدُ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا: أُمَّ الْكِتَابِ، وَالْمُتَشَابِهُ: الْقِصَصُ وَالْأَمْثَالُ.
وَقَالَ يَحيْيَ بْنُ يَعْمَرَ: الْمُحْكَمُ الْفَرَائِضُ، وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْمُتَشَابِهُ: الْقِصَصُ وَالْأَمْثَالُ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا قَامَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى اسْتِدْلَالٍ. وَالْمُتَشَابِهُ مَا كَانَ مَعَانِي أَحْكَامِهِ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ، كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ، وَاخْتِصَاصِ الصَّوْمِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ شَعْبَانَ.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا تَقَرَّرَ مِنَ الْقِصَصِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، كَقَوْلِهِ: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى «١» فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ «٢» وقُلْنَا احْمِلْ «٣» وفَاسْلُكْ «٤».
وَقَالَ أَبُو فَاخِتَةَ: الْمُحْكَمَاتُ فَوَاتِحُ السُّوَرِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهَا السور: كألم والمر.
وَقِيلَ: الْمُتَشَابِهُ فَوَاتِحُ السُّوَرِ، بِعَكْسِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الْمُحْكَمَاتُ: الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، والمتشابهات: آلم والمر، وَمَا اشْتَبَهَ عَلَى الْيَهُودِ من هذه
(١) سورة طه: ٢٠/ ٢٠.
(٢) سورة الأعراف: ٧/ ١٠٧ والشعراء: ٢٦/ ٣٢.
(٣) سورة هود: ١١/ ٤٠.
(٤) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٢٧.
(٢) سورة الأعراف: ٧/ ١٠٧ والشعراء: ٢٦/ ٣٢.
(٣) سورة هود: ١١/ ٤٠.
(٤) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٢٧.
22
وَنَحْوِهَا، حِينَ سَمِعُوا: الم، فَقَالُوا: هَذِهِ بِالْجَمْلِ: أَحَدٌ وَسَبْعُونَ، فَهُوَ غَايَةُ أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَمَّا سَمِعُوا: الر، وَغَيْرَهَا، اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ. أَوْ: مَا اشْتَبَهَ مِنَ النَّصَارَى مِنْ قَوْلِهِ:
وَرُوحٌ مِنْهُ «١».
وَقِيلَ: الْمُتَشَابِهَاتُ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، كَصِفَةِ الْوَجْهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْيَدِ، وَالِاسْتِوَاءِ.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ «٢» الْآيَاتِ وقَضى رَبُّكَ «٣» الْآيَاتِ وَمَا سِوَى الْمُحْكَمِ مُتَشَابِهٌ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: الْمُحْكَمَاتُ الَّتِي أُحْكِمَتْ بِالْإِبَانَةِ، فَإِذَا سَمِعَهَا السَّامِعُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهَا، لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: مَا خَالَفَتْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ:
الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ. وَقَالَ ابْنُ خويز منداذ: الْمُتَشَابِهُ مَا لَهُ وُجُوهٌ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، كَالْآيَتَيْنِ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولَانِ: تَعْتَدُّ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَعُمَرُ، وَزَيْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: وَضْعُ الْحَمْلِ. وَخِلَافُهُمْ فِي النَّسْخِ، وَكَالِاخْتِلَافِ فِي الوصية للوراث هَلْ نُسِخَتْ أَمْ لَا. وَنَحْوُ تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ: أَيُّهُمَا أَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ إِذَا لَمْ يُعْرَفِ النَّسْخُ؟ نَحْوُ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ «٤» يَقْتَضِي الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ «٥» يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؟
وَمَعْنَى: أُمُّ الْكِتَابِ، مُعْظَمُ الْكِتَابِ، إِذِ الْمُحْكَمُ فِي آيَاتِ اللَّهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ: هَذَا كَمَا يُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى، وَلِمَرْوَ: أُمُّ خُرَاسَانَ، و: أم الرأس:
لمجتمع الشؤون، إِذْ هُوَ أَخْطَرُ مَكَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جِمَاعُ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَقُلْ: أُمَّهَاتٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُحْكَمَاتِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَمَجْمُوعُ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَآخَرَ، وَأَحَدُهُمَا أُمٌّ لِلْآخَرِ، وَنَظِيرُهُ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً «٦» وَلَمْ يَقُلِ: اثْنَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: هُنَّ، أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، نَحْوُ: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً «٧» أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ منهم. قيل: ويحتمل أن
وَرُوحٌ مِنْهُ «١».
وَقِيلَ: الْمُتَشَابِهَاتُ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، كَصِفَةِ الْوَجْهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالْيَدِ، وَالِاسْتِوَاءِ.
وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ، نَحْوُ قَوْلِهِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ «٢» الْآيَاتِ وقَضى رَبُّكَ «٣» الْآيَاتِ وَمَا سِوَى الْمُحْكَمِ مُتَشَابِهٌ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: الْمُحْكَمَاتُ الَّتِي أُحْكِمَتْ بِالْإِبَانَةِ، فَإِذَا سَمِعَهَا السَّامِعُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهَا، لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: مَا خَالَفَتْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ:
الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ. وَقَالَ ابْنُ خويز منداذ: الْمُتَشَابِهُ مَا لَهُ وُجُوهٌ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، كَالْآيَتَيْنِ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولَانِ: تَعْتَدُّ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَعُمَرُ، وَزَيْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ: وَضْعُ الْحَمْلِ. وَخِلَافُهُمْ فِي النَّسْخِ، وَكَالِاخْتِلَافِ فِي الوصية للوراث هَلْ نُسِخَتْ أَمْ لَا. وَنَحْوُ تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ: أَيُّهُمَا أَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ إِذَا لَمْ يُعْرَفِ النَّسْخُ؟ نَحْوُ: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ «٤» يَقْتَضِي الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَقَارِبِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ «٥» يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؟
وَمَعْنَى: أُمُّ الْكِتَابِ، مُعْظَمُ الْكِتَابِ، إِذِ الْمُحْكَمُ فِي آيَاتِ اللَّهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ: هَذَا كَمَا يُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى، وَلِمَرْوَ: أُمُّ خُرَاسَانَ، و: أم الرأس:
لمجتمع الشؤون، إِذْ هُوَ أَخْطَرُ مَكَانٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: جِمَاعُ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَقُلْ: أُمَّهَاتٌ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُحْكَمَاتِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَمَجْمُوعُ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَآخَرَ، وَأَحَدُهُمَا أُمٌّ لِلْآخَرِ، وَنَظِيرُهُ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً «٦» وَلَمْ يَقُلِ: اثْنَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: هُنَّ، أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، نَحْوُ: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً «٧» أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ منهم. قيل: ويحتمل أن
(١) سورة النساء: ٤/ ١٧١، وسورة المجادلة: ٥٨/ ٢٢.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ١٥١. [.....]
(٣) سورة الإسراء: ١٧/ ٢٣.
(٤) سورة النساء: ٣/ ٢٤.
(٥) سورة النساء: ٣/ ٢٣.
(٦) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٥٠.
(٧) سورة النور: ٢٤/ ٤.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ١٥١. [.....]
(٣) سورة الإسراء: ١٧/ ٢٣.
(٤) سورة النساء: ٣/ ٢٤.
(٥) سورة النساء: ٣/ ٢٣.
(٦) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٥٠.
(٧) سورة النور: ٢٤/ ٤.
23
أفراد فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ. نَحْوُ: وَعَلى سَمْعِهِمْ «١» وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمُّ الْكِتَابِ أَيْ أَصْلُ الْكِتَابِ، تُحْمَلُ الْمُتَشَابِهَاتُ عَلَيْهَا، وَتُرَدُّ إِلَيْهَا. وَمِثَالُ ذَلِكَ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «٢» إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٣» لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ «٤» أَمَرْنا مُتْرَفِيها
«٥» انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ فِي أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، فَجَعَلَ الْمُحْكَمَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ. وَالْمُتَشَابِهَ قَوْلَهُ:
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٦».
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْكِسُونَ هَذَا، أَوْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِدْرَاكِ وَالرُّؤْيَةِ. وَذُكِرَ مِنَ الْمُحْكَمِ: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا «٧» لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى «٨» وَمُتَشَابِهِهِ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ «٩» ظَاهِرُ النِّسْيَانِ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَمَرْجُوحُهُ التَّرْكُ. وَأَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ مُخْتَلِفُونَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، فَمَا وَافَقَ الْمَذْهَبَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُحْكَمٌ، وَمَا خَالَفَ فَهُوَ مُتَشَابِهٌ. فَقَوْلُهُ: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «١٠» عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مُحْكَمٌ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١١» مُتَشَابِهٌ. وَغَيْرُهُمْ بِالْعَكْسِ.
وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإِنْ كَانَ لَفْظِيًّا فَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِحُصُولِ التَّعَارُضِ، وَلَيْسَ الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلَا قَطْعَ فِي الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَوْ أُرْجِحَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ ظَنِّيَّةٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ. فَإِذَنِ الْمَصِيرُ إِلَى الْمَرْجُوحِ لَا يَكُونُ بِوَاسِطَةِ الدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَإِذَا عُلِمَ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الْمُرَادِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَرْجِيحَ مَجَازٍ عَلَى مَجَازٍ، وَتَأْوِيلٍ عَلَى تَأْوِيلٍ.
وَمِنَ الْمَلَاحِدَةِ مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمُتَشَابِهِ، وَقَالَ: يَقُولُونَ، إِنَّ تَكَالِيفَ الْخَلْقِ مُرْتَبِطَةٌ بِهَذَا الْقُرْآنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ إِنَّا نَرَاهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ صَاحِبُ كُلِّ مَذْهَبٍ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَالْجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِآيَاتِ الْجَبْرِ: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً «١٢» وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً «١٣». وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ: هَذَا مَذْهَبُ الْكُفَّارِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: وَقالُوا قُلُوبُنا
«٥» انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ فِي أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، فَجَعَلَ الْمُحْكَمَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ. وَالْمُتَشَابِهَ قَوْلَهُ:
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٦».
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْكِسُونَ هَذَا، أَوْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِدْرَاكِ وَالرُّؤْيَةِ. وَذُكِرَ مِنَ الْمُحْكَمِ: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا «٧» لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى «٨» وَمُتَشَابِهِهِ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ «٩» ظَاهِرُ النِّسْيَانِ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَمَرْجُوحُهُ التَّرْكُ. وَأَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ مُخْتَلِفُونَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، فَمَا وَافَقَ الْمَذْهَبَ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُحْكَمٌ، وَمَا خَالَفَ فَهُوَ مُتَشَابِهٌ. فَقَوْلُهُ: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «١٠» عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مُحْكَمٌ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١١» مُتَشَابِهٌ. وَغَيْرُهُمْ بِالْعَكْسِ.
وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَإِنْ كَانَ لَفْظِيًّا فَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِحُصُولِ التَّعَارُضِ، وَلَيْسَ الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَلَا قَطْعَ فِي الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ نَصًّا أَوْ أُرْجِحَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ ظَنِّيَّةٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ. فَإِذَنِ الْمَصِيرُ إِلَى الْمَرْجُوحِ لَا يَكُونُ بِوَاسِطَةِ الدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَإِذَا عُلِمَ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الْمُرَادِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَرْجِيحَ مَجَازٍ عَلَى مَجَازٍ، وَتَأْوِيلٍ عَلَى تَأْوِيلٍ.
وَمِنَ الْمَلَاحِدَةِ مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمُتَشَابِهِ، وَقَالَ: يَقُولُونَ، إِنَّ تَكَالِيفَ الْخَلْقِ مُرْتَبِطَةٌ بِهَذَا الْقُرْآنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ إِنَّا نَرَاهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ صَاحِبُ كُلِّ مَذْهَبٍ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَالْجَبْرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِآيَاتِ الْجَبْرِ: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً «١٢» وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً «١٣». وَالْقَدَرِيُّ يَقُولُ: هَذَا مَذْهَبُ الْكُفَّارِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ: وَقالُوا قُلُوبُنا
(١) سورة البقرة: ٢/ ٧.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ١٠٣.
(٦- ٣) سورة القيامة: ٧٥/ ٢٣.
(٤) سورة الإعراف: ٧/ ٢٨.
(٥) سورة الإسراء: ١٧/ ١٦.
(٧) سورة مريم: ١٩/ ٦٤.
(٨) سورة طه: ٢٠/ ٥٢.
(٩) سورة التوبة: ٩/ ٦٧.
(١٠) سورة الكهف: ١٨/ ٢٩. [.....]
(١١) سورة الإنسان: ٧٦/ ٣٠ والتكوير: ٨١/ ٢٩.
(١٣- ١٢) سورة الأنعام: ٦/ ٢٥. والإسراء: ١٧/ ٤٦ والكهف: ١٨/ ٥٧.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ١٠٣.
(٦- ٣) سورة القيامة: ٧٥/ ٢٣.
(٤) سورة الإعراف: ٧/ ٢٨.
(٥) سورة الإسراء: ١٧/ ١٦.
(٧) سورة مريم: ١٩/ ٦٤.
(٨) سورة طه: ٢٠/ ٥٢.
(٩) سورة التوبة: ٩/ ٦٧.
(١٠) سورة الكهف: ١٨/ ٢٩. [.....]
(١١) سورة الإنسان: ٧٦/ ٣٠ والتكوير: ٨١/ ٢٩.
(١٣- ١٢) سورة الأنعام: ٦/ ٢٥. والإسراء: ١٧/ ٤٦ والكهف: ١٨/ ٥٧.
24
فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ «١» وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ «٢».
وَمُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٣» وَالْآخَرُونَ، بِقَوْلِهِ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «٤». وَمُثْبِتُو الْجِهَةِ بِقَوْلِهِ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ «٥» وَبِقَوْلِهِ: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «٦» وَالْآخَرُونَ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٧» فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْمُحْكَمِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَرْجُوحِ إِلَيْهِ هَكَذَا؟ انْتَهَى كَلَامُ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ. وَبَعْضُهُ مُلَخَّصٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ لِمَجِيءِ الْمُتَشَابِهِ فَوَائِدَ، وَأَحْسَنُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ:
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا؟
قُلْتُ: لَوْ كَانَ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَتَعَلَّقَ النَّاسُ بِهِ لِسُهُولَةِ مَأْخَذِهِ، وَلَأَعْرَضُوا عَمَّا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى الْفَحْصِ وَالتَّأَمُّلِ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَعَطَّلُوا الطَّرِيقَ الَّذِي لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ إِلَّا بِهِ، وَلِمَا فِي الْمُتَشَابِهِ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الثَّابِتِ عَلَى الْحَقِّ وَالْمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وَلِمَا فِي تَقَادُحِ الْعُلَمَاءِ وَإِتْقَانِهِمُ الْقَرَائِحَ فِي اسْتِخْرَاجِ مَعَانِيهِ، وَرَدِّهِ إِلَى الْمُحْكَمِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ، وَالْعُلُومِ الْجَمَّةِ، وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُعْتَقِدَ أَنْ لَا مُنَاقَضَةَ فِي كَلَامِ اللَّهِ، وَلَا اخْتِلَافَ إِذَا رَأَى فِيهِ مَا يَتَنَاقَضُ فِي ظَاهِرِهِ، وَأَهَمَّهُ طَلَبُ مَا يُوَفِّقُ بَيْنَهُ وَيُجْرِيهِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، فَفَكَّرَ وَرَاجَعَ نَفْسَهُ وَغَيَّرَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَتَبَيَّنَ مُطَابَقَةَ الْمُتَشَابِهِ الْمُحْكَمِ، ازْدَادَ طُمَأْنِينَةً إِلَى معتقده، ودقة فِي إِتْقَانِهِ. انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَهُوَ مُؤَلَّفٌ مِمَّا قَالَهُ النَّاسُ فِي فَائِدَةِ الْمَجِيءِ بِالْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَوَّلَ السُّورَةِ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ذَكَرَ هُنَا كَيْفِيَّةَ الْكِتَابِ، وَأَتَى بِالْمَوْصُولِ، إِذْ فِي صِلَتِهِ حِوَالَةٌ عَلَى التَّنْزِيلِ السَّابِقِ، وَعَهْدٌ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ إِلَى آخِرِهِ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: تَرَكَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَارْتَفَعَ: آيَاتٌ، عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِالْمَجْرُورِ لِأَنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ، وَيَجُوزُ ارْتِفَاعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَوَصْفُ الْآيَاتِ بِالْإِحْكَامِ صَادِقٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مُحْكَمَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأُخَرُ صِفَةٌ لآيات
وَمُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٣» وَالْآخَرُونَ، بِقَوْلِهِ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «٤». وَمُثْبِتُو الْجِهَةِ بِقَوْلِهِ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ «٥» وَبِقَوْلِهِ: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «٦» وَالْآخَرُونَ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٧» فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْمُحْكَمِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَرْجُوحِ إِلَيْهِ هَكَذَا؟ انْتَهَى كَلَامُ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ. وَبَعْضُهُ مُلَخَّصٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ لِمَجِيءِ الْمُتَشَابِهِ فَوَائِدَ، وَأَحْسَنُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ:
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا؟
قُلْتُ: لَوْ كَانَ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَتَعَلَّقَ النَّاسُ بِهِ لِسُهُولَةِ مَأْخَذِهِ، وَلَأَعْرَضُوا عَمَّا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى الْفَحْصِ وَالتَّأَمُّلِ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَعَطَّلُوا الطَّرِيقَ الَّذِي لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ إِلَّا بِهِ، وَلِمَا فِي الْمُتَشَابِهِ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الثَّابِتِ عَلَى الْحَقِّ وَالْمُتَزَلْزِلِ فِيهِ، وَلِمَا فِي تَقَادُحِ الْعُلَمَاءِ وَإِتْقَانِهِمُ الْقَرَائِحَ فِي اسْتِخْرَاجِ مَعَانِيهِ، وَرَدِّهِ إِلَى الْمُحْكَمِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ، وَالْعُلُومِ الْجَمَّةِ، وَنَيْلِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُعْتَقِدَ أَنْ لَا مُنَاقَضَةَ فِي كَلَامِ اللَّهِ، وَلَا اخْتِلَافَ إِذَا رَأَى فِيهِ مَا يَتَنَاقَضُ فِي ظَاهِرِهِ، وَأَهَمَّهُ طَلَبُ مَا يُوَفِّقُ بَيْنَهُ وَيُجْرِيهِ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، فَفَكَّرَ وَرَاجَعَ نَفْسَهُ وَغَيَّرَهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَتَبَيَّنَ مُطَابَقَةَ الْمُتَشَابِهِ الْمُحْكَمِ، ازْدَادَ طُمَأْنِينَةً إِلَى معتقده، ودقة فِي إِتْقَانِهِ. انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَهُوَ مُؤَلَّفٌ مِمَّا قَالَهُ النَّاسُ فِي فَائِدَةِ الْمَجِيءِ بِالْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَوَّلَ السُّورَةِ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ذَكَرَ هُنَا كَيْفِيَّةَ الْكِتَابِ، وَأَتَى بِالْمَوْصُولِ، إِذْ فِي صِلَتِهِ حِوَالَةٌ عَلَى التَّنْزِيلِ السَّابِقِ، وَعَهْدٌ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ إِلَى آخِرِهِ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: تَرَكَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَارْتَفَعَ: آيَاتٌ، عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِالْمَجْرُورِ لِأَنَّهُ قَدِ اعْتُمِدَ، وَيَجُوزُ ارْتِفَاعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَوَصْفُ الْآيَاتِ بِالْإِحْكَامِ صَادِقٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مُحْكَمَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأُخَرُ صِفَةٌ لآيات
(١) سورة فصلت: ٤١/ ٥.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٨٨.
(٣) سورة القيامة: ٧٥/ ١٢٣.
(٤) سورة الأنعام: ٦/ ١٠٣.
(٥) سورة النحل: ١٦/ ٥.
(٦) سورة طه: ٢٠/ ٥.
(٧) سورة الشورى: ٤٢/ ١١.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٨٨.
(٣) سورة القيامة: ٧٥/ ١٢٣.
(٤) سورة الأنعام: ٦/ ١٠٣.
(٥) سورة النحل: ١٦/ ٥.
(٦) سورة طه: ٢٠/ ٥.
(٧) سورة الشورى: ٤٢/ ١١.
25
مَحْذُوفَةٍ، وَالْوَصْفُ بِالتَّشَابُهِ لَا يَصِحُّ فِي مُفْرَدِ أُخَرَ، لَوْ قُلْتَ: وَأُخْرَى مُتَشَابِهَةٌ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا هَذَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ التَّشَابُهَ الْمَقْصُودَ هُنَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ هَذَا الْوَصْفُ مَعَ الْجَمْعِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ يُشَابِهُ الْبَاقِيَ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ، فَهُوَ نَظِيرُ، رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقَالُ: رَجُلٌ يَقْتَتِلُ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أُخَرَ فِي قَوْلِهِ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ الَمَهْدَوِيَّ خَلَطَ فِي مَسْأَلَةِ: أُخَرَ، وَأَفْسَدَ كَلَامَ سِيبَوَيْهِ، فَتَوَقَّفَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الَمَهْدَوِيِّ.
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ نَصَارَى نَجْرَانَ لِتُعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ فِي أَمْرِ عِيسَى، قَالَهُ الرَّبِيعُ. أَوِ: الْيَهُودُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْكَلْبِيُّ، لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا بَقَاءَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، وَالزَّيْغُ: عِنَادُهُمْ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ الأشبه. وذكر محاورة حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَصْحَابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدَّةِ مِلَّتِهِ، وَاسْتِخْرَاجَ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاتِحِ، وَانْتِقَالَهُمْ مِنْ عَدَدٍ إِلَى عَدَدٍ إِلَى أَنْ قَالُوا:
خَلَطَتْ عَلَيْنَا فَلَا نَدْرِي بِكَثِيرٍ نَأْخُذُ أَمْ بِقَلِيلٍ؟ وَنَحْنُ لَا نُؤْمِنُ بِهَذَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ الْآيَةَ، وَفَسَّرَ الزَّيْغَ: بِالْمَيْلِ عَنِ الْهُدَى، ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ قتادة: هم منكر والبعث، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهَا وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ أَخْفَاهُ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: هُمُ الْحَرُورِيَّةُ، وَهُمُ الْخَوَارِجُ. وَمَنْ تَأَوَّلَ آيَةً لَا فِي مَحَلِّهَا. وَقَالَ أَيْضًا: إِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَرُورِيَّةُ هُمُ الْخَوَارِجُ السَّبَائِيَّةُ، فَلَا أَدْرِي مَنْ هم.
وقال ابن جريح: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُبْتَدِعَةِ.
وَظَاهِرُ اللَّفْظِ الْعُمُومُ فِي الزَّائِغِينَ عَنِ الْحَقِّ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِمَّنْ ذَكَرَ زَائِغَةٌ عَنِ الْحَقِّ، فَاللَّفْظُ يَشْمَلُهُمْ وَإِنْ كَانَ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَالْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُتَّبِعُو الْمُتَشَابِهِ إِمَّا طالبو تشكيك وتناقض
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أُخَرَ فِي قَوْلِهِ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ الَمَهْدَوِيَّ خَلَطَ فِي مَسْأَلَةِ: أُخَرَ، وَأَفْسَدَ كَلَامَ سِيبَوَيْهِ، فَتَوَقَّفَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الَمَهْدَوِيِّ.
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ نَصَارَى نَجْرَانَ لِتُعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ فِي أَمْرِ عِيسَى، قَالَهُ الرَّبِيعُ. أَوِ: الْيَهُودُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْكَلْبِيُّ، لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا بَقَاءَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، وَالزَّيْغُ: عِنَادُهُمْ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ الأشبه. وذكر محاورة حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَأَصْحَابِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدَّةِ مِلَّتِهِ، وَاسْتِخْرَاجَ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاتِحِ، وَانْتِقَالَهُمْ مِنْ عَدَدٍ إِلَى عَدَدٍ إِلَى أَنْ قَالُوا:
خَلَطَتْ عَلَيْنَا فَلَا نَدْرِي بِكَثِيرٍ نَأْخُذُ أَمْ بِقَلِيلٍ؟ وَنَحْنُ لَا نُؤْمِنُ بِهَذَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ الْآيَةَ، وَفَسَّرَ الزَّيْغَ: بِالْمَيْلِ عَنِ الْهُدَى، ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ قتادة: هم منكر والبعث، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهَا وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّهُ أَخْفَاهُ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: هُمُ الْحَرُورِيَّةُ، وَهُمُ الْخَوَارِجُ. وَمَنْ تَأَوَّلَ آيَةً لَا فِي مَحَلِّهَا. وَقَالَ أَيْضًا: إِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَرُورِيَّةُ هُمُ الْخَوَارِجُ السَّبَائِيَّةُ، فَلَا أَدْرِي مَنْ هم.
وقال ابن جريح: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُبْتَدِعَةِ.
وَظَاهِرُ اللَّفْظِ الْعُمُومُ فِي الزَّائِغِينَ عَنِ الْحَقِّ، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِمَّنْ ذَكَرَ زَائِغَةٌ عَنِ الْحَقِّ، فَاللَّفْظُ يَشْمَلُهُمْ وَإِنْ كَانَ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَالْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مُتَّبِعُو الْمُتَشَابِهِ إِمَّا طالبو تشكيك وتناقض
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٨٤ و ١٨٥.
26
وَتَكْرِيرٍ، وَإِمَّا طَالِبُو ظَوَاهِرِ المتشابه: كالمجمسة إِذْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ جِسْمٌ، وَصُورَةٌ ذَاتُ وَجْهٍ، وَعَيْنٍ وَيَدٍ وَجَنْبٍ وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ. وَإِمَّا مُتَّبِعُو إِبْدَاءِ تَأْوِيلٍ وَإِيضَاحِ مُعَايَنَةٍ، كَمَا سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ أَشْيَاءَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، مِمَّا ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ، نَحْوُ:
وَلا يَتَساءَلُونَ «١» وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ «٢» وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً «٣» وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ «٤» وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا أَزَالَ عَنْهُ التَّعَارُضَ، وَإِمَّا مُتَّبِعُوهُ وَسَائِلُونَ عَنْهُ سُؤَالَ تَعَنُّتٍ، كَمَا جَرَى لِأُصَيْبِغَ مَعَ عُمَرَ، فَضَرَبَ عُمَرُ رَأْسَهُ حَتَّى جَرَى دَمُهُ عَلَى وَجْهِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا.
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ عَلَّلَ اتِّبَاعَهُمْ لِلْمُتَشَابِهِ بِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: ابْتِغَاءُ الْفِتْنَةِ. قَالَ السُّدِّيُّ، وَرَبِيعٌ، وَمُقَاتِلٌ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ الْكُفْرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشُّبُهَاتُ وَاللَّبْسُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيِّنِ. وَقِيلَ: الشُّبُهَاتُ الَّتِي حَاجَّ بِهَا وَفْدَ نَجْرَانَ.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: ابْتِغَاءُ التَّأْوِيلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ:
التَّأْوِيلُ: التَّفْسِيرُ، نَحْوُ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً «٥» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: طَلَبُوا مَرْجِعَ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَآلَ كِتَابِهِمْ وَدِينِهِمْ وَشَرِيعَتِهِمْ، وَالْعَاقِبَةَ الْمُنْتَظَرَةَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وَإِحْيَائِهِمْ، فَأَعْلَمَ تَعَالَى: أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، وَوَقْتَهُ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ مِنَ الْبَعْثِ وَالْعَذَابِ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ، أَيْ تَرَكُوهُ: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا، أَيْ: قَدْ رَأَيْنَا تَأْوِيلَ مَا أَنْبَأَتْنَا بِهِ الرُّسُلُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا عَوَاقِبَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ تَأْوِيلُهُ مَتَى يُنْسَخُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقِيلَ: تَأْوِيلَهُ طَلَبُ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ وَعُمْقِ مَعَانِيهِ. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ كَلَامًا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، مِثْلُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ وَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ؟
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَيَتَعَلَّقُونَ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُبْتَدِعُ مِمَّا لَا يُطَابِقُ الْمُحْكَمَ، وَيَحْتَمِلُ مَا
وَلا يَتَساءَلُونَ «١» وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ «٢» وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً «٣» وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ «٤» وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا أَزَالَ عَنْهُ التَّعَارُضَ، وَإِمَّا مُتَّبِعُوهُ وَسَائِلُونَ عَنْهُ سُؤَالَ تَعَنُّتٍ، كَمَا جَرَى لِأُصَيْبِغَ مَعَ عُمَرَ، فَضَرَبَ عُمَرُ رَأْسَهُ حَتَّى جَرَى دَمُهُ عَلَى وَجْهِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا.
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ عَلَّلَ اتِّبَاعَهُمْ لِلْمُتَشَابِهِ بِعِلَّتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: ابْتِغَاءُ الْفِتْنَةِ. قَالَ السُّدِّيُّ، وَرَبِيعٌ، وَمُقَاتِلٌ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ الْكُفْرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشُّبُهَاتُ وَاللَّبْسُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيِّنِ. وَقِيلَ: الشُّبُهَاتُ الَّتِي حَاجَّ بِهَا وَفْدَ نَجْرَانَ.
وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ: ابْتِغَاءُ التَّأْوِيلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ:
التَّأْوِيلُ: التَّفْسِيرُ، نَحْوُ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً «٥» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا: طَلَبُوا مَرْجِعَ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَآلَ كِتَابِهِمْ وَدِينِهِمْ وَشَرِيعَتِهِمْ، وَالْعَاقِبَةَ الْمُنْتَظَرَةَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وَإِحْيَائِهِمْ، فَأَعْلَمَ تَعَالَى: أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، وَوَقْتَهُ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ مِنَ الْبَعْثِ وَالْعَذَابِ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ، أَيْ تَرَكُوهُ: قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا، أَيْ: قَدْ رَأَيْنَا تَأْوِيلَ مَا أَنْبَأَتْنَا بِهِ الرُّسُلُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا عَوَاقِبَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ تَأْوِيلُهُ مَتَى يُنْسَخُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقِيلَ: تَأْوِيلَهُ طَلَبُ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ وَعُمْقِ مَعَانِيهِ. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ كَلَامًا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، مِثْلُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ وَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ؟
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ، فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَيَتَعَلَّقُونَ بِالْمُتَشَابِهِ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُبْتَدِعُ مِمَّا لَا يُطَابِقُ الْمُحْكَمَ، وَيَحْتَمِلُ مَا
(١) سورة المؤمنون: ٢٣/ ١٠١.
(٢) سورة الصافات: ٣٧/ ٢٧.
(٣) سورة النساء: ٤/ ٤٢.
(٤) سورة الأنعام: ٦/ ٢٣. [.....]
(٥) سورة الكهف: ١٨/ ٧٨.
(٢) سورة الصافات: ٣٧/ ٢٧.
(٣) سورة النساء: ٤/ ٤٢.
(٤) سورة الأنعام: ٦/ ٢٣. [.....]
(٥) سورة الكهف: ١٨/ ٧٨.
27
يطابقه من قوله أَهْلِ الْحَقِّ، ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ: طَلَبَ أَنْ يَفْتِنُوا النَّاسَ عن دينهم ويضلوهم، وابتغاء تَأْوِيلِهِ: طَلَبَ أَنْ يُؤَوِّلُوُهُ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَشْتَهُونَهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ.
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ:
إِلَّا اللَّهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعُرْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي نَهِيكٍ الْأَسَدِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، والكسائي، والفراء، والجلبائي، وَالْأَخْفَشِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَاخْتَارَهُ: الْخَطَّابِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ.
وَيَكُونُ قوله وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ ويَقُولُونَ خَبَرٌ عَنْهُ. وَقِيلَ: وَالرَّاسِخُونَ، مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَ: يَقُولُونَ، حَالٌ مِنْهُمْ أَيْ: قَائِلِينَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا دَلَّ عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْمَجَازَاتِ، وَلَيْسَ التَّرْجِيحُ لِبَعْضٍ إِلَّا بِالْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَالظَّنُّ لَا يَكْفِي فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ طَالِبِ الْمُتَشَابِهِ، وَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَمَا ذُمَّ بِأَنَّ طَلَبَ وَقْتِ السَّاعَةِ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَهُوَ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ، وَلَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ مَدَحَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ وَلَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ لَمَا كَانَ فِي الْإِيمَانِ بِهِ مَدْحٌ، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا عَلَى التَّفْصِيلِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ، وَإِنَّمَا الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ، وَيُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ الْمُرَادِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى، وَقَطَعُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَدَمُ التَّعْيِينِ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ: الرَّاسِخُونَ، معطوف عَلَى:
اللَّهُ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ: يَقُولُونَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وَتَقْدِيرُهُ: هَؤُلَاءِ، أَوْ: هُمْ، فيلزم الإضمار، أو حال وَالْمُتَقَدِّمُ: اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ، فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الرَّاسِخِينَ فَقَطْ، وَفِيهِ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ. وَلِأَنَّ قَوْلَهُ:
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا يَقْتَضِي فَائِدَةً، وَهُوَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا عَرَفُوا بِتَفْصِيلِهِ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْكُلِّ عُرِّيَ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَلَمَّا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ لَا يَقَعُ جَهْلُهُ، وَتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَسُئِلَ مَالِكٌ، فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ. انْتَهَى مَا رُجِّحَ بِهِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ قِرَاءَةُ
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ:
إِلَّا اللَّهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعُرْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي نَهِيكٍ الْأَسَدِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، والكسائي، والفراء، والجلبائي، وَالْأَخْفَشِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَاخْتَارَهُ: الْخَطَّابِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ.
وَيَكُونُ قوله وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ ويَقُولُونَ خَبَرٌ عَنْهُ. وَقِيلَ: وَالرَّاسِخُونَ، مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَ: يَقُولُونَ، حَالٌ مِنْهُمْ أَيْ: قَائِلِينَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا دَلَّ عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْمَجَازَاتِ، وَلَيْسَ التَّرْجِيحُ لِبَعْضٍ إِلَّا بِالْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَالظَّنُّ لَا يَكْفِي فِي الْقَطْعِيَّاتِ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ طَالِبِ الْمُتَشَابِهِ، وَلَوْ كَانَ جَائِزًا لَمَا ذُمَّ بِأَنَّ طَلَبَ وَقْتِ السَّاعَةِ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَهُوَ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ، وَلَا يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ مَدَحَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ وَلَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ لَمَا كَانَ فِي الْإِيمَانِ بِهِ مَدْحٌ، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا عَلَى التَّفْصِيلِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ، وَإِنَّمَا الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الظَّاهِرِ، وَيُفَوِّضُونَ تَعْيِينَ الْمُرَادِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى، وَقَطَعُوا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَدَمُ التَّعْيِينِ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ: الرَّاسِخُونَ، معطوف عَلَى:
اللَّهُ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ: يَقُولُونَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وَتَقْدِيرُهُ: هَؤُلَاءِ، أَوْ: هُمْ، فيلزم الإضمار، أو حال وَالْمُتَقَدِّمُ: اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ، فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الرَّاسِخِينَ فَقَطْ، وَفِيهِ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ. وَلِأَنَّ قَوْلَهُ:
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا يَقْتَضِي فَائِدَةً، وَهُوَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا عَرَفُوا بِتَفْصِيلِهِ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْكُلِّ عُرِّيَ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَلَمَّا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ لَا يَقَعُ جَهْلُهُ، وَتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَسُئِلَ مَالِكٌ، فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ. انْتَهَى مَا رُجِّحَ بِهِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ قِرَاءَةُ
28
أُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فِيمَا رواه طاووس عنه: إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمَنَّا بِهِ.
وَقِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ إِنَّ تَأْوِيلَهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ.
وَرَجَّحَ ابْنُ فُورَكَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ، وَفِي
قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»
مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، أَيْ: عَلِّمْهُ مَعَانِيَ كِتَابِكَ. وَكَانَ عُمَرُ إِذَا وَقَعَ مُشْكِلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَسْتَدْعِيهِ وَيَقُولُ لَهُ: غَصَّ غَوَّاصٍ. وَيَجْمَعُ أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالنَّظَرِ فِي مَعَانِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِذَا تَأَمَّلْتَ قُرْبَ الْخِلَافِ مِنَ الِاتِّفَاقِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَ مُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ، فَالْمُحَكَمُ الْمُتَّضِحُ لِمَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَلَا لَبْسٍ فِيهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّاسِخُ وَغَيْرُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، كَأَمْرِ الرُّوحِ، وَآمَادِ الْمُغَيَّبَاتِ الْمُخْبَرِ بِوُقُوعِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ مَا يُحْمَلُ عَلَى وُجُوهٍ فِي اللُّغَةِ، فَيَتَأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى وَرُوحٌ مِنْهُ «١» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يُسَمَّى رَاسِخًا إِلَّا مَنْ يَعْلَمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ لَا يَعْلَمُ سِوَى الْمُحْكَمِ فَلَيْسَ بِرَاسِخٍ.
فَقَوْلُهُ إِلَّا اللَّهُ مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا، وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ النَّوْعَ الثَّانِي، وَالْكَلَامُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى فَصَاحَةِ الْعَرَبِ. وَدَخَلُوا بِالْعَطْفِ فِي عِلْمِ التَّأْوِيلِ كَمَا تَقُولُ: مَا قَامَ لِنَصْرِي إِلَّا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأَحَدُهُمَا نَصَرَكَ بِأَنْ ضَارَبَ مَعَكَ، وَالْآخَرُ أَعَانَكَ بِكَلَامٍ فَقَطْ.
وَإِنْ جَعْلَنَا وَالرَّاسِخُونَ مُبْتَدَأً مقطعوعا مِمَّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهُمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي اسْتَوَى فِي عِلْمِهِ جَمِيعُ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ رُسُوخُهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ؟ وَمَا الرُّسُوخُ إِلَّا الْمَعْرِفَةُ بِتَصَارِيفِ الْكَلَامِ، وَمَوَارِدِ الْأَحْكَامِ، وَمَوَاقِعِ الْمَوَاعِظِ؟.
وَإِعْرَابُ: الرَّاسِخِينَ، يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِمَا.
وَمَنْ فَسَّرَ الْمُتَشَابِهَ بِأَنَّهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَقَطْ، فَتَفْسِيرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الْمُتَشَابِهِ. انْتَهَى. وَفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وَفِيهِ اخْتِيَارُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى: اللَّهُ، وَإِيَّاهُ اخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ: لَا يَهْتَدِي إِلَى تَأْوِيلِهِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عليه إلّا الله
وَقِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ إِنَّ تَأْوِيلَهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ.
وَرَجَّحَ ابْنُ فُورَكَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ، وَفِي
قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»
مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، أَيْ: عَلِّمْهُ مَعَانِيَ كِتَابِكَ. وَكَانَ عُمَرُ إِذَا وَقَعَ مُشْكِلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَسْتَدْعِيهِ وَيَقُولُ لَهُ: غَصَّ غَوَّاصٍ. وَيَجْمَعُ أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالنَّظَرِ فِي مَعَانِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِذَا تَأَمَّلْتَ قُرْبَ الْخِلَافِ مِنَ الِاتِّفَاقِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَ مُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ، فَالْمُحَكَمُ الْمُتَّضِحُ لِمَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَلَا لَبْسٍ فِيهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّاسِخُ وَغَيْرُهُ. وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، كَأَمْرِ الرُّوحِ، وَآمَادِ الْمُغَيَّبَاتِ الْمُخْبَرِ بِوُقُوعِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ مَا يُحْمَلُ عَلَى وُجُوهٍ فِي اللُّغَةِ، فَيَتَأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ كَقَوْلِهِ فِي عِيسَى وَرُوحٌ مِنْهُ «١» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يُسَمَّى رَاسِخًا إِلَّا مَنْ يَعْلَمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَإِلَّا فَمَنْ لَا يَعْلَمُ سِوَى الْمُحْكَمِ فَلَيْسَ بِرَاسِخٍ.
فَقَوْلُهُ إِلَّا اللَّهُ مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا، وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ النَّوْعَ الثَّانِي، وَالْكَلَامُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى فَصَاحَةِ الْعَرَبِ. وَدَخَلُوا بِالْعَطْفِ فِي عِلْمِ التَّأْوِيلِ كَمَا تَقُولُ: مَا قَامَ لِنَصْرِي إِلَّا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأَحَدُهُمَا نَصَرَكَ بِأَنْ ضَارَبَ مَعَكَ، وَالْآخَرُ أَعَانَكَ بِكَلَامٍ فَقَطْ.
وَإِنْ جَعْلَنَا وَالرَّاسِخُونَ مُبْتَدَأً مقطعوعا مِمَّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهُمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي اسْتَوَى فِي عِلْمِهِ جَمِيعُ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ رُسُوخُهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ؟ وَمَا الرُّسُوخُ إِلَّا الْمَعْرِفَةُ بِتَصَارِيفِ الْكَلَامِ، وَمَوَارِدِ الْأَحْكَامِ، وَمَوَاقِعِ الْمَوَاعِظِ؟.
وَإِعْرَابُ: الرَّاسِخِينَ، يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِمَا.
وَمَنْ فَسَّرَ الْمُتَشَابِهَ بِأَنَّهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَقَطْ، فَتَفْسِيرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الْمُتَشَابِهِ. انْتَهَى. وَفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ، وَفِيهِ اخْتِيَارُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى: اللَّهُ، وَإِيَّاهُ اخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ: لَا يَهْتَدِي إِلَى تَأْوِيلِهِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عليه إلّا الله
(١) سورة النساء: ٤/ ١٧١. والمجادلة: ٥٨/ ٢٢.
29
وَعِبَادُهُ الَّذِينَ رَسَخُوا فِي الْعِلْمِ، أَيْ ثَبَتُوا فِيهِ وَتَمَكَّنُوا، وَعَضُّوا فِيهِ بِضِرْسٍ قاطع. ويقولون، كَلَامٌ مُسْتَأَنَفٌ مُوَضِّحٌ لِحَالِ الرَّاسِخِينَ، بِمَعْنَى: هَؤُلَاءِ الْعَالَمُونَ بِالتَّأْوِيلِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، أَيْ:
بِالْمُتَشَابِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَتَلَخَّصَ فِي إِعْرَابِ وَالرَّاسِخُونَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُ، وَيَكُونُ فِي إِعْرَابِ: يَقُولُونَ، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الرَّاسِخِينَ، كَمَا تَقُولُ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ وَهِنْدٌ ضَاحِكَةً.
وَالثَّانِي: مِنْ إِعْرَابِ: وَالرَّاسِخُونَ، أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ: يَقُولُونَ، خَبَرًا عَنْهُ، وَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ.
وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ وَأَصْحَابِهِ، بِدَلِيلِ لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ «١» يَعْنَي الرَّاسِخِينَ فِي عِلْمِ التَّوْرَاةِ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، وَقَدْ فُسِّرَ الرُّسُوخُ فِي الْعِلْمِ بِمَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، وَإِنَّمَا هِيَ أَشْيَاءُ نَشَأَتْ عَنِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ، كَقَوْلِ نَافِعٍ: الرَّاسِخُ الْمُتَوَاضِعُ لِلَّهِ، وَكَقَوْلِ مَالِكٍ: الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ الْعَامِلُ بِمَا يَعْلَمُ، الْمُتَّبِعُ.
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا هَذَا مِنَ الْمَقُولِ، وَمَفْعُولُ: يَقُولُونَ قَوْلُهُ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَجُعِلَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ كَأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِالْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَكْ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ الْعَطْفِ، أَوْ جُعِلَا مُمْتَزِجَيْنِ فِي الْقَوْلِ امْتِزَاجَ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، نَحْوُ قَوْلِهِ:
كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْكَلَامُ مِمَّا يَزْرَعُ الْوِدَّ. وَالضَّمِيرُ فِي: بِهِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْكِتَابِ. وَالتَّنْوِينُ فِي: كُلٌّ، لِلْعِوَضِ مِنَ الْمَحْذُوفِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْكِتَابِ، أَيْ: كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيُرُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا تَنَاقُضَ وَلَا اخْتِلَافَ، وَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ أَنْ يُؤْمَنَ بِهِ. وَأَضَافَ الْعِنْدِيَّةَ إِلَى قَوْلِهِ: رَبِّنَا، لَا إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى
بِالْمُتَشَابِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَتَلَخَّصَ فِي إِعْرَابِ وَالرَّاسِخُونَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُ، وَيَكُونُ فِي إِعْرَابِ: يَقُولُونَ، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الرَّاسِخِينَ، كَمَا تَقُولُ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ وَهِنْدٌ ضَاحِكَةً.
وَالثَّانِي: مِنْ إِعْرَابِ: وَالرَّاسِخُونَ، أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ: يَقُولُونَ، خَبَرًا عَنْهُ، وَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ.
وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ وَأَصْحَابِهِ، بِدَلِيلِ لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ «١» يَعْنَي الرَّاسِخِينَ فِي عِلْمِ التَّوْرَاةِ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، وَقَدْ فُسِّرَ الرُّسُوخُ فِي الْعِلْمِ بِمَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، وَإِنَّمَا هِيَ أَشْيَاءُ نَشَأَتْ عَنِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ، كَقَوْلِ نَافِعٍ: الرَّاسِخُ الْمُتَوَاضِعُ لِلَّهِ، وَكَقَوْلِ مَالِكٍ: الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ الْعَامِلُ بِمَا يَعْلَمُ، الْمُتَّبِعُ.
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا هَذَا مِنَ الْمَقُولِ، وَمَفْعُولُ: يَقُولُونَ قَوْلُهُ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَجُعِلَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ كَأَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِالْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَكْ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ الْعَطْفِ، أَوْ جُعِلَا مُمْتَزِجَيْنِ فِي الْقَوْلِ امْتِزَاجَ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، نَحْوُ قَوْلِهِ:
| كَيْفَ أصحبت؟ كَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ مِمَّا | يَزْرَعُ الود في فؤاد الكريم؟ |
(١) سورة النساء: ٤/ ١٦٢.
30
لِمَا فِي الْإِشْعَارِ بِلَفْظَةِ الرَّبِّ مِنَ النَّظَرِ فِي مَصْلَحَةِ عَبِيدِهِ، فَلَوْلَا أَنَّ فِي الْمُتَشَابِهِ مَصْلَحَةً مَا أَنْزَلَهُ تَعَالَى، وَلَجَعَلَ كِتَابَهُ كُلُّهُ مُحْكَمًا.
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أَيْ: وَمَا يَتَّعِظُ بِنُزُولِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ إِلَّا أَصْحَابُ الْعُقُولِ، إِذْ هُمُ الْمُدْرِكُونَ لِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَوَضْعِ الْكَلَامِ مَوَاضِعِهِ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَشْتَبَهَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ بِالْعَقْلِ الَّذِي جُعِلَ مُمَيِّزًا لِإِدْرَاكِ: الْوَاجِبِ، وَالْجَائِزِ، وَالْمُسْتَحِيلِ، فَلَا يُوقَفُ مَعَ دَلَالَةِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، بَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ الْفِكْرُ حَتَّى لَا يُنْسَبَ إِلَى الْبَارِئِ تَعَالَى، وَلَا إِلَى مَا شَرَعَ مِنْ أَحْكَامِهِ، مَا لَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ، مَا يَقُولُ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيَقِفُ حَيْثُ وَقَفَ، وَيَدَعِ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا ذُو لُبٍّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَدْحٌ لِلرَّاسِخِينَ بِإِلْقَاءِ الذِّهْنِ وَحُسْنِ التَّأَمُّلِ.
رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ أَيْ:
يَقُولُونَ رَبَّنَا، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا انْقِسَامَ النَّاسِ إِلَى زَائِغٍ، وَمُتَذَكِّرٍ مُؤْمِنٍ، دَعَوُا اللَّهَ تَعَالَى بِلَفْظِ الرَّبِّ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ بَعْدَ هِدَايَتِهِمْ، فَيَلْحَقُوا بِمَنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى عَلَّمَهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، وَالتَّقْدِيرُ: قُولُوا رَبَّنَا.
وَمَعْنَى الْإِزَاغَةِ هُنَا الضَّلَالَةُ. وَفِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِ تَعَالَى رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ:
إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ، إِذْ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْإِزَاغَةُ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى لَمَا جَازَ أَنْ يُدْعَى فِي رَفْعِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: المعنى: لَا تُكَلِّفْنَا عِبَادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ بِهَا قُلُوبُنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ التَّحَفُّظُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الزَّيْغَ وَالضَّلَالَةَ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: سَأَلُوا أَنْ لَا يَزِيغُوا، فَيُزِيغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، نَحْوُ: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ «١» أَيْ: ثَبِّتْنَا عَلَى هِدَايَتِكَ، وَأَنْ لَا نَزِيغَ، فَنَسْتَحِقَّ أَنْ تُزِيغَ قُلُوبَنَا. وهذه نزعة اعْتِزَالِيَّةٍ، كَمَا قَالَ الْجُبَّائِيُّ: لَا تَمْنَعْهَا الْأَلْطَافَ الَّتِي بِهَا يَسْتَمِرُّ الْقَلْبُ عَلَى صِفَةِ الْإِيمَانِ.
وَلَمَّا مَنَعَهُمُ الْأَلْطَافَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ مَنَعَ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يُقَالَ: أَزَاغَهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمَّا زَاغُوا. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ أَيْضًا: لَا تُزِغْنَا عَنْ جَنَّتِكَ وَثَوَابِكَ.
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أَيْ: وَمَا يَتَّعِظُ بِنُزُولِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ إِلَّا أَصْحَابُ الْعُقُولِ، إِذْ هُمُ الْمُدْرِكُونَ لِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَوَضْعِ الْكَلَامِ مَوَاضِعِهِ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا أَشْتَبَهَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ بِالْعَقْلِ الَّذِي جُعِلَ مُمَيِّزًا لِإِدْرَاكِ: الْوَاجِبِ، وَالْجَائِزِ، وَالْمُسْتَحِيلِ، فَلَا يُوقَفُ مَعَ دَلَالَةِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، بَلْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ الْفِكْرُ حَتَّى لَا يُنْسَبَ إِلَى الْبَارِئِ تَعَالَى، وَلَا إِلَى مَا شَرَعَ مِنْ أَحْكَامِهِ، مَا لَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ، مَا يَقُولُ هَذَا وَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيَقِفُ حَيْثُ وَقَفَ، وَيَدَعِ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا ذُو لُبٍّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَدْحٌ لِلرَّاسِخِينَ بِإِلْقَاءِ الذِّهْنِ وَحُسْنِ التَّأَمُّلِ.
رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ أَيْ:
يَقُولُونَ رَبَّنَا، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا انْقِسَامَ النَّاسِ إِلَى زَائِغٍ، وَمُتَذَكِّرٍ مُؤْمِنٍ، دَعَوُا اللَّهَ تَعَالَى بِلَفْظِ الرَّبِّ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ بَعْدَ هِدَايَتِهِمْ، فَيَلْحَقُوا بِمَنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعَالَى عَلَّمَهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، وَالتَّقْدِيرُ: قُولُوا رَبَّنَا.
وَمَعْنَى الْإِزَاغَةِ هُنَا الضَّلَالَةُ. وَفِي نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِ تَعَالَى رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ:
إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ، إِذْ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْإِزَاغَةُ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى لَمَا جَازَ أَنْ يُدْعَى فِي رَفْعِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: المعنى: لَا تُكَلِّفْنَا عِبَادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ بِهَا قُلُوبُنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ التَّحَفُّظُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الزَّيْغَ وَالضَّلَالَةَ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: سَأَلُوا أَنْ لَا يَزِيغُوا، فَيُزِيغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، نَحْوُ: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ «١» أَيْ: ثَبِّتْنَا عَلَى هِدَايَتِكَ، وَأَنْ لَا نَزِيغَ، فَنَسْتَحِقَّ أَنْ تُزِيغَ قُلُوبَنَا. وهذه نزعة اعْتِزَالِيَّةٍ، كَمَا قَالَ الْجُبَّائِيُّ: لَا تَمْنَعْهَا الْأَلْطَافَ الَّتِي بِهَا يَسْتَمِرُّ الْقَلْبُ عَلَى صِفَةِ الْإِيمَانِ.
وَلَمَّا مَنَعَهُمُ الْأَلْطَافَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ مَنَعَ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يُقَالَ: أَزَاغَهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: فَلَمَّا زَاغُوا. وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ أَيْضًا: لَا تُزِغْنَا عَنْ جَنَّتِكَ وَثَوَابِكَ.
(١) سورة الصف: ٦١/ ٥.
31
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: احْرُسْنَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَشَرِّ أَنْفُسِنَا حَتَّى لَا نَزِيغَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا تُبْلِنَا بِبَلَايَا تَزِيغُ فِيهَا قُلُوبُنَا، أَوْ: لَا تَمْنَعْنَا أَلْطَافَكَ بَعْدَ أَنْ لَطَفْتَ بِنَا. انْتَهَى.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الشَّرِّ كَمَا هُوَ خَالِقُ الْخَيْرِ؟ أَوْ لَا يَخْلُقُ الشَّرَّ؟
فَالْأَوَّلُ: قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَقَرَأَ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو قَائِلَةَ، وَالْجَرَّاحُ: لَا تَزُغْ قُلُوبُنَا، بِفَتْحِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْبَاءِ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزُغْ بِالْيَاءِ مَفْتُوحَةً، وَرَفْعِ بَاءِ قُلُوبُنَا، جَعَلَهُ مِنْ زَاغَ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْقُلُوبِ.
وَظَاهِرُهُ نَهْيُ الْقُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ: لَا أَرَيَنَّكَ هاهنا.
ولا أَعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدَامِعُهُ أَيْ: لَا تُزِغْنَا فَتَزِيغَ قلوبنا بعد إذ هديتنا. ظَاهِرُهُ الْهِدَايَةُ الَّتِي هِيَ مُقَابَلَةُ الضَّلَالِ.
وَقِيلَ: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا لِلْعِلْمِ بِالْمُحْكَمِ، وَالتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ، وَ: إِذْ، أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وَهُنَا أُضِيفَ إِلَيْهَا: بَعْدَ، فَصَارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وَهِيَ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضَافُ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَاسْتُصْحِبَ فِيهَا حَالُهَا مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَتِ الْإِضَافَةُ إِلَيْهَا تُخْرِجُهَا عَنْ هَذَا الْحُكْمِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ «١» ؟ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ «٢» فِي قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ يَوْمُ؟ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا عَلَى حِينَ مَنْ تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلَى حِينَ الْكِرَامِ قَلِيلُ أَلَا لَيْتَ أَيَّامَ الصَّفَاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنَا عَنْ بَابِهِ، وَاسْتُعْمِلَ خَبَرًا وَمَجْرُورًا بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَاسْمَ لَيْتَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُضَافٌ إِلَى الْجُمْلَةِ؟.
وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً سَأَلُوا بِلَفْظِ الْهِبَةِ الْمُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا عَمَلٍ وَلَا مُعَاوَضَةٍ، لِأَنَّ الْهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وَخَصُّوهَا بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ، والرحمة
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا تُبْلِنَا بِبَلَايَا تَزِيغُ فِيهَا قُلُوبُنَا، أَوْ: لَا تَمْنَعْنَا أَلْطَافَكَ بَعْدَ أَنْ لَطَفْتَ بِنَا. انْتَهَى.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ: هَلِ اللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الشَّرِّ كَمَا هُوَ خَالِقُ الْخَيْرِ؟ أَوْ لَا يَخْلُقُ الشَّرَّ؟
فَالْأَوَّلُ: قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَكُلٌّ يُفَسِّرُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَقَرَأَ الصِّدِّيقُ، وَأَبُو قَائِلَةَ، وَالْجَرَّاحُ: لَا تَزُغْ قُلُوبُنَا، بِفَتْحِ التَّاءِ وَرَفْعِ الْبَاءِ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزُغْ بِالْيَاءِ مَفْتُوحَةً، وَرَفْعِ بَاءِ قُلُوبُنَا، جَعَلَهُ مِنْ زَاغَ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْقُلُوبِ.
وَظَاهِرُهُ نَهْيُ الْقُلُوبِ عَنِ الزَّيْغِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ: لَا أَرَيَنَّكَ هاهنا.
ولا أَعْرِفَنَّ رَبْرَبًا حُوَّرًا مَدَامِعُهُ أَيْ: لَا تُزِغْنَا فَتَزِيغَ قلوبنا بعد إذ هديتنا. ظَاهِرُهُ الْهِدَايَةُ الَّتِي هِيَ مُقَابَلَةُ الضَّلَالِ.
وَقِيلَ: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا لِلْعِلْمِ بِالْمُحْكَمِ، وَالتَّسْلِيمِ لِلْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ، وَ: إِذْ، أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا، وَهُنَا أُضِيفَ إِلَيْهَا: بَعْدَ، فَصَارَتِ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ، وَهِيَ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ تُضَافُ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَاسْتُصْحِبَ فِيهَا حَالُهَا مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَتِ الْإِضَافَةُ إِلَيْهَا تُخْرِجُهَا عَنْ هَذَا الْحُكْمِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ «١» ؟ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ «٢» فِي قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ يَوْمُ؟ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا عَلَى حِينَ مَنْ تُكْتَبُ عَلَيْهِ ذُنُوبُهُ عَلَى حِينَ الْكِرَامِ قَلِيلُ أَلَا لَيْتَ أَيَّامَ الصَّفَاءِ جَدِيدُ كَيْفَ خَرَجَ الظَّرْفُ هُنَا عَنْ بَابِهِ، وَاسْتُعْمِلَ خَبَرًا وَمَجْرُورًا بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَاسْمَ لَيْتَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُضَافٌ إِلَى الْجُمْلَةِ؟.
وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً سَأَلُوا بِلَفْظِ الْهِبَةِ الْمُشْعِرَةِ بِالتَّفَضُّلِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا عَمَلٍ وَلَا مُعَاوَضَةٍ، لِأَنَّ الْهِبَةَ كَذَلِكَ تَكُونُ، وَخَصُّوهَا بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ، والرحمة
(١) سورة المائدة: ٥/ ١١٩.
(٢) سورة الإنفطار: ٨٢/ ١٩.
(٢) سورة الإنفطار: ٨٢/ ١٩.
32
إِنْ كَانَتْ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا الْهِبَةُ، بَلْ يَكُونُ الْمَعْنَى: نَعِيمًا، أَوْ ثَوَابًا صَادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَسْئُولُ صَادِرًا عَنِ الرَّحْمَةِ، صَحَّ أَنْ يَسْأَلُوا الرَّحْمَةَ إِجْرَاءً لِلسَّبَبِ مَجْرَى الْمُسَبِّبِ. وَقِيلَ: مَعْنَى رَحْمَةً تَوْفِيقًا وَسَدَادًا وَتَثْبِيتًا لِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى.
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ هَذَا كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وَهَبْ لَنَا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذَا الْمُشْكِلَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَالِمُ بِالْمُشْكِلَاتِ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الَّتِي عَلَى فَعَّالٍ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا:
وَهُوبٌ، لِمُنَاسَبَةِ رؤوس الْآيِ، وَيَجُوزُ فِي: أَنْتَ، التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، وَالْفَصْلُ، وَالِابْتِدَاءُ.
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ لَمَّا سَأَلُوهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ بَعْدَ الْهِدَايَةِ، وَكَانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفَاءِ الزَّيْغِ وَالْهِدَايَةِ إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ مُوقِنُونَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجَازَاةِ، وَأَنَّ اعْتِقَادَ صِحَّةِ الْوَعْدِ بِهِ هُوَ الَّذِي هَدَاهُمْ إِلَى سُؤَالِ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ. وَمَعْنَى: لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، أَيْ: لِجَزَاءِ يَوْمٍ، وَمَعْنَى: لَا رَيْبَ فِيهِ، لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَنْ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهُوَ بِحَالِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ.
وَقِيلَ: اللَّامُ، بِمَعْنَى: فِي، أَيْ: فِي يَوْمٍ، وَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ لِأَجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وَظَاهِرُ هَذَا الْجَمْعِ أَنَّهُ الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ لِلْمُجَازَاةِ، فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قِرَاءَةُ أَبِي حَاتِمٍ: جَامِعٌ النَّاسَ، بِالتَّنْوِينِ، وَنَصْبِ: النَّاسَ.
وَقِيلَ: مَعْنَى الْجَمْعُ هُنَا أَنَّهُ يَجْمَعُهُمْ فِي الْقُبُورِ، وَكَأَنَّ اللَّامَ تَكُونُ بِمَعْنَى إِلَى لِلْغَايَةِ، أَيْ: جَامِعُهُمْ فِي الْقُبُورِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ هُنَا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمَانُ، إِذْ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمُتْ، فَنُسِبَ الْجَمْعُ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الزَّمَانِ، وَالضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، عَائِدٌ عَلَى الْيَوْمِ، إِذِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَعَادَهُ عَلَى الْجَمْعِ الْمَفْهُومِ مِنْ جَامِعُ، أَوْ عَلَى الْجَزَاءِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، فَقَدْ أَبْعَدَ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ظَاهِرُ الْعُدُولِ مِنْ ضَمِيرِ الْخِطَابِ إِلَى الِاسْمِ الْغَائِبِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ كَلَامِ الرَّاسِخِينَ الدَّاعِينَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أن الإلهية تنافي خلف الْمِيعَادِ، كَقَوْلِكَ: إِنَّ الْجَوَادَ لا يخيب سائله، والميعاد: الْمَوْعِدُ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِلَهِيَّةَ تُنَافِي خَلْفَ الْمِيعَادِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْجُبَّائِيُّ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ عَلَى الْقَطْعِ بِوَعِيدِ الْفُسَّاقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ عِنْدَنَا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعَفْوِ، كَمَا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَهَمَ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ هَذَا كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِمْ: وَهَبْ لَنَا، كَقَوْلِكَ: حِلَّ هَذَا الْمُشْكِلَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَالِمُ بِالْمُشْكِلَاتِ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الَّتِي عَلَى فَعَّالٍ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا:
وَهُوبٌ، لِمُنَاسَبَةِ رؤوس الْآيِ، وَيَجُوزُ فِي: أَنْتَ، التَّوْكِيدُ لِلضَّمِيرِ، وَالْفَصْلُ، وَالِابْتِدَاءُ.
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ لَمَّا سَأَلُوهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ بَعْدَ الْهِدَايَةِ، وَكَانَتْ ثَمَرَةُ انْتِفَاءِ الزَّيْغِ وَالْهِدَايَةِ إِنَّمَا تَظْهَرُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ مُوقِنُونَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْبَعْثِ فِيهِ لِلْمُجَازَاةِ، وَأَنَّ اعْتِقَادَ صِحَّةِ الْوَعْدِ بِهِ هُوَ الَّذِي هَدَاهُمْ إِلَى سُؤَالِ أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَهُمْ. وَمَعْنَى: لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، أَيْ: لِجَزَاءِ يَوْمٍ، وَمَعْنَى: لَا رَيْبَ فِيهِ، لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ لِصِدْقِ مَنْ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ لِلْمُكَذِّبِ بِهِ رَيْبٌ فَهُوَ بِحَالِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ.
وَقِيلَ: اللَّامُ، بِمَعْنَى: فِي، أَيْ: فِي يَوْمٍ، وَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ لِأَجْلِهِ لَمْ يُذْكَرْ، وَظَاهِرُ هَذَا الْجَمْعِ أَنَّهُ الْحَشْرُ مِنَ الْقُبُورِ لِلْمُجَازَاةِ، فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قِرَاءَةُ أَبِي حَاتِمٍ: جَامِعٌ النَّاسَ، بِالتَّنْوِينِ، وَنَصْبِ: النَّاسَ.
وَقِيلَ: مَعْنَى الْجَمْعُ هُنَا أَنَّهُ يَجْمَعُهُمْ فِي الْقُبُورِ، وَكَأَنَّ اللَّامَ تَكُونُ بِمَعْنَى إِلَى لِلْغَايَةِ، أَيْ: جَامِعُهُمْ فِي الْقُبُورِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ هُنَا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمَانُ، إِذْ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمُتْ، فَنُسِبَ الْجَمْعُ إِلَى اللَّهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الزَّمَانِ، وَالضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، عَائِدٌ عَلَى الْيَوْمِ، إِذِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَعَادَهُ عَلَى الْجَمْعِ الْمَفْهُومِ مِنْ جَامِعُ، أَوْ عَلَى الْجَزَاءِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، فَقَدْ أَبْعَدَ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ظَاهِرُ الْعُدُولِ مِنْ ضَمِيرِ الْخِطَابِ إِلَى الِاسْمِ الْغَائِبِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ كَلَامِ الرَّاسِخِينَ الدَّاعِينَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ أن الإلهية تنافي خلف الْمِيعَادِ، كَقَوْلِكَ: إِنَّ الْجَوَادَ لا يخيب سائله، والميعاد: الْمَوْعِدُ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِلَهِيَّةَ تُنَافِي خَلْفَ الْمِيعَادِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْجُبَّائِيُّ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ عَلَى الْقَطْعِ بِوَعِيدِ الْفُسَّاقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ عِنْدَنَا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْعَفْوِ، كَمَا اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَهَمَ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ
33
التَّوْبَةِ، وَالشَّرْطَانِ يُثْبَتَانِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا مَا يَقُولُونَهُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَعِيدَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَعْدِ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مِيعَادِ الْأَوْلِيَاءِ دُونَ وَعِيدِ الْأَعْدَاءِ، لِأَنَّ خَلْفَ الْوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ يَمْدَحُونَ بِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ كَلَامِ الدَّاعِينَ، وَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ مِنْ خِطَابٍ إِلَى غِيبَةٍ لِمَا فِي ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ مِنَ التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْهَيْبَةِ، وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا وَالَوُا الدُّعَاءَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنَا، أَخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ الْوَفِيُّ بِالْوَعْدِ. وَتَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ الْإِيمَانَ بِالْبَعْثِ، وَالْمُجَازَاةِ، وَالْإِيفَاءِ بِمَا وَعَدَ تَعَالَى.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قِيلَ: الْمُرَادُ وَفْدُ نَجْرَانَ لِأَنَّهُ
رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قَالَ لِأَخِيهِ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنِّي إِنْ أَظْهَرْتُ ذَلِكَ أَخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي مَا أَعْطَوْنِي مِنَ الْمَالِ.
وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى مُعَاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُرَيْظَةُ، وَالنَّضِيرُ. وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَهِيَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ كَافِرٍ.
وَمَعْنَى: مِنَ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ عَذَابِهِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَمَعْنَى: أَغْنَى عَنْهُ، دَفْعَ عَنْهُ وَمَنْعَهُ، وَلَمَّا كَانَ الْمَالُ فِي بَابِ الْمُدَافَعَةِ وَالتَّقَرُّبِ وَالْفِتْنَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْأَوْلَادِ، قُدِّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى «١» وَفِي قَوْلِهِ:
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
«٢» وَفِي قَوْلِهِ: وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ «٣» وَفِي قَوْلِهِ:
لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ «٤» بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ «٥» إِلَى آخِرِهَا، فَإِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا حُبَّ الشَّهَوَاتِ، فَقَدَّمَ فِيهِ النِّسَاءَ وَالْبَنِينَ عَلَى ذِكْرِ الْأَمْوَالِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَنْ يُغْنِيَ، بِالْيَاءِ عَلَى تَذْكِيرِ الْعَلَامَةِ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ: لن يغني،
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مِيعَادِ الْأَوْلِيَاءِ دُونَ وَعِيدِ الْأَعْدَاءِ، لِأَنَّ خَلْفَ الْوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ يَمْدَحُونَ بِهِ. قَالَ الشَّاعِرُ:
| إِذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ أَنْجَزَ وَعْدَهُ | وَإِنْ وَعَدَ الضَّرَّاءَ فَالْعَفْوُ مَانِعُهْ |
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قِيلَ: الْمُرَادُ وَفْدُ نَجْرَانَ لِأَنَّهُ
رُوِيَ أَنَّ أَبَا حَارِثَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ قَالَ لِأَخِيهِ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنِّي إِنْ أَظْهَرْتُ ذَلِكَ أَخَذَ مُلُوكُ الرُّومِ مِنِّي مَا أَعْطَوْنِي مِنَ الْمَالِ.
وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى مُعَاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُرَيْظَةُ، وَالنَّضِيرُ. وَكَانُوا يَفْخَرُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَهِيَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ كَافِرٍ.
وَمَعْنَى: مِنَ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ عَذَابِهِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَمَعْنَى: أَغْنَى عَنْهُ، دَفْعَ عَنْهُ وَمَنْعَهُ، وَلَمَّا كَانَ الْمَالُ فِي بَابِ الْمُدَافَعَةِ وَالتَّقَرُّبِ وَالْفِتْنَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْأَوْلَادِ، قُدِّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى «١» وَفِي قَوْلِهِ:
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
«٢» وَفِي قَوْلِهِ: وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ «٣» وَفِي قَوْلِهِ:
لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ «٤» بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ «٥» إِلَى آخِرِهَا، فَإِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا حُبَّ الشَّهَوَاتِ، فَقَدَّمَ فِيهِ النِّسَاءَ وَالْبَنِينَ عَلَى ذِكْرِ الْأَمْوَالِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَنْ يُغْنِيَ، بِالْيَاءِ عَلَى تَذْكِيرِ الْعَلَامَةِ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ: لن يغني،
(١) سورة سبأ: ٣٤/ ٣٧.
(٢) سورة الأنفال: ٨/ ٢٨.
(٣) سورة الحديد: ٥٧/ ٢٠.
(٤) سورة الشعراء: ٢٦/ ٨٨.
(٥) سورة آل عمران: ٣/ ١٤.
(٢) سورة الأنفال: ٨/ ٢٨.
(٣) سورة الحديد: ٥٧/ ٢٠.
(٤) سورة الشعراء: ٢٦/ ٨٨.
(٥) سورة آل عمران: ٣/ ١٤.
34
بِسُكُونِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: لَنْ يُغْنِي بِالْيَاءِ أَوَّلًا وَبِالْيَاءِ السَّاكِنَةِ آخِرًا، وَذَلِكَ لِاسْتِثْقَالِ الْحَرَكَةِ فِي حَرْفِ اللِّينِ، وَإِجْرَاءِ الْمَنْصُوبِ مَجْرَى الْمَرْفُوعِ. وَبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخُصُّ هَذَا بِالضَّرُورَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخُصَّ بِهَا، إِذْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ.
وَ: مِنْ، لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ عِنْدَ الْمُبَرِّدِ، وَبِمَعْنَى: عِنْدَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» قَالَ: مَعْنَاهُ عِنْدَ جُوعٍ وَعِنْدَ خَوْفٍ، وَكَوْنُ: مِنْ، بِمَعْنَى: عِنْدَ، ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ، مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً «٢» وَالْمَعْنَى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أَوْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا، أَيْ: بَدَلَ رَحْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَبَدَلَ الْحَقِّ. وَمِنْهُ: وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ أَيْ: لَا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ وَحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، أَيْ: بَدَلَ طَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ. وَمَا عِنْدَكَ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى «٣» انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَإِثْبَاتُ الْبَدَلِيَّةِ: لِمِنْ، فِيهِ خِلَافٌ أَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَهُ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ أَثْبَتَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهَا تَأْتِي بِمَعْنَى الْبَدَلِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ «٤» لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
«٥» أَيْ: بَدَلَ الْآخِرَةِ وَبَدَلَكُمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَيْ بَدَلَ الْفَصِيلِ، وَشَيْئًا يَنْتَصِبُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، كَمَا تَقُولُ ضَرَبْتُ شَيْئًا مِنَ الضَّرْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، لِأَنَّ مَعْنَى: لَنْ تُغْنِيَ، لَنْ تَدْفَعَ أَوْ تَمْنَعَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: مِنْ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ لَهَا، فَلَمَّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ. وَتَكُونُ: مِنْ إِذْ ذَاكَ لِلتَّبْعِيضِ.
فَتُلَخَّصُ فِي: مِنْ، أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ، والكلبي. و: كونها بِمَعْنَى: عِنْدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ. و: البدلية، وهو قول الزمخشري، و: التبعيض، وَهُوَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ.
وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ لَمَّا قَدَّمَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ كَثْرَةُ أموالهم،
وَ: مِنْ، لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ عِنْدَ الْمُبَرِّدِ، وَبِمَعْنَى: عِنْدَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» قَالَ: مَعْنَاهُ عِنْدَ جُوعٍ وَعِنْدَ خَوْفٍ، وَكَوْنُ: مِنْ، بِمَعْنَى: عِنْدَ، ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ، مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً «٢» وَالْمَعْنَى: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، أَوْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْئًا، أَيْ: بَدَلَ رَحْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَبَدَلَ الْحَقِّ. وَمِنْهُ: وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ أَيْ: لَا يَنْفَعُهُ جَدُّهُ وَحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، أَيْ: بَدَلَ طَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ. وَمَا عِنْدَكَ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى «٣» انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَإِثْبَاتُ الْبَدَلِيَّةِ: لِمِنْ، فِيهِ خِلَافٌ أَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَهُ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ أَثْبَتَهُ، وَزَعَمَ أَنَّهَا تَأْتِي بِمَعْنَى الْبَدَلِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ «٤» لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
«٥» أَيْ: بَدَلَ الْآخِرَةِ وَبَدَلَكُمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
| أَخَذُوا الْمَخَاضَ مِنَ الْفَصِيلِ غُلُبَّةً | ظُلْمًا وَيُكْتَبُ لِلْأَمِيرِ أَفِيلَا |
فَتُلَخَّصُ فِي: مِنْ، أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ، والكلبي. و: كونها بِمَعْنَى: عِنْدَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ. و: البدلية، وهو قول الزمخشري، و: التبعيض، وَهُوَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ.
وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ لَمَّا قَدَّمَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ كَثْرَةُ أموالهم،
(١) سورة قريش: ١٠٦/ ٤.
(٢) سورة النجم: ٥٣/ ٢٨.
(٣) سورة سبأ: ٣٤/ ٣٧. [.....]
(٤) سورة التوبة: ٩/ ٣٨.
(٥) سورة الزخرف: ٤٣/ ٦٠.
(٢) سورة النجم: ٥٣/ ٢٨.
(٣) سورة سبأ: ٣٤/ ٣٧. [.....]
(٤) سورة التوبة: ٩/ ٣٨.
(٥) سورة الزخرف: ٤٣/ ٦٠.
35
وَلَا تَنَاصُرُ أَوْلَادِهِمْ، أَخْبَرَ بِمَآلِهِمْ. وَأَنَّ غَايَةَ مَنْ كَفَرَ، وَمُنْتَهَى مَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ النار، فاحتلمت هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى خَبَرِ: إِنَّ، واحتمل أن تكونه مُسْتَأْنَفَةً عُطِفَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَأَشَارَ: بِأُولَئِكَ، إِلَى بُعْدِهِمْ. وَأَتَى بِلَفْظِ: هُمْ، الْمُشْعِرَةُ بِالِاخْتِصَاصِ، وَجَعَلَهُمْ نَفْسَ الْوَقُودِ مُبَالَغَةً فِي الِاحْتِرَاقِ، كَأَنَّ النَّارَ لَيْسَ لَهَا مَا يُضْرِمُهَا إِلَّا هُمْ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْوَقُودِ فِي قَوْلِهِ: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ «١».
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: وُقُودُ، بِضَمِّ الْوَاوِ، وَهُوَ مَصْدَرُ: وَقَدَتِ النَّارُ تَقِدُ وُقُودًا، وَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: أهل وَقُودِ النَّارِ، أَوْ: حَطَبُ وَقُودٍ، أَوْ جَعَلَهُمْ نَفْسَ الْوَقُودِ مُبَالَغَةً، كَمَا تَقُولُ: زَيْدُ رِضًا.
وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَصْدَرِ أَيْضًا: وَقُودُ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَعُولٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ ذكر ذلك.
وَ: هُمْ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَصْلًا.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ كَفَرَ وَكَذَّبَ بِاللَّهِ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ مَالُهُ وَلَا وَلَدُهُ، ذَكَرَ أَنَّ شَأْنَ هَؤُلَاءِ فِي تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرَتُّبَ الْعَذَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ، كَشَأْنِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ، أُخِذُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَعُذِّبُوا عَلَيْهَا، وَنَبَّهَ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ مَا جَرَى لَهُمْ حِينَ كَذَّبُوا بِمُوسَى مِنْ إِغْرَاقِهِمْ وَتَصْيِيرِهِمْ آخِرًا إِلَى النَّارِ، وَظُهُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمْ، وَتَوْرِيثِهِمْ أَمَاكِنَ مُلْكِهِمْ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ بِشَارَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ. أَنَّ الْكُفَّارَ مَآلُهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى الِاسْتِئْصَالِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى النَّارِ، كَمَا جَرَى لِآلِ فِرْعَوْنَ، أُهْلِكُوا فِي الدُّنْيَا، وَصَارُوا إِلَى النَّارِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْرَابِ: كَدَأْبِ، فَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، وَبِهِ بَدَأَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ.
وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نصب بوقود، أَيْ: تُوقَدُ النَّارُ بِهِمْ، كَمَا تُوقَدُ بِآلِ فِرْعَوْنَ. كَمَا تَقُولُ: إِنَّكَ لَتَظْلِمُ النَّاسَ كَدَأْبِ أَبِيكَ، تُرِيدُ: كَظُلْمِ أَبِيكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: وُقُودُ، بِضَمِّ الْوَاوِ، وَهُوَ مَصْدَرُ: وَقَدَتِ النَّارُ تَقِدُ وُقُودًا، وَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: أهل وَقُودِ النَّارِ، أَوْ: حَطَبُ وَقُودٍ، أَوْ جَعَلَهُمْ نَفْسَ الْوَقُودِ مُبَالَغَةً، كَمَا تَقُولُ: زَيْدُ رِضًا.
وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَصْدَرِ أَيْضًا: وَقُودُ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى فَعُولٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ ذكر ذلك.
وَ: هُمْ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَصْلًا.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ كَفَرَ وَكَذَّبَ بِاللَّهِ مَآلُهُ إِلَى النَّارِ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ مَالُهُ وَلَا وَلَدُهُ، ذَكَرَ أَنَّ شَأْنَ هَؤُلَاءِ فِي تَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرَتُّبَ الْعَذَابِ عَلَى كُفْرِهِمْ، كَشَأْنِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ، أُخِذُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَعُذِّبُوا عَلَيْهَا، وَنَبَّهَ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ مَا جَرَى لَهُمْ حِينَ كَذَّبُوا بِمُوسَى مِنْ إِغْرَاقِهِمْ وَتَصْيِيرِهِمْ آخِرًا إِلَى النَّارِ، وَظُهُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمْ، وَتَوْرِيثِهِمْ أَمَاكِنَ مُلْكِهِمْ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ بِشَارَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ. أَنَّ الْكُفَّارَ مَآلُهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَى الِاسْتِئْصَالِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى النَّارِ، كَمَا جَرَى لِآلِ فِرْعَوْنَ، أُهْلِكُوا فِي الدُّنْيَا، وَصَارُوا إِلَى النَّارِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْرَابِ: كَدَأْبِ، فَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَّقْدِيرُ: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، وَبِهِ بَدَأَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ.
وَقِيلَ: هُوَ فِي مَوْضِعِ نصب بوقود، أَيْ: تُوقَدُ النَّارُ بِهِمْ، كَمَا تُوقَدُ بِآلِ فِرْعَوْنَ. كَمَا تَقُولُ: إِنَّكَ لَتَظْلِمُ النَّاسَ كَدَأْبِ أَبِيكَ، تُرِيدُ: كَظُلْمِ أَبِيكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢٤ والتحريم: ٦٦/ ٦.
36
وَقِيلَ: بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِنْ لَفْظِ الْوَقُودِ، وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي نَفْسِ الِاحْتِرَاقِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقِيلَ: مِنْ مَعْنَاهُ أَيْ عُذِّبُوا تَعْذِيبًا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَقُودُ النَّارِ.
وَقِيلَ: بلن تُغْنِيَ، أَيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِثْلُ مَا لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِلْفَصْلِ بين العالم وَالْمَعْمُولِ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ عَلَى أَيِّ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّرْنَاهُمَا فِيهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى خَبَرِ إِنَّ، أَوْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُؤَكَّدَةِ بِإِنَّ، فَإِنْ قَدَّرْتَهَا اعْتِرَاضِيَّةً، وَهُوَ بَعِيدٌ، جَازَ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقِيلَ: بِفِعْلٍ مَنْصُوبٍ مِنْ مَعْنَى: لَنْ تُغْنِيَ، أَيْ بَطَلَ انْتِفَاعُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ بُطْلَانًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْمُولًا لِلصِّلَةِ كَانَ مِنَ الصِّلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْمَوْصُولِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صِلَتَهُ وَمُتَعَلَّقَاتِهَا، وَهُنَا قَدْ أَخْبَرَ، فَلَا تَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِمَا فِي الصِّلَةِ.
وَقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: كَفَرُوا، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِي الْكَافِ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، وَالضَّمِيرُ فِي: كَذَّبُوا، عَلَى هَذَا لِكُفَّارِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُعَاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيْ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أَيْ: أَخَذَهُمْ أَخْذًا كَمَا أَخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا.
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا: زَيْدًا قُمْتُ فَضَرَبْتُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ هَذَا الْقَوْلُ.
فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ فِي الْعَامِلِ فِي الْكَافِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالدَّأْبُ، بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، مَصْدَرُ دَأَبَ يَدْأَبُ، إِذَا لَازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ وَدَامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، وَيُقَالُ لِلْعَادَةِ: دَأْبٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ:
كَدَأَبِ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَالَ لِي وَأَنَا غُلَيْمٌ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ كَدَأَبِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَظُنُّهُ مِنْ: دَئِبَ يَدْأَبُ دَأَبًا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، وَتَعَجَّبَ مِنْ جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلَى صِغَرِي،
وَقِيلَ: بلن تُغْنِيَ، أَيْ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِثْلُ مَا لَمْ تُغْنِ عَنْ أُولَئِكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِلْفَصْلِ بين العالم وَالْمَعْمُولِ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ عَلَى أَيِّ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّرْنَاهُمَا فِيهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى خَبَرِ إِنَّ، أَوْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُؤَكَّدَةِ بِإِنَّ، فَإِنْ قَدَّرْتَهَا اعْتِرَاضِيَّةً، وَهُوَ بَعِيدٌ، جَازَ مَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وَقِيلَ: بِفِعْلٍ مَنْصُوبٍ مِنْ مَعْنَى: لَنْ تُغْنِيَ، أَيْ بَطَلَ انْتِفَاعُهُمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ بُطْلَانًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْمُولًا لِلصِّلَةِ كَانَ مِنَ الصِّلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْمَوْصُولِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ صِلَتَهُ وَمُتَعَلَّقَاتِهَا، وَهُنَا قَدْ أَخْبَرَ، فَلَا تَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِمَا فِي الصِّلَةِ.
وَقِيلَ: بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: كَفَرُوا، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا كُفْرًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِي الْكَافِ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، وَالضَّمِيرُ فِي: كَذَّبُوا، عَلَى هَذَا لِكُفَّارِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُعَاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيْ: كَذَّبُوا تَكْذِيبًا كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ.
وَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أَيْ: أَخَذَهُمْ أَخْذًا كَمَا أَخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهَا.
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُمْ أَجَازُوا: زَيْدًا قُمْتُ فَضَرَبْتُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ هَذَا الْقَوْلُ.
فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ فِي الْعَامِلِ فِي الْكَافِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالدَّأْبُ، بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، مَصْدَرُ دَأَبَ يَدْأَبُ، إِذَا لَازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ وَدَامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، وَيُقَالُ لِلْعَادَةِ: دَأْبٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَسَمِعْتُ يَعْقُوبَ يَذْكُرُ:
كَدَأَبِ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَالَ لِي وَأَنَا غُلَيْمٌ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَجُوزُ كَدَأَبِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَظُنُّهُ مِنْ: دَئِبَ يَدْأَبُ دَأَبًا، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، وَتَعَجَّبَ مِنْ جَوْدَةِ تَقْدِيرِي عَلَى صِغَرِي،
37
وَلَا أَدْرِي: أَيُقَالُ أَمْ لَا؟ قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يُقَالُ دَئِبَ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: دَأَبَ يَدْأَبُ دُؤُبًا هَكَذَا حَكَى النَّحْوِيُّونَ، مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ، حَكَاهُ فِي كِتَابِ (المصادر).
وآل فِرْعَوْنَ: أَشْيَاعُهُ وَأَتْبَاعُهُ.
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هُمْ كُفَّارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ. فَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا عَائِدٌ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا وَهُمْ مُعَاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَوْضِعُ: وَالَّذِينَ، جَرٌّ عَطْفًا عَلَى: آلِ فِرْعَوْنَ.
كَذَّبُوا بِآياتِنا هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا فَعَلُوا؟ وَمَا فُعِلَ بِهِمْ؟
فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَهِيَ كَأَنَّهَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: مُكَذِّبِينَ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا فَيَكُونُ: الَّذِينَ، مُبْتَدَأٌ، وَ: كَذَّبُوا خَبَرُهُ وَفِي قَوْلِهِ: بِآيَاتِنَا، الْتِفَاتٌ، إِذْ قَبْلَهُ مِنَ اللَّهِ، فَهُوَ اسْمُ غَيْبَةٍ، فَانْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى التكلم.
و: الآيات، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْلُوَّةَ فِي كُتُبِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِدْقِ أَنْبِيَائِهِ.
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَمَعْنَى الْأَخْذِ بِالذَّنْبِ: الْعِقَابُ عَلَيْهِ، وَالْبَاءُ فِي: بِذُنُوبِهِمْ، لِلسَّبَبِ.
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَكَذَّبَ بِهَا.
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ.
حُسْنَ الْإِبْهَامِ، وَهُوَ فِيمَا افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الْفِكْرَ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ.
وَمَجَازُ التَّشْبِيهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَالْقُرْآنُ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَلَمَّا أُثْبِتَ فِي الْقَلْبِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْإِنْزَالِ. وَفِي قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ الْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكُتُبِ، شُبِّهَ بِالْإِنْسَانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنَالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَفِي قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ أَقَامَ الْمَصْدَرَ فِيهِ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْرَاةَ كَالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أَمْرًا، أَيْ: يَسْتُرُهُ لِمَا فِيهَا مِنَ
وآل فِرْعَوْنَ: أَشْيَاعُهُ وَأَتْبَاعُهُ.
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هُمْ كُفَّارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ. فَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا عَائِدٌ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا وَهُمْ مُعَاصِرُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَوْضِعُ: وَالَّذِينَ، جَرٌّ عَطْفًا عَلَى: آلِ فِرْعَوْنَ.
كَذَّبُوا بِآياتِنا هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلدَّأْبِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا فَعَلُوا؟ وَمَا فُعِلَ بِهِمْ؟
فَقِيلَ: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَهِيَ كَأَنَّهَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: مُكَذِّبِينَ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ:
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا فَيَكُونُ: الَّذِينَ، مُبْتَدَأٌ، وَ: كَذَّبُوا خَبَرُهُ وَفِي قَوْلِهِ: بِآيَاتِنَا، الْتِفَاتٌ، إِذْ قَبْلَهُ مِنَ اللَّهِ، فَهُوَ اسْمُ غَيْبَةٍ، فَانْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى التكلم.
و: الآيات، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْلُوَّةَ فِي كُتُبِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِدْقِ أَنْبِيَائِهِ.
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ رَجَعَ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَمَعْنَى الْأَخْذِ بِالذَّنْبِ: الْعِقَابُ عَلَيْهِ، وَالْبَاءُ فِي: بِذُنُوبِهِمْ، لِلسَّبَبِ.
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سَطْوَةِ اللَّهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَكَذَّبَ بِهَا.
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ.
حُسْنَ الْإِبْهَامِ، وَهُوَ فِيمَا افْتُتِحَتْ بِهِ، لِيُنَبِّهَ الْفِكْرَ إِلَى النَّظَرِ فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ.
وَمَجَازُ التَّشْبِيهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَحَقِيقَةُ النُّزُولِ طَرْحُ جَرْمٍ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ، وَالْقُرْآنُ مُثْبَتٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَلَمَّا أُثْبِتَ فِي الْقَلْبِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ جِرْمٍ أُلْقِيَ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ فَشُبِّهَ بِهِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْإِنْزَالِ. وَفِي قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ الْقُرْآنُ مُصَدِّقٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكُتُبِ، شُبِّهَ بِالْإِنْسَانِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ يَنَالُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَفِي قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ أَقَامَ الْمَصْدَرَ فِيهِ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَجَعَلَ التَّوْرَاةَ كَالرَّجُلِ الَّذِي يُوَرِّي عَنْكَ أَمْرًا، أَيْ: يَسْتُرُهُ لِمَا فِيهَا مِنَ
38
الْمَعَانِي الْغَامِضَةِ، وَالْإِنْجِيلُ شُبِّهَ لِمَا فِيهِ مِنَ اتِّسَاعِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْخُضُوعِ بِالْعَيْنِ النَّجْلَاءِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ هُدًى لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِرْشَادِ، كَالطَّرِيقِ الَّذِي يَهْدِيكَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَرُومُهُ، وَشَبَّهَ الْفُرْقَانَ بِالْجِرْمِ الْفَارِقِ بَيْنَ جِرْمَيْنِ، وَفِي قَوْلِهِ: عَذابٌ شَدِيدٌ شَبَّهَ مَا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنْ ضِيقِ الْعَذَابِ وَأَلَمِهِ بِالْمَشْدُودِ الْمُوَثقِ الْمُضَيَّقِ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ:
يُصَوِّرُكُمْ شَبَّهَ أَمْرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْ أَوْ تَعَلُّقَ إِرَادَتِهِ بِكَوْنِهِ جَاءَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِحْكَامِ وَالصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إِلَى جِرْمٍ، وَيُصَوِّرُ مِنْهُ صُورَةً. وَفِي قَوْلِهِ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ جَعَلَ مَا اتَّضَحَ مِنْ مَعَانِي كِتَابِهِ، وَظَهَرَتْ آثَارُ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وَشَبَّهَ الْمُحْكَمُ لِمَا فِيهِ مِنْ أُصُولِ الْمَعَانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إِلَيْهَا بِالْأُمِّ التي يرجع إِلَيْهَا مَا تَفَرَّعَ مِنْ نَسْلِهَا وَيَؤُمُّونَهَا، وَشَبَّهَ مَا خَفِيَتْ مَعَانِيهِ لِاخْتِلَافِ أَنْحَائِهِ كَالْفَوَاتِحِ، وَالْأَلْفَاظَ الْمُحْتَمِلَةَ مَعَانِيَ شَتَّى، وَالْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَمْرِ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَبَهِ الْمُلْبَسِ أَمْرُهُ الَّذِي وَجَمَ الْعَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ وَفِي قَوْلِهِ: فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ شَبَّهَ الْقَلْبَ الْمَائِلَ عَنِ الْقَصْدِ بِالشَّيْءِ الزَّائِغِ عَنْ مَكَانِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً شَبَّهَ الْمَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إِرَادَةِ الْخَيْرِ، بِالْمَحْسُوسِ مِنَ الْأَجْرَامِ مِنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي الْهِبَةِ وَفِي قَوْلِهِ: وَقُودُ النَّارِ شَبَّهَهُمْ بِالْحَطَبِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا فِي الْوَقُودِ. وَقَالَ تَعَالَى:
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ «١» وَالْحَصَبُ الْحَطَبُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ شَبَّهَ إِحَاطَةَ عَذَابِهِ بِهِمْ بِالْمَأْخُوذِ بِالْيَدِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إِرَادَةِ الْأَخْذِ.
وَقِيلَ: هَذِهِ كُلُّهَا اسْتِعَارَاتٌ، وَلَا تَشْبِيهَ فِيهَا إِلَّا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ.
وَالِاخْتِصَاصُ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا فِي قَوْلِهِ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَى وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، وَاخْتَصَّ الْأَرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ مَا أَنْزَلَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْكُتُبِ إِذْ ذَاكَ: الْمُؤْمِنُونَ، وَالْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَفِي قَوْلِهِ: لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ خَصَّهُمَا لِأَنَّهُمَا أَكْبَرُ مَخْلُوقَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لَنَا، وَلِأَنَّهُمَا مَحَلَّانِ لِلْعُقَلَاءِ، وَلِأَنَّ مِنْهُمَا أَكْثَرَ الْمَنَافِعِ الْمُخْتَصَّةِ بِعِبَادِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَالرَّاسِخُونَ اخْتَصَّهُمْ بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بهم وفي قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ لَهُمْ خصوصية التمييز، والنظر،
يُصَوِّرُكُمْ شَبَّهَ أَمْرَهُ بِقَوْلِهِ: كُنْ أَوْ تَعَلُّقَ إِرَادَتِهِ بِكَوْنِهِ جَاءَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِحْكَامِ وَالصُّنْعِ بِمُصَوِّرٍ يُمَثِّلُ شَيْئًا، فَيَضُمُّ جِرْمًا إِلَى جِرْمٍ، وَيُصَوِّرُ مِنْهُ صُورَةً. وَفِي قَوْلِهِ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ جَعَلَ مَا اتَّضَحَ مِنْ مَعَانِي كِتَابِهِ، وَظَهَرَتْ آثَارُ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ مُحْكَمًا، وَشَبَّهَ الْمُحْكَمُ لِمَا فِيهِ مِنْ أُصُولِ الْمَعَانِي الَّتِي تَتَفَرَّعُ مِنْهَا فُرُوعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُرْجَعُ إِلَيْهَا بِالْأُمِّ التي يرجع إِلَيْهَا مَا تَفَرَّعَ مِنْ نَسْلِهَا وَيَؤُمُّونَهَا، وَشَبَّهَ مَا خَفِيَتْ مَعَانِيهِ لِاخْتِلَافِ أَنْحَائِهِ كَالْفَوَاتِحِ، وَالْأَلْفَاظَ الْمُحْتَمِلَةَ مَعَانِيَ شَتَّى، وَالْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى أَمْرِ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَبَهِ الْمُلْبَسِ أَمْرُهُ الَّذِي وَجَمَ الْعَقْلُ عَنْ تَكْيِيفِهِ وَفِي قَوْلِهِ: فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ شَبَّهَ الْقَلْبَ الْمَائِلَ عَنِ الْقَصْدِ بِالشَّيْءِ الزَّائِغِ عَنْ مَكَانِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً شَبَّهَ الْمَعْقُولَ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ إِرَادَةِ الْخَيْرِ، بِالْمَحْسُوسِ مِنَ الْأَجْرَامِ مِنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي الْهِبَةِ وَفِي قَوْلِهِ: وَقُودُ النَّارِ شَبَّهَهُمْ بِالْحَطَبِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا فِي الْوَقُودِ. وَقَالَ تَعَالَى:
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ «١» وَالْحَصَبُ الْحَطَبُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ شَبَّهَ إِحَاطَةَ عَذَابِهِ بِهِمْ بِالْمَأْخُوذِ بِالْيَدِ الْمُتَصَرِّفِ فِيهِ بِحُكْمِ إِرَادَةِ الْأَخْذِ.
وَقِيلَ: هَذِهِ كُلُّهَا اسْتِعَارَاتٌ، وَلَا تَشْبِيهَ فِيهَا إِلَّا كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِذِكْرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ.
وَالِاخْتِصَاصُ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا فِي قَوْلِهِ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَى وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ عَلَى مَنْ فَسَّرَهُ بِالزَّبُورِ، وَاخْتَصَّ الْأَرْبَعَةَ دُونَ بَقِيَّةِ مَا أَنْزَلَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْكُتُبِ إِذْ ذَاكَ: الْمُؤْمِنُونَ، وَالْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، وَفِي قَوْلِهِ: لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ خَصَّهُمَا لِأَنَّهُمَا أَكْبَرُ مَخْلُوقَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لَنَا، وَلِأَنَّهُمَا مَحَلَّانِ لِلْعُقَلَاءِ، وَلِأَنَّ مِنْهُمَا أَكْثَرَ الْمَنَافِعِ الْمُخْتَصَّةِ بِعِبَادِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَالرَّاسِخُونَ اخْتَصَّهُمْ بِخُصُوصِيَّةِ الرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ بهم وفي قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ لَهُمْ خصوصية التمييز، والنظر،
(١) سورة الأنبياء: ٢١/ ٩٨.
39
وَالِاعْتِبَارِ. وَفِي قَوْلِهِ: لَا تُزِغْ قُلُوبَنا اخْتَصَّ الْقُلُوبَ لِأَنَّ بِهَا صَلَاحَ الْجَسَدِ وَفَسَادِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّهَا مَحَلُّ الْإِيمَانِ وَمَحَلُّ الْعَقْلِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ هو جَامِعُهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحْيَاءً وَفِي بَطْنِهَا أَمْوَاتًا، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْجَمْعَ الْأَكْبَرَ، وَهُوَ الْحَشْرُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا جَامِعَ إِلَّا هُوَ تَعَالَى. وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ اخْتَصَّ الْكُفَّارَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمُ الَّتِي يُنْفِقُونَهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، فَهُمْ يَجْنُونَ ثَمَرَتَهَا فِي الْآخِرَةِ، وَتَنْفَعُهُمْ أَوْلَادُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، يَسْقُونَهُمْ وَيَكُونُونَ لَهُمْ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، وَيُشَفَّعُونَ فِيهِمْ إِذَا مَاتُوا صِغَارًا، وَيَنْفَعُونَهُمْ بِالدُّعَاءِ الصَّالِحِ كِبَارًا. وَكُلُّ هَذَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ.
وَفِي قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ، وَقَدَّمَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ طُغْيَانًا، وَأَعْظَمُهُمْ تَعَنُّتًا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا.
وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ، فِي قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ: من الكتب وأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أَيْ: وَأَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ، لِأَنَّ الْإِنْزَالَيْنِ فِي زَمَانَيْنِ هُدىً لِلنَّاسِ أَيِ: الَّذِينَ أَرَادَ هُدَاهُمْ: عَذابٌ شَدِيدٌ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذُو انْتِقامٍ أَيْ مِمَّنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أَيْ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا الْعَزِيزُ أَيْ: فِي مُلْكِهِ. الْحَكِيمُ أَيْ فِي صُنْعِهِ وَأُخَرُ أَيْ: آيَاتٌ أُخَرُ زَيْغٌ أَيْ عَنِ الْحَقِّ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أَيْ: لَكُمْ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أَيْ: عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَيْ: عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبَةِ رَبَّنا أَيْ يا رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا أَيْ: عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أَيْ: إِلَيْهِ كَذَّبُوا بِآياتِنا أَيِ: الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ، أَوِ الْمَنْصُوبَاتِ عَلَمًا عَلَى التَّوْحِيدِ بِذُنُوبِهِمْ أَيِ السَّالِفَةِ.
وَالتَّكْرَارُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ. كُرِّرَ لِاخْتِلَافِ الْإِنْزَالِ، وَكَيْفِيَّتِهِ، وَزَمَانِهِ، بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعَالَى تَفْخِيمًا، لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْمُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ مَا لَيْسَ فِي الْمُضْمَرِ. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ. كَرَّرَ الْجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِقْرَارِ ذَلِكَ فِي النُّفُوسِ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ. ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. كُرِّرَ لِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أَوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ. رَبَّنَا لَا تُزِغْ،
وَفِي قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ، وَقَدَّمَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ طُغْيَانًا، وَأَعْظَمُهُمْ تَعَنُّتًا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا.
وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ، فِي قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ: من الكتب وأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أَيْ: وَأَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ، لِأَنَّ الْإِنْزَالَيْنِ فِي زَمَانَيْنِ هُدىً لِلنَّاسِ أَيِ: الَّذِينَ أَرَادَ هُدَاهُمْ: عَذابٌ شَدِيدٌ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذُو انْتِقامٍ أَيْ مِمَّنْ أَرَادَ عُقُوبَتَهُ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أَيْ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا الْعَزِيزُ أَيْ: فِي مُلْكِهِ. الْحَكِيمُ أَيْ فِي صُنْعِهِ وَأُخَرُ أَيْ: آيَاتٌ أُخَرُ زَيْغٌ أَيْ عَنِ الْحَقِّ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أَيْ: لَكُمْ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أَيْ: عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَيْ: عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَطْلُوبَةِ رَبَّنا أَيْ يا رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا أَيْ: عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أَيْ: إِلَيْهِ كَذَّبُوا بِآياتِنا أَيِ: الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ، أَوِ الْمَنْصُوبَاتِ عَلَمًا عَلَى التَّوْحِيدِ بِذُنُوبِهِمْ أَيِ السَّالِفَةِ.
وَالتَّكْرَارُ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ. كُرِّرَ لِاخْتِلَافِ الْإِنْزَالِ، وَكَيْفِيَّتِهِ، وَزَمَانِهِ، بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ كَرَّرَ اسْمَهَ تَعَالَى تَفْخِيمًا، لِأَنَّ فِي ذِكْرِ الْمُظْهَرِ مِنَ التَّفْخِيمِ مَا لَيْسَ فِي الْمُضْمَرِ. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ. كَرَّرَ الْجُمْلَةَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِقْرَارِ ذَلِكَ فِي النُّفُوسِ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ. ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. كُرِّرَ لِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلَيْنِ، أَوْ لِلتَّفْخِيمِ لِشَأْنِ التَّأْوِيلِ. رَبَّنَا لَا تُزِغْ،
40
رَبَّنَا إِنَّكَ. كَرَّرَ الدُّعَاءَ تَنْبِيهًا عَلَى مُلَازَمَتِهِ، وَتَحْذِيرًا مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الِافْتِقَارِ.
وَالتَّقْدِيِمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَذَلِكَ فِي ذِكْرِ إِنْزَالِ الْكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الزَّمَانِ، إِذِ التَّوْرَاةُ أَوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، ثُمَّ الْقُرْآنُ. وَقُدِّمَ الْقُرْآنُ لِشَرَفِهِ، وَعِظَمِ ثَوَابِهِ وَنَسْخِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَقَائِهِ، وَاسْتِمْرَارِ حُكْمِهِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ. وَثَنَى بِالتَّوْرَاةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْكَثِيرَةِ، وَالْقَصَصِ، وَخَفَايَا الِاسْتِنْبَاطِ.
وروى... «١» : أَنَّ التَّوْرَاةَ حِينَ نَزَلَتْ كَانَتْ سَبْعِينَ وَسْقًا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْإِنْجِيلِ
، لِأَنَّهُ كِتَابٌ فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ تَلَاهُ بِالزَّبُورِ لِأَنَّ فِيهِ مَوَاعِظَ وَحِكَمًا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الْإِنْجِيلِ، وَهَذَا إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ الزَّبُورُ، وَفِي قَوْلِهِ: فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قَدَّمَ الْأَرْضَ عَلَى السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ أَكْثَرَ فِي الْعَوَالِمِ، وَأَكْبَرَ فِي الْأَجْرَامِ، وَأَكْبَرَ فِي الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ، وَأَجْزَلَ فِي الْفَضَائِلِ لِطَهَارَةِ سُكَّانِهَا، بِخِلَافِ سُكَّانِ الْأَرْضِ، لِيُعْلِمَهُمُ، اطِّلَاعَهُ عَلَى خَفَايَا أُمُورِهِمْ، فَاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسَى أَنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أَفْعَالِهِمْ، لِأَنَّهُ إِذَا أَنْبَهَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، اسْتَحْيَا مِنْهُ.
وَالِالْتِفَاتُ رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَفِي قَوْلِهِ: كَذَّبُوا بِآياتِنا ثُمَّ قَالَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.
وَالتَّأْكِيدُ: وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ فَأَكَّدَ بِلَفْظَةِ: هُمْ، وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ قَوْلَهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ قَوْلَهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ.
وَالتَّوَسُّعُ بِإِقَامَةِ الْمَصْدَرِ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: هُدًى، وَالْفَرْقَانِ، أَيْ: هَادِيًا، وَالْفَارِقُ. وَبِإِقَامَةِ الْحَرْفِ مَقَامَ الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوَّلَ: مِنْ، بِمَعْنَى: عِنْدَ.
وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي قَوْلِهِ: وَهَبْ، وَالْوَهَّابُ.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢ الى ١٤]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)
وَالتَّقْدِيِمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَذَلِكَ فِي ذِكْرِ إِنْزَالِ الْكُتُبِ، لَمْ يَجِيءِ الْإِخْبَارُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الزَّمَانِ، إِذِ التَّوْرَاةُ أَوَّلًا، ثُمَّ الزَّبُورُ، ثُمَّ الْإِنْجِيلُ، ثُمَّ الْقُرْآنُ. وَقُدِّمَ الْقُرْآنُ لِشَرَفِهِ، وَعِظَمِ ثَوَابِهِ وَنَسْخِهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَبَقَائِهِ، وَاسْتِمْرَارِ حُكْمِهِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ. وَثَنَى بِالتَّوْرَاةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الْكَثِيرَةِ، وَالْقَصَصِ، وَخَفَايَا الِاسْتِنْبَاطِ.
وروى... «١» : أَنَّ التَّوْرَاةَ حِينَ نَزَلَتْ كَانَتْ سَبْعِينَ وَسْقًا، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالْإِنْجِيلِ
، لِأَنَّهُ كِتَابٌ فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ تَلَاهُ بِالزَّبُورِ لِأَنَّ فِيهِ مَوَاعِظَ وَحِكَمًا لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الْإِنْجِيلِ، وَهَذَا إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ الزَّبُورُ، وَفِي قَوْلِهِ: فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قَدَّمَ الْأَرْضَ عَلَى السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ أَكْثَرَ فِي الْعَوَالِمِ، وَأَكْبَرَ فِي الْأَجْرَامِ، وَأَكْبَرَ فِي الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ، وَأَجْزَلَ فِي الْفَضَائِلِ لِطَهَارَةِ سُكَّانِهَا، بِخِلَافِ سُكَّانِ الْأَرْضِ، لِيُعْلِمَهُمُ، اطِّلَاعَهُ عَلَى خَفَايَا أُمُورِهِمْ، فَاهْتَمَّ بِتَقْدِيمِ مَحَلِّهِمْ عَسَى أَنْ يَزْدَجِرُوا عَنْ قَبِيحِ أَفْعَالِهِمْ، لِأَنَّهُ إِذَا أَنْبَهَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، اسْتَحْيَا مِنْهُ.
وَالِالْتِفَاتُ رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَفِي قَوْلِهِ: كَذَّبُوا بِآياتِنا ثُمَّ قَالَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.
وَالتَّأْكِيدُ: وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ فَأَكَّدَ بِلَفْظَةِ: هُمْ، وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ قَوْلَهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ قَوْلَهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ.
وَالتَّوَسُّعُ بِإِقَامَةِ الْمَصْدَرِ مَقَامَ اسْمِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: هُدًى، وَالْفَرْقَانِ، أَيْ: هَادِيًا، وَالْفَارِقُ. وَبِإِقَامَةِ الْحَرْفِ مَقَامَ الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ، عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوَّلَ: مِنْ، بِمَعْنَى: عِنْدَ.
وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي قَوْلِهِ: وَهَبْ، وَالْوَهَّابُ.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢ الى ١٤]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)
(١) مكان النقاط اسم غير واضح.
41
الْعِبْرَةُ: الِاتِّعَاظُ يُقَالُ: مِنْهُ اعْتَبَرَ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِشَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ يُشْبِهُهُ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، وَمِنْهُ: عِبْرُ النَّهْرِ، وَهُوَ شَطُّهُ، وَالْمِعْبَرُ:
السَّفِينَةُ، وَالْعِبَارَةُ يُعَبِّرُ بِهَا إِلَى الْمُخَاطَبِ بِالْمَعَانِي، وَعَبَرْتَ الرُّؤْيَا مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا: نَقَلْتَ مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِهَا إِلَى الرَّائِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ: وَكَانَ الِاعْتِبَارُ انْتِقَالًا عَنْ مَنْزِلَةِ الْجَهْلِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُ، الْعَبْرَةُ، وَهِيَ الدَّمْعُ، لِأَنَّهَا تُجَاوِزُ الْعَيْنَ.
الشَّهْوَةُ: مَا تَدْعُوَ النَّفْسُ إِلَيْهِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ: اشْتَهَى، وَيُجْمَعُ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ فَيُقَالُ:
شَهَوَاتٍ، وَوَجَدْتُ أَنَا فِي شِعْرِ الْعَرَبِ جَمْعَهَا عَلَى: شُهًى، نحو: نزوة ونزى، و: كوة وَكُوًى، عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ: كُوًى، جَمْعُ كَوَّةٍ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهَذَا مَعَ: قَرْيَةٍ وَقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمَّا جَاءَ عَلَى وَزْنِ فَعْلَةٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ، وَجُمِعَ عَلَى فُعَلٍ، وَاسْتَدْرَكْتُ أَنَا: شُهًى، وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ:
الْقِنْطَارُ: فِنْعَالُ نُونُهُ زَائِدَةٌ، قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ، فَيَكُونُ وَزْنُهُ: فِنْعَالًا مِنْ: قَطَرَ يَقْطُرُ وَقِيلَ:
أَصْلٌ وَوَزْنُ فعلال، وفيه خِلَافٌ: أَهْوَ وَاقِعٌ عَلَى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ؟ أَمْ هُوَ وَزْنٌ لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَرُ؟ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُقَالُ مِنْهُ: قَنْطَرَ الرجل إِذَا كَانَ عِنْدَهُ قَنَاطِيرُ، أَوْ قِنْطَارٌ مِنَ الْمَالِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وَأَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةَ لِإِحْكَامِهَا. وَقِيلَ:
قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ الْمَالَ الْكَثِيرَ الَّذِي يُعَبَّى بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ بِالْقَنْطَرَةِ.
السَّفِينَةُ، وَالْعِبَارَةُ يُعَبِّرُ بِهَا إِلَى الْمُخَاطَبِ بِالْمَعَانِي، وَعَبَرْتَ الرُّؤْيَا مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا: نَقَلْتَ مَا عِنْدَكَ مِنْ عِلْمِهَا إِلَى الرَّائِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجْهَلُ: وَكَانَ الِاعْتِبَارُ انْتِقَالًا عَنْ مَنْزِلَةِ الْجَهْلِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُ، الْعَبْرَةُ، وَهِيَ الدَّمْعُ، لِأَنَّهَا تُجَاوِزُ الْعَيْنَ.
الشَّهْوَةُ: مَا تَدْعُوَ النَّفْسُ إِلَيْهِ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ: اشْتَهَى، وَيُجْمَعُ بِالْأَلِفِ وَالتَّاءِ فَيُقَالُ:
شَهَوَاتٍ، وَوَجَدْتُ أَنَا فِي شِعْرِ الْعَرَبِ جَمْعَهَا عَلَى: شُهًى، نحو: نزوة ونزى، و: كوة وَكُوًى، عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ: كُوًى، جَمْعُ كَوَّةٍ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهَذَا مَعَ: قَرْيَةٍ وَقُرًى، ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ مِمَّا جَاءَ عَلَى وَزْنِ فَعْلَةٍ مُعْتَلِّ اللَّامِ، وَجُمِعَ عَلَى فُعَلٍ، وَاسْتَدْرَكْتُ أَنَا: شُهًى، وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي نَضْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ:
| فَلَوْلَا الشُّهَى وَاللَّهِ كُنْتُ جَدِيرَةً | بِأَنْ أَتْرُكَ اللَّذَّاتِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ |
أَصْلٌ وَوَزْنُ فعلال، وفيه خِلَافٌ: أَهْوَ وَاقِعٌ عَلَى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ؟ أَمْ هُوَ وَزْنٌ لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَرُ؟ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُقَالُ مِنْهُ: قَنْطَرَ الرجل إِذَا كَانَ عِنْدَهُ قَنَاطِيرُ، أَوْ قِنْطَارٌ مِنَ الْمَالِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ، عَقَدْتُهُ وَأَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةَ لِإِحْكَامِهَا. وَقِيلَ:
قَنْطَرْتُهُ: عَبَّيْتُهُ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَنْطَرَةَ. فَشَبِهَ الْمَالَ الْكَثِيرَ الَّذِي يُعَبَّى بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ بِالْقَنْطَرَةِ.
42
الذَّهَبُ: مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مُؤَنَّثٌ يُجْمَعُ عَلَى ذِهَابٍ وَذُهُوبٍ. وقيل: الذهب جمع ذهبية.
وَالْفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وَجَمْعُهَا فِضَضٌ، فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ، وَالْفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، وَمِنْهُ: فَضَضْتُ الْقَوْمَ.
الْخَيْلُ: جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، بَلْ وَاحِدُهُ: فَرَسٌ. وَقِيلَ: وَاحِدُهُ خَايِلٌ، كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيَالِهَا فِي مَشْيِهَا. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأَنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِي صُورَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: الِاخْتِيَالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.
النَّعَمُ: الْإِبِلُ فَقَطْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَلَا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: النَّعَمُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَإِذَا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ:
الْأَنْعَامُ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَاحِدُهَا نَعَمٌ، وَهُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَسِّهَا وَهُوَ لِينُهَا، وَمِنْهُ: النَّاعِمُ، وَالنَّعَامَةُ، وَالنَّعَامِيُّ: الْجَنُوبُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِينِ هُبُوبِهَا.
الْمَآبُ: مَفْعَلٌ مِنْ آبَ يؤوب إِيَابًا. أَيْ: رَجَعَ، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ.
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ قَالُوا بَعْدَ وَقْعَةِ بِدْرٍ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانُوا أَغْمَارًا، وَلَوْ حَارَبْتَنَا لَرَأَيْتَ رِجَالًا.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَمَّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ: هُوَ النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ الَّذِي فِي كِتَابِنَا، لَا تُهْزَمُ لَهُ رَايَةٌ. فَقَالَتْ لَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ:
لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نَرَى أَمْرَهُ فِي وَقْعَةٍ أُخْرَى. فَلَمَّا كَانَتْ أُحُدٌ كَفَرُوا جَمِيعُهُمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ الْمَنْصُورِ.
وَقِيلَ: فِي أَبِي سُفْيَانَ وَقَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ. وَلَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى قيل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ وَأَنَّهُمْ وَقُودُ النَّارِ «١» نَاسَبَ ذَلِكَ الْوَعْدُ الصَّادِقُ اتِّبَاعَهُ هَذَا الْوَعْدَ الصَّادِقَ، وَهُوَ كَالتَّوْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ، فَالْغَلَبَةُ تَحْصُلُ بِعَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَالْحَشْرُ لِجَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ لَهَا وَقُودًا.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: سَيَغْلَبُونَ وَيَحْشَرُونَ، بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ:
وَالْفِضَّةُ: مَعْرُوفَةٌ، وَجَمْعُهَا فِضَضٌ، فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ، وَالْفِضَّةُ مِنِ انْفَضَّ الشَّيْءُ: تَفَرَّقَ، وَمِنْهُ: فَضَضْتُ الْقَوْمَ.
الْخَيْلُ: جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، بَلْ وَاحِدُهُ: فَرَسٌ. وَقِيلَ: وَاحِدُهُ خَايِلٌ، كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاخْتِيَالِهَا فِي مَشْيِهَا. وَقِيلَ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ التَّخَيُّلِ، لِأَنَّهُ يُتَخَيَّلُ فِي صُورَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: الِاخْتِيَالُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخَيُّلِ.
النَّعَمُ: الْإِبِلُ فَقَطْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ مُذَكَّرٌ وَلَا يُؤَنَّثُ، يَقُولُونَ هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: النَّعَمُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَإِذَا جُمِعَ انْطَلَقَ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ:
الْأَنْعَامُ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَاحِدُهَا نَعَمٌ، وَهُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَسِّهَا وَهُوَ لِينُهَا، وَمِنْهُ: النَّاعِمُ، وَالنَّعَامَةُ، وَالنَّعَامِيُّ: الْجَنُوبُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِينِ هُبُوبِهَا.
الْمَآبُ: مَفْعَلٌ مِنْ آبَ يؤوب إِيَابًا. أَيْ: رَجَعَ، يَكُونُ لِلْمَصْدَرِ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ.
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ قَالُوا بَعْدَ وَقْعَةِ بِدْرٍ: إِنَّ قُرَيْشًا كَانُوا أَغْمَارًا، وَلَوْ حَارَبْتَنَا لَرَأَيْتَ رِجَالًا.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ، فَحَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَمَّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ: هُوَ النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ الَّذِي فِي كِتَابِنَا، لَا تُهْزَمُ لَهُ رَايَةٌ. فَقَالَتْ لَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ:
لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نَرَى أَمْرَهُ فِي وَقْعَةٍ أُخْرَى. فَلَمَّا كَانَتْ أُحُدٌ كَفَرُوا جَمِيعُهُمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ الْمَنْصُورِ.
وَقِيلَ: فِي أَبِي سُفْيَانَ وَقَوْمِهِ، جَمَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بَدْرٍ، فَنَزَلَتْ. وَلَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى قيل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ وَأَنَّهُمْ وَقُودُ النَّارِ «١» نَاسَبَ ذَلِكَ الْوَعْدُ الصَّادِقُ اتِّبَاعَهُ هَذَا الْوَعْدَ الصَّادِقَ، وَهُوَ كَالتَّوْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ، فَالْغَلَبَةُ تَحْصُلُ بِعَدَمِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَالْحَشْرُ لِجَهَنَّمَ مَبْدَأُ كَوْنِهِمْ يَكُونُونَ لَهَا وَقُودًا.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: سَيَغْلَبُونَ وَيَحْشَرُونَ، بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ:
(١) سورة آل عمران: ٣/ ١٠.
43
بِالتَّاءِ، خِطَابًا، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مَعْمُولًا لِلْقَوْلِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ إِذْ ذَاكَ لَيْسَتْ مَحْكِيَّةً بِقُلْ، بَلْ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ آخَرَ، التَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ قَوْلِي سَيُغْلَبُونَ، وَإِخْبَارِي أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الْغَلَبَةُ وَالْهَزِيمَةُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ «١» فَبِالتَّاءِ أَخْبَرَهُمْ بِمَعْنَى مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ سَيُغْلَبُونَ، وَبِالْيَاءِ أَخْبَرَهُمْ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ أَنَّهُمْ سَيُغْلَبُونَ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ:
الْفَرَّاءُ، وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، احْتِمَالًا أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي: سَيُغْلَبُونَ، فِي قِرَاءَةِ التَّاءِ عَلَى قُرَيْشٍ، أَيْ: قُلْ لِلْيَهُودِ سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعُمُّ الْفَرِيقَيْنِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ، وَكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَّيْفِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالذِّلَّةِ، وَظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالْحُجَجِ، وَإِلَى مَعْنَاهَا الْغَايَةُ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ مُنْتَهَى حَشْرِهِمْ، وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ: إِلَى، فِي مَعْنَى: فِي، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّهُمْ يُجْمَعُونَ فِي جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ مِنْهُ تَعَالَى، قَالَهُ الرَّاغِبُ وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ:
وَبِئْسَ الْمِهَادُ جَهَنَّمُ. وَكَثِيرًا مَا يُحْذَفُ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ:
أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الَّتِي قَبِلَهُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، إِذْ لَوْ كَانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ لَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ حَذْفُ الْجُمْلَةِ بِرَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْقَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ حَذْفَ الْمُفْرَدِ أَسْهَلُ مِنْ حَذْفِ الْجُمْلَةِ. وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ: الْمِهَادُ، مَا مَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَيْ: بِئْسَمَا مَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وكان المعنى عنده، و: بئس فِعْلُهُمُ الَّذِي أَدَّاهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَفِيهِ بُعْدٌ، وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا قَالَ فِي (رَيِّ الظَّمْآنِ) : أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ. فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ تَثْبِيتُ النُّفُوسِ وَتَشْجِيعُهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ أَنْ يَقُولَ لِلْكُفَّارِ مَا قَالَ، أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ وَبَعْضُ ضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أَمْوَالَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَنَحْنُ نَأْمَنُ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، حِينَ أَخْبَرَهُ النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ بِالْأَمْنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ ذعار طيء الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ؟
الْحَدِيثَ بكماله.
الْفَرَّاءُ، وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، احْتِمَالًا أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي: سَيُغْلَبُونَ، فِي قِرَاءَةِ التَّاءِ عَلَى قُرَيْشٍ، أَيْ: قُلْ لِلْيَهُودِ سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ: الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعُمُّ الْفَرِيقَيْنِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ، وَكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَّيْفِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالذِّلَّةِ، وَظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالْحُجَجِ، وَإِلَى مَعْنَاهَا الْغَايَةُ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ مُنْتَهَى حَشْرِهِمْ، وَأَبْعَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ: إِلَى، فِي مَعْنَى: فِي، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّهُمْ يُجْمَعُونَ فِي جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ مِنْهُ تَعَالَى، قَالَهُ الرَّاغِبُ وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ:
وَبِئْسَ الْمِهَادُ جَهَنَّمُ. وَكَثِيرًا مَا يُحْذَفُ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ:
أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الَّتِي قَبِلَهُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، إِذْ لَوْ كَانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ لَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ حَذْفُ الْجُمْلَةِ بِرَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْقَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ حَذْفَ الْمُفْرَدِ أَسْهَلُ مِنْ حَذْفِ الْجُمْلَةِ. وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ: الْمِهَادُ، مَا مَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَيْ: بِئْسَمَا مَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ، وكان المعنى عنده، و: بئس فِعْلُهُمُ الَّذِي أَدَّاهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَفِيهِ بُعْدٌ، وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا قَالَ فِي (رَيِّ الظَّمْآنِ) : أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ. فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ تَثْبِيتُ النُّفُوسِ وَتَشْجِيعُهَا، لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ أَنْ يَقُولَ لِلْكُفَّارِ مَا قَالَ، أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ وَبَعْضُ ضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أَمْوَالَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَنَحْنُ نَأْمَنُ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، حِينَ أَخْبَرَهُ النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ بِالْأَمْنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ ذعار طيء الَّذِينَ سَعَّرُوا الْبِلَادَ؟
الْحَدِيثَ بكماله.
(١) سورة الأنفال: ٨/ ٣٨.
44
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْكَافِرِينَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: سَتُغْلَبُونَ، بِالتَّاءِ. وَيُخَرَّجُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهُمْ، وَإِعْلَامًا بِأَنَّ اللَّهَ سَيَنْصُرُ دِينَهُ. وَقَدْ أَرَاكُمْ فِي ذَلِكَ مِثَالًا بِمَا جَرَى لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِنَ الْخِذْلَانِ وَالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ.
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهُمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا تَغْتَرُّوا بِدُرْبَتِكُمْ فِي الْحَرْبِ، وَمَنَعَةِ حُصُونِكُمْ، وَمُجَالَبَتِكُمْ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإِنَّ اللَّهَ غَالِبُكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا حَلَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُلْحِقِ التَّاءَ: كَانَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى مُؤَنَّثٍ، وَهُوَ الْآيَةُ، لِأَجْلٍ أَنَّهُ تَأْنِيثٌ مَجَازِيٌّ. وَازْدَادَ حُسْنًا بِالْفَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْفَصْلُ مُحَسَّنًا فِي الْمُؤَنَّثِ الْحَقِيقِيِّ، فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ: حَضَرَ الْقَاضِي امْرَأَةً. وَقَالَ:
وَقِيلَ: ذُكِرَ لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْبَيَانُ، فَهُوَ كَمَا قَالَ:
ذَهَبَ إِلَى الْقَضِيبِ، وَفِي قَوْلِهِ فِي فِئَتَيْنِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فِي: قِصَّةِ فِئَتَيْنِ، وَمَعْنَى: الْتَقَتَا، أَيْ لِلْحَرْبِ وَالْقِتَالِ.
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ أَيْ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِئَةٌ أُخْرَى تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، فَحَذَفَ مِنَ الْأُولَى ما أثبتت مُقَابِلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَمِنَ الثَّانِيَةِ مَا أَثْبَتَ نَظِيرَهُ فِي الْأُولَى، فَذَكَرَ فِي الْأُولَى لَازِمَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ مَلْزُومَ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ الْكُفْرُ.
وَالْجُمْهُورُ بِرَفْعِ: فِئَةٌ، عَلَى الْقَطْعِ، التَّقْدِيرُ: إِحْدَاهُمَا، فَيَكُونُ: فِئَةٌ، عَلَى هَذَا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ.
وَقِيلَ: الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْتَقَتَا.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ وَحُمَيْدٌ: فِئَةٍ، بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ التَّفْصِيلِيِّ، وَهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، كَمَا قَالَ:
الْمَرْءُ مَفْتُونٌ بِابْنِهِ وَبِشِعْرِهِ.
وَقُدِّمُوا عَلَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّ حُبَّ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ أَكْثَرُ مِنْ حُبِّهِ مَالَهُ، وَحَيْثُ ذَكَرَ الِامْتِنَانَ وَالْإِنْعَامَ أَوِ الِاسْتِعَانَةَ وَالْغَلَبَةَ. قُدِّمَتِ الْأَمْوَالُ عَلَى الْأَوْلَادِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَالْبَنِينَ، الذُّكْرَانِ. وَقِيلَ يَشْمَلُ: الْإِنَاثَ، وَغَلَبَ التَّذْكِيرُ.
وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ثُلِّثَ بِالْأَمْوَالِ لِمَا فِي الْمَالِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غَالِبُ الشَّهَوَاتِ، وَلِأَنَّ الْمَرْءَ يَرْتَكِبُ الْأَخْطَارَ فِي تَحْصِيلِهِ لِلْوَلَدِ.
وَاخْتُلِفَ فِي: الْقِنْطَارِ، أَهْوَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ، أَمْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟
فَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ، وَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ. وَكُلُّ هَذِهِ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
الْأَوَّلُ: رَوَاهُ أُبَيٌّ، وَقَالَ بِهِ مُعَاذٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ.
وَالثَّانِي: رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ بِهِ. وَالثَّالِثُ: رَوَاهُ الْحَسَنُ، وَرَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ ذَهَبًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: ثَمَانُونَ أَلْفًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَهِيَ مِائَةُ رِطْلٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَلْفُ مِثْقَالِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ: مِائَةُ أَلْفٍ، وَمِائَةُ مَنٍّ، وَمِائَةُ رِطْلٍ، وَمِائَةُ مِثْقَالٍ، وَمِائَةُ دِرْهَمٍ.
وَلَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ يَوْمَ جَاءَ، وَبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي (الْمُحْكَمِ). وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَهِيَ مِائَةُ رِطْلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي (الْمُحْكَمِ) الْقِنْطَارُ: بِلُغَةِ بَرْبَرَ: أَلْفُ مِثْقَالٍ.
وَرَوَى أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً «١» قَالَ: أَلْفَ دِينَارٍ.
وَحَكَى الزَّجَّاجُ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الْقِنْطَارَ هُوَ رطل ذهبا أَوْ فِضَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا، وَإِنَّ القول مائة رطل،
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أَيِ الْمِلَّةُ وَالشَّرْعُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ الدِّينَ الْمَقْبُولَ أَوِ النَّافِعَ أَوِ الْمُقَرَّرَ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْكِسَائِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ: أَنَّ، بِالْفَتْحِ، وَتَقَدَّمَتْ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهِدَ اللَّهُ إِنَّهُ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةٌ هَذَا التَّوْكِيدِ؟
قُلْتُ: فَائِدَتُهُ أَنَّ قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ تَوْحِيدٌ، وَقَوْلَهُ: قَائِمًا بِالْقِسْطِ، تَعْدِيلٌ، فَإِذَا أَرْدَفَهُ قَوْلُهُ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، فَقَدْ أَذِنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْعَدْلُ وَالتَّوْحِيدُ، وَهُوَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَشْبِيهٍ، أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، كَإِجَازَةِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ ذَهَبَ إِلَى الْجَبْرِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْجَوْرِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينٍ الله الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا بَيِّنٌ جَلِيٌّ كَمَا تَرَى. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ إِنْكَارِ الرُّؤْيَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ لَا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي نَصْبِ: أَنَّهُ، وَأَنَّ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: أن شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِنْ بَدَلِ الشَّيْءَ مِنَ الشيء وهو هُوَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدين الذي هو الإسلام يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ وَالْعَدْلَ وَهُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى؟ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ. وَقَالَ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الْقِسْطِ، لِأَنَّ الدِّينَ
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهُمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا تَغْتَرُّوا بِدُرْبَتِكُمْ فِي الْحَرْبِ، وَمَنَعَةِ حُصُونِكُمْ، وَمُجَالَبَتِكُمْ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإِنَّ اللَّهَ غَالِبُكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا حَلَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُلْحِقِ التَّاءَ: كَانَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى مُؤَنَّثٍ، وَهُوَ الْآيَةُ، لِأَجْلٍ أَنَّهُ تَأْنِيثٌ مَجَازِيٌّ. وَازْدَادَ حُسْنًا بِالْفَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْفَصْلُ مُحَسَّنًا فِي الْمُؤَنَّثِ الْحَقِيقِيِّ، فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ، وَمِنْ كَلَامِهِمْ: حَضَرَ الْقَاضِي امْرَأَةً. وَقَالَ:
| إِنَّ امْرَأً غَرَّهُ مِنْكُنَّ وَاحِدَةٌ | بَعْدِي وَبَعْدَكِ فِي الدُّنْيَا لَمَغْرُورُ |
| بَرَهْرَهَةٌ رودة رَخْصَةٌ | كَخُرْعُوبَةِ الْبَانَةِ الْمُنْفَطِرْ |
فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ أَيْ: فِئَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِئَةٌ أُخْرَى تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، فَحَذَفَ مِنَ الْأُولَى ما أثبتت مُقَابِلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَمِنَ الثَّانِيَةِ مَا أَثْبَتَ نَظِيرَهُ فِي الْأُولَى، فَذَكَرَ فِي الْأُولَى لَازِمَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ مَلْزُومَ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ الْكُفْرُ.
وَالْجُمْهُورُ بِرَفْعِ: فِئَةٌ، عَلَى الْقَطْعِ، التَّقْدِيرُ: إِحْدَاهُمَا، فَيَكُونُ: فِئَةٌ، عَلَى هَذَا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوِ التَّقْدِيرُ: مِنْهُمَا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ.
وَقِيلَ: الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْتَقَتَا.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ وَحُمَيْدٌ: فِئَةٍ، بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ التَّفْصِيلِيِّ، وَهُوَ بَدَلُ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، كَمَا قَالَ:
| وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنٍ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ | وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشُلَّتِ |
| رَأَى النَّاسُ إِلَّا مَنْ رَأَى مِثْلَ رَأْيِهِ | خَوَارِجَ تَرَّاكِينَ قَصْدَ الْمَخَارِجِ |
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: أَوْقَعَ الْفَرَّاءُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا يَرَوْنَهُمْ إِلَّا عَلَى عِدَّتِهِمْ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَرَاهُمُ اللَّهُ عَلَى غَيْرِ عِدَّتِهِمْ بِجِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ رَأَى الصَّلَاحَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَقْوَى قُلُوبُهُمْ بِذَلِكَ. وَالْأُخْرَى: أَنَّهُ آيَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَيْسَانَ.
وَتَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ جَمِيعَ الْكُفَّارِ بِبَدْرٍ كَانُوا نَحْوَ الْأَلْفِ أَوْ تِسْعِمِائَةٍ، وَالْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَقِيلَ: وَثَلَاثَةَ عَشْرَةَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَرَجَعَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَتْبَاعٌ، وَنَاسٌ كَثِيرٌ حَتَّى بَقِيَ لِلْقِتَالِ مَنْ يَقْرُبُ مِنَ الثُّلُثَيْنِ، فَذَكَرَ اللَّهُ الْمِثْلَيْنِ، إِذْ أَمْرُهُمَا مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ أَحَدٌ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِي قِتَالِ بَدْرٍ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ، وَقَدْ ذَهَبَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا نَحْوَ الْأَلْفِ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَوْمَ بَدْرٍ الْقَوْمُ أَلْفٌ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَظَرْنَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْنَاهُمْ يَضْعُفُونَ عَلَيْنَا، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَيْهِمْ فَمَا رَأَيْنَاهُمْ يَزِيدُونَ عَلَيْنَا رَجُلًا وَاحِدًا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِنَا حَتَّى لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَانِبِي تَرَاهُمْ سَبْعِينَ؟ قَالَ:
أَرَاهُمْ مِائَةً. فَأَسَرْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا فَقُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَلْفًا. وَنُقِلَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أُسِرُوا، قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشْرَةَ، قَالُوا: مَا كُنَّا نَرَاكُمْ إِلَّا تَضْعُفُونَ عَلَيْنَا! وَتَكْثِيرُ كُلِّ طَائِفَةٍ فِي عَيْنِ الْأُخْرَى، وَتَقْلِيلُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَقْتَيْنِ جَائِزٌ، فَلَا يَمْتَنِعُ.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ أَيْ: يُقَوِّيهِ بِعَوْنِهِ. وَقِيلَ: النَّصْرُ الْحُجَّةُ. وَنِسْبَةُ التَّأْيِيدِ إِلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَيَّدَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَفْعُولُ: مَنْ يَشَاءُ، مَحْذُوفٌ أَيْ: مَنْ يَشَاءُ نَصْرَهُ.
49
إِنَّ فِي ذلِكَ أَيَ: النَّصْرِ. وَقِيلَ: رُؤْيَةُ الْجَيْشِ مِثْلَيْهِمْ لَعِبْرَةً أَيِ اتِّعَاظًا وَدَلَالَةً. لِأُولِي الْأَبْصارِ إِنْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، فَالْمَعْنَى: لِلَّذِينَ أَبْصَرُوا الْجَمْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَتِ اعْتِقَادِيَّةً، فَالْمَعْنَى: لِذَوِي الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ الْقَابِلَةِ لِلِاعْتِبَارِ.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: زُيِّنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَهُ عُمَرُ، لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَلَتِ: الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زينتها، فنزلت قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ «١» الْآيَةَ، وَمَعْنَى التَّزْيِينِ: خَلْقُهَا وَإِنْشَاءُ الْجِبِلَّةِ عَلَى الْمَيْلِ إليه، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ «٢» فَزَيَّنَهَا تَعَالَى لِلِابْتِلَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ: زَيَّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ:
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ.
وَقِيلَ: الْمُزَيِّنُ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَنْ زَيَّنَهَا: مَا أَحَدٌ أَشَدُّ ذَمًّا لَهَا مِنْ خَالِقِهَا! وَيَصِحُّ إِسْنَادُ التَّزْيِينِ إِلَى اللَّهِ تعال بِالْإِيجَادِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفَاعِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى الشَّيْطَانِ بِالْوَسْوَسَةِ، وَتَحْصِيلِهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا. وَأَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى تَوْبِيخِ مُعَاصِرِي رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمُ، الْمَفْتُونِينَ بِالدُّنْيَا، وَأَضَافَ الْمَصْدَرَ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْكَثِيرُ فِي الْقُرْآنِ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ: بِالشَّهَوَاتِ، مُبَالَغَةً. إِذْ جَعَلَهَا نَفْسَ الْأَعْيَانِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى خِسَّتِهَا، لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، يُذَمُّ مُتْبِعُهَا وَيُشْهَدُ لَهُ بِالِانْتِظَامِ فِي الْبَهَائِمِ، وَنَاهِيكَ لَهَا ذَمًّا
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»
وَأَتَى بِذِكْرِ الشَّهَوَاتِ أَوَّلًا مَجْمُوعَةً عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، ثُمَّ أَخَذَ فِي تَفْسِيرِهَا شَهْوَةً شَهْوَةً لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُزَيَّنَ مَا هُوَ إِلَّا شَهْوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لَا غَيْرَ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْهَا، وَذَمٌّ لِطَالِبِهَا وَلِلَّذِي يَخْتَارُهَا عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَبَدَأَ فِي تَفْصِيلِهَا بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، بَدَأَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَأَقْرَبُ وَأَكْثَرُ امْتِزَاجًا:
«مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»
«مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْكُنَّ».
وَيُقَالُ فِيهِنَّ فِتْنَتَانِ: قَطْعُ الرَّحِمِ وَجَمْعُ الْمَالِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَفِي الْبَنِينَ فِتْنَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ جَمْعُ الْمَالِ.
وَثَنَى بِالْبَنِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النِّسَاءِ، وَفُرُوعٌ عَنْهُنَّ، وَشَقَائِقُ النِّسَاءِ فِي الْفِتَنِ، الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: زُيِّنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَهُ عُمَرُ، لِأَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَلَتِ: الْآنَ يَا رَبِّ حِينَ زينتها، فنزلت قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ «١» الْآيَةَ، وَمَعْنَى التَّزْيِينِ: خَلْقُهَا وَإِنْشَاءُ الْجِبِلَّةِ عَلَى الْمَيْلِ إليه، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ «٢» فَزَيَّنَهَا تَعَالَى لِلِابْتِلَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ: زَيَّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى اللَّهِ فِي قَوْلِهِ:
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ.
وَقِيلَ: الْمُزَيِّنُ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَنْ زَيَّنَهَا: مَا أَحَدٌ أَشَدُّ ذَمًّا لَهَا مِنْ خَالِقِهَا! وَيَصِحُّ إِسْنَادُ التَّزْيِينِ إِلَى اللَّهِ تعال بِالْإِيجَادِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفَاعِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى الشَّيْطَانِ بِالْوَسْوَسَةِ، وَتَحْصِيلِهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا. وَأَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى تَوْبِيخِ مُعَاصِرِي رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمُ، الْمَفْتُونِينَ بِالدُّنْيَا، وَأَضَافَ الْمَصْدَرَ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْكَثِيرُ فِي الْقُرْآنِ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمُشْتَهَيَاتِ: بِالشَّهَوَاتِ، مُبَالَغَةً. إِذْ جَعَلَهَا نَفْسَ الْأَعْيَانِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى خِسَّتِهَا، لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مُسْتَرْذَلَةٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، يُذَمُّ مُتْبِعُهَا وَيُشْهَدُ لَهُ بِالِانْتِظَامِ فِي الْبَهَائِمِ، وَنَاهِيكَ لَهَا ذَمًّا
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ»
وَأَتَى بِذِكْرِ الشَّهَوَاتِ أَوَّلًا مَجْمُوعَةً عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، ثُمَّ أَخَذَ فِي تَفْسِيرِهَا شَهْوَةً شَهْوَةً لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُزَيَّنَ مَا هُوَ إِلَّا شَهْوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لَا غَيْرَ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْهَا، وَذَمٌّ لِطَالِبِهَا وَلِلَّذِي يَخْتَارُهَا عَلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَبَدَأَ فِي تَفْصِيلِهَا بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، بَدَأَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَأَقْرَبُ وَأَكْثَرُ امْتِزَاجًا:
«مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»
«مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْكُنَّ».
وَيُقَالُ فِيهِنَّ فِتْنَتَانِ: قَطْعُ الرَّحِمِ وَجَمْعُ الْمَالِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَفِي الْبَنِينَ فِتْنَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ جَمْعُ الْمَالِ.
وَثَنَى بِالْبَنِينَ لِأَنَّهُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النِّسَاءِ، وَفُرُوعٌ عَنْهُنَّ، وَشَقَائِقُ النِّسَاءِ فِي الْفِتَنِ، الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ:
(١) سورة آل عمران: ٣/ ١٥. [.....]
(٢) سورة الكهف: ١٨/ ٧.
(٢) سورة الكهف: ١٨/ ٧.
50
| وَإِنَّمَا أَوْلَادُنَا بَيْنَنَا | أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ |
| لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِمْ | لَامْتَنَعَتْ عَيْنِي مِنَ الْغَمْضِ |
وَقُدِّمُوا عَلَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّ حُبَّ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ أَكْثَرُ مِنْ حُبِّهِ مَالَهُ، وَحَيْثُ ذَكَرَ الِامْتِنَانَ وَالْإِنْعَامَ أَوِ الِاسْتِعَانَةَ وَالْغَلَبَةَ. قُدِّمَتِ الْأَمْوَالُ عَلَى الْأَوْلَادِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَالْبَنِينَ، الذُّكْرَانِ. وَقِيلَ يَشْمَلُ: الْإِنَاثَ، وَغَلَبَ التَّذْكِيرُ.
وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ثُلِّثَ بِالْأَمْوَالِ لِمَا فِي الْمَالِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ غَالِبُ الشَّهَوَاتِ، وَلِأَنَّ الْمَرْءَ يَرْتَكِبُ الْأَخْطَارَ فِي تَحْصِيلِهِ لِلْوَلَدِ.
وَاخْتُلِفَ فِي: الْقِنْطَارِ، أَهْوَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ، أَمْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟
فَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ، وَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ. وَكُلُّ هَذِهِ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
الْأَوَّلُ: رَوَاهُ أُبَيٌّ، وَقَالَ بِهِ مُعَاذٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ.
وَالثَّانِي: رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ بِهِ. وَالثَّالِثُ: رَوَاهُ الْحَسَنُ، وَرَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ ذَهَبًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ الْحَسَنِ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: ثَمَانُونَ أَلْفًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَهِيَ مِائَةُ رِطْلٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَلْفُ مِثْقَالِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، أَوْ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الْفِضَّةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ: مِائَةُ أَلْفٍ، وَمِائَةُ مَنٍّ، وَمِائَةُ رِطْلٍ، وَمِائَةُ مِثْقَالٍ، وَمِائَةُ دِرْهَمٍ.
وَلَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ يَوْمَ جَاءَ، وَبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي (الْمُحْكَمِ). وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَهِيَ مِائَةُ رِطْلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي (الْمُحْكَمِ) الْقِنْطَارُ: بِلُغَةِ بَرْبَرَ: أَلْفُ مِثْقَالٍ.
وَرَوَى أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً «١» قَالَ: أَلْفَ دِينَارٍ.
وَحَكَى الزَّجَّاجُ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ الْقِنْطَارَ هُوَ رطل ذهبا أَوْ فِضَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا، وَإِنَّ القول مائة رطل،
(١) سورة النساء: ٤/ ٢٠.
51
فَسَقَطَتْ مِائَةٌ لِلنَّاقِلِ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ: الْقِنْطَارُ بِلِسَانِ أَفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ:
ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ وَهَذَا يَكُونُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْآنَ فَهُوَ عِنْدَنَا: مِائَةُ رِطْلٍ، وَالرِّطْلُ عِنْدَنَا، سِتَّةَ عَشَرَ أُوقِيَّةً. وَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَكَذَا هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:
وَكَذَا هُوَ بِلُغَةِ الرُّومِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْمَالُ الْعَظِيمُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقِنْطَارُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَزْنٌ لَا يُحَدُّ، وَقَالَ الْحَكَمُ:
الْقِنْطَارُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَالٍ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقِنْطَارُ مِعْيَارٌ يُوزَنُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الرِّطْلَ مِعْيَارٌ.
وَيُقَالُ: لَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَزْنُ قِنْطَارًا. أَيْ يَعْدِلُ الْقِنْطَارَ، وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ، وَالْقِنْطَارُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي قَدْرِ الْأُوقِيَّةِ. انْتَهَى.
وَالْمُقَنْطَرَةُ: مُفَعْلَلَةُ، أَوْ مُفَيْعَلَةُ مِنَ الْقِنْطَارِ. وَمَعْنَاهُ الْمُجْتَمِعَةُ، كَمَا يَقُولُ: الْأُلُوفُ الْمُؤَلَّفَةُ، وَالْبَدْرَةُ الْمُبَدَّرَةُ. اشْتَقُّوا مِنْهَا وَصْفًا لِلتَّوْكِيدِ. وَقِيلَ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمُضَعَّفَةُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالطَّبَرِيُّ.
وَقِيلَ: الْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةُ قَنَاطِيرَ، لِأَنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، قَالَهُ النَّقَّاشُ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: لَا تَكُونُ الْمُقَنْطَرَةُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمَضْرُوبَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ وَالضَّحَّاكُ الْمُنَضَّدُ: الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْمَخْزُونَةُ الْمَدْخُورَةُ. وَقَالَ يَمَانٌ:
الْمَدْفُونَةُ الْمَكْنُوزَةُ. وَقِيلَ: الْحَاضِرَةُ الْعَتِيدَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، مَا الْمَالُ إِلَّا مَا حَازَتْهُ الْعِيَانُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَبْيِينٌ لِلْقَنَاطِيرِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْهَا، أَيْ كَائِنًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أَيِ:
الرَّاعِيَةِ فِي الْمُرُوجِ، سَامَتْ سَرَحَتْ وَأَخَذَتْ سَوْمَهَا مِنَ الرَّعْيِ: أَيْ غَايَةَ جَهْدِهَا، وَلَمْ تُقْصَرْ عَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَيَكُونُ قَدْ عُدِّيَ الْفِعْلُ بِالتَّضْعِيفِ، كَمَا عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ فِي قَوْلِهِمْ: أَسْمَتْهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الرَّائِقَةُ مِنْ سِيمَا الْحَسَنِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَوْمُهَا الْحُسْنُ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ.
مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وَسِيمٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمَادَّتَيْنِ، إِلَّا إِنِ ادَّعَى الْقَلْبَ.
ثَمَانِيَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ وَهَذَا يَكُونُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْآنَ فَهُوَ عِنْدَنَا: مِائَةُ رِطْلٍ، وَالرِّطْلُ عِنْدَنَا، سِتَّةَ عَشَرَ أُوقِيَّةً. وَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَكَذَا هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:
وَكَذَا هُوَ بِلُغَةِ الرُّومِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْمَالُ الْعَظِيمُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقِنْطَارُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَزْنٌ لَا يُحَدُّ، وَقَالَ الْحَكَمُ:
الْقِنْطَارُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَالٍ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقِنْطَارُ مِعْيَارٌ يُوزَنُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الرِّطْلَ مِعْيَارٌ.
وَيُقَالُ: لَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَزْنُ قِنْطَارًا. أَيْ يَعْدِلُ الْقِنْطَارَ، وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ، وَالْقِنْطَارُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي قَدْرِ الْأُوقِيَّةِ. انْتَهَى.
وَالْمُقَنْطَرَةُ: مُفَعْلَلَةُ، أَوْ مُفَيْعَلَةُ مِنَ الْقِنْطَارِ. وَمَعْنَاهُ الْمُجْتَمِعَةُ، كَمَا يَقُولُ: الْأُلُوفُ الْمُؤَلَّفَةُ، وَالْبَدْرَةُ الْمُبَدَّرَةُ. اشْتَقُّوا مِنْهَا وَصْفًا لِلتَّوْكِيدِ. وَقِيلَ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمُضَعَّفَةُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالطَّبَرِيُّ.
وَقِيلَ: الْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةُ قَنَاطِيرَ، لِأَنَّهُ جَمْعُ جَمْعٍ، قَالَهُ النَّقَّاشُ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: لَا تَكُونُ الْمُقَنْطَرَةُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُقَنْطَرَةُ الْمَضْرُوبَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ وَالضَّحَّاكُ الْمُنَضَّدُ: الَّذِي بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْمَخْزُونَةُ الْمَدْخُورَةُ. وَقَالَ يَمَانٌ:
الْمَدْفُونَةُ الْمَكْنُوزَةُ. وَقِيلَ: الْحَاضِرَةُ الْعَتِيدَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، مَا الْمَالُ إِلَّا مَا حَازَتْهُ الْعِيَانُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَبْيِينٌ لِلْقَنَاطِيرِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْهَا، أَيْ كَائِنًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أَيِ:
الرَّاعِيَةِ فِي الْمُرُوجِ، سَامَتْ سَرَحَتْ وَأَخَذَتْ سَوْمَهَا مِنَ الرَّعْيِ: أَيْ غَايَةَ جَهْدِهَا، وَلَمْ تُقْصَرْ عَلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَيَكُونُ قَدْ عُدِّيَ الْفِعْلُ بِالتَّضْعِيفِ، كَمَا عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ فِي قَوْلِهِمْ: أَسْمَتْهَا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهَا الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الرَّائِقَةُ مِنْ سِيمَا الْحَسَنِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَوْمُهَا الْحُسْنُ، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ.
مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ وَسِيمٌ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمَادَّتَيْنِ، إِلَّا إِنِ ادَّعَى الْقَلْبَ.
52
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالْكِسَائِيُّ: الْمُعَلَّمَةُ بِالشِّيَاتِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مِنَ السُّومَةِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ. قَالَ أَبُو طَالِبٍ:
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْهَا صُوفَةً أَوْ عَلَامَةً تُخَالِفُ سَائِرَ جَسَدِهَا لِتَبِينَ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْمَرْعَى: وَقَالَ ابْنُ فَارِسَ فِي (الْمُجْمَلِ) الْمُسَوَّمَةُ: هِيَ الْمُرْسَلُ عَلَيْهَا رُكْبَانُهَا.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَرِّدِ: الْمَعْرُوفَةُ فِي الْبُلْدَانِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
الْبَلْقُ. وَقِيلَ: ذَوَاتُ الْأَوْضَاحِ مِنَ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ. وَقِيلَ: هِيَ الْهَمَالِيجُ.
وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعَاطِيفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَنَاطِيرُ، إِلَى آخِرِهَا.
غَيْرَ مَا أَتَى تَبْيِينًا مَعْطُوفًا عَلَى الشَّهَوَاتِ، أَيْ: وَحُبُّ الْقَنَاطِيرِ وَكَذَا وَكَذَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: مِنَ النِّسَاءِ، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا فِي الشَّهَوَاتِ. وَلَمْ يَجْمَعِ الْحَرْثَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ. وَقِيلَ: يُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ «١».
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أَشَارَ: بِذَلِكَ، وَهُوَ مُفْرَدٌ إِلَى الْأَشْيَاءِ السَّابِقَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ، لِأَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ، أَوِ الْمُتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَالْمَعْنَى: تَحْقِيرُ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى فَنَائِهَا وَفَنَاءِ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فيها، وأدغم أبو عمرو في الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ ثَاءٌ: وَالْحَرْثُ، فِي: ذَالِ: ذَلِكَ، وَاسْتُضْعِفَ لِصِحَّةِ السَّاكِنِ قَبْلَ الثَّاءِ.
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أَيِ: الْمَرْجِعُ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ الَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يَنْقَطِعُ.
وَمِنْ غَرِيبِ مَا اسْتُنْبِطَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى إِيجَابِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ لِذِكْرِهَا مَعَ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أَوِ النَّفَقَةُ، فَالنِّسَاءُ وَالْبَنُونَ فِيهِمُ النَّفَقَةُ، وَبَاقِيهَا فِيهَا الصَّدَقَةُ، قَالَهُ الْمَاتُرِيدِيُّ.
وَذَكَرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ: الْخِطَابُ الْعَامُّ وَيُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ هُمُ الْيَهُودُ، وَهَذَا مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ.
وَالتَّجْنِيسِ الْمُغَايِرِ: في يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَالِاحْتِرَاسُ: فِي رَأْيَ الْعَيْنِ قالوا
| أَمِينٌ مُحِبٌّ لِلْعِبَادِ مُسَوَّمِ | بِخَاتَمِ رَبٍّ طَاهِرٍ لِلْخَوَاتِمِ |
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْمُعَدَّةُ لِلْجِهَادِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَرِّدِ: الْمَعْرُوفَةُ فِي الْبُلْدَانِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
الْبَلْقُ. وَقِيلَ: ذَوَاتُ الْأَوْضَاحِ مِنَ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ. وَقِيلَ: هِيَ الْهَمَالِيجُ.
وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعَاطِيفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَنَاطِيرُ، إِلَى آخِرِهَا.
غَيْرَ مَا أَتَى تَبْيِينًا مَعْطُوفًا عَلَى الشَّهَوَاتِ، أَيْ: وَحُبُّ الْقَنَاطِيرِ وَكَذَا وَكَذَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: مِنَ النِّسَاءِ، فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا فِي الشَّهَوَاتِ. وَلَمْ يَجْمَعِ الْحَرْثَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ. وَقِيلَ: يُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ «١».
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أَشَارَ: بِذَلِكَ، وَهُوَ مُفْرَدٌ إِلَى الْأَشْيَاءِ السَّابِقَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ، لِأَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ، أَوِ الْمُتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَالْمَعْنَى: تَحْقِيرُ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى فَنَائِهَا وَفَنَاءِ مَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ فيها، وأدغم أبو عمرو في الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ ثَاءٌ: وَالْحَرْثُ، فِي: ذَالِ: ذَلِكَ، وَاسْتُضْعِفَ لِصِحَّةِ السَّاكِنِ قَبْلَ الثَّاءِ.
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أَيِ: الْمَرْجِعُ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى نَعِيمِ الْآخِرَةِ الَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يَنْقَطِعُ.
وَمِنْ غَرِيبِ مَا اسْتُنْبِطَ مِنَ الْأَحْكَامِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى إِيجَابِ الصَّدَقَةِ فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ لِذِكْرِهَا مَعَ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أَوِ النَّفَقَةُ، فَالنِّسَاءُ وَالْبَنُونَ فِيهِمُ النَّفَقَةُ، وَبَاقِيهَا فِيهَا الصَّدَقَةُ، قَالَهُ الْمَاتُرِيدِيُّ.
وَذَكَرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ: الْخِطَابُ الْعَامُّ وَيُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ هُمُ الْيَهُودُ، وَهَذَا مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ.
وَالتَّجْنِيسِ الْمُغَايِرِ: في يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَالِاحْتِرَاسُ: فِي رَأْيَ الْعَيْنِ قالوا
(١) سورة البقرة: ٢/ ٧١.
53
لِئَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ. وَالْإِبْهَامُ: فِي زُيِّنَ لِلنَّاسِ. وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ: فِي وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ. وَالْحَذْفُ: فِي مَوَاضِعَ، وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ يُضْطَرُّ فِيهِ إِلَى تَصْحِيحِ الْمَعْنَى بتقدير محذوف.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٨]
قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
الرِّضْوَانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وَكَسْرُ رَائِهِ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَضَمُّهَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَبَكْرٍ، وَقَيْسٍ، وَغَيْلَانَ. وَقِيلَ: الْكَسْرُ لِلِاسْمِ، وَمِنْهُ: رِضْوَانٌ خَازِنُ الْجَنَّةِ، وَالضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.
السَّحَرُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا، قَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الزَّجَّاجُ: الْوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: تَسَحَّرَ أَكْلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاسْتَحَرَ: سَارَ فِيهِ. قَالَ:
وَاسْتَحَرَ الطَّائِرُ صَاحَ وَتَحَرَّكَ فِيهِ قَالَ:
وَأَسْحَرَ الرَّجُلُ وَاسْتَحَرَ، دَخَلَ فِي السَّحَرِ. قَالَ:
وَقَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ السِّحْرُ: مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخَرِ إِلَى الْفَجْرِ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَشْعَارِ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّ السَّحَرَ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ فِيمَا بَعْدُ الْفَجْرِ. وَقِيلَ: السَّحَرُ عِنْدَ الْعَرَبِ يَكُونُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْتَمِرُّ إِلَى الْإِسْفَارِ. وَأَصْلُ السَّحَرِ الْخَفَاءُ لِلِطْفَةٍ، وَمِنْهُ السحر والسحر.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٨]
قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
الرِّضْوَانُ: مَصْدَرُ رَضِيَ، وَكَسْرُ رَائِهِ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَضَمُّهَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَبَكْرٍ، وَقَيْسٍ، وَغَيْلَانَ. وَقِيلَ: الْكَسْرُ لِلِاسْمِ، وَمِنْهُ: رِضْوَانٌ خَازِنُ الْجَنَّةِ، وَالضَّمُّ لِلْمَصْدَرِ.
السَّحَرُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا، قَالَ قَوْمٌ مِنْهُمُ الزَّجَّاجُ: الْوَقْتُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: تَسَحَّرَ أَكْلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاسْتَحَرَ: سَارَ فِيهِ. قَالَ:
| بَكَّرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحَرَتْ بِسَحْرَةٍ | فَهُنَّ لِوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ |
| يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا | إِذَا غَرَّدَ الطَّائِرُ الْمُسْتَحِرْ |
| وَأَدْلَجَ مِنْ طِيبَةَ مُسْرِعًا | فَجَاءَ إِلَيْنَا وَقَدْ أَسْحَرَا |
54
قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ نَزَلَتْ حين قال عمر عند ما نَزَلَ: زُيِّنَ لِلنَّاسِ «١» يَا رَبِّ الْآنَ حِينَ زَيَّنْتَهَا. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ «٢» ذَكَرَ الْمَآبَ وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ خَيْرٌ خَالٍ مِنْ شَوْبِ الْمَضَارِّ، وَبَاقٍ لَا يَنْقَطِعُ. وَالْهَمْزَةُ فِي: أَؤُنَبِّئُكُمْ، الْأُولَى هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ دَخَلَتْ عَلَى هَمْزَةِ المضارعة. وقرىء فِي السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِدْخَالِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا، وَبِتَحْقِيقِهِمَا، وَإدْخَالِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا، وَبِتَسْهِيلِ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا. وَنَقَلَ وَرْشٌ الْحَرَكَةَ إِلَى اللَّامِ، وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ. وَبِتَسْهِيلِهَا وَإِدْخَالِ أَلِفٍ بَيْنَهُمَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا، وَتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تَارِكِهَا وَتَشْرِيفٌ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَلَمَّا قَالَ: ذَلِكَ مَتَاعُ، فَأَفْرَدَ، جَاءَ: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ، فَأَفْرَدَ اسْمَ الْإِشَارَةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُشَارًا بِهِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ كَثِيرٌ. فَهَذَا مُشَارٌ بِهِ إِلَى مَا أُشِيرَ بِذَلِكَ، و: خير، هُنَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الْخُيُورِ، وَيَكُونُ: مِنْ ذَلِكُمْ، صِفَةً لِمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمَّا زَهِدُوا فِيهِ.
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بخير من ذلكم، و: جنات، خبر مبتدأ محذوف أي: هُوَ جَنَّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِمَا أُبْهِمَ فِي قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ: جَنَّاتٍ، بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنْ:
بِخَيْرٍ، كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ زيد، بالرفع و: زيد بِالْجَرِّ، وَجَوَّزَ فِي قِرَاءَةِ يَعْقُوبَ أَنْ يَكُونَ: جَنَّاتٌ، مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ: أَعْنِي، وَمَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَلِ عَلَى مَوْضِعِ بِخَيْرٍ، لِأَنَّهُ نُصِبَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: لِلَّذِينَ، خَبَرًا لِجَنَّاتٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ، ثُمَّ بَيْنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ لِمَنْ هُوَ، فَعَلَى هَذَا الْعَامِلِ فِي: عِنْدَ رَبِّهِمْ، الْعَامِلُ فِي: لِلَّذِينَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْعَامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ.
خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا وَمَا قَبْلُهُ.
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ بَدَأَ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْمَقِرِّ، وَهُوَ الْجَنَّاتُ الَّتِي قَالَ فِيهَا وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ «٣»
«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٌ»
ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ ذِكْرِهَا إِلَى ذِكْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأُنْسُ التَّامُّ مِنَ الْأَزْوَاجِ الْمُطَهَّرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ اللذة
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا، وَتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تَارِكِهَا وَتَشْرِيفٌ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَلَمَّا قَالَ: ذَلِكَ مَتَاعُ، فَأَفْرَدَ، جَاءَ: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ، فَأَفْرَدَ اسْمَ الْإِشَارَةِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُشَارًا بِهِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ كَثِيرٌ. فَهَذَا مُشَارٌ بِهِ إِلَى مَا أُشِيرَ بِذَلِكَ، و: خير، هُنَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خَيْرٌ مِنَ الْخُيُورِ، وَيَكُونُ: مِنْ ذَلِكُمْ، صِفَةً لِمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا مِمَّا زَهِدُوا فِيهِ.
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: بخير من ذلكم، و: جنات، خبر مبتدأ محذوف أي: هُوَ جَنَّاتٌ، فَتَكُونُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِمَا أُبْهِمَ فِي قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ: جَنَّاتٍ، بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنْ:
بِخَيْرٍ، كَمَا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجْلٍ زيد، بالرفع و: زيد بِالْجَرِّ، وَجَوَّزَ فِي قِرَاءَةِ يَعْقُوبَ أَنْ يَكُونَ: جَنَّاتٌ، مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ: أَعْنِي، وَمَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَلِ عَلَى مَوْضِعِ بِخَيْرٍ، لِأَنَّهُ نُصِبَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: لِلَّذِينَ، خَبَرًا لِجَنَّاتٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ، ثُمَّ بَيْنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ لِمَنْ هُوَ، فَعَلَى هَذَا الْعَامِلِ فِي: عِنْدَ رَبِّهِمْ، الْعَامِلُ فِي: لِلَّذِينَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْعَامِلِ فِيهِ قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ.
خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا وَمَا قَبْلُهُ.
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ بَدَأَ أَوَّلًا بِذِكْرِ الْمَقِرِّ، وَهُوَ الْجَنَّاتُ الَّتِي قَالَ فِيهَا وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ «٣»
«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٌ»
ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ ذِكْرِهَا إِلَى ذِكْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْأُنْسُ التَّامُّ مِنَ الْأَزْوَاجِ الْمُطَهَّرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ رِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ، فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ اللذة
(٢- ١) سورة آل عمران: ٣/ ١٤.
(٣) سورة الزخرف: ٤٣/ ٧١.
(٣) سورة الزخرف: ٤٣/ ٧١.
55
الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْفَرَحِ الرَّوْحَانِيِّ، حَيْثُ عَلِمَ بِرِضَا اللَّهِ عَنْهُ،
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَعَالَى:
«يَسْأَلُ أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتِنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيَكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا.
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الِانْتِقَالُ مِنْ عَالٍ إِلَى أَعْلَى مِنْهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، قَدْ ذَكَرَ تَعَالَى الْجَنَّاتَ وَالْمَسَاكِنَ الطَّيِّبَةَ فَقَالَ: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «١» يُعْنَى أَكْبَرُ مِمَّا ذَكَرَ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْمَسَاكِنِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: أَهْلُ الْجَنَّةِ مُطَهَّرُونَ لِأَنَّ الْعُيُوبَ فِي الْأَشْيَاءِ عِلْمُ الْفَنَاءِ، وَهُمْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ، وَخَصَّ النِّسَاءَ بِالطُّهْرِ لِمَا فِيهِنَّ فِي الدُّنْيَا مِنْ فَضْلِ الْمَعَايِبِ وَالْأَذَى.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرِضْوَانٌ، بِالضَّمِّ حَيْثُ وَقَعَ إِلَّا فِي ثَانِي الْعُقُودِ، فَعَنْهُ خِلَافٌ. وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أَيْ بَصِيرٌ بِأَعْمَالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهَا، فَيُجَازِي كُلًا بِعَمَلِهِ، فَتَضَمَّنَتِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ. وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُتَّقِينَ أَفْهَمُ مُقَابِلَهُمْ فَخَتَمَ الْآيَةَ بِهَذَا.
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِمْ، فَبَدَأَ بِالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ التَّقْوَى، وَذَكَرَ دُعَاءَهُمْ رَبَّهُمْ عِنْدَ الْإِخْبَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ، وَأَكَّدَ الْجُمْلَةَ ب: إن، مُبَالَغَةً فِي الْإِخْبَارِ، ثُمَّ سَأَلُوا الْغُفْرَانَ وَوِقَايَتَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ مُرَتِّبًا ذَلِكَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَغْفِرَةُ، وَلَا يَكُونُ الْإِيمَانُ عِبَارَةً عَنْ سَائِرِ الطَّاعَاتِ، كَمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ مَنْ تَابَ وَأَطَاعَ اللَّهَ لَا يُدْخِلُهُ النَّارَ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ، فَكَانَ يَكُونُ السُّؤَالُ فِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، وَنَظِيرُهَا، رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً «٢» الْآيَةَ، فَالصِّفَاتُ الْآتِيَةُ بَعْدَ هَذَا لَيْسَتْ شَرَائِطَ بَلْ هِيَ صِفَاتٌ تَقْتَضِي كَمَالَ الدَّرَجَاتِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: مَدَحَهُمْ تَعَالَى بِهَذَا الْقَوْلِ، وَفِيهِ تَزْكِيَةُ أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْ تَزْكِيَةِ الْأَنْفُسِ بِالطَّاعَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ «٣» فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ اسْمًا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمُ التَّزْكِيَةَ بِالْإِيمَانِ، كَمَا لَمْ يَرْضَهَا بِسَائِرِ الطاعات، فالآية حجة على مَنْ جَعَلَ الطَّاعَاتِ مِنَ الإيمان،
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَعَالَى:
«يَسْأَلُ أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتِنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيَكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا.
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الِانْتِقَالُ مِنْ عَالٍ إِلَى أَعْلَى مِنْهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، قَدْ ذَكَرَ تَعَالَى الْجَنَّاتَ وَالْمَسَاكِنَ الطَّيِّبَةَ فَقَالَ: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «١» يُعْنَى أَكْبَرُ مِمَّا ذَكَرَ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْمَسَاكِنِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: أَهْلُ الْجَنَّةِ مُطَهَّرُونَ لِأَنَّ الْعُيُوبَ فِي الْأَشْيَاءِ عِلْمُ الْفَنَاءِ، وَهُمْ خُلِقُوا لِلْبَقَاءِ، وَخَصَّ النِّسَاءَ بِالطُّهْرِ لِمَا فِيهِنَّ فِي الدُّنْيَا مِنْ فَضْلِ الْمَعَايِبِ وَالْأَذَى.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرِضْوَانٌ، بِالضَّمِّ حَيْثُ وَقَعَ إِلَّا فِي ثَانِي الْعُقُودِ، فَعَنْهُ خِلَافٌ. وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أَيْ بَصِيرٌ بِأَعْمَالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهَا، فَيُجَازِي كُلًا بِعَمَلِهِ، فَتَضَمَّنَتِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ. وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُتَّقِينَ أَفْهَمُ مُقَابِلَهُمْ فَخَتَمَ الْآيَةَ بِهَذَا.
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِمْ، فَبَدَأَ بِالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ التَّقْوَى، وَذَكَرَ دُعَاءَهُمْ رَبَّهُمْ عِنْدَ الْإِخْبَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ، وَأَكَّدَ الْجُمْلَةَ ب: إن، مُبَالَغَةً فِي الْإِخْبَارِ، ثُمَّ سَأَلُوا الْغُفْرَانَ وَوِقَايَتَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ مُرَتِّبًا ذَلِكَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَغْفِرَةُ، وَلَا يَكُونُ الْإِيمَانُ عِبَارَةً عَنْ سَائِرِ الطَّاعَاتِ، كَمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ مَنْ تَابَ وَأَطَاعَ اللَّهَ لَا يُدْخِلُهُ النَّارَ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ، فَكَانَ يَكُونُ السُّؤَالُ فِي أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، وَنَظِيرُهَا، رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً «٢» الْآيَةَ، فَالصِّفَاتُ الْآتِيَةُ بَعْدَ هَذَا لَيْسَتْ شَرَائِطَ بَلْ هِيَ صِفَاتٌ تَقْتَضِي كَمَالَ الدَّرَجَاتِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: مَدَحَهُمْ تَعَالَى بِهَذَا الْقَوْلِ، وَفِيهِ تَزْكِيَةُ أَنْفُسِهِمْ بِالْإِيمَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْ تَزْكِيَةِ الْأَنْفُسِ بِالطَّاعَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ «٣» فَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ اسْمًا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمُ التَّزْكِيَةَ بِالْإِيمَانِ، كَمَا لَمْ يَرْضَهَا بِسَائِرِ الطاعات، فالآية حجة على مَنْ جَعَلَ الطَّاعَاتِ مِنَ الإيمان،
(١) سورة براءة (التوبة) : ٩/ ٧٢.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٩٣.
(٣) سورة النجم: ٥٣/ ٣٢.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٩٣.
(٣) سورة النجم: ٥٣/ ٣٢.
56
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ إِدْخَالَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ رَضِيَهُ مِنْهُمْ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.
انْتَهَى.
قِيلَ: وَلَا تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّزْكِيَةِ وَلَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: آمَنَّا، هُوَ اعْتِرَافٌ بِمَا أُمِرُوا بِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَزْكِيَةً مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَمُوتُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ، لَا فِيمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ، وَلَا قَائِلٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ الْعَبْدُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَقْلًا.
وَأُعْرِبَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ، صِفَةً وَبَدَلًا وَمَقْطُوعًا لِرَفْعٍ أَوْ لِنَصْبٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَوَابِعِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا «١» أَوْ مِنْ تَوَابِعِ: الْعِبَادِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ لَمَّا ذَكَرَ الْإِيمَانَ بِالْقَوْلِ، أَخْبَرَ بِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى حَبْسِ النَّفْسِ عَلَى مَا هُوَ شَاقٌّ عَلَيْهَا مِنَ التَّكَالِيفِ، فَصَبَرُوا عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَةِ، وَعَنِ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ بِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى مُطَابَقَةِ الِاعْتِقَادِ فِي الْقَلْبِ لِلَّفْظِ النَّاطِقِ بِهِ اللِّسَانُ، فَهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ:
رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا وَفِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُونَ.
وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ بِوَصْفِ الْقُنُوتِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ «٢» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، ثُمَّ بِوَصْفِ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ هُوَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي نَفْعُهَا مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمُتَّصِفِ بِهَا لَا يَتَعَدَّى، فَأَتَى فِي هَذَا بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْإِنْفَاقُ، وَحُذِفَتْ مُتَعَلِّقَاتُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ لِلْعِلْمِ بِهَا، فَالْمَعْنَى: الصَّابِرِينَ عَلَى تَكَالِيفِ رَبِّهِمْ، وَالصَّادِقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَالْقَانِتِينَ لِرَبِّهِمْ، وَالْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي طَاعَتِهِ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ فِي الْأَسْحَارِ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ رَتَّبُوا طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّقْوَى، أَخْبَرَ أَيْضًا عَنْهُمْ، أَنَّهُمْ عِنْدَ اتِّصَافِهِمْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ، هُمْ مُسْتَغْفِرُونَ بِالْأَسْحَارِ، فَلَيْسُوا يَرَوْنَ اتِّصَافَهُمْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ مِمَّا يُسْقِطُ عَنْهُمْ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ، وَخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانُوا مُسْتَغْفِرِينَ دَائِمًا، لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ الإجابة، كما صح
انْتَهَى.
قِيلَ: وَلَا تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّزْكِيَةِ وَلَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: آمَنَّا، هُوَ اعْتِرَافٌ بِمَا أُمِرُوا بِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَزْكِيَةً مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَمُوتُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ، لَا فِيمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ، وَلَا قَائِلٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ الْعَبْدُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَقْلًا.
وَأُعْرِبَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ، صِفَةً وَبَدَلًا وَمَقْطُوعًا لِرَفْعٍ أَوْ لِنَصْبٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ تَوَابِعِ: الَّذِينَ اتَّقَوْا «١» أَوْ مِنْ تَوَابِعِ: الْعِبَادِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ لَمَّا ذَكَرَ الْإِيمَانَ بِالْقَوْلِ، أَخْبَرَ بِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى حَبْسِ النَّفْسِ عَلَى مَا هُوَ شَاقٌّ عَلَيْهَا مِنَ التَّكَالِيفِ، فَصَبَرُوا عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَةِ، وَعَنِ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ بِالْوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى مُطَابَقَةِ الِاعْتِقَادِ فِي الْقَلْبِ لِلَّفْظِ النَّاطِقِ بِهِ اللِّسَانُ، فَهُمْ صَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ:
رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا وَفِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُونَ.
وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ، وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ بِوَصْفِ الْقُنُوتِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ «٢» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، ثُمَّ بِوَصْفِ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ هُوَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي نَفْعُهَا مُقْتَصِرٌ عَلَى الْمُتَّصِفِ بِهَا لَا يَتَعَدَّى، فَأَتَى فِي هَذَا بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْإِنْفَاقُ، وَحُذِفَتْ مُتَعَلِّقَاتُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ لِلْعِلْمِ بِهَا، فَالْمَعْنَى: الصَّابِرِينَ عَلَى تَكَالِيفِ رَبِّهِمْ، وَالصَّادِقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ، وَالْقَانِتِينَ لِرَبِّهِمْ، وَالْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي طَاعَتِهِ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ اللَّهَ لِذُنُوبِهِمْ فِي الْأَسْحَارِ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ رَتَّبُوا طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّقْوَى، أَخْبَرَ أَيْضًا عَنْهُمْ، أَنَّهُمْ عِنْدَ اتِّصَافِهِمْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ، هُمْ مُسْتَغْفِرُونَ بِالْأَسْحَارِ، فَلَيْسُوا يَرَوْنَ اتِّصَافَهُمْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ مِمَّا يُسْقِطُ عَنْهُمْ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ، وَخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانُوا مُسْتَغْفِرِينَ دَائِمًا، لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ الإجابة، كما صح
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢١٢. وآل عمران: ٣/ ١٩٨، والأعراف: ٧/ ٢٠١ والرعد: ١٣/ ٣٥ والنحل:
١٦/ ٦٢٨ ومريم: ١٩/ ٧٢ والزمر: ٣٩/ ٢٠ و ٦١ و ٧٣.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١١٦ والروم: ٣٠/ ٢٦.
١٦/ ٦٢٨ ومريم: ١٩/ ٧٢ والزمر: ٣٩/ ٢٠ و ٦١ و ٧٣.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١١٦ والروم: ٣٠/ ٢٦.
57
فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ تَعَالَى، تَنَزَّهَ عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ، يَنْزِلُ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرِ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلَعَ الْفَجْرُ».
وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ يَتَحَرَّوْنَ الْأَسْحَارَ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيهَا، وَكَانَ السَّحَرُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَشَقُّ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ إِغْفَاءَةَ الْفَجْرِ مِنْ أَلَذِّ النَّوْمِ؟! وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَكُونُ إِذْ ذَاكَ أَصْفَى، وَالْبَدَنَ أَقَلُّ تَعَبًا، وَالذِّهْنَ أَرَقُّ وَأَحَدُّ، إِذْ قَدْ أَجَمَّ عَنِ الْأَشْيَاءِ الشَّاقَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ بِسُكُونِ بَدَنِهِ، وَتَرَكَ فِكْرَهُ بِانْغِمَارِهِ فِي وَارِدِ النَّوْمِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ قِيَامَ اللَّيْلِ، فَيَحْسُنُ طَلَبُ الْحَاجَةِ فِيهِ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ «١» انْتَهَى. وَمَعْنَاهُ، عَنِ الْحَسَنِ. وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْخَمْسَةُ هِيَ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ وَهُمُ: الْمُؤْمِنُونَ، وَعُطِفَتْ بِالْوَاوِ وَلَمْ تُتْبَعْ دُونَ عَطْفٍ لِتَبَايُنِ كُلِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَةٍ، إِذْ لَيْسَتْ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَنْزِلُ تَغَايُرُ الصِّفَاتِ وَتَبَايُنُهَا مَنْزِلَةَ تَغَايُرِ الذَّوَاتِ فَعُطِفَتْ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْوَاوُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفَاتِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِهِمْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. انْتَهَى. وَلَا نَعْلَمُ الْعَطْفَ فِي الصِّفَةِ بِالْوَاوِ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الصَّابِرِينَ: صَبَرُوا عَنِ المعاصي. وقيل: عن المصائب. وَقِيلَ: ثَبَتُوا عَلَى الْعَهْدِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: هُمُ الصَّائِمُونَ.
وَقَالُوا فِي الصَّادِقِينَ: فِي الْأَقْوَالِ. وَقِيلَ: فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالنِّيَّةِ. وَقِيلَ: فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
وَقَالُوا فِي الْقَانِتِينَ: الْحَافِظِينَ لِلْغَيْبِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْقَائِمِينَ عَلَى الْعِبَادَةِ. وَقِيلَ:
الْقَائِمِينَ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: الدَّاعِينَ الْمُتَضَرِّعِينَ. وَقِيلَ: الْخَاشِعِينَ. وَقِيلَ: الْمُصَلِّينَ.
وَقَالُوا فِي الْمُنْفِقِينَ: الْمُخْرِجِينَ الْمَالَ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ. وَقِيلَ: فِي الْجِهَادِ. وَقِيلَ:
فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ. وَقَالَ ابْنُ قتيبة: في الصدقات.
وقالوا في المستغفرين: السائلين الْمَغْفِرَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَقَتَادَةُ: السَّائِلِينَ الْمَغْفِرَةَ وَقْتَ فَرَاغِ الْبَالِ وَخِفَّةِ الْأَشْغَالِ، وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا:
الْمُصَلِّينَ بِالْأَسْحَارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْمُصَلِّينَ الصبح في جماعة.
وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ يَتَحَرَّوْنَ الْأَسْحَارَ لِيَسْتَغْفِرُوا فِيهَا، وَكَانَ السَّحَرُ مُسْتَحَبًّا فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَشَقُّ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ إِغْفَاءَةَ الْفَجْرِ مِنْ أَلَذِّ النَّوْمِ؟! وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَكُونُ إِذْ ذَاكَ أَصْفَى، وَالْبَدَنَ أَقَلُّ تَعَبًا، وَالذِّهْنَ أَرَقُّ وَأَحَدُّ، إِذْ قَدْ أَجَمَّ عَنِ الْأَشْيَاءِ الشَّاقَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ بِسُكُونِ بَدَنِهِ، وَتَرَكَ فِكْرَهُ بِانْغِمَارِهِ فِي وَارِدِ النَّوْمِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ قِيَامَ اللَّيْلِ، فَيَحْسُنُ طَلَبُ الْحَاجَةِ فِيهِ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ «١» انْتَهَى. وَمَعْنَاهُ، عَنِ الْحَسَنِ. وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْخَمْسَةُ هِيَ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ وَهُمُ: الْمُؤْمِنُونَ، وَعُطِفَتْ بِالْوَاوِ وَلَمْ تُتْبَعْ دُونَ عَطْفٍ لِتَبَايُنِ كُلِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَةٍ، إِذْ لَيْسَتْ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَنْزِلُ تَغَايُرُ الصِّفَاتِ وَتَبَايُنُهَا مَنْزِلَةَ تَغَايُرِ الذَّوَاتِ فَعُطِفَتْ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالْوَاوُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الصِّفَاتِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِهِمْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. انْتَهَى. وَلَا نَعْلَمُ الْعَطْفَ فِي الصِّفَةِ بِالْوَاوِ يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الصَّابِرِينَ: صَبَرُوا عَنِ المعاصي. وقيل: عن المصائب. وَقِيلَ: ثَبَتُوا عَلَى الْعَهْدِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: هُمُ الصَّائِمُونَ.
وَقَالُوا فِي الصَّادِقِينَ: فِي الْأَقْوَالِ. وَقِيلَ: فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالنِّيَّةِ. وَقِيلَ: فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ.
وَقَالُوا فِي الْقَانِتِينَ: الْحَافِظِينَ لِلْغَيْبِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْقَائِمِينَ عَلَى الْعِبَادَةِ. وَقِيلَ:
الْقَائِمِينَ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: الدَّاعِينَ الْمُتَضَرِّعِينَ. وَقِيلَ: الْخَاشِعِينَ. وَقِيلَ: الْمُصَلِّينَ.
وَقَالُوا فِي الْمُنْفِقِينَ: الْمُخْرِجِينَ الْمَالَ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ. وَقِيلَ: فِي الْجِهَادِ. وَقِيلَ:
فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ. وَقَالَ ابْنُ قتيبة: في الصدقات.
وقالوا في المستغفرين: السائلين الْمَغْفِرَةُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، وَقَتَادَةُ: السَّائِلِينَ الْمَغْفِرَةَ وَقْتَ فَرَاغِ الْبَالِ وَخِفَّةِ الْأَشْغَالِ، وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا:
الْمُصَلِّينَ بِالْأَسْحَارِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْمُصَلِّينَ الصبح في جماعة.
(١) سورة فاطر: ٣٥/ ١٠.
58
وَهَذَا الَّذِي فَسَّرُوهُ كُلُّهُ مُتَقَارِبٌ.
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ سَبَبُ نُزُولِهَا
أَنَّ حَبْرَيْنِ مِنَ الشَّامِ قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا أَشْبَهَ هَذِهِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الْخَارِجِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، ثُمَّ عَرَفَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّعْتِ، فَقَالَا: أَنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَا: أَنْتَ أَحْمَدُ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَا: نَسْأَلُكَ عَنْ شَهَادَةٍ إِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهَا آمَنَّا. فَقَالَ: «سَلَانِي» فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَعْظَمِ الشَّهَادَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، وَأَسْلَمَا.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ حَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خَرَّتْ سُجَّدًا.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ لَمَّا حَاجُّوا فِي أَمْرِ عِيسَى.
وَقِيلَ: فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَمَّا تَرَكُوا اسْمَ الْإِسْلَامِ وَتُسَمَّوْا بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ قَالُوا: دِينُنَا أَفْضَلُ مِنْ دِينِكَ، فَنَزَلَتْ.
وَأَصْلُ: شَهِدَ، حَضَرَ، ثُمَّ صُرِفَتِ الْكَلِمَةُ فِي أَدَاءِ مَا تَقَرَّرَ عِلْمُهُ فِي النَّفْسِ، فَأَيُّ وَجْهٍ تَقَرَّرَ مِنْ حُضُورٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَقِيلَ: مَعْنَى: شَهِدَ، هُنَا: أَعْلَمَ. قَالَهُ الْمُفَضَّلُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: قَضَى، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَكَمَ، وَقِيلَ: بَيَّنَ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: شَهِدَ بِإِظْهَارِ صُنْعِهِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: شُبِّهَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بِأَفْعَالِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، وَبِمَا أَوْحَى مِنْ آيَاتِهِ النَّاطِقَةِ بِالتَّوْحِيدِ كَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ فِي الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ، وَكَذَلِكَ إِقْرَارُ الْمَلَائِكَةِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَاحْتِجَاجُهُمْ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ.
وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: ذِكْرُ شَهَادَتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَهَادَةِ مَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ «١» انْتَهَى.
وَمُشَارَكَةُ الْمَلَائِكَةِ وَأُولِي الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الشَّهَادَةِ مِنْ حَيْثُ عطفا عليه لصحة
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ سَبَبُ نُزُولِهَا
أَنَّ حَبْرَيْنِ مِنَ الشَّامِ قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا أَشْبَهَ هَذِهِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الْخَارِجِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، ثُمَّ عَرَفَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّعْتِ، فَقَالَا: أَنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَا: أَنْتَ أَحْمَدُ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَا: نَسْأَلُكَ عَنْ شَهَادَةٍ إِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهَا آمَنَّا. فَقَالَ: «سَلَانِي» فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَعْظَمِ الشَّهَادَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ، وَأَسْلَمَا.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ حَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خَرَّتْ سُجَّدًا.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ لَمَّا حَاجُّوا فِي أَمْرِ عِيسَى.
وَقِيلَ: فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَمَّا تَرَكُوا اسْمَ الْإِسْلَامِ وَتُسَمَّوْا بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمْ قَالُوا: دِينُنَا أَفْضَلُ مِنْ دِينِكَ، فَنَزَلَتْ.
وَأَصْلُ: شَهِدَ، حَضَرَ، ثُمَّ صُرِفَتِ الْكَلِمَةُ فِي أَدَاءِ مَا تَقَرَّرَ عِلْمُهُ فِي النَّفْسِ، فَأَيُّ وَجْهٍ تَقَرَّرَ مِنْ حُضُورٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَقِيلَ: مَعْنَى: شَهِدَ، هُنَا: أَعْلَمَ. قَالَهُ الْمُفَضَّلُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: قَضَى، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَكَمَ، وَقِيلَ: بَيَّنَ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: شَهِدَ بِإِظْهَارِ صُنْعِهِ.
| وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ | تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ |
وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: ذِكْرُ شَهَادَتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَهَادَةِ مَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ «١» انْتَهَى.
وَمُشَارَكَةُ الْمَلَائِكَةِ وَأُولِي الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الشَّهَادَةِ مِنْ حَيْثُ عطفا عليه لصحة
(١) سورة الأنفال: ٨/ ١.
59
نِسْبَةِ الْإِعْلَامِ، أَوْ صِحَّةِ نِسْبَةِ الْإِظْهَارِ وَالْبَيَانِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيَّةُ الْإِظْهَارِ وَالْبَيَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ إِظْهَارَهُ تَعَالَى بِخَلْقِ الدَّلَائِلِ، وَإِظْهَارَ الْمَلَائِكَةِ بِتَقْرِيرِهَا لِلرُّسُلِ، وَالرُّسُلِ لِأُولِي الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: شَهَادَةُ اللَّهِ بَيَانُهُ وَإِظْهَارُهُ، وَالشَّاهِدُ هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي بَيَّنَ مَا عَلِمَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ دَلَالَاتِ التَّوْحِيدِ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ بِمَعْنَى الْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ:
لُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
«١» أَيْ: أَقْرَرْنَا. فَنَسَّقَ شَهَادَةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى شَهَادَةِ اللَّهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَعْنًى، لِتَمَاثُلِهِمَا لَفْظًا. كَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٢» لِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ. وَشَهَادَةُ أُولِي الْعِلْمِ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَيَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ، لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا وَبَيَّنُوا. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: شهد الله، بمعنى: قال اللَّهُ، بِلُغَةِ قَيْسِ بْنِ غيلان.
وأُولُوا الْعِلْمِ قِيلَ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ. وَقِيلَ: مُؤْمِنُوَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقِيلَ: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. وَقِيلَ: عُلَمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُونَ.
وَالْمُرَادُ بِأُولِي الْعِلْمِ: مَنْ كَانَ مِنَ الْبَشَرِ عَالِمًا، لِأَنَّهُمْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى: عَالِمٍ وَجَاهِلٍ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ. فَإِنَّهُمْ فِي الْعِلْمِ سَوَاءٌ.
وأَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ: مَفْعُولُ: شَهِدَ، وَفَصَلَ بِهِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ، لِيَدُلَّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِذِكْرِ الْمَفْعُولِ، وَلِيَدُلَّ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَةِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، بِحَيْثُ لَا يُنَسَّقَانِ مُتَجَاوِرَيْنِ. وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى أُولِي الْعِلْمِ مِنَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَعِلْمُهُمْ كُلُّهُ ضَرُورِيٌّ، بِخِلَافِ الْبَشَرِ، فَإِنَّ عِلْمَهُمْ ضَرُورِيٌّ وَاكْتِسَابِيٌّ.
وَقَرَأَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: شُهِدَ، بِضَمِّ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ: أَنَّهُ، فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ أَيْ: شَهِدَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ وَأُلُوهِيَّتَهُ. وَارْتِفَاعُ: الْمَلَائِكَةُ، عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوَ الْعِلْمِ يشهدون. وحذف الْخَبَرِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِدَلَالَةِ شَهِدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا بُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَشَهِدَ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ.
وَقَرَأَ أَبُو الْمُهَلَّبِ، عَمُّ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ: شُهَدَاءَ اللَّهِ، عَلَى وَزْنِ: فُعَلَاءَ، جَمْعًا منصوبا.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: شَهَادَةُ اللَّهِ بَيَانُهُ وَإِظْهَارُهُ، وَالشَّاهِدُ هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي بَيَّنَ مَا عَلِمَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ دَلَالَاتِ التَّوْحِيدِ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ بِمَعْنَى الْإِقْرَارِ كَقَوْلِهِ:
لُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
«١» أَيْ: أَقْرَرْنَا. فَنَسَّقَ شَهَادَةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى شَهَادَةِ اللَّهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَعْنًى، لِتَمَاثُلِهِمَا لَفْظًا. كَقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٢» لِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ. وَشَهَادَةُ أُولِي الْعِلْمِ يَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَيَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ، لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا وَبَيَّنُوا. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: شهد الله، بمعنى: قال اللَّهُ، بِلُغَةِ قَيْسِ بْنِ غيلان.
وأُولُوا الْعِلْمِ قِيلَ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ. وَقِيلَ: مُؤْمِنُوَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقِيلَ: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. وَقِيلَ: عُلَمَاءُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُؤْمِنُونَ.
وَالْمُرَادُ بِأُولِي الْعِلْمِ: مَنْ كَانَ مِنَ الْبَشَرِ عَالِمًا، لِأَنَّهُمْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى: عَالِمٍ وَجَاهِلٍ، بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ. فَإِنَّهُمْ فِي الْعِلْمِ سَوَاءٌ.
وأَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ: مَفْعُولُ: شَهِدَ، وَفَصَلَ بِهِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ، لِيَدُلَّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِذِكْرِ الْمَفْعُولِ، وَلِيَدُلَّ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَةِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، بِحَيْثُ لَا يُنَسَّقَانِ مُتَجَاوِرَيْنِ. وَقَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى أُولِي الْعِلْمِ مِنَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَعِلْمُهُمْ كُلُّهُ ضَرُورِيٌّ، بِخِلَافِ الْبَشَرِ، فَإِنَّ عِلْمَهُمْ ضَرُورِيٌّ وَاكْتِسَابِيٌّ.
وَقَرَأَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: شُهِدَ، بِضَمِّ الشِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ: أَنَّهُ، فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ أَيْ: شَهِدَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ وَأُلُوهِيَّتَهُ. وَارْتِفَاعُ: الْمَلَائِكَةُ، عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُوَ الْعِلْمِ يشهدون. وحذف الْخَبَرِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِدَلَالَةِ شَهِدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذَا بُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَشَهِدَ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ.
وَقَرَأَ أَبُو الْمُهَلَّبِ، عَمُّ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ: شُهَدَاءَ اللَّهِ، عَلَى وَزْنِ: فُعَلَاءَ، جَمْعًا منصوبا.
(١) سورة الأنعام: ٦/ ١٣٠.
(٢) سورة الأحزاب: ٣٣/ ٥٦. [.....]
(٢) سورة الأحزاب: ٣٣/ ٥٦. [.....]
60
قَالَ ابْنُ جِنِّي: عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْمُسْتَغْفِرِينَ. وَقِيلَ: نَصْبٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَهُوَ جَمْعُ شُهَدَاءَ، وَجَمْعُ شَاهِدٍ: كَظُرَفَاءَ وَعُلَمَاءَ. وَرُوِيَ عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي نَهِيكٍ: شُهَدَاءُ اللَّهِ، بِالرَّفْعِ أَيْ: هُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ. وَفِي الْقِرَاءَتَيْنِ: شُهَدَاءُ، مُضَافٌ إِلَى اسْمِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ: شُهُدٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَالْهَاءِ، جَمْعُ: شَهِيدٍ، كَنَذِيرٍ وَنُذُرٍ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَاسْمُ اللَّهِ مَنْصُوبٌ. وَذَكَرَ النَّقَّاشُ: أنه قرىء كَذَلِكَ بِضَمِّ الدَّالِ وَبِفَتْحِهَا مُضَافًا لِاسْمِ اللَّهِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أَنَّهُ قرىء: شُهَدَاءُ لِلَّهِ، بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَنَصْبِهَا، وَبِلَامِ الْجَرِّ دَاخِلَةٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، وَالرَّفْعِ عَلَى إِضْمَارِهِمْ، وَوَجْهُ رَفْعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَسْتَكِنِّ فِي شُهَدَاءَ، وجاز ذلك لوقوع الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا. وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ رَفْعِ الْمَلَائِكَةِ إِمَّا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَإِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِخِلَافٍ عَنْهُ بِإِدْغَامِ: وَاوٍ، وَهُوَ فِي: وَاوِ، وَالْمَلَائِكَةُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي: إِنَّهُ، وَخَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَجْرَى: شَهِدَ، مَجْرَى:
قَالَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، فَلِذَلِكَ كَسَرَ إِنَّ، أَوْ عَلَى أَنَّ مَعْمُولَ: شَهِدَ، هُوَ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «١» وَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ جُمْلَةُ اعْتِرَاضٍ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ، إِذْ فِيهَا تَسْدِيدٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ وَتَقْوِيَةٌ، هَكَذَا خَرَّجُوهُ. وَالضَّمِيرُ فِي: أَنَّهُ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى: اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضمير الشَّأْنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ إِذَا خَفَّفْتَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، لِأَنَّهَا إِذَا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ إِلَّا ضَرُورَةً، وَإِذَا عَمِلَتْ فِيهِ لَزِمَ حَذْفُهُ.
قَالُوا: وَانْتُصِبَ: قائِماً بِالْقِسْطِ عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ: هُوَ، أَوْ مِنَ الْجَمِيعِ، عَلَى اعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ صِفَةٌ لِلْمَنْفِيِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ:
لَا إِلَهَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ إِلَّا هُوَ. أَوْ: عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ: الْقَائِمُ، وَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً «٢» أَيِ الْوَاصِبُ.
وَقَرَأَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَيِّمًا، وَانْتِصَابُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَذَكَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ: أَنَّ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ:
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ: شُهُدٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَالْهَاءِ، جَمْعُ: شَهِيدٍ، كَنَذِيرٍ وَنُذُرٍ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَاسْمُ اللَّهِ مَنْصُوبٌ. وَذَكَرَ النَّقَّاشُ: أنه قرىء كَذَلِكَ بِضَمِّ الدَّالِ وَبِفَتْحِهَا مُضَافًا لِاسْمِ اللَّهِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أَنَّهُ قرىء: شُهَدَاءُ لِلَّهِ، بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَنَصْبِهَا، وَبِلَامِ الْجَرِّ دَاخِلَةٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، وَالرَّفْعِ عَلَى إِضْمَارِهِمْ، وَوَجْهُ رَفْعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَسْتَكِنِّ فِي شُهَدَاءَ، وجاز ذلك لوقوع الْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا. وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ رَفْعِ الْمَلَائِكَةِ إِمَّا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَإِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِخِلَافٍ عَنْهُ بِإِدْغَامِ: وَاوٍ، وَهُوَ فِي: وَاوِ، وَالْمَلَائِكَةُ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي: إِنَّهُ، وَخَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَجْرَى: شَهِدَ، مَجْرَى:
قَالَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، فَلِذَلِكَ كَسَرَ إِنَّ، أَوْ عَلَى أَنَّ مَعْمُولَ: شَهِدَ، هُوَ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «١» وَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ جُمْلَةُ اعْتِرَاضٍ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ، إِذْ فِيهَا تَسْدِيدٌ لِمَعْنَى الْكَلَامِ وَتَقْوِيَةٌ، هَكَذَا خَرَّجُوهُ. وَالضَّمِيرُ فِي: أَنَّهُ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى: اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضمير الشَّأْنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ إِذَا خَفَّفْتَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، لِأَنَّهَا إِذَا خُفِّفَتْ لَمْ تَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ إِلَّا ضَرُورَةً، وَإِذَا عَمِلَتْ فِيهِ لَزِمَ حَذْفُهُ.
قَالُوا: وَانْتُصِبَ: قائِماً بِالْقِسْطِ عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ: هُوَ، أَوْ مِنَ الْجَمِيعِ، عَلَى اعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ صِفَةٌ لِلْمَنْفِيِّ، كَأَنَّهُ قِيلَ:
لَا إِلَهَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ إِلَّا هُوَ. أَوْ: عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ أَصْلَهُ: الْقَائِمُ، وَكَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: وَلَهُ الدِّينُ واصِباً «٢» أَيِ الْوَاصِبُ.
وَقَرَأَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَيِّمًا، وَانْتِصَابُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَذَكَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ: أَنَّ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ:
(١) سورة آل عمران: ٣/ ١٩.
(٢) سورة النحل: ١٦/ ٥٢.
(٢) سورة النحل: ١٦/ ٥٢.
61
قَائِمٌ، فَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ فَعَامِلُهَا شَهِدَ، إِذْ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَجْهِ حَالٌ لَازِمَةٌ، لِأَنَّ الْقِيَامَ بِالْقِسْطِ وَصْفٌ ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنْهُ، أَيْ: مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً «١». انْتَهَى. وَلَيْسَ مِنَ الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ: وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
«٢» وَلَا مِنْ بَابِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا. فَلَيْسَ قائِماً بِالْقِسْطِ بِمَعْنَى: شَهِدَ، وَلَيْسَ مؤكدا مضمون الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ فِي نَحْوِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا، وَهُوَ زَيْدٌ شُجَاعًا. لَكِنْ فِي هَذَا التَّخْرِيجِ قَلَقٌ فِي التَّرْكِيبِ، إِذْ يَصِيرُ كَقَوْلِكَ: أَكَلَ زَيْدٌ طَعَامًا وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ جَائِعًا.
فَيَفْصِلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ بِالْمَفْعُولِ، وَبَيْنَ الْحَالِ وَذِي الْحَالِ بِالْمَفْعُولِ وَالْمَعْطُوفِ، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ كَوْنِهَا كُلِّهَا مَعُمُولَةً لِعَامِلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ: هُوَ، فَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلْتُهُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ: شَهِدَ، فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَنْتَصِبَ حَالًا مِنْ: هُوَ، فِي: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ! لِأَنَّهَا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَالْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ لَا تَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ زِيَادَةٌ فِي فَائِدَتِهَا عَامِلٌ فِيهَا، كَقَوْلِهِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا. انْتَهَى. وَيَعْنِي. أَنَّ الْحَالَ الْمُؤَكِّدَةَ لَا يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا النَّصْبَ شَيْئًا مِنَ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا يَنْتَصِبُ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أَحَقُّ، أَوْ نَحْوُهُ مُضْمَرًا بَعْدَ الْجُمْلَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَالْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنًى مُلَازِمٍ لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، أَوْ شَبِيهٍ بِالْمُلَازِمِ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْجُمْلَةِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ، فَيُقَدَّرُ الْفِعْلُ: أُحَقُّ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، نَحْوَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا، أَيْ: أُحَقُّ شُجَاعًا. وَإِنْ كَانَ مُخْبِرًا عَنْ غَيْرِهِ نَحْوَ: هُوَ زَيْدٌ شُجَاعًا، فَتَقْدِيرُهُ: أُحَقُّهُ شُجَاعًا.
وَذَهَبَ الزَّجَّاجُ إِلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ هُوَ الْخَبَرُ بِمَا ضُمِّنَ مِنْ مَعْنَى الْمُسَمَّى، وَذَهَبَ ابْنُ خَرُوفٍ إِلَى أَنَّهُ الْمُبْتَدَأُ بِمَا ضُمِّنَ مِنْ مَعْنَى التَّنْبِيهِ. وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ حَالًا مِنَ الْجَمِيعِ، عَلَى مَا ذُكِرَ، فَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: جَاءَ الْقَوْمُ رَاكِبًا، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَهَذَا لَا تقوله العرب.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنْهُ، أَيْ: مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً «١». انْتَهَى. وَلَيْسَ مِنَ الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ: وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
«٢» وَلَا مِنْ بَابِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا. فَلَيْسَ قائِماً بِالْقِسْطِ بِمَعْنَى: شَهِدَ، وَلَيْسَ مؤكدا مضمون الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ فِي نَحْوِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا، وَهُوَ زَيْدٌ شُجَاعًا. لَكِنْ فِي هَذَا التَّخْرِيجِ قَلَقٌ فِي التَّرْكِيبِ، إِذْ يَصِيرُ كَقَوْلِكَ: أَكَلَ زَيْدٌ طَعَامًا وَعَائِشَةُ وَفَاطِمَةُ جَائِعًا.
فَيَفْصِلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ بِالْمَفْعُولِ، وَبَيْنَ الْحَالِ وَذِي الْحَالِ بِالْمَفْعُولِ وَالْمَعْطُوفِ، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ كَوْنِهَا كُلِّهَا مَعُمُولَةً لِعَامِلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ: هُوَ، فَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ جَعَلْتُهُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ: شَهِدَ، فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَنْتَصِبَ حَالًا مِنْ: هُوَ، فِي: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ! لِأَنَّهَا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَالْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ لَا تَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ زِيَادَةٌ فِي فَائِدَتِهَا عَامِلٌ فِيهَا، كَقَوْلِهِ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا. انْتَهَى. وَيَعْنِي. أَنَّ الْحَالَ الْمُؤَكِّدَةَ لَا يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا النَّصْبَ شَيْئًا مِنَ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا يَنْتَصِبُ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أَحَقُّ، أَوْ نَحْوُهُ مُضْمَرًا بَعْدَ الْجُمْلَةِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَالْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنًى مُلَازِمٍ لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، أَوْ شَبِيهٍ بِالْمُلَازِمِ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْجُمْلَةِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ، فَيُقَدَّرُ الْفِعْلُ: أُحَقُّ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، نَحْوَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا، أَيْ: أُحَقُّ شُجَاعًا. وَإِنْ كَانَ مُخْبِرًا عَنْ غَيْرِهِ نَحْوَ: هُوَ زَيْدٌ شُجَاعًا، فَتَقْدِيرُهُ: أُحَقُّهُ شُجَاعًا.
وَذَهَبَ الزَّجَّاجُ إِلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ هُوَ الْخَبَرُ بِمَا ضُمِّنَ مِنْ مَعْنَى الْمُسَمَّى، وَذَهَبَ ابْنُ خَرُوفٍ إِلَى أَنَّهُ الْمُبْتَدَأُ بِمَا ضُمِّنَ مِنْ مَعْنَى التَّنْبِيهِ. وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ حَالًا مِنَ الْجَمِيعِ، عَلَى مَا ذُكِرَ، فَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ: جَاءَ الْقَوْمُ رَاكِبًا، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَهَذَا لَا تقوله العرب.
(١) سورة البقرة: ٢/ ٩١.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ١٥.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ١٥.
62
وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى الْمَدْحِ، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ أَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْمُنْتَصِبِ عَلَى الْمَدْحِ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، كَقَوْلِكَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمِيدِ،
«إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ».
إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نُدْعَى لِأَبٍ؟
قُلْتُ: قَدْ جَاءَ نَكِرَةً فِي قَوْلِ الْهُذَلِيِّ:
انْتَهَى سُؤَالُهُ وَجَوَابُهُ. وَفِي ذَلِكَ تَخْلِيطٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوِ التَّرَحُّمِ، وَبَيْنَ الْمَنْصُوبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَجَعَلَ حُكْمَهُمَا وَاحِدًا، وَأَوْرَدَ مِثَالًا مِنَ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْمَدْحِ وَهُوَ: الْحَمْدُ لله الحميد، ومثالين من الْمَنْصُوبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَهُمَا:
«إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ».
إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نُدْعَى لِأَبٍ وَالَّذِي ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ الْمَنْصُوبَ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوِ التَّرَحُّمِ قَدْ يَكُونُ مَعْرِفَةً، وَقَبْلَهُ مَعْرِفَةٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لَهَا، وَقَدْ لَا يَصْلُحُ، وَقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً كَذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً وَقَبْلَهَا مَعْرِفَةٌ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهَا نَحْوَ قَوْلِ النَّابِغَةِ:
فَانْتَصَبَ: وُجُوهَ قُرُودٍ، عَلَى الذَّمِّ. وَقَبْلَهُ مَعْرِفَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَقَارِعُ عَوْفٍ.
وَأَمَّا المنصوب على الاختصاص فنصبوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَكِرَةً وَلَا مُبْهَمًا، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، أَوْ بِالْإِضَافَةِ، أَوْ بِالْعَلَمِيَّةِ، أَوْ بِأَيٍّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ، أَوْ مُشَارِكٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا أَتَى بَعْدَ ضَمِيرِ مُخَاطَبٍ. وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَنْفِيِّ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَنْفِيِّ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا إِلَهَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ إِلَّا هُوَ؟
قُلْتُ: لَا يَبْعُدُ، فَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَتَّسِعُونَ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، ثُمَّ قَالَ:
وَهُوَ أَوْجَهُ مِنِ انْتِصَابِهِ عَنْ فَاعِلِ: شَهِدَ، وَكَذَلِكَ انْتِصَابُهُ عَلَى الْمَدْحِ. انْتَهَى. وَكَانَ قَدْ مَثَّلَ فِي الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: لَا رَجُلَ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا. وَيَعْنِي أَنَّ انْتِصَابَ:
قَائِمًا، عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: إِلَهَ، أَوْ لِكَوْنِهِ انْتَصَبَ عَلَى الْمَدْحِ أَوْجَهُ مِنِ انْتِصَابِهِ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ: شَهِدَ، وَهُوَ اللَّهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ
«إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ».
إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نُدْعَى لِأَبٍ؟
قُلْتُ: قَدْ جَاءَ نَكِرَةً فِي قَوْلِ الْهُذَلِيِّ:
| وَيَأْوِي إِلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ | وشعثا مَرَاضِيعَ مِثْلِ السَّعَالِي |
«إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ».
إِنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نُدْعَى لِأَبٍ وَالَّذِي ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ الْمَنْصُوبَ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوِ التَّرَحُّمِ قَدْ يَكُونُ مَعْرِفَةً، وَقَبْلَهُ مَعْرِفَةٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لَهَا، وَقَدْ لَا يَصْلُحُ، وَقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً كَذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً وَقَبْلَهَا مَعْرِفَةٌ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهَا نَحْوَ قَوْلِ النَّابِغَةِ:
| أَقَارِعُ عَوْفٍ لَا أُحَاوِلُ غيرها | وجوه قرود يبتغي من يخادع |
وَأَمَّا المنصوب على الاختصاص فنصبوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَكِرَةً وَلَا مُبْهَمًا، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، أَوْ بِالْإِضَافَةِ، أَوْ بِالْعَلَمِيَّةِ، أَوْ بِأَيٍّ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ ضَمِيرِ مُتَكَلِّمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ، أَوْ مُشَارِكٍ فِيهِ، وَرُبَّمَا أَتَى بَعْدَ ضَمِيرِ مُخَاطَبٍ. وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَنْفِيِّ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَنْفِيِّ كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا إِلَهَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ إِلَّا هُوَ؟
قُلْتُ: لَا يَبْعُدُ، فَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَتَّسِعُونَ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، ثُمَّ قَالَ:
وَهُوَ أَوْجَهُ مِنِ انْتِصَابِهِ عَنْ فَاعِلِ: شَهِدَ، وَكَذَلِكَ انْتِصَابُهُ عَلَى الْمَدْحِ. انْتَهَى. وَكَانَ قَدْ مَثَّلَ فِي الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: لَا رَجُلَ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا. وَيَعْنِي أَنَّ انْتِصَابَ:
قَائِمًا، عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: إِلَهَ، أَوْ لِكَوْنِهِ انْتَصَبَ عَلَى الْمَدْحِ أَوْجَهُ مِنِ انْتِصَابِهِ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ: شَهِدَ، وَهُوَ اللَّهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ
63
بِأَجْنَبِيٍّ، وَهُوَ الْمَعْطُوفَانِ اللَّذَانِ هُمَا: الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، وَلَيْسَا مَعْمُولَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ بل هما معمولان: لشهد، وَهُوَ نَظِيرُ: عَرَفَ زَيْدٌ أَنَّ هِنْدًا خَارِجَةٌ وَعَمْرٌو وَجَعْفَرٌ التَّمِيمِيَّةَ. فَيَفْصِلُ بَيْنَ هِنْدًا وَالتَّمِيمِيَّةَ بِأَجْنَبِيٍّ لَيْسَ دَاخِلًا فِيمَا عَمِلَ فِيهَا، وَفِي خَبَرِهَا بِأَجْنَبِيٍّ وَهُمَا: عَمْرٌو وَجَعْفَرٌ، الْمَرْفُوعَانِ بِعَرَفَ، الْمَعْطُوفَانِ عَلَى زَيْدٍ.
وَأَمَّا الْمِثَالُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ وَهُوَ: لَا رَجُلَ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا، فَلَيْسَ نَظِيرَ تَخْرِيجِهِ فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَى الْمَوْضِعِ مِنْ: لَا رَجُلَ، فَهُوَ تَابِعٌ عَلَى الْمَوْضِعِ، فَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ.
عَلَى أَنَّ فِي جَوَازِ هَذَا التَّرْكِيبِ نَظَرًا، لأنه بدل، و: شجاعا، وَصْفٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ: إِذَا اجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْوَصْفُ قُدِّمَ الْوَصْفُ عَلَى الْبَدَلِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى الْقَطْعِ فَلَا يَجِيءُ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْبَصْرِيُّونَ.
وَالْأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ: شَهِدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ، فَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوف تقديره: هُوَ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ بَدَلٌ مِنْ: هُوَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ. وَهُوَ الْمَعْطُوفَانِ، لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَانِ لِغَيْرِ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْعَطْفُ وَالْبَدَلُ قُدِّمَ الْبَدَلُ عَلَى الْعَطْفِ، لَوْ قُلْتَ جَاءَ زَيْدٌ وَعَائِشَةُ أَخُوكَ، لَمْ يَجُزْ. إِنَّمَا الْكَلَامُ: جَاءَ زَيْدٌ أَخُوكَ وَعَائِشَةُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جَازَ إِفْرَادُهُ بِنَصْبِ الْحَالِ دُونَ الْمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعُمَرُ وَرَاكِبًا لَمْ يَجُزْ؟
قُلْتُ: إِنَّمَا جَازَ هَذَا لِعَدَمِ الْإِلْبَاسِ، كَمَا جَازَ فِي قَوْلِهِ: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً «١» إِنِ انْتَصَبَ: نَافِلَةً، حَالًا عَنْ: يَعْقُوبَ، وَلَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَهِنْدٌ رَاكِبًا، جَازَ لِتَمَيُّزِهِ بِالذُّكُورَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَمَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ فِي: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو رَاكِبًا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، بَلْ هَذَا جَائِزٌ، لِأَنَّ الْحَالَ قُيِّدَ فِيمَنْ وَقَعَ مِنْهُ أَوْ بِهِ الْفِعْلُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ قيدا فإنه يحمل
وَأَمَّا الْمِثَالُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ وَهُوَ: لَا رَجُلَ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ شُجَاعًا، فَلَيْسَ نَظِيرَ تَخْرِيجِهِ فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَى الْمَوْضِعِ مِنْ: لَا رَجُلَ، فَهُوَ تَابِعٌ عَلَى الْمَوْضِعِ، فَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ.
عَلَى أَنَّ فِي جَوَازِ هَذَا التَّرْكِيبِ نَظَرًا، لأنه بدل، و: شجاعا، وَصْفٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ: إِذَا اجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْوَصْفُ قُدِّمَ الْوَصْفُ عَلَى الْبَدَلِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ تَكْرَارِ الْعَامِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةٍ أُخْرَى عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا انْتِصَابُهُ عَلَى الْقَطْعِ فَلَا يَجِيءُ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْبَصْرِيُّونَ.
وَالْأَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ: شَهِدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ، فَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوف تقديره: هُوَ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ بَدَلٌ مِنْ: هُوَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ. وَهُوَ الْمَعْطُوفَانِ، لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَانِ لِغَيْرِ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْعَامِلِ فِي الْمُبْدَلِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْعَطْفُ وَالْبَدَلُ قُدِّمَ الْبَدَلُ عَلَى الْعَطْفِ، لَوْ قُلْتَ جَاءَ زَيْدٌ وَعَائِشَةُ أَخُوكَ، لَمْ يَجُزْ. إِنَّمَا الْكَلَامُ: جَاءَ زَيْدٌ أَخُوكَ وَعَائِشَةُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جَازَ إِفْرَادُهُ بِنَصْبِ الْحَالِ دُونَ الْمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعُمَرُ وَرَاكِبًا لَمْ يَجُزْ؟
قُلْتُ: إِنَّمَا جَازَ هَذَا لِعَدَمِ الْإِلْبَاسِ، كَمَا جَازَ فِي قَوْلِهِ: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً «١» إِنِ انْتَصَبَ: نَافِلَةً، حَالًا عَنْ: يَعْقُوبَ، وَلَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَهِنْدٌ رَاكِبًا، جَازَ لِتَمَيُّزِهِ بِالذُّكُورَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَمَا ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ فِي: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو رَاكِبًا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، بَلْ هَذَا جَائِزٌ، لِأَنَّ الْحَالَ قُيِّدَ فِيمَنْ وَقَعَ مِنْهُ أَوْ بِهِ الْفِعْلُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ قيدا فإنه يحمل
(١) سورة الأنبياء: ٢١/ ٧٢.
64
عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَيَكُونُ رَاكِبًا حَالًا مِمَّا يَلِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَالِ وَالصِّفَةِ، لَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو الطَّوِيلُ. لَكَانَ: الطَّوِيلُ، صِفَةً: لِعَمْرٍو، وَلَا تَقُولُ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، لِأَنَّهُ يَلْبَسُ بَلْ لَا لَبْسَ فِي هَذَا، وَهُوَ جَائِزٌ فَكَذَلِكَ الْحَالُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي: نَافِلَةً، إِنَّهُ انْتَصَبَ حَالًا عَنْ: يَعْقُوبَ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا عَنْ:
يَعْقُوبَ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: نَافِلَةً، مَصْدَرًا كَالْعَافِيَةِ وَالْعَاقِبَةِ. وَمَعْنَاهُ: زِيَادَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ شَامِلًا لِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، لِأَنَّهُمَا زِيدَا لِإِبْرَاهِيمَ بَعْدَ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا جَاءَ لَهُ إِسْحَاقُ عَلَى الْكِبَرِ، وَبَعْدَ أَنْ عَجَزَتْ سَارَّةُ وَأَيِسَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ، وَأَوْلَادُ إِبْرَاهِيمَ غَيْرَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ مَدْيَانُ، وَيُقَالُ: مَدْيَنُ، وَيُشْنَاقُ، وَشُواحُ، وَهُوَ خَاضِعُ، وَرَمْرَانُ وَهُوَ مَحْدَانُ، وَمَدْنُ، وَيَقْشَانُ وَهُوَ مُصْعَبُ، فَهَؤُلَاءِ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ لِصُلْبِهِ. وَالْعَقِبُ الْبَاقِي مِنْهُمْ لِإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ لَا غَيْرُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُرَادُ، بِأُولِي الْعِلْمِ، الَّذِينَ عَظَّمَهُمْ هَذَا التَّعْظِيمَ حَيْثُ جَمَعَهُمْ مَعَهُ وَمَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعَدْلِهِ؟
قُلْتُ: هُمُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ وَحْدَانِيَّتَهُ وَعَدْلَهُ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ، وَالْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ، وَهُمْ عُلَمَاءُ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ. انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِعُلَمَاءِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ: الْمُعْتَزِلَةَ، وَهُمْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا أَنْشَدَنَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنْشَدَنَا الصَّاحِبُ أَبُو حَامِدٍ عَبْدُ الْحُمَيْدِ بْنُ هِبَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ الْمُعْتَزِلِيُّ بِبَغْدَادَ لِنَفْسِهِ:
لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كُرِّرَ التَّهْلِيلُ تَوْكِيدًا وَقِيلَ: الْأَوَّلُ شَهَادَةُ اللَّهِ، وَالثَّانِي شَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ وَأُولِي الْعِلْمِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الْمَلَائِكَةِ عَنِ الْعَطْفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ رَافِعٍ، أَوْ عَلَى جَعْلِهِمْ مُبْتَدَأً، وَعَلَى الْفَصْلِ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَبَيْنَ التَّهْلِيلِ بِأَجْنَبِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قائِماً بِالْقِسْطِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي: نَافِلَةً، إِنَّهُ انْتَصَبَ حَالًا عَنْ: يَعْقُوبَ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا عَنْ:
يَعْقُوبَ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: نَافِلَةً، مَصْدَرًا كَالْعَافِيَةِ وَالْعَاقِبَةِ. وَمَعْنَاهُ: زِيَادَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ شَامِلًا لِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، لِأَنَّهُمَا زِيدَا لِإِبْرَاهِيمَ بَعْدَ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِ، إِذْ كَانَ إِنَّمَا جَاءَ لَهُ إِسْحَاقُ عَلَى الْكِبَرِ، وَبَعْدَ أَنْ عَجَزَتْ سَارَّةُ وَأَيِسَتْ مِنَ الْوِلَادَةِ، وَأَوْلَادُ إِبْرَاهِيمَ غَيْرَ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ مَدْيَانُ، وَيُقَالُ: مَدْيَنُ، وَيُشْنَاقُ، وَشُواحُ، وَهُوَ خَاضِعُ، وَرَمْرَانُ وَهُوَ مَحْدَانُ، وَمَدْنُ، وَيَقْشَانُ وَهُوَ مُصْعَبُ، فَهَؤُلَاءِ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ لِصُلْبِهِ. وَالْعَقِبُ الْبَاقِي مِنْهُمْ لِإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ لَا غَيْرُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُرَادُ، بِأُولِي الْعِلْمِ، الَّذِينَ عَظَّمَهُمْ هَذَا التَّعْظِيمَ حَيْثُ جَمَعَهُمْ مَعَهُ وَمَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعَدْلِهِ؟
قُلْتُ: هُمُ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ وَحْدَانِيَّتَهُ وَعَدْلَهُ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ، وَالْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ، وَهُمْ عُلَمَاءُ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ. انْتَهَى.
وَيَعْنِي بِعُلَمَاءِ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ: الْمُعْتَزِلَةَ، وَهُمْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ كَمَا أَنْشَدَنَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ: أَنْشَدَنَا الصَّاحِبُ أَبُو حَامِدٍ عَبْدُ الْحُمَيْدِ بْنُ هِبَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ الْمُعْتَزِلِيُّ بِبَغْدَادَ لِنَفْسِهِ:
| لَوْلَا ثَلَاثٌ لَمْ أُخْفِ صُرْعَتِي | لَيْسَتْ كَمَا قَالَ فَتَى الْعَبْدِ |
| أَنْ أَنْصُرَ التَّوْحِيدَ وَالْعَدْلَ فِي | كُلِّ مَقَامٍ بَاذِلًا جُهْدِي |
| وَأَنْ أُنَاجِيَ اللَّهَ مُسْتَمْتِعًا | بِخَلْوَةٍ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ |
| وَإِنَّ أَتْيَهُ الدَّهْرَ كِبْرًا عَلَى | كُلِّ لَئِيمٍ أَصْعَرِ الْخَدِّ |
| لِذَاكَ أَهْوَى لَا فَتَاةَ وَلَا | خَمْرَ وَلَا ذِي مَيْعَةٍ نَهْدِ |
65
وَقِيلَ: الْأَوَّلُ جَارٍ مَجْرَى الشَّهَادَةِ، وَالثَّانِي جَارٍ مَجْرَى الْحُكْمِ وَقِيلَ: هَذَا الْكَلَامُ يَنْطَوِي عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ، وَهَذَا هُوَ نَتِيجَتُهُمَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَهِدَ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ وَمَا شَهِدُوا بِهِ حَقٌّ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ حَقٌّ، فَحَذَفَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَهَذَا التَّقْدِيرُ كُلُّهُ لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّمَا كَرَّرَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لِأَنَّ صِفَاتِ التَّنْزِيهِ أَشْرَفُ مِنْ صِفَاتِ التَّمْجِيدِ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا مُشَارِكٌ فِي أَلْفَاظِهَا الْعَبِيدُ، فَيَصِحُّ وَصْفُهُمْ بِهَا، وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ أَلْفَاظُ التَّنْزِيهِ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ، وَأَبْلَغُ مَا وُصِفَ بِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَتَكْرِيرُهُ هُنَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِكَوْنِ الثَّانِي قَطْعًا لِلْحُكْمِ، كَقَوْلِكَ: أَشْهَدُ أَنْ زَيْدًا خَارِجٌ، وَهُوَ خَارِجٌ. وَالثَّانِي:
لِئَلَّا يَسْبِقَ بِذِكْرِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِلَى قَلْبِ السَّامِعِ تَشْبِيهٌ، إِذْ قَدْ يُوصَفُ بِهِمَا الْمَخْلُوقُ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَتَانِ مُقَرِّرَتَانِ لِمَا وَصَفَ بِهِ ذَاتَهُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْعَدْلِ، يَعْنِي أَنَّهُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالِبُهُ إِلَهٌ آخَرُ، الْحَكِيمُ الَّذِي لَا يَعْدِلُ عَنِ الْعَدْلِ فِي أَفْعَالِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ تَحْوِيمٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَارْتَفَعَ: الْعَزِيزُ، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوف أي: والعزيز، عَلَى الِاسْتِئْنَافِ قِيلَ:
وَلَيْسَ بِوَصْفٍ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْجَمْعِ عَلَيْهِ، بَلْ ذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إِلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْغَائِبِ كَهَذَا يُوصَفُ.
وَجَوَّزُوا فِي إِعْرَابِ: الْعَزِيزُ، أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ: هُوَ.
وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَامَ يَتَهَجَّدُ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ قَالَهَا مِرَارًا، فَسُئِلَ، فَقَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي عَهِدَ إِلَيَّ وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَى، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ».
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن عُمَرَ الرَّازِيُّ: الْعَزِيزُ، إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، و: الحكيم، إِشَارَةٌ، إِلَى كَمَالِ الْعِلْمِ، وَهُمَا الصِّفَتَانِ اللَّتَانِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الْإِلَهِيَّةِ إِلَّا مَعَهُمَا، لِأَنَّ كَوْنَهُ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَقَادِيرِ الْحَاجَاتِ، فَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ الْمُهِمَّاتِ، وَقُدِّمَ الْعَزِيزُ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ عَالِمًا فِي طَرِيقِ الْمَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِيَّةِ، وَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ الْمُسْتَدِلِّ. انْتَهَى كلامه.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّمَا كَرَّرَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لِأَنَّ صِفَاتِ التَّنْزِيهِ أَشْرَفُ مِنْ صِفَاتِ التَّمْجِيدِ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا مُشَارِكٌ فِي أَلْفَاظِهَا الْعَبِيدُ، فَيَصِحُّ وَصْفُهُمْ بِهَا، وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ أَلْفَاظُ التَّنْزِيهِ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ، وَأَبْلَغُ مَا وُصِفَ بِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَتَكْرِيرُهُ هُنَا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِكَوْنِ الثَّانِي قَطْعًا لِلْحُكْمِ، كَقَوْلِكَ: أَشْهَدُ أَنْ زَيْدًا خَارِجٌ، وَهُوَ خَارِجٌ. وَالثَّانِي:
لِئَلَّا يَسْبِقَ بِذِكْرِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِلَى قَلْبِ السَّامِعِ تَشْبِيهٌ، إِذْ قَدْ يُوصَفُ بِهِمَا الْمَخْلُوقُ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَتَانِ مُقَرِّرَتَانِ لِمَا وَصَفَ بِهِ ذَاتَهُ مِنَ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْعَدْلِ، يَعْنِي أَنَّهُ الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغَالِبُهُ إِلَهٌ آخَرُ، الْحَكِيمُ الَّذِي لَا يَعْدِلُ عَنِ الْعَدْلِ فِي أَفْعَالِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ تَحْوِيمٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَارْتَفَعَ: الْعَزِيزُ، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوف أي: والعزيز، عَلَى الِاسْتِئْنَافِ قِيلَ:
وَلَيْسَ بِوَصْفٍ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْجَمْعِ عَلَيْهِ، بَلْ ذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إِلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْغَائِبِ كَهَذَا يُوصَفُ.
وَجَوَّزُوا فِي إِعْرَابِ: الْعَزِيزُ، أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ: هُوَ.
وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَامَ يَتَهَجَّدُ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ قَالَهَا مِرَارًا، فَسُئِلَ، فَقَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي عَهِدَ إِلَيَّ وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَى، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ».
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد بن عُمَرَ الرَّازِيُّ: الْعَزِيزُ، إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، و: الحكيم، إِشَارَةٌ، إِلَى كَمَالِ الْعِلْمِ، وَهُمَا الصِّفَتَانِ اللَّتَانِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الْإِلَهِيَّةِ إِلَّا مَعَهُمَا، لِأَنَّ كَوْنَهُ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَقَادِيرِ الْحَاجَاتِ، فَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ الْمُهِمَّاتِ، وَقُدِّمَ الْعَزِيزُ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ تَعَالَى قَادِرًا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ عَالِمًا فِي طَرِيقِ الْمَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِيَّةِ، وَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ الْمُسْتَدِلِّ. انْتَهَى كلامه.
66
ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ
ﰒ
ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ
ﰓ
ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ
ﰔ
ﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ
ﰕ
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أَيِ الْمِلَّةُ وَالشَّرْعُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ الدِّينَ الْمَقْبُولَ أَوِ النَّافِعَ أَوِ الْمُقَرَّرَ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْكِسَائِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَصْبَهَانِيُّ: أَنَّ، بِالْفَتْحِ، وَتَقَدَّمَتْ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: شَهِدَ اللَّهُ إِنَّهُ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةٌ هَذَا التَّوْكِيدِ؟
قُلْتُ: فَائِدَتُهُ أَنَّ قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ تَوْحِيدٌ، وَقَوْلَهُ: قَائِمًا بِالْقِسْطِ، تَعْدِيلٌ، فَإِذَا أَرْدَفَهُ قَوْلُهُ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، فَقَدْ أَذِنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْعَدْلُ وَالتَّوْحِيدُ، وَهُوَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَشْبِيهٍ، أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، كَإِجَازَةِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ ذَهَبَ إِلَى الْجَبْرِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْجَوْرِ، لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينٍ الله الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا بَيِّنٌ جَلِيٌّ كَمَا تَرَى. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ إِنْكَارِ الرُّؤْيَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ لَا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْكِسَائِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي نَصْبِ: أَنَّهُ، وَأَنَّ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: أن شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِنْ بَدَلِ الشَّيْءَ مِنَ الشيء وهو هُوَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدين الذي هو الإسلام يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ وَالْعَدْلَ وَهُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى؟ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَشْتَمِلُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ. وَقَالَ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الْقِسْطِ، لِأَنَّ الدِّينَ
67
الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ قِسْطٌ وَعَدْلٌ، فَيَكُونُ أَيْضًا مِنْ بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وَهُمَا لِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ.
انْتَهَتْ تَخْرِيجَاتُ أَبِي عَلِيٍّ، وَهُوَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ يَشْتَمِلُ كَلَامُهُ عَلَى لَفْظِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ، وَعَلَى الْبَدَلِ مِنْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، خَرَّجَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِيبٍ بَعِيدٍ أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَهُوَ: عَرَفَ زَيْدٌ أَنَّهُ لَا شُجَاعَ إلّا هو، و: بنو تَمِيمٍ، وَبَنُو دَارِمٍ مُلَاقِيًا لِلْحُرُوبِ لَا شُجَاعَ إِلَّا هُوَ الْبَطَلُ الْمُحَامِي، إِنَّ الْخَصْلَةَ الْحَمِيدَةَ هِيَ الْبَسَالَةُ. وَتَقْرِيبُ هَذَا الْمِثَالِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَائِشَةَ، وَالْعُمَرَانِ حَنَقَا أُخْتَكَ.
فَحَنَقَا: حَالٌ مِنْ زَيْدٍ، وَأُخْتَكَ بَدَلٌ مِنْ عَائِشَةَ، فَفَصَلَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِالْعَطْفِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. وَبِالْحَالِ لِغَيْرِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ فَصْلٌ بِأَجْنَبِيٍّ بَيْنَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَالْبَدَلِ. وَخَرَّجَهَا الطَّبَرِيُّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، التَّقْدِيرُ: وَأَنَّ الدِّينَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ ضَعْفِهِ، وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّهُ مُتَنَافِرُ التَّرْكِيبِ مَعَ إِضْمَارِ حَرْفِ الْعَطْفِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ الْمَرْفُوعَيْنِ بِالْمَنْصُوبِ الْمَفْعُولِ، وَبَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ بِالْمَرْفُوعِ الْمُشَارِكِ الْفَاعِلَ فِي الْفَاعِلِيَّةِ، وَبِجُمْلَتَيِ الِاعْتِرَاضِ، وَصَارَ فِي التَّرْكِيبِ دُونَ مُرَاعَاةِ الْفَصْلِ، نَحْوَ: أَكَلَ زَيْدٌ خُبْزًا وَعَمْرٌو وَسَمَكًا. وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ: أَكَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو خبرا وَسَمَكًا. فَإِنْ فَصَلْنَا بَيْنَ قَوْلِكَ: وَعَمْرٌوَ، وَبَيْنَ قَوْلِكَ: وَسَمَكًا، يَحْصُلُ شَنَعِ التَّرْكِيبِ. وَإِضْمَارُ حَرْفِ الْعَطْفِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَتَا مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: شَهِدَ الله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَالْبَدَلُ هُوَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى، فَكَانَ بَيَانًا صَرِيحًا، لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ. انْتَهَى. وَهَذَا نَقْلُ كَلَامِ أَبِي عَلِيٍّ دُونَ اسْتِيفَاءٍ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخُرِّجَ عَلَى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ هُوَ مَعْمُولُ: شَهِدَ، وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ اعْتِرَاضَانِ: أَحَدُهُمَا: بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالثَّانِي: بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْحَالِ وَبَيْنَ الْمَفْعُولِ لشهد وَهُوَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَإِذَا أَعْرَبْنَا: الْعَزِيزُ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثَ اعْتِرَاضَاتٍ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِنَظِيرٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا حُمِّلَ عَلَى ذَلِكَ الْعُجْمَةُ، وَعَدَمُ الْإِمْعَانِ فِي تَرَاكِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَحِفْظِ أَشْعَارِهَا.
وَكَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي خُطْبَةِ هَذَا الْكِتَابِ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي النَّحْوُ وَحْدَهُ فِي عِلْمِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالتَّطَبُّعِ بِطِبَاعِهَا، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْ
انْتَهَتْ تَخْرِيجَاتُ أَبِي عَلِيٍّ، وَهُوَ مُعْتَزِلِيٌّ، فَلِذَلِكَ يَشْتَمِلُ كَلَامُهُ عَلَى لَفْظِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ، وَعَلَى الْبَدَلِ مِنْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، خَرَّجَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِيبٍ بَعِيدٍ أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَهُوَ: عَرَفَ زَيْدٌ أَنَّهُ لَا شُجَاعَ إلّا هو، و: بنو تَمِيمٍ، وَبَنُو دَارِمٍ مُلَاقِيًا لِلْحُرُوبِ لَا شُجَاعَ إِلَّا هُوَ الْبَطَلُ الْمُحَامِي، إِنَّ الْخَصْلَةَ الْحَمِيدَةَ هِيَ الْبَسَالَةُ. وَتَقْرِيبُ هَذَا الْمِثَالِ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَائِشَةَ، وَالْعُمَرَانِ حَنَقَا أُخْتَكَ.
فَحَنَقَا: حَالٌ مِنْ زَيْدٍ، وَأُخْتَكَ بَدَلٌ مِنْ عَائِشَةَ، فَفَصَلَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِالْعَطْفِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ. وَبِالْحَالِ لِغَيْرِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ فَصْلٌ بِأَجْنَبِيٍّ بَيْنَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَالْبَدَلِ. وَخَرَّجَهَا الطَّبَرِيُّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، التَّقْدِيرُ: وَأَنَّ الدِّينَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ ضَعْفِهِ، وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّهُ مُتَنَافِرُ التَّرْكِيبِ مَعَ إِضْمَارِ حَرْفِ الْعَطْفِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ الْمَرْفُوعَيْنِ بِالْمَنْصُوبِ الْمَفْعُولِ، وَبَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ الْمَنْصُوبَيْنِ بِالْمَرْفُوعِ الْمُشَارِكِ الْفَاعِلَ فِي الْفَاعِلِيَّةِ، وَبِجُمْلَتَيِ الِاعْتِرَاضِ، وَصَارَ فِي التَّرْكِيبِ دُونَ مُرَاعَاةِ الْفَصْلِ، نَحْوَ: أَكَلَ زَيْدٌ خُبْزًا وَعَمْرٌو وَسَمَكًا. وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ: أَكَلَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو خبرا وَسَمَكًا. فَإِنْ فَصَلْنَا بَيْنَ قَوْلِكَ: وَعَمْرٌوَ، وَبَيْنَ قَوْلِكَ: وَسَمَكًا، يَحْصُلُ شَنَعِ التَّرْكِيبِ. وَإِضْمَارُ حَرْفِ الْعَطْفِ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَتَا مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: شَهِدَ الله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَالْبَدَلُ هُوَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى، فَكَانَ بَيَانًا صَرِيحًا، لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ. انْتَهَى. وَهَذَا نَقْلُ كَلَامِ أَبِي عَلِيٍّ دُونَ اسْتِيفَاءٍ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخُرِّجَ عَلَى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ هُوَ مَعْمُولُ: شَهِدَ، وَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ اعْتِرَاضَانِ: أَحَدُهُمَا: بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالثَّانِي: بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْحَالِ وَبَيْنَ الْمَفْعُولِ لشهد وَهُوَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَإِذَا أَعْرَبْنَا: الْعَزِيزُ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثَ اعْتِرَاضَاتٍ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ لَهَا بِنَظِيرٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا حُمِّلَ عَلَى ذَلِكَ الْعُجْمَةُ، وَعَدَمُ الْإِمْعَانِ فِي تَرَاكِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَحِفْظِ أَشْعَارِهَا.
وَكَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي خُطْبَةِ هَذَا الْكِتَابِ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي النَّحْوُ وَحْدَهُ فِي عِلْمِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالتَّطَبُّعِ بِطِبَاعِهَا، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْ
68
ذَلِكَ، وَالَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ: أَنَّ الدِّينَ، بِالْفَتْحِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي مَوْضِعِ الْمَعْمُولِ: لِلْحَكِيمِ، عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، أَيْ: بِأَنَّ، لِأَنَّ الْحَكِيمَ فَعِيلٌ لِلْمُبَالَغَةِ:
كَالْعَلِيمِ وَالسَّمِيعِ وَالْخَبِيرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «١» وَقَالَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ «٢» وَالتَّقْدِيرُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَاكِمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وَلَمَّا شَهِدَ تَعَالَى لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، حُكِمَ أَنَّ الدِّينَ الْمَقْبُولَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «٣» وَعَدَلَ من صِيغَةِ الْحَاكِمِ إِلَى الْحَكِيمِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ، وَلِمُنَاسَبَةِ الْعَزِيزِ، وَمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ تَكْرَارُ حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرَائِعِ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هُوَ الْإِسْلَامُ، إِذْ حَكَمَ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ بِذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ حَمَلْتَ الْحَكِيمَ عَلَى أَنَّهُ مُحَوَّلٌ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهَلَّا جَعَلْتَهُ فَعَيْلًا بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِمَ، كَمَا قَالُوا فِي: أَلِيمٍ، إِنَّهُ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ، وَفِي سَمِيعٍ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعِ أَيِ الْمُسْمِعِ؟
فَالْجَوَابُ: إِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَعِيلًا يَأْتِي بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، وَقَدْ يُؤَوَّلُ: أَلِيمٌ وَسَمِيعٌ، عَلَى غَيْرِ مُفْعِلٍ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ النُّدُورِ وَالشُّذُوذِ وَالْقِلَّةِ بِحَيْثُ لَا يَنْقَاسُ، وَأَمَّا فَعِيلٌ الْمُحَوَّلُ مِنْ فَاعِلٍ لِلْمُبَالَغَةِ فَهُوَ مُنْقَاسٌ كَثِيرٌ جِدًّا، خَارِجٌ عَنِ الْحَصْرِ: كَعَلِيمٍ وَسَمِيعٍ وَقَدِيرٍ وَخَبِيرٍ وَحَفِيظٍ، فِي أَلْفَاظٍ لَا تُحْصَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ الْقُحَّ الْبَاقِيَ عَلَى سَلِيقَتِهِ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ حَكِيمٍ إِلَّا أَنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ حَاكِمٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا. نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةُ هَذَا التَّرْكِيبِ السَّابِقِ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَقِيلَ لَهُ التِّلَاوَةُ: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٤» فَقَالَ: هَكَذَا يَكُونُ عَزَّ فَحَكَمَ، ففهم من حكم أَنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ حَاكِمٍ، وَفَهِمَ هَذَا الْعَرَبِيُّ حُجَّةً قَاطِعَةً بِمَا قُلْنَاهُ، وَهَذَا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ سَائِغٌ جِدًّا، يُزِيلُ تِلْكَ التَّكَلُّفَاتِ والتركيبات المعقدة الَّتِي يُنَزَّهُ كِتَابُ اللَّهِ عنها.
كَالْعَلِيمِ وَالسَّمِيعِ وَالْخَبِيرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ «١» وَقَالَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ «٢» وَالتَّقْدِيرُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَاكِمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وَلَمَّا شَهِدَ تَعَالَى لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، حُكِمَ أَنَّ الدِّينَ الْمَقْبُولَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «٣» وَعَدَلَ من صِيغَةِ الْحَاكِمِ إِلَى الْحَكِيمِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ، وَلِمُنَاسَبَةِ الْعَزِيزِ، وَمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ تَكْرَارُ حُكْمِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرَائِعِ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هُوَ الْإِسْلَامُ، إِذْ حَكَمَ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ بِذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ حَمَلْتَ الْحَكِيمَ عَلَى أَنَّهُ مُحَوَّلٌ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهَلَّا جَعَلْتَهُ فَعَيْلًا بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِمَ، كَمَا قَالُوا فِي: أَلِيمٍ، إِنَّهُ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ، وَفِي سَمِيعٍ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعِ أَيِ الْمُسْمِعِ؟
فَالْجَوَابُ: إِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَعِيلًا يَأْتِي بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، وَقَدْ يُؤَوَّلُ: أَلِيمٌ وَسَمِيعٌ، عَلَى غَيْرِ مُفْعِلٍ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ النُّدُورِ وَالشُّذُوذِ وَالْقِلَّةِ بِحَيْثُ لَا يَنْقَاسُ، وَأَمَّا فَعِيلٌ الْمُحَوَّلُ مِنْ فَاعِلٍ لِلْمُبَالَغَةِ فَهُوَ مُنْقَاسٌ كَثِيرٌ جِدًّا، خَارِجٌ عَنِ الْحَصْرِ: كَعَلِيمٍ وَسَمِيعٍ وَقَدِيرٍ وَخَبِيرٍ وَحَفِيظٍ، فِي أَلْفَاظٍ لَا تُحْصَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ الْقُحَّ الْبَاقِيَ عَلَى سَلِيقَتِهِ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ حَكِيمٍ إِلَّا أَنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ حَاكِمٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا. نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ فَاصِلَةُ هَذَا التَّرْكِيبِ السَّابِقِ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَقِيلَ لَهُ التِّلَاوَةُ: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٤» فَقَالَ: هَكَذَا يَكُونُ عَزَّ فَحَكَمَ، ففهم من حكم أَنَّهُ مُحَوَّلٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ حَاكِمٍ، وَفَهِمَ هَذَا الْعَرَبِيُّ حُجَّةً قَاطِعَةً بِمَا قُلْنَاهُ، وَهَذَا تَخْرِيجٌ سَهْلٌ سَائِغٌ جِدًّا، يُزِيلُ تِلْكَ التَّكَلُّفَاتِ والتركيبات المعقدة الَّتِي يُنَزَّهُ كِتَابُ اللَّهِ عنها.
(١) سورة هود: ١١/ ١.
(٢) سورة النمل: ٢٧/ ٦.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٨٥.
(٤) سورة المائدة: ٥/ ٣٨.
(٢) سورة النمل: ٢٧/ ٦.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٨٥.
(٤) سورة المائدة: ٥/ ٣٨.
69
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَذَلِكَ نَقُولُ، وَلَا نَجْعَلُ: أَنَّ الدِّينَ مَعْمُولًا: لشهد، كَمَا فَهِمُوا، وَأَنَّ: أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، اعْتِرَاضٌ، وَأَنَّهُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْحَالِ وَبَيْنَ: أَنَّ الدِّينَ، اعْتِرَاضٌ آخَرُ، أَوِ اعْتِرَاضَانِ، بَلْ نَقُولُ: مَعْمُولُ: شَهِدَ، إِنَّهُ بِالْكَسْرِ عَلَى تَخْرِيجِ مَنْ خَرَّجَ أَنَّ شَهِدَ، لَمَّا كَانَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ كُسِرَ مَا بَعْدَهَا إِجْرَاءً لَهَا مَجْرَى الْقَوْلِ، أَوْ نَقُولُ: إِنَّهُ مَعْمُولُهَا، وَعُلِّقَتْ وَلَمْ تَدْخُلِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ بِخِلَافٍ أَنْ لَوْ كَانَ مُثْبَتًا، فَإِنَّكَ تَقُولُ: شَهِدْتُ إِنَّ زيدا المنطلق، فَيُعَلَّقُ بِإِنَّ مَعَ وُجُودِ اللَّامِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ اللَّامُ لَفُتِحَتْ إِنَّ فَقُلْتَ: شَهِدْتُ أَنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، فَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ: أَنَّهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّعْلِيقَ، وَمَنْ كَسَرَ فَإِنَّهُ نَوَى التَّعْلِيقَ. وَلَمْ تَدْخُلِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَالْإِسْلَامُ: هُنَا الْإِيمَانُ وَالطَّاعَاتُ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ قَتَادَةُ، ومحمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ بِالْإِيمَانِ وَمُرَادُهُمَا أَنَّهُ مَعَ الْأَعْمَالِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ:
إِنْ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي تَمْيِيزٍ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ، أَدْخَلَهُ بَعْضُ مَنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ فِي القراآت، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ: أَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ أَمْ هُمَا مُخْتَلِفَانِ؟ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ.
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أَيْ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَوْ هُمَا وَالْمَجُوسُ، أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ:
فَعَلَى أَنَّهُمُ الْيَهُودُ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، الَّذِينَ اختلفوا فيه التَّوْرَاةِ.
قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَفَاةُ، اسْتَوْدَعَ سَبْعِينَ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ عِنْدَ كُلِّ حَبْرٍ جُزْءٌ، وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعُ، فَلَمَّا مَضَى ثَلَاثَةُ قُرُونٍ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ.
وقيل: الذين اختلفوا فيه نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ لِأَنَّ ذَلِكَ حُقِّقَ فِي بَنِي إِسْحَاقَ.
وَعَلَى أَنَّهُمُ النَّصَارَى، وَهُوَ قَوْلُ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ، فَالَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ:
دِينُهُمْ، أَوْ أَمْرُ عِيسَى، أَوْ دِينُ الْإِسْلَامِ. ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَاخْتَلَفُوا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، فَثَلَّثَتِ
وَالْإِسْلَامُ: هُنَا الْإِيمَانُ وَالطَّاعَاتُ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ قَتَادَةُ، ومحمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ بِالْإِيمَانِ وَمُرَادُهُمَا أَنَّهُ مَعَ الْأَعْمَالِ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ:
إِنْ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي تَمْيِيزٍ أَنَّ هَذَا كَلَامٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ، أَدْخَلَهُ بَعْضُ مَنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ فِي القراآت، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ: أَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ أَمْ هُمَا مُخْتَلِفَانِ؟ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ.
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أَيْ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَوْ هُمَا وَالْمَجُوسُ، أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ:
فَعَلَى أَنَّهُمُ الْيَهُودُ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، الَّذِينَ اختلفوا فيه التَّوْرَاةِ.
قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَفَاةُ، اسْتَوْدَعَ سَبْعِينَ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ عِنْدَ كُلِّ حَبْرٍ جُزْءٌ، وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعُ، فَلَمَّا مَضَى ثَلَاثَةُ قُرُونٍ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ.
وقيل: الذين اختلفوا فيه نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ لِأَنَّ ذَلِكَ حُقِّقَ فِي بَنِي إِسْحَاقَ.
وَعَلَى أَنَّهُمُ النَّصَارَى، وَهُوَ قَوْلُ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ، فَالَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ:
دِينُهُمْ، أَوْ أَمْرُ عِيسَى، أَوْ دِينُ الْإِسْلَامِ. ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَاخْتَلَفُوا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، فَثَلَّثَتِ
70
النَّصَارَى وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ «١»، وَقَالُوا: كُنَّا أَحَقَّ بِأَنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ فِينَا مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّهُمْ أُمِّيُّونَ، وَنَحْنُ أَهْلُ كِتَابٍ، وَهَذَا تَجْوِيرٌ لِلَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ آمَنَ بِهِ بَعْضٌ وَكَفَرَ بَعْضٌ، وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالْأَنْبِيَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى، وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ هُوَ:
الْإِسْلَامُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَرَّرَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى تُنَكِّبُوهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ.
إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِاتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِقَادِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، لَكِنْ عَمُوا عَنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ وَسُلُوكِهِ بِالْبَغْيِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَسَدِ، وَالِاسْتِئْثَارِ بِالرِّيَاسَةِ، وَذَهَابِ كُلٍّ مِنْهُمْ مَذْهَبًا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسًا يُتْبَعُ فِيهِ، فَكَانُوا مِمَّنْ ضَلَّ عَلَى عِلْمٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ «٢».
بَغْياً بَيْنَهُمْ وَإِعْرَابُ: بَغْيًا، فَإِنَّهُ أَتَى بَعْدَ إِلَّا شَيْئَانِ ظَاهِرَهُمَا أَنَّهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ، وَتَخْرِيجُ ذَلِكَ: فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ كَافِرٍ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَلَا يُخَصُّ بِالْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ جَاءَتِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ.
وَآيَاتُهُ، هُنَا قِيلَ: حُجَجُهُ، وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَمَا فِيهِمَا مِنْ وَصْفِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: أَيْ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: سَرِيعُ الْحِسَابِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالْعَائِدِ مِنْهَا عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: سَرِيعُ الْحِسَابِ لَهُ.
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ الضَّمِيرُ فِي: حَاجُّوكَ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: يَعُودُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ، قَدِمُوا الْمَدِينَةَ للمحاجة. وظاهر
ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ آمَنَ بِهِ بَعْضٌ وَكَفَرَ بَعْضٌ، وَقِيلَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالْأَنْبِيَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى، وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ هُوَ:
الْإِسْلَامُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَرَّرَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى تُنَكِّبُوهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ.
إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِاتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِقَادِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، لَكِنْ عَمُوا عَنْ طَرِيقِ الْعِلْمِ وَسُلُوكِهِ بِالْبَغْيِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحَسَدِ، وَالِاسْتِئْثَارِ بِالرِّيَاسَةِ، وَذَهَابِ كُلٍّ مِنْهُمْ مَذْهَبًا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسًا يُتْبَعُ فِيهِ، فَكَانُوا مِمَّنْ ضَلَّ عَلَى عِلْمٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ «٢».
بَغْياً بَيْنَهُمْ وَإِعْرَابُ: بَغْيًا، فَإِنَّهُ أَتَى بَعْدَ إِلَّا شَيْئَانِ ظَاهِرَهُمَا أَنَّهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ، وَتَخْرِيجُ ذَلِكَ: فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ كَافِرٍ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَلَا يُخَصُّ بِالْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ جَاءَتِ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ.
وَآيَاتُهُ، هُنَا قِيلَ: حُجَجُهُ، وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَمَا فِيهِمَا مِنْ وَصْفِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: أَيْ مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: سَرِيعُ الْحِسَابِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالْعَائِدِ مِنْهَا عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: سَرِيعُ الْحِسَابِ لَهُ.
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ الضَّمِيرُ فِي: حَاجُّوكَ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: يَعُودُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ، قَدِمُوا الْمَدِينَةَ للمحاجة. وظاهر
(١) سورة التوبة: ٩/ ٣٠.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢١٣.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢١٣.
71
الْمِحَاجِّ فِيهِ أَنَّهُ دِينُ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ السَّابِقُ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ هُوَ: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَالْمَعْنَى: انْقَدْتُ وَأَطَعْتُ وَخَضَعْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَعَبَّرَ: بِالْوَجْهِ، عَنْ جَمِيعِ ذَاتِهِ، لِأَنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَإِذَا خَضَعَ الْوَجْهُ فَمَا سِوَاهُ أَخْضَعُ وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ، وَسَبَقَهُ الْفَرَّاءُ إِلَى مَعْنَاهُ: مَعْنَى أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ، أَيْ: دِينِيَ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ كَالْوَجْهِ بَيْنَ الْأَعْمَالِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ، وَجَاءَ فِي التفسير أقوال لَكُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ نُعَيْمٍ: وَقَدْ أَجْمَعْتُمْ عَلَى أَنَّهُ مُحِقٌّ قالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١».
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِيَ، أَيْ: أَخْلَصْتُ نَفْسِيَ وَعَمَلِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَمْ أَجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا بِأَنْ أَعْبُدَهُ وَأَدْعُوَ إِلَهًا مَعَهُ، يَعْنِي: أَنَّ دِينِي التَّوْحِيدُ، وَهُوَ الدِّينُ الْقَدِيمُ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَكُمْ صِحَّتُهُ، كَمَا ثَبَتَ عِنْدِي. وَمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ بَدِيعٍ حَتَّى تُجَادِلُونِي فِيهِ، وَنَحْوِهِ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ «٢» الْآيَةَ، فَهُوَ دَفْعٌ لِلْمُجَادَلَةِ. انْتَهَى.
وَفِي تَفْسِيرِهِ أَطْلَقَ الْوَجْهَ عَلَى النَّفْسِ وَالْعَمَلِ مَعًا، إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَفْسِيرَ اللَّفْظِ، فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: فِي كَيْفِيَّةِ إِيرَادِ هَذَا الْكَلَامِ طَرِيقَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِعْرَاضٌ عَنِ الْمُحَاجَّةِ، إِذْ قَدْ أَظْهَرَ لَهُمُ الْحُجَّةَ عَلَى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَذَلِكَ بِإِظْهَارِ المعجزات بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ الْحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٣» عَلَى فَسَادِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي إِلَهِيَّةِ عِيسَى، وَبِقَوْلِهِ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ «٤» عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَذَكَرَ شُبَهَ الْقَوْمِ وَأَجَابَ عَنْهَا، وَذَكَرَ مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى، وَهِيَ مَا شَاهَدُوهُ يوم بدر، بين الْقَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِظْهَارٌ لِلدَّلِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُتَمَسِّكٌ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَالْخُلْفُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْإِثْبَاتُ. وَأَيْضًا كَانُوا مُعَظِّمِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ كَانَ مُحِقًّا، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَتْبَعَ مِلَّتَهُ، وَهُنَا أُمِرَ أَنْ يَقُولَ كَقَوْلِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ، أَيْ: أَنَا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ مَنْ هُوَ عِنْدَكُمْ مُحِقٌّ، وَهَذَا قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ، وَأَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ، قِيلَ لَهُ: إن
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِيَ، أَيْ: أَخْلَصْتُ نَفْسِيَ وَعَمَلِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَمْ أَجْعَلْ لَهُ شَرِيكًا بِأَنْ أَعْبُدَهُ وَأَدْعُوَ إِلَهًا مَعَهُ، يَعْنِي: أَنَّ دِينِي التَّوْحِيدُ، وَهُوَ الدِّينُ الْقَدِيمُ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَكُمْ صِحَّتُهُ، كَمَا ثَبَتَ عِنْدِي. وَمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ بَدِيعٍ حَتَّى تُجَادِلُونِي فِيهِ، وَنَحْوِهِ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ «٢» الْآيَةَ، فَهُوَ دَفْعٌ لِلْمُجَادَلَةِ. انْتَهَى.
وَفِي تَفْسِيرِهِ أَطْلَقَ الْوَجْهَ عَلَى النَّفْسِ وَالْعَمَلِ مَعًا، إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَفْسِيرَ اللَّفْظِ، فَيَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: فِي كَيْفِيَّةِ إِيرَادِ هَذَا الْكَلَامِ طَرِيقَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِعْرَاضٌ عَنِ الْمُحَاجَّةِ، إِذْ قَدْ أَظْهَرَ لَهُمُ الْحُجَّةَ عَلَى صِدْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَذَلِكَ بِإِظْهَارِ المعجزات بِالْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ الْحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٣» عَلَى فَسَادِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي إِلَهِيَّةِ عِيسَى، وَبِقَوْلِهِ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ «٤» عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَذَكَرَ شُبَهَ الْقَوْمِ وَأَجَابَ عَنْهَا، وَذَكَرَ مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى، وَهِيَ مَا شَاهَدُوهُ يوم بدر، بين الْقَوْلِ بِالتَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِظْهَارٌ لِلدَّلِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُتَمَسِّكٌ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَالْخُلْفُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْإِثْبَاتُ. وَأَيْضًا كَانُوا مُعَظِّمِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ كَانَ مُحِقًّا، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَتْبَعَ مِلَّتَهُ، وَهُنَا أُمِرَ أَنْ يَقُولَ كَقَوْلِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِلْزَامِ، أَيْ: أَنَا مُتَمَسِّكٌ بِطَرِيقِ مَنْ هُوَ عِنْدَكُمْ مُحِقٌّ، وَهَذَا قَالَهُ أَبُو مُسْلِمٍ، وَأَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامُ، قِيلَ لَهُ: إن
(١) سورة الأنعام: ٦/ ٧٨ و ٧٩.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٦٤.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٢ وقد وردت في سورة البقرة: ٢/ ٢٥٥. [.....]
(٤) سورة آل عمران: ٣/ ٣.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٦٤.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٢ وقد وردت في سورة البقرة: ٢/ ٢٥٥. [.....]
(٤) سورة آل عمران: ٣/ ٣.
72
نَازَعُوكَ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، فَهَذَا تَمَامُ الْوَفَاءِ بِلُزُومِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أَنَّ الدِّينَ الْكَامِلَ الْإِسْلَامُ، وَأَيْضًا فَالْآيَةُ مُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
«١» أَيْ: لَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ نَافِعًا وَضَارًّا وَقَادِرًا عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَعِيسَى لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى طَرِيقَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٢» وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى مَا لُخِّصَ مِنْ كَلَامِ الرَّازِيِّ. وَلَيْسَ أَوَاخِرُ كَلَامِهِ بِظَاهِرَةٍ مِنْ مُرَادِ الْآيَةِ وَمَدْلُولِهَا.
وَفَتَحَ الْيَاءَ: مِنْ: وَجْهِيَ، هُنَا، وَفِي الْأَنْعَامِ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَفْصٌ، وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ.
وَمَنِ اتَّبَعَنِ قِيلَ: مَنْ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ.
وَمَعْنَاهُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالطَّاعَةِ لَهُ، وَلِمَنِ اتَّبَعَنِي بِالْحِفْظِ لَهُ، وَالتَّحَفِّي بِتَعَلُّمِهِ، وَصِحَّتِهِ.
فَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَطْفًا عَلَى الْفَاعِلِ فِي: أَسْلَمْتُ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبَدَأَ بِهِ قَالَ: وَحَسَنٌ لِلْفَاصِلِ، يَعْنِي أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ إِلَّا فِي الشِّعْرِ، عَلَى رأي البصريين. إلّا إن فَصَلَ بَيْنَ الضَّمِيرِ وَالْمَعْطُوفِ، فَيَحْسُنُ. وَقَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أَيْضًا، وَبَدَأَ بِهِ. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ إِذَا عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي نَحْوِ: أَكَلْتُ رَغِيفًا وَزَيْدٌ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي أَكْلِ الرَّغِيفِ، وَهُنَا لَا يُسَوَّغُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا هُمْ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى:
أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَهُمْ أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ، فَالَّذِي يَقْوَى فِي الْإِعْرَابِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ مِنْهُ الْمَفْعُولُ، لَا مُشَارِكَ فِي مَفْعُولِ: أَسْلَمْتُ، التَّقْدِيرُ: وَمَنِ اتَّبَعْنِي وَجْهَهُ.
أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَمَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ، أَيْ: أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ، كَمَا تَقُولُ: قَضَى زَيْدٌ نَحْبَهُ وَعَمْرٌو، أَيْ: وَعَمْرٌو كَذَلِكَ. أَيْ: قَضَى نَحْبَهُ.
وَمِنَ الْجِهَةِ الَّتِي امْتَنَعَ عَطْفُ: وَمَنْ، عَلَى الضَّمِيرِ إِذَا حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ
«١» أَيْ: لَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ نَافِعًا وَضَارًّا وَقَادِرًا عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَعِيسَى لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَهَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى طَرِيقَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٢» وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى مَا لُخِّصَ مِنْ كَلَامِ الرَّازِيِّ. وَلَيْسَ أَوَاخِرُ كَلَامِهِ بِظَاهِرَةٍ مِنْ مُرَادِ الْآيَةِ وَمَدْلُولِهَا.
وَفَتَحَ الْيَاءَ: مِنْ: وَجْهِيَ، هُنَا، وَفِي الْأَنْعَامِ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَفْصٌ، وَسَكَّنَهَا الْبَاقُونَ.
وَمَنِ اتَّبَعَنِ قِيلَ: مَنْ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ.
وَمَعْنَاهُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالطَّاعَةِ لَهُ، وَلِمَنِ اتَّبَعَنِي بِالْحِفْظِ لَهُ، وَالتَّحَفِّي بِتَعَلُّمِهِ، وَصِحَّتِهِ.
فَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَطْفًا عَلَى الْفَاعِلِ فِي: أَسْلَمْتُ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبَدَأَ بِهِ قَالَ: وَحَسَنٌ لِلْفَاصِلِ، يَعْنِي أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ إِلَّا فِي الشِّعْرِ، عَلَى رأي البصريين. إلّا إن فَصَلَ بَيْنَ الضَّمِيرِ وَالْمَعْطُوفِ، فَيَحْسُنُ. وَقَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أَيْضًا، وَبَدَأَ بِهِ. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ إِذَا عُطِفَ عَلَى الضَّمِيرِ فِي نَحْوِ: أَكَلْتُ رَغِيفًا وَزَيْدٌ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي أَكْلِ الرَّغِيفِ، وَهُنَا لَا يُسَوَّغُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى لَيْسَ عَلَى أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا هُمْ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى:
أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، وَهُمْ أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ، فَالَّذِي يَقْوَى فِي الْإِعْرَابِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ مِنْهُ الْمَفْعُولُ، لَا مُشَارِكَ فِي مَفْعُولِ: أَسْلَمْتُ، التَّقْدِيرُ: وَمَنِ اتَّبَعْنِي وَجْهَهُ.
أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَمَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ، أَيْ: أَسْلَمُوا وُجُوهَهُمْ لِلَّهِ، كَمَا تَقُولُ: قَضَى زَيْدٌ نَحْبَهُ وَعَمْرٌو، أَيْ: وَعَمْرٌو كَذَلِكَ. أَيْ: قَضَى نَحْبَهُ.
وَمِنَ الْجِهَةِ الَّتِي امْتَنَعَ عَطْفُ: وَمَنْ، عَلَى الضَّمِيرِ إِذَا حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ
(١) سورة مريم: ١٩/ ٤٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٣١.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٣١.
73
تَأْوِيلٍ، يَمْتَنِعُ كَوْنُ: مَنْ، مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: أَكَلْتُ رَغِيفًا وَعَمْرًا، أَيْ: مَعَ عَمْرٍو، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُشَارِكٌ لَكَ فِي أَكْلِ الرَّغِيفِ، وَقَدْ أَجَازَ هَذَا الْوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ حَذْفِ الْمَفْعُولِ مَعَ كَوْنِ الْوَاوِ وَاوَ الْمَعِيَّةِ.
وَأَثْبَتَ يَاءَ: اتَّبَعَنِي، فِي الْوَصْلِ أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ، وَحَذْفَهَا الْبَاقُونَ، وَحَذْفُهَا أَحْسَنُ لِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ، وَلِأَنَّهَا رَأْسُ آية كقوله: أكرمن وأهانن، فَتُشْبِهُ قَوَافِيَ الشَّعْرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِاتِّفَاقٍ وَالْأُمِّيِّينَ هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَأَسْلَمْتُمْ تَقْدِيرٌ فِي ضِمْنِهِ الْأَمْرُ. وقال الزجاج: تهدّد. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا حسن، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَأَسْلَمْتُمْ لَهُ أَمْ لَا؟ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ أَتَاكُمْ مِنَ الْبَيِّنَاتِ مَا يُوجِبُ الْإِسْلَامَ وَيَقْتَضِي حُصُولَهُ لَا مَحَالَةَ، فَهَلْ أَسْلَمْتُمْ أَمْ أَنْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ؟ وَهَذَا كقولك لِمَنْ لَخَّصْتَ لَهُ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ تُبْقِ مِنْ طُرُقِ الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ طَرِيقًا إِلَّا سَلَكْتَهُ، هَلْ فَهِمْتَهَا لَا أُمَّ لَكَ؟ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَعَلَا: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «١» بعد ما ذَكَرَ الصَّوَارِفَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَفِي هَذَا الِاسْتِفْهَامِ اسْتِقْصَارٌ وَتَغْيِيرٌ بِالْمُعَانَدَةِ وَقِلَّةِ الْإِنْصَافِ، لِأَنَّ الْمُنْصِفَ إِذَا تَجَلَّتْ لَهُ الْحُجَّةُ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ إِذْعَانُهُ لِلْحَقِّ، وَلِلْمُعَانِدِ بَعْدَ تَجَلِّي الْحُجَّةِ مَا يَضْرِبُ أَسَدَادًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِذْعَانِ، وَكَذَلِكَ فِي: هَلْ فَهِمْتَهَا؟
تَوْبِيخٌ بِالْبَلَادَةِ وَكَلَّةِ الْقَرِيحَةِ، وَفِي فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٢» بِالتَّقَاعُدِ عَنِ الِانْتِهَاءِ وَالْحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلَى تَعَاطِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ حَسَنٌ، وَأَكْثَرُهُ مِنْ بَابِ الْخَطَابَةِ.
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا أَيْ إِنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ الْهِدَايَةُ، وَعَبَّرَ بصيغة الماضي المصحوب بقد الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْقِيقِ مُبَالَغَةً فِي الْإِخْبَارِ بِوُقُوعِ الْهُدَى، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ. انْتَهَى.
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أَيْ: هُمْ لَا يَضُرُّونَكَ بِتَوَلِّيهِمْ، وَمَا عَلَيْكَ أَنْتَ إِلَّا تَنْبِيهُهُمْ بِمَا تُبَلِّغُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ طَلَبِ إِسْلَامِهِمْ وَانْتِظَامِهِمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: إنها آية
وَأَثْبَتَ يَاءَ: اتَّبَعَنِي، فِي الْوَصْلِ أَبُو عَمْرٍو، وَنَافِعٌ، وَحَذْفَهَا الْبَاقُونَ، وَحَذْفُهَا أَحْسَنُ لِمُوَافَقَةِ خَطِّ الْمُصْحَفِ، وَلِأَنَّهَا رَأْسُ آية كقوله: أكرمن وأهانن، فَتُشْبِهُ قَوَافِيَ الشَّعْرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
| وَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادُ الْبِلَا | دِ مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ أَنْ يَأْتِيَنِ |
تَوْبِيخٌ بِالْبَلَادَةِ وَكَلَّةِ الْقَرِيحَةِ، وَفِي فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٢» بِالتَّقَاعُدِ عَنِ الِانْتِهَاءِ وَالْحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلَى تَعَاطِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ حَسَنٌ، وَأَكْثَرُهُ مِنْ بَابِ الْخَطَابَةِ.
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا أَيْ إِنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُمُ الْهِدَايَةُ، وَعَبَّرَ بصيغة الماضي المصحوب بقد الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْقِيقِ مُبَالَغَةً فِي الْإِخْبَارِ بِوُقُوعِ الْهُدَى، وَمِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ. انْتَهَى.
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أَيْ: هُمْ لَا يَضُرُّونَكَ بِتَوَلِّيهِمْ، وَمَا عَلَيْكَ أَنْتَ إِلَّا تَنْبِيهُهُمْ بِمَا تُبَلِّغُهُ إِلَيْهِمْ مِنْ طَلَبِ إِسْلَامِهِمْ وَانْتِظَامِهِمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: إنها آية
(٢- ١) سورة المائدة: ٥/ ٩١.
74
مواعدة منسوخة بآية السيف، ولا نحتاج إِلَى مَعْرِفَةِ تَارِيخِ النُّزُولِ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَهُوَ وُفُودُ وَفْدِ نَجْرَانَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ بِقِتَالٍ وَغَيْرِهِ.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. وفيه وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ تَوَلَّى عَنِ الْإِسْلَامِ، وَوَعْدٌ بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَسْلَمَ، إِذْ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِ عَبِيدِهِ فَيُجَازِيهِمْ بِمَا تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ الْآيَةَ هِيَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ، وَصَفَ مَنْ تَوَلَّى عَنِ الْإِسْلَامِ وَكَفَرَ بثلاث صفات:
إحداهما: كُفْرُهُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ، جَعَلَ كُفْرَهُمْ بِبَعْضٍ مِثْلَ كُفْرِهِمْ بِالْجَمِيعِ، أَوْ يَجْعَلُ: بِآيَاتِ اللَّهِ، مَخْصُوصًا بِمَا يَسْبِقُ إِلَيْهِ الْفَهْمُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
الثَّانِيَةُ: قَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ قَتْلِهِمْ فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ «١» وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: النَّبِيِّينَ، لِلْعَهْدِ.
وَالثَّالِثَةُ: قَتْلُ مَنْ أَمَرَ بِالْعَدْلِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ بدىء فِيهَا بِالْأَعْظَمِ فَالْأَعْظَمِ، وَبِمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْآخَرِ: فَأَوَّلُهَا:
الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَثَانِيهَا:
قَتْلُ مَنْ أَظْهَرَ آيَاتِ اللَّهِ وَاسْتَدَلَّ بِهَا. وَالثَّالِثُ: قَتْلُ أَتْبَاعِهِمْ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ جَاءَتْ وَعِيدًا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ جَاءَتِ الصِّلَةُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِ: إن، لِأَنَّ الْمَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنَى اسْمِ الشَّرْطِ، وَلَمَّا كَانُوا عَلَى طَرِيقَةِ أَسْلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، نُسِبَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ أَرَادُوا قَتْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَتْلَ أَتْبَاعِهِ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجَازًا أَيْ: مِنْ شَأْنِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَتَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ حِكَايَةً عَنْ حَالِ آبَائِهِمْ وَمَا فَعَلُوهُ فِي غَابِرِ الدَّهْرِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ، وَيَكُونَ فِي ذَلِكَ إِرْذَالٌ لِمَنِ انْتَصَبَ لِعَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ هُمْ سَالِكُونَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَةَ آبَائِهِمْ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّ آبَاءَكُمُ الَّذِينَ أَنْتُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِدِينِهِمْ كَانُوا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي أَنْتُمْ عَالِمُونَ بِهَا مِنَ الِاتِّصَافِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَسْلُكُوا غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، فإنهم لم
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. وفيه وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ تَوَلَّى عَنِ الْإِسْلَامِ، وَوَعْدٌ بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَسْلَمَ، إِذْ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِ عَبِيدِهِ فَيُجَازِيهِمْ بِمَا تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ الْآيَةَ هِيَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ، وَصَفَ مَنْ تَوَلَّى عَنِ الْإِسْلَامِ وَكَفَرَ بثلاث صفات:
إحداهما: كُفْرُهُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ، جَعَلَ كُفْرَهُمْ بِبَعْضٍ مِثْلَ كُفْرِهِمْ بِالْجَمِيعِ، أَوْ يَجْعَلُ: بِآيَاتِ اللَّهِ، مَخْصُوصًا بِمَا يَسْبِقُ إِلَيْهِ الْفَهْمُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم.
الثَّانِيَةُ: قَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ كَيْفِيَّةُ قَتْلِهِمْ فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ «١» وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: النَّبِيِّينَ، لِلْعَهْدِ.
وَالثَّالِثَةُ: قَتْلُ مَنْ أَمَرَ بِالْعَدْلِ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ بدىء فِيهَا بِالْأَعْظَمِ فَالْأَعْظَمِ، وَبِمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْآخَرِ: فَأَوَّلُهَا:
الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَثَانِيهَا:
قَتْلُ مَنْ أَظْهَرَ آيَاتِ اللَّهِ وَاسْتَدَلَّ بِهَا. وَالثَّالِثُ: قَتْلُ أَتْبَاعِهِمْ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ جَاءَتْ وَعِيدًا لِمَنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ جَاءَتِ الصِّلَةُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِ: إن، لِأَنَّ الْمَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنَى اسْمِ الشَّرْطِ، وَلَمَّا كَانُوا عَلَى طَرِيقَةِ أَسْلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، نُسِبَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ أَرَادُوا قَتْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَتْلَ أَتْبَاعِهِ، فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجَازًا أَيْ: مِنْ شَأْنِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، وَتَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ حِكَايَةً عَنْ حَالِ آبَائِهِمْ وَمَا فَعَلُوهُ فِي غَابِرِ الدَّهْرِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ، وَيَكُونَ فِي ذَلِكَ إِرْذَالٌ لِمَنِ انْتَصَبَ لِعَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ هُمْ سَالِكُونَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَةَ آبَائِهِمْ.
وَالْمَعْنَى: إِنَّ آبَاءَكُمُ الَّذِينَ أَنْتُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِدِينِهِمْ كَانُوا عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي أَنْتُمْ عَالِمُونَ بِهَا مِنَ الِاتِّصَافِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، فَيَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَسْلُكُوا غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، فإنهم لم
(١) سورة البقرة: ٢/ ٦١.
75
يَكُونُوا عَلَى حَقٍّ. فَذَكَرَ تَقْبِيحَ الْأَوْصَافِ، وَالتَّوَعُّدَ عَلَيْهَا بِالْعِقَابِ، مِمَّا يُنَفِّرُ عَنْهَا، وَيَحْمِلُ عَلَى التَّحَلِّي بِنَقَائِضِهَا مِنَ الْإِيمَانِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَإِجْلَالِ رُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: وَيُقَتِّلُونَ النَّبِيِّينَ، بِالتَّشْدِيدِ، وَالتَّشْدِيدُ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ بِحَسْبِ الْمَحَلِّ وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبْعَةِ: وَيُقَاتِلُونَ الثَّانِيَ. وَقَرَأَهَا الْأَعْمَشُ: وَقَاتَلُوا الَّذِينَ، وَكَذَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ: يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ وَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ، وَمَنْ غَايَرَ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ فَمَعْنَاهُ وَاضِحٌ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وَمَنْ حَذَفَ اكْتَفَى بِذِكْرِ فِعْلٍ وَاحِدٍ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَتْلِ، وَمَنْ كَرَّرَ الْفِعْلَ فَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ عَطْفِ الْجُمَلِ وَإِبْرَازِ كُلِّ جُمْلَةٍ فِي صُورَةِ التَّشْنِيعِ وَالتَّفْظِيعِ، لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، أَوْ لِاخْتِلَافِ تَرَتُّبِ الْعَذَابِ بِالنِّسْبَةِ عَلَى مَنْ وَقَعَ بِهِ الْفِعْلُ، فَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَجُعِلَ الْقَتْلُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ مَرْتَبَتِهِ كَأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مُخْتَلِفَانِ.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِأَحَدِ الْقَتْلَيْنِ تَفْوِيتُ الرُّوحِ، وَبِالْآخَرِ الْإِهَانَةُ وَإِمَاتَةُ الذِّكْرِ، فَيَكُونَانِ إِذْ ذَاكَ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَجَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وَفِي الْبَقَرَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ «١» بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ هُنَا أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وَهُوَ عَامٌّ لَا يَتَخَصَّصُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ حَتَّى يَكُونَ عَامًّا، وَفِي الْبَقَرَةِ جَاءَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ عَنْ نَاسٍ مَعْهُودِينَ، وَذَلِكَ قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ «٢» فَنَاسَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ يُسْتَبَاحُ بِهِ قَتْلُ الْأَنْفُسِ عِنْدَهُمْ كَانَ مَعْرُوفًا، كَقَوْلِهِ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «٣» فَالْحَقُّ هُنَا الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ الْأَنْفُسُ مَعْهُودٌ مَعْرُوفٌ، بِخِلَافِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: بِغَيْرِ الْحَقِّ «٤» هِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، إِذْ لَا يَقَعُ قَتْلُ نَبِيٍّ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَوْضَحْنَا لَكَ ذَلِكَ. فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَإِيضَاحِهِ هُنَا.
وَمَعْنَى: مِنَ النَّاسِ، أَيْ: غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، إِذْ لَوْ قَالَ: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ، لَكَانَ مُنْدَرِجًا فِي ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ مِنَ النَّاسِ بِمَعْنَى: مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ تَلِي مَنْزِلَتُهُ فِي الْعِظَمِ مَنْزِلَةَ الأنبياء.
وعن أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ القيامة؟
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: وَيُقَتِّلُونَ النَّبِيِّينَ، بِالتَّشْدِيدِ، وَالتَّشْدِيدُ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ بِحَسْبِ الْمَحَلِّ وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبْعَةِ: وَيُقَاتِلُونَ الثَّانِيَ. وَقَرَأَهَا الْأَعْمَشُ: وَقَاتَلُوا الَّذِينَ، وَكَذَا هِيَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ: يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ وَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ، وَمَنْ غَايَرَ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ فَمَعْنَاهُ وَاضِحٌ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وَمَنْ حَذَفَ اكْتَفَى بِذِكْرِ فِعْلٍ وَاحِدٍ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَتْلِ، وَمَنْ كَرَّرَ الْفِعْلَ فَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ عَطْفِ الْجُمَلِ وَإِبْرَازِ كُلِّ جُمْلَةٍ فِي صُورَةِ التَّشْنِيعِ وَالتَّفْظِيعِ، لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، أَوْ لِاخْتِلَافِ تَرَتُّبِ الْعَذَابِ بِالنِّسْبَةِ عَلَى مَنْ وَقَعَ بِهِ الْفِعْلُ، فَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَجُعِلَ الْقَتْلُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ مَرْتَبَتِهِ كَأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مُخْتَلِفَانِ.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِأَحَدِ الْقَتْلَيْنِ تَفْوِيتُ الرُّوحِ، وَبِالْآخَرِ الْإِهَانَةُ وَإِمَاتَةُ الذِّكْرِ، فَيَكُونَانِ إِذْ ذَاكَ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَجَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وَفِي الْبَقَرَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ «١» بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ هُنَا أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وَهُوَ عَامٌّ لَا يَتَخَصَّصُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ حَتَّى يَكُونَ عَامًّا، وَفِي الْبَقَرَةِ جَاءَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ عَنْ نَاسٍ مَعْهُودِينَ، وَذَلِكَ قوله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ «٢» فَنَاسَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ يُسْتَبَاحُ بِهِ قَتْلُ الْأَنْفُسِ عِنْدَهُمْ كَانَ مَعْرُوفًا، كَقَوْلِهِ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «٣» فَالْحَقُّ هُنَا الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ الْأَنْفُسُ مَعْهُودٌ مَعْرُوفٌ، بِخِلَافِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: بِغَيْرِ الْحَقِّ «٤» هِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، إِذْ لَا يَقَعُ قَتْلُ نَبِيٍّ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَوْضَحْنَا لَكَ ذَلِكَ. فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَإِيضَاحِهِ هُنَا.
وَمَعْنَى: مِنَ النَّاسِ، أَيْ: غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، إِذْ لَوْ قَالَ: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ، لَكَانَ مُنْدَرِجًا فِي ذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ مِنَ النَّاسِ بِمَعْنَى: مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ تَلِي مَنْزِلَتُهُ فِي الْعِظَمِ مَنْزِلَةَ الأنبياء.
وعن أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ القيامة؟
(٤- ٢- ١) سورة البقرة: ٢/ ٦١.
(٣) سورة المائدة: ٥/ ٤٥.
(٣) سورة المائدة: ٥/ ٤٥.
76
قَالَ: «رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ رَجُلًا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ». ثُمَّ قَرَأَهَا. ثُمَّ قَالَ: «يَا عُبَيْدَةُ قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَةٌ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَمَرُوا قَتَلَتَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ».
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مُعَاصِرُوهُ لَا آبَاؤُهُمْ، فَيَكُونُ إِطْلَاقُ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ مَجَازًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوا أَنْبِيَاءَ لَكِنَّهُمْ رَضُوا ذَلِكَ وَرَامُوهُ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ خَبَرُ: إِنَّ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا يَتَضَمَّنُ الْمَوْصُولُ مِنْ مَعْنَى اسْمِ الشَّرْطِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَمْ يُعَبْ بِهَذَا النَّاسِخِ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ، أَعْنِي: إِنَّ.
وَمَعَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ: الصَّحِيحُ جواز دُخُولِ الْفَاءِ فِي خَبَرِ: إِنَّ، إِذَا كَانَ اسْمُهَا مُضَمَّنًا مَعْنَى الشَّرْطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ جَوَازِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَتِلْكَ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ هُنَا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي دُخُولِ الْفَاءِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «١» إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ «٢» إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ «٣».
وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ الْفَاءَ زَائِدَةً، وَلَمْ يَقِسْ زِيَادَتَهَا. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبِشَارَةَ هِيَ أَوَّلُ خَبَرٍ سَارٍّ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ مَعَ مَا لَيْسَ بِسَارٍّ، فَقِيلَ: ذَلِكَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ كَقَوْلِهِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ أَيِ: الْقَائِمُ لَهُمْ مَقَامَ الْخَبَرِ السَّارِّ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى تَأَثُّرِ الْبُشْرَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُؤْخَذْ فِيهِ قَيْدُ السُّرُورِ، بَلْ لُوحِظَ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ.
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ «٤» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: حَبَطَتْ، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ.
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ مَجِيءُ الْجَمْعِ هُنَا أَحْسَنُ مِنْ مَجِيءِ الْإِفْرَادِ، لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ،
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مُعَاصِرُوهُ لَا آبَاؤُهُمْ، فَيَكُونُ إِطْلَاقُ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ مَجَازًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْتُلُوا أَنْبِيَاءَ لَكِنَّهُمْ رَضُوا ذَلِكَ وَرَامُوهُ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ خَبَرُ: إِنَّ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ لِمَا يَتَضَمَّنُ الْمَوْصُولُ مِنْ مَعْنَى اسْمِ الشَّرْطِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَمْ يُعَبْ بِهَذَا النَّاسِخِ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ، أَعْنِي: إِنَّ.
وَمَعَ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ: الصَّحِيحُ جواز دُخُولِ الْفَاءِ فِي خَبَرِ: إِنَّ، إِذَا كَانَ اسْمُهَا مُضَمَّنًا مَعْنَى الشَّرْطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ شُرُوطُ جَوَازِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَتِلْكَ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ هُنَا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي دُخُولِ الْفَاءِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «١» إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ «٢» إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ «٣».
وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ الْفَاءَ زَائِدَةً، وَلَمْ يَقِسْ زِيَادَتَهَا. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبِشَارَةَ هِيَ أَوَّلُ خَبَرٍ سَارٍّ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ مَعَ مَا لَيْسَ بِسَارٍّ، فَقِيلَ: ذَلِكَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ كَقَوْلِهِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ أَيِ: الْقَائِمُ لَهُمْ مَقَامَ الْخَبَرِ السَّارِّ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى تَأَثُّرِ الْبُشْرَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُؤْخَذْ فِيهِ قَيْدُ السُّرُورِ، بَلْ لُوحِظَ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ.
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ «٤» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: حَبَطَتْ، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ.
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ مَجِيءُ الْجَمْعِ هُنَا أَحْسَنُ مِنْ مَجِيءِ الْإِفْرَادِ، لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ،
(١) سورة محمد: ٤٧/ ٣٤.
(٢) سورة الأحقاف: ٤٦/ ١٣.
(٣) سورة البروج: ٨٥/ ١٠.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢١٧.
(٢) سورة الأحقاف: ٤٦/ ١٣.
(٣) سورة البروج: ٨٥/ ١٠.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢١٧.
77
وَلِأَنَّهُ بِإِزَاءِ مَنْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشُّفَعَاءِ الَّذِينَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ:
لَيْسَ لَهُمْ كَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَالْمَعْنَى: بِانْتِفَاءِ النَّاصِرِينَ انْتِفَاءَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النَّصْرِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ، وَإِذَا انْتَفَتْ مِنْ جَمْعٍ فَانْتِفَاؤُهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ جَمْعٌ لَا يَنْصُرُ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَنْصُرَ وَاحِدٌ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْصِيَتِهِمْ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُمْ بِثَلَاثَةٍ، لِيُقَابِلَ كُلَّ وَصْفٍ بِمُنَاسَبَةٍ، وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ أَعْظَمَ، كَانَ التَّبْشِيرُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ أَعْظَمَ، وَقَابَلَ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ بِحُبُوطِ العمل في الدنيا والآخرة، فَفِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعِقَابِ الدَّائِمِ، وَقَابَلَ قَتْلَ الْآمِرِينَ بِالْقِسْطِ، بِانْتِفَاءِ النَّاصِرِينَ عَنْهُمْ إِذَا حَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْآمِرِينَ بِالْقِسْطِ مَنْ يَنْصُرُهُمْ حِينَ حَلَّ بِهِمْ قَتْلُ الْمُعْتَدِينَ، كَذَلِكَ الْمُعْتَدُونَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ إِذَا حَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ.
وَفِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ تَقَدَّمَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ، وَأُخْبِرَ عَنْهُ:
بِالَّذِينَ، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْخَبَرِ بِالْفِعْلِ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ انْحِصَارٍ، وَلِأَنَّ جَعْلَ الْفِعْلِ صِلَةً يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا مَعْلُومَةً لِلسَّامِعِ، مَعْهُودَةً عِنْدَهُ، فَإِذَا أَخْبَرْتَ بِالْمَوْصُولِ عَنِ اسْمٍ اسْتَفَادَ الْمُخَاطَبُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْمَعْهُودَ الْمَعْلُومَ عِنْدَهُ الْمَعْهُودَ هُوَ مَنْسُوبٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْمَوْصُولِ، بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّكَ تُخْبِرُ الْمُخَاطَبَ بِصُدُودِهِ عَنْ مَنْ أَخْبَرْتَ بِهِ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ جَعَلْتَهُ صِلَةً، وَأَخْبَرْتَ بِالْمَوْصُولِ عَنِ الِاسْمِ.
قِيلَ وَجَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ ضُرُوبًا مِنَ الْفَصَاحَةِ والبلاغة. أحدها: التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلِذَلِكَ قَرَأَ إِنَّهُ، بِالْكَسْرِ: وَأَنَّ الدِّينَ، بِالْفَتْحِ.
وَأَطْلَقَ اسم السبب على المسبب فِي قَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ عَبَّرَ بِالْعِلْمِ عَنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أو النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَبَقَ.
وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ فِي: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَأَصْحَابُ النَّارِ.
وَالْإِيمَاءُ فِي قَوْلِهِ: بَغْياً بَيْنَهُمْ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ النَّفْيَ دَائِرٌ شَائِعٌ فِيهِمْ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُجَاذِبُ طَرْفًا مِنْهُ.
وَالتَّعْبِيرُ بِبَعْضٍ عَنْ كُلٍّ فِي: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّقْرِيرُ أَوِ التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيعُ فِي قَوْلِهِ أَأَسْلَمْتُمْ.
لَيْسَ لَهُمْ كَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَالْمَعْنَى: بِانْتِفَاءِ النَّاصِرِينَ انْتِفَاءَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النَّصْرِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ، وَإِذَا انْتَفَتْ مِنْ جَمْعٍ فَانْتِفَاؤُهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْلَى، وَإِذَا كَانَ جَمْعٌ لَا يَنْصُرُ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَنْصُرَ وَاحِدٌ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْصِيَتِهِمْ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُمْ بِثَلَاثَةٍ، لِيُقَابِلَ كُلَّ وَصْفٍ بِمُنَاسَبَةٍ، وَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ أَعْظَمَ، كَانَ التَّبْشِيرُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ أَعْظَمَ، وَقَابَلَ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ بِحُبُوطِ العمل في الدنيا والآخرة، فَفِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعِقَابِ الدَّائِمِ، وَقَابَلَ قَتْلَ الْآمِرِينَ بِالْقِسْطِ، بِانْتِفَاءِ النَّاصِرِينَ عَنْهُمْ إِذَا حَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْآمِرِينَ بِالْقِسْطِ مَنْ يَنْصُرُهُمْ حِينَ حَلَّ بِهِمْ قَتْلُ الْمُعْتَدِينَ، كَذَلِكَ الْمُعْتَدُونَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ إِذَا حَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ.
وَفِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، إِشَارَةٌ إِلَى مَنْ تَقَدَّمَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ، وَأُخْبِرَ عَنْهُ:
بِالَّذِينَ، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْخَبَرِ بِالْفِعْلِ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ انْحِصَارٍ، وَلِأَنَّ جَعْلَ الْفِعْلِ صِلَةً يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا مَعْلُومَةً لِلسَّامِعِ، مَعْهُودَةً عِنْدَهُ، فَإِذَا أَخْبَرْتَ بِالْمَوْصُولِ عَنِ اسْمٍ اسْتَفَادَ الْمُخَاطَبُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْمَعْهُودَ الْمَعْلُومَ عِنْدَهُ الْمَعْهُودَ هُوَ مَنْسُوبٌ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْمَوْصُولِ، بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِالْفِعْلِ، فَإِنَّكَ تُخْبِرُ الْمُخَاطَبَ بِصُدُودِهِ عَنْ مَنْ أَخْبَرْتَ بِهِ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَعْلُومًا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ جَعَلْتَهُ صِلَةً، وَأَخْبَرْتَ بِالْمَوْصُولِ عَنِ الِاسْمِ.
قِيلَ وَجَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ ضُرُوبًا مِنَ الْفَصَاحَةِ والبلاغة. أحدها: التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلِذَلِكَ قَرَأَ إِنَّهُ، بِالْكَسْرِ: وَأَنَّ الدِّينَ، بِالْفَتْحِ.
وَأَطْلَقَ اسم السبب على المسبب فِي قَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ عَبَّرَ بِالْعِلْمِ عَنِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أو النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي سَبَقَ.
وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ فِي: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَأَصْحَابُ النَّارِ.
وَالْإِيمَاءُ فِي قَوْلِهِ: بَغْياً بَيْنَهُمْ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ النَّفْيَ دَائِرٌ شَائِعٌ فِيهِمْ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ تُجَاذِبُ طَرْفًا مِنْهُ.
وَالتَّعْبِيرُ بِبَعْضٍ عَنْ كُلٍّ فِي: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّقْرِيرُ أَوِ التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيعُ فِي قَوْلِهِ أَأَسْلَمْتُمْ.
78
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ
ﰖ
ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ
ﰗ
ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅ
ﰘ
ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ
ﰙ
ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ
ﰚ
ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ
ﰛ
ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒ
ﰜ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ
ﰝ
ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ
ﰞ
ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ
ﰟ
وَالطِّبَاقُ الْمُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْإِسْلَامَ الِانْقِيَادُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَالتَّوَلِّي ضِدُّ الْإِقْبَالِ. وَالتَّقْدِيرُ:
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ ضَلُّوا، وَالضَّلَالَةُ ضِدُّ الْهِدَايَةِ.
وَالْحَشْوُ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ قَطُّ نَبِيٌّ بِحَقٍّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَذِهِ الْحَشْوَةِ لِيَتَأَكَّدَ قُبْحُ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَعْظُمَ أَمْرُهُ فِي قَلْبِ الْعَازِمِ عَلَيْهِ.
وَالتَّكْرَارُ فِي وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ ذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَالزِّيَادَةُ فِي فَبَشِّرْهُمْ زَادَ الْفَاءَ إِيذَانًا بِأَنَّ الْمَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِيمَا سبق.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٣٢]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ ضَلُّوا، وَالضَّلَالَةُ ضِدُّ الْهِدَايَةِ.
وَالْحَشْوُ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ قَطُّ نَبِيٌّ بِحَقٍّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَذِهِ الْحَشْوَةِ لِيَتَأَكَّدَ قُبْحُ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَعْظُمَ أَمْرُهُ فِي قَلْبِ الْعَازِمِ عَلَيْهِ.
وَالتَّكْرَارُ فِي وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ ذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَالزِّيَادَةُ فِي فَبَشِّرْهُمْ زَادَ الْفَاءَ إِيذَانًا بِأَنَّ الْمَوْصُولَ ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِيمَا سبق.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٣٢]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
79
غَرَّ، يَغُرُّ، غُرُورًا: خَدَعَ وَالْغِرُّ: الصَّغِيرُ، وَالْغَرِيرَةُ: الصَّغِيرَةُ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يَنْخَدِعَانِ بِالْعَجَلَةِ، وَالْغِرَّةُ مِنْهُ يُقَالُ: أَخَذَهُ عَلَى غِرَّةٍ، أَيْ: تَغَفُّلٍ وَخِدَاعٍ، وَالْغُرَّةُ: بَيَاضٌ فِي الْوَجْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَجْهٌ أَغَرُّ، وَرَجُلٌ أَغَرُّ، وَامْرَأَةٌ غَرَّاءُ. وَالْجَمْعُ عَلَى الْقِيَاسِ فِيهِمَا غُرٌّ.
قَالُوا: وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ: وَغُرَّانٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
نَزَعَ يَنْزِعُ: جَذَبَ، وَتَنَازَعْنَا الْحَدِيثَ تَجَاذَبْنَاهُ، وَمِنْهُ: نِزَاعُ الْمَيِّتِ، وَنَزَعَ إِلَى كَذَا:
مَالَ إِلَيْهِ وَانْجَذَبَ، ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزَّوَالِ، يُقَالُ: نَزَعَ اللَّهُ عَنْهُ الشَّرَّ: أَزَالَهُ.
وَلَجَ يَلِجُ وُلُوجًا وَلِجَّةً وَوَلْجًا، وَوَلَجَ تَوَلُّجًا وَاتَّلَجَ اتِّلَاجًا قَالَ الشَّاعِرُ:
الْأَمَدُ: غَايَةُ الشَّيْءِ، وَمُنْتَهَاهُ، وَجَمْعُهُ آمَادٌ.
اللَّهُمَّ: هُوَ اللَّهُ إِلَّا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّدَاءِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْمِيمُ الَّتِي لَحِقَتْهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ هِيَ عِوَضٌ مِنْ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَلِذَلِكَ لَا تَدَخُلَ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ. وَعِنْدَ الْفَرَّاءِ: هِيَ مِنْ قَوْلِهِ: يَا اللَّهُ أَمِّنَّا بِخَيْرٍ، وَقَدْ أَبْطَلُوا هَذَا النَّصْبَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَكَبُرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتَّى حَذَفُوا مِنْهَا: أَلْ، فَقَالُوا: لَا هُمَّ، بِمَعْنَى: اللَّهُمَّ. قَالَ الزَّاجِرُ:
وَخُفِّفَتْ مِيمُهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ قَالَ:
الصَّدْرُ: مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ: صُدُورٌ.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
قَالَ السُّدِّيُّ: دَعَا النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ الْيَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى: هَلُمَّ نُخَاصِمُكَ إِلَى الْأَحْبَارِ. فَقَالَ: «بَلْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ». فَقَالَ: بَلْ إِلَى الْأَحْبَارِ. فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدَارِسِ عَلَى الْيَهُودِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ
قَالُوا: وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ: وَغُرَّانٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
| ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طُهَارَى نَقِيَّةً | وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ |
مَالَ إِلَيْهِ وَانْجَذَبَ، ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الزَّوَالِ، يُقَالُ: نَزَعَ اللَّهُ عَنْهُ الشَّرَّ: أَزَالَهُ.
وَلَجَ يَلِجُ وُلُوجًا وَلِجَّةً وَوَلْجًا، وَوَلَجَ تَوَلُّجًا وَاتَّلَجَ اتِّلَاجًا قَالَ الشَّاعِرُ:
| فَإِنَّ الْقَوَافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوَالِجًا | تَضَايَقُ عَنْهَا أَنْ تَوَلَّجَهَا الْإِبَرْ |
اللَّهُمَّ: هُوَ اللَّهُ إِلَّا أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنِّدَاءِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْمِيمُ الَّتِي لَحِقَتْهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ هِيَ عِوَضٌ مِنْ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَلِذَلِكَ لَا تَدَخُلَ عَلَيْهِ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ. وَعِنْدَ الْفَرَّاءِ: هِيَ مِنْ قَوْلِهِ: يَا اللَّهُ أَمِّنَّا بِخَيْرٍ، وَقَدْ أَبْطَلُوا هَذَا النَّصْبَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَكَبُرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ حَتَّى حَذَفُوا مِنْهَا: أَلْ، فَقَالُوا: لَا هُمَّ، بِمَعْنَى: اللَّهُمَّ. قَالَ الزَّاجِرُ:
| لَا هُمْ إِنِّي عَامِرُ بْنُ جَهْمِ | أَحْرَمَ حَجًّا فِي ثِيَابٍ دُسْمِ |
| كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ | يَسْمَعُهَا اللَّهُمَ الْكُبَارُ |
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
قَالَ السُّدِّيُّ: دَعَا النبي صلى الله عليه وَسَلَّمَ الْيَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى: هَلُمَّ نُخَاصِمُكَ إِلَى الْأَحْبَارِ. فَقَالَ: «بَلْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ». فَقَالَ: بَلْ إِلَى الْأَحْبَارِ. فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدَارِسِ عَلَى الْيَهُودِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ
80
نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: «عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ». قَالَا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يهوديا. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ». فَأَبَيَا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي دِينِنَا الرَّجْمُ، فَتَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِيفًا لِلزَّانِيَيْنِ لشرفهما، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَحْكُمُ بِكِتَابِكُمْ». فَأَنْكَرُوا الرَّجْمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْرَاةِ، فَوَضَعَ حَبْرُهُمْ، ابْنُ صُورِيَا، يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ:
جَاوَزَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَظْهَرَهَا فَرُجِمَا.
وَقَالَ النَّقَّاشُ: نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: «هَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ فَفِيهَا صِفَتِي».
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: دَعَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَحَقُّ بِالْهُدَى مِنْكَ، وَمَا أَرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا من بين إِسْرَائِيلَ، قَالَ: «فَأَخْرِجُوا التَّوْرَاةَ فَإِنِّي مَكْتُوبٌ فِيهَا أَنِّي نبي» فأبوا، فنزلت
الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ هُمُ: الْيَهُودُ، وَالْكِتَابُ: التَّوْرَاةُ.
وَقَالَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقِيلَ: مِنَ الْكِتابِ جِنْسٌ لِلْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ به الزمخشري و: من، تَبْعِيضٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: نَصِيبًا، أَيْ: طَرَفًا، وَظَاهِرُ بَعْضِ الْكِتَابِ، وَفِي ذَلِكَ إِذْ هُمْ لَمْ يَحْفَظُوهُ وَلَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ.
يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ هُوَ: التَّوْرَاةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وابن جريح: القرآن.
و: يدعون، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ، وَالْعَامِلُ: تَرَ، وَالْمَعْنَى: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَدْعُوِّينَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ؟ أَيْ: فِي حَالِ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَيْ:
لِيَحْكُمَ الْكِتَابُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: لِيُحْكَمَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَالْمَحْكُومُ فِيهِ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ.
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ هَذَا اسْتِبْعَادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَاجِبٌ، وَنَسَبَ التَّوَلِّي إِلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ لَا إِلَى جَمِيعِ الْمُبْعَدِينَ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَوَلَّ كَابْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ.
وَهُمْ مُعْرِضُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأَنَّ التَّوَلِّيَ هُوَ الْإِعْرَاضُ، أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ التَّوَلِّي عَنِ الدَّاعِي، وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا دَعَا إِلَيْهِ، فَيَكُونُ الْمُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا، أَوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي بِالْبَدَنِ
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: زَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ فِي دِينِنَا الرَّجْمُ، فَتَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِيفًا لِلزَّانِيَيْنِ لشرفهما، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَحْكُمُ بِكِتَابِكُمْ». فَأَنْكَرُوا الرَّجْمَ، فَجِيءَ بِالتَّوْرَاةِ، فَوَضَعَ حَبْرُهُمْ، ابْنُ صُورِيَا، يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ:
جَاوَزَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَظْهَرَهَا فَرُجِمَا.
وَقَالَ النَّقَّاشُ: نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: «هَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ فَفِيهَا صِفَتِي».
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: دَعَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَحَقُّ بِالْهُدَى مِنْكَ، وَمَا أَرْسَلَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا من بين إِسْرَائِيلَ، قَالَ: «فَأَخْرِجُوا التَّوْرَاةَ فَإِنِّي مَكْتُوبٌ فِيهَا أَنِّي نبي» فأبوا، فنزلت
الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ هُمُ: الْيَهُودُ، وَالْكِتَابُ: التَّوْرَاةُ.
وَقَالَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقِيلَ: مِنَ الْكِتابِ جِنْسٌ لِلْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ به الزمخشري و: من، تَبْعِيضٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: نَصِيبًا، أَيْ: طَرَفًا، وَظَاهِرُ بَعْضِ الْكِتَابِ، وَفِي ذَلِكَ إِذْ هُمْ لَمْ يَحْفَظُوهُ وَلَمْ يَعْلَمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ.
يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ هُوَ: التَّوْرَاةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وابن جريح: القرآن.
و: يدعون، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ، وَالْعَامِلُ: تَرَ، وَالْمَعْنَى: أَلَا تَعْجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ مَدْعُوِّينَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ؟ أَيْ: فِي حَالِ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَيْ:
لِيَحْكُمَ الْكِتَابُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَعَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ: لِيُحْكَمَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَالْمَحْكُومُ فِيهِ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ.
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ هَذَا اسْتِبْعَادٌ لِتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَاجِبٌ، وَنَسَبَ التَّوَلِّي إِلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ لَا إِلَى جَمِيعِ الْمُبْعَدِينَ، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَتَوَلَّ كَابْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ.
وَهُمْ مُعْرِضُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأَنَّ التَّوَلِّيَ هُوَ الْإِعْرَاضُ، أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ التَّوَلِّي عَنِ الدَّاعِي، وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا دَعَا إِلَيْهِ، فَيَكُونُ الْمُتَعَلِّقُ مُخْتَلِفًا، أَوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي بِالْبَدَنِ
81
وَالْإِعْرَاضِ بِالْقَلْبِ، أَوْ لِكَوْنِ التَّوَلِّي مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَالْإِعْرَاضِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. أَوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أخبر عنهم قَوْمٌ لَا يَزَالُ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ شَأْنِهِمْ وَعَادَتِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: بَيْنَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَاقِعًا لَا بَيْنُهُمْ وَبَيْنَ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذُكِرَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ، فَإِنْ صَحَّ سَبَبٌ مِنْهَا كَانَ الْمَعْنَى:
لِيَحْكُمَ بينهم وبين رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ حُمِلَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، فَدُعُوا إِلَى التَّوْرَاةِ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِي صِحَّتِهَا عِنْدَكُمْ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، فَتَوَلَّى مَنْ لَمْ يُسْلِمْ.
قِيلَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ لولا عِلْمُهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لَمَا أَعْرَضُوا وَتَسَارَعُوا إِلَى مُوَافَقَةِ مَا فِي كتبهم، حتى ينبؤا عَنْ بُطْلَانِ دَعْوَاهُ. وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَاهُ خَصْمُهُ إِلَى الْحُكْمِ الْحَقِّ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُ لِأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَيُعَضِّدُهُ: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ «١».
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِذَا دُعِيَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَخَالَفَ تَعَيَّنَ زَجْرُهُ بِالْأَدَبِ عَلَى قَدْرِ الْمُخَالِفِ، وَالْمُخَالَفِ. وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ بِالدِّيَارِ المصرية.
قال ابن خويز منداذ الْمَالِكِيُّ: وَاجِبٌ عَلَى مَنْ دُعِيَ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنْ يُجِيبَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْحَاكِمَ فَاسِقٌ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى التَّوَلِّي، أَيْ: ذَلِكَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ، وَتَسْهِيلِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْعَذَابَ، وَطَمَعِهِمْ فِي الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَا طَمِعَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْحَشْوِيَّةُ.
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ مِنْ أَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، كَمَا غَرَّى أُولَئِكَ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كَبَائِرِهِمُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ عَلَى عَادَتِهِ مِنَ اللَّهَجِ بِسَبِّ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَرَمْيِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ، وَالْخُرُوجِ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ طريق أمكنه.
لِيَحْكُمَ بينهم وبين رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ حُمِلَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ، فَدُعُوا إِلَى التَّوْرَاةِ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِي صِحَّتِهَا عِنْدَكُمْ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، فَتَوَلَّى مَنْ لَمْ يُسْلِمْ.
قِيلَ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ لولا عِلْمُهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لَمَا أَعْرَضُوا وَتَسَارَعُوا إِلَى مُوَافَقَةِ مَا فِي كتبهم، حتى ينبؤا عَنْ بُطْلَانِ دَعْوَاهُ. وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَاهُ خَصْمُهُ إِلَى الْحُكْمِ الْحَقِّ لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُ لِأَنَّهُ دَعَاهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَيُعَضِّدُهُ: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ «١».
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِذَا دُعِيَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَخَالَفَ تَعَيَّنَ زَجْرُهُ بِالْأَدَبِ عَلَى قَدْرِ الْمُخَالِفِ، وَالْمُخَالَفِ. وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ بِالدِّيَارِ المصرية.
قال ابن خويز منداذ الْمَالِكِيُّ: وَاجِبٌ عَلَى مَنْ دُعِيَ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنْ يُجِيبَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْحَاكِمَ فَاسِقٌ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى التَّوَلِّي، أَيْ: ذَلِكَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ، وَتَسْهِيلِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْعَذَابَ، وَطَمَعِهِمْ فِي الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلَائِلَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَمَا طَمِعَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْحَشْوِيَّةُ.
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ مِنْ أَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ يَشْفَعُونَ لَهُمْ، كَمَا غَرَّى أُولَئِكَ بِشَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كَبَائِرِهِمُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ عَلَى عَادَتِهِ مِنَ اللَّهَجِ بِسَبِّ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَرَمْيِهِمْ بِالتَّشْبِيهِ، وَالْخُرُوجِ إِلَى الطَّعْنِ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ طريق أمكنه.
(١) سورة النور: ٢٤/ ٤٨.
82
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ: الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ هُنَاكَ: مَعْدُودَةٌ، وَهُنَا: مَعْدُودَاتٌ، وَهُمَا طَرِيقَانِ فَصِيحَانِ تَقُولُ: جِبَالٌ شَامِخَةٌ، وَجِبَالٌ شَامِخَاتٌ. فَتَجْعَلُ صِفَةَ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِلْمُذَكَّرِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ تَارَةً لِصِفَةِ الْوَاحِدَةِ الْمُؤَنَّثَةِ، وَتَارَةً لِصِفَةِ الْمُؤَنَّثَاتِ. فَكَمَا تَقُولُ: نِسَاءٌ قَائِمَاتٌ، كَذَلِكَ تَقُولُ: جِبَالٌ رَاسِيَاتٌ، وَذَلِكَ مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ فِيهِ.
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ: الَّذِي افْتَرَوْهُ هُوَ قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقال قتادة: بقولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. وَقِيلَ: لَنْ، يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى «١» وَقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ.
وَارْتَفَعَ: ذَلِكَ، بالابتداء، و: بأنهم، هُوَ الْخَبَرُ، أَيْ: ذَلِكَ الْإِعْرَاضُ وَالتَّوَلِّي كَائِنٌ لَهُمْ وَحَاصِلٌ بِسَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، يَحْصُرُهَا الْعَدَدُ. وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أي: شَأْنُهُمْ ذَلِكَ، أَيِ التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ: بِأَنَّهُمْ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: مَصْحُوبًا بهذا القول، وَ: مَا فِي: مَا كَانُوا، مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ هَذَا تَعْجِيبٌ مِنْ حَالِهِمْ، وَاسْتِعْظَامٌ لِعِظَمِ مَقَالَتِهِمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ مَطَامِعُهُمْ، وَظَهَرَ كَذِبُ دَعْوَاهُمْ، إِذْ صَارُوا إِلَى عَذَابٍ مَا لَهُمْ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ «٢» هَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ عِنْدَ التَّعْظِيمِ لِحَالِ الشَّيْءِ، فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَكَيْفَ بِنَفْسٍ، كُلَّمَا قُلْتُ: أَشْرَفَتْ... عَلَى الْبُرْءِ مِنْ دَهْمَاءَ، هِيضَ انْدِمَالُهَا
وَقَالَ:
فَكَيْفَ؟ وَكُلٌّ لَيْسَ يَعْدُو حِمَامَهُ... وما لامرىء عَمَّا قَضَى اللَّهُ مُرْحَلُ
وَانْتِصَابُ: فَكَيْفَ، قِيلَ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ وَقَدَّرَهُ الْحُوفِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ؟ فَإِنْ أَرَادَ كَانَ التَّامَّةَ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتِ النَّاقِصَةَ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى: التَّقْدِيرُ: كَيْفَ حَالُهُمْ؟ وَالْعَامِلُ فِي: إِذَا، ذَلِكَ الفعل الذي
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ: الَّذِي افْتَرَوْهُ هُوَ قَوْلُهُمْ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقال قتادة: بقولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. وَقِيلَ: لَنْ، يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى «١» وَقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ.
وَارْتَفَعَ: ذَلِكَ، بالابتداء، و: بأنهم، هُوَ الْخَبَرُ، أَيْ: ذَلِكَ الْإِعْرَاضُ وَالتَّوَلِّي كَائِنٌ لَهُمْ وَحَاصِلٌ بِسَبَبِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُمْ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، يَحْصُرُهَا الْعَدَدُ. وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أي: شَأْنُهُمْ ذَلِكَ، أَيِ التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ: بِأَنَّهُمْ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: مَصْحُوبًا بهذا القول، وَ: مَا فِي: مَا كَانُوا، مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ.
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ هَذَا تَعْجِيبٌ مِنْ حَالِهِمْ، وَاسْتِعْظَامٌ لِعِظَمِ مَقَالَتِهِمْ حِينَ اخْتَلَفَتْ مَطَامِعُهُمْ، وَظَهَرَ كَذِبُ دَعْوَاهُمْ، إِذْ صَارُوا إِلَى عَذَابٍ مَا لَهُمْ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ «٢» هَذَا الْكَلَامُ يُقَالُ عِنْدَ التَّعْظِيمِ لِحَالِ الشَّيْءِ، فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَكَيْفَ بِنَفْسٍ، كُلَّمَا قُلْتُ: أَشْرَفَتْ... عَلَى الْبُرْءِ مِنْ دَهْمَاءَ، هِيضَ انْدِمَالُهَا
وَقَالَ:
فَكَيْفَ؟ وَكُلٌّ لَيْسَ يَعْدُو حِمَامَهُ... وما لامرىء عَمَّا قَضَى اللَّهُ مُرْحَلُ
وَانْتِصَابُ: فَكَيْفَ، قِيلَ عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ وَقَدَّرَهُ الْحُوفِيُّ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُمْ؟ فَإِنْ أَرَادَ كَانَ التَّامَّةَ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتِ النَّاقِصَةَ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى: التَّقْدِيرُ: كَيْفَ حَالُهُمْ؟ وَالْعَامِلُ فِي: إِذَا، ذَلِكَ الفعل الذي
(٢- ١) سورة البقرة: ٢/ ١١١.
83
قَدَّرَهُ، وَالْعَامِلُ فِي: كَيْفَ، إِذَا كَانَتْ خَبَرًا عَنِ الْمُبْتَدَأِ إِنْ قُلْنَا إِنَّ انْتِصَابَهَا انْتِصَابُ الظُّرُوفِ، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهَا اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِي: إِذَا، الْمُبْتَدَأَ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ، أَيْ: فَكَيْفَ حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَكَذَا أَكْثَرُ اسْتِفْهَامَاتِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهَا مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا اسْتِفْهَامُهُ تَعَالَى تَقْرِيعٌ.
وَاللَّامُ، تَتَعَلَّقُ: بِجَمَعْنَاهُمْ، وَالْمَعْنَى: لِقَضَاءِ يَوْمٍ وَجَزَائِهِ كَقَوْلِهِ: إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ «١» قَالَ النَّقَّاشُ: الْيَوْمَ، هُنَا الْوَقْتُ، وَكَذَلِكَ: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ «٢» وفِي يَوْمَيْنِ «٣» وفِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ «٤» إِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوْقَاتٍ، فَإِنَّمَا الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي عِنْدَنَا فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أنه يوم، لأن قَبْلَهُ لَيْلَةٌ وَفِيهِ شَمْسٌ.
وَمَعْنَى: لَا رَيْبَ فِيهِ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ، أَوْ عِنْدَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، أَوْ حِينَ يَجْمَعُهُمْ فِيهِ، أَوْ مَعْنَاهُ: الْأَمْرُ. خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا فِي الْبَقَرَةِ، آخِرَ آيَاتِ الرِّبَا.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
قَالَ الْكَلْبِيُّ: ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ فِي الْخَنْدَقِ، فَضَرَبَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَرَقَ بَرْقٌ فَكَبَّرَ، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي الْأُولَى: قُصُورُ الْعَجَمِ، وفي الثاني: قُصُورُ الرُّومِ. وَفِي الثَّالِثَةِ: قُصُورُ الْيَمَنِ فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَى الْكُلِّ».
فَعَيَّرَهُ الْمُنَافِقُونَ بِأَنَّهُ يَضْرِبُ الْمِعْوَلَ وَيَحْفُرُ الْخَنْدَقَ فَرْقًا، وَيَتَمَنَّى مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَنَزَلَتْ.
اخْتَصَرَهُ السَّجَاوَنْدِيُّ هَكَذَا، وَهُوَ سَبَبٌ مُطَوَّلٌ جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَخَافُوا فَتْحَ الْعَجَمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي: هُمْ أَعَزُّ وَأَمْنَعُ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ: لَمَّا فَتَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، وَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: بَلَغَ ذَلِكَ اليهود فقالوا: هَيْهَاتَ! هَيْهَاتَ! فَنَزَلَتْ، فَذُلُّوا وَطَلَبُوا الْمُوَاصَمَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: سَأَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ لِأُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ: وَاللَّهُ لَا نُطِيعُ رَجُلًا جَاءَ بِنَقْلِ النُّبُوَّةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ.
وَاللَّامُ، تَتَعَلَّقُ: بِجَمَعْنَاهُمْ، وَالْمَعْنَى: لِقَضَاءِ يَوْمٍ وَجَزَائِهِ كَقَوْلِهِ: إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ «١» قَالَ النَّقَّاشُ: الْيَوْمَ، هُنَا الْوَقْتُ، وَكَذَلِكَ: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ «٢» وفِي يَوْمَيْنِ «٣» وفِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ «٤» إِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَوْقَاتٍ، فَإِنَّمَا الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي عِنْدَنَا فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ أنه يوم، لأن قَبْلَهُ لَيْلَةٌ وَفِيهِ شَمْسٌ.
وَمَعْنَى: لَا رَيْبَ فِيهِ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ، أَوْ عِنْدَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، أَوْ حِينَ يَجْمَعُهُمْ فِيهِ، أَوْ مَعْنَاهُ: الْأَمْرُ. خَمْسَةُ أَقْوَالٍ.
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا فِي الْبَقَرَةِ، آخِرَ آيَاتِ الرِّبَا.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ
قَالَ الْكَلْبِيُّ: ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ فِي الْخَنْدَقِ، فَضَرَبَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَرَقَ بَرْقٌ فَكَبَّرَ، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي الْأُولَى: قُصُورُ الْعَجَمِ، وفي الثاني: قُصُورُ الرُّومِ. وَفِي الثَّالِثَةِ: قُصُورُ الْيَمَنِ فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَى الْكُلِّ».
فَعَيَّرَهُ الْمُنَافِقُونَ بِأَنَّهُ يَضْرِبُ الْمِعْوَلَ وَيَحْفُرُ الْخَنْدَقَ فَرْقًا، وَيَتَمَنَّى مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَنَزَلَتْ.
اخْتَصَرَهُ السَّجَاوَنْدِيُّ هَكَذَا، وَهُوَ سَبَبٌ مُطَوَّلٌ جِدًّا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَخَافُوا فَتْحَ الْعَجَمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي: هُمْ أَعَزُّ وَأَمْنَعُ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ: لَمَّا فَتَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، وَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: بَلَغَ ذَلِكَ اليهود فقالوا: هَيْهَاتَ! هَيْهَاتَ! فَنَزَلَتْ، فَذُلُّوا وَطَلَبُوا الْمُوَاصَمَةَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: سَأَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ لِأُمَّتِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَى لَفْظِ النَّهْيِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ: وَاللَّهُ لَا نُطِيعُ رَجُلًا جَاءَ بِنَقْلِ النُّبُوَّةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَنَزَلَتْ.
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٩. [.....]
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٨٤ وآل عمران: ٣/ ٢٤.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٢٠٣ وفصلت: ٤١/ ٩ و ١٢.
(٤) سورة فصلت: ٤١/ ١٠.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٨٤ وآل عمران: ٣/ ٢٤.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٢٠٣ وفصلت: ٤١/ ٩ و ١٢.
(٤) سورة فصلت: ٤١/ ١٠.
84
وَقِيلَ: نَزَلَتْ رَدًّا عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ.
وَالْمُلْكُ هُنَا ظَاهِرُهُ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جَاءَتْ أَسْبَابُ النُّزُولِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُلْكُ النُّبُوَّةُ، وَهَذَا يَتَنَزَّلُ عَلَى نَقْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فِي سَبَبِ النُّزُولِ. وَقِيلَ: الْمَالُ وَالْعَبِيدُ، وَقِيلَ: الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَالِكُ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ تَمَلُّكُ جِنْسِ الْمُلْكِ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِيمَا يَمْلِكُونَ. وَقَالَ: مَعْنَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي لَفْظَةِ: اللَّهُمَّ، مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُومَةُ الْهَاءِ مُشَدَّدَةُ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ، وَأَنَّهَا مُنَادَى.
انْتَهَى. وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَشْدِيدِ الْمِيمِ قَدْ نَقَلَ الْفَرَّاءُ تَخْفِيفَ مِيمِهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ، قَالَ: وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
كحلفة من أبي رياح... يَسْمَعُهَا اللَّهُمَ الْكُبَارُ
قَالَ الرَّادُّ عَلَيْهِ: تَخْفِيفُ الْمِيمِ خَطَأٌ فَاحِشٌ خُصُوصًا عِنْد الْفَرَّاءِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ هِيَ الَّتِي فِي أَمِّنَّا، إِذْ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْفِيفُ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ فِيهِ بَقِيَّةَ أَمِّنَّا. قَالَ: وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكُبَارُ. انْتَهَى. وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْبَيْتُ عَنِ الْعَرَبِ كَانَ فِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَاعِلًا بِالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ؟ قَالَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ:
هَذِهِ الْمِيمُ تَجْمَعُ سَبْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ كُلِّهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُمَّ مَجْمَعُ الدُّعَاءِ. وَمَعْنَى قَوْلِ النَّضْرِ: إِنَّ اللَّهُمَّ هُوَ اللَّهُ زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمُ، فَهُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الْمُتَضَمِّنُ لِجَمِيعِ أَوْصَافِ الذَّاتِ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: جَاءَ زَيْدٌ، فَقَدْ ذَكَرْتَ الِاسْمَ الْخَاصَّ، فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ الَّتِي هِيَ فِيهِ مِنْ شُهْلَةٍ أَوْ طُولٍ أَوْ جُودٍ أَوْ شَجَاعَةٍ، أَوِ أَضْدَادِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَانْتِصَابُ: مَالِكَ الْمُلْكِ، عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى ثَانٍ أَيْ: يَا مَالِكَ الْمُلْكِ، وَلَا يُوصَفُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَصْفَهُ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا صِفَةٌ لِلَاهُمْ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ يُبْحَثُ عَنْهَا فِي عِلْمِ النَّحْوُ.
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُلْكَ هُوَ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ الْمُلْكِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ عَامًّا، وَهَذَانِ خَاصَّيْنِ. وَالْمَعْنَى:
إِنَّكَ تُعْطِي مَنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ الْمُلْكِ، وَتَنْزِعُ مِمَّنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ الْمُلْكِ وَقَدْ فَسَّرَ الْمُلْكَ
وَالْمُلْكُ هُنَا ظَاهِرُهُ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جَاءَتْ أَسْبَابُ النُّزُولِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُلْكُ النُّبُوَّةُ، وَهَذَا يَتَنَزَّلُ عَلَى نَقْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فِي سَبَبِ النُّزُولِ. وَقِيلَ: الْمَالُ وَالْعَبِيدُ، وَقِيلَ: الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَالِكُ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ تَمَلُّكُ جِنْسِ الْمُلْكِ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِيمَا يَمْلِكُونَ. وَقَالَ: مَعْنَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي لَفْظَةِ: اللَّهُمَّ، مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُومَةُ الْهَاءِ مُشَدَّدَةُ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ، وَأَنَّهَا مُنَادَى.
انْتَهَى. وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَشْدِيدِ الْمِيمِ قَدْ نَقَلَ الْفَرَّاءُ تَخْفِيفَ مِيمِهَا فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ، قَالَ: وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
كحلفة من أبي رياح... يَسْمَعُهَا اللَّهُمَ الْكُبَارُ
قَالَ الرَّادُّ عَلَيْهِ: تَخْفِيفُ الْمِيمِ خَطَأٌ فَاحِشٌ خُصُوصًا عِنْد الْفَرَّاءِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ هِيَ الَّتِي فِي أَمِّنَّا، إِذْ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْفِيفُ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ فِيهِ بَقِيَّةَ أَمِّنَّا. قَالَ: وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الْكُبَارُ. انْتَهَى. وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْبَيْتُ عَنِ الْعَرَبِ كَانَ فِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ النِّدَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَاعِلًا بِالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهُ؟ قَالَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ:
هَذِهِ الْمِيمُ تَجْمَعُ سَبْعِينَ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ كُلِّهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: اللَّهُمَّ مَجْمَعُ الدُّعَاءِ. وَمَعْنَى قَوْلِ النَّضْرِ: إِنَّ اللَّهُمَّ هُوَ اللَّهُ زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمُ، فَهُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الْمُتَضَمِّنُ لِجَمِيعِ أَوْصَافِ الذَّاتِ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: جَاءَ زَيْدٌ، فَقَدْ ذَكَرْتَ الِاسْمَ الْخَاصَّ، فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ جَمِيعَ أَوْصَافِهِ الَّتِي هِيَ فِيهِ مِنْ شُهْلَةٍ أَوْ طُولٍ أَوْ جُودٍ أَوْ شَجَاعَةٍ، أَوِ أَضْدَادِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَانْتِصَابُ: مَالِكَ الْمُلْكِ، عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى ثَانٍ أَيْ: يَا مَالِكَ الْمُلْكِ، وَلَا يُوصَفُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَصْفَهُ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا صِفَةٌ لِلَاهُمْ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ يُبْحَثُ عَنْهَا فِي عِلْمِ النَّحْوُ.
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُلْكَ هُوَ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ الْمُلْكِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ عَامًّا، وَهَذَانِ خَاصَّيْنِ. وَالْمَعْنَى:
إِنَّكَ تُعْطِي مَنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ الْمُلْكِ، وَتَنْزِعُ مِمَّنْ شِئْتَ قِسْمًا مِنَ الْمُلْكِ وَقَدْ فَسَّرَ الْمُلْكَ
85
هُنَا بِالنُّبُوَّةِ أَيْضًا، وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا التَّفْسِيرُ فِي: تَنْزِعُ الْمُلْكَ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُؤْتِ النُّبُوَّةَ لِأَحَدٍ ثم مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَنْزِعُ مَجَازًا بِمَعْنَى: تَمْنَعُ النُّبُوَّةَ مِمَّنْ تَشَاءُ، فَيُمْكِنُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: هُوَ مُلْكُ النَّفْسِ وَمَنْعُهَا مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى. وَقِيلَ: الْعَافِيَةُ، وَقِيلَ:
الْقَنَاعَةُ. وَقِيلَ: الْغَلَبَةُ بِالدِّينِ وَالطَّاعَةِ. وَقِيلَ: قِيَامُ اللَّيْلِ. وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: هُوَ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْمُكَوِّنِ عَنِ الْكَوْنَيْنِ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: هُوَ قَهْرُ إِبْلِيسَ كَمَا كَانَ يَفِرُّ مِنْ ظِلِّ عُمَرَ، وَعَكْسُهُ مَنْ كَانَ يَجْرِي الشَّيْطَانُ مِنْهُ مَجْرَى الدَّمِ. وَقِيلَ: مُلْكُ الْمَعْرِفَةِ بِلَا عِلَّةِ، كَمَا أَتَى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ، وَنَزَعَ مِنْ بَلْعَامَ. وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: هُوَ تَوْفِيقُ الْإِيمَانِ.
وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْأَظْهَرِ: وَهُوَ السَّلْطَنَةُ وَالْغَلَبَةُ، وَكَوْنُ الْمُؤْتَى هُوَ الْآمِرَ الْمُتَّبَعَ، فَالَّذِي آتَاهُ الْمُلْكَ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ. وَقِيلَ: الْمَنْزُوعُ مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ وَصَنَادِيدُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: الْعَرَبُ وَخُلَفَاءُ الْإِسْلَامِ وَمُلُوكُهُ، وَالْمَنْزُوعُ فَارِسُ وَالرُّومُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَنْبِيَاءُ أُمِرَ النَّاسُ بِطَاعَتِهِمْ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ الْجَبَّارُونَ أُمِرَ النَّاسُ بِخِلَافِهِمْ.
وَقِيلَ: آدَمُ وَوَلَدُهُ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ. وَقِيلَ: دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ طَالُوتُ. وَقِيلَ: صَخْرٌ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ سُلَيْمَانُ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى تُؤْتِي الْمُلْكَ فِي الْجَنَّةِ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ تَشَاءُ. وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْعُزْلَةُ وَالِانْقِطَاعُ، وَسَمَّوْهُ الْمُلْكَ الْمَجْهُولَ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُضْطَرِبَةٌ، وَتَخْصِيصَاتٌ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَا الْحَصْرِ فِي الْمُرَادِ.
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ قِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى الله عليه وسلم وأصحابه، حِينَ دَخَلُوا مَكَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ظَاهِرِينَ عَلَيْهَا، وَأَذَلَّ أَبَا جَهْلٍ وَصَنَادِيدَ قُرَيْشٍ حَتَّى حُزَّتْ رؤوسهم وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ. وَقِيلَ: بالتوفيق والعرفان، وتدل بِالْخِذْلَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتُذِلُّ فَارِسَ وَالرُّومَ. وَقِيلَ: بِالطَّاعَةِ وَتُذِلُّ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقِيلَ: بِالظَّفْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَتُذِلُّ بِالْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ. وَقِيلَ: بِالْإِخْلَاصِ وَتُذِلُّ بِالرِّيَاءِ. وَقِيلَ بِالْغِنَى وَتُذِلُّ بِالْفَقْرِ. وَقِيلَ: بِالْجَنَّةِ وَالرُّؤْيَةِ وَتُذِلُّ بِالْحِجَابِ وَالنَّارِ، قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ. وَقِيلَ: بِقَهْرِ النَّفْسِ وَتُذِلُّ بِاتِّبَاعِ الْخِزْيِ، قَالَهُ الْوَرَّاقُ. وَقِيلَ: بِقَهْرِ الشَّيْطَانِ وَتُذِلُّ بِقَهْرِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، قَالَهُ الْكَتَّانِيُّ. وَقِيلَ: بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا وتذل بالحرص والطمع.
وينبغي حَمْلُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّهُ لَا مُخَصِّصَ فِي الْآيَةِ، بَلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْعِزُّ وَالذُّلُّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَلِلْمُعْتَزِلَةِ هُنَا كَلَامٌ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، قَالَ الْكَعْبِيُّ: تُؤْتِي
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: هُوَ مُلْكُ النَّفْسِ وَمَنْعُهَا مِنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى. وَقِيلَ: الْعَافِيَةُ، وَقِيلَ:
الْقَنَاعَةُ. وَقِيلَ: الْغَلَبَةُ بِالدِّينِ وَالطَّاعَةِ. وَقِيلَ: قِيَامُ اللَّيْلِ. وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: هُوَ الِاسْتِغْنَاءُ بِالْمُكَوِّنِ عَنِ الْكَوْنَيْنِ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: هُوَ قَهْرُ إِبْلِيسَ كَمَا كَانَ يَفِرُّ مِنْ ظِلِّ عُمَرَ، وَعَكْسُهُ مَنْ كَانَ يَجْرِي الشَّيْطَانُ مِنْهُ مَجْرَى الدَّمِ. وَقِيلَ: مُلْكُ الْمَعْرِفَةِ بِلَا عِلَّةِ، كَمَا أَتَى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ، وَنَزَعَ مِنْ بَلْعَامَ. وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: هُوَ تَوْفِيقُ الْإِيمَانِ.
وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْأَظْهَرِ: وَهُوَ السَّلْطَنَةُ وَالْغَلَبَةُ، وَكَوْنُ الْمُؤْتَى هُوَ الْآمِرَ الْمُتَّبَعَ، فَالَّذِي آتَاهُ الْمُلْكَ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ. وَقِيلَ: الْمَنْزُوعُ مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ وَصَنَادِيدُ قُرَيْشٍ. وَقِيلَ: الْعَرَبُ وَخُلَفَاءُ الْإِسْلَامِ وَمُلُوكُهُ، وَالْمَنْزُوعُ فَارِسُ وَالرُّومُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَنْبِيَاءُ أُمِرَ النَّاسُ بِطَاعَتِهِمْ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ الْجَبَّارُونَ أُمِرَ النَّاسُ بِخِلَافِهِمْ.
وَقِيلَ: آدَمُ وَوَلَدُهُ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ. وَقِيلَ: دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ طَالُوتُ. وَقِيلَ: صَخْرٌ، وَالْمَنْزُوعُ مِنْهُ سُلَيْمَانُ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى تُؤْتِي الْمُلْكَ فِي الْجَنَّةِ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ تَشَاءُ. وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْعُزْلَةُ وَالِانْقِطَاعُ، وَسَمَّوْهُ الْمُلْكَ الْمَجْهُولَ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُضْطَرِبَةٌ، وَتَخْصِيصَاتٌ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ لَا الْحَصْرِ فِي الْمُرَادِ.
وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ قِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى الله عليه وسلم وأصحابه، حِينَ دَخَلُوا مَكَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ظَاهِرِينَ عَلَيْهَا، وَأَذَلَّ أَبَا جَهْلٍ وَصَنَادِيدَ قُرَيْشٍ حَتَّى حُزَّتْ رؤوسهم وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ. وَقِيلَ: بالتوفيق والعرفان، وتدل بِالْخِذْلَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتُذِلُّ فَارِسَ وَالرُّومَ. وَقِيلَ: بِالطَّاعَةِ وَتُذِلُّ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقِيلَ: بِالظَّفْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَتُذِلُّ بِالْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ. وَقِيلَ: بِالْإِخْلَاصِ وَتُذِلُّ بِالرِّيَاءِ. وَقِيلَ بِالْغِنَى وَتُذِلُّ بِالْفَقْرِ. وَقِيلَ: بِالْجَنَّةِ وَالرُّؤْيَةِ وَتُذِلُّ بِالْحِجَابِ وَالنَّارِ، قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ. وَقِيلَ: بِقَهْرِ النَّفْسِ وَتُذِلُّ بِاتِّبَاعِ الْخِزْيِ، قَالَهُ الْوَرَّاقُ. وَقِيلَ: بِقَهْرِ الشَّيْطَانِ وَتُذِلُّ بِقَهْرِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، قَالَهُ الْكَتَّانِيُّ. وَقِيلَ: بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا وتذل بالحرص والطمع.
وينبغي حَمْلُ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ عَلَى التَّمْثِيلِ لِأَنَّهُ لَا مُخَصِّصَ فِي الْآيَةِ، بَلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْعِزُّ وَالذُّلُّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَلِلْمُعْتَزِلَةِ هُنَا كَلَامٌ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، قَالَ الْكَعْبِيُّ: تُؤْتِي
86
الْمُلْكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَلَا تَنْزِعُهُ إِلَّا مِمَّنْ فَسَقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ «١» إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ «٢» جَعَلَ الِاصْطِفَاءَ سَبَبًا لِلْمُلْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُلْكُ الظَّالِمِينَ بِإِيتَائِهِ وَقَدْ يَكُونُ: وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ أَنْ لَا يَتَمَلَّكُوهُ، فَصَحَّ أَنَّ الْمُلُوكَ الْعَادِلِينَ هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِإِيتَاءِ اللَّهِ الْمُلْكَ، وَأَمَّا الظَّالِمُونَ فَلَا.
أَمَّا النَّزْعُ فَبِخِلَافِهِ، فَكَمَا يَنْزِعُهُ مِنَ الْعَادِلِ لِمَصْلَحَةٍ، فَقَدْ يَنْزِعُهُ مِنَ الظَّالِمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: الْإِعْزَازُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ تَعَالَى يَكُونُ فِي الدِّينِ بِالْإِمْدَادِ بِالْأَلْطَافِ وَمَدْحِهِمْ وَتَغَلُّبِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ وَإِعْطَاءِ الْهَيْبَةِ. وَأَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْعِزَّةِ فِي الدِّينِ هُوَ الْإِيمَانُ، وَأَذَلُّ الْأَشْيَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلذِّلَّةِ هُوَ الْكُفْرُ، فَلَوْ كَانَ حُصُولُ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ مِنَ الْعَبْدِ لَكَانَ إِعْزَازُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْإِيمَانِ وَإِذْلَالُهُ نَفْسَهُ بِالْكُفْرِ أَعْظَمَ مِنْ إِعْزَازِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَإِذْلَالِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ أَتَمَّ مِنْ حَظِّهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يُذِلُّ أَعْدَاءَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَا يُذِلُّ أَوْلِيَاءَهُ وَإِنْ أَفْقَرَهُمْ وَأَمْرَضَهُمْ وَأَخَافَهُمْ وَأَحْوَجَهُمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِزِّهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ أَوِ الْعِوَضِ فَصَارَ كَالْفَصْدِ يُؤْلِمُ فِي الْحَالِ وَيُعْقِبُ نَفْعًا. قَالَ: وَوُصْفُ الْفَقْرِ بِكَوْنِهِ ذُلًّا مَجَازًا، كَقَوْلِهِ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «٣» وَإِذْلَالُ اللَّهِ الْمُبْطِلُ بِوُجُوهٍ بِالذَّمِّ وَاللَّعْنِ، وَخِذْلَانِهِمْ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ، وَبِجَعْلِهِمْ لِأَهْلِ دِينِهِ غَنِيمَةً، وَبِعُقُوبَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
بِيَدِكَ الْخَيْرُ أَيْ: بِقُدْرَتِكَ وَتَصْدِيقِكَ وَقَعَ الْخَيْرُ، وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْيَدِ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
قِيلَ: الْمَعْنَى: وَالشَّرُّ، نَحْوَ: تَقِيكُمُ الْحُرَّ، أَيْ وَالْبَرْدَ. وَحَذْفُ الْمَعْطُوفِ جَائِزٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، إِذْ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ إِيتَاءَ الْمُلْكِ وَنَزْعَهُ، وَالْإِعْزَازَ وَالْإِذْلَالَ، وَذَلِكَ خَيْرٌ لِنَاسٍ وَشَرٌّ لِآخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كَانَ التَّقْدِيرُ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، ثُمَّ خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَجَاءَ بِهَذَا الْعَامِ الْمُنْدَرِجِ تَحْتَهُ الْأَوْصَافُ السَّابِقَةُ، وَجَمَعَ الْخُيُورَ وَالشُّرُورَ، وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ تَعْلِيمٌ لَنَا كَيْفَ نَمْدَحُ بِأَنْ نذكر أفضل الخصال.
أَمَّا النَّزْعُ فَبِخِلَافِهِ، فَكَمَا يَنْزِعُهُ مِنَ الْعَادِلِ لِمَصْلَحَةٍ، فَقَدْ يَنْزِعُهُ مِنَ الظَّالِمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: الْإِعْزَازُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ تَعَالَى يَكُونُ فِي الدِّينِ بِالْإِمْدَادِ بِالْأَلْطَافِ وَمَدْحِهِمْ وَتَغَلُّبِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ وَإِعْطَاءِ الْهَيْبَةِ. وَأَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْعِزَّةِ فِي الدِّينِ هُوَ الْإِيمَانُ، وَأَذَلُّ الْأَشْيَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلذِّلَّةِ هُوَ الْكُفْرُ، فَلَوْ كَانَ حُصُولُ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ مِنَ الْعَبْدِ لَكَانَ إِعْزَازُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْإِيمَانِ وَإِذْلَالُهُ نَفْسَهُ بِالْكُفْرِ أَعْظَمَ مِنْ إِعْزَازِ اللَّهِ إِيَّاهُ وَإِذْلَالِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ أَتَمَّ مِنْ حَظِّهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يُذِلُّ أَعْدَاءَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَا يُذِلُّ أَوْلِيَاءَهُ وَإِنْ أَفْقَرَهُمْ وَأَمْرَضَهُمْ وَأَخَافَهُمْ وَأَحْوَجَهُمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِزِّهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِالثَّوَابِ أَوِ الْعِوَضِ فَصَارَ كَالْفَصْدِ يُؤْلِمُ فِي الْحَالِ وَيُعْقِبُ نَفْعًا. قَالَ: وَوُصْفُ الْفَقْرِ بِكَوْنِهِ ذُلًّا مَجَازًا، كَقَوْلِهِ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «٣» وَإِذْلَالُ اللَّهِ الْمُبْطِلُ بِوُجُوهٍ بِالذَّمِّ وَاللَّعْنِ، وَخِذْلَانِهِمْ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ، وَبِجَعْلِهِمْ لِأَهْلِ دِينِهِ غَنِيمَةً، وَبِعُقُوبَتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
بِيَدِكَ الْخَيْرُ أَيْ: بِقُدْرَتِكَ وَتَصْدِيقِكَ وَقَعَ الْخَيْرُ، وَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْيَدِ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ لِلَّهِ تَعَالَى.
قِيلَ: الْمَعْنَى: وَالشَّرُّ، نَحْوَ: تَقِيكُمُ الْحُرَّ، أَيْ وَالْبَرْدَ. وَحَذْفُ الْمَعْطُوفِ جَائِزٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، إِذْ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ إِيتَاءَ الْمُلْكِ وَنَزْعَهُ، وَالْإِعْزَازَ وَالْإِذْلَالَ، وَذَلِكَ خَيْرٌ لِنَاسٍ وَشَرٌّ لِآخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كَانَ التَّقْدِيرُ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، ثُمَّ خَتَمَهَا بِقَوْلِهِ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَجَاءَ بِهَذَا الْعَامِ الْمُنْدَرِجِ تَحْتَهُ الْأَوْصَافُ السَّابِقَةُ، وَجَمَعَ الْخُيُورَ وَالشُّرُورَ، وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ تَعْلِيمٌ لَنَا كَيْفَ نَمْدَحُ بِأَنْ نذكر أفضل الخصال.
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٢٤.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢٤٧.
(٣) سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ٥/ ٥٤.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢٤٧.
(٣) سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ٥/ ٥٤.
87
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ بِيَدِكَ الْخَيْرُ فَذَكَرَ الْخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ؟
قُلْتُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَتْهُ الْكَفَرَةُ، فَقَالَ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ تُؤْتِيهِ أَوْلِيَاءَكَ عَلَى رَغْمِ أَعْدَائِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَفْعَالِ اللَّهِ مِنْ نَافِعٍ وَضَارٍّ صَادِرٌ عَنِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَهُوَ خَيْرٌ كُلُّهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ يُدَافِعُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ لِمَ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ؟
وَأَجَابَ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِيَدِهِ تَعَالَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَإِنَّمَا كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْخَيْرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَقَعَ فِيمَا يَسُوقُهُ تَعَالَى مِنَ الْخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَنَاسَبَ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ فَقَطْ.
وَأَجَابَ بِالْجَوَابِ الثَّانِي: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى جَمِيعُ أَفْعَالِهِ خَيْرٌ لَيْسَ فِيهَا شَرٌّ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ الْخَيْرَ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ تَعَالَى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٌ، إِذِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى دُعَاءٍ وَرَغْبَةٍ، فَكَانَ الْمَعْنَى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ فَأَجْزِلْ حَظِي مِنْهُ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَمَّا كَانَتْ فِي الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ لَا لِلْحُكْمِ، ذَكَرَ الْخَيْرَ إِذْ هُوَ الْمَشْكُورُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: الْخَيْرُ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعُمُومِ، وَتَقْدِيمُ: بِيَدِكَ، يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا خَيْرَ إِلَّا بِيَدِهِ، وَأَفْضَلُ الْخَيْرَاتِ الْإِيمَانُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. وَلِأَنَّ فَاعِلَ الْأَشْرَفِ أَشْرَفُ، وَالْإِيمَانُ أَشْرَفُ.
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: الْمَعْنَى مَا يَنْتَقِصُ مِنَ النَّهَارِ يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ، وَمَا يَنْتَقِصُ مِنَ اللَّيْلِ يَزِيدُ فِي النَّهَارِ، دَأْبًا كُلُّ فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ، قِيلَ: حَتَّى يَصِيرَ النَّاقِصُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، وَالزَّائِدُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً. وَذَكَرَ بَعْضُ مُعَاصِرِينَا: أَجْمَعَ أَرْبَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّيَادَةُ مِنَ اللَّيْلِ والنهار يأخذ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ثَلَاثِينَ دَرَجَةً، فَتَنْتَهِي زِيَادَةُ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْوُلُوجِ هُنَا تَغْطِيَةُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ إِذَا أَقْبَلَ، وَتَغْطِيَةُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، إِذَا أَقْبَلَ، فَصَيْرُورَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي زَمَانِ الْآخَرِ كَالْوُلُوجِ فِيهِ، وَأَوْرَدَ هَذَا
قُلْتُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي الْخَيْرِ الَّذِي يَسُوقُهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَتْهُ الْكَفَرَةُ، فَقَالَ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ تُؤْتِيهِ أَوْلِيَاءَكَ عَلَى رَغْمِ أَعْدَائِكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَفْعَالِ اللَّهِ مِنْ نَافِعٍ وَضَارٍّ صَادِرٌ عَنِ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَهُوَ خَيْرٌ كُلُّهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ يُدَافِعُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ لِمَ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ؟
وَأَجَابَ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِيَدِهِ تَعَالَى الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَإِنَّمَا كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْخَيْرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وَقَعَ فِيمَا يَسُوقُهُ تَعَالَى مِنَ الْخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَنَاسَبَ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ فَقَطْ.
وَأَجَابَ بِالْجَوَابِ الثَّانِي: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى جَمِيعُ أَفْعَالِهِ خَيْرٌ لَيْسَ فِيهَا شَرٌّ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خَصَّ الْخَيْرَ بِالذِّكْرِ، وَهُوَ تَعَالَى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٌ، إِذِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى دُعَاءٍ وَرَغْبَةٍ، فَكَانَ الْمَعْنَى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ فَأَجْزِلْ حَظِي مِنْهُ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَمَّا كَانَتْ فِي الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ لَا لِلْحُكْمِ، ذَكَرَ الْخَيْرَ إِذْ هُوَ الْمَشْكُورُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: الْخَيْرُ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعُمُومِ، وَتَقْدِيمُ: بِيَدِكَ، يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا خَيْرَ إِلَّا بِيَدِهِ، وَأَفْضَلُ الْخَيْرَاتِ الْإِيمَانُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. وَلِأَنَّ فَاعِلَ الْأَشْرَفِ أَشْرَفُ، وَالْإِيمَانُ أَشْرَفُ.
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: الْمَعْنَى مَا يَنْتَقِصُ مِنَ النَّهَارِ يَزِيدُ فِي اللَّيْلِ، وَمَا يَنْتَقِصُ مِنَ اللَّيْلِ يَزِيدُ فِي النَّهَارِ، دَأْبًا كُلُّ فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ، قِيلَ: حَتَّى يَصِيرَ النَّاقِصُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، وَالزَّائِدُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً. وَذَكَرَ بَعْضُ مُعَاصِرِينَا: أَجْمَعَ أَرْبَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّيَادَةُ مِنَ اللَّيْلِ والنهار يأخذ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ثَلَاثِينَ دَرَجَةً، فَتَنْتَهِي زِيَادَةُ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ إِلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْوُلُوجِ هُنَا تَغْطِيَةُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ إِذَا أَقْبَلَ، وَتَغْطِيَةُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، إِذَا أَقْبَلَ، فَصَيْرُورَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي زَمَانِ الْآخَرِ كَالْوُلُوجِ فِيهِ، وَأَوْرَدَ هَذَا
88
الْقَوْلَ احْتِمَالًا ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ: وَيَحْتَمِلُ لَفْظُ الْآيَةِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَانَ زَوَالُ أَحَدِهِمَا وُلُوجَ الْآخَرِ.
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ مَعْنَى الْإِخْرَاجِ التَّكْوِينُ هُنَا، وَالْإِخْرَاجُ حَقِيقَةً هُوَ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الظَّرْفِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالسُّدِّيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
تُخْرِجُ الْحَيَوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ إِذَا انْفَصَلَتِ النُّطْفَةُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَتُخْرِجُ النُّطْفَةَ وَهِيَ مَيِّتَةٌ مِنَ الرَّجُلِ وَهُوَ حَيٌّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَوْتُ مَجَازًا إِذِ النُّطْفَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا حَيَاةٌ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ مَا لَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ وَتُخْرِجُ مَا لَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ مِنَ الْحَيِّ، وَالْإِخْرَاجُ عِبَارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الْحَالِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالْكَلْبِيُّ: أَيِ الْفَرْخَ مِنَ الْبَيْضَةِ، وَالْبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، وَالْمَوْتُ أَيْضًا هُنَا مَجَازٌ وَالْإِخْرَاجُ حَقِيقَةٌ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّوَاةِ، وَالسُّنْبُلَةَ مِنَ الْحَبَّةِ، وَالنَّوَاةَ مِنَ النَّخْلَةِ، وَالْحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، وَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي هَذَا مَجَازٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: تُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَهُمَا أَيْضًا مَجَازٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ».
وَقَدْ رَأَى امْرَأَةً صَالِحَةً مَاتَ أَبُوهَا كَافِرًا وَهِيَ خَالِدَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُخْرِجُ النَّبَاتَ الْغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الْحَبِّ، وَيُخْرِجُ الْحَبَّ الْيَابِسَ مِنَ النَّبَاتِ الْحَيِّ.
وَقِيلَ: الطَّيِّبَ مِنَ الْخَبِيثِ وَالْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُحْتَمَلُ يُخْرِجُ الْجَلْدَ الْفَطِنَ مِنَ الْبَلِيدِ الْعَاجِزِ، وَالْعَكْسُ، لِأَنَّ الْفِطْنَةَ حَيَاةُ الْحِسِّ وَالْبَلَادَةَ مَوْتُهُ. وَقِيلَ:
يُخْرِجُ الْحِكْمَةَ مِنْ قَلْبِ الْفَاجِرِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِيهِ، وَالسَّقْطَةُ مِنْ لِسَانِ الْعَارِفِ وَهَذِهِ كُلُّهَا مَجَازَاتٌ بَعِيدَةٌ.
وَالْأَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ تَصَوُّرُ اثْنَيْنِ وَقِيلَ: عَنَى بِذَلِكَ شَيْئًا وَاحِدًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحَالُ، فَيَكُونُ مَيِّتًا ثُمَّ يَحْيَا، وَحَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. نَحْوَ قَوْلِكَ: جَاءَ مِنْ فُلَانٍ أَسَدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ هُنَا حَقِيقَتَانِ لَا اسْتِعَارَةَ فِيهِمَا، ثُمَّ
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ مَعْنَى الْإِخْرَاجِ التَّكْوِينُ هُنَا، وَالْإِخْرَاجُ حَقِيقَةً هُوَ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الظَّرْفِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالسُّدِّيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
تُخْرِجُ الْحَيَوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ إِذَا انْفَصَلَتِ النُّطْفَةُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَتُخْرِجُ النُّطْفَةَ وَهِيَ مَيِّتَةٌ مِنَ الرَّجُلِ وَهُوَ حَيٌّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَوْتُ مَجَازًا إِذِ النُّطْفَةُ لَمْ يَسْبِقْ لَهَا حَيَاةٌ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ مَا لَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ وَتُخْرِجُ مَا لَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ مِنَ الْحَيِّ، وَالْإِخْرَاجُ عِبَارَةٌ عَنْ تَغَيُّرِ الْحَالِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالْكَلْبِيُّ: أَيِ الْفَرْخَ مِنَ الْبَيْضَةِ، وَالْبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، وَالْمَوْتُ أَيْضًا هُنَا مَجَازٌ وَالْإِخْرَاجُ حَقِيقَةٌ.
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّوَاةِ، وَالسُّنْبُلَةَ مِنَ الْحَبَّةِ، وَالنَّوَاةَ مِنَ النَّخْلَةِ، وَالْحَبَّةَ مِنَ السُّنْبُلَةِ، وَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي هَذَا مَجَازٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: تُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَهُمَا أَيْضًا مَجَازٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ».
وَقَدْ رَأَى امْرَأَةً صَالِحَةً مَاتَ أَبُوهَا كَافِرًا وَهِيَ خَالِدَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُخْرِجُ النَّبَاتَ الْغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الْحَبِّ، وَيُخْرِجُ الْحَبَّ الْيَابِسَ مِنَ النَّبَاتِ الْحَيِّ.
وَقِيلَ: الطَّيِّبَ مِنَ الْخَبِيثِ وَالْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُحْتَمَلُ يُخْرِجُ الْجَلْدَ الْفَطِنَ مِنَ الْبَلِيدِ الْعَاجِزِ، وَالْعَكْسُ، لِأَنَّ الْفِطْنَةَ حَيَاةُ الْحِسِّ وَالْبَلَادَةَ مَوْتُهُ. وَقِيلَ:
يُخْرِجُ الْحِكْمَةَ مِنْ قَلْبِ الْفَاجِرِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِيهِ، وَالسَّقْطَةُ مِنْ لِسَانِ الْعَارِفِ وَهَذِهِ كُلُّهَا مَجَازَاتٌ بَعِيدَةٌ.
وَالْأَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ تَصَوُّرُ اثْنَيْنِ وَقِيلَ: عَنَى بِذَلِكَ شَيْئًا وَاحِدًا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْحَالُ، فَيَكُونُ مَيِّتًا ثُمَّ يَحْيَا، وَحَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ. نَحْوَ قَوْلِكَ: جَاءَ مِنْ فُلَانٍ أَسَدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبَ جُمْهُورٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ هُنَا حَقِيقَتَانِ لَا اسْتِعَارَةَ فِيهِمَا، ثُمَّ
89
اخْتَلَفُوا فِي الْمَثَلِ الَّذِي فسروا به، وذكره قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَوْلَ عِكْرِمَةَ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ إِذْ ذَاكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَوْتِ، وَشَدَّدَ حَفْصٌ، وَنَافِعٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: الْمَيِّتُ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَفِي الْأَنْعَامِ، وَالْأَعْرَافِ، وَيُونُسَ، وَالرُّومِ، وَفَاطِرٍ زَادَ نَافِعٌ تَشْدِيدَ الْيَاءِ فِي: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ «١» وفي الأنعام والْأَرْضُ الْمَيْتَةُ «٢» في يس ولَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً «٣» فِي الْحُجُرَاتِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفَ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا تَقُولُ: لَيِّنٌ وَلَيْنٌ وَهَيِّنٌ وَهَيْنٌ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُخَفَّفَ لِمَا قَدْ مَاتَ، وَالْمُشَدَّدَ لِمَا قَدْ مَاتَ وَلِمَا لَمْ يَمُتْ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً «٤» فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الْبَاهِرَةَ، فَذَكَرَ حَالَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْمُعَاقَبَةِ بَيْنَهُمَا، وَحَالَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فِي إِخْرَاجِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْعَظِيمَةِ الْمُحَيِّرَةِ لِلْأَفْهَامِ، ثُمَّ قَدَرَ أَنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْزِعَ الْمُلْكَ مِنَ الْعَجَمِ وَيُذِلَّهُمْ، وَيُؤْتِيَهُ الْعَرَبُ وَيُعِزَّهُمُ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ.
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَنْوَاعًا مِنَ: الْفَصَاحَةِ، وَالْبَلَاغَةِ، وَالْبَدِيعِ.
الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ فِي أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ. وَالْإِشَارَةُ فِي نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ فَإِدْخَالُ: مِنْ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُحِيطُوا بِالتَّوْرَاةِ عِلْمًا وَلَا حِفْظًا، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَتَنْقِيصِ قَدْرِهِمْ وَذَمِّهِمْ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَخْيَارٌ وَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَفِي قَوْلِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى تَوَلِّيهِمْ وَإِعْرَاضِهِمُ اللَّذَيْنِ سَبَبُهُمَا افْتِرَاؤُهُمْ، وَفِي وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالتَّكْرَارُ فِي نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ وَاحِدًا، وَإِمَّا فِي اللَّفْظِ إِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا. وَفِي التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضِ إِنْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي: مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ وَتَكْرَارُهُ فِي جُمَلٍ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ وَاحِدًا، وَإِنِ اخْتَلَفَ كَانَ مِنْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ فَقَطْ، وَتَكْرَارُ مَنْ تَشاءُ وَفِي تُولِجُ وَفِي تُخْرِجُ وَفِي مُتَعَلِّقَيْهِمَا. وَالِاتِّسَاعُ في جعل: في،
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً «٤» فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الْبَاهِرَةَ، فَذَكَرَ حَالَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْمُعَاقَبَةِ بَيْنَهُمَا، وَحَالَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فِي إِخْرَاجِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْعَظِيمَةِ الْمُحَيِّرَةِ لِلْأَفْهَامِ، ثُمَّ قَدَرَ أَنْ يَرْزُقَ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْزِعَ الْمُلْكَ مِنَ الْعَجَمِ وَيُذِلَّهُمْ، وَيُؤْتِيَهُ الْعَرَبُ وَيُعِزَّهُمُ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ.
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَنْوَاعًا مِنَ: الْفَصَاحَةِ، وَالْبَلَاغَةِ، وَالْبَدِيعِ.
الِاسْتِفْهَامُ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ فِي أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ. وَالْإِشَارَةُ فِي نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ فَإِدْخَالُ: مِنْ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُحِيطُوا بِالتَّوْرَاةِ عِلْمًا وَلَا حِفْظًا، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِزْرَاءِ بِهِمْ، وَتَنْقِيصِ قَدْرِهِمْ وَذَمِّهِمْ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَخْيَارٌ وَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَفِي قَوْلِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى تَوَلِّيهِمْ وَإِعْرَاضِهِمُ اللَّذَيْنِ سَبَبُهُمَا افْتِرَاؤُهُمْ، وَفِي وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَزَاءَ أَعْمَالِهِمْ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَالتَّكْرَارُ فِي نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى إِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ وَاحِدًا، وَإِمَّا فِي اللَّفْظِ إِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا. وَفِي التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضِ إِنْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي: مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ وَتَكْرَارُهُ فِي جُمَلٍ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ وَاحِدًا، وَإِنِ اخْتَلَفَ كَانَ مِنْ تَكْرَارِ اللَّفْظِ فَقَطْ، وَتَكْرَارُ مَنْ تَشاءُ وَفِي تُولِجُ وَفِي تُخْرِجُ وَفِي مُتَعَلِّقَيْهِمَا. وَالِاتِّسَاعُ في جعل: في،
(١) سورة الأنعام: ٦/ ١٢٢.
(٢) سورة يس: ٣٦/ ٣٣.
(٣) سورة الحجرات: ٤٩/ ١٢.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢١٢ و ٢١٣.
(٢) سورة يس: ٣٦/ ٣٣.
(٣) سورة الحجرات: ٤٩/ ١٢.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢١٢ و ٢١٣.
90
بِمَعْنَى: عَلَى، عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أَيْ عَلَى النَّهَارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أَيْ عَلَى اللَّيْلِ. وَعَبَّرَ بِالْإِيلَاجِ عَنِ الْعُلُوِّ وَالتَّغْشِيَةِ.
وَالنَّفْيُ الْمُتَضَمِّنُ الْأَمْرَ فِي لَا رَيْبَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ، أَيْ لَا تَرْتَابُوا فِيهِ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي مالِكَ الْمُلْكِ وَالطِّبَاقُ: فِي: تُؤْتِي وَتَنْزِعُ، وَتُعِزُّ وَتُذِلُّ، وَفِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفِي الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. وَرَدُّ الْعَجْزِ عَلَى الصَّدْرِ فِي: تُولِجُ، وَمَا بَعْدَهُ، وَالْحَذْفُ وَهُوَ فِي مَوَاضِعَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الْكَلَامِ عَلَى تَقْدِيرِهَا. كَقَوْلِهِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ أَيْ مَنْ تَشَاءُ أَنْ تُؤْتِيَهُ. وَالْإِسْنَادُ الْمَجَازِيُّ فِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَسْنَدَ الْحُكْمَ إِلَى الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ فَهُوَ سَبَبُ الْحُكْمِ.
وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنِهِ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إِلَى بِغَيْرِ حِسَابٍ. ويقول رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، تُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. فَلَوْ كَانَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَأَدَّاهُ اللَّهُ».
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، كَانَ لَهُ حُلَفَاءُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ. وَقِيلَ: فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَوَالَوْنَ الْيَهُودَ. وَقِيلَ: فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمُ: الْحَجَّاجُ بْنُ عُمَرَ، وَكَهْمَسُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَقَيْسُ بْنُ يَزِيدَ، كَانُوا يُبَاطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَنَهَاهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ، فَأَبَوْا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَغَيْرِهِ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ.
وَمَعْنَى: اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ: اللُّطْفُ بِهِمْ فِي الْمُعَاشَرَةِ، وَذَلِكَ لِقَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ. قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَوْ يَدٍ سَابِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، وَالْمَنْهِيُّونَ هُنَا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الْإِيمَانَ، فَالنَّهْيُ هُنَا إِنَّمَا مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ، وَاللُّطْفُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ. وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» الْآيَةَ، وَالْمَحَبَّةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَا يَتَّخِذِ، عَلَى النَّهْيِ. وَقَرَأَ الضَّبِّيُّ بِرَفْعِ الذَّالِ عَلَى النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَقَدْ أَجَازَ الْكِسَائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ كَقِرَاءَةِ الضَّبِّيِّ.
وَالنَّفْيُ الْمُتَضَمِّنُ الْأَمْرَ فِي لَا رَيْبَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ، أَيْ لَا تَرْتَابُوا فِيهِ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي مالِكَ الْمُلْكِ وَالطِّبَاقُ: فِي: تُؤْتِي وَتَنْزِعُ، وَتُعِزُّ وَتُذِلُّ، وَفِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفِي الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. وَرَدُّ الْعَجْزِ عَلَى الصَّدْرِ فِي: تُولِجُ، وَمَا بَعْدَهُ، وَالْحَذْفُ وَهُوَ فِي مَوَاضِعَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الْكَلَامِ عَلَى تَقْدِيرِهَا. كَقَوْلِهِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ أَيْ مَنْ تَشَاءُ أَنْ تُؤْتِيَهُ. وَالْإِسْنَادُ الْمَجَازِيُّ فِي لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَسْنَدَ الْحُكْمَ إِلَى الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ فَهُوَ سَبَبُ الْحُكْمِ.
وَرُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ دَيْنِهِ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إِلَى بِغَيْرِ حِسَابٍ. ويقول رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، تُعْطِي مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. فَلَوْ كَانَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَأَدَّاهُ اللَّهُ».
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، كَانَ لَهُ حُلَفَاءُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ. وَقِيلَ: فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَوَالَوْنَ الْيَهُودَ. وَقِيلَ: فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمُ: الْحَجَّاجُ بْنُ عُمَرَ، وَكَهْمَسُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَقَيْسُ بْنُ يَزِيدَ، كَانُوا يُبَاطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَنَهَاهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ، فَأَبَوْا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَغَيْرِهِ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ.
وَمَعْنَى: اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ: اللُّطْفُ بِهِمْ فِي الْمُعَاشَرَةِ، وَذَلِكَ لِقَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ. قَبْلَ الْإِسْلَامِ، أَوْ يَدٍ سَابِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، وَالْمَنْهِيُّونَ هُنَا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الْإِيمَانَ، فَالنَّهْيُ هُنَا إِنَّمَا مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالْمَيْلِ إِلَيْهِمْ، وَاللُّطْفُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ. وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» الْآيَةَ، وَالْمَحَبَّةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَا يَتَّخِذِ، عَلَى النَّهْيِ. وَقَرَأَ الضَّبِّيُّ بِرَفْعِ الذَّالِ عَلَى النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَقَدْ أَجَازَ الْكِسَائِيُّ فِيهِ الرَّفْعَ كَقِرَاءَةِ الضَّبِّيِّ.
(١) سورة المجادلة: ٥٨/ ٢٢.
91
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَمِنُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِالْأَفْعَالِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا، ذَكَرَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ، وَكَانَتِ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ فِي الْكُفَّارِ فَنُهُوا عَنْ مُوَالَاتِهِمْ وَأُمِرُوا بِالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَوْلِيَائِهِ دُونَ أَعْدَائِهِ إِذْ هُوَ تَعَالَى مَالِكُ الْمُلْكِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مُوَالَاتِهِمْ إِلَّا مَا فَسَحَ لَنَا فِيهِ مِنَ اتِّخَاذِهِمْ عَبِيدًا، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمُ اسْتِعَانَةَ الْعَزِيزِ بِالذَّلِيلِ، وَالْأَرْفَعِ بِالْأَوْضَعِ، وَالنِّكَاحِ فِيهِمْ. فَهَذَا كُلُّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْمُوَالَاةِ أُذِنَ لَنَا فِيهِ، وَلَسْنَا مَمْنُوعِينَ مِنْهُ، فَالنَّهْيُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ.
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: مِنْ دُونِ، فِي قَوْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَ: يَتَّخِذِ، هُنَا متعدية إلى اثنين، و: من دُونِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: لَا يتخذ، وَ: مِنْ، لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: أَيْ لَا تَجْعَلُوا ابْتِدَاءَ الْوِلَايَةِ مِنْ مَكَانٍ دُونَ مَكَانِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَرْكِ الْمُوَالَاةِ، إِذْ نَفَى عَنْ مُتَوَلِّيهِمْ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَلَيْسَ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ. وَقِيلَ: مِنْ دِينِهِ. وَقِيلَ: مِنْ عِبَادَتِهِ. وَقِيلَ:
مِنْ حِزْبِهِ. وَخَبَرُ: لَيْسَ، هُوَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْفَائِدَةُ، وَهِيَ: في شيء، و: مِنَ اللَّهِ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِفَةً لِشَيْءٍ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ. وَ: مِنْ، تَبْعِيضِيَّةٌ نَفَى وِلَايَةَ اللَّهِ عَنْ مَنِ اتَّخَذَ عَدُوَّهُ وَلِيًّا، لِأَنَّ الْوِلَايَتَيْنِ مُتَنَافِيَتَانِ، قَالَ:
وَتَشْبِيهُ مَنْ شَبَّهَ الْآيَةَ بِبَيْتِ النَّابِغَةِ:
لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّ: مِنْكَ وَمِنِّي، خَبَرُ لَيْسَ، وَتَسْتَقِلُّ بِهِ الْفَائِدَةُ. وَفِي الْآيَةِ الْخَبَرُ قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ، فَلَيْسَ الْبَيْتُ كَالْآيَةِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ مُوَالَاتِهِمْ إِلَّا مَا فَسَحَ لَنَا فِيهِ مِنَ اتِّخَاذِهِمْ عَبِيدًا، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمُ اسْتِعَانَةَ الْعَزِيزِ بِالذَّلِيلِ، وَالْأَرْفَعِ بِالْأَوْضَعِ، وَالنِّكَاحِ فِيهِمْ. فَهَذَا كُلُّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْمُوَالَاةِ أُذِنَ لَنَا فِيهِ، وَلَسْنَا مَمْنُوعِينَ مِنْهُ، فَالنَّهْيُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ.
مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: مِنْ دُونِ، فِي قَوْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَ: يَتَّخِذِ، هُنَا متعدية إلى اثنين، و: من دُونِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: لَا يتخذ، وَ: مِنْ، لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: أَيْ لَا تَجْعَلُوا ابْتِدَاءَ الْوِلَايَةِ مِنْ مَكَانٍ دُونَ مَكَانِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَرْكِ الْمُوَالَاةِ، إِذْ نَفَى عَنْ مُتَوَلِّيهِمْ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَلَيْسَ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ. وَقِيلَ: مِنْ دِينِهِ. وَقِيلَ: مِنْ عِبَادَتِهِ. وَقِيلَ:
مِنْ حِزْبِهِ. وَخَبَرُ: لَيْسَ، هُوَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْفَائِدَةُ، وَهِيَ: في شيء، و: مِنَ اللَّهِ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِفَةً لِشَيْءٍ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ. وَ: مِنْ، تَبْعِيضِيَّةٌ نَفَى وِلَايَةَ اللَّهِ عَنْ مَنِ اتَّخَذَ عَدُوَّهُ وَلِيًّا، لِأَنَّ الْوِلَايَتَيْنِ مُتَنَافِيَتَانِ، قَالَ:
| تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي | صَدِيقُكَ، لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ |
| إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورًا | فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي |
(١) سورة الْبَقَرَةِ: ٢/ ٢٣.
92
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مَعْنَاهُ فِي شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلَى الْكَمَالِ وَالصَّوَابِ، وَهَذَا
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «من غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ مُضَافٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ وَالتَّزَلُّفِ. وَنَحْوُ هَذَا مَقُولُهُ: فِي شَيْءٍ، هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ اللَّهِ خَبَرًا لِلَيْسَ، إِذْ لَا يَسْتَقِلُّ. فَقَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ، هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونُ خَبَرًا، فَيَبْقَى: لَيْسَ، عَلَى قَوْلِهِ لَا يَكُونُ لَهَا خَبَرٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَتَشْبِيهُهُ
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِي بَيْتِ النَّابِغَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَةِ.
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّعٌ مِنَ الْمَفْعُولِ لَهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَّخِذُوا كَافِرًا وَلِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِسَبَبِ التَّقِيَّةِ، فَيَجُوزُ إِظْهَارُ الْمُوَالَاةِ بِاللَّفْظِ وَالْفِعْلِ دُونَ مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَالضَّمِيرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّقِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا مُدَارَاةٌ ظَاهِرَةٌ. وَقَالَ:
يَكُونُ مَعَ الْكُفَّارِ أَوْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَيَتَّقِيهِمْ بِلِسَانِهِ، وَلَا مَوَدَّةَ لَهُمْ فِي قَلْبِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ، أَوْ يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ فَيَخَافُونَهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُحَالِفُوهُمْ وَيُدَارُوهُمْ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَقَلْبُهُمْ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَالِطُوا النَّاسَ وَزَايِلُوهُمْ وَعَامِلُوهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ، وَدِينُكُمْ فَلَا تُثْلِمُوهُ.
وَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: خَالِصِ الْمُؤْمِنَ وَخَالِقِ الْكَافِرِ، إِنَّ الْكَافِرَ يَرْضَى مِنْكَ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الصَّادِقُ: التَّقِيَّةُ وَاجِبَةٌ، إِنِّي لَأَسْمَعُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِالسَّارِيَةِ لِئَلَّا يَرَانِي.
وَقَالَ: الرِّيَاءُ مَعَ الْمُؤْمِنِ شِرْكٌ، وَمَعَ الْمُنَافِقِ عِبَادَةٌ.
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي جَدَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الدِّينِ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّقُوهُمْ بِأَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقِيَّةَ فِي الْقَتْلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا قَطِيعَةَ الرَّحِمِ فَخَالِطُوهُمْ فِي الدُّنْيَا.
وَفِي قَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى نَظْمِ الْأَوَّلِ لَكَانَ: إِلَّا أَنْ يَتَّقُوا، بِالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْفَلَ، وَهَذَا النَّوْعُ فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ،
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: «من غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ مُضَافٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ وَالتَّزَلُّفِ. وَنَحْوُ هَذَا مَقُولُهُ: فِي شَيْءٍ، هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ اللَّهِ خَبَرًا لِلَيْسَ، إِذْ لَا يَسْتَقِلُّ. فَقَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ، هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونُ خَبَرًا، فَيَبْقَى: لَيْسَ، عَلَى قَوْلِهِ لَا يَكُونُ لَهَا خَبَرٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَتَشْبِيهُهُ
بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِي بَيْتِ النَّابِغَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَةِ.
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّعٌ مِنَ الْمَفْعُولِ لَهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَتَّخِذُوا كَافِرًا وَلِيًّا لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِسَبَبِ التَّقِيَّةِ، فَيَجُوزُ إِظْهَارُ الْمُوَالَاةِ بِاللَّفْظِ وَالْفِعْلِ دُونَ مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَالضَّمِيرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّقِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا مُدَارَاةٌ ظَاهِرَةٌ. وَقَالَ:
يَكُونُ مَعَ الْكُفَّارِ أَوْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَيَتَّقِيهِمْ بِلِسَانِهِ، وَلَا مَوَدَّةَ لَهُمْ فِي قَلْبِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا كَانَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ، أَوْ يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ فَيَخَافُونَهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُحَالِفُوهُمْ وَيُدَارُوهُمْ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَقَلْبُهُمْ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَالِطُوا النَّاسَ وَزَايِلُوهُمْ وَعَامِلُوهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ، وَدِينُكُمْ فَلَا تُثْلِمُوهُ.
وَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: خَالِصِ الْمُؤْمِنَ وَخَالِقِ الْكَافِرِ، إِنَّ الْكَافِرَ يَرْضَى مِنْكَ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الصَّادِقُ: التَّقِيَّةُ وَاجِبَةٌ، إِنِّي لَأَسْمَعُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ يَشْتُمُنِي فَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِالسَّارِيَةِ لِئَلَّا يَرَانِي.
وَقَالَ: الرِّيَاءُ مَعَ الْمُؤْمِنِ شِرْكٌ، وَمَعَ الْمُنَافِقِ عِبَادَةٌ.
وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي جَدَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الدِّينِ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّقُوهُمْ بِأَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقِيَّةَ فِي الْقَتْلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا قَطِيعَةَ الرَّحِمِ فَخَالِطُوهُمْ فِي الدُّنْيَا.
وَفِي قَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا الْتِفَاتٌ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى نَظْمِ الْأَوَّلِ لَكَانَ: إِلَّا أَنْ يَتَّقُوا، بِالْيَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَسْفَلَ، وَهَذَا النَّوْعُ فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ،
93
لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ نُهُوا عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ، جَعَلَ ذَلِكَ فِي اسْمٍ غَائِبٍ، فَلَمْ يُوَاجَهُوا بِالنَّهْيِ، وَلَمَّا وَقَعَتِ الْمُسَامَحَةُ وَالْإِذْنُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ وَوُجِّهُوا بِذَلِكَ إِيذَانًا بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ، وَتَشْرِيفًا بِخِطَابِهِ إِيَّاهُمْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُقَاةً، وَأَصْلُهُ: وُقِيَّةً، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً، كَمَا أَبْدَلُوهَا فِي: تُجَاهٍ وَتُكَاهٍ، وَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى فِعْلَةٍ: كَالتُّؤْدَةِ وَالتُّخْمَةِ، وَالْمَصْدَرُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ فِعْلَةٍ جَاءَ قَلِيلًا. وَجَاءَ مصدرا على غير المصدر، إِذْ لَوْ جَاءَ عَلَى الْمَقِيسِ لَكَانَ: اتِّقَاءُ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا «١» وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَالْمَعْنَى: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ خَوْفًا. وَأَمَالَ الْكِسَائِيُّ: تُقَاةً، وَحَقَّ تُقَاتِهِ، وَوَافَقَهُ حَمْزَةُ هُنَا وَقَرَأَ وَرْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَفَتَحَ الْبَاقُونَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْ جِهَتِهِمْ أَمْرًا يَجِبُ اتقاؤه. وقرىء: تَقِيَّةً. وَقِيلَ:
لِلْمُتَّقِي تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الْأَمِيرِ لِمَضْرُوبِهِ. انْتَهَى. فَجَعَلَ: تُقَاةً، مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، فَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ إِلَّا أَنْ تَخَافُوا أَمْرًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: تُقَاةً، مِثْلَ: رُمَاةً، حَالًا مِنْ: تَتَّقُوا، وَهُوَ جَمْعُ فَاعِلٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ فَاعِلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ تَقِيٍّ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَتَكُونُ الْحَالُ مُؤَكِّدَةً لِأَنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ وَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ جَمْعًا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ جَمْعُ: تَقِيٍّ، لَكَانَ أَتْقِيَاءً، كَغَنِيٍّ وَأَغْنِيَاءَ، وَقَوْلُهُمْ: كَمِيٌّ وَكَمَاةٌ، شَاذٌّ فَلَا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَصْدَرِيَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «٢» الْمَعْنَى حَقَّ اتِّقَائِهِ، وَحَسُنَ مَجِيءُ الْمَصْدَرِ هَكَذَا ثُلَاثِيًّا أَنَّهُمْ قَدْ حَذَفُوا:
اتَّقَى، حَتَّى صَارَ: تَقِيَ يَتَّقِي، تَقِ اللَّهَ فَصَارَ كَأَنَّهُ مَصْدَرٌ لِثُلَاثِيٍّ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ، وَحُمَيْدُ بن قَيْسٍ، وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ: تَقِيَّةً عَلَى وَزْنِ مَطِيَّةٍ وَجَنِيَّةٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ: فَعِيلَةٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ نَحْوَ: النَّمِيمَةِ. وَكَوْنُهُ مِنِ افتعل نادر.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُقَاةً، وَأَصْلُهُ: وُقِيَّةً، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً، كَمَا أَبْدَلُوهَا فِي: تُجَاهٍ وَتُكَاهٍ، وَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى فِعْلَةٍ: كَالتُّؤْدَةِ وَالتُّخْمَةِ، وَالْمَصْدَرُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ فِعْلَةٍ جَاءَ قَلِيلًا. وَجَاءَ مصدرا على غير المصدر، إِذْ لَوْ جَاءَ عَلَى الْمَقِيسِ لَكَانَ: اتِّقَاءُ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا «١» وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
| وَلَاحَ بِجَانِبِ الْجَبَلَيْنِ مِنْهُ | رُكَامٌ يَحْفُرُ الْأَرْضَ احْتِفَارًا |
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْ جِهَتِهِمْ أَمْرًا يَجِبُ اتقاؤه. وقرىء: تَقِيَّةً. وَقِيلَ:
لِلْمُتَّقِي تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ، كَقَوْلِهِمْ: ضَرْبُ الْأَمِيرِ لِمَضْرُوبِهِ. انْتَهَى. فَجَعَلَ: تُقَاةً، مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، فَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ إِلَّا أَنْ تَخَافُوا أَمْرًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: تُقَاةً، مِثْلَ: رُمَاةً، حَالًا مِنْ: تَتَّقُوا، وَهُوَ جَمْعُ فَاعِلٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ فَاعِلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ تَقِيٍّ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَتَكُونُ الْحَالُ مُؤَكِّدَةً لِأَنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ وَتَجْوِيزُ كَوْنِهِ جَمْعًا ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ جَمْعُ: تَقِيٍّ، لَكَانَ أَتْقِيَاءً، كَغَنِيٍّ وَأَغْنِيَاءَ، وَقَوْلُهُمْ: كَمِيٌّ وَكَمَاةٌ، شَاذٌّ فَلَا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَصْدَرِيَّةِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «٢» الْمَعْنَى حَقَّ اتِّقَائِهِ، وَحَسُنَ مَجِيءُ الْمَصْدَرِ هَكَذَا ثُلَاثِيًّا أَنَّهُمْ قَدْ حَذَفُوا:
اتَّقَى، حَتَّى صَارَ: تَقِيَ يَتَّقِي، تَقِ اللَّهَ فَصَارَ كَأَنَّهُ مَصْدَرٌ لِثُلَاثِيٍّ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَيْوَةَ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ، وَحُمَيْدُ بن قَيْسٍ، وَالْمُفَضَّلُ عَنْ عَاصِمٍ: تَقِيَّةً عَلَى وَزْنِ مَطِيَّةٍ وَجَنِيَّةٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ: فَعِيلَةٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ نَحْوَ: النَّمِيمَةِ. وَكَوْنُهُ مِنِ افتعل نادر.
(١) سورة المزمل: ٧٣/ ٨.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٠٢. [.....]
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٠٢. [.....]
94
وظاهر الآية يقتضي جواز مُوَالَاتِهِمْ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا فِي التَّقِيَّةِ، إِذْ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْآيَةِ، فَقَالُوا: أَمَّا الْمُوَالَاةُ بِالْقَلْبِ فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَحْرِيمِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُوَالَاةُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ تَقِيَّةٍ، وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّظَرُ فِي التَّقِيَّةِ يَكُونُ فِيمَنْ يُتَّقَى مِنْهُ؟ وَفِيمَا يُبِيحُهَا؟ وَبِأَيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؟ فَأَمَّا مَنْ يُتَّقَى مِنْهُ فَكُلُّ قَادِرٍ غَالِبٍ يُكْرَهُ بِجَوْرٍ مِنْهُ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: الْكُفَّارُ، وَجَوَرَةُ الرُّؤَسَاءِ، وَالسَّلَّابَةُ، وَأَهْلُ الْجَاهِ فِي الْحَوَاضِرِ. قَالَ مَالِكٌ: وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ قَدْ يُكْرَهُ وَأَمَّا ما يببحها: فَالْقَتْلُ، وَالْخَوْفُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وَالْوَعِيدُ، وَعَدَاوَةُ أَهْلِ الْجَاهِ الْجَوْرَةِ. وَأَمَّا بِأَيِّ شَيْءٍ تَكُونُ مِنَ الْأَقْوَالِ؟ فَبِالْكُفْرِ فَمَا دُونَهُ مِنْ: بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا مِنَ الْأَفْعَالِ: فَكُلُّ مُحَرَّمٍ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: إِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ، وَهَذَا شَاذٌّ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: التَّقِيَّةُ تَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرَّبِيعِ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَظْهَرَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ فِيهِ إِعْزَازُ الدِّينِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ: إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِلُ يَجْهَلُ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟ وَالَّذِي نَقَلَ إِلَيْنَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ، وَتَابِعِيَهُمْ، بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَأَنَّهُمْ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَلَا سَطْوَةَ جَبَّارٍ ظَالِمٍ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنَّمَا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالدِّينِ، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرُورَةً إِلَى الْغَيْرِ: كَالْقَتْلِ، وَالزِّنَا، وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ، وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَاطِّلَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَغَيْرُ جَائِزٍ الْبَتَّةَ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ، إِلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا شَاكَلَتِ الْحَالَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ جَازَتِ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَنِ النَّفْسِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ وَالْمَالِ. انْتَهَى.
قِيلَ: وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ فِي شَيْءٍ، فَإِذَا كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ وَلَا تَزَوُّجٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: إِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ، وَهَذَا شَاذٌّ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: التَّقِيَّةُ تَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرَّبِيعِ، وَالضَّحَّاكِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: التَّقِيَّةُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَظْهَرَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَمْرٍ فِيهِ إِعْزَازُ الدِّينِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ: إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِلُ يَجْهَلُ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟ وَالَّذِي نَقَلَ إِلَيْنَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ، وَتَابِعِيَهُمْ، بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ. وَأَنَّهُمْ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَلَا سَطْوَةَ جَبَّارٍ ظَالِمٍ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنَّمَا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالدِّينِ، وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرُورَةً إِلَى الْغَيْرِ: كَالْقَتْلِ، وَالزِّنَا، وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ، وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَاطِّلَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَغَيْرُ جَائِزٍ الْبَتَّةَ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ، إِلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا شَاكَلَتِ الْحَالَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ جَازَتِ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَنِ النَّفْسِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ وَالْمَالِ. انْتَهَى.
قِيلَ: وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ فِي شَيْءٍ، فَإِذَا كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفٍ وَلَا تَزَوُّجٍ وَلَا غَيْرِهِ.
95
قِيلَ: وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَعْقِلُ جِنَايَةَ الْمُسْلِمِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ لَا يَعْقِلُ جِنَايَتَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَطْشَهُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَفْسَهُ أَيْ: إِيَّاهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
أَرَادَ إِذَا الْبَخِيلُ تَجَهَّمَ سُؤَالُهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذِهِ مُخَاطَبَةٌ عَلَى مَعْهُودِ مَا يَفْهَمُهُ الْبَشَرُ، وَالنَّفْسُ فِي مِثْلِ هَذَا رَاجِعٌ إِلَى الذَّاتِ. وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ مُضَافٌ لِأَنَّ التَّحْذِيرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِقَابٍ وَتَنْكِيلٍ وَنَحْوِهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقَابَهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَمَّا نَهَاهُمْ تَعَالَى عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ، حَذَّرَهُمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ بِمُوَالَاةِ أَعَدَائِهِ قَالَ:
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أَيْ: صَيْرُورَتُكُمْ وَرُجُوعُكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ إِنِ ارْتَكَبْتُمْ مُوَالَاتِهُمْ بَعْدَ النَّهْيِ. وَفِي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ.
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَاخِرِ آيِ الْبَقَرَةِ، وَهُنَاكَ قُدِّمَ الْإِبْدَاءُ عَلَى الْإِخْفَاءِ، وَهُنَا قُدِّمَ الْإِخْفَاءُ عَلَى الْإِبْدَاءِ، وَجَعَلَ مَحَلَّهُمَا مَا فِي الصُّدُورِ، وَأَتَى جَوَابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي الْفَصَاحَةِ. وَالْمَفْهُومُ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ، لَا يَتَفَاوَتُ عِلْمُهُ تَعَالَى بِخَفَايَاهَا، وَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا فِيهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شرًا فَشَرٌّ. وَفِي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ، وَتَحْذِيرٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ، وَذِكْرِ عُمُومٍ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَصَارَ عِلْمُهُ بِمَا فِي صُدُورِهِمْ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أَحَدُهُمَا:
بِالْخُصُوصِ، وَالْآخَرُ: بِالْعُمُومِ، إِذْ هُمْ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ.
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَحْوَالِهِمْ مِنَ الْمُجَازَاةِ عَلَى مَا أَكَنَّتْهُ صُدُورُهُمْ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ لِأَنَّ نَفْسَهُ، وَهِيَ ذَاتُهُ الْمُتَمَيِّزَةُ مِنْ سَائِرِ الذَّوَاتِ، مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذَاتِيٍّ لَا يَخْتَصُّ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ، فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَعْلُومَاتِ كُلِّهَا وَبِقُدْرَةٍ ذَاتِيَّةٍ لَا تَخْتَصُّ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَطْشَهُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: نَفْسَهُ أَيْ: إِيَّاهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
| يَوْمًا بِأَجْوَدَ نَائِلًا مِنْهُ إِذَا | نَفْسُ الْجَبَانِ تَجَهَّمَتْ سُؤَالُهُا |
وَلَمَّا نَهَاهُمْ تَعَالَى عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ، حَذَّرَهُمْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ بِمُوَالَاةِ أَعَدَائِهِ قَالَ:
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أَيْ: صَيْرُورَتُكُمْ وَرُجُوعُكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ إِنِ ارْتَكَبْتُمْ مُوَالَاتِهُمْ بَعْدَ النَّهْيِ. وَفِي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ.
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَاخِرِ آيِ الْبَقَرَةِ، وَهُنَاكَ قُدِّمَ الْإِبْدَاءُ عَلَى الْإِخْفَاءِ، وَهُنَا قُدِّمَ الْإِخْفَاءُ عَلَى الْإِبْدَاءِ، وَجَعَلَ مَحَلَّهُمَا مَا فِي الصُّدُورِ، وَأَتَى جَوَابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي الْفَصَاحَةِ. وَالْمَفْهُومُ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ، لَا يَتَفَاوَتُ عِلْمُهُ تَعَالَى بِخَفَايَاهَا، وَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا فِيهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شرًا فَشَرٌّ. وَفِي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ، وَتَحْذِيرٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ، وَذِكْرِ عُمُومٍ بَعْدَ خُصُوصٍ، فَصَارَ عِلْمُهُ بِمَا فِي صُدُورِهِمْ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أَحَدُهُمَا:
بِالْخُصُوصِ، وَالْآخَرُ: بِالْعُمُومِ، إِذْ هُمْ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ.
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى بِأَحْوَالِهِمْ مِنَ الْمُجَازَاةِ عَلَى مَا أَكَنَّتْهُ صُدُورُهُمْ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ لِأَنَّ نَفْسَهُ، وَهِيَ ذَاتُهُ الْمُتَمَيِّزَةُ مِنْ سَائِرِ الذَّوَاتِ، مُتَّصِفَةٌ بِعِلْمٍ ذَاتِيٍّ لَا يَخْتَصُّ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ، فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَعْلُومَاتِ كُلِّهَا وَبِقُدْرَةٍ ذَاتِيَّةٍ لَا تَخْتَصُّ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى الْمَقْدُورَاتِ
96
كُلِّهَا، فَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تُحْذَرَ وَتُتَّقَى، فَلَا يَجْسُرُ أَحَدٌ عَلَى قَبِيحٍ، وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ وَاجِبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُطَّلَعٌ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ، فَلَاحِقٌ بِهِ الْعَذَابُ. انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَشْيَاخُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَمُوَافَقَةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً اخْتُلِفَ فِي الْعَامِلِ فِي: يَوْمَ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَامِلُ فِيهِ: وَيُحَذِّرُكُمْ، وَرَجَّحَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: الْعَامِلُ فِيهِ: الْمَصِيرُ. وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْعَامِلُ فِيهِ: قَدِيرٌ، وَقَالَ أَيْضًا: فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا، وَيَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ:
وَيُحَذِّرُكُمْ، لِطُولِ الْفَصْلِ. هَذَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَلِأَنَّ التَّحْذِيرَ مَوْجُودٌ، وَالْيَوْمَ مَوْعُودٌ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْعَمَلُ فِيهِ، وَيَضْعُفُ انْتِصَابُهُ: بِالْمَصِيرِ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَمَعْمُولِهِ، وَيَضْعُفُ نَصْبُهُ: بِقَدِيرٍ، لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، بَلْ هُوَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالْقُدْرَةِ دَائِمًا. وَأَمَّا نَصْبُهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، فَالْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَوْمَ تَجِدُ منصوب: بتود، وَالضَّمِيرُ فِي: بَيْنَهُ، لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا حَاضِرَيْنِ تَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ لَهُ أَمَدًا بَعِيدًا. انْتَهَى هَذَا التَّخْرِيجُ.
وَالظَّاهِرُ فِي بادىء النَّظَرِ حُسْنُهُ وَتَرْجِيحُهُ، إِذْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مُضْعِفَاتِ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ، لَكِنْ فِي جَوَازِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا خِلَافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ، وَهِيَ: إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا عَائِدًا عَلَى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِالْمَعْمُولِ لِلْفِعْلِ، نَحْوَ: غُلَامَ هِنْدٍ ضَرَبْتُ، وَثَوْبَيْ أَخَوَيْكَ يَلْبَسَانِ، وَمَالُ زَيْدٍ أُخِذَ، فَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ، وَهِشَامٌ، وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ: إِلَى جَوَازِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَمِنْهَا الْآيَةُ عَلَى تَخْرِيجِ الزمخشري، لأن الفاعل: بتودّ، هُوَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِمَعْمُولِ: تَوَدُّ، وَهُوَ: يَوْمَ، لِأَنَّ: يَوْمَ، مُضَافٌ إِلَى: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، وَالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وُجْدَانِ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ.
وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَأَمْثَالَهَا لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا الْمَعْمُولَ فَضْلَةٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ، وَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ الْمَعْمُولِ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الْفَاعِلُ
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً اخْتُلِفَ فِي الْعَامِلِ فِي: يَوْمَ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْعَامِلُ فِيهِ: وَيُحَذِّرُكُمْ، وَرَجَّحَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: الْعَامِلُ فِيهِ: الْمَصِيرُ. وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْعَامِلُ فِيهِ: قَدِيرٌ، وَقَالَ أَيْضًا: فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَقْدِيرُهُ: اتَّقُوا، وَيَضْعُفُ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ:
وَيُحَذِّرُكُمْ، لِطُولِ الْفَصْلِ. هَذَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَلِأَنَّ التَّحْذِيرَ مَوْجُودٌ، وَالْيَوْمَ مَوْعُودٌ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْعَمَلُ فِيهِ، وَيَضْعُفُ انْتِصَابُهُ: بِالْمَصِيرِ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَمَعْمُولِهِ، وَيَضْعُفُ نَصْبُهُ: بِقَدِيرٍ، لِأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ دُونَ يَوْمٍ، بَلْ هُوَ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالْقُدْرَةِ دَائِمًا. وَأَمَّا نَصْبُهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، فَالْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَوْمَ تَجِدُ منصوب: بتود، وَالضَّمِيرُ فِي: بَيْنَهُ، لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، حِينَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا حَاضِرَيْنِ تَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ لَهُ أَمَدًا بَعِيدًا. انْتَهَى هَذَا التَّخْرِيجُ.
وَالظَّاهِرُ فِي بادىء النَّظَرِ حُسْنُهُ وَتَرْجِيحُهُ، إِذْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مُضْعِفَاتِ الْأَقْوَالِ السَّابِقَةِ، لَكِنْ فِي جَوَازِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا خِلَافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ، وَهِيَ: إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا عَائِدًا عَلَى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِالْمَعْمُولِ لِلْفِعْلِ، نَحْوَ: غُلَامَ هِنْدٍ ضَرَبْتُ، وَثَوْبَيْ أَخَوَيْكَ يَلْبَسَانِ، وَمَالُ زَيْدٍ أُخِذَ، فَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ، وَهِشَامٌ، وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ: إِلَى جَوَازِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَمِنْهَا الْآيَةُ عَلَى تَخْرِيجِ الزمخشري، لأن الفاعل: بتودّ، هُوَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى شَيْءٍ اتَّصَلَ بِمَعْمُولِ: تَوَدُّ، وَهُوَ: يَوْمَ، لِأَنَّ: يَوْمَ، مُضَافٌ إِلَى: تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، وَالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وُجْدَانِ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ.
وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَأَمْثَالَهَا لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا الْمَعْمُولَ فَضْلَةٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ، وَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ ذِكْرُ الْمَعْمُولِ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ الْفَاعِلُ
97
عَلَى مَا اتَّصَلَ بِهِ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ امْتَنَعَ: زَيْدًا ضَرَبَ، وَزَيْدًا ظَنَّ قَائِمًا. وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيِ: الْمَرْءُ فِي وَقْتِ ابْتِغَائِهِ حُصُولَ الْأَمَانِي يَسْتَحِثُّ أَجْلَهُ ولا يشعر.
و: تجد، الظَّاهِرُ أَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى وَاحِدٍ وَهُوَ: مَا عَمِلَتْ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى نَصِيبٍ، وَيَكُونُ: مُحْضَرًا، مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ. وَقِيلَ: تَجِدُ، هُنَا بِمَعْنَى: تَعْلَمُ، فَتَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، وَيَنْتَصِبُ: مُحْضَرًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهَا، وَمَا، فِي: مَا عَمِلَتْ، مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ عَلَيْهَا مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ: عَمَلُهَا، وَيُرَادُ بِهِ إِذْ ذَاكَ اسْمُ الْمَفْعُولِ، أَيْ: مَعْمُولُهَا، فَقَوْلُهُ: مَا عَمِلَتْ، هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: جَزَاءَ مَا عَمِلَتْ وَثَوَابَهُ.
قِيلَ: وَمَعْنَى: مُحْضَرًا عَلَى هَذَا مُوَفَّرًا غَيْرَ مَبْخُوسٍ. وَقِيلَ: تَرَى مَا عَمِلَتْ مَكْتُوبًا فِي الصُّحُفِ مُحْضَرًا إِلَيْهَا تَبْشِيرًا لَهَا، لِيَكُونَ الثَّوَابُ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ الْعَمَلِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مُحْضَرًا، بِفَتْحِ الضَّادِ، اسْمُ مَفْعُولٍ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: مُحْضِرًا بِكَسْرِ الضَّادِ، أَيْ مُحْضِرًا الْجَنَّةَ أَوْ مُحْضِرًا مُسْرِعًا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَحْضَرَ الْفَرَسَ، إِذَا جَرَى وأسرع.
و: مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْطُوفًا عَلَى: مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي إِنْ كَانَ: تَجِدُ، مُتَعَدِّيَةً إِلَيْهِمَا، أَوِ الْحَالُ إِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ مَحْذُوفًا، أَيْ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًا. وَذَلِكَ نَحْوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا وَعَمْرًا، إِذَا أَرَدْتَ: وَعَمْرًا قَائِمًا، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، مُسْتَأْنَفًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: وَادَّةٌ تُبَاعِدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي بَيْنَهُ عَائِدًا عَلَى مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، وَأَبْعَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي عَوْدِهِ عَلَى الْيَوْمِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ اللذين أحضر لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ: الْخَيْرُ الَّذِي عَمِلَهُ، وَلَا يُطْلَبُ تَبَاعُدُ وَقْتِ إِحْضَارِ الْخَيْرِ إِلَّا بِتَجَوُّزٍ إِذَا كَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى إِحْضَارِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَتَوَدُّ تَبَاعُدُهُ لِتَسْلَمَ مِنَ الشَّرِّ، وَدَعْهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْخَيْرُ. وَالْأَوْلَى: عَوْدُهُ عَلَى: مَا عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ السُّوءَ يَتَمَنَّى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ التَّبَاعُدَ مِنْهُ، وَإِلَى عَطْفِ: مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، عَلَى: مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَكَوْنِ، تَوَدُّ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ،
| أَجَلُ الْمَرْءِ يُسْتَحَثُّ وَلَا يَدْ | رِي إِذَا يَبْتَغِي حُصُولَ الْأَمَانِي |
و: تجد، الظَّاهِرُ أَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى وَاحِدٍ وَهُوَ: مَا عَمِلَتْ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى نَصِيبٍ، وَيَكُونُ: مُحْضَرًا، مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ. وَقِيلَ: تَجِدُ، هُنَا بِمَعْنَى: تَعْلَمُ، فَتَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، وَيَنْتَصِبُ: مُحْضَرًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهَا، وَمَا، فِي: مَا عَمِلَتْ، مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ عَلَيْهَا مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ: عَمَلُهَا، وَيُرَادُ بِهِ إِذْ ذَاكَ اسْمُ الْمَفْعُولِ، أَيْ: مَعْمُولُهَا، فَقَوْلُهُ: مَا عَمِلَتْ، هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: جَزَاءَ مَا عَمِلَتْ وَثَوَابَهُ.
قِيلَ: وَمَعْنَى: مُحْضَرًا عَلَى هَذَا مُوَفَّرًا غَيْرَ مَبْخُوسٍ. وَقِيلَ: تَرَى مَا عَمِلَتْ مَكْتُوبًا فِي الصُّحُفِ مُحْضَرًا إِلَيْهَا تَبْشِيرًا لَهَا، لِيَكُونَ الثَّوَابُ بَعْدَ مُشَاهَدَةِ الْعَمَلِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: مُحْضَرًا، بِفَتْحِ الضَّادِ، اسْمُ مَفْعُولٍ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: مُحْضِرًا بِكَسْرِ الضَّادِ، أَيْ مُحْضِرًا الْجَنَّةَ أَوْ مُحْضِرًا مُسْرِعًا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَحْضَرَ الْفَرَسَ، إِذَا جَرَى وأسرع.
و: مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْطُوفًا عَلَى: مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي إِنْ كَانَ: تَجِدُ، مُتَعَدِّيَةً إِلَيْهِمَا، أَوِ الْحَالُ إِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ مَحْذُوفًا، أَيْ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًا. وَذَلِكَ نَحْوَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا وَعَمْرًا، إِذَا أَرَدْتَ: وَعَمْرًا قَائِمًا، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، مُسْتَأْنَفًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: تَوَدُّ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: وَادَّةٌ تُبَاعِدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي بَيْنَهُ عَائِدًا عَلَى مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، وَأَبْعَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي عَوْدِهِ عَلَى الْيَوْمِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ اللذين أحضر لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ: الْخَيْرُ الَّذِي عَمِلَهُ، وَلَا يُطْلَبُ تَبَاعُدُ وَقْتِ إِحْضَارِ الْخَيْرِ إِلَّا بِتَجَوُّزٍ إِذَا كَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى إِحْضَارِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَتَوَدُّ تَبَاعُدُهُ لِتَسْلَمَ مِنَ الشَّرِّ، وَدَعْهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْخَيْرُ. وَالْأَوْلَى: عَوْدُهُ عَلَى: مَا عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ السُّوءَ يَتَمَنَّى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ التَّبَاعُدَ مِنْهُ، وَإِلَى عَطْفِ: مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، عَلَى: مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَكَوْنِ، تَوَدُّ، فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ذَهَبَ إِلَيْهِ الطَّبَرِيُّ،
98
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، مَوْصُولَةً فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ و: تودّ، جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ: لِمَا، التَّقْدِيرُ: وَالَّذِي عَمِلَتْهُ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ هِيَ لَوْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ بَدَأَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَثَنَى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، شَرْطًا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِارْتِفَاعِ: تَوَدُّ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأَنَّ الْفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ يَقْتَضِي جَزْمُهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: فَهِيَ تَوَدُّ، وَفِي ذَلِكَ ضَعْفٌ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَظَهَرَ مِنْ كَلَامَيْهِمَا امْتِنَاعُ الشَّرْطِ لِأَجْلِ رَفْعِ: تَوَدُّ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَ سَأَلَنِي عَنْهَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الْحَنَفِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاسْتَشْكَلَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنَّ يَجُوزَ غَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ زُهَيْرِ:
وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ... يَقُولُ: لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ
وَكَتَبْتُ جَوَابَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ فِي كِتَابِي الْكَبِيرِ الْمُسَمَّى: (بِالتَّذْكِرَةِ)، وَنَذْكُرُ هُنَا مَا تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ ذَلِكَ، بَعْدَ أَنْ نُقَدِّمَ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَنَقُولُ: إِذَا كَانَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَاضِيًا، وَمَا بَعْدَهُ مُضَارِعٌ تُتِمُّ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، جَازَ فِي ذَلِكَ الْمُضَارِعِ الْجَزْمُ، وَجَازَ فِيهِ الرَّفْعُ، مِثَالُ ذَلِكَ: إِنْ قَامَ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرٌو، وَإِنْ قَامَ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو. فَأَمَّا الْجَزْمُ فَعَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ خِلَافًا، وَأَنَّهُ فَصِيحٌ، إِلَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ (الْإِعْرَابِ) عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ: لَا يَجِيءُ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ مَعَ: كَانَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها لِأَنَّهَا أَصْلُ الْأَفْعَالِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ، وَنَصِّ الْجَمَاعَةِ، أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَكَانِ، بَلْ سَائِرُ الْأَفْعَالِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ كَانَ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ:
وَقَالَ أَيْضًا:
وَقَالَ بَعْضَ الْمُوَلِّدِينَ:
الْوَحْيُ: إِلْقَاءُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ فِي خَفَاءٍ، فَقَدْ يَكُونُ بِالْمَلَكِ لِلرُّسُلِ وَبِالْإِلْهَامِ كَقَوْلِهِ: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ «١» وَبِالْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ.
لَأَوْحَتْ إِلَيْنَا وَالْأَنَامِلُ رُسْلُهَا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا «٢» وَبِالْكِتَابَةِ: قَال زُهَيْرٌ:
وَالْوَحْيُ: الْكِتَابُ قَالَ:
وَقِيلَ: الْوُحِيُّ جَمْعُ: وَحْيٍ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَيُقَالُ أَوْحَى وَوَحَى.
الْمَسِيحُ: عِبْرَانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَأَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيِّ مَشِيحًا، بِالشِّينِ عُرِّبَ بِالسِّينِ كَمَا غُيِّرَتْ فِي مُوَشَى، فَقِيلَ: مُوسَى، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَاهُ الْمُبَارَكُ، كَقَوْلِهِ وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ «٣» وَهُوَ مِنَ الْأَلْقَابِ الْمُشَرِّفَةِ، كَالصِّدِّيقِ، وَالْفَارُوقِ، انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْمَسِيحُ عَرَبِيٌّ، وَاخْتُلِفَ: أَهْوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّيَاحَةِ فَيَكُونُ وَزْنُهُ مُفْعِلًا؟ أَوْ من المسح فَيَكُونُ وَزْنُهُ فَعِيلًا؟ وَهَلْ يَكُونُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَوْ فَاعِلٍ خِلَافٌ، وَيَتَبَيَّنُ فِي التَّفْسِيرِ لِمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ.
الْكَهْلُ: الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الْكُهُولَةِ وَآخِرُهَا سِتُّونَ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: اثْنَانِ وَخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهَا فَقِيلَ: ثَلَاثُونَ وَقِيلَ: اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ. وَقِيلَ:
خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ عَامًا.
وَهُوَ مِنِ اكْتَهَلَ النَّبَاتُ إِذَا قَوِيَ وَعَلَا، وَمِنْهُ: الْكَاهِلُ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: اكْتَهَلَ الرَّجُلُ وَخَطَّهُ الشَّيْبُ، مِنْ قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَتِ الرَّوْضَةُ إِذَا عَمَّهَا النُّورُ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: كَهِلَةٌ. انْتَهَى.
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِصَّةِ زَكَرِيَّا، وَكَانَ قَدِ اسْتَطْرَدَ مِنْ قِصَّةِ مَرْيَمَ إِلَيْهَا، رَجَعَ إِلَى قِصَّةِ مَرْيَمَ، وَهَكَذَا عَادَةُ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ، مَتَى ذَكَرُوا شَيْئًا اسْتَطْرَدُوا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ لَهُمْ غَرَضٌ فِي الْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ تَبْرِئَةُ مَرْيَمَ عَنْ مَا رَمَتْهَا بِهِ الْيَهُودُ، وَإِظْهَارُ اسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ عِيسَى إِلَهًا، فَذَكَرَ وِلَادَتَهُ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُ جَمْعٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ جِبْرِيلُ وَمِنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُ نُقِلَ أَنَّهُ: لَا يَنْزِلُ لِأَمْرٍ إِلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: جِبْرِيلُ وَحْدَهُ.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَإِذْ قَالَ الْمَلَائِكَةُ، وَفِي نِدَاءِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِاسْمِهَا تَأْنِيسٌ لَهَا وَتَوْطِئَةٌ لِمَا تُلْقِيهِ إِلَيْهَا وَمَعْمُولُ الْقَوْلِ الْجُمْلَةُ المؤكدة: بإن.
وَالظَّاهِرُ مُشَافَهَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِالْقَوْلِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
رُوِيَ أَنَّهُمْ كَلَّمُوهَا شِفَاهًا مُعْجِزَةً لِزَكَرِيَّا، أَوْ إِرْهَاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسَى.
انْتَهَى. يَعْنِي: بِالْإِرْهَاصِ التَّقَدُّمَ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى نُبُوَّةِ عِيسَى وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ عَلَى يَدٍ غَيْرَ نَبِيٍّ إِلَّا إِنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ نَبِيٌّ، أَوِ انْتَظَرَ بَعْثَ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْخَارِقُ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيْ بَعْثَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ.
وَطَهَّرَكِ التَّطْهِيرُ هُنَا مِنَ الْحَيْضِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ السُّدِّيُّ: وَكَانَتْ مَرْيَمُ لَا تَحِيضُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ مَسِّ الرِّجَالِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: عَمَّا يَصِمُ النِّسَاءَ فِي خَلْقٍ وَخُلُقٍ وَدِينٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا: مِنَ الرَّيْبِ وَالشُّكُوكِ.
وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ قِيلَ: كَرَّرَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ:
لَا تَوْكِيدَ إِذِ الْمُرَادُ بِالِاصْطِفَاءِ الْأَوَّلِ اصْطِفَاءُ الْوِلَايَةِ، وَبِالثَّانِي اصْطِفَاءُ وِلَادَةِ عِيسَى، لِأَنَّهَا بِوِلَادَتِهِ حَصَلَ لَهَا زِيَادَةُ اصْطِفَاءٍ وَعُلُوُّ مَنْزِلَةٍ عَلَى الْأَكْفَاءِ. وَقِيلَ: الِاصْطِفَاءُ الْأَوَّلُ: اخْتِيَارٌ وَعُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ صَوَالِحُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالثَّانِي: اصْطِفَاءٌ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: لَمَّا أُطْلِقَ الِاصْطِفَاءُ الْأَوَّلُ بَيَّنَ بِالثَّانِي أَنَّهَا مُصْطَفَاةٌ عَلَى النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
اصْطَفَاكِ أَوَّلًا حِينَ تَقَبَّلَكِ مِنْ أُمِّكِ وَرَبَّاكِ، وَاخْتَصَّكِ بِالْكَرَامَةِ السَّنِيَّةِ، وَطَهَّرَكِ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَمِمَّا قَذَفَكِ بِهِ الْيَهُودُ، وَاصْطَفَاكِ آخِرًا عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بِأَنْ وَهَبَ لَكِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ. انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَيَكُونُ:
أَوْ: لِمَسْحِ الْجِمَالِ إِيَّاهُ وَهُوَ ظُهُورُهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِنْ مَلَاحَةٍ أَوْ: لِمَسْحَةٍ مِنَ الْأَقْذَارِ الَّتِي تَنَالُ الْمَوْلُودِينَ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ لَا تَحِيضُ وَلَمْ تُدَنَّسْ بِدَمِ نِفَاسٍ. أَقْوَالٌ سَبْعَةٌ، وَيَكُونُ: فَعِيلٌ، فِيهَا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الْمَسِيحِ، لِلْغَلَبَةِ مِثْلُهَا فِي: الدَّبَرَانُ وَالْعَيُّوقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِيءَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: فَعِيلٌ، مَبْنِيًّا لِلْمُبَالَغَةِ: كَعَلِيمٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي حُوِّلَتْ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمِسَاحَةِ، وَكَانَ يَجُولُ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُهَا. وَقِيلَ: هُوَ مُفْعِلٌ مِنْ سَاحَ يَسِيحُ مِنَ السِّيَاحَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ:
الْمَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: الْمَسِيحُ: الْمَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَكَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَشِيحًا، فَغُيِّرَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْمًا مُرْتَجَلًا لَيْسَ هُوَ مُشْتَقًّا مِنَ الْمَسْحِ وَلَا مِنَ السِّيَاحَةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْأَبْنَاءُ يُنْسَبُونَ إِلَى الْآبَاءِ، وَنُسِبَ إِلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لَهَا إِعْلَامًا أَنَّهُ يُولَدُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَلَا يُنْسَبُ إِلَّا إِلَيْهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْمَهُ: الْمَسِيحُ، فَيَكُونُ: اسْمُهُ المسيح، مبتدأ وخبرا، و: عيسى، جَوَّزُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا، وَأَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ. وَمَنَعَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَقَالَ: كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَسْمَاهُ عَلَى الْمَعْنَى، أَوْ أَسْمَاهَا عَلَى لَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: عِيسَى، خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَدْعُو إِلَى هَذَا كَوْنُ قَوْلِهِ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةٌ: لِعِيسَى، إِذْ قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى كَتْبِهِ دُونَ الْأَلِفِ. وَأَمَّا عَلَى الْبَدَلِ، أَوْ عَطْفِ الْبَيَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةً: لِعِيسَى، لِأَنَّ الِاسْمَ هُنَا لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّخْصُ. هَذِهِ النَّزْعَةُ لِأَبِي عَلِيٍّ. وَفِي صَدْرِ الْكَلَامِ نَظَرٌ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الِاسْمُ مِنْهَا: عِيسَى، وَأَمَّا: المسيح و: الابن، فَلَقَبٌ وَصِفَةٌ؟.
قُلْتُ: الِاسْمُ لِلْمُسَمَّى عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا، وَيَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ
وَقَوْلُهُ: فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ.
وَقِيلَ: السَّبِيلُ هُنَا الْفِعْلُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِثْمِ. وَالْمَعْنَى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ طَرِيقٌ فِيمَا يَسْتَحِلُّونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْأُمِّيِّينَ.
قَالَ: وَسَبَبُ اسْتِبَاحَتِهِمْ لِأَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ أَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَهُمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ بَاقُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِتَكْذِيبِ الْيَهُودِ لِلْقُرْآنِ وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمُ انْتُقِضَ الْعَهْدُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ إِسْلَامِهِمْ، فَصَارُوا كَالْمُحَارِبِينَ، فَاسْتَحَلُّوا أَمْوَالَهُمْ. وَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي كِتَابِهِمْ أَخْذُ مَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ: الْأَمْوَالُ كُلُّهَا كَانَتْ لَنَا، فَمَا فِي أَيْدِي الْعَرَبِ مِنْهَا فَهُوَ لَنَا، وَأَنَّهُمْ ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْنَا فِي أَخْذِ أَمْوَالِنَا مِنْهُمْ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَجُلًا قال لابن عَبَّاسٍ: أَنَّا نُصِيبُ فِي الْغَزْوِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ: الشَّاةَ وَالدَّجَاجَةَ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَقَالَ لَهُ:
هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أَنَّهُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ. وَذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَفِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّاةِ أَوِ الدَّجَاجَةِ، قَالَ: فَيَقُولُونَ مَاذَا قَالَ؟ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ بَأْسٌ.
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أَيِ الْقَوْلَ الْكَذِبَ يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللَّهِ بِادِّعَائِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِمْ. قَالَ السُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُهُمَا: ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ إِحْلَالًا لَهُمْ أَمْوَالَ الْأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنْهَا وَهِيَ عَالِمَةٌ بِكَذِبِهَا، فَيَكُونُ الْكَذِبُ الْمَقُولُ هُنَا هُوَ هَذَا الْكَذِبَ الْمَخْصُوصَ فِي هَذَا الْفَصْلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، فَيَنْدَرِجُ هَذَا فِيهِ، أَيْ: هُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ وَهُمْ عُلَمَاءُ بِمَوْضِعِ الصِّدْقِ.
وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: عَلَيْنَا، خَبَرَ: لَيْسَ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: فِي الْأُمِّيِّينَ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى عَمَلِ: لَيْسَ، فِي الْجَارِّ، فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا.
قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ: سَبِيلٌ، بعلينا، وَفِي: لَيْسَ، ضَمِيرُ الْأَمْرِ، ويتعلق: على الله، بيقولون بِمَعْنَى: يَفْتَرُونَ.
قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حالا من الْكَذِبِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَذِبِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَظَهَرَ مِنْ كَلَامَيْهِمَا امْتِنَاعُ الشَّرْطِ لِأَجْلِ رَفْعِ: تَوَدُّ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَ سَأَلَنِي عَنْهَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْغَنِيِّ السُّرُوجِيُّ الْحَنَفِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاسْتَشْكَلَ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنَّ يَجُوزَ غَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِ زُهَيْرِ:
وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ... يَقُولُ: لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ
وَكَتَبْتُ جَوَابَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ فِي كِتَابِي الْكَبِيرِ الْمُسَمَّى: (بِالتَّذْكِرَةِ)، وَنَذْكُرُ هُنَا مَا تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ ذَلِكَ، بَعْدَ أَنْ نُقَدِّمَ مَا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَنَقُولُ: إِذَا كَانَ فِعْلُ الشَّرْطِ مَاضِيًا، وَمَا بَعْدَهُ مُضَارِعٌ تُتِمُّ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، جَازَ فِي ذَلِكَ الْمُضَارِعِ الْجَزْمُ، وَجَازَ فِيهِ الرَّفْعُ، مِثَالُ ذَلِكَ: إِنْ قَامَ زَيْدٌ يَقُومُ عَمْرٌو، وَإِنْ قَامَ زَيْدٌ يَقُمْ عَمْرٌو. فَأَمَّا الْجَزْمُ فَعَلَى أَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ خِلَافًا، وَأَنَّهُ فَصِيحٌ، إِلَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ (الْإِعْرَابِ) عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ: لَا يَجِيءُ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ مَعَ: كَانَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها لِأَنَّهَا أَصْلُ الْأَفْعَالِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ، وَنَصِّ الْجَمَاعَةِ، أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بَكَانِ، بَلْ سَائِرُ الْأَفْعَالِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ كَانَ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ:
| دَسَّتْ رَسُولًا بِأَنَّ الْقَوْمَ إِنْ قَدَرُوا | عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذَاتِ تَوْغِيرِ |
| تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونُنِي | نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ |
| وَإِنْ بَعُدُوا لَا يَأْمَنُونَ اقْتِرَابَهُ | تَشَوُّفَ أَهِلِ الْغَائِبِ الْمُتَنَظَرْ |
| وَإِنْ كَانَ لَا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي | إِلَى قُطْرِي لَا إِخَالَكَ رَاضِيًا |
| إِنْ يُسْأَلُوا الْخَيْرَ يُعْطُوهُ، وَإِنْ خُبِّرُوا | فِي الْجَهْدِ أُدْرِكَ مِنْهُمْ طِيبُ أَخْبَارِ |
إِنَّكَ إِنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعُ.
عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ الْفَاءَ مِنْهُ مَحْذُوفَةً.
وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَاخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ الرَّفْعِ، فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيمِ. وَأَمَّا جَوَابُ الشَّرْطِ فَهُوَ مَحْذُوفٌ عِنْدَهُ.
وَذَهَبُ الْكُوفِيُّونَ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الْجَوَابُ حُذِفَتْ مِنْهُ الْفَاءُ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِأَدَاةِ الشَّرْطِ تَأْثِيرٌ فِي فِعْلِ الشَّرْطِ، لِكَوْنِهِ مَاضِيًا، ضَعُفَ عَنِ الْعَمَلِ فِي فِعْلِ الْجَوَابِ، وَهُوَ عِنْدَهُ جَوَابٌ لَا عَلَى إِضْمَارِ الْفَاءِ، وَلَا عَلَى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وَهَذَا وَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَبْلَهُ ضَعِيفَانِ.
100
وَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ: أَنَّ رَفْعَ الْمُضَارِعِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهُ شَرْطًا، لَكِنِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ: وَمَا عَمِلَتْ، شَرْطًا لِعِلَّةٍ أُخْرَى، لَا لِكَوْنِ: تَوَدُّ، مَرْفُوعًا، وَذَلِكَ عَلَى مَا نُقَرِّرُهُ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ بِالْمَرْفُوعِ التَّقْدِيمُ، وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ دَلِيلًا عَلَى الْجَوَابِ لَا نَفْسَ الْجَوَابِ، فَنَقُولُ: إِذَا كَانَ: تود، منويا به كالتقديم أَدَّى إِلَى تَقَدُّمِ الْمُضْمَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي غَيْرِ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَثْنَاةِ فِي الْعَرَبِيَّةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَبَيْنَهُ، عَائِدٌ عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ: مَا، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ؟ فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ تَقَدُّمُ الْمُضْمَرِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَالضَّمِيرُ قَدْ تَأَخَّرَ عَنِ اسْمِ الشَّرْطِ؟ فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ التَّقْدِيمَ فَقَدْ حَصَلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ نَظِيرُ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلَامُهُ، فَالْفَاعِلُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ وَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ.
فَالْجَوَابُ: إِنَّ اشْتِمَالَ الدَّلِيلِ عَلَى ضَمِيرِ اسْمِ الشَّرْطِ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اقْتِضَاءُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِجُمْلَةِ الدَّلِيلِ، وَجُمْلَةُ الشَّرْطِ إِنَّمَا تَقْتَضِي جُمْلَةَ الْجَزَاءِ لَا جُمْلَةَ دَلِيلِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَامِلَةٍ فِي جُمْلَةِ الدَّلِيلِ، بَلْ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي جُمْلَةِ الْجَزَاءِ وَجُمْلَةُ الدَّلِيلِ لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَدَافَعَ الْأَمْرُ، لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ جُمْلَةُ دَلِيلٍ لَا يَقْتَضِيهَا فِعْلُ الشَّرْطِ، وَمِنْ حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ اقْتَضَتْهَا، فَتَدَافَعَا. وَهَذَا بِخِلَافِ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلَامُهُ، هِيَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْفِعْلُ عَامِلٌ فِي الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي صَاحِبَهُ، وَلِذَلِكَ جَازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَ غُلَامُهَا هِنْدًا، لِاشْتِرَاكِ الْفَاعِلِ الْمُضَافِ لِلضَّمِيرِ وَالْمَفْعُولِ الَّذِي عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي الْعَامِلِ، وَامْتَنَعَ: ضَرَبَ غُلَامُهَا جَارَ هِنْدٍ، لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعَامِلِ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَلَا يُحْفَظُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ: أَوَدُّ لَوْ أَنِّي أُكْرِمُهُ أَيًّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْمُضْمَرِ عَلَى مُفَسِّرِهِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّحْوِيُّونَ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: مِنْ سُوءٍ وَدَّتْ لَوْ أَنَّ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: مَا، شَرْطِيَّةً فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَمِلَتْ. أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ الْهَاءِ فِي:
عَمِلَتْ، عَلَى مَذْهَبِ الْفَرَّاءِ، إِذْ يُجِيزُ ذَلِكَ فِي اسْمِ الشَّرْطِ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَتَكُونُ:
وَدَّتْ، جَزَاءَ الشَّرْطِ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَالضَّمِيرُ قَدْ تَأَخَّرَ عَنِ اسْمِ الشَّرْطِ؟ فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ التَّقْدِيمَ فَقَدْ حَصَلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ نَظِيرُ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلَامُهُ، فَالْفَاعِلُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ وَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ لِصِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ.
فَالْجَوَابُ: إِنَّ اشْتِمَالَ الدَّلِيلِ عَلَى ضَمِيرِ اسْمِ الشَّرْطِ يُوجِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اقْتِضَاءُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِجُمْلَةِ الدَّلِيلِ، وَجُمْلَةُ الشَّرْطِ إِنَّمَا تَقْتَضِي جُمْلَةَ الْجَزَاءِ لَا جُمْلَةَ دَلِيلِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَامِلَةٍ فِي جُمْلَةِ الدَّلِيلِ، بَلْ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِي جُمْلَةِ الْجَزَاءِ وَجُمْلَةُ الدَّلِيلِ لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَدَافَعَ الْأَمْرُ، لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ جُمْلَةُ دَلِيلٍ لَا يَقْتَضِيهَا فِعْلُ الشَّرْطِ، وَمِنْ حَيْثُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ اقْتَضَتْهَا، فَتَدَافَعَا. وَهَذَا بِخِلَافِ: ضَرَبَ زَيْدًا غُلَامُهُ، هِيَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْفِعْلُ عَامِلٌ فِي الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي صَاحِبَهُ، وَلِذَلِكَ جَازَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: ضَرَبَ غُلَامُهَا هِنْدًا، لِاشْتِرَاكِ الْفَاعِلِ الْمُضَافِ لِلضَّمِيرِ وَالْمَفْعُولِ الَّذِي عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي الْعَامِلِ، وَامْتَنَعَ: ضَرَبَ غُلَامُهَا جَارَ هِنْدٍ، لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعَامِلِ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَلَا يُحْفَظُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ: أَوَدُّ لَوْ أَنِّي أُكْرِمُهُ أَيًّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْمُضْمَرِ عَلَى مُفَسِّرِهِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّحْوِيُّونَ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: مِنْ سُوءٍ وَدَّتْ لَوْ أَنَّ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: مَا، شَرْطِيَّةً فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَمِلَتْ. أَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ الْهَاءِ فِي:
عَمِلَتْ، عَلَى مَذْهَبِ الْفَرَّاءِ، إِذْ يُجِيزُ ذَلِكَ فِي اسْمِ الشَّرْطِ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَتَكُونُ:
وَدَّتْ، جَزَاءَ الشَّرْطِ.
101
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ أَوْقَعُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ حِكَايَةُ الْكَائِنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَثْبَتُ لِمُوَافَقَةِ قِرَاءَةِ الْعَامَّةِ. انْتَهَى.
وَ: لَوْ، هُنَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ، وَمَفْعُولُ: تَوَدُّ، مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ تَبَاعُدَ مَا بَيْنَهُمَا لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا لَسَرَتْ بِذَلِكَ، وَهَذَا الْإِعْرَابُ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي: لَوْ، و: أَنْ، وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَفِي مَوْضِعِ فَاعِلٍ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ: لَوْ، بِمَعْنَى: أَنْ، وَأَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ فَهُوَ بَعِيدٌ هُنَا لِوِلَايَتِهَا أَنَّ وَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَلَا يُبَاشِرُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ حَرْفًا مصدريًّا إِلَّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ «١» والذي يقتضيه المعنى أن: لَوْ أَنَّ، وَمَا يَلِيهَا هُوَ مَعْمُولُ: لِتَوَدُّ، فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: يُسَرُّ أَحَدُهُمْ أَنْ لَا يَلْقَى عَمَلَهُ ذَلِكَ أَبَدًا، ذَلِكَ مَعْنَاهُ.
وَمَعْنَى أَمَدًا بَعِيدًا: غَايَةٌ طَوِيلَةٌ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ أَجْلِهِ، وَقِيلَ: قَدْرُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ. كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أَمْرَهُ ونهيه.
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وَكَرَّرَهَا، كَانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، وَمُنَبِّهًا عَلَى إِيقَاعِ الْمَحْذُورِ مَعَ مَا قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلَاعِهِ عَلَى خَفَايَا الْأَعْمَالِ وَإِحْضَارِهِ لَهَا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَهَذَا هُوَ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ اللَّذَيْنِ يَجِبُ أَنْ يُحَذِّرَ لِأَجْلِهِمَا، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لِيُطْمَعَ فِي إِحْسَانِهِ، وَلِيُبْسَطَ الرَّجَاءُ فِي أَفْضَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا إِذَا ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْأَمْرِ، ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَبْلَغَ فِي الْوَصْفِ مِنْ جُمْلَةِ التَّخْوِيفِ، لِأَنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جَاءَتْ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَجَاءَ الْمُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالْمُخَاطَبِ فَقَطْ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، إِذِ الْوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعَالَى، وَجَاءَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ الْمُقْتَضِي لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، وَجَاءَ بِأَخَصِّ أَلْفَاظِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ: رؤوف، وَجَاءَ مُتَعَلِّقُهُ عَامًّا لِيَشْمَلَ المخاطب
وَ: لَوْ، هُنَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ، وَمَفْعُولُ: تَوَدُّ، مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: تَوَدُّ تَبَاعُدَ مَا بَيْنَهُمَا لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا لَسَرَتْ بِذَلِكَ، وَهَذَا الْإِعْرَابُ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي: لَوْ، و: أَنْ، وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَفِي مَوْضِعِ فَاعِلٍ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ: لَوْ، بِمَعْنَى: أَنْ، وَأَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ فَهُوَ بَعِيدٌ هُنَا لِوِلَايَتِهَا أَنَّ وَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَلَا يُبَاشِرُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ حَرْفًا مصدريًّا إِلَّا قَلِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ «١» والذي يقتضيه المعنى أن: لَوْ أَنَّ، وَمَا يَلِيهَا هُوَ مَعْمُولُ: لِتَوَدُّ، فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: يُسَرُّ أَحَدُهُمْ أَنْ لَا يَلْقَى عَمَلَهُ ذَلِكَ أَبَدًا، ذَلِكَ مَعْنَاهُ.
وَمَعْنَى أَمَدًا بَعِيدًا: غَايَةٌ طَوِيلَةٌ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ أَجْلِهِ، وَقِيلَ: قَدْرُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ. كَرَّرَ التَّحْذِيرَ لِلتَّوْكِيدِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُمْتَثِلِي أَمْرَهُ ونهيه.
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ التَّخْوِيفِ وَكَرَّرَهَا، كَانَ ذَلِكَ مُزْعِجًا لِلْقُلُوبِ، وَمُنَبِّهًا عَلَى إِيقَاعِ الْمَحْذُورِ مَعَ مَا قَرَنَ بِذَلِكَ مِنَ اطِّلَاعِهِ عَلَى خَفَايَا الْأَعْمَالِ وَإِحْضَارِهِ لَهَا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَهَذَا هُوَ الِاتِّصَافُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ اللَّذَيْنِ يَجِبُ أَنْ يُحَذِّرَ لِأَجْلِهِمَا، فَذَكَرَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ لِيُطْمَعَ فِي إِحْسَانِهِ، وَلِيُبْسَطَ الرَّجَاءُ فِي أَفْضَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا إِذَا ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْأَمْرِ، ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَبْلَغَ فِي الْوَصْفِ مِنْ جُمْلَةِ التَّخْوِيفِ، لِأَنَّ جُمْلَةَ التَّخْوِيفِ جَاءَتْ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، وَجَاءَ الْمُحَذَّرُ مَخْصُوصًا بِالْمُخَاطَبِ فَقَطْ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَاءَتِ اسْمِيَّةً، فَتَكَرَّرَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، إِذِ الْوَصْفُ مُحْتَمِلٌ ضَمِيرَهُ تَعَالَى، وَجَاءَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ الْمُقْتَضِي لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، وَجَاءَ بِأَخَصِّ أَلْفَاظِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ: رؤوف، وَجَاءَ مُتَعَلِّقُهُ عَامًّا لِيَشْمَلَ المخاطب
(١) سورة الذاريات: ٥١/ ٢٣.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ١٦٥ والأعراف: ٧/ ١٦٧.
(٢) سورة الأنعام: ٦/ ١٦٥ والأعراف: ٧/ ١٦٧.
102
وَغَيْرَهُ، وَبِلَفْظِ الْعِبَادِ لِيَدُلَّ عَلَى الْإِحْسَانِ التَّامِّ، لِأَنَّ الْمَالِكَ مُحْسِنٌ لِعَبْدِهِ وَنَاظِرٌ لَهُ أَحْسَنَ نَظَرٍ، إِذْ هُوَ مِلْكُهُ.
قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى التَّحْذِيرِ، أَيْ: إِنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ وَتَعْرِيفَهُ حَالَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ الْعَظِيمَةِ بِالْعِبَادِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَرَفُوهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَحَذَرُوا دَعَاهُمْ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ رِضَاهُ وَاجْتِنَابِ سُخْطِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنْ حَذَّرَهُمْ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهُمْ نَفْسَهُ إِيَّاهُ، وَتَخْوِيفَهُمْ عِقَابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي عَمًى مِنْ أَمْرِهِمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، وَالْكَلَامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ إِعْلَامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَالْإِطْمَاعِ لِئَلَّا يُفْرِطَ الْوَعِيدَ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، قَالُوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «١» أَوْ: فِي قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٢» قَالُوا ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَبَتْ قُرَيْشٌ أَصْنَامَهَا يَسْجُدُونَ لَهَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ»
وَكِلَا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: فِي قَوْمٍ قَالُوا: إِنَّا لَنُحِبُّ رَبَّنَا حُبًّا شَدِيدًا. وَقَالَ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ: فِي وَفْدِ نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّا نُعَظِّمُ الْمَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ. انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ مَيْلِ قَلْبِهِ إِلَى مَا حَدَّهُ لَهُ تَعَالَى وَأَمَرَهُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ وَاخْتِصَاصُهُ إِيَّاهُ بِالْعِبَادَةِ، وَمَحَبَّتُهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَهَلْ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَمْ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. رَتَّبَ تَعَالَى عَلَى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ اتِّبَاعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى رِضَاهُ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ نَبِيِّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إِذْ لا يهتدي لعقل إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، بَلْ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكَانَ اتِّبَاعُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ احْتِمَاءً لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُحِبُّونَ، وَيُحْبِبْكُمُ، مِنْ أَحَبِّ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: تَحِبُّونَ وَيَحْبِبْكُمُ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْيَاءِ مِنْ حَبَّ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهُ قرىء: يَحُبُّكُمُ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْإِدْغَامِ.
قَالُوا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى التَّحْذِيرِ، أَيْ: إِنَّ تَحْذِيرَهُ نَفْسَهُ وَتَعْرِيفَهُ حَالَهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ مِنَ الرَّأْفَةِ الْعَظِيمَةِ بِالْعِبَادِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا عَرَفُوهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ وَحَذَرُوا دَعَاهُمْ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ رِضَاهُ وَاجْتِنَابِ سُخْطِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنْ حَذَّرَهُمْ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْحُوفِيُّ: جَعَلَ تَحْذِيرَهُمْ نَفْسَهُ إِيَّاهُ، وَتَخْوِيفَهُمْ عِقَابَهُ رَأْفَةً بِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي عَمًى مِنْ أَمْرِهِمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا، وَالْكَلَامُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ إِعْلَامِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَالْإِطْمَاعِ لِئَلَّا يُفْرِطَ الْوَعِيدَ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، قَالُوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «١» أَوْ: فِي قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٢» قَالُوا ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَبَتْ قُرَيْشٌ أَصْنَامَهَا يَسْجُدُونَ لَهَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ»
وَكِلَا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: فِي قَوْمٍ قَالُوا: إِنَّا لَنُحِبُّ رَبَّنَا حُبًّا شَدِيدًا. وَقَالَ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ: فِي وَفْدِ نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّا نُعَظِّمُ الْمَسِيحَ حُبًّا لِلَّهِ. انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْآيَةِ يَعُمُّ كُلَّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ مَيْلِ قَلْبِهِ إِلَى مَا حَدَّهُ لَهُ تَعَالَى وَأَمَرَهُ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ وَاخْتِصَاصُهُ إِيَّاهُ بِالْعِبَادَةِ، وَمَحَبَّتُهُ تَعَالَى لِلْعَبْدِ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَهَلْ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَمْ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. رَتَّبَ تَعَالَى عَلَى مَحَبَّتِهِمْ لَهُ اتِّبَاعَ رَسُولِهِ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى رِضَاهُ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ نَبِيِّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ، إِذْ لا يهتدي لعقل إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، بَلْ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُوَضِّحُ لِذَلِكَ، فَكَانَ اتِّبَاعُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ احْتِمَاءً لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُحِبُّونَ، وَيُحْبِبْكُمُ، مِنْ أَحَبِّ. وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: تَحِبُّونَ وَيَحْبِبْكُمُ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْيَاءِ مِنْ حَبَّ، وَهُمَا لُغَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهُ قرىء: يَحُبُّكُمُ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْإِدْغَامِ.
(١) سورة المائدة: ٥/ ١٨.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٣.
(٢) سورة الزمر: ٣٩/ ٣.
103
وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: فَاتَّبَعُونِّي، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، أَلْحَقَ فِعْلَ الْأَمْرِ نُونَ التَّوْكِيدِ وَأَدْغَمَهَا فِي نُونِ الْوِقَايَةِ، وَلَمْ يَحْذِفِ الواو شبها: بأتحاجوني، وَهَذَا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنْ عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعَى مَحَبَّتَهُ وَخَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ فَهُوَ كَذَّابٌ، وَكِتَابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَيُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِهَا، وَيَطْرَبُ وَيَنْعَرُ وَيُصَفِّقُ، وَقُبِّحَ مَنْ فِعْلُهُ هَذَا، وَزَرَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو إدغام: راء، و: يغفر لَكُمْ، فِي لَامِ: لَكُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجَّاجِ أَنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وَغَلَطٌ مِمَّنْ رَوَاهَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكُوفَةِ: أبا جعفر الرؤاسي، وَالْكِسَائِيَّ، وَالْفَرَّاءَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ الْعَرَبِ، وَرَأْسَانِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ وَهُمَا: أَبُو عَمْرٍو، ويعقوب قرآ بِذَلِكَ وَرَوَيَاهُ، فَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هَذَا تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فَاتَّبِعُونِي،
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُ بِأَنَّ نَحْبَهُ كَمَا أَحَبَّتِ النصارى عيسى بن مَرْيَمَ، فَنَزَلَ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: تَوَلَّوْا، مَاضِيًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا حُذِفَتْ مِنْهُ التَّاءُ، أَيْ: فَإِنْ تَتَوَلَّوْا، وَالْمَعْنَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنِ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ كَافِرًا. وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ وَلَمْ يُطِعْهُ كَافِرًا، وَتَقْيِيدُ انْتِفَاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ بِهَذَا الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ مُشْعِرٌ بِالْعَلِيَّةِ، فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي لَا يَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ.
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ وَفُنُونِ الْبَلَاغَةِ الْخِطَابُ الْعَامُّ الَّذِي سَبَبُهُ خَاصٌّ. فِي قَوْلِهِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ وَالتَّكْرَارُ، فِي قَوْلِهِ: الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ، وَفِي: يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَيَعْلَمُ، وَفِي قَوْلِهِ: يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَاللَّهُ عَلَى، وَفِي قَوْلِهِ: مَا عَمِلَتْ، وَمَا عَمِلَتْ، وَفِي قَوْلِهِ: اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ، وَفِي قَوْلِهِ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ، والله رؤوف، وَفِي قَوْلِهِ: تُحِبُّونَ اللَّهَ، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ، قل أطيعوا الله، فإن اللَّهَ.
أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنْ عَمَلٍ، فَمَنِ ادَّعَى مَحَبَّتَهُ وَخَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِهِ فَهُوَ كَذَّابٌ، وَكِتَابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَيُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِهَا، وَيَطْرَبُ وَيَنْعَرُ وَيُصَفِّقُ، وَقُبِّحَ مَنْ فِعْلُهُ هَذَا، وَزَرَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو إدغام: راء، و: يغفر لَكُمْ، فِي لَامِ: لَكُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الزَّجَّاجِ أَنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وَغَلَطٌ مِمَّنْ رَوَاهَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكُوفَةِ: أبا جعفر الرؤاسي، وَالْكِسَائِيَّ، وَالْفَرَّاءَ رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ الْعَرَبِ، وَرَأْسَانِ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ وَهُمَا: أَبُو عَمْرٍو، ويعقوب قرآ بِذَلِكَ وَرَوَيَاهُ، فَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هَذَا تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فَاتَّبِعُونِي،
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُ بِأَنَّ نَحْبَهُ كَمَا أَحَبَّتِ النصارى عيسى بن مَرْيَمَ، فَنَزَلَ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: تَوَلَّوْا، مَاضِيًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا حُذِفَتْ مِنْهُ التَّاءُ، أَيْ: فَإِنْ تَتَوَلَّوْا، وَالْمَعْنَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنِ اتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ كَافِرًا. وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَتْبَعْهُ وَلَمْ يُطِعْهُ كَافِرًا، وَتَقْيِيدُ انْتِفَاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ بِهَذَا الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ مُشْعِرٌ بِالْعَلِيَّةِ، فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي لَا يَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ.
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ ضُرُوبِ الْفَصَاحَةِ وَفُنُونِ الْبَلَاغَةِ الْخِطَابُ الْعَامُّ الَّذِي سَبَبُهُ خَاصٌّ. فِي قَوْلِهِ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ وَالتَّكْرَارُ، فِي قَوْلِهِ: الْمُؤْمِنُونَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ، وَفِي: يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَيَعْلَمُ، وَفِي قَوْلِهِ: يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَاللَّهُ عَلَى، وَفِي قَوْلِهِ: مَا عَمِلَتْ، وَمَا عَمِلَتْ، وَفِي قَوْلِهِ: اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ، وَفِي قَوْلِهِ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ، والله رؤوف، وَفِي قَوْلِهِ: تُحِبُّونَ اللَّهَ، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ، قل أطيعوا الله، فإن اللَّهَ.
104
ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ
ﰠ
ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ
ﰡ
ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔ
ﰢ
ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ
ﰣ
ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕ
ﰤ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ
ﰥ
ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ
ﰦ
ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ
ﰧ
ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ
ﰨ
وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي: تُحِبُّونَ وَيُحْبِبْكُمُ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ، فِي: تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً، وَفِي يَغْفِرْ لَكُمْ وَغَفُورٌ.
وَالطِّبَاقُ فِي: تُخْفُوا وَتُبْدُوهُ، وَفِي: مِنْ خَيْرٍ وَمِنْ سُوءٍ، وَفِي: مُحْضَرًا وَبَعِيدًا.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ فِي قَوْلِهِ: مَا فِي صُدُورِكُمْ، عَبَّرَ بِهَا عَنِ الْقُلُوبِ، قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ «١» الْآيَةَ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، الْآيَةَ. أَشَارَ إِلَى انْسِلَاخِهِمْ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ.
وَالِاخْتِصَاصُ فِي قَوْلِهِ: مَا فِي صُدُورِكُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: ما في السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ.
وَالتَّأْنِيسُ بَعْدَ الْإِيحَاشِ فِي قَوْلِهِ: والله رؤوف بِالْعِبَادِ.
وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي التفسير.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٤١]
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)
وَالطِّبَاقُ فِي: تُخْفُوا وَتُبْدُوهُ، وَفِي: مِنْ خَيْرٍ وَمِنْ سُوءٍ، وَفِي: مُحْضَرًا وَبَعِيدًا.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ فِي قَوْلِهِ: مَا فِي صُدُورِكُمْ، عَبَّرَ بِهَا عَنِ الْقُلُوبِ، قَالَ تَعَالَى: فَإِنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصارُ «١» الْآيَةَ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، الْآيَةَ. أَشَارَ إِلَى انْسِلَاخِهِمْ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ.
وَالِاخْتِصَاصُ فِي قَوْلِهِ: مَا فِي صُدُورِكُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: ما في السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ.
وَالتَّأْنِيسُ بَعْدَ الْإِيحَاشِ فِي قَوْلِهِ: والله رؤوف بِالْعِبَادِ.
وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي التفسير.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٤١]
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)
(١) سورة الحج: ٢٢/ ٤٦.
105
نُوحٌ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَصْرُوفٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا كَانَ يَقْتَضِي مَنْعَ صَرْفِهِ وَهُوَ: الْعَلَمِيَّةُ وَالْعُجْمَةُ الشَّخْصِيَّةُ، وَذَلِكَ لِخِفَّةِ الْبِنَاءِ بِكَوْنِهِ ثُلَاثِيًّا سَاكِنَ الْوَسَطِ لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ سَبَبٌ آخَرُ، وَمَنْ جَوَّزَ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى هَذَا لَا بِالسَّمَاعِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّوَاحِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْعُجْمَةَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الِاشْتِقَاقُ الْعَرَبِيُّ إِلَّا أَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِمَّا اتَّفَقَتْ فِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَلُغَةُ الْعَجَمِ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. وَيُسَمَّى: آدَمَ الثَّانِيَ وَاسْمُهُ السَّكَنُ، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ ابْنٌ لِمَلِكِ بْنِ مُتَوَشْلَخَ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ سَارِدَ بْنِ مَهْلَابِيلَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ.
عِمْرَانُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَلَوْ كَانَ عربيا لا متنع أَيْضًا لِلْعَلَمِيَّةِ، وَزِيَادَةُ الْأَلِفِ وَالنُّونِ إِذْ كَانَ يَكُونُ اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعُمْرِ وَاضِحًا.
مُحَرَّرًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَرَّرَ، وَيَأْتِي اخْتِلَافُ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَدْلُولِهِ فِي الْآيَةِ، وَالتَّحْرِيرُ: الْعِتْقُ، وَهُوَ تَصْيِيرُ الْمَمْلُوكِ حُرًّا.
الْوَضْعُ: الْحَطُّ وَالْإِلْقَاءُ، تَقُولُ: وَضَعَ يَضَعُ وَضْعًا وَضَعَةً، وَمِنْهُ الْمَوْضِعُ.
الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ: مَعْرُوفَانِ، وَأَلِفُ أُنْثَى لِلتَّأْنِيثِ، وَجُمِعَتْ عَلَى إِنَاثٍ، كَرُبَى وَرَبَابٍ، وَقِيَاسُ الْجَمْعِ: أُنَاثَى، كَحُبْلَى وَحُبَالَى. وَجَمْعُ الذَّكَرِ: ذُكُورٌ وَذُكْرَانٌ.
مَرْيَمُ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ، وَقِيلَ عَرَبِيٌّ جَاءَ شَاذًّا: كَمَدْيَنَ، وَقِيَاسُهُ: مَرَامٍ كَمَنَالٍ، وَمَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تُغَازِلُ الْفِتْيَانَ، قَالَ الرَّاجِزُ:
قُلْتُ لِزَيْدٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ عَاذَ بِكَذَا: اعْتَصَمَ بِهِ، عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة وَمَعْنَاهُ: الْتَجَأَ وَاعْتَصَمَ وَقِيلَ:
اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَوْذِ وَهُوَ: عَوْذٌ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْحَشِيشُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
عِمْرَانُ: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَلَوْ كَانَ عربيا لا متنع أَيْضًا لِلْعَلَمِيَّةِ، وَزِيَادَةُ الْأَلِفِ وَالنُّونِ إِذْ كَانَ يَكُونُ اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعُمْرِ وَاضِحًا.
مُحَرَّرًا: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَرَّرَ، وَيَأْتِي اخْتِلَافُ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَدْلُولِهِ فِي الْآيَةِ، وَالتَّحْرِيرُ: الْعِتْقُ، وَهُوَ تَصْيِيرُ الْمَمْلُوكِ حُرًّا.
الْوَضْعُ: الْحَطُّ وَالْإِلْقَاءُ، تَقُولُ: وَضَعَ يَضَعُ وَضْعًا وَضَعَةً، وَمِنْهُ الْمَوْضِعُ.
الْأُنْثَى وَالذَّكَرُ: مَعْرُوفَانِ، وَأَلِفُ أُنْثَى لِلتَّأْنِيثِ، وَجُمِعَتْ عَلَى إِنَاثٍ، كَرُبَى وَرَبَابٍ، وَقِيَاسُ الْجَمْعِ: أُنَاثَى، كَحُبْلَى وَحُبَالَى. وَجَمْعُ الذَّكَرِ: ذُكُورٌ وَذُكْرَانٌ.
مَرْيَمُ: اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ، وَقِيلَ عَرَبِيٌّ جَاءَ شَاذًّا: كَمَدْيَنَ، وَقِيَاسُهُ: مَرَامٍ كَمَنَالٍ، وَمَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تُغَازِلُ الْفِتْيَانَ، قَالَ الرَّاجِزُ:
قُلْتُ لِزَيْدٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ عَاذَ بِكَذَا: اعْتَصَمَ بِهِ، عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة وَمَعْنَاهُ: الْتَجَأَ وَاعْتَصَمَ وَقِيلَ:
اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعَوْذِ وَهُوَ: عَوْذٌ يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْحَشِيشُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
106
رَجَمَ: رَمَى وَقَذَفَ، وَمِنْهُ رَجْماً بِالْغَيْبِ «١» أَيْ: رَمْيًا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ، وَالْحَدِيثُ الْمُرْجَمُ هُوَ: الْمَظْنُونُ لَيْسَ فِيهِ يَقِينٌ.
وَالرَّجِيمُ: يحمل أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ فَاعِلٍ، أَيْ إِنَّهُ يَرْمِي وَيَقْذِفُ بِالشَّرِّ وَالْعِصْيَانِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: مَرْجُومٌ، أَيْ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ أَوْ يُبْعَدُ وَيُطْرَدُ.
الْكَفَالَةُ: الضَّمَانُ، يُقَالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ فَهُوَ كَافِلٌ وَكَفِيلٌ، هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِلضَّمِّ وَالْقِيَامِ عَلَى الشَّيْءِ.
زَكَرِيَّا: أَعْجَمِيٌّ شُبِّهَ بِمَا فِيهِ الْأَلِفُ الْمَمْدُودَةُ وَالْأَلِفُ الْمَقْصُورَةُ فَهُوَ مَمْدُودٌ وَمَقْصُورٌ، وَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ نَكِرَةً، وَهَاتَانِ اللُّغَتَانِ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَلَوْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ انْصَرَفَ نَكِرَةً. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو حَاتِمٍ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، وَيُقَالُ: ذِكْرَى بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَفِي آخِرِهِ يَاءٌ كَيَاءِ بحتى، مُنَوَّنَةٌ فَهُوَ مُنْصَرِفٌ، وَهِيَ لُغَةُ نَجْدَ، وَوَجْهُهُ فِيمَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: إِنَّهُ حَذَفَ يَاءَيِ الْمَمْدُودِ وَالْمَقْصُورِ، وَأَلْحَقَهُ يَاءَيِ النَّسَبِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرْفُهُ، وَلَوْ كَانَتِ الْيَاءَانِ هُمَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا فِي زَكَرِيَّا لَوَجَبَ أَنْ لَا يَصْرَفَ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ حُكِيَ: ذُكَرُ عَلَى وَزْنِ: عُمَرُ، وَحَكَاهَا الْأَخْفَشُ.
الْمِحْرَابُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَيِّدُ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفُهَا وَمُقَدِّمُهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْغُرْفَةُ وَقَالَ:
شَرَحَهُ الشُّرَّاحُ فِي غُرَفٍ أَقْيَالٍ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَوْضِعُ الْعَالِي الشَّرِيفُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: الْقَصْرُ، لِشَرَفِهِ وَعُلُوِّهِ. وَقِيلَ: الْمَسْجِدُ. وَقِيلَ: مِحْرَابُهُ الْمَعْهُودُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَحَارُبِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَتَنَافُسِهِمْ فِيهِ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِمَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ.
هُنَا: اسْمُ إِشَارَةٍ لِلْمَكَانِ الْقَرِيبِ، وَالْتَزَمَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إِلَّا أَنَّهُ يُجَرُّ بِحَرْفِ الْجَرِّ، فَإِنْ أَلْحَقْتَهُ كَافَ الْخِطَابِ دَلَّ عَلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ. وَبَنُو تَمِيمٍ تَقُولُ: هُنَاكَ، وَيَصِحُّ دُخُولُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ اللَّامُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا ظَرْفُ الزَّمَانِ.
النِّدَاءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وَفُلَانٌ أَنْدَى صَوْتًا، أَيْ أَرْفَعُ، وَدَارُ النَّدْوَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ بِهَا، وَالْمُنْتَدَى وَالنَّادِي مُجْتَمَعُ الْقَوْمِ مِنْهُ، وَيُقَالُ: نَادَى مُنَادَاةً وَنِدَاءً وَنُدَاءً، بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا. قِيلَ: فَبِالْكَسْرِ الْمَصْدَرُ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَتِ الأصوات على
وَالرَّجِيمُ: يحمل أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ فَاعِلٍ، أَيْ إِنَّهُ يَرْمِي وَيَقْذِفُ بِالشَّرِّ وَالْعِصْيَانِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: مَرْجُومٌ، أَيْ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ أَوْ يُبْعَدُ وَيُطْرَدُ.
الْكَفَالَةُ: الضَّمَانُ، يُقَالُ: كَفَلَ يَكْفُلُ فَهُوَ كَافِلٌ وَكَفِيلٌ، هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِلضَّمِّ وَالْقِيَامِ عَلَى الشَّيْءِ.
زَكَرِيَّا: أَعْجَمِيٌّ شُبِّهَ بِمَا فِيهِ الْأَلِفُ الْمَمْدُودَةُ وَالْأَلِفُ الْمَقْصُورَةُ فَهُوَ مَمْدُودٌ وَمَقْصُورٌ، وَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ صَرْفُهُ نَكِرَةً، وَهَاتَانِ اللُّغَتَانِ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَلَوْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ انْصَرَفَ نَكِرَةً. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو حَاتِمٍ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ، وَيُقَالُ: ذِكْرَى بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَفِي آخِرِهِ يَاءٌ كَيَاءِ بحتى، مُنَوَّنَةٌ فَهُوَ مُنْصَرِفٌ، وَهِيَ لُغَةُ نَجْدَ، وَوَجْهُهُ فِيمَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: إِنَّهُ حَذَفَ يَاءَيِ الْمَمْدُودِ وَالْمَقْصُورِ، وَأَلْحَقَهُ يَاءَيِ النَّسَبِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صَرْفُهُ، وَلَوْ كَانَتِ الْيَاءَانِ هُمَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا فِي زَكَرِيَّا لَوَجَبَ أَنْ لَا يَصْرَفَ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ حُكِيَ: ذُكَرُ عَلَى وَزْنِ: عُمَرُ، وَحَكَاهَا الْأَخْفَشُ.
الْمِحْرَابُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَيِّدُ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفُهَا وَمُقَدِّمُهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْغُرْفَةُ وَقَالَ:
| وَمَاذَا عَلَيْهِ أَنْ ذَكَرْتُ أَوَانِسَا | كَغِزْلَانِ رَمْلٍ فِي مَحَارِيبِ أَقْيَالِ |
هُنَا: اسْمُ إِشَارَةٍ لِلْمَكَانِ الْقَرِيبِ، وَالْتَزَمَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إِلَّا أَنَّهُ يُجَرُّ بِحَرْفِ الْجَرِّ، فَإِنْ أَلْحَقْتَهُ كَافَ الْخِطَابِ دَلَّ عَلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ. وَبَنُو تَمِيمٍ تَقُولُ: هُنَاكَ، وَيَصِحُّ دُخُولُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ اللَّامُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا ظَرْفُ الزَّمَانِ.
النِّدَاءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وَفُلَانٌ أَنْدَى صَوْتًا، أَيْ أَرْفَعُ، وَدَارُ النَّدْوَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ بِهَا، وَالْمُنْتَدَى وَالنَّادِي مُجْتَمَعُ الْقَوْمِ مِنْهُ، وَيُقَالُ: نَادَى مُنَادَاةً وَنِدَاءً وَنُدَاءً، بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا. قِيلَ: فَبِالْكَسْرِ الْمَصْدَرُ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَتِ الأصوات على
(١) سورة الكهف: ١٨/ ٢٢.
107
الضَّمِّ: كَالدُّعَاءِ وَالرُّغَاءِ وَالصُّرَاخِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: يُمَدُّ مَعَ كَسْرِ النُّونِ، وَيُقْصَرُ مَعَ ضَمِّهَا.
وَالنَّدَى: الْمَطَرُ، يُقَالُ مِنْهُ نَدَى يَنْدَى نَدًى.
يَحْيَى: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ امْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ، وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مِنْ: حَيِيَ، سُمِّيَ بِهِ فَامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يُجْمَعُ عَلَى: يَحْيَوْنَ، بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ مَا قَبْلَهَا عَلَى مَذْهَبِ الْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ وَنُقِلَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ: إِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فُتِحْتِ الْيَاءُ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا ضُمَّتِ الْيَاءُ.
سَيِّدٌ: فَيْعِلٌ مِنْ: سَادَ، أَيْ: فَاقَ فِي الشَّرَفِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي نَظِيرِ هَذَا، وَجَمْعُهُ عَلَى: فَعْلَةٍ، فَقَالُوا: سَادَةٌ، شَاذٌّ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ السَّايِسُ بِسَوَادِ النَّاسِ، أَيْ: مُعْظَمِهِمْ، وَلِهَذَا يُقَالُ: سَيِّدُ الْعَبْدِ، وَلَا يُقَالُ سَيِّدُ الثَّوْبِ. انْتَهَى.
الْحَصُورُ: فَعُولٌ مِنَ الْحَصْرِ، وَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ حَاصَرَ وَقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَحْصُورٍ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ.
الْغُلَامُ: الشَّابُّ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي طَرَّ شَارِبَهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطِّفْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ، وَعَلَى الْكَهْلِ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ:
تَسْمِيَةٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكُهُولَةِ، وَهُوَ مِنَ الْغُلْمَةِ وَالِاغْتِلَامِ، وَذَلِكَ شِدَّةُ طَلَبِ النِّكَاحِ.
وَيُقَالُ: اغْتَلَمَ الْفَحْلُ: هَاجَ مِنْ شِدَّةِ شَهْوَةِ الضِّرَابِ، وَاغْتَلَمَ الْبَحْرُ: هَاجَ وَتَلَاطَمَتْ أَمْوَاجُهُ، وَجَمْعُهُ عَلَى: غُلْمَةٍ، شَاذٌّ وَقِيَاسُهُ فِي الْقِلَّةِ: أَغْلِمَةٌ، وَجُمِعَ فِي الْكَثْرَةِ عَلَى:
غِلْمَانٍ، وَهُوَ قِيَاسُهُ.
الْكِبَرُ، مَصْدَرُ: كَبُرَ يَكْبُرُ مِنَ السِّنِّ قَالَ:
الْعَاقِرُ: مَنْ لَا يُوَلَدُ لَهُ مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَفِعْلُهُ لَازِمٌ، وَالْعَاقِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ عَقَرَ أَيْ: قَتَلَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ.
الرَّمْزُ: الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا، وَأَصْلُهُ التَّحَرُّكُ يُقَالُ ارْتَمَزَ تَحَرَّكَ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ الرَّامُوزُ.
الْعَشِيُّ: مُفْرَدُ عَشِيَّةٍ، كَرَكِيٍّ، وَرَكِيَّةٍ. وَالْعَشِيَّةُ: أَوَاخِرُ النَّهَارِ، وَلَامُهَا وَاوَ، فَهِيَ كَمَطِيٍّ.
وَالنَّدَى: الْمَطَرُ، يُقَالُ مِنْهُ نَدَى يَنْدَى نَدًى.
يَحْيَى: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ امْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ، وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مِنْ: حَيِيَ، سُمِّيَ بِهِ فَامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يُجْمَعُ عَلَى: يَحْيَوْنَ، بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ مَا قَبْلَهَا عَلَى مَذْهَبِ الْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ وَنُقِلَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ: إِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فُتِحْتِ الْيَاءُ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا ضُمَّتِ الْيَاءُ.
سَيِّدٌ: فَيْعِلٌ مِنْ: سَادَ، أَيْ: فَاقَ فِي الشَّرَفِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي نَظِيرِ هَذَا، وَجَمْعُهُ عَلَى: فَعْلَةٍ، فَقَالُوا: سَادَةٌ، شَاذٌّ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ السَّايِسُ بِسَوَادِ النَّاسِ، أَيْ: مُعْظَمِهِمْ، وَلِهَذَا يُقَالُ: سَيِّدُ الْعَبْدِ، وَلَا يُقَالُ سَيِّدُ الثَّوْبِ. انْتَهَى.
الْحَصُورُ: فَعُولٌ مِنَ الْحَصْرِ، وَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ حَاصَرَ وَقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مَحْصُورٍ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ.
الْغُلَامُ: الشَّابُّ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي طَرَّ شَارِبَهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الطِّفْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ، وَعَلَى الْكَهْلِ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ:
| شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا | غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا |
وَيُقَالُ: اغْتَلَمَ الْفَحْلُ: هَاجَ مِنْ شِدَّةِ شَهْوَةِ الضِّرَابِ، وَاغْتَلَمَ الْبَحْرُ: هَاجَ وَتَلَاطَمَتْ أَمْوَاجُهُ، وَجَمْعُهُ عَلَى: غُلْمَةٍ، شَاذٌّ وَقِيَاسُهُ فِي الْقِلَّةِ: أَغْلِمَةٌ، وَجُمِعَ فِي الْكَثْرَةِ عَلَى:
غِلْمَانٍ، وَهُوَ قِيَاسُهُ.
الْكِبَرُ، مَصْدَرُ: كَبُرَ يَكْبُرُ مِنَ السِّنِّ قَالَ:
| صَغِيرَيْنِ نرعى البهم يا ليت أننا | إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم |
الرَّمْزُ: الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَوْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا، وَأَصْلُهُ التَّحَرُّكُ يُقَالُ ارْتَمَزَ تَحَرَّكَ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ الرَّامُوزُ.
الْعَشِيُّ: مُفْرَدُ عَشِيَّةٍ، كَرَكِيٍّ، وَرَكِيَّةٍ. وَالْعَشِيَّةُ: أَوَاخِرُ النَّهَارِ، وَلَامُهَا وَاوَ، فَهِيَ كَمَطِيٍّ.
108
الْإِبْكَارُ: مَصْدَرُ أَبْكَرَ، يُقَالُ أَبْكَرَ: خَرَجَ بُكْرَةً.
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ أَبْنَاءُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ. وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: فِي نَصَارَى نَجْرَانَ لَمَّا غَلَوْا فِي عِيسَى، وَجَعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتَّخَذُوهُ إِلَهًا، نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وَإِعْلَامًا أَنَّ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ الْمُتَنَقِّلِينَ فِي الْأَطْوَارِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى الْإِلَهِ، وَاسْتَطْرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى وِلَادَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ إِلَى وِلَادَتِهِ هُوَ، وَهَذِهِ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَاتِ لِمَا قَبْلَهَا. وَأَيْضًا. لِمَا قُدِّمَ قَبْلُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» وَوَلِيَهُ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ «٢» وَخَتَمَهَا بِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «٣» ذَكَرَ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُحِبُّ اتِّبَاعَهُمْ، فَبَدَأَ أَوَّلًا بِأَوَّلِهِمْ وُجُودًا وَأَصْلِهِمْ، وَثَنَى بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ هُوَ آدَمُ الْأَصْغَرُ لَيْسَ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا مِنْ نَسْلِهِ، ثُمَّ أَتَى ثَالِثًا بِآلِ إِبْرَاهِيمَ، فَانْدَرَجَ فِيهِمْ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَأْمُورُ بِاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَتَى رَابِعًا بِآلِ عِمْرَانَ، فَانْدَرَجَ فِي آلِهِ مَرْيَمُ وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَنَصَّ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ لِخُصُوصِيَّةِ الْيَهُودِ بِهِمْ، وَعَلَى آلِ عِمْرَان لِخُصُوصِيَّةِ النَّصَارَى بِهِمْ، فَذَكَرَ تَعَالَى جَعْلَ هَؤُلَاءِ صَفْوَةً، أَيْ مُخْتَارِينَ نَقَاوَةً.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ نَقَّاهُمْ مِنَ الْكَدَرِ. وَهَذَا مِنْ تَمْثِيلِ الْمَعْلُومِ بِالْمَحْسُوسِ..
وَاصْطِفَاءُ آدَمَ بِوُجُوهٍ.
مِنْهَا خَلْقُهُ أَوَّلَ هَذَا الْجِنْسِ الشَّرِيفِ، وَجَعْلُهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَإِسْجَادُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، وَإِسْكَانُهُ جَنَّتَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَرَّفَهُ بِهِ.
وَاصْطِفَاءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَشْيَاءَ، مِنْهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِتَحْرِيمِ: الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَسَائِرِ ذَوِي الْمَحَارِمِ، وَأَنَّهُ أَبُ النَّاسِ بَعْدَ آدَمَ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَاصْطِفَاءُ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: آلُ إِبْرَاهِيمَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: آلُهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ. وَتَقَدَّمَ لَنَا شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ «٤».
وَعِمْرَانُ هَذَا الْمُضَافُ إِلَيْهِ: آلُ، قِيلَ هُوَ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ مِنْ وَلَدِ سليمان بن داود،
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتِ الْيَهُودُ: نَحْنُ أَبْنَاءُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ. وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: فِي نَصَارَى نَجْرَانَ لَمَّا غَلَوْا فِي عِيسَى، وَجَعَلُوهُ ابْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتَّخَذُوهُ إِلَهًا، نَزَلَتْ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وَإِعْلَامًا أَنَّ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ الْمُتَنَقِّلِينَ فِي الْأَطْوَارِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى الْإِلَهِ، وَاسْتَطْرَدَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى وِلَادَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ إِلَى وِلَادَتِهِ هُوَ، وَهَذِهِ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَاتِ لِمَا قَبْلَهَا. وَأَيْضًا. لِمَا قُدِّمَ قَبْلُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «١» وَوَلِيَهُ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ «٢» وَخَتَمَهَا بِأَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «٣» ذَكَرَ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ يُحِبُّ اتِّبَاعَهُمْ، فَبَدَأَ أَوَّلًا بِأَوَّلِهِمْ وُجُودًا وَأَصْلِهِمْ، وَثَنَى بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ هُوَ آدَمُ الْأَصْغَرُ لَيْسَ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا مِنْ نَسْلِهِ، ثُمَّ أَتَى ثَالِثًا بِآلِ إِبْرَاهِيمَ، فَانْدَرَجَ فِيهِمْ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَأْمُورُ بِاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ أَتَى رَابِعًا بِآلِ عِمْرَانَ، فَانْدَرَجَ فِي آلِهِ مَرْيَمُ وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَنَصَّ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ لِخُصُوصِيَّةِ الْيَهُودِ بِهِمْ، وَعَلَى آلِ عِمْرَان لِخُصُوصِيَّةِ النَّصَارَى بِهِمْ، فَذَكَرَ تَعَالَى جَعْلَ هَؤُلَاءِ صَفْوَةً، أَيْ مُخْتَارِينَ نَقَاوَةً.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ نَقَّاهُمْ مِنَ الْكَدَرِ. وَهَذَا مِنْ تَمْثِيلِ الْمَعْلُومِ بِالْمَحْسُوسِ..
وَاصْطِفَاءُ آدَمَ بِوُجُوهٍ.
مِنْهَا خَلْقُهُ أَوَّلَ هَذَا الْجِنْسِ الشَّرِيفِ، وَجَعْلُهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَإِسْجَادُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، وَإِسْكَانُهُ جَنَّتَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَرَّفَهُ بِهِ.
وَاصْطِفَاءُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَشْيَاءَ، مِنْهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِتَحْرِيمِ: الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَسَائِرِ ذَوِي الْمَحَارِمِ، وَأَنَّهُ أَبُ النَّاسِ بَعْدَ آدَمَ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَاصْطِفَاءُ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ جَعَلَ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: آلُ إِبْرَاهِيمَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: آلُهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ إِبْرَاهِيمُ نَفْسُهُ. وَتَقَدَّمَ لَنَا شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ «٤».
وَعِمْرَانُ هَذَا الْمُضَافُ إِلَيْهِ: آلُ، قِيلَ هُوَ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ مِنْ وَلَدِ سليمان بن داود،
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٣١.
(٣- ٢) سورة آل عمران: ٣/ ٣٢.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢٤٨.
(٣- ٢) سورة آل عمران: ٣/ ٣٢.
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢٤٨.
109
وَهُوَ أَبُو مَرْيَمَ الْبَتُولِ أُمِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَهُ: الْحَسَنُ وَوَهْبٌ. وَقِيلَ: هُوَ عِمْرَانُ أَبُو مُوسَى وَهَارُونَ، وَهُوَ عِمْرَانُ بْنُ نُصَيْرٍ قَالَهُ مُقَاتِلٌ. فَعَلَى الْأَوَّلِ آلُهُ عِيسَى، قَالَهُ الْحَسَنُ وَعَلَى الثَّانِي آلُهُ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِآلِ عِمْرَانَ عِمْرَانُ نَفْسُهُ، وَالظَّاهِرُ فِي عِمْرَانَ أَنَّهُ أَبُو مَرْيَمَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ فَذَكَرَ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا عِيسَى، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهَا بِقَوْلِهِ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ «١» فقوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ كَالشَّرْحِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِفَاءِ، لِقَوْلِهِ: وَآلَ عِمْرَانَ، وَصَارَ نَظِيرَ تَكْرَارِ الِاسْمِ فِي جُمْلَتَيْنِ، فَيَسْبِقُ الذِّهْنُ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ، نحو: أكرم زيدا إن زَيْدًا رَجُلٌ صَالِحٌ.
وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، كَانَ فِي ذَلِكَ إِلْبَاسٌ عَلَى السَّامِعِ. وَقَدْ رُجِّحَ الْقَوْلُ الْآخَرُ بِأَنَّ مُوسَى يُقْرَنُ بِإِبْرَاهِيمَ كَثِيرًا فِي الذِّكْرِ، وَلَا يَتَطَرَّقُ الْفَهْمُ إِلَى أَنَّ عِمْرَانَ الثَّانِيَ هُوَ أَبُو مُوسَى وَهَارُونَ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ تُسَمَّى مَرْيَمَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ سِنًّا، لِلنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ وَلَدَتْ عِيسَى، وَأَنَّ زَكَرِيَّا كَفَلَ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسَى، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مَرْيَمَ إِمْشَاعَ ابْنَةَ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ فَكَانَ يَحْيَى وَعِيسَى ابْنَيْ خَالَةٍ، وَبَيْنَ الْعِمْرَانَيْنِ وَالْمَرْيَمَيْنِ أَعْصَارٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: بَيْنَ الْعِمْرَانَيْنِ أَلْفُ سَنَةٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآلَ من يؤول إِلَى الشَّخْصِ فِي قَرَابَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى هَؤُلَاءِ هُنَا فِي الِاصْطِفَاءِ لِلْمَزَايَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ.
وَذَهَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ بِالْأَنْدَلُسِ: أَبُو الْحَكَمِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرِضَى عَنْهُ، إِلَى أَنَّ ذِكْرَ آدَمَ وَنُوحٍ تَضَمَّنَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَيْنِهِمَا، وَأَنَّ الْآلَ الْأَتْبَاعُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَخَصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي قِصَّةِ بَعْضِهِمُ. انْتَهَى مَا قَالَ مُلَخَّصًا، وَقَوْلُهُ شَبِيهٌ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ آدَمَ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى دِينَ آدَمَ.
وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمُرَادُ اصْطَفَى دِينَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ التِّبْرِيزِيُّ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ لَكَانَ: وَنُوحٍ مَجْرُورًا، لِأَنَّ آدَمَ مَحَلُّهُ الْجَرُّ بِالْإِضَافَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ التِّبْرِيزِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْلَا تَسْطِيرُهُ فِي الْكُتُبِ مَا ذَكَرْتُهُ. لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُجَرَّ الْمُضَافُ إِلَيْهِ إِذَا حُذِفَ الْمُضَافُ، فَيَلْزَمُ
وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، كَانَ فِي ذَلِكَ إِلْبَاسٌ عَلَى السَّامِعِ. وَقَدْ رُجِّحَ الْقَوْلُ الْآخَرُ بِأَنَّ مُوسَى يُقْرَنُ بِإِبْرَاهِيمَ كَثِيرًا فِي الذِّكْرِ، وَلَا يَتَطَرَّقُ الْفَهْمُ إِلَى أَنَّ عِمْرَانَ الثَّانِيَ هُوَ أَبُو مُوسَى وَهَارُونَ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ تُسَمَّى مَرْيَمَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ سِنًّا، لِلنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ وَلَدَتْ عِيسَى، وَأَنَّ زَكَرِيَّا كَفَلَ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسَى، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَ مَرْيَمَ إِمْشَاعَ ابْنَةَ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ فَكَانَ يَحْيَى وَعِيسَى ابْنَيْ خَالَةٍ، وَبَيْنَ الْعِمْرَانَيْنِ وَالْمَرْيَمَيْنِ أَعْصَارٌ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: بَيْنَ الْعِمْرَانَيْنِ أَلْفُ سَنَةٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآلَ من يؤول إِلَى الشَّخْصِ فِي قَرَابَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى هَؤُلَاءِ هُنَا فِي الِاصْطِفَاءِ لِلْمَزَايَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ.
وَذَهَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ بِالْأَنْدَلُسِ: أَبُو الْحَكَمِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرِضَى عَنْهُ، إِلَى أَنَّ ذِكْرَ آدَمَ وَنُوحٍ تَضَمَّنَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَيْنِهِمَا، وَأَنَّ الْآلَ الْأَتْبَاعُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَخَصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي قِصَّةِ بَعْضِهِمُ. انْتَهَى مَا قَالَ مُلَخَّصًا، وَقَوْلُهُ شَبِيهٌ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ آدَمَ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَى دِينَ آدَمَ.
وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْمُرَادُ اصْطَفَى دِينَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ التِّبْرِيزِيُّ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ لَكَانَ: وَنُوحٍ مَجْرُورًا، لِأَنَّ آدَمَ مَحَلُّهُ الْجَرُّ بِالْإِضَافَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ التِّبْرِيزِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْلَا تَسْطِيرُهُ فِي الْكُتُبِ مَا ذَكَرْتُهُ. لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُجَرَّ الْمُضَافُ إِلَيْهِ إِذَا حُذِفَ الْمُضَافُ، فَيَلْزَمُ
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٤٢.
110
جَرُّ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، بَلْ يُعْرَبُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِإِعْرَابِ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» ؟ وَأَمَّا إِقْرَارُهُ مَجْرُورًا فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطٍ ذُكِرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
عَلَى الْعالَمِينَ متعلق باصطفى، ضَمَّنَهُ مَعْنَى فَضَّلَ، فَعَدَّاهُ بِعَلَى. وَلَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ مَعْنَى فَضَّلَ لَعُدِّيَ بِمِنْ. قِيلَ: وَالْمَعْنَى عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ، وَاللَّفْظُ عَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
وَيَضْحَى الْعَالَمُونَ لَهُ عِيَالًا وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ:
أَرَاحَ اللَّهُ مِنْكَ الْعَالَمِينَا وَكَمَا تؤول فِي وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ «٢».
وَقَالَ الْقَتِبِيُّ: لِكُلِّ دَهْرٍ عَالَمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ بِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ، وَيَكُونُ قَدِ انْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ: وَآلَ إِبْرَاهِيمَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ فُضِّلُوا عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ التَّفْضِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي فِي مَرَاتِبِ التَّفْضِيلِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ وَعُمَرُ وَخَالِدٌ أَغْنِيَاءٌ، فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْغِنَى لَا يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي فِي مَرَاتِبِ الْغِنَى، وَإِذَا حَمَلْنَا: الْعَالَمِينَ، عَلَى مَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ، كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ سِوَى هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ: الْعَالَمِينَ، عَلَى عُمُومِهِ لِأَجْلِ التَّنَاقُضِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِذَا وُصِفُوا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْعَالَمِينَ، يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: وَآلَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أَجَازُوا فِي نَصْبِ: ذَرِّيَّةً، وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ آلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ يَعْنِي أَنَّ الْآلَيْنِ ذَرِّيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَدَلٌ مِنْ نُوحٍ وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ:
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ آدَمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا يَسُوغُ أَنْ تَقُولَ فِي وَالِدِ هَذَا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ والأصل والنسل.
عَلَى الْعالَمِينَ متعلق باصطفى، ضَمَّنَهُ مَعْنَى فَضَّلَ، فَعَدَّاهُ بِعَلَى. وَلَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ مَعْنَى فَضَّلَ لَعُدِّيَ بِمِنْ. قِيلَ: وَالْمَعْنَى عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ، وَاللَّفْظُ عَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
وَيَضْحَى الْعَالَمُونَ لَهُ عِيَالًا وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ:
أَرَاحَ اللَّهُ مِنْكَ الْعَالَمِينَا وَكَمَا تؤول فِي وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ «٢».
وَقَالَ الْقَتِبِيُّ: لِكُلِّ دَهْرٍ عَالَمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ بِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ، وَيَكُونُ قَدِ انْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ: وَآلَ إِبْرَاهِيمَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ فُضِّلُوا عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْعَالَمِينَ. وَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ التَّفْضِيلِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي فِي مَرَاتِبِ التَّفْضِيلِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ وَعُمَرُ وَخَالِدٌ أَغْنِيَاءٌ، فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْغِنَى لَا يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي فِي مَرَاتِبِ الْغِنَى، وَإِذَا حَمَلْنَا: الْعَالَمِينَ، عَلَى مَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ، كَانَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ سِوَى هَؤُلَاءِ الْمُصْطَفَيْنَ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ: الْعَالَمِينَ، عَلَى عُمُومِهِ لِأَجْلِ التَّنَاقُضِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِذَا وُصِفُوا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْعَالَمِينَ، يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الْآخَرِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: وَآلَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أَجَازُوا فِي نَصْبِ: ذَرِّيَّةً، وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَدَلًا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ آلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ يَعْنِي أَنَّ الْآلَيْنِ ذَرِّيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ بَدَلٌ مِنْ نُوحٍ وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ:
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ آدَمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذُرِّيَّةٍ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا يَسُوغُ أَنْ تَقُولَ فِي وَالِدِ هَذَا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ والأصل والنسل.
(١) سورة يوسف: ١٢/ ٨٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٤٧ و ١٢٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٤٧ و ١٢٢.
111
كَقَوْلِهِ: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ «١» أَيْ آبَاءَهُمْ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: الذَّرَارِي. وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ:
الْآيَةُ تُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْآبَاءُ ذَرِّيَّةً لِلْأَبْنَاءِ، وَالْأَبْنَاءُ ذَرِّيَّةً لِلْآبَاءِ، وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فالأب ذرىء منه الولد، والولد ذرىء مِنَ الْأَبِ. وَقَالَ مَعْنَاهُ النَّقَّاشُ فَعَلَى قَوْلِ الرَّاغِبِ وَصَاحِبِ النَّظْمِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: ذَرِّيَّةً، بَدَلًا مِنْ: آدَمَ، وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَأَجَازُوا أَيْضًا نَصْبَ: ذَرِّيَّةً، عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ مِنَ الْبَدَلِ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذُرِّيَّةٍ دَلَالَةً وَاشْتِقَاقًا وَوَزْنًا، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَالضَّحَّاكُ: ذِرِّيَّةً، بِكَسْرِ الذَّالِ، وَالْجُمْهُورُ بِالضَّمِّ.
بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لذرية و: من، لِلتَّبْعِيضِ حَقِيقَةً أَيْ:
مُتَشَعِّبَةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّنَاسُلِ، فَإِنْ فُسِّرَ عِمْرَانَ بِوَالِدِ مُوسَى وَهَارُونَ فَهُمَا مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ يَصْهَرَ، وَيَصْهَرُ مِنْ قَاهِثَ، وَقَاهِثُ مِنْ لَاوَى، وَلَاوَى مِنْ يعقوب، ويعقوب من إسحاق، وإسحاق مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَإِنْ فُسِّرَ عِمْرَانَ بِوَالِدِ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسَى، فَعِيسَى مِنْ مَرْيَمَ، وَمَرْيَمُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ داود، وسليمان مِنْ وَلَدِ يَهُوذَا بْنِ يعقوب بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ دَخَلَ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: مِنْ، لِلتَّبْعِيضِ مَجَازًا أَيْ: مِنْ بَعْضٍ فِي الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ، وَإِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا ذَهَبَ الْحَسَنُ، قَالَ: مِنْ بَعْضٍ فِي تَنَاصُرِ الدِّينِ، وَقَالَ أَبُورُوتُ:
بَعْضُهَا عَلَى دِينِ بَعْضٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَيْ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُهُ الْخَلْقُ، عَلِيمٌ بِمَا يُضْمِرُونَهُ. أَوْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُهُ امْرَأَةُ عِمْرَانَ، عَلِيمٌ بِمَا تَقْصِدُ. أَوْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُهُ الذُّرِّيَّةُ، عَلِيمٌ بِمَا تُضْمِرُهُ. ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِلِاصْطِفَاءِ، أَوْ: يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الدِّينِ. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ خَتْمَ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مناسب لقوله آلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا لآله فِي قَوْلِهِ: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ
الْآيَةُ تُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْآبَاءُ ذَرِّيَّةً لِلْأَبْنَاءِ، وَالْأَبْنَاءُ ذَرِّيَّةً لِلْآبَاءِ، وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فالأب ذرىء منه الولد، والولد ذرىء مِنَ الْأَبِ. وَقَالَ مَعْنَاهُ النَّقَّاشُ فَعَلَى قَوْلِ الرَّاغِبِ وَصَاحِبِ النَّظْمِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: ذَرِّيَّةً، بَدَلًا مِنْ: آدَمَ، وَمَنْ عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَأَجَازُوا أَيْضًا نَصْبَ: ذَرِّيَّةً، عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَقَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ مِنَ الْبَدَلِ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذُرِّيَّةٍ دَلَالَةً وَاشْتِقَاقًا وَوَزْنًا، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَالضَّحَّاكُ: ذِرِّيَّةً، بِكَسْرِ الذَّالِ، وَالْجُمْهُورُ بِالضَّمِّ.
بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لذرية و: من، لِلتَّبْعِيضِ حَقِيقَةً أَيْ:
مُتَشَعِّبَةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّنَاسُلِ، فَإِنْ فُسِّرَ عِمْرَانَ بِوَالِدِ مُوسَى وَهَارُونَ فَهُمَا مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ يَصْهَرَ، وَيَصْهَرُ مِنْ قَاهِثَ، وَقَاهِثُ مِنْ لَاوَى، وَلَاوَى مِنْ يعقوب، ويعقوب من إسحاق، وإسحاق مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَإِنْ فُسِّرَ عِمْرَانَ بِوَالِدِ مَرْيَمَ أُمِّ عِيسَى، فَعِيسَى مِنْ مَرْيَمَ، وَمَرْيَمُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ داود، وسليمان مِنْ وَلَدِ يَهُوذَا بْنِ يعقوب بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ دَخَلَ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقِيلَ: مِنْ، لِلتَّبْعِيضِ مَجَازًا أَيْ: مِنْ بَعْضٍ فِي الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ بِالنُّبُوَّةِ، وَإِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا ذَهَبَ الْحَسَنُ، قَالَ: مِنْ بَعْضٍ فِي تَنَاصُرِ الدِّينِ، وَقَالَ أَبُورُوتُ:
بَعْضُهَا عَلَى دِينِ بَعْضٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَيْ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُهُ الْخَلْقُ، عَلِيمٌ بِمَا يُضْمِرُونَهُ. أَوْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُهُ امْرَأَةُ عِمْرَانَ، عَلِيمٌ بِمَا تَقْصِدُ. أَوْ: سَمِيعٌ لِمَا تَقُولُهُ الذُّرِّيَّةُ، عَلِيمٌ بِمَا تُضْمِرُهُ. ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِلِاصْطِفَاءِ، أَوْ: يَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الدِّينِ. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ خَتْمَ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مناسب لقوله آلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا لآله فِي قَوْلِهِ: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ
(١) سورة يس: ٣٦/ ٤١.
112
غَيْرِ ذِي زَرْعٍ «١» بِقَوْلِهِ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ «٢» وَحَمَدَ رَبَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ «٣» وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ رَبِّهِ: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ «٤» ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَذُرِّيَّتَهُ، وَقَالَ حِينَ بنى هو وإسماعيل الْكَعْبَةَ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا «٥» إِلَى سَائِرِ مَا دَعَا بِهِ حَتَّى قَوْلِهِ:
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ «٦» وَلِذَلِكَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ».
فَلَمَّا تَقَدَّمَتْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ تَضَرُّعَاتٌ وَأَدْعِيَةٌ لِرَبِّهِ تَعَالَى فِي آلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، نَاسَبَ أَنْ يُخْتَمَ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ آلُ عِمْرَانَ، دَعَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ بِقَبُولِ مَا كَانَتْ نَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَنَاسَبَ أَيْضًا ذِكْرَ الْوَصْفَيْنِ، وَلِذَلِكَ حِينَ ذَكَرَتِ النَّذْرَ وَدَعَتْ بِتَقَبُّلِهِ، أَخْبَرَتْ عَنْ رَبِّهَا بِأَنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَيِ: السَّمِيعُ لِدُعَائِهَا، الْعَلِيمُ بِصِدْقِ نِيَّتِهَا بِنَذْرِهَا مَا فِي بَطْنِهَا لِلَّهِ تَعَالَى.
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ الْآيَةَ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى اصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ مُعْظَمُ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَمْرِ النَّصَارَى وَفْدَ نَجْرَانَ، ذَكَرَ ابْتِدَاءً حَالَ آلِ عِمْرَانَ، وامرأة عِمْرَانَ اسْمُهَا: حَنَّةُ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَآخِرُهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ، وَهِيَ حَنَّةُ بنت فاقود، ودير حَنَّةَ بِالشَّامِ مَعْرُوفٌ، وَثَمَّ دَيْرٌ آخَرُ يُعْرَفُ بِدَيْرِ حَنَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نواس دَيْرَ حَنَّةَ فِي شِعْرِهِ فَقَالَ:
وَقَبْرُ حَنَّةَ، جَدَّةُ عِيسَى، بِظَاهِرِ دِمَشْقَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِيِّ اسْمُ امْرَأَةٍ حَنَّةُ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ: حَنَّةُ أم عمرو يروي حَدِيثَهَا ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَيُسْتَفَادُ حَنَّةُ مَعَ: حَبَّةَ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَاءٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْ أسفل، و: حية، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَيَاءٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ أَسْفَلَ، وَهُمَا اسْمَانِ لِنَاسٍ، وَمَعَ: خَبَّةَ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ أَسْفَلَ، وَهِيَ خَبَّةُ بِنْتُ يحيى بن أكثم القاضي، أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَمَعَ: جَنَّةَ بِجِيمٍ وَنُونٍ وَهُوَ أَبُو جَنَّةَ خَالُ ذِي الرُّمَّةِ الشَّاعِرِ، لَا نَعْرِفُ سِوَاهُ.
وَلَمْ تَكْتَفِ حَنَّةُ بِنِيَّةِ النَّذْرِ حَتَّى أَظْهَرَتْهُ بِاللَّفْظِ، وَخَاطَبَتْ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدَّمَتْ قَبْلَ التلفظ بذلك نداء هاله تَعَالَى بِلَفْظِ الرَّبِّ. الَّذِي هُوَ مَالِكُهَا وَمَالِكُ كُلِّ شيء، وتقدّم معنى
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ «٦» وَلِذَلِكَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ».
فَلَمَّا تَقَدَّمَتْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ تَضَرُّعَاتٌ وَأَدْعِيَةٌ لِرَبِّهِ تَعَالَى فِي آلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، نَاسَبَ أَنْ يُخْتَمَ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ آلُ عِمْرَانَ، دَعَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ بِقَبُولِ مَا كَانَتْ نَذَرَتْهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَنَاسَبَ أَيْضًا ذِكْرَ الْوَصْفَيْنِ، وَلِذَلِكَ حِينَ ذَكَرَتِ النَّذْرَ وَدَعَتْ بِتَقَبُّلِهِ، أَخْبَرَتْ عَنْ رَبِّهَا بِأَنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَيِ: السَّمِيعُ لِدُعَائِهَا، الْعَلِيمُ بِصِدْقِ نِيَّتِهَا بِنَذْرِهَا مَا فِي بَطْنِهَا لِلَّهِ تَعَالَى.
إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ الْآيَةَ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى اصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ، وَكَانَ مُعْظَمُ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَمْرِ النَّصَارَى وَفْدَ نَجْرَانَ، ذَكَرَ ابْتِدَاءً حَالَ آلِ عِمْرَانَ، وامرأة عِمْرَانَ اسْمُهَا: حَنَّةُ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَآخِرُهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ، وَهُوَ اسْمٌ عِبْرَانِيٌّ، وَهِيَ حَنَّةُ بنت فاقود، ودير حَنَّةَ بِالشَّامِ مَعْرُوفٌ، وَثَمَّ دَيْرٌ آخَرُ يُعْرَفُ بِدَيْرِ حَنَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نواس دَيْرَ حَنَّةَ فِي شِعْرِهِ فَقَالَ:
| يَا دَيْرَ حَنَّةَ من ذات الاكيداح | مَنْ يَصْحُ عَنْكِ فَإِنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِ |
وَيُسْتَفَادُ حَنَّةُ مَعَ: حَبَّةَ، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَاءٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْ أسفل، و: حية، بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَيَاءٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ أَسْفَلَ، وَهُمَا اسْمَانِ لِنَاسٍ، وَمَعَ: خَبَّةَ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ أَسْفَلَ، وَهِيَ خَبَّةُ بِنْتُ يحيى بن أكثم القاضي، أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَمَعَ: جَنَّةَ بِجِيمٍ وَنُونٍ وَهُوَ أَبُو جَنَّةَ خَالُ ذِي الرُّمَّةِ الشَّاعِرِ، لَا نَعْرِفُ سِوَاهُ.
وَلَمْ تَكْتَفِ حَنَّةُ بِنِيَّةِ النَّذْرِ حَتَّى أَظْهَرَتْهُ بِاللَّفْظِ، وَخَاطَبَتْ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى، وَقَدَّمَتْ قَبْلَ التلفظ بذلك نداء هاله تَعَالَى بِلَفْظِ الرَّبِّ. الَّذِي هُوَ مَالِكُهَا وَمَالِكُ كُلِّ شيء، وتقدّم معنى
(٢- ١) سورة إبراهيم: ١٤/ ٣٧. [.....]
(٤- ٣) سورة إبراهيم: ١٤/ ٣٩.
(٥) سورة البقرة: ٢/ ١٢٧.
(٦) سورة البقرة: ٢/ ١٢٩.
(٤- ٣) سورة إبراهيم: ١٤/ ٣٩.
(٥) سورة البقرة: ٢/ ١٢٧.
(٦) سورة البقرة: ٢/ ١٢٩.
113
النَّذْرِ وَهُوَ اسْتِدْفَاعُ الْمُخَوِّفِ بِمَا يَعْقِدُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ. وَقِيلَ: مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِشَرِيطَةٍ وَبِغَيْرِ شَرِيطَةٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
و: لك، اللَّامُ فِيهِ لَامُ السَّبَبِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ التَّقْدِيرِ: لِخِدْمَةِ بَيْتِكَ، أَوْ لِلِاحْتِبَاسِ عَلَى طَاعَتِكَ.
مَا فِي بَطْنِي جَزَمَتِ النَّذْرَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، أَوْ لِرَجَاءٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا.
مُحَرَّراً مَعْنَاهُ عَتِيقًا مِنْ كُلِّ شُغْلٍ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، فَهُوَ مِنْ لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ. قَالَ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ: أَوْ خَادِمًا لِلْبِيعَةِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، أَوْ: مُخْلِصًا لِلْعِبَادَةِ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ. وَرَوَاهُ خُصَيْفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَتَى بِلَفْظِ: مَا، دُونَ: مِنْ، لِأَنَّ الْحَمْلَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْعَقْلِ، أَوْ لِأَنَّ: مَا، مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَجُوزُ أَنْ تَقَعَ مَوْقِعَ: مِنْ.
وَنُسِبَ هَذَا إِلَى سِيبَوَيْهِ.
فَتَقَبَّلْ مِنِّي دَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا مَا نَذَرَتْهُ لَهُ، وَالتَّقَبُّلُ أَخْذُ الشَّيْءِ عَلَى الرِّضَا بِهِ، وَأَصْلُهُ الْمُقَابَلَةُ بالجزاء، و: تقبل، هُنَا بِمَعْنَى: قَبِلَ، فَهُوَ مِمَّا تَفَعَّلَ فِيهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: تَعَدَّى الشَّيْءَ وعداه، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي الَّتِي جَاءَتْ لَهَا تَفَعَّلَ.
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ خُتِمَتْ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لِأَنَّهَا اعْتَقَدَتِ النَّذْرَ، وَعَقَدَتْهُ بَنِيَّتِهَا، وَتَلَفَّظَتْ بِهِ، وَدَعَتْ بِقَبُولِهِ. فَنَاسَبَ ذَلِكَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ.
وَالْعَامِلُ فِي: إِذْ، مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أَذْكُرُ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَالْمُبَرِّدُ، أَوْ مَعْنَى الِاصْطِفَاءُ، التَّقْدِيرُ: وَاصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وعلى هذا يجعل وَآلَ عِمْرانَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُمَلِ لَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ، لِأَنَّهُ إِنْ جُعِلَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ اصْطَفَى آدَمَ، وَلَا يَسُوغُ ذَلِكَ لِتَغَايُرِ زَمَانِ هَذَا الِاصْطِفَاءِ، وَزَمَانِ قَوْلِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، فَلَا يَصِحُّ عَمَلُهُ فِيهِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ: سَمِيعٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، أَوْ:
سَمِيعٌ عَلِيمٌ، لِقَوْلِ امْرَأَةِ عمران ونيتها، وَ: إِذْ، مَنْصُوبٌ بِهِ. انْتَهَى. وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلِيمٌ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ وَصْفًا لِقَوْلِهِ: سَمِيعٌ، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بِهِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ وَصْفًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ:
| فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي | وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بثين لقوني |
مَا فِي بَطْنِي جَزَمَتِ النَّذْرَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، أَوْ لِرَجَاءٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا.
مُحَرَّراً مَعْنَاهُ عَتِيقًا مِنْ كُلِّ شُغْلٍ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا، فَهُوَ مِنْ لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ. قَالَ محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ: أَوْ خَادِمًا لِلْبِيعَةِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، أَوْ: مُخْلِصًا لِلْعِبَادَةِ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ. وَرَوَاهُ خُصَيْفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَتَى بِلَفْظِ: مَا، دُونَ: مِنْ، لِأَنَّ الْحَمْلَ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْعَقْلِ، أَوْ لِأَنَّ: مَا، مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَيَجُوزُ أَنْ تَقَعَ مَوْقِعَ: مِنْ.
وَنُسِبَ هَذَا إِلَى سِيبَوَيْهِ.
فَتَقَبَّلْ مِنِّي دَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا مَا نَذَرَتْهُ لَهُ، وَالتَّقَبُّلُ أَخْذُ الشَّيْءِ عَلَى الرِّضَا بِهِ، وَأَصْلُهُ الْمُقَابَلَةُ بالجزاء، و: تقبل، هُنَا بِمَعْنَى: قَبِلَ، فَهُوَ مِمَّا تَفَعَّلَ فِيهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: تَعَدَّى الشَّيْءَ وعداه، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي الَّتِي جَاءَتْ لَهَا تَفَعَّلَ.
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ خُتِمَتْ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ لِأَنَّهَا اعْتَقَدَتِ النَّذْرَ، وَعَقَدَتْهُ بَنِيَّتِهَا، وَتَلَفَّظَتْ بِهِ، وَدَعَتْ بِقَبُولِهِ. فَنَاسَبَ ذَلِكَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ.
وَالْعَامِلُ فِي: إِذْ، مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: أَذْكُرُ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَالْمُبَرِّدُ، أَوْ مَعْنَى الِاصْطِفَاءُ، التَّقْدِيرُ: وَاصْطَفَى آلَ عِمْرَانَ. قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وعلى هذا يجعل وَآلَ عِمْرانَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُمَلِ لَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ، لِأَنَّهُ إِنْ جُعِلَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ اصْطَفَى آدَمَ، وَلَا يَسُوغُ ذَلِكَ لِتَغَايُرِ زَمَانِ هَذَا الِاصْطِفَاءِ، وَزَمَانِ قَوْلِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، فَلَا يَصِحُّ عَمَلُهُ فِيهِ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ: سَمِيعٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ، أَوْ:
سَمِيعٌ عَلِيمٌ، لِقَوْلِ امْرَأَةِ عمران ونيتها، وَ: إِذْ، مَنْصُوبٌ بِهِ. انْتَهَى. وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلِيمٌ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ وَصْفًا لِقَوْلِهِ: سَمِيعٌ، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بِهِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ وَصْفًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ:
114
سَمِيعٌ، فِي الظَّرْفِ، لِأَنَّهُ قد وصف. اسم الْفَاعِلِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ إِذَا وُصِفَ قَبْلَ أَخْذِ مَعْمُولِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ إِذْ ذَاكَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى خِلَافٍ لِبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اتِّصَافَهُ تَعَالَى: بِسَمِيعٍ عَلِيمٍ، لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى أَنَّ إِذْ زَائِدَةٌ، الْمَعْنَى: قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ. وَتَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا الْقَوْلِ فِي: مَوَاضِعَ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ فِي النَّحْوِ.
وَانْتَصَبَ: مُحَرَّرًا، عَلَى الْحَالِ. قِيلَ: من ما، فالعامل: نذرات. وَقِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي: اسْتَقَرَّ، الْعَامِلُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، فَالْعَامِلُ فِي هَذَا: اسْتَقَرَّ، وَقَالَ مَكِّيُّ فَمَنْ نَصَبَهُ عَلَى النَّعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلَامًا مُحَرَّرًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، يَعْنِي أَنَّ: نَذَرَ، قَدْ أَخَذَ مَفْعُولَهُ، وَهُوَ: مَا فِي بَطْنِي، فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى آخر، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَصِبَ:
مُحَرَّرًا، عَلَى أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَعْنَى: تَحْرِيرًا، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى زِنَةِ الْمَفْعُولِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ زَائِدٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
التَّقْدِيرُ: تَسْرِيحِي الْقَوَافِي، وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: نَذَرَ تحرير، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ مَعْنَى: نَذَرْتُ، لِأَنَّ مَعْنَى: نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي حَرَّرْتُ لَكَ بِالنَّذْرِ مَا فِي بَطْنِي. وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ: مَا، وَيَكُونَ، إِذْ ذَاكَ حَالًا مُقَدَّرَةً إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: مُحَرَّرًا، خَادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وَحَالًا مُصَاحِبَةً إِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَتِيقًا، لِأَنَّ عِتْقَ مَا فِي الْبَطْنِ يَجُوزُ.
وَكَتَبُوا: امْرَأَةُ عِمْرَانَ، بِالتَّاءِ لَا بِالْهَاءِ، وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَامْرَأَةُ نُوحٍ، وَامْرَأَةُ لُوطٍ، وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، سَبْعَةُ مَوَاضِعَ. فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقِفُونَ بِالتَّاءِ اتِّبَاعًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ مَعَ أَنَّهَا لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلَى طَلْحَةَ طَلَحَتْ، بِالتَّاءِ. وَوَقَفَ أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ: بِالْهَاءِ وَلَمْ يَتْبَعُوا رَسْمَ الْمُصْحَفِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ سَبَبَ هَذَا الْحَمْلِ الَّذِي اتَّفَقَ لِامْرَأَةِ عِمْرَانَ. فَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ، فَبَيْنَا هِيَ يَوْمًا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ نَظَرَتْ إِلَى طَائِرٍ يَذُقْ فَرْخًا لَهُ، فَتَحَرَّكَتْ بِهِ نَفْسُهَا لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا. فَحَمَلَتْ. وَمَاتَ عِمْرَانُ زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَحَسِبَتِ الْحَمْلَ وَلَدًا فَنَذَرَتْهُ لِلَّهِ حَبِيسًا لِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمُ التَّقَرُّبُ بِهِبَةِ أَوْلَادِهِمْ لِبُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ، وكان بنو ماثان رؤوس
وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى أَنَّ إِذْ زَائِدَةٌ، الْمَعْنَى: قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ. وَتَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا الْقَوْلِ فِي: مَوَاضِعَ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ فِي النَّحْوِ.
وَانْتَصَبَ: مُحَرَّرًا، عَلَى الْحَالِ. قِيلَ: من ما، فالعامل: نذرات. وَقِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي: اسْتَقَرَّ، الْعَامِلُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، فَالْعَامِلُ فِي هَذَا: اسْتَقَرَّ، وَقَالَ مَكِّيُّ فَمَنْ نَصَبَهُ عَلَى النَّعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلَامًا مُحَرَّرًا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، يَعْنِي أَنَّ: نَذَرَ، قَدْ أَخَذَ مَفْعُولَهُ، وَهُوَ: مَا فِي بَطْنِي، فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى آخر، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَصِبَ:
مُحَرَّرًا، عَلَى أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَعْنَى: تَحْرِيرًا، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى زِنَةِ الْمَفْعُولِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ زَائِدٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
| أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ الْقَوَافِي | فَلَا عِيًّا بِهِنَّ وَلَا اجْتِلَابَا |
وَكَتَبُوا: امْرَأَةُ عِمْرَانَ، بِالتَّاءِ لَا بِالْهَاءِ، وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَامْرَأَةُ نُوحٍ، وَامْرَأَةُ لُوطٍ، وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، سَبْعَةُ مَوَاضِعَ. فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقِفُونَ بِالتَّاءِ اتِّبَاعًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ مَعَ أَنَّهَا لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلَى طَلْحَةَ طَلَحَتْ، بِالتَّاءِ. وَوَقَفَ أَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ: بِالْهَاءِ وَلَمْ يَتْبَعُوا رَسْمَ الْمُصْحَفِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ لُغَةُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ سَبَبَ هَذَا الْحَمْلِ الَّذِي اتَّفَقَ لِامْرَأَةِ عِمْرَانَ. فَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ، فَبَيْنَا هِيَ يَوْمًا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ نَظَرَتْ إِلَى طَائِرٍ يَذُقْ فَرْخًا لَهُ، فَتَحَرَّكَتْ بِهِ نَفْسُهَا لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا. فَحَمَلَتْ. وَمَاتَ عِمْرَانُ زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَحَسِبَتِ الْحَمْلَ وَلَدًا فَنَذَرَتْهُ لِلَّهِ حَبِيسًا لِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمُ التَّقَرُّبُ بِهِبَةِ أَوْلَادِهِمْ لِبُيُوتِ عِبَادَاتِهِمْ، وكان بنو ماثان رؤوس
115
بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُلُوكَهُمْ وَأَحْبَارَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَمِنْ نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْغِلْمَانِ، وَكَانَتِ الْجَارِيَةُ لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَكَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَكَانَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُمْ، فَإِذَا حُرِّرَ خَدَمُ الْكَنِيسَةِ بِالْكَنْسِ وَالْإِسْرَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَيُخَيَّرُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ فِي الْكَنِيسَةِ أَقَامَ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ إِلَّا وَمِنْ نَسْلِهِ مُحَرَّرٌ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى أُنِّثَ الضَّمِيرُ فِي وَضَعَتْهَا حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى فِي: مَا، لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا كَانَ أُنْثَى فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حملا على الموجودة، وَرَفْعًا لِلَفْظِ: مَا، فِي قَوْلِهَا: مَا فِي بَطْنِي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْجِبِلَّةِ، أَوِ النَّفْسِ، أَوِ النَّسَمَةِ. جَوَابٌ: لِمَا، هُوَ: قَالَتْ وَخَاطَبَتْ رَبَّهَا عَلَى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ رَجَائِهَا، وَخِلَافُ مَا قَدَّرَتْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَرْجُو أَنْ تَلِدَ ذَكَرًا يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ، وَلِذَلِكَ نَذَرَتْهُ مُحَرَّرًا. وَجَاءَ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي وَضَعْتُها الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى النَّسَمَةِ أَوِ النَّفْسِ فَظَاهِرٌ، إِذْ تَكُونُ الْحَالُ فِي قَوْلِهِ: أُنْثَى، مُبَيِّنَةً إِذِ النَّسَمَةُ وَالنَّفْسُ تَنْطَلِقُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ انْتِصَابُ أُنْثَى حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي وَضَعْتُهَا وَهُوَ كَقَوْلِكَ: وَضَعَتِ الْأُنْثَى أُنْثَى؟.
قُلْتُ: الْأَصْلُ وَضَعَتْهُ أُنْثَى، وَإِنَّمَا أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الْحَالِ لِأَنَّ الْحَالَ، وَذَا الْحَالِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، كَمَا أُنِّثَ الِاسْمُ فِي: مَنْ كَانَتْ أُمَّكَ؟ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ «١». انْتَهَى. وَآلَ قَوْلُهُ إِلَى أَنَّ: أُنْثَى، تَكُونُ حَالًا مُؤَكِّدَةً، لَا يُخْرِجُهُ تَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ الْحَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ مُؤَكِّدَةً. وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَنْ كَانَتْ أُمَّكَ؟ حَيْثُ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى مَعْنَى: مَنْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، لِأَنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ عَلَى مَعْنَى:
مَنْ، إِذِ الْمَعْنَى: أَيَّةُ امْرَأَةٍ، كَانَتْ أُمَّكَ، أَيْ: كَانَتْ هِيَ أَيُّ الْمَرْأَةِ أُمُّكَ، فَالتَّأْنِيثُ لَيْسَ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ عَلَى مَعْنَى: مَنْ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ تَأْنِيثٌ لِلِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، لِأَنَّ الْخَبَرَ مُخَصَّصٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ، فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الْخَبَرِ مَا لَا يُسْتَفَادُ مِنَ الِاسْمِ بِخِلَافِ أُنْثَى، فَإِنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ.
وَأَمَّا تَنْظِيرُهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ «٢» فَيَعْنِي أَنَّهُ ثَنَّى بِالِاسْمِ لِتَثْنِيَةِ الخبر، والكلام
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى أُنِّثَ الضَّمِيرُ فِي وَضَعَتْهَا حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى فِي: مَا، لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا كَانَ أُنْثَى فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حملا على الموجودة، وَرَفْعًا لِلَفْظِ: مَا، فِي قَوْلِهَا: مَا فِي بَطْنِي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْجِبِلَّةِ، أَوِ النَّفْسِ، أَوِ النَّسَمَةِ. جَوَابٌ: لِمَا، هُوَ: قَالَتْ وَخَاطَبَتْ رَبَّهَا عَلَى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ رَجَائِهَا، وَخِلَافُ مَا قَدَّرَتْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَرْجُو أَنْ تَلِدَ ذَكَرًا يَصْلُحُ لِلْخِدْمَةِ، وَلِذَلِكَ نَذَرَتْهُ مُحَرَّرًا. وَجَاءَ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي وَضَعْتُها الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى النَّسَمَةِ أَوِ النَّفْسِ فَظَاهِرٌ، إِذْ تَكُونُ الْحَالُ فِي قَوْلِهِ: أُنْثَى، مُبَيِّنَةً إِذِ النَّسَمَةُ وَالنَّفْسُ تَنْطَلِقُ عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ انْتِصَابُ أُنْثَى حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي وَضَعْتُهَا وَهُوَ كَقَوْلِكَ: وَضَعَتِ الْأُنْثَى أُنْثَى؟.
قُلْتُ: الْأَصْلُ وَضَعَتْهُ أُنْثَى، وَإِنَّمَا أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الْحَالِ لِأَنَّ الْحَالَ، وَذَا الْحَالِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، كَمَا أُنِّثَ الِاسْمُ فِي: مَنْ كَانَتْ أُمَّكَ؟ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ «١». انْتَهَى. وَآلَ قَوْلُهُ إِلَى أَنَّ: أُنْثَى، تَكُونُ حَالًا مُؤَكِّدَةً، لَا يُخْرِجُهُ تَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ الْحَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ مُؤَكِّدَةً. وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَنْ كَانَتْ أُمَّكَ؟ حَيْثُ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى مَعْنَى: مَنْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، لِأَنَّ ذَلِكَ حَمْلٌ عَلَى مَعْنَى:
مَنْ، إِذِ الْمَعْنَى: أَيَّةُ امْرَأَةٍ، كَانَتْ أُمَّكَ، أَيْ: كَانَتْ هِيَ أَيُّ الْمَرْأَةِ أُمُّكَ، فَالتَّأْنِيثُ لَيْسَ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ عَلَى مَعْنَى: مَنْ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ تَأْنِيثٌ لِلِاسْمِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ لَمْ يَكُنْ نَظِيرَ: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، لِأَنَّ الْخَبَرَ مُخَصَّصٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ، فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الْخَبَرِ مَا لَا يُسْتَفَادُ مِنَ الِاسْمِ بِخِلَافِ أُنْثَى، فَإِنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ.
وَأَمَّا تَنْظِيرُهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ «٢» فَيَعْنِي أَنَّهُ ثَنَّى بِالِاسْمِ لِتَثْنِيَةِ الخبر، والكلام
(١) سورة النساء: ٤/ ١٧٦.
(٢) سورة النساء: ٤/ ١٧٦.
(٢) سورة النساء: ٤/ ١٧٦.
116
عَلَيْهِ يَأْتِي فِي مَكَانِهِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ فِي: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، عَائِدًا عَلَى النَّسَمَةِ، أَوِ النَّفْسِ، فَتَكُونُ الْحَالُ مَبْنِيَّةً لَا مُؤَكِّدَةً.
وَقِيلَ: خَاطَبَتِ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ، وَالتَّنَصُّلِ مِنْ نَذْرِ مَا لَا يَصْلُحُ لِسَدَانَةِ الْبَيْتِ، إِذْ كَانَتِ الْأُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ.
وَقِيلَ: كَانَتْ مَرْيَمُ أَجْمَلَ نِسَاءِ زَمَانِهَا وَأَكْمَلَهُنَّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَيَعْقُوبُ: بِضَمِّ التَّاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ أُمِّ مَرْيَمَ، وَكَأَنَّهَا خَاطَبَتْ نَفْسَهَا بِقَوْلِهَا: وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ تَأْتِ عَلَى لَفْظِ: رَبِّ، إِذْ لَوْ أَتَتْ عَلَى لَفْظِهِ لَقَالَتْ: وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ. وَلَكِنْ خَاطَبَتْ نَفْسَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ عَنِ الذَّكَرِ، وَأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَسَابِقَ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ التَّحَسُّرِ وَالتَّحَذُّرِ عَلَى مَا فَاتَنِي مِنَ الْمَقْصِدِ، إِذْ مُرَادُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبْتُهُ وَرَجَوْتُهُ مِثْلَ الْأُنْثَى الَّتِي عَلِمَهَا وَأَرَادَهَا وَقَضَى بِهَا. وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأُنْثَى تَكُونُ خَيْرًا مِنَ الذَّكَرِ، إِذْ أَرَادَهَا اللَّهُ، سَلَّتْ بِذَلِكَ نَفْسَهَا.
وَتَكُونُ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الذَّكَرُ، لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ مَقْصُودُهَا تَرْجِيحَ هَذِهِ الْأُنْثَى الَّتِي هِيَ مَوْهُوبَةُ اللَّهِ عَلَى مَا كَانَ قَدْ رَجَتْ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ ذَكَرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهَا أَنَّهُ لَيْسَ كَالْأُنْثَى فِي الْفَضْلِ وَالدَّرَجَةِ وَالْمَزِيَّةِ، لِأَنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى خِدْمَةِ مَوْضِعِ الْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الْخِدْمَةِ، وَلَا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ فِي الْخِدْمَةِ وَالِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ وَلَا تُهْمَةَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَالْأُنْثَى، فِي امْتِنَاعِ نَذْرِهِ إِذِ الْأُنْثَى تَحِيضُ وَلَا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُّهْبَانِ؟ قَالَهُ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَبَدَأَتْ بِذِكْرِ الْأَهَمِّ فِي نَفْسِهَا، وَإِلَّا فَسِيَاقُ الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: وَلَيْسَتِ الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ، فَتَضَعُ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي عِنْدَهَا، وَانْتَفَتْ عَنْهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ لِلْغَرَضِ الْمُرَادِ. انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الذَّكَرُ، لِلْجِنْسِ.
وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: بِمَا وَضَعَتْ، بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالَّذِي وَضَعَتْهُ. أَيْ: بِحَالِهِ، وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ الْأُنْثَى، فَإِنَّ قَوْلَهَا: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ مِنْ حَالِهَا إِلَّا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ النَّسَمَةِ جَاءَتْ أُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمَوْضُوعَةِ، فَأَتَى بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ
وَقِيلَ: خَاطَبَتِ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ، وَالتَّنَصُّلِ مِنْ نَذْرِ مَا لَا يَصْلُحُ لِسَدَانَةِ الْبَيْتِ، إِذْ كَانَتِ الْأُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ.
وَقِيلَ: كَانَتْ مَرْيَمُ أَجْمَلَ نِسَاءِ زَمَانِهَا وَأَكْمَلَهُنَّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَيَعْقُوبُ: بِضَمِّ التَّاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ أُمِّ مَرْيَمَ، وَكَأَنَّهَا خَاطَبَتْ نَفْسَهَا بِقَوْلِهَا: وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ تَأْتِ عَلَى لَفْظِ: رَبِّ، إِذْ لَوْ أَتَتْ عَلَى لَفْظِهِ لَقَالَتْ: وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ. وَلَكِنْ خَاطَبَتْ نَفْسَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ عَنِ الذَّكَرِ، وَأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ وَسَابِقَ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ التَّحَسُّرِ وَالتَّحَذُّرِ عَلَى مَا فَاتَنِي مِنَ الْمَقْصِدِ، إِذْ مُرَادُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبْتُهُ وَرَجَوْتُهُ مِثْلَ الْأُنْثَى الَّتِي عَلِمَهَا وَأَرَادَهَا وَقَضَى بِهَا. وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأُنْثَى تَكُونُ خَيْرًا مِنَ الذَّكَرِ، إِذْ أَرَادَهَا اللَّهُ، سَلَّتْ بِذَلِكَ نَفْسَهَا.
وَتَكُونُ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الذَّكَرُ، لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ مَقْصُودُهَا تَرْجِيحَ هَذِهِ الْأُنْثَى الَّتِي هِيَ مَوْهُوبَةُ اللَّهِ عَلَى مَا كَانَ قَدْ رَجَتْ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ ذَكَرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهَا أَنَّهُ لَيْسَ كَالْأُنْثَى فِي الْفَضْلِ وَالدَّرَجَةِ وَالْمَزِيَّةِ، لِأَنَّ الذَّكَرَ يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى خِدْمَةِ مَوْضِعِ الْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الْخِدْمَةِ، وَلَا يَلْحَقُهُ عَيْبٌ فِي الْخِدْمَةِ وَالِاخْتِلَاطِ بِالنَّاسِ وَلَا تُهْمَةَ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَالْأُنْثَى، فِي امْتِنَاعِ نَذْرِهِ إِذِ الْأُنْثَى تَحِيضُ وَلَا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُّهْبَانِ؟ قَالَهُ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَبَدَأَتْ بِذِكْرِ الْأَهَمِّ فِي نَفْسِهَا، وَإِلَّا فَسِيَاقُ الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: وَلَيْسَتِ الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ، فَتَضَعُ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ الشَّيْءِ الَّذِي عِنْدَهَا، وَانْتَفَتْ عَنْهُ صِفَاتُ الْكَمَالِ لِلْغَرَضِ الْمُرَادِ. انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الذَّكَرُ، لِلْجِنْسِ.
وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ: بِمَا وَضَعَتْ، بِتَاءِ التَّأْنِيثِ السَّاكِنَةِ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالَّذِي وَضَعَتْهُ. أَيْ: بِحَالِهِ، وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ الْأُنْثَى، فَإِنَّ قَوْلَهَا: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ مِنْ حَالِهَا إِلَّا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ النَّسَمَةِ جَاءَتْ أُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيرِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمَوْضُوعَةِ، فَأَتَى بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعِلْمِ
117
بِتَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِهَذِهِ الْمَوْضُوعَةِ، وَالْإِعْلَامُ بِمَا عَلِقَ بِهَا وَبِابْنِهَا مِنْ عَظِيمِ الْأُمُورِ، إِذْ جَعَلَهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ. وَوَالِدَتُهَا جَاهِلَةٌ بِذَلِكَ لَا تَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا وَضَعْتِ، بِكَسْرِ تَاءِ الْخِطَابِ، خَاطَبَهَا اللَّهُ بِذَلِكَ أَيْ: إِنَّكِ لَا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذِهِ الْمَوْهُوبَةِ، وَمَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عِظَمِ شأنها وعلوّ قدرها.
وَ: مَا، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى: الَّذِي، أَوِ: الَّتِي، وَأَتَى بِلَفْظِ: مَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي وَالْعَائِدُ عَلَيْهَا مَحْذُوفٌ عَلَى كُلِّ قِرَاءَةٍ.
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ مَرْيَمُ فِي لُغَتِهِمْ مَعْنَاهُ: الْعَابِدَةُ، أَرَادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ التَّفَاؤُلَ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مُطَابِقًا لِاسْمِهَا، وَأَنْ تَصْدُقَ فِيهَا ظَنَّهَا بِهَا. أَلَا تَرَى إِلَى إعاذتها بالله وإعاذتها ذُرِّيَّتِهَا مِنَ الشَّيْطَانِ؟ وَخَاطَبَتِ اللَّهَ بِهَذَا الْكَلَامِ لِتَرَتُّبِ الِاسْتِعَاذَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتِبْدَادُهَا بِالتَّسْمِيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَاهَا عِمْرَانَ كَانَ قَدْ مَاتَ، كَمَا نُقِلَ أَنَّهُ مَاتَ وَهِيَ حَامِلٌ، عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ مِنْ حَيْثُ هِيَ أُنْثَى أَنْ تَسْتَبِدَّ الْأُمُّ بِالتَّسْمِيَةِ لِكَرَاهَةِ الرِّجَالِ الْبَنَاتِ، وَفِي الْآيَةِ تَسْمِيَةُ الطِّفْلِ قُرْبَ الْوِلَادَةِ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بَاسِمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ».
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ: «يُعَقُّ عَنِ الْمَوْلُودِ فِي السَّابِعِ وَيُسَمَّى».
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ كَلَامِهَا، وَهِيَ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقَوْلِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: بِمَا وَضَعْتُ، بِضَمِّ التَّاءِ. وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: بِمَا وَضَعَتْ، بِسُكُونِ التَّاءِ أَوْ بِالْكَسْرِ.
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى: إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى، وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَانِ، كَقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ «١». انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْ كَلَامِهَا، وَيَكُونُ الْمُعْتَرِضُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَمَا كَانَ مِنْ كَلَامِهَا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: وَضَعْتُ، بِضَمِّ التَّاءِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُتَعَيَّنُ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْ كَلَامِهَا فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ فِي اعْتِرَاضِ جُمْلَتَيْنِ خلافا. مذهب أَبِي عَلِيٍّ: أَنَّهُ لَا يَعْتَرِضُ جُمْلَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَيْضًا تَشْبِيهُهُ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اعْتُرِضَ بِهِمَا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلَى زَعْمِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ «٢» لَيْسَ تَشْبِيهًا مُطَابِقًا لِلْآيَةِ، لِأَنَّهُ لم
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا وَضَعْتِ، بِكَسْرِ تَاءِ الْخِطَابِ، خَاطَبَهَا اللَّهُ بِذَلِكَ أَيْ: إِنَّكِ لَا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذِهِ الْمَوْهُوبَةِ، وَمَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عِظَمِ شأنها وعلوّ قدرها.
وَ: مَا، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى: الَّذِي، أَوِ: الَّتِي، وَأَتَى بِلَفْظِ: مَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي وَالْعَائِدُ عَلَيْهَا مَحْذُوفٌ عَلَى كُلِّ قِرَاءَةٍ.
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ مَرْيَمُ فِي لُغَتِهِمْ مَعْنَاهُ: الْعَابِدَةُ، أَرَادَتْ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ التَّفَاؤُلَ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مُطَابِقًا لِاسْمِهَا، وَأَنْ تَصْدُقَ فِيهَا ظَنَّهَا بِهَا. أَلَا تَرَى إِلَى إعاذتها بالله وإعاذتها ذُرِّيَّتِهَا مِنَ الشَّيْطَانِ؟ وَخَاطَبَتِ اللَّهَ بِهَذَا الْكَلَامِ لِتَرَتُّبِ الِاسْتِعَاذَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتِبْدَادُهَا بِالتَّسْمِيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَاهَا عِمْرَانَ كَانَ قَدْ مَاتَ، كَمَا نُقِلَ أَنَّهُ مَاتَ وَهِيَ حَامِلٌ، عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ مِنْ حَيْثُ هِيَ أُنْثَى أَنْ تَسْتَبِدَّ الْأُمُّ بِالتَّسْمِيَةِ لِكَرَاهَةِ الرِّجَالِ الْبَنَاتِ، وَفِي الْآيَةِ تَسْمِيَةُ الطِّفْلِ قُرْبَ الْوِلَادَةِ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بَاسِمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ».
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ: «يُعَقُّ عَنِ الْمَوْلُودِ فِي السَّابِعِ وَيُسَمَّى».
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ كَلَامِهَا، وَهِيَ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقَوْلِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: بِمَا وَضَعْتُ، بِضَمِّ التَّاءِ. وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: بِمَا وَضَعَتْ، بِسُكُونِ التَّاءِ أَوْ بِالْكَسْرِ.
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى: إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى، وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَانِ، كَقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ «١». انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُمَا جُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْ كَلَامِهَا، وَيَكُونُ الْمُعْتَرِضُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، كَمَا كَانَ مِنْ كَلَامِهَا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: وَضَعْتُ، بِضَمِّ التَّاءِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُتَعَيَّنُ لِثُبُوتِ كَوْنِهِ مِنْ كَلَامِهَا فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ فِي اعْتِرَاضِ جُمْلَتَيْنِ خلافا. مذهب أَبِي عَلِيٍّ: أَنَّهُ لَا يَعْتَرِضُ جُمْلَتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَيْضًا تَشْبِيهُهُ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اعْتُرِضَ بِهِمَا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلَى زَعْمِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ «٢» لَيْسَ تَشْبِيهًا مُطَابِقًا لِلْآيَةِ، لِأَنَّهُ لم
(٢- ١) سورة الواقعة: ٥٦/ ٧٦.
118
يَعْتَرِضْ جُمْلَتَانِ بَيْنَ طَالِبٍ وَمَطْلُوبٍ، بَلِ اعْتَرَضَ بَيْنَ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «١» وَجَوَابِهِ الَّذِي هُوَ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ «٢» بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ «٣» لَكِنَّهُ جَاءَ فِي جُمْلَةِ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَبَعْضٍ، اعْتِرَاضٌ بِجُمْلَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: لَوْ تَعْلَمُونَ «٤» اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ الْمَنْعُوتِ الَّذِي هُوَ: لَقَسَمٌ، وَبَيْنَ نَعْتِهِ الَّذِي هُوَ: عَظِيمٌ، فَهَذَا اعْتِرَاضٌ فِي اعْتِرَاضٍ، فَلَيْسَ فَصْلًا بِجُمْلَتَيِ اعْتِرَاضٍ لِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَسَمَّى مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ بِنَفْسِهَا، وَإِلَى آخَرَ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَيَجُوزُ حَذْفُهُ، وَإِثْبَاتُهُ هُوَ الْأَصْلُ، يَقُولُ: سَمَّيْتُ ابْنِي بِزَيْدٍ، وَسَمَّيْتُهُ زَيْدًا. قَالَ:
أَيْ: وَسُمِّيتُ بِكَعْبٍ، وَيُسَمَّى: بِالْجَعْلِ، وَهُوَ بَابٌ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ عَنِ الْأَخْفَشِ الصَّغِيرِ، وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أَتَى خَبَرُ: إِنَّ، مُضَارِعًا وَهُوَ:
أُعِيذُهَا، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا دَيْمُومَةُ الِاسْتِعَاذَةِ، وَالتَّكْرَارُ بِخِلَافِ: وَضَعْتُهَا، وَسَمَّيْتُهَا، فَإِنَّهُمَا مَاضِيَانِ قَدِ انْقَطَعَا، وَقَدَّمَتْ ذِكْرَ الْمُعَاذِ بِهِ عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَى الضَّمِيرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الذكر ذُرِّيَّتِهَا، وَمُنَاجَاتِهَا اللَّهَ بِالْخِطَابِ السَّابِقِ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ، كَمَا يُقَدِّمُ الْإِنْسَانُ بَيْنَ يَدَيْ مَقْصُودِهِ مَا يَسْتَنْزِلُ بِهِ إِحْسَانَ مَنْ يَقْصِدُهُ، ثُمَّ يأتي بعد لك بِالْمَقْصُودِ،
وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كل مولولد مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طعن مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا، فَإِنَّ أُمَّهَا قَالَتْ حِينَ وَضَعَتْهَا: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الْحِجَابِ».
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَطَعَنَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَدْعُو إِلَى الشَّرِّ مَنْ يَعْرِفُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ هَذَا الْمَسِّ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكِ الصَّالِحِينَ وغير
| وَسَمَّيْتُ كَعْبًا بِشْرَ الْعِظَامِ | وَكَانَ أَبُوكَ يُسَمَّى الْجَعْلَ |
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أَتَى خَبَرُ: إِنَّ، مُضَارِعًا وَهُوَ:
أُعِيذُهَا، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا دَيْمُومَةُ الِاسْتِعَاذَةِ، وَالتَّكْرَارُ بِخِلَافِ: وَضَعْتُهَا، وَسَمَّيْتُهَا، فَإِنَّهُمَا مَاضِيَانِ قَدِ انْقَطَعَا، وَقَدَّمَتْ ذِكْرَ الْمُعَاذِ بِهِ عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَى الضَّمِيرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الذكر ذُرِّيَّتِهَا، وَمُنَاجَاتِهَا اللَّهَ بِالْخِطَابِ السَّابِقِ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ، كَمَا يُقَدِّمُ الْإِنْسَانُ بَيْنَ يَدَيْ مَقْصُودِهِ مَا يَسْتَنْزِلُ بِهِ إِحْسَانَ مَنْ يَقْصِدُهُ، ثُمَّ يأتي بعد لك بِالْمَقْصُودِ،
وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كل مولولد مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طعن مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ وَابْنِهَا، فَإِنَّ أُمَّهَا قَالَتْ حِينَ وَضَعَتْهَا: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الْحِجَابِ».
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَطَعَنَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَدْعُو إِلَى الشَّرِّ مَنْ يَعْرِفُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ هَذَا الْمَسِّ لَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ إِهْلَاكِ الصَّالِحِينَ وغير
(١) سورة الواقعة: ٥٦/ ٧٥.
(٢) سورة الواقعة: ٥٦/ ٧٧.
(٤- ٣) سورة الواقعة: ٥٦/ ٧٦.
(٢) سورة الواقعة: ٥٦/ ٧٧.
(٤- ٣) سورة الواقعة: ٥٦/ ٧٦.
119
ذَلِكَ، لِأَنَّهُ خَصَّ فِيهِ مَرْيَمَ وَابْنَهَا عِيسَى دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَسَّ لَنُفِيَ أَثَرُهُ، وَلَوْ نُفِيَ لَدَامَ الصُّرَاخُ وَالْبُكَاءُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنَا بُطْلَانَ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا
يُرْوَى فِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ مولولد يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا».
فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا لقوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «١» وَاسْتِهْلَالُهُ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ، تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أَغْوِيهِ، وَنَحْوُهُ مِنَ التَّخْيِيلِ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ:
وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْمَسِّ وَالنَّخْسِ كَمَا يَتَوَهَّمُ أَهْلُ الْحَشْوِ فَكَلَّا، وَلَوْ سُلِّطَ إِبْلِيسُ عَلَى النَّاسِ بِنَخْسِهِمْ لَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا صُرَاخًا وَعِيَاطًا مِمَّا يَبْلُونَا بِهِ مِنْ نَخْسِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ، وَقَدْ مَرَّ لَنَا شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي قوله: الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «٢».
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ قَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَصْلُ فَتَقَبَّلَهَا بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، وَلَكِنْ قَبُولٍ مَحْمُولٌ عَلَى: قَبِلَهَا قَبُولًا، يُقَالُ: قَبِلَ الشَّيْءَ قبولا وَالْقِيَاسُ فِيهِ الضَّمُّ: كَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ بِالْفَتْحِ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ ضَمَّ الْقَافِ، وَنَقَلَهَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فقال: قيلته قبولا وقبولا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ سَلَكَ بِهَا طَرِيقَ السُّعَدَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ: تَكَفَّلَ بِتَرْبِيَتِهَا وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ لَمْ يُعَذِّبْهَا سَاعَةً قَطُّ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَكُونُ تَقَبَّلَ بِمَعْنَى اسْتَقْبَلَ، فَيَكُونُ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ، أَيِ: اسْتَقْبَلَهَا رَبُّهَا، نَحْوَ: تَعَجَّلْتُ الشَّيْءَ فَاسْتَعْجَلْتُهُ، وَتَقَصَّيْتُ الشَّيْءَ وَاسْتَقْصَيْتُهُ، مِنْ قَوْلِهِمُ: اسْتَقْبَلَ الْأَمْرَ أَيْ أَخَذَهُ بِأَوَّلِهِ. قَالَ:
أَيْ فأخذها فِي أَوَّلِ أَمْرِهَا حِينَ وُلِدَتْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَقَبِلَهَا أَيْ: رَضِيَ بِهَا فِي النَّذْرِ مَكَانَ الذَّكَرِ فِي النَّذْرِ كَمَا نَذَرَتْ أُمُّهَا وَسَنَى لَهَا الْأَمَلُ فِي ذَلِكَ، وَقَبِلَ دُعَاءَهَا فِي قولها: فتقبل
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا
يُرْوَى فِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ مولولد يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا».
فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يَطْمَعُ الشَّيْطَانُ فِي إِغْوَائِهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، فَإِنَّهُمَا كَانَا مَعْصُومَيْنِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي صِفَتِهِمَا لقوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «١» وَاسْتِهْلَالُهُ صَارِخًا مِنْ مَسِّهِ، تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لِطَمَعِهِ فِيهِ كَأَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا مِمَّنْ أَغْوِيهِ، وَنَحْوُهُ مِنَ التَّخْيِيلِ قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ:
| لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا | يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ |
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ قَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَصْلُ فَتَقَبَّلَهَا بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، وَلَكِنْ قَبُولٍ مَحْمُولٌ عَلَى: قَبِلَهَا قَبُولًا، يُقَالُ: قَبِلَ الشَّيْءَ قبولا وَالْقِيَاسُ فِيهِ الضَّمُّ: كَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ بِالْفَتْحِ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ ضَمَّ الْقَافِ، وَنَقَلَهَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فقال: قيلته قبولا وقبولا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ سَلَكَ بِهَا طَرِيقَ السُّعَدَاءِ. وَقَالَ قَوْمٌ: تَكَفَّلَ بِتَرْبِيَتِهَا وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ لَمْ يُعَذِّبْهَا سَاعَةً قَطُّ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَكُونُ تَقَبَّلَ بِمَعْنَى اسْتَقْبَلَ، فَيَكُونُ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ، أَيِ: اسْتَقْبَلَهَا رَبُّهَا، نَحْوَ: تَعَجَّلْتُ الشَّيْءَ فَاسْتَعْجَلْتُهُ، وَتَقَصَّيْتُ الشَّيْءَ وَاسْتَقْصَيْتُهُ، مِنْ قَوْلِهِمُ: اسْتَقْبَلَ الْأَمْرَ أَيْ أَخَذَهُ بِأَوَّلِهِ. قَالَ:
| وَخَيْرُ الْأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ | وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا |
(١) سورة الحجر: ١٥/ ٣٩ وص: ٣٨/ ٨٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢٧٥.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٢٧٥.
120
مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَلَمْ تُقْبَلْ أُنْثَى قَبْلَ مَرْيَمَ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ: تَفَعَّلَ، بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ نَحْوَ: تَعَجَّبَ وَعَجِبَ، وتبرأ وبرىء.
وَالْبَاءُ فِي: بِقَبُولٍ، قِيلَ: زَائِدَةٌ، وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الْمَصْدَرِ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ.
وَالْقَبُولُ اسْمٌ لِمَا يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ: كَالسَّعُوطِ وَاللَّدُودِ لِمَا يُسْعَطُ بِهِ وَيَلِدُ، وَهُوَ اخْتِصَاصُهُ لَهَا بِإِقَامَتِهَا مَقَامَ الذَّكَرِ فِي النَّذْرِ، أَوْ: مَصْدَرٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أَيْ: بِأَمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وَهُوَ الِاخْتِصَاصُ.
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ النَّشْأَةِ وَالْجَوْدَةِ فِي خَلْقٍ وَخَلْقٍ، فَأَنْشَأَهَا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ صامت النَّهَارِ وَقَامَتِ اللَّيْلَ حَتَّى أَرْبَتْ عَلَى الْأَحْبَارِ. وَقِيلَ: لَمْ تَجْرِ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ. قَالَ قَتَادَةُ: حُدِّثْنَا أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصِيبُ الذُّنُوبَ كَمَا يُصِيبُ بَنُو آدَمَ. وقيل: معنى أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً أَيْ: جَعَلَ ثَمَرَتَهَا مِثْلَ عِيسَى.
وَانْتَصَبَ: نَبَاتًا، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ، أَوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ:
فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا، وَيُقَالُ: القبول الحسن تَرْبِيَتُهَا عَلَى نَعْتِ الْعِصْمَةِ حَتَّى قَالَتْ: أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
«١» وَالنَّبَاتُ الْحَسَنُ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَإِيثَارُ رِضَا اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قَالَ قَتَادَةُ: ضَمَّهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ضَمِنَ الْقِيَامَ بِهَا، وَمِنَ الْقَبُولِ الْحَسَنِ وَالنَّبَاتِ الْحَسَنِ أَنْ جَعَلَ تَعَالَى كَافِلَهَا وَالْقَيِّمَ بِأَمْرِهَا وَحِفْظِهَا نَبِيًّا.
أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذَا رَأَيْتَ لِي طَالِبًا فَكُنْ لَهُ خَادِمًا.
وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: وَكَفَّلَهَا، بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِهَا. وَأُبَيٌّ: وَأَكْفَلَهَا، وَمُجَاهِدٌ: فَتَقَبَّلْهَا بِسُكُونِ اللَّامِ، رَبَّهَا، بالنصب على النداء، و: أنبتها، بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ، و: كفلها، بِكَسْرِ الْفَاءِ مُشَدَّدَةً وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الدُّعَاءِ مِنْ أُمِّ مَرْيَمَ لِمَرْيَمَ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: وَكَفِلَهَا، بَكَسْرِ الْفَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ يُقَالُ: كَفِلَ يَكْفَلُ وَكَفَلَ يكفل، كعلم يعلم.
وَالْبَاءُ فِي: بِقَبُولٍ، قِيلَ: زَائِدَةٌ، وَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الْمَصْدَرِ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ، وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ.
وَالْقَبُولُ اسْمٌ لِمَا يُقْبَلُ بِهِ الشَّيْءُ: كَالسَّعُوطِ وَاللَّدُودِ لِمَا يُسْعَطُ بِهِ وَيَلِدُ، وَهُوَ اخْتِصَاصُهُ لَهَا بِإِقَامَتِهَا مَقَامَ الذَّكَرِ فِي النَّذْرِ، أَوْ: مَصْدَرٌ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: بِذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، أَيْ: بِأَمْرٍ ذِي قَبُولٍ حَسَنٍ، وَهُوَ الِاخْتِصَاصُ.
وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً عِبَارَةٌ عَنْ حُسْنِ النَّشْأَةِ وَالْجَوْدَةِ فِي خَلْقٍ وَخَلْقٍ، فَأَنْشَأَهَا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ صامت النَّهَارِ وَقَامَتِ اللَّيْلَ حَتَّى أَرْبَتْ عَلَى الْأَحْبَارِ. وَقِيلَ: لَمْ تَجْرِ عَلَيْهَا خَطِيئَةٌ. قَالَ قَتَادَةُ: حُدِّثْنَا أَنَّهَا كَانَتْ لَا تُصِيبُ الذُّنُوبَ كَمَا يُصِيبُ بَنُو آدَمَ. وقيل: معنى أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً أَيْ: جَعَلَ ثَمَرَتَهَا مِثْلَ عِيسَى.
وَانْتَصَبَ: نَبَاتًا، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ الصَّدْرِ، أَوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ:
فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا، وَيُقَالُ: القبول الحسن تَرْبِيَتُهَا عَلَى نَعْتِ الْعِصْمَةِ حَتَّى قَالَتْ: أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
«١» وَالنَّبَاتُ الْحَسَنُ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَإِيثَارُ رِضَا اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.
وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا قَالَ قَتَادَةُ: ضَمَّهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ضَمِنَ الْقِيَامَ بِهَا، وَمِنَ الْقَبُولِ الْحَسَنِ وَالنَّبَاتِ الْحَسَنِ أَنْ جَعَلَ تَعَالَى كَافِلَهَا وَالْقَيِّمَ بِأَمْرِهَا وَحِفْظِهَا نَبِيًّا.
أَوْحَى اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذَا رَأَيْتَ لِي طَالِبًا فَكُنْ لَهُ خَادِمًا.
وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ: وَكَفَّلَهَا، بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَبَاقِي السَّبْعَةِ بِتَخْفِيفِهَا. وَأُبَيٌّ: وَأَكْفَلَهَا، وَمُجَاهِدٌ: فَتَقَبَّلْهَا بِسُكُونِ اللَّامِ، رَبَّهَا، بالنصب على النداء، و: أنبتها، بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ، و: كفلها، بِكَسْرِ الْفَاءِ مُشَدَّدَةً وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الدُّعَاءِ مِنْ أُمِّ مَرْيَمَ لِمَرْيَمَ. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: وَكَفِلَهَا، بَكَسْرِ الْفَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ يُقَالُ: كَفِلَ يَكْفَلُ وَكَفَلَ يكفل، كعلم يعلم.
(١) سورة مريم: ١٩/ ١٨.
121
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَحَفْصٌ: زَكَرِيَّا، مَقْصُورًا وَبَاقِي السَّبْعَةِ مَمْدُودًا، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ اللُّغَاتِ فِيهِ.
رُوِيَ أَنَّ حَنَّةَ حِينَ وَلَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمَلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءِ هَارُونَ، وَهُمْ فِي بيت المقدس كالحجة فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ! فَتَنَافَسُوا فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ إِمَامِهِمْ، وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ، وَكَانَتْ بنو ماثان رؤوس بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، عِنْدِي خَالَتُهَا. فَقَالُوا: لَا، حَتَّى نَقْتَرِعَ عَلَيْهَا. فَانْطَلَقُوا، وَكَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، إِلَى نَهْرٍ.
قِيلَ: هُوَ نَهْرُ الْأُرْدُنْ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: فِي عَيْنِ مَاءٍ كَانَتْ هُنَاكَ، فَأَلْقَوْا فِيهِ أَقْلَامَهُمْ، فَارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّا وَرَسَبَتْ أَقْلَامُهُمْ فَتَكَفَّلَهَا. قِيلَ: وَاسْتَرْضَعَ لَهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فَجَرَى قَلَمُ زَكَرِيَّا عَكْسَ جَرْيَةِ الْمَاءِ. وَقِيلَ: عَامَتْ مَعَ الْمَاءِ مَعْرُوضَةً، وَبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيَّا وَاقِفًا كَأَنَّمَا رَكَزَ فِي طِينٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ زَكَرِيَّا كَانَ تَزَوَّجَ خَالَتَهَا لِأَنَّهُ وَعِمْرَانَ كَانَا سِلْفَيْنِ عَلَى أُخْتَيْنِ، وَلَدَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا يَحْيَى، وَوَلَدَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ مَرْيَمَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ زَكَرِيَّا تَزَوَّجَ ابْنَةً أُخْرَى لِعِمْرَانَ. وَيُعَضِّدُ هَذَا الْقَوْلَ
قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِي يَحْيَى وَعِيسَى: ابْنَا الْخَالَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا كَفَلَهَا لِأَنَّ أُمَّهَا هَلَكَتْ، وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ هَلَكَ وَهِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهَا. وَقِيلَ: كَانَ زَكَرِيَّا ابْنَ عَمِّهَا وَكَانَتْ أُخْتُهَا تَحْتَهُ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تَرَعْرَعَتْ وَأَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ إِنْفَاقِ مَرْيَمَ، فَاقْتَرَعُوا عَلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَهَذَا اسْتِهَامٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ، هَذَا الْمُرَادُ مِنْهُ دَفَعَهَا لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ مِنْهُ: أَخَذَهَا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ زَكَرِيَّا قَدْ كَفَلَهَا مِنْ لَدُنِ الطُّفُولَةِ دُونَ اسْتِهَامٍ، وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ أَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا كَفَلَهَا بِالِاسْتِهَامِ، وَلَمْ يَدُلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ زَكَرِيَّا كَفَلَهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا، لِأَنَّهُ مِنْ أَقْرِبَائِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا، وَلِأَنَّ خَالَتَهَا أَوْ أُخْتَهَا تَحْتَهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، فَهُوَ أَوْلَى بِهَا لِعِصْمَتِهِ.
وَزَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَذْنِ بْنِ مُسْلِمٍ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَذَكَرَ النَّقِيبُ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْجَوَّانِيُّ النَّسَّابَةُ: أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَالْيَسَعَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْعُزَيْرَ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى، فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا زَكَرِيَّا مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ، وَلَا يَكُونُ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ، لِأَنَّ مَرْيَمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلام، وسليمان مِنْ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ، وموسى وهارون مِنْ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ.
رُوِيَ أَنَّ حَنَّةَ حِينَ وَلَدَتْ مَرْيَمَ لَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمَلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءِ هَارُونَ، وَهُمْ فِي بيت المقدس كالحجة فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةُ! فَتَنَافَسُوا فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ إِمَامِهِمْ، وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ، وَكَانَتْ بنو ماثان رؤوس بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، عِنْدِي خَالَتُهَا. فَقَالُوا: لَا، حَتَّى نَقْتَرِعَ عَلَيْهَا. فَانْطَلَقُوا، وَكَانُوا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، إِلَى نَهْرٍ.
قِيلَ: هُوَ نَهْرُ الْأُرْدُنْ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: فِي عَيْنِ مَاءٍ كَانَتْ هُنَاكَ، فَأَلْقَوْا فِيهِ أَقْلَامَهُمْ، فَارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّا وَرَسَبَتْ أَقْلَامُهُمْ فَتَكَفَّلَهَا. قِيلَ: وَاسْتَرْضَعَ لَهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فَجَرَى قَلَمُ زَكَرِيَّا عَكْسَ جَرْيَةِ الْمَاءِ. وَقِيلَ: عَامَتْ مَعَ الْمَاءِ مَعْرُوضَةً، وَبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيَّا وَاقِفًا كَأَنَّمَا رَكَزَ فِي طِينٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ زَكَرِيَّا كَانَ تَزَوَّجَ خَالَتَهَا لِأَنَّهُ وَعِمْرَانَ كَانَا سِلْفَيْنِ عَلَى أُخْتَيْنِ، وَلَدَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا يَحْيَى، وَوَلَدَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ مَرْيَمَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُ: كَانَ زَكَرِيَّا تَزَوَّجَ ابْنَةً أُخْرَى لِعِمْرَانَ. وَيُعَضِّدُ هَذَا الْقَوْلَ
قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِي يَحْيَى وَعِيسَى: ابْنَا الْخَالَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا كَفَلَهَا لِأَنَّ أُمَّهَا هَلَكَتْ، وَكَانَ أَبُوهَا قَدْ هَلَكَ وَهِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهَا. وَقِيلَ: كَانَ زَكَرِيَّا ابْنَ عَمِّهَا وَكَانَتْ أُخْتُهَا تَحْتَهُ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تَرَعْرَعَتْ وَأَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ إِنْفَاقِ مَرْيَمَ، فَاقْتَرَعُوا عَلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَهَذَا اسْتِهَامٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ، هَذَا الْمُرَادُ مِنْهُ دَفَعَهَا لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ مِنْهُ: أَخَذَهَا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ زَكَرِيَّا قَدْ كَفَلَهَا مِنْ لَدُنِ الطُّفُولَةِ دُونَ اسْتِهَامٍ، وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ أَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا كَفَلَهَا بِالِاسْتِهَامِ، وَلَمْ يَدُلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ زَكَرِيَّا كَفَلَهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا، لِأَنَّهُ مِنْ أَقْرِبَائِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا، وَلِأَنَّ خَالَتَهَا أَوْ أُخْتَهَا تَحْتَهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، فَهُوَ أَوْلَى بِهَا لِعِصْمَتِهِ.
وَزَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَذْنِ بْنِ مُسْلِمٍ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَذَكَرَ النَّقِيبُ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْجَوَّانِيُّ النَّسَّابَةُ: أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَالْيَسَعَ، وَإِلْيَاسَ، وَالْعُزَيْرَ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى، فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا زَكَرِيَّا مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ، وَلَا يَكُونُ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ، لِأَنَّ مَرْيَمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السلام، وسليمان مِنْ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ، وموسى وهارون مِنْ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ.
122
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى حَتَّى إِذَا شَبَّتْ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ بَنَى لَهَا مِحْرَابًا فِي الْمَسْجِدِ، وَجَعَلَ بَابَهُ فِي وَسَطِهِ لَا يُرْقَى إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ، مِثْلَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا غَيْرُهُ. وَقِيلَ: كَانَ يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ إِذَا خَرَجَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ يُغْلِقُ عَلَيْهَا الْبَابَ وَمَعَهُ الْمِفْتَاحُ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أَحَدًا، فَإِذَا حَاضَتْ أَخْرَجَهَا إِلَى مَنْزِلَهِ تَكُونُ مَعَ خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى أَوْ أُخْتِهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ رَدَّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقِيلَ: كَانَتْ مُطَهَّرَةً مِنَ الْحَيْضِ.
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: وَجَدَ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ فِي الْمَهْدِ وَلَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنَ الْجَنَّةِ.
وَالَّذِي وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ فِي المهد ثلاثة: عيسى، وصاحب جُرَيْجٍ، وَابْنُ الْمَرْأَةِ. وَوَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ شَاذٍّ: صَاحِبُ الْأُخْدُودِ. وَالْأَغْرَبُ أَنَّ مَرْيَمَ منهم.
وقيل: كان جريح النَّجَّارُ، وَاسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ حِينَ كَفَلَهَا بِالْقُرْعَةِ وَقَدْ ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنِ الْقِيَامِ بِهَا، يَأْتِيهَا مِنْ كَسْبِهِ بِشَيْءٍ لَطِيفٍ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ، فَيَزْكُو ذَلِكَ الطَّعَامُ وَيَكْثُرُ، فَيَدْخُلُ زَكَرِيَّا عَلَيْهَا فَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وُسْعِ جُرَيْجٍ، فَيَسْأَلُهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَنْ كَبُرَتْ وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِلصَّوَابِ.
وَقِيلَ: كَانَتْ تُرْزَقُ مِنْ غَيْرِ رِزْقِ بِلَادِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عِنَبًا فِي مِكْتَلٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ عِنَبٌ، وَقَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ يَأْتِيهَا بِالرِّزْقِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِي كَفَلَهَا بِالتَّرْبِيَةِ هُوَ زَكَرِيَّا لَا غَيْرُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَاهُ لَمَّا كفلها مؤونة رِزْقِهَا، وَوَضَعَ عَنْهُ بِحُسْنِ التكفل مشقة التكلف.
و: كلما، تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَيَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ تَعَهُّدِهِ وَتَفَقُّدِهِ لِأَحْوَالِهَا. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى وُجُودِ الرِّزْقِ عِنْدَهَا كُلَّ وَقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ غِذَاءٌ يُتَغَذَّى بِهِ لَمْ يَعْهَدْهُ عِنْدَهَا، وَلَمْ يُوَجِّهْهُ هُوَ. وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَ الرِّزْقَ هُنَا بِأَنَّهُ فَيْضٌ كَانَ يَأْتِيهَا مِنَ اللَّهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ آدَمِيٍّ، فَسَمَّاهُ رِزْقًا. قَالَ الرَّاغِبُ: وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ، انْتَهَى، وَهَذَا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ.
قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اسْتَغْرَبَ زَكَرِيَّا وُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَهَا وَهُوَ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِ، وَتَكَرَّرَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَأَلَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِنْ
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: وَجَدَ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَكَلَّمَتْ فِي الْمَهْدِ وَلَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنَ الْجَنَّةِ.
وَالَّذِي وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ فِي المهد ثلاثة: عيسى، وصاحب جُرَيْجٍ، وَابْنُ الْمَرْأَةِ. وَوَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ شَاذٍّ: صَاحِبُ الْأُخْدُودِ. وَالْأَغْرَبُ أَنَّ مَرْيَمَ منهم.
وقيل: كان جريح النَّجَّارُ، وَاسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ حِينَ كَفَلَهَا بِالْقُرْعَةِ وَقَدْ ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنِ الْقِيَامِ بِهَا، يَأْتِيهَا مِنْ كَسْبِهِ بِشَيْءٍ لَطِيفٍ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ، فَيَزْكُو ذَلِكَ الطَّعَامُ وَيَكْثُرُ، فَيَدْخُلُ زَكَرِيَّا عَلَيْهَا فَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وُسْعِ جُرَيْجٍ، فَيَسْأَلُهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَنْ كَبُرَتْ وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِلصَّوَابِ.
وَقِيلَ: كَانَتْ تُرْزَقُ مِنْ غَيْرِ رِزْقِ بِلَادِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عِنَبًا فِي مِكْتَلٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ عِنَبٌ، وَقَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ يَأْتِيهَا بِالرِّزْقِ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِي كَفَلَهَا بِالتَّرْبِيَةِ هُوَ زَكَرِيَّا لَا غَيْرُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَاهُ لَمَّا كفلها مؤونة رِزْقِهَا، وَوَضَعَ عَنْهُ بِحُسْنِ التكفل مشقة التكلف.
و: كلما، تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَيَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ تَعَهُّدِهِ وَتَفَقُّدِهِ لِأَحْوَالِهَا. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى وُجُودِ الرِّزْقِ عِنْدَهَا كُلَّ وَقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ غِذَاءٌ يُتَغَذَّى بِهِ لَمْ يَعْهَدْهُ عِنْدَهَا، وَلَمْ يُوَجِّهْهُ هُوَ. وَأَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَ الرِّزْقَ هُنَا بِأَنَّهُ فَيْضٌ كَانَ يَأْتِيهَا مِنَ اللَّهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ آدَمِيٍّ، فَسَمَّاهُ رِزْقًا. قَالَ الرَّاغِبُ: وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ، انْتَهَى، وَهَذَا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الْبَاطِنِيَّةِ.
قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اسْتَغْرَبَ زَكَرِيَّا وُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَهَا وَهُوَ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِ، وَتَكَرَّرَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَأَلَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِنْ
123
وُصُولِ الرِّزْقِ إِلَيْهَا، وَكَيْفَ أتى هذا الرزق؟ و: أنّى، سُؤَالٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَعَنِ الْمَكَانِ وَعَنِ الزَّمَانِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْجِهَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذَا الرِّزْقُ؟ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَيْنَ؟ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، أَيْ كَيْفَ تَهَيَّأَ وُصُولُ هَذَا الرِّزْقِ إِلَيْكِ؟ وَقَالَ الْكُمَيْتُ:
وَجَوَابُهَا سُؤَالَهُ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ: يَأْتِ بِهِ آدَمِيٌّ أَلْبَتَّةَ، بَلْ هُوَ رِزْقٌ يَتَعَهَّدُنِي بِهِ اللَّهُ تَعَالَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ كُلَّمَا وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا، لِأَنَّ مِنَ الْجَائِزِ فِي الْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّانِي مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَتُجِيبُهُ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتُحِيلُهُ عَلَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَمُبْرِزِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ الْمَحْضِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُ زَكَرِيَّا بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى تَعَهُّدِ مَرْيَمَ، وَبِكَوْنِهِ يَشْهَدُ مَقَامًا شَرِيفًا، وَاعْتِنَاءً لَطِيفًا بِمَنِ اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَهَا فِي كَفَالَتِهِ.
وَهَذَا الْخَارِقُ الْعَظِيمُ، قِيلَ: هُوَ بِدَعْوَةِ زَكَرِيَّا لَهَا بِالرِّزْقِ، فَيَكُونُ مِنْ خَصَائِصَ زَكَرِيَّا.
وَقِيلَ: كَانَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ وَلَدِهَا عِيسَى. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَبِيهَانِ بِأَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ يَنْفُونَ وُجُودَ الْخَارِقِ على غَيْرِ النَّبِيِّ، إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهَا مَرْيَمَ، وَلَوْ كَانَ خَارِقًا لِأَجْلِ زَكَرِيَّا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ زَكَرِيَّا، وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ لِأَجْلِ نُبُوَّةِ عِيسَى، فَهُوَ كَانَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا الْخَارِقُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ «١» وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُعْجِزَاتِ زَكَرِيَّا، دَعَا لَهَا عَلَى الْإِجْمَالِ لِأَنْ يُوَصِّلَ لَهَا رِزْقَهَا، وَرُبَّمَا غَفَلَ عَنْ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، سَأَلَ عَنْهُ، فَعَلِمَ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ، فَدَعَا بِهِ، أَوْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ الْآتِي بِهِ إِنْسَانًا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَسَأَلَ لِئَلَّا يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْبَغِي.
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ مَرْيَمَ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ مِنْ كَلَامِ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
| أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ أَتَاكَ الطَّرَبُ | مِنْ حَيْثُ لَا صَبْوَةٌ وَلَا طَرَبُ |
وَهَذَا الْخَارِقُ الْعَظِيمُ، قِيلَ: هُوَ بِدَعْوَةِ زَكَرِيَّا لَهَا بِالرِّزْقِ، فَيَكُونُ مِنْ خَصَائِصَ زَكَرِيَّا.
وَقِيلَ: كَانَ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّةِ وَلَدِهَا عِيسَى. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَبِيهَانِ بِأَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ يَنْفُونَ وُجُودَ الْخَارِقِ على غَيْرِ النَّبِيِّ، إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهَا مَرْيَمَ، وَلَوْ كَانَ خَارِقًا لِأَجْلِ زَكَرِيَّا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ زَكَرِيَّا، وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ لِأَجْلِ نُبُوَّةِ عِيسَى، فَهُوَ كَانَ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا الْخَارِقُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ «١» وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُعْجِزَاتِ زَكَرِيَّا، دَعَا لَهَا عَلَى الْإِجْمَالِ لِأَنْ يُوَصِّلَ لَهَا رِزْقَهَا، وَرُبَّمَا غَفَلَ عَنْ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى شَيْئًا مُعَيَّنًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، سَأَلَ عَنْهُ، فَعَلِمَ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ، فَدَعَا بِهِ، أَوْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ الْآتِي بِهِ إِنْسَانًا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَسَأَلَ لِئَلَّا يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْبَغِي.
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ مَرْيَمَ وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ مِنْ كَلَامِ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
(١) سورة الأنبياء: ٢١/ ٩١.
124
وَرَوَى جَابِرٌ حَدِيثًا مُطَوَّلًا فِيهِ تَكْثِيرُ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهَا: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَحَمِدَ اللَّهَ، وَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْفَصَاحَةِ. الْعُمُومُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فِي قَوْلِهِ:
عَلَى الْعَالَمِينَ، وَالِاخْتِصَاصُ فِي قَوْلِهِ: آدَمَ، وَنُوحًا، وَآلَ إبراهيم، وآل عِمْرَانَ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ. وَالْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، فِي قَوْلِهِ: ذَرِّيَّةً، فِيمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْآبَاءُ، وَالْإِبْهَامُ فِي قَوْلِهِ: مَا فِي بَطْنِي، لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَتَتْ بِلَفْظِ: مَا، الَّذِي يَصْدُقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالتَّأْكِيدُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَالْخَبَرُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِاعْتِذَارُ فِي قَوْلِهَا: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، وَالِاعْتِرَاضُ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَ التَّاءَ أَوْ كَسَرَهَا. وَتَلْوِينُ الْخِطَابِ وَمَعْدُولِهِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ التَّاءَ، خَرَجَ مِنْ خِطَابِ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهَا: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا، إِلَى خِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ فِي قَوْلِهِ: بِمَا وَضَعْتِ. وَالتَّكْرَارُ فِي: وَأَنِّي، وفي: زكريا، وزكريا، وَفِي:
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ. وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا، وَفِي: رِزْقًا وَيَرْزُقُ. وَالْإِشَارَةُ، وَهُوَ أَنْ يُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ الظَّاهِرِ عَنِ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ، فِي قَوْلِهِ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ هُوَ رِزْقٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا اللَّهُ. وَفِي قَوْلِهِ: رِزْقًا، أَتَى بِهِ مُنَكَّرًا مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، بَلْ مِنْ أَجْنَاسٍ كَثِيرَةٍ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ تَقْتَضِي الشُّيُوعَ وَالْكَثْرَةَ. وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ لَا يَصِحُّ الْمَعْنَى إِلَّا بِاعْتِبَارِهَا.
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ أَصْلُ: هُنَالِكَ، أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً لِلْمَكَانِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَانِ وَقِيلَ بِهِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دَعَا زَكَرِيَّا، أَوْ: فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمَّا رَأَى هَذَا الْخَارِقَ الْعَظِيمَ لِمَرْيَمَ، وَأَنَّهَا مِمَّنِ اصْطَفَاهَا اللَّهُ، ارْتَاحَ إِلَى طَلَبِ الْوَلَدِ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلِأَنْ يَرِثَ مِنْهُ وَمِنْ آلِ يَعْقُوبَ، كَمَا قَصَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ من طلب كَوْنُ امْرَأَتِهِ عَاقِرًا، إِذْ رَأَى مِنْ حَالِ مَرْيَمَ أَمْرًا خَارِجًا عَنِ الْعَادَةِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ وَلَدًا مَعَ كَوْنِ امْرَأَتِهِ كَانَتْ عَاقِرًا، إِذْ كَانَتْ حَنَّةُ قَدْ رُزِقَتْ مريم بعد ما أَيِسَتْ مِنَ الْوُلْدِ.
وَانْتِصَابُ: هُنَالِكَ، بِقَوْلِهِ: دَعَا، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ السَّجَاوَنْدِيِّ: أَنَّ هناك في المكان، وهنا لك فِي الزَّمَانِ، وَهُوَ وَهْمٌ، بَلِ الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَكَانِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللَّامُ وَالْكَافُ أَوِ الْكَافُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلَا. وَقَدْ يَتَجَوَّزُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ إِلَى الزَّمَانِ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ: عِنْدَ، أَنْ يَكُونَ لِلْمَكَانِ، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِهَا لِلزَّمَانِ، كَمَا تَقُولُ: آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةً بِسَيِّدَةِ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْفَصَاحَةِ. الْعُمُومُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فِي قَوْلِهِ:
عَلَى الْعَالَمِينَ، وَالِاخْتِصَاصُ فِي قَوْلِهِ: آدَمَ، وَنُوحًا، وَآلَ إبراهيم، وآل عِمْرَانَ. وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ. وَالْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، فِي قَوْلِهِ: ذَرِّيَّةً، فِيمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْآبَاءُ، وَالْإِبْهَامُ فِي قَوْلِهِ: مَا فِي بَطْنِي، لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَتَتْ بِلَفْظِ: مَا، الَّذِي يَصْدُقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالتَّأْكِيدُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَالْخَبَرُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِاعْتِذَارُ فِي قَوْلِهَا: وَضَعْتُهَا أُنْثَى، وَالِاعْتِرَاضُ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ سَكَّنَ التَّاءَ أَوْ كَسَرَهَا. وَتَلْوِينُ الْخِطَابِ وَمَعْدُولِهِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ التَّاءَ، خَرَجَ مِنْ خِطَابِ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهَا: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا، إِلَى خِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ فِي قَوْلِهِ: بِمَا وَضَعْتِ. وَالتَّكْرَارُ فِي: وَأَنِّي، وفي: زكريا، وزكريا، وَفِي:
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ. وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا، وَفِي: رِزْقًا وَيَرْزُقُ. وَالْإِشَارَةُ، وَهُوَ أَنْ يُعَبِّرَ بِاللَّفْظِ الظَّاهِرِ عَنِ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ، فِي قَوْلِهِ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ هُوَ رِزْقٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا اللَّهُ. وَفِي قَوْلِهِ: رِزْقًا، أَتَى بِهِ مُنَكَّرًا مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، بَلْ مِنْ أَجْنَاسٍ كَثِيرَةٍ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ تَقْتَضِي الشُّيُوعَ وَالْكَثْرَةَ. وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ لَا يَصِحُّ الْمَعْنَى إِلَّا بِاعْتِبَارِهَا.
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ أَصْلُ: هُنَالِكَ، أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً لِلْمَكَانِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَانِ وَقِيلَ بِهِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دَعَا زَكَرِيَّا، أَوْ: فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمَّا رَأَى هَذَا الْخَارِقَ الْعَظِيمَ لِمَرْيَمَ، وَأَنَّهَا مِمَّنِ اصْطَفَاهَا اللَّهُ، ارْتَاحَ إِلَى طَلَبِ الْوَلَدِ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلِأَنْ يَرِثَ مِنْهُ وَمِنْ آلِ يَعْقُوبَ، كَمَا قَصَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ من طلب كَوْنُ امْرَأَتِهِ عَاقِرًا، إِذْ رَأَى مِنْ حَالِ مَرْيَمَ أَمْرًا خَارِجًا عَنِ الْعَادَةِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ وَلَدًا مَعَ كَوْنِ امْرَأَتِهِ كَانَتْ عَاقِرًا، إِذْ كَانَتْ حَنَّةُ قَدْ رُزِقَتْ مريم بعد ما أَيِسَتْ مِنَ الْوُلْدِ.
وَانْتِصَابُ: هُنَالِكَ، بِقَوْلِهِ: دَعَا، وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ السَّجَاوَنْدِيِّ: أَنَّ هناك في المكان، وهنا لك فِي الزَّمَانِ، وَهُوَ وَهْمٌ، بَلِ الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَكَانِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِهِ اللَّامُ وَالْكَافُ أَوِ الْكَافُ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلَا. وَقَدْ يَتَجَوَّزُ بِهَا عَنِ الْمَكَانِ إِلَى الزَّمَانِ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ: عِنْدَ، أَنْ يَكُونَ لِلْمَكَانِ، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِهَا لِلزَّمَانِ، كَمَا تَقُولُ: آتِيكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
125
قِيلَ: وَاللَّامُ فِي: هُنَالِكَ، دَلَالَةٌ عَلَى بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ، فَإِنَّهُ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ دُعَائِهِ وَإِجَابَتِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: دَخَلَتِ اللَّامُ لِبُعْدِ مَنَالِ هَذَا الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، كَمَا أُدْخِلَ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ الْكِتابُ «١» لِبُعْدِ مَنَالِهِ وَعِظَمِ ارْتِفَاعِهِ وَشَرَفِهِ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: كَانَتْ نَفْسُهُ تُحَدِّثُهُ بِأَنْ يَهِبَ اللَّهُ لَهُ وَلَدًا يَبْقَى بِهِ الذِّكْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْعُو مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ، إِذِ الْأَدَبُ أَنْ لَا يَدْعُوَ لِمُرَادٍ إِلَّا فِيمَا هُوَ مُعْتَادُ الْوُجُودِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَادِرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمَّا رَأَى عِنْدَهَا مَا هُوَ نَاقِضٌ لِلْعَادَةِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الدُّعَاءِ فِي طَلَبِ الْوَلَدِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ. انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: كَانَتْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ. وَفِي قَوْلِهِ: هُنالِكَ دَعا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ يَتَوَخَّى الْعَبْدُ بِدُعَائِهِ الْأَمْكِنَةَ الْمُبَارَكَةَ وَالْأَزْمِنَةَ الْمُشَرَّفَةَ.
قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً هَذِهِ الْجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلدُّعَاءِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، وَنَادَاهُ بِلَفْظِ: رَبِّ، إِذْ هُوَ مُرَبِّيهِ وَمُصْلِحُ حَالِهِ، وَجَاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ: هَبْ، لِأَنَّ الْهِبَةَ إِحْسَانٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ يَكُونُ عِوَضًا لِلْوَاهِبِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَكَادُ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ مَا لَا تَسَبُّبَ فِيهِ: لَا مِنَ الْوَالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلَا مِنَ الْوَالِدَةِ لِكَوْنِهَا عَاقِرًا لَا تَلِدُ، فَكَانَ وَجُودُهُ كَالْوُجُودِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، أَتَى هِبَةً مَحْضَةً مَنْسُوبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: مِنْ لَدُنْكَ، أَيْ مِنْ جِهَةِ مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ: لدن، لما قرب، و: عند، لِمَا قَرُبَ وَلِمَا بَعُدَ، وَهِيَ أَقَلُّ إِبْهَامًا مِنْ:
لَدُنْ، أَلَا تَرَى أَنَّ: عند، تقع جوابا لأين، وَلَا تَقَعُ لَهُ جَوَابًا: لَدُنْ؟.
ومِنْ لَدُنْكَ مُتَعَلِّقٌ: بِهَبْ، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ: ذَرِّيَّةً، لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِفَةً، فَعَلَى هَذَا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالذُّرِّيَّةُ جِنْسٌ يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ، فَأَكْثَرَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ:
أَرَادَ بِالذُّرِّيَّةِ هُنَا وَاحِدًا دَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ: وَلِيًّا، وَلَمْ يَطْلُبْ: أَوْلِيَاءَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِيمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وَإِنَّمَا الذُّرِّيَّةُ وَالْوَلِيُّ اسْمَا جِنْسٍ يَقَعَانِ لِلْوَاحِدِ فَمَا زَادَ، وَهَكَذَا كَانَ طَلَبُ زَكَرِيَّا. انْتَهَى.
وَفَسَّرَ: طَيِّبَةً، بِأَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً فِي الْخُلُقِ وَفِي الدِّينِ تَقِيَّةً. وَقَالَ الرَّاغِبُ: صَالِحَةً، وَاسْتِعْمَالُ الصَّالِحِ فِي الطَّيِّبِ كَاسْتِعْمَالِ الْخَبِيثِ فِي ضِدِّهِ، عَلَى أَنَّ فِي الطَّيِّبِ زِيَادَةَ مَعْنًى عَلَى الصَّالِحِ. وَقِيلَ: أَرَادَ: بِطَيِّبَةٍ، أَنَّهَا تَبْلُغُ فِي الدِّينِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ كَانَ أراد بالذرية
وَقَوْلُهُ: كَانَتْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ. وَفِي قَوْلِهِ: هُنالِكَ دَعا دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ يَتَوَخَّى الْعَبْدُ بِدُعَائِهِ الْأَمْكِنَةَ الْمُبَارَكَةَ وَالْأَزْمِنَةَ الْمُشَرَّفَةَ.
قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً هَذِهِ الْجُمْلَةُ شَرْحٌ لِلدُّعَاءِ وَتَفْسِيرٌ لَهُ، وَنَادَاهُ بِلَفْظِ: رَبِّ، إِذْ هُوَ مُرَبِّيهِ وَمُصْلِحُ حَالِهِ، وَجَاءَ الطَّلَبُ بِلَفْظِ: هَبْ، لِأَنَّ الْهِبَةَ إِحْسَانٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهَا شَيْءٌ يَكُونُ عِوَضًا لِلْوَاهِبِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَكَادُ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ مَا لَا تَسَبُّبَ فِيهِ: لَا مِنَ الْوَالِدِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَلَا مِنَ الْوَالِدَةِ لِكَوْنِهَا عَاقِرًا لَا تَلِدُ، فَكَانَ وَجُودُهُ كَالْوُجُودِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، أَتَى هِبَةً مَحْضَةً مَنْسُوبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: مِنْ لَدُنْكَ، أَيْ مِنْ جِهَةِ مَحْضِ قُدْرَتِكَ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ: لدن، لما قرب، و: عند، لِمَا قَرُبَ وَلِمَا بَعُدَ، وَهِيَ أَقَلُّ إِبْهَامًا مِنْ:
لَدُنْ، أَلَا تَرَى أَنَّ: عند، تقع جوابا لأين، وَلَا تَقَعُ لَهُ جَوَابًا: لَدُنْ؟.
ومِنْ لَدُنْكَ مُتَعَلِّقٌ: بِهَبْ، وَقِيلَ: فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ: ذَرِّيَّةً، لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ صِفَةً، فَعَلَى هَذَا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالذُّرِّيَّةُ جِنْسٌ يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ، فَأَكْثَرَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ:
أَرَادَ بِالذُّرِّيَّةِ هُنَا وَاحِدًا دَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ: وَلِيًّا، وَلَمْ يَطْلُبْ: أَوْلِيَاءَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِيمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وَإِنَّمَا الذُّرِّيَّةُ وَالْوَلِيُّ اسْمَا جِنْسٍ يَقَعَانِ لِلْوَاحِدِ فَمَا زَادَ، وَهَكَذَا كَانَ طَلَبُ زَكَرِيَّا. انْتَهَى.
وَفَسَّرَ: طَيِّبَةً، بِأَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً فِي الْخُلُقِ وَفِي الدِّينِ تَقِيَّةً. وَقَالَ الرَّاغِبُ: صَالِحَةً، وَاسْتِعْمَالُ الصَّالِحِ فِي الطَّيِّبِ كَاسْتِعْمَالِ الْخَبِيثِ فِي ضِدِّهِ، عَلَى أَنَّ فِي الطَّيِّبِ زِيَادَةَ مَعْنًى عَلَى الصَّالِحِ. وَقِيلَ: أَرَادَ: بِطَيِّبَةٍ، أَنَّهَا تَبْلُغُ فِي الدِّينِ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ، فَإِنْ كَانَ أراد بالذرية
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢. [.....]
126
مَدْلُولَهَا مِنْ كَوْنِهَا اسْمَ جِنْسٍ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْوَحْدَةِ، فَوَصَفَهَا: بِطَيِّبَةٍ، وَاضِحٌ! وَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَكَرًا وَاحِدًا، فَأَنَّثَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كَمَا قَالَ:
وَكَمَا قَالَ:
وَفِي قَوْلِهِ: هَبْ لِي دَلَالَةٌ عَلَى طَلَبِ الْوَلَدِ الصَّالِحِ، وَالدُّعَاءِ بِحُصُولِهِ وَهِيَ سُنَّةُ الْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ.
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ لَمَّا دَعَا رَبَّهُ بِأَنَّهُ يَهِبُ لَهُ وَلَدًا صَالِحًا، أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُجِيبُ الدُّعَاءِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى السَّمَاعِ الْمَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ
قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
عَبَّرَ بِالسَّمَاعِ عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى الْمَقْصِدِ، وَاقْتَفَى فِي ذَلِكَ جَدَّهُ الْأَعْلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ «١» فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَزَقَهُ عَلَى الْكِبَرِ كَمَا رَزَقَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْكِبَرِ، وَكَانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إِجَابَةَ دُعَائِهِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا «٢» ؟.
قِيلَ: وَذَكَرَ تَعَالَى فِي كَيْفِيَّةِ دُعَائِهِ ثَلَاثَ صِيَغٍ: أَحَدُهُا: هَذَا، وَالثَّانِي: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي «٣» إِلَى آخِرِهِ. وَالثَّالِثُ: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ «٤» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الصِّيَغِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ زَمَانًا. انْتَهَى. وَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعَاءِ، كَمَا قِيلَ: لِأَنَّهُ حَالَةُ الْحِكَايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ فِي قَوْلِهِ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً «٥» عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ، وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِسْهَابِ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ إِنَّمَا هِيَ بِالْمَعْنَى، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ وَاحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَفِي قَوْلِهِ:
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى «٦» وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي مريم: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ «٧» اعْتِقَابُ التَّبْشِيرِ الدُّعَاءُ لَا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ.
| أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى | سُكَاتٍ إِذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بأدْرَدَا |
| أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى | وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ |
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ لَمَّا دَعَا رَبَّهُ بِأَنَّهُ يَهِبُ لَهُ وَلَدًا صَالِحًا، أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُجِيبُ الدُّعَاءِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى السَّمَاعِ الْمَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ
قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
عَبَّرَ بِالسَّمَاعِ عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى الْمَقْصِدِ، وَاقْتَفَى فِي ذَلِكَ جَدَّهُ الْأَعْلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ «١» فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَزَقَهُ عَلَى الْكِبَرِ كَمَا رَزَقَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْكِبَرِ، وَكَانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إِجَابَةَ دُعَائِهِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا «٢» ؟.
قِيلَ: وَذَكَرَ تَعَالَى فِي كَيْفِيَّةِ دُعَائِهِ ثَلَاثَ صِيَغٍ: أَحَدُهُا: هَذَا، وَالثَّانِي: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي «٣» إِلَى آخِرِهِ. وَالثَّالِثُ: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ «٤» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الصِّيَغِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ زَمَانًا. انْتَهَى. وَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعَاءِ، كَمَا قِيلَ: لِأَنَّهُ حَالَةُ الْحِكَايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ فِي قَوْلِهِ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً «٥» عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ، وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِسْهَابِ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ إِنَّمَا هِيَ بِالْمَعْنَى، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ وَاحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَفِي قَوْلِهِ:
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى «٦» وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي مريم: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ «٧» اعْتِقَابُ التَّبْشِيرِ الدُّعَاءُ لَا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ.
(١) سورة إبراهيم: ١٤/ ٣٩.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ٤.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٤.
(٥- ٤) سورة الأنبياء: ٢١/ ٨٩.
(٦) سورة الأنبياء: ٢١/ ٩٠.
(٧) سورة مريم: ١٩/ ٧.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ٤.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٤.
(٥- ٤) سورة الأنبياء: ٢١/ ٨٩.
(٦) سورة الأنبياء: ٢١/ ٩٠.
(٧) سورة مريم: ١٩/ ٧.
127
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ قِيلَ: النِّدَاءُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّبْشِيرِ وَفِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْرَعَ بِهِ وَيَنْهَى إِلَى نَفْسِ السَّامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا إِخْبَارًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى عُرْفِ الْوَحْيِ، بَلْ نِدَاءٌ كَمَا نَادَى الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ. قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَغَيْرُهُ.
وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ، بَلِ الْمُنَادَاةُ تَكُونُ لِتَبْشِيرٍ وَلِتَحْزِينٍ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ،
كَمَا جَاءَ. «يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بِلَا موت»
وجاء: يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً «١» وَإِنَّمَا فُهِمَتِ الْبِشَارَةُ فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ لَا أَنَّ لَفْظَ نَادَتْهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لَا بِالْوَضْعِ وَلَا بِالِاسْتِعْمَالِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِدَاؤُهُمْ إِيَّاهُ عَلَى سَبِيلِ الْوَحْيِ، أَيْ: أُوحِيَ إِلَيْهِمْ بِأَنْ يُنَادُوهُ، أَوْ يَكُونَ نَادَوْهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا يُقَالُ لَكَ: بَلِّغْ زَيْدًا كَذَا وَكَذَا، فَتَقُولَ لَهُ: يَا زَيْدُ جَرَى كَذَا وَكَذَا. وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَقَبَّلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَوَهَبَ لَهُ يَحْيَى، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ، فَنَادَتْهُ. وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ دُعَائِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَالظَّاهِرُ خِلَافُ ذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُنَادِيَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ، وَقَدْ بَعَثَ تَعَالَى مَلَائِكَةً إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَإِلَى إِبْرَاهِيمَ وَفِي غَيْرِ مَا قَصَّهُ.
وَذَكَرَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُنَادِيَ هُوَ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُصْحَفُهُ: فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا قِيلَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ، يَعْنِي: إِنَّ الَّذِي نَادَاهُ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، لَا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الْجَمْعِ، كَمَا أَنَّ قولهم:
فلان يركب الخيل لَا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الْجَمْعِ، إِنَّمَا يُرِيدُ مَرْكُوبَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ، وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْفَضْلُ: الرَّئِيسُ يُخْبَرُ عَنْهُ أَخْبَارُ الْجَمْعِ لِاجْتِمَاعِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، أَوْ لِاجْتِمَاعِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ فِيهِ، الْمُتَفَرِّقَةِ فِي غَيْرِهِ. فَعَبَّرَ عَنْهُ بالكثرة لذلك. قيل: وجبريل رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: فَنَادَاهُ، مُمَالَةٌ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: فَنَادَتْهُ، بِتَاءِ التَّأْنِيثِ و: الملائكة، جَمْعُ تَكْسِيرٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ الْعَلَامَةُ، وَأَنْ لَا يَلْحَقَ. تَقُولُ: قَامَ الرِّجَالُ، وَقَامَتِ الرِّجَالُ. وَإِلْحَاقُ الْعَلَامَةِ قِيلَ. أَحْسَنُ، أَلَا تَرَى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ؟ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا؟ وَمُحَسَّنٌ الْحَذْفُ هُنَا الْفَصْلُ بِالْمَفْعُولِ.
وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ الْحَبْرَ الْكَبِيرَ الَّذِي يقرب
وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ، بَلِ الْمُنَادَاةُ تَكُونُ لِتَبْشِيرٍ وَلِتَحْزِينٍ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ،
كَمَا جَاءَ. «يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بِلَا موت»
وجاء: يَا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً «١» وَإِنَّمَا فُهِمَتِ الْبِشَارَةُ فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ لَا أَنَّ لَفْظَ نَادَتْهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لَا بِالْوَضْعِ وَلَا بِالِاسْتِعْمَالِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِدَاؤُهُمْ إِيَّاهُ عَلَى سَبِيلِ الْوَحْيِ، أَيْ: أُوحِيَ إِلَيْهِمْ بِأَنْ يُنَادُوهُ، أَوْ يَكُونَ نَادَوْهُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا يُقَالُ لَكَ: بَلِّغْ زَيْدًا كَذَا وَكَذَا، فَتَقُولَ لَهُ: يَا زَيْدُ جَرَى كَذَا وَكَذَا. وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْمُفَسِّرِينَ.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَقَبَّلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وَوَهَبَ لَهُ يَحْيَى، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ، فَنَادَتْهُ. وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ دُعَائِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَالظَّاهِرُ خِلَافُ ذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُنَادِيَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ، وَقَدْ بَعَثَ تَعَالَى مَلَائِكَةً إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَإِلَى إِبْرَاهِيمَ وَفِي غَيْرِ مَا قَصَّهُ.
وَذَكَرَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُنَادِيَ هُوَ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُصْحَفُهُ: فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا قِيلَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ، يَعْنِي: إِنَّ الَّذِي نَادَاهُ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، لَا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الْجَمْعِ، كَمَا أَنَّ قولهم:
فلان يركب الخيل لَا يُرِيدُ خُصُوصِيَّةَ الْجَمْعِ، إِنَّمَا يُرِيدُ مَرْكُوبَهُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ، وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْفَضْلُ: الرَّئِيسُ يُخْبَرُ عَنْهُ أَخْبَارُ الْجَمْعِ لِاجْتِمَاعِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، أَوْ لِاجْتِمَاعِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ فِيهِ، الْمُتَفَرِّقَةِ فِي غَيْرِهِ. فَعَبَّرَ عَنْهُ بالكثرة لذلك. قيل: وجبريل رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: فَنَادَاهُ، مُمَالَةٌ وَبَاقِي السَّبْعَةِ: فَنَادَتْهُ، بِتَاءِ التَّأْنِيثِ و: الملائكة، جَمْعُ تَكْسِيرٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ الْعَلَامَةُ، وَأَنْ لَا يَلْحَقَ. تَقُولُ: قَامَ الرِّجَالُ، وَقَامَتِ الرِّجَالُ. وَإِلْحَاقُ الْعَلَامَةِ قِيلَ. أَحْسَنُ، أَلَا تَرَى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ؟ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا؟ وَمُحَسَّنٌ الْحَذْفُ هُنَا الْفَصْلُ بِالْمَفْعُولِ.
وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
ذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ الْحَبْرَ الْكَبِيرَ الَّذِي يقرب
(١) سورة غافر: ٤٠/ ٣٦.
128
الْقُرْبَانَ، وَيَفْتَحُ بَابَ الْمَذْبَحِ، فَلَا يَدْخُلُونَ حَتَّى يُؤْذَنَ. فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، يَعْنَى الْمَسْجِدَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَفَزِعَ مِنْهُ، فَنَادَاهُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ: يَا زَكَرِيَّا! إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ.
وَقِيلَ:
الْمِحْرَابُ مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ: الْقِبْلَةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمِحْرَابَ هُوَ الْمِحْرَابُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ فَفِي الْمَكَانِ الَّذِي رَأَى فِيهِ خَرْقَ الْعَادَةِ، فِيهِ دَعَا، وَفِيهِ جَاءَتْهُ الْبِشَارَةُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي شَرِيعَتِهِمْ.
وَقِيلَ: الصَّلَاةُ هُنَا الدُّعَاءُ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نِدَاءِ الْمُتَلَبِّسِ بِالصَّلَاةِ وَتَكْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ شَغْلٌ لَهُ عَنْ صَلَاتِهِ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، و: يصلي، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً: لقائم، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضمير المستكن في: قَائِمٌ، أَوْ: مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَوَّزَ حَالَيْنِ مِنْ ذِي حَالٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانيا: لهو، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَعْدَادَ الْأَخْبَارِ لِمُبْتَدَأٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى خَبَرٍ وَاحِدٍ.
وَيَتَعَلَّقُ: فِي الْمِحْرَابِ، بِقَوْلِهِ: يُصَلِّي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ: بقائم، فِي وَجْهٍ مِنِ احْتِمَالَاتِ إِعْرَابِ: يُصَلِّي، إِلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ: يُصَلِّي، حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي اسْتَكَنَّ فِي: قَائِمٌ، فَيَجُوزُ. لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَتَّحِدُ الْعَامِلُ فِيهِ وَفِي: يُصَلِّي، وَهُوَ: قَائِمٌ، لِأَنَّ الْعَامِلَ إِذْ ذَاكَ فِي الْحَالِ هُوَ: قَائِمٌ، إِذْ هُوَ الْعَامِلُ فِي ذِي الْحَالِ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ الْمَجْرُورُ.
وَفِي قَوْلِهِ: قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ قَالُوا: دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ قِيَامِ الْإِمَامِ فِي مِحْرَابِهِ، وَقَدْ كَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا.
وَرَقَّقَ وَرْشٌ رَاءَ: الْمِحْرَابِ، وَأَمَالَ الرَّاءَ ابْنُ ذَكْوَانَ إِذَا كَانَ: الْمِحْرَابِ، مَجْرُورًا وَنَسَبَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ. وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْجَرِّ.
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ: إِنَّ اللَّهَ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. فَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ الْكَسْرُ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ: وَقَالَتْ. وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لَا إِضْمَارَ، لِأَنَّ غَيْرَ الْقَوْلِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ: كَالنِّدَاءِ وَالدُّعَاءِ، يَجْرِي مَجْرَى الْقَوْلِ فِي الْحِكَايَةِ، فَكُسِرَتْ بِنَادَتْهُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: قَالَتْ لَهُ.
وَقِيلَ:
الْمِحْرَابُ مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ: الْقِبْلَةُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمِحْرَابَ هُوَ الْمِحْرَابُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ فَفِي الْمَكَانِ الَّذِي رَأَى فِيهِ خَرْقَ الْعَادَةِ، فِيهِ دَعَا، وَفِيهِ جَاءَتْهُ الْبِشَارَةُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي شَرِيعَتِهِمْ.
وَقِيلَ: الصَّلَاةُ هُنَا الدُّعَاءُ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نِدَاءِ الْمُتَلَبِّسِ بِالصَّلَاةِ وَتَكْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ شَغْلٌ لَهُ عَنْ صَلَاتِهِ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، و: يصلي، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً: لقائم، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضمير المستكن في: قَائِمٌ، أَوْ: مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَوَّزَ حَالَيْنِ مِنْ ذِي حَالٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانيا: لهو، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَعْدَادَ الْأَخْبَارِ لِمُبْتَدَأٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى خَبَرٍ وَاحِدٍ.
وَيَتَعَلَّقُ: فِي الْمِحْرَابِ، بِقَوْلِهِ: يُصَلِّي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ: بقائم، فِي وَجْهٍ مِنِ احْتِمَالَاتِ إِعْرَابِ: يُصَلِّي، إِلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ: يُصَلِّي، حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي اسْتَكَنَّ فِي: قَائِمٌ، فَيَجُوزُ. لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَتَّحِدُ الْعَامِلُ فِيهِ وَفِي: يُصَلِّي، وَهُوَ: قَائِمٌ، لِأَنَّ الْعَامِلَ إِذْ ذَاكَ فِي الْحَالِ هُوَ: قَائِمٌ، إِذْ هُوَ الْعَامِلُ فِي ذِي الْحَالِ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ الْمَجْرُورُ.
وَفِي قَوْلِهِ: قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ قَالُوا: دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ قِيَامِ الْإِمَامِ فِي مِحْرَابِهِ، وَقَدْ كَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا.
وَرَقَّقَ وَرْشٌ رَاءَ: الْمِحْرَابِ، وَأَمَالَ الرَّاءَ ابْنُ ذَكْوَانَ إِذَا كَانَ: الْمِحْرَابِ، مَجْرُورًا وَنَسَبَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ. وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْجَرِّ.
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ: إِنَّ اللَّهَ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ. فَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ الْكَسْرُ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ: وَقَالَتْ. وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لَا إِضْمَارَ، لِأَنَّ غَيْرَ الْقَوْلِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ: كَالنِّدَاءِ وَالدُّعَاءِ، يَجْرِي مَجْرَى الْقَوْلِ فِي الْحِكَايَةِ، فَكُسِرَتْ بِنَادَتْهُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: قَالَتْ لَهُ.
129
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ مَعْمُولٌ لِبَاءٍ مَحْذُوفَةٍ فِي الْأَصْلِ، أَيْ بِتَبْشِيرٍ:
وَحِينَ حُذِفَتْ فَالْمَوْضِعُ نَصْبٌ بالفعل أوجر بِالْبَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، قَوْلَانِ قَدْ تَقَدَّمَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا زكرياء إِنَّ اللَّهَ. فَقَوْلُهُ: يَا زكرياء، هُوَ مَعْمُولُ النِّدَاءِ. فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَلَا يَجُوزُ فَتْحُ: إِنَّ، عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدِ اسْتَوْفَى مَفْعُولَيْهِ، وَهُمَا:
الضَّمِيرُ وَالْمُنَادَى. وَتَبْلِيغُ الْبِشَارَةِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ إِلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ لَيْسَتْ بِشَارَةً مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ مِنَ الْمُرْسِلِ. أَلَا تَرَى إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يُبَشِّرُكَ؟ وَقَدْ قَالَ فِي سورة مريم: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ «١» فَأَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ تَعَالَى. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: يُبَشِّرُكَ، فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا وَقِصَّةِ مَرْيَمَ، وَفِي الْإِسْرَاءِ، وَفِي الْكَهْفِ، وَفِي الشُّورَى، مِنْ: بَشَرَ، مُخَفَّفًا. وَافَقَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو في الشُّورَى، زَادَ حَمْزَةُ فِي الْحِجْرِ: أَلَا فَبِمَ تُبَشِّرُونِ، ومريم. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: يُبَشِّرُ، مِنْ بَشَّرَ الْمُضَعَّفِ الْعَيْنِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ يُبَشِّرُ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَبْشَرَ، وَهِيَ لُغًى ثَلَاثٌ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَالَ الْآخَرُ:
بِيَحْيَى، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: نُبَشِّرُكَ، وَالْمَعْنَى: بِوِلَادَةِ يَحْيَى مِنْكَ وَمِنَ امْرَأَتِكَ، فَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا فَمَنْعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَلِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنُ الْفِعْلِ، كَيَعْمُرَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا.
وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَاحَظُوا فِيهِ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ مِنَ الْحَيَاةِ.
قَالَ قَتَادَةُ: سَمَّاهُ اللَّهُ يَحْيَى لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ. وَقَالَ الحسن بن المفضل: حي بِالْعِصْمَةِ وَالطَّاعَةِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ.
رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا قَتَلَتْهُ امْرَأَةٌ».
وَقَالَ مُقَاتِلٌ:
سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بَيْنَ شَيْخٍ وَعَجُوزٍ. وقال الزجاج: حي بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيهَا.
وَحِينَ حُذِفَتْ فَالْمَوْضِعُ نَصْبٌ بالفعل أوجر بِالْبَاءِ الْمَحْذُوفَةِ، قَوْلَانِ قَدْ تَقَدَّمَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا زكرياء إِنَّ اللَّهَ. فَقَوْلُهُ: يَا زكرياء، هُوَ مَعْمُولُ النِّدَاءِ. فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَلَا يَجُوزُ فَتْحُ: إِنَّ، عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدِ اسْتَوْفَى مَفْعُولَيْهِ، وَهُمَا:
الضَّمِيرُ وَالْمُنَادَى. وَتَبْلِيغُ الْبِشَارَةِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ إِلَى الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ لَيْسَتْ بِشَارَةً مِنَ الرَّسُولِ، بَلْ مِنَ الْمُرْسِلِ. أَلَا تَرَى إِضَافَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: يُبَشِّرُكَ؟ وَقَدْ قَالَ فِي سورة مريم: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ «١» فَأَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ تَعَالَى. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: يُبَشِّرُكَ، فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا وَقِصَّةِ مَرْيَمَ، وَفِي الْإِسْرَاءِ، وَفِي الْكَهْفِ، وَفِي الشُّورَى، مِنْ: بَشَرَ، مُخَفَّفًا. وَافَقَهُمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو في الشُّورَى، زَادَ حَمْزَةُ فِي الْحِجْرِ: أَلَا فَبِمَ تُبَشِّرُونِ، ومريم. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: يُبَشِّرُ، مِنْ بَشَّرَ الْمُضَعَّفِ الْعَيْنِ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ يُبَشِّرُ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ أَبْشَرَ، وَهِيَ لُغًى ثَلَاثٌ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
| بَشَرْتُ عِيَالِي إِذْ رَأَيْتُ صَحِيفَةً | أَتَتْكَ مِنَ الْحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا |
| يَا بِشْرُ حَقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ | هَلَّا غَضِبْتَ لَنَا وَأَنْتَ أَمِيرُ |
وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَاحَظُوا فِيهِ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ مِنَ الْحَيَاةِ.
قَالَ قَتَادَةُ: سَمَّاهُ اللَّهُ يَحْيَى لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ. وَقَالَ الحسن بن المفضل: حي بِالْعِصْمَةِ وَالطَّاعَةِ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ: سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ.
رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا قَتَلَتْهُ امْرَأَةٌ».
وَقَالَ مُقَاتِلٌ:
سُمِّيَ يَحْيَى لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ بَيْنَ شَيْخٍ وَعَجُوزٍ. وقال الزجاج: حي بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيهَا.
(١) سورة مريم: ١٩/ ٧.
130
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ أَحْيَا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَمُوتُ فَسُمِّيَ يَحْيَى تَفَاؤُلًا، كَالْمَفَازَةِ وَالسَّلِيمِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ أَحْيَا بِهِ النَّاسَ بِالْهُدَى.
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ هُوَ عِيسَى، وَسَيَأْتِي لِمَ سُمِّيَ كَلِمَةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُ: كَانَ يَحْيَى أَوَّلَ مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى وَشَهِدَ أَنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَكَانَ يَحْيَى أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَقِيلَ: بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقُتِلَ قَبْلَ رَفْعِ عِيسَى، وَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إِنِّي لَأَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَتَحَرَّكُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَسْجُدُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُومِي بِرَأْسِهِ لِمَا فِي بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، وَهُوَ أَوَّلُ التَّصْدِيقِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَغَيْرُهُ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أَيْ: بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا، أَوْقَعَ الْمُفْرَدَ مَوْقِعَ الْجَمْعِ، فَالْكَلِمَةُ اسْمُ جِنْسٍ، وَقَدْ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْقَصِيدَةَ كَلِمَةً.
رُوِيَ أَنَّ الْحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسَّانٍ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، أَيْ قَصِيدَتَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
وَقِيلَ مَعْنَى: بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ هُنَا أَيْ: بِوَعْدٍ مِنَ اللَّهِ، وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ الْعَدَوِيُّ: بِكِلْمَةٍ، بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَهِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ مِثْلَ: كَتِفٌ وَكِتْفٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَتْبَعَ فَاءَ الْكَلِمَةِ لِعَيْنِهَا، فَيَقِلُّ اجْتِمَاعُ كَسْرَتَيْنِ، فَسَكَّنَ الْعَيْنَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَكِّنُهَا مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ اسْتِثْقَالًا لِلْكَسْرَةِ فِي الْعَيْنِ.
وَانْتُصِبَ: مُصَدِّقًا، عَلَى الْحَالِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ بِحَسْبِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَسَيِّداً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّيِّدُ الْكَرِيمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْحَلِيمُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَنْ لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْحَسَنُ الْخُلُقِ. وَقَالَ سَالِمٌ: التَّقِيُّ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرِيفُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْفَقِيهُ الْعَالِمُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ: الرَّاضِي بِقَضَاءِ اللَّهِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْمُطَاعُ الْفَائِقُ أَقْرَانَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: الْمُتَوَكِّلُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَظِيمُ الْهِمَّةِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: السَّيِّدُ مَنْ لَا يَحْسُدُ مِنْ قَوْلِهِمُ: الْحَسُودُ لَا يَسُودُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ فِي الْخَيْرِ قَوْمَهُ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: السَّيِّدُ الْمَالِكُ الَّذِي
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَةَ هُوَ عِيسَى، وَسَيَأْتِي لِمَ سُمِّيَ كَلِمَةً، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ الرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُ: كَانَ يَحْيَى أَوَّلَ مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى وَشَهِدَ أَنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَكَانَ يَحْيَى أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَقِيلَ: بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَقُتِلَ قَبْلَ رَفْعِ عِيسَى، وَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إِنِّي لَأَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَتَحَرَّكُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَسْجُدُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُومِي بِرَأْسِهِ لِمَا فِي بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، وَهُوَ أَوَّلُ التَّصْدِيقِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَغَيْرُهُ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ أَيْ: بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا، أَوْقَعَ الْمُفْرَدَ مَوْقِعَ الْجَمْعِ، فَالْكَلِمَةُ اسْمُ جِنْسٍ، وَقَدْ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْقَصِيدَةَ كَلِمَةً.
رُوِيَ أَنَّ الْحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسَّانٍ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، أَيْ قَصِيدَتَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
| أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ | وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ» |
وَانْتُصِبَ: مُصَدِّقًا، عَلَى الْحَالِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ بِحَسْبِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَسَيِّداً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّيِّدُ الْكَرِيمُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْحَلِيمُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| سَيِّدٌ لَا تَحِلُّ حَبْوَتُهُ | بَوَادِرَ الْجَاهِلِينَ إِنْ جَهِلُوا |
131
تَجِبُ طَاعَتُهُ. وَلِهَذَا قِيلَ لِلزَّوْجِ: سَيِّدٌ. وَقِيلَ: سَيِّدُ الْغُلَامِ، وَقَالَ سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ: السَّيِّدُ الْمَالِكُ، وَالسَّيِّدُ الرَّئِيسُ، وَالسَّيِّدُ الْحَكِيمُ، وَالسَّيِّدُ السَّخِيُّ.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «السَّيِّدُ مَنْ أُعْطِيَ مَالًا وَرُزِقَ سَمَاحًا، فَأَدْنَى الْفُقَرَاءَ، وَقَلَّتْ شِكَايَتُهُ فِي النَّاسِ».
وَفِي مَعْنَاهُ: مَنْ بَذَلَ مَعْرُوفَهُ وَكَفَّ أَذَاهُ.
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ لِبَنِي سَلِمَةَ وَقَدْ سَأَلَهُمْ مَنْ سَيِّدُكُمْ فَقَالُوا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بُخْلِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ».
وَسُمِّيَ أَيْضًا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيِّدًا فِي
قَوْلِهِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ».
أَيْ رَئِيسِكُمْ وَالْمُطَاعُ فِيكُمْ. وَسُمِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: سَيِّدًا. فِي
قَوْلِهِ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّدُ الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ أَيْ يَفُوقُهَا فِي الشَّرَفِ. وَكَانَ يَحْيَى قَائِمًا لِقَوْمِهِ، قَائِمًا لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ سَيِّئَةً قَطُّ، وَيَا لَهَا مِنْ سِيَادَةٍ؟! انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَا مُلَخَّصُهُ: خَصَّهُ اللَّهُ بِذِكْرِ السُّؤْدُدِ، وَهُوَ الِاعْتِمَالُ فِي رِضَا النَّاسِ عَلَى أَشْرَفِ الْوُجُوهِ دُونَ أَنْ يُوقَعَ فِي بَاطِلٍ، وَتَفْصِيلُهُ: بَذْلُ النَّدَى وَهُوَ الْكَرَمُ، وَكَفُّ الْأَذَى وَهِيَ الْعِفَّةُ فِي الْفَرْجِ وَالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ وَهُنَا هُوَ الْحُلْمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْغَرَامَاتِ وَجَبْرُ الْكَسِيرِ وَالْإِنْقَاذُ مِنَ الْهَلَكَاتِ. وَقَدْ يُوجَدُ من الثقات الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُبْرِزُ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَقَدْ يُوجَدُ مَنْ يَبْرُزُ فِيهَا، فَيُسَمَّى سَيِّدًا وَإِنْ قَصَّرَ فِي مَنْدُوبٍ، وَمُكَافَحَةٍ فِي حَقٍّ وَقِلَّةِ مُبَالَاةٍ بِاللَّائِمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ؟ قِيلَ لَهُ: وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ قَالَ: هُمَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمُعَاوِيَةُ أَسْوَدُ مِنْهُمَا! انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِ السَّيِّدِ كُلُّهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا فِي وَصْفِ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ هُمُ النَّبِيُّونَ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَسَيِّدًا، دَلَالَةٌ عَلَى إِطْلَاقِ هَذَا الِاسْمِ عَلَى مَنْ فِيهِ سِيَادَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَدْحِ. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلظَّالِمِ وَالْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ.
وَوَرَدَ النَّهْيُ: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدًا»
، وَمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ أَطَعْنا سادَتَنا «١» فَعَلَى مَا فِي اعْتِقَادِهِمْ وَزَعْمِهِمْ.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «السَّيِّدُ مَنْ أُعْطِيَ مَالًا وَرُزِقَ سَمَاحًا، فَأَدْنَى الْفُقَرَاءَ، وَقَلَّتْ شِكَايَتُهُ فِي النَّاسِ».
وَفِي مَعْنَاهُ: مَنْ بَذَلَ مَعْرُوفَهُ وَكَفَّ أَذَاهُ.
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ لِبَنِي سَلِمَةَ وَقَدْ سَأَلَهُمْ مَنْ سَيِّدُكُمْ فَقَالُوا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بُخْلِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ».
وَسُمِّيَ أَيْضًا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيِّدًا فِي
قَوْلِهِ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ».
أَيْ رَئِيسِكُمْ وَالْمُطَاعُ فِيكُمْ. وَسُمِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: سَيِّدًا. فِي
قَوْلِهِ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّيِّدُ الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ أَيْ يَفُوقُهَا فِي الشَّرَفِ. وَكَانَ يَحْيَى قَائِمًا لِقَوْمِهِ، قَائِمًا لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ فِي أَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ سَيِّئَةً قَطُّ، وَيَا لَهَا مِنْ سِيَادَةٍ؟! انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَا مُلَخَّصُهُ: خَصَّهُ اللَّهُ بِذِكْرِ السُّؤْدُدِ، وَهُوَ الِاعْتِمَالُ فِي رِضَا النَّاسِ عَلَى أَشْرَفِ الْوُجُوهِ دُونَ أَنْ يُوقَعَ فِي بَاطِلٍ، وَتَفْصِيلُهُ: بَذْلُ النَّدَى وَهُوَ الْكَرَمُ، وَكَفُّ الْأَذَى وَهِيَ الْعِفَّةُ فِي الْفَرْجِ وَالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ وَهُنَا هُوَ الْحُلْمُ مِنْ تَحَمُّلِ الْغَرَامَاتِ وَجَبْرُ الْكَسِيرِ وَالْإِنْقَاذُ مِنَ الْهَلَكَاتِ. وَقَدْ يُوجَدُ من الثقات الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُبْرِزُ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَقَدْ يُوجَدُ مَنْ يَبْرُزُ فِيهَا، فَيُسَمَّى سَيِّدًا وَإِنْ قَصَّرَ فِي مَنْدُوبٍ، وَمُكَافَحَةٍ فِي حَقٍّ وَقِلَّةِ مُبَالَاةٍ بِاللَّائِمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ؟ قِيلَ لَهُ: وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ قَالَ: هُمَا خَيْرٌ مِنْهُ، وَمُعَاوِيَةُ أَسْوَدُ مِنْهُمَا! انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِ السَّيِّدِ كُلُّهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا فِي وَصْفِ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَحَقُّ النَّاسِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ هُمُ النَّبِيُّونَ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَسَيِّدًا، دَلَالَةٌ عَلَى إِطْلَاقِ هَذَا الِاسْمِ عَلَى مَنْ فِيهِ سِيَادَةٌ، وَهُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَدْحِ. وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلظَّالِمِ وَالْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ.
وَوَرَدَ النَّهْيُ: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدًا»
، وَمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ أَطَعْنا سادَتَنا «١» فَعَلَى مَا فِي اعْتِقَادِهِمْ وَزَعْمِهِمْ.
(١) سورة الأحزاب: ٣٣/ ٦٧.
132
قِيلَ: وَمَا
جَاءَ فِي حَدِيثِ وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ مِنْ قَوْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَذُو الطَّوْلِ علينا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ، تَكَلَّمُوا بِكَلَامِكُمْ»
، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَآهُمْ مُتَكَلِّفِينَ لِذَلِكَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ، وَقَدْ سَمَّى هُوَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ سَيِّدًا، وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ.
وَحَصُوراً هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِبَصَرِهِ.
وَقِيلَ: الْحَاصِرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَقِيلَ:
عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ. وَقِيلَ: الْحَصُورُ الْهَيُوبُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالضَّحَّاكُ، وَالْمُسَيَّبُ: هُوَ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا ذَكَرَ لَهُ يَتَأَتَّى بِهِ النِّكَاحُ وَلَا يَنْزِلُ.
وَإِيرَادُ الْحَصُورِ وَصْفًا فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْفِعْلِ الْمُكْتَسَبِ دُونَ الْجِبِلَّةِ فِي الْغَالِبِ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقَامُ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ، وَلَعَلَّ تَرْكَ النِّسَاءِ زَهَادَةٌ فِيهِنَّ كَانَ شَرْعُهُمْ إِذْ ذَاكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى الْعُشْبَ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَارُ عَلَى عَيْنَيْهِ لَخَرَقَهُ، وَكَانَ الدَّمْعُ اتَّخَذَ مَجْرًى فِي وَجْهِهِ.
قِيلَ: وَمَنْ هَذَا حَالُهُ فَهُوَ فِي شَغْلٍ عَنِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: الْحَصُورُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي الْمَيْسِرِ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
فَاسْتُعِيرَ لِمَنْ لَا يَدْخُلُ فِي اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ: مَرَّ وَهُوَ طِفْلٌ بِصِبْيَانٍ فَدَعَوْهُ إِلَى اللَّعِبِ، فَقَالَ: مَا لِلَعِبٍ خُلِقْتُ.
وَالْحَصُورُ وَالْحَصِرُ كما تم السِّرِّ. قَالَ جَرِيرُ:
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ الْعَاصِي، مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ يَحْيَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا للرجل إِلَّا مِثْلَ هَذَا الْعُودِ، يُشِيرُ إِلَى عُوَيْدٍ صَغِيرٍ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ الْقَذَاةِ، يُشِيرُ إِلَى
جَاءَ فِي حَدِيثِ وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ مِنْ قَوْلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَذُو الطَّوْلِ علينا، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ، تَكَلَّمُوا بِكَلَامِكُمْ»
، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَآهُمْ مُتَكَلِّفِينَ لِذَلِكَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ، وَقَدْ سَمَّى هُوَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ سَيِّدًا، وَكَذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ.
وَحَصُوراً هُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
| وَحَصُورًا لَا يُرِيدُ نِكَاحًا | لَا وَلَا يَبْتَغِي النِّسَاءَ الصِّبَاحَا |
وَقِيلَ: الْحَاصِرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَقِيلَ:
عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ. وَقِيلَ: الْحَصُورُ الْهَيُوبُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالضَّحَّاكُ، وَالْمُسَيَّبُ: هُوَ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا ذَكَرَ لَهُ يَتَأَتَّى بِهِ النِّكَاحُ وَلَا يَنْزِلُ.
وَإِيرَادُ الْحَصُورِ وَصْفًا فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْفِعْلِ الْمُكْتَسَبِ دُونَ الْجِبِلَّةِ فِي الْغَالِبِ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهُ مَقَامُ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ، وَلَعَلَّ تَرْكَ النِّسَاءِ زَهَادَةٌ فِيهِنَّ كَانَ شَرْعُهُمْ إِذْ ذَاكَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى الْعُشْبَ، وَكَانَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَارُ عَلَى عَيْنَيْهِ لَخَرَقَهُ، وَكَانَ الدَّمْعُ اتَّخَذَ مَجْرًى فِي وَجْهِهِ.
قِيلَ: وَمَنْ هَذَا حَالُهُ فَهُوَ فِي شَغْلٍ عَنِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا.
وَقِيلَ: الْحَصُورُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي الْمَيْسِرِ. قَالَ الْأَخْطَلُ:
| وَشَارِبٌ مُرْبِحٌ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي | لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَآرٍ |
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ: مَرَّ وَهُوَ طِفْلٌ بِصِبْيَانٍ فَدَعَوْهُ إِلَى اللَّعِبِ، فَقَالَ: مَا لِلَعِبٍ خُلِقْتُ.
وَالْحَصُورُ وَالْحَصِرُ كما تم السِّرِّ. قَالَ جَرِيرُ:
| وَلَقَدْ تشاقطني الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا | حَصِرًا بِسِرِّكَ يَا أُمَيْمُ ضَنِينَا |
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هَذِهِ الْقَذَاةِ، يُشِيرُ إِلَى
133
قَذَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ أَخَذَهَا.
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ وَحَصُوراً مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ بِالْعَكْسِ.
وَنَبِيًّا هَذَا الْوَصْفُ الْأَشْرَفُ، وَهُوَ أَعْلَى الْأَوْصَافِ، فَذَكَرَ أولا الوصف الذي تبنى عَلَيْهِ الْأَوْصَافُ بَعْدَهُ، وَهُوَ: التَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ السِّيَادَةَ وَهِيَ الْوَصْفُ يَفُوقُ بِهِ قَوْمَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الزَّهَادَةَ وَخُصُوصًا فِيمَا لَا يَكَادُ يُزْهَدُ فِيهِ وَذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّتْبَةَ الْعُلْيَا وَهِيَ: رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ. وَفِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ تَشَابُهٌ مِنْ أَوْصَافِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مَرْيَمُ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ، وَمَا خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ لِلْعَادَةِ، دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَهِبَ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَهَبَ لَهُ يَحْيَى عَلَى وَفْقِ مَا طَلَبَ، فَالتَّصْدِيقُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَرْيَمَ وَيَحْيَى، وَكَانَتْ مَرْيَمُ سَيِّدَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَصِّ الرَّسُولِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وَكَانَ يَحْيَى سَيِّدًا، فَاشْتَرَكَا فِي هَذَا الْوَصْفِ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ عَذْرَاءَ بَتُولًا لَمْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ وَكَانَ يَحْيَى لَا يَقْرُبُ النِّسَاءَ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ أَتَاهَا الْمَلَكُ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وحاورها عَنِ اللَّهِ بِمُحَاوَرَاتٍ حَتَّى زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّةً، وَكَانَ يَحْيَى نَبِيًّا، وَحَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ هُوَ أَنَّ يُوحِيَ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي هَذَا الْوَصْفِ.
مِنَ الصَّالِحِينَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مِنْ أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَصَالِحًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ إِبْرَاهِيمَ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ «١» قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ مِنْ صَالِحِي الْحَالِ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: خُصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِذِكْرِ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ صَلَاحَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ وَإِلَى النَّاسِ حُقُوقَهُمُ. انْتَهَى.
وَقَدْ قَالَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ «٢» قِيلَ: وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلَاحِ لَوِ انْتَقَصَ لَانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ نَصِيبًا مِنَ الصَّلَاحِ كَانَ أَعْلَى قَدْرًا.
وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: الصَّلَاحُ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ نَبِيٍّ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَفِي غَيْرِهِمْ
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ وَحَصُوراً مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّبَتُّلَ لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ أَفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ بِالْعَكْسِ.
وَنَبِيًّا هَذَا الْوَصْفُ الْأَشْرَفُ، وَهُوَ أَعْلَى الْأَوْصَافِ، فَذَكَرَ أولا الوصف الذي تبنى عَلَيْهِ الْأَوْصَافُ بَعْدَهُ، وَهُوَ: التَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ السِّيَادَةَ وَهِيَ الْوَصْفُ يَفُوقُ بِهِ قَوْمَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الزَّهَادَةَ وَخُصُوصًا فِيمَا لَا يَكَادُ يُزْهَدُ فِيهِ وَذَلِكَ النِّسَاءُ، ثُمَّ ذَكَرَ الرُّتْبَةَ الْعُلْيَا وَهِيَ: رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ. وَفِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ تَشَابُهٌ مِنْ أَوْصَافِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا رَأَى مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مَرْيَمُ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ، وَمَا خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ لِلْعَادَةِ، دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَهِبَ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَوَهَبَ لَهُ يَحْيَى عَلَى وَفْقِ مَا طَلَبَ، فَالتَّصْدِيقُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَرْيَمَ وَيَحْيَى، وَكَانَتْ مَرْيَمُ سَيِّدَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَصِّ الرَّسُولِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وَكَانَ يَحْيَى سَيِّدًا، فَاشْتَرَكَا فِي هَذَا الْوَصْفِ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ عَذْرَاءَ بَتُولًا لَمْ يَمْسَسْهَا بَشَرٌ وَكَانَ يَحْيَى لَا يَقْرُبُ النِّسَاءَ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ أَتَاهَا الْمَلَكُ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وحاورها عَنِ اللَّهِ بِمُحَاوَرَاتٍ حَتَّى زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّةً، وَكَانَ يَحْيَى نَبِيًّا، وَحَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ هُوَ أَنَّ يُوحِيَ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي هَذَا الْوَصْفِ.
مِنَ الصَّالِحِينَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مِنْ أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَصَالِحًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ إِبْرَاهِيمَ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ «١» قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ مِنْ صَالِحِي الْحَالِ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: خُصَّ الْأَنْبِيَاءُ بِذِكْرِ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ صَلَاحَهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ وَإِلَى النَّاسِ حُقُوقَهُمُ. انْتَهَى.
وَقَدْ قَالَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ حُصُولِ النُّبُوَّةِ لَهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ «٢» قِيلَ: وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ قَدْرًا مِنَ الصَّلَاحِ لَوِ انْتَقَصَ لَانْتَفَتِ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُمْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ نَصِيبًا مِنَ الصَّلَاحِ كَانَ أَعْلَى قَدْرًا.
وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: الصَّلَاحُ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ نَبِيٍّ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَفِي غَيْرِهِمْ
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٣٠.
(٢) سورة النمل: ٢٧/ ١٩.
(٢) سورة النمل: ٢٧/ ١٩.
134
لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بَعْضُهَا، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكُلِّ لَكِنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ فِي الْأَنْبِيَاءِ هُوَ تَحْقِيقُ الصَّلَاحِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَفِي غَيْرِهِمْ مِنْ بَعْضِهَا، فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ حَتَّى يَنْقَطِعَ احْتِمَالُ جَوَازِ النُّبُوَّةِ فِي مُطْلَقِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِاسْمِ الصَّلَاحِ مُفِيدًا.
وَقِيلَ: مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْأَمْنِ مِنْ خَوْفِ الْخَاتِمَةِ.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ سُؤَالُهُ به: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً فَلَا شَكَّ فِي إِمْكَانِيَّةِ ذَلِكَ، وَجَوَازِهِ: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَبَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فَمَا وَجْهُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ؟.
وَأُجِيبَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَيُولَدُ لِي عَلَى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ وَكَوْنِ امْرَأَتِي عَاقِرًا؟ أَيْ بَلَغَتْ سَنَّ مَنْ لَا تَلِدُ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَامْرَأَتُهُ بَلَغَتْ ثَمَانِيًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
أَمْ أُعَادُ أَنَا وَامْرَأَتِي إِلَى سِنِّ الشَّبِيبَةِ وَهَيْئَةِ مَنْ يُولَدُ لَهُ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُولَدُ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. قَالَ مَعْنَاهُ: الْحَسَنُ، وَالْأَصَمُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ اسْتَعْلَمَ: أَيَكُونُ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ صُلْبِهِ نَفْسِهِ أَمْ من بينه؟.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ السُّؤَالَ، وَكَانَ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالتَّبْشِيرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَنُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتُّونَ سَنَةً.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْلَامَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْظَامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَحْدُثُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ وَهُوَ يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، لِكَوْنِهِ كَالْمَدْهُوشِ عِنْدَ حُصُولِ مَا كان مستبعدا لَهُ عَادَةً.
الْخَامِسُ: إِنَّمَا سَأَلَ لِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْجِمَاعِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ: هَلْ يُقَوِّيهِ عَلَى الْجِمَاعِ وَامْرَأَتُهُ عَلَى الْقَبُولِ عَلَى حَالِ الْكِبَرِ؟
السَّادِسُ: سَأَلَ هَلْ يُرْزَقُ الْوَلَدُ مِنَ امْرَأَتِهِ الْعَاقِرِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ لِيُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي
وَقِيلَ: مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْأَمْنِ مِنْ خَوْفِ الْخَاتِمَةِ.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ سُؤَالُهُ به: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً فَلَا شَكَّ فِي إِمْكَانِيَّةِ ذَلِكَ، وَجَوَازِهِ: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَبَشَّرَتْهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فَمَا وَجْهُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ؟.
وَأُجِيبَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَيُولَدُ لِي عَلَى سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ وَكَوْنِ امْرَأَتِي عَاقِرًا؟ أَيْ بَلَغَتْ سَنَّ مَنْ لَا تَلِدُ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَامْرَأَتُهُ بَلَغَتْ ثَمَانِيًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَوْمَ بُشِّرَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
أَمْ أُعَادُ أَنَا وَامْرَأَتِي إِلَى سِنِّ الشَّبِيبَةِ وَهَيْئَةِ مَنْ يُولَدُ لَهُ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُولَدُ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. قَالَ مَعْنَاهُ: الْحَسَنُ، وَالْأَصَمُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ اسْتَعْلَمَ: أَيَكُونُ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنْ صُلْبِهِ نَفْسِهِ أَمْ من بينه؟.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ السُّؤَالَ، وَكَانَ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالتَّبْشِيرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَنُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتُّونَ سَنَةً.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْلَامَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْظَامِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَحْدُثُ ذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْآيَاتِ وَهُوَ يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ، لِكَوْنِهِ كَالْمَدْهُوشِ عِنْدَ حُصُولِ مَا كان مستبعدا لَهُ عَادَةً.
الْخَامِسُ: إِنَّمَا سَأَلَ لِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْجِمَاعِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ: هَلْ يُقَوِّيهِ عَلَى الْجِمَاعِ وَامْرَأَتُهُ عَلَى الْقَبُولِ عَلَى حَالِ الْكِبَرِ؟
السَّادِسُ: سَأَلَ هَلْ يُرْزَقُ الْوَلَدُ مِنَ امْرَأَتِهِ الْعَاقِرِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ لِيُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَدْرِي
135
مَنْ نَادَاكَ؟ قَالَ: مَلَائِكَةُ رَبِّي! قَالَ لَهُ: بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ لَأَخْفَاهُ لَكَ كَمَا أَخْفَيْتَ نِدَاءَكَ، فَخَالَطَتْ قَلْبَهُ وَسْوَسَةٌ، فَقَالَ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ لِيُبَيِّنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْوَحْيِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ. قَالَ الْقَاضِي: لَوِ اشْتَبَهَ عَلَى الرُّسُلِ كَلَامُ الْمَلَكِ بِكَلَامِ الشَّيْطَانِ لَمْ يَبْقَ الْوُثُوقُ بِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا قَالَهُ لَا يَلْزَمُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَقُومَ الْمُعْجِزَةُ عَلَى الْوَحْيِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحَ الدُّنْيَا فَرُبَّمَا لَا يُؤَكَّدُ بِالْمُعْجِزَةِ، فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ، فَيَطْلُبُ زَوَالَهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتِبْعَادٌ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ. كَمَا قَالَتْ مَرْيَمُ. انْتَهَى. وَعَلَى مَا قَالَهُ:
لَوْ كَانَ اسْتِبْعَادًا لَمَا سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ إِلَّا مَا كَانَ مُمْكِنًا لَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ فِي حَقِّهِمْ كَثِيرُ الْوُقُوعِ.
وَ: يَكُونُ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَامَّةً وَفَاعِلُهَا غُلَامٌ، أَيْ: أنَّى يَحْدُثُ لِي غُلَامٌ؟ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً، وَلَا يَتَعَيَّنُ إِذْ ذَاكَ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الِاسْمِ، لِأَنَّهُ قِيلَ: دُخُولُ كَانَ مُصَحِّحٌ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، إِذْ تَقَدُّمُ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ مُسَوِّغٌ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، وَالْجُمْلَتَانِ بَعْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِمَا: يَكُونُ، إِنْ كَانَتْ تَامَّةً، أَوِ الْعَامِلُ فِي: لِي، إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً.
وَقِيلَ: وَامْرَأَتِي عاقِرٌ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي: بَلَغَنِي، وَالْعَامِلُ بَلَغَنِي، وَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِعْلِيَّةً لِأَنَّ الْكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ وَصْفًا لَازِمًا، وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ اسْمِيَّةً وَالْخَبَرُ: عاقر، لأن كَوْنُهَا عَاقِرًا أَمْرٌ لَازِمٌ لَهَا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا طَارِئًا عَلَيْهَا، فَنَاسَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وَمَعْنَى: بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، أَثَّرَ فِيَّ: وَحَقِيقَةُ الْبُلُوغِ فِي الْأَجْرَامِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْبَالِغُ إِلَى الْمَبْلُوغِ إِلَيْهِ.
وَأَسْنَدَ الْبُلُوغَ إِلَى الْكِبَرِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ، كَأَنَّ الْكِبَرَ طَالِبٌ لَهُ، لِأَنَّ الْحَوَادِثَ طَارِئَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَكَأَنَّهَا طَالِبَةٌ لَهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ، كَمَا جَاءَ: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا «١» وَكَمَا قَالَ:
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِذَا بَلَغْتَ الْكِبَرَ فَقَدْ بَلَغَكَ الْكِبَرُ. انْتَهَى. وَهُنَا قَدَّمَ حَالَ نَفْسِهِ وَأَخَّرَ حَالَ
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا قَالَهُ لَا يَلْزَمُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَقُومَ الْمُعْجِزَةُ عَلَى الْوَحْيِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحَ الدُّنْيَا فَرُبَّمَا لَا يُؤَكَّدُ بِالْمُعْجِزَةِ، فَيَبْقَى الِاحْتِمَالُ، فَيَطْلُبُ زَوَالَهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتِبْعَادٌ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ. كَمَا قَالَتْ مَرْيَمُ. انْتَهَى. وَعَلَى مَا قَالَهُ:
لَوْ كَانَ اسْتِبْعَادًا لَمَا سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ إِلَّا مَا كَانَ مُمْكِنًا لَا سِيَّمَا الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّ خَرْقَ الْعَادَةِ فِي حَقِّهِمْ كَثِيرُ الْوُقُوعِ.
وَ: يَكُونُ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَامَّةً وَفَاعِلُهَا غُلَامٌ، أَيْ: أنَّى يَحْدُثُ لِي غُلَامٌ؟ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً، وَلَا يَتَعَيَّنُ إِذْ ذَاكَ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الِاسْمِ، لِأَنَّهُ قِيلَ: دُخُولُ كَانَ مُصَحِّحٌ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، إِذْ تَقَدُّمُ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ مُسَوِّغٌ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، وَالْجُمْلَتَانِ بَعْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَالٌ، وَالْعَامِلُ فِيهِمَا: يَكُونُ، إِنْ كَانَتْ تَامَّةً، أَوِ الْعَامِلُ فِي: لِي، إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً.
وَقِيلَ: وَامْرَأَتِي عاقِرٌ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ فِي: بَلَغَنِي، وَالْعَامِلُ بَلَغَنِي، وَكَانَتِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِعْلِيَّةً لِأَنَّ الْكِبَرَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَمْ يَكُنْ وَصْفًا لَازِمًا، وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ اسْمِيَّةً وَالْخَبَرُ: عاقر، لأن كَوْنُهَا عَاقِرًا أَمْرٌ لَازِمٌ لَهَا لَمْ يَكُنْ وَصْفًا طَارِئًا عَلَيْهَا، فَنَاسَبَ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، وَمَعْنَى: بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، أَثَّرَ فِيَّ: وَحَقِيقَةُ الْبُلُوغِ فِي الْأَجْرَامِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْبَالِغُ إِلَى الْمَبْلُوغِ إِلَيْهِ.
وَأَسْنَدَ الْبُلُوغَ إِلَى الْكِبَرِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ، كَأَنَّ الْكِبَرَ طَالِبٌ لَهُ، لِأَنَّ الْحَوَادِثَ طَارِئَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَكَأَنَّهَا طَالِبَةٌ لَهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ، كَمَا جَاءَ: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا «١» وَكَمَا قَالَ:
| مِثْلَ الْقَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ | نَجْرَانَ أَوْ بلغت سوآتهم هَجَرُ |
(١) سورة مريم: ١٩/ ٦٩.
136
امْرَأَتِهِ، وَفِي مَرْيَمَ عَكَسَ، فَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: لَا تُرَاعَى الْأَلْفَاظُ فِي الْحِكَايَةِ إِنَّمَا تُرَاعَى الْمَعَانِي الْمُدْرَجَةُ فِي الْأَلْفَاظِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: صَدْرُ الْآيَاتِ فِي مَرْيَمَ مُطَابِقٌ لِهَذَا التَّرْتِيبِ هُنَا، لِأَنَّهُ قَدَّمَ: أَنَّهُ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «١» وَقَالَ: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً «٢» فَلَمَّا أَعَادَ ذِكْرَهَا فِي الِاسْتِعْلَامِ أَخَّرَ ذِكْرَ الكبر ليوافق عتيا رؤوس الْآيِ، وَهُوَ بَابٌ مَقْصُودٌ فِي الْفَصَاحَةِ يَتَرَجَّحُ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى، وَالْعَطْفُ هُنَا بِالْوَاوِ، فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ مُشْعِرًا بِتَقَدُّمِ زَمَانٍ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْمُنَاسِبِ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ.
قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ الْكَافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وَذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ، أَيْ:
مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ تَكَوُّنُ الْوَلَدِ بَيْنَ الْفَانِي وَالْعَاقِرِ، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْغَرِيبَةِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ فِعْلًا، مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، بَلْ سَبَبُ إِيجَادِهِ هُوَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ: سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ أَمْ مِنَ الَّتِي لَا تَجْرِي عَلَى الْعَادَةِ؟ وَإِذَا كَانَ تَعَالَى يُوجِدُ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفَ بِلَا مَادَّةٍ وَلَا سَبَبٍ، فَكَيْفَ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا مَادَّةٌ وَسَبَبٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ؟
وَتَكُونُ الْكَافُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ: مِنْ يَفْعَلُ، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا مِثْلُ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اللَّهُ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَذَلِكَ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ، أَيْ صُنْعُ اللَّهِ الْغَرِيبُ مِثْلُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، وَيَكُونُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ شَرْحًا لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى نَحْوِ هَذِهِ الصفة:
الله، قال: يَفْعَلُ مَا يَشاءُ بَيَانٌ لَهُ، أَيْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ: كَهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْمُسْتَغْرَبَةِ هِيَ قُدْرَةُ اللَّهِ. انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ، تَكُونُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَالْكَلَامُ جُمْلَتَانِ، وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ الْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ: وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى حَالِ زَكَرِيَّا وَحَالِ امْرَأَتِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: رَبِّ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لَنَا غُلَامٌ وَنَحْنُ بِحَالِ كَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: كَمَا أَنْتُمَا يَكُونُ لَكُمَا الْغُلَامُ. وَالْكَلَامُ تَامٌّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ،
وَقَالَ غَيْرُهُ: صَدْرُ الْآيَاتِ فِي مَرْيَمَ مُطَابِقٌ لِهَذَا التَّرْتِيبِ هُنَا، لِأَنَّهُ قَدَّمَ: أَنَّهُ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً «١» وَقَالَ: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً «٢» فَلَمَّا أَعَادَ ذِكْرَهَا فِي الِاسْتِعْلَامِ أَخَّرَ ذِكْرَ الكبر ليوافق عتيا رؤوس الْآيِ، وَهُوَ بَابٌ مَقْصُودٌ فِي الْفَصَاحَةِ يَتَرَجَّحُ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى، وَالْعَطْفُ هُنَا بِالْوَاوِ، فَلَيْسَ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ مُشْعِرًا بِتَقَدُّمِ زَمَانٍ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْمُنَاسِبِ فِي فَصَاحَةِ الْكَلَامِ.
قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ الْكَافُ: لِلتَّشْبِيهِ، وَذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْفِعْلِ، أَيْ:
مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَهُوَ تَكَوُّنُ الْوَلَدِ بَيْنَ الْفَانِي وَالْعَاقِرِ، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْغَرِيبَةِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ فِعْلًا، مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، بَلْ سَبَبُ إِيجَادِهِ هُوَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ: سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ أَمْ مِنَ الَّتِي لَا تَجْرِي عَلَى الْعَادَةِ؟ وَإِذَا كَانَ تَعَالَى يُوجِدُ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفَ بِلَا مَادَّةٍ وَلَا سَبَبٍ، فَكَيْفَ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا مَادَّةٌ وَسَبَبٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ؟
وَتَكُونُ الْكَافُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: فِعْلًا مِثْلَ ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ: مِنْ يَفْعَلُ، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا مِثْلُ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اللَّهُ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَذَلِكَ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ، أَيْ صُنْعُ اللَّهِ الْغَرِيبُ مِثْلُ ذَلِكَ الصُّنْعِ، وَيَكُونُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ شَرْحًا لِلْإِبْهَامِ الَّذِي فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى نَحْوِ هَذِهِ الصفة:
الله، قال: يَفْعَلُ مَا يَشاءُ بَيَانٌ لَهُ، أَيْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَاتِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَيْ: كَهَذِهِ الْقُدْرَةِ الْمُسْتَغْرَبَةِ هِيَ قُدْرَةُ اللَّهِ. انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ، تَكُونُ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَالْكَلَامُ جُمْلَتَانِ، وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ الْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ: وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى حَالِ زَكَرِيَّا وَحَالِ امْرَأَتِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: رَبِّ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لَنَا غُلَامٌ وَنَحْنُ بِحَالِ كَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: كَمَا أَنْتُمَا يَكُونُ لَكُمَا الْغُلَامُ. وَالْكَلَامُ تَامٌّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ،
(١) سورة مريم: ١٩/ ٤.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ٥. [.....]
(٢) سورة مريم: ١٩/ ٥. [.....]
137
جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُقَرِّرَةٌ فِي النَّفْسِ وُقُوعَ هَذَا الْأَمْرِ الْمُسْتَغْرَبِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. فَيَكُونُ: كَذَلِكَ، مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وَشَرَحَ الرَّاغِبُ الْمَعْنَى فَقَالَ: يَهِبُ لَكَ الْوَلَدَ وَأَنْتَ بِحَالَتِكَ. وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ هُوَ الْأَوَّلُ.
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
قَالَ الرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمَا: إِنَّ زَكَرِيَّا قَالَ: يَا رَبِّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ مِنْ قِبَلِكَ، وَالْبِشَارَةُ حَقٌّ، فَاجْعَلْ لِي آيَةً، عَلَامَةً أَعْرِفُ بِهَا صِحَّةَ ذَلِكَ! فَعُوقِبَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِأَنْ مُنِعَ الْكَلَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ النَّاسِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيَّا، وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنِ الْجِهَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْوَلَدُ، وَتَتِمُّ بِهِ الْبِشَارَةُ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ سَأَلَ عَلَامَةً عَلَى وَقْتِ الْحَمْلِ لِيَعْرِفَ مَتَى يَكُونُ الْعُلُوقُ بِيَحْيَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْعِهِ الْكَلَامَ: هَلْ كَانَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أَمْ لِغَيْرِ آفَةٍ؟ فَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبَا لِسَانُهُ فِي فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسَانَهُ فَجُعِلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ مُعَاقَبَةً عَلَى سُؤَالِ آيَةٍ بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِالْبِشَارَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، وَلَكِنَّهُ مُنِعَ مُجَاوَرَةَ النَّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَتِ الْآيَةُ حَبْسَ اللِّسَانِ لِتَخْلُصَ الْمُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ لَا يَشْغَلُ لِسَانَهُ بِغَيْرِهِ تَوَفُّرًا مِنْهُ عَلَى قَضَاءِ حَقِّ تِلْكَ النعمة الجسيمة وشكرها، وكأنه لَمَّا طَلَبَ الْآيَةَ مِنْ أَجْلِ الشُّكْرِ قِيلَ لَهُ: آيَتُكَ أَنْ يُحْبَسَ لِسَانُكَ إِلَّا عَنِ الشُّكْرِ.
وَأَحْسَنُ الْجَوَابِ وَأَوْقَعُهُ مَا كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ السُّؤَالِ، وَمُنْتَزَعًا مِنْهُ وَكَانَ الْإِعْجَازُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَجْزِهِ عَنْ تَكْلِيمِ النَّاسِ، مَعَ سَلَامَةِ الْبِنْيَةِ وَاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ، وَمِنْهُ جِهَةُ وُقُوعِ الْعُلُوقِ وَحُصُولِهِ عَلَى وَفْقِ الْأَخْبَارِ.
وَقِيلَ: أُمِرَ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي صَوْمِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ:
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: آيَتُكَ أَنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِأَنْ لَا تُكَلِّمَ الْخَلْقَ، وَأَنْ تَشْتَغِلَ بِالذِّكْرِ شُكْرًا عَلَى إِعْطَاءِ هَذِهِ الْمَوْهِبَةِ، وَإِذَا أُمِرْتَ بِذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ. قِيلَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ فَرْضًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا لِذَلِكَ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ سَأَلَ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُولَدُ لَهُ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ آيَتَهُ انْتِفَاءُ الْكَلَامِ مِنْهُ مَعَ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، وَأُمِرَ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَانْتِفَاءِ الْكَلَامِ قَدْ يَكُونُ
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
قَالَ الرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمَا: إِنَّ زَكَرِيَّا قَالَ: يَا رَبِّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ مِنْ قِبَلِكَ، وَالْبِشَارَةُ حَقٌّ، فَاجْعَلْ لِي آيَةً، عَلَامَةً أَعْرِفُ بِهَا صِحَّةَ ذَلِكَ! فَعُوقِبَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِأَنْ مُنِعَ الْكَلَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ النَّاسِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيَّا، وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنِ الْجِهَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الْوَلَدُ، وَتَتِمُّ بِهِ الْبِشَارَةُ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ سَأَلَ عَلَامَةً عَلَى وَقْتِ الْحَمْلِ لِيَعْرِفَ مَتَى يَكُونُ الْعُلُوقُ بِيَحْيَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْعِهِ الْكَلَامَ: هَلْ كَانَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أَمْ لِغَيْرِ آفَةٍ؟ فَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبَا لِسَانُهُ فِي فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِسَانَهُ فَجُعِلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ مُعَاقَبَةً عَلَى سُؤَالِ آيَةٍ بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِالْبِشَارَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، وَلَكِنَّهُ مُنِعَ مُجَاوَرَةَ النَّاسِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَتِ الْآيَةُ حَبْسَ اللِّسَانِ لِتَخْلُصَ الْمُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ لَا يَشْغَلُ لِسَانَهُ بِغَيْرِهِ تَوَفُّرًا مِنْهُ عَلَى قَضَاءِ حَقِّ تِلْكَ النعمة الجسيمة وشكرها، وكأنه لَمَّا طَلَبَ الْآيَةَ مِنْ أَجْلِ الشُّكْرِ قِيلَ لَهُ: آيَتُكَ أَنْ يُحْبَسَ لِسَانُكَ إِلَّا عَنِ الشُّكْرِ.
وَأَحْسَنُ الْجَوَابِ وَأَوْقَعُهُ مَا كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ السُّؤَالِ، وَمُنْتَزَعًا مِنْهُ وَكَانَ الْإِعْجَازُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَجْزِهِ عَنْ تَكْلِيمِ النَّاسِ، مَعَ سَلَامَةِ الْبِنْيَةِ وَاعْتِدَالِ الْمِزَاجِ، وَمِنْهُ جِهَةُ وُقُوعِ الْعُلُوقِ وَحُصُولِهِ عَلَى وَفْقِ الْأَخْبَارِ.
وَقِيلَ: أُمِرَ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي صَوْمِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ:
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: آيَتُكَ أَنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِأَنْ لَا تُكَلِّمَ الْخَلْقَ، وَأَنْ تَشْتَغِلَ بِالذِّكْرِ شُكْرًا عَلَى إِعْطَاءِ هَذِهِ الْمَوْهِبَةِ، وَإِذَا أُمِرْتَ بِذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ. قِيلَ: فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ فَرْضًا يَجْعَلُهُ شُكْرًا لِذَلِكَ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُ سَأَلَ آيَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُولَدُ لَهُ، فَأَجَابَهُ بِأَنَّ آيَتَهُ انْتِفَاءُ الْكَلَامِ مِنْهُ مَعَ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، وَأُمِرَ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَانْتِفَاءِ الْكَلَامِ قَدْ يَكُونُ
138
لِمُتَكَلَّفٍ بِهِ، أَوْ بِمَلْزُومِهِ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَهُوَ الصَّوْمُ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَنْعٍ قَهْرِيٍّ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِآفَةٍ تَعْرِضُ فِي الْجَارِحَةِ، أَوْ لِغَيْرِ آفَةٍ، قَالُوا: مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْكَلَامِ بِذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
وَلِذَلِكَ قَالَ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِلَى آخِرِهِ يَعْنِي فِي أَيَّامِ عَجْزِكَ عَنْ تَكْلِيمِ النَّاسِ، وَهِيَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ. انْتَهَى.
وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ احْتِمَالَاتِ وُجُوهِ الِانْتِفَاءِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِالزَّمَانِ الَّذِي لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَقْيِيدِ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ بِالنُّطْقِ بِالْكَلَامِ، وَظَاهِرُ: اجْعَلْ، هُنَا أَنَّهَا بِمَعْنَى صَيِّرْ، فَتَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ: الْأَوَّلُ آيَةٌ، وَالثَّانِي الْمَجْرُورُ، قَبْلَهُ وَهُوَ: لِي، وَهُوَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ: اجْعَلْ، هُوَ مُصَحِّحٌ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ.
وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: أَنْ لَا تُكَلِّمُ، بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّ: أَنْ، هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَيْ أَنَّهُ لَا تُكَلِّمُ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَوْ عَلَى إِجْرَاءِ: أَنْ، مَجْرَى: مَا الْمَصْدَرِيَّةِ، وَانْتِصَابُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، عَلَى الظَّرْفِ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ اسْمُ الزَّمَانِ يَسْتَغْرِقُهُ الْفِعْلُ، فَلَيْسَ بِظَرْفٍ، وَإِنَّمَا يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الْمَفْعُولِ بِهِ نَحْوَ: صَمَتَ يَوْمًا، فَانْتِصَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْكَلَامِ مِنْهُ لِلنَّاسِ كَانَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَخْلُ جُزْءٌ مِنْهَا مِنِ انْتِفَاءٍ فِيهِ. وَالْمُرَادُ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا «١» وَهَذَا يَضَعِّفُ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ: أُمِرَ بِالصَّوْمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي صَوْمِهِمْ، وَاللَّيَالِي تَبْعُدُ مَشْرُوعِيَّةُ صَوْمِهَا، وَلَمْ يُعَيِّنِ ابْتِدَاءَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، بَلْ أَطْلَقَ فَقَالَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَكْلِيفٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى اخْتِيَارِهِ، يَمْتَنِعُ مِنْ تَكْلِيمِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَتَى شَاءَ، وَيُمْكِنُ أن يكون ذلك من حِينِ الْخِطَابِ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْعٍ قَهْرِيٍّ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ حِينِ الْخِطَابِ.
قِيلَ: وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ قُدْرَةِ زَكَرِيَّا عَلَى الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ شَرْعَهُ مشرع لَنَا وَإِنْ نَسَخَهُ
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: لَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى الليل.
وَلِذَلِكَ قَالَ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِلَى آخِرِهِ يَعْنِي فِي أَيَّامِ عَجْزِكَ عَنْ تَكْلِيمِ النَّاسِ، وَهِيَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ. انْتَهَى.
وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ احْتِمَالَاتِ وُجُوهِ الِانْتِفَاءِ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِالزَّمَانِ الَّذِي لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَقْيِيدِ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ بِالنُّطْقِ بِالْكَلَامِ، وَظَاهِرُ: اجْعَلْ، هُنَا أَنَّهَا بِمَعْنَى صَيِّرْ، فَتَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ: الْأَوَّلُ آيَةٌ، وَالثَّانِي الْمَجْرُورُ، قَبْلَهُ وَهُوَ: لِي، وَهُوَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِ: اجْعَلْ، هُوَ مُصَحِّحٌ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ.
وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: أَنْ لَا تُكَلِّمُ، بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّ: أَنْ، هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَيْ أَنَّهُ لَا تُكَلِّمُ، وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَوْ عَلَى إِجْرَاءِ: أَنْ، مَجْرَى: مَا الْمَصْدَرِيَّةِ، وَانْتِصَابُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، عَلَى الظَّرْفِ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ اسْمُ الزَّمَانِ يَسْتَغْرِقُهُ الْفِعْلُ، فَلَيْسَ بِظَرْفٍ، وَإِنَّمَا يَنْتَصِبُ انْتِصَابَ الْمَفْعُولِ بِهِ نَحْوَ: صَمَتَ يَوْمًا، فَانْتِصَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْكَلَامِ مِنْهُ لِلنَّاسِ كَانَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَخْلُ جُزْءٌ مِنْهَا مِنِ انْتِفَاءٍ فِيهِ. وَالْمُرَادُ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا «١» وَهَذَا يَضَعِّفُ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ: أُمِرَ بِالصَّوْمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ فِي صَوْمِهِمْ، وَاللَّيَالِي تَبْعُدُ مَشْرُوعِيَّةُ صَوْمِهَا، وَلَمْ يُعَيِّنِ ابْتِدَاءَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، بَلْ أَطْلَقَ فَقَالَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَكْلِيفٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى اخْتِيَارِهِ، يَمْتَنِعُ مِنْ تَكْلِيمِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَتَى شَاءَ، وَيُمْكِنُ أن يكون ذلك من حِينِ الْخِطَابِ، وَإِنْ كَانَ بِمَنْعٍ قَهْرِيٍّ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ حِينِ الْخِطَابِ.
قِيلَ: وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ قُدْرَةِ زَكَرِيَّا عَلَى الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ شَرْعَهُ مشرع لَنَا وَإِنْ نَسَخَهُ
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: لَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى الليل.
(١) سورة مريم: ١٩/ ١٠.
139
وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا صَمْتَ يَوْمٍ، أَيْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَمَّا الصَّمْتُ عَمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، فَحَسُنٌ.
وَاسْتِثْنَاءُ الرَّمْزِ، قِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، إذ الرَّمْزُ لَا يُدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيمِ، مِنْ أَطْلَقَ الْكَلَامَ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْإِشَارَةِ الدالة على ما في نَفْسِ الْمُشِيرِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا عَلَى مَذْهَبِهِ. وَلِذَلِكَ أَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
وَقَالَ:
إِذَا كَلَّمَتْنِي بِالْعُيُونِ الْفُوَاتِرِ رَدَدْتُ عَلَيْهَا بِالدُّمُوعِ الْبَوَادِرِ وَاسْتَعْمَلَ الْمُوَلِّدُونَ هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ حَبِيبٌ:
وَكَوْنُهُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا بَدَأَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ: لَمَّا أَدَّى مُؤَدِّي الْكَلَامِ، وَفَهِمَ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ، سُمِّيَ كَلَامًا.
وَأَمَّا ابْنُ عَطِيَّةَ فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قَالَ: وَالْكَلَامُ المراد به في الآية إِنَّمَا هُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ لَا الْإِعْلَامُ بِمَا فِي النَّفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَبَدَأَ بِهِ أَوَّلًا، فَقَالَ اسْتِثْنَاءُ الرَّمْزِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا إِلَى أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْكَلَامِ فِي الْإِيمَانِ وَنَحْوِهَا، فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، وَالرَّمْزُ هُنَا:
تَحْرِيكٌ بِالشَّفَتَيْنِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. أَوْ: إِشَارَةٌ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. أَوْ: إِشَارَةٌ بِالْيَدِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: إِيمَاءٌ، قَالَهُ قَتَادَةُ. فَالْإِيمَاءُ هُوَ الْإِشَارَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ بِمَاذَا أَشَارَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: إِشَارَةٌ بِالْيَدِ أَوْ إِشَارَةٌ بِالْعَيْنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ.
وَقِيلَ: رَمْزُهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْأَرْضِ. وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ الْمُسَبِّحَةِ. وَقِيلَ:
بِاللِّسَانِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَقِيلَ: الرَّمْزُ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.
وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: رُمُزًا، بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْمِيمِ، وَخُرِّجَ عَلَى أَنَّهُ
وَاسْتِثْنَاءُ الرَّمْزِ، قِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، إذ الرَّمْزُ لَا يُدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيمِ، مِنْ أَطْلَقَ الْكَلَامَ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْإِشَارَةِ الدالة على ما في نَفْسِ الْمُشِيرِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا عَلَى مَذْهَبِهِ. وَلِذَلِكَ أَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
| أَرَادَتْ كَلَامًا فَاتَّقَتْ مِنْ رَقِيبِهَا | فَلَمْ يَكُ إِلَّا وَمْؤُهَا بِالْحَوَاجِبِ |
إِذَا كَلَّمَتْنِي بِالْعُيُونِ الْفُوَاتِرِ رَدَدْتُ عَلَيْهَا بِالدُّمُوعِ الْبَوَادِرِ وَاسْتَعْمَلَ الْمُوَلِّدُونَ هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ حَبِيبٌ:
| كَلِمَتُهُ بِجُفُونٍ غَيْرِ نَاطِقَةٍ | فَكَانَ مِنْ رَدِّهِ مَا قَالَ حَاجِبُهُ |
وَأَمَّا ابْنُ عَطِيَّةَ فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا. قَالَ: وَالْكَلَامُ المراد به في الآية إِنَّمَا هُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ لَا الْإِعْلَامُ بِمَا فِي النَّفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَبَدَأَ بِهِ أَوَّلًا، فَقَالَ اسْتِثْنَاءُ الرَّمْزِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا إِلَى أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْكَلَامِ فِي الْإِيمَانِ وَنَحْوِهَا، فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، وَالرَّمْزُ هُنَا:
تَحْرِيكٌ بِالشَّفَتَيْنِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. أَوْ: إِشَارَةٌ بِالْيَدِ وَالرَّأْسِ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. أَوْ: إِشَارَةٌ بِالْيَدِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: إِيمَاءٌ، قَالَهُ قَتَادَةُ. فَالْإِيمَاءُ هُوَ الْإِشَارَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ بِمَاذَا أَشَارَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: إِشَارَةٌ بِالْيَدِ أَوْ إِشَارَةٌ بِالْعَيْنِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ.
وَقِيلَ: رَمْزُهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْأَرْضِ. وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ الْمُسَبِّحَةِ. وَقِيلَ:
بِاللِّسَانِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
| ظَلَّ أَيَّامًا لَهُ مِنْ دَهْرِهِ | يَرْمُزُ الْأَقْوَالَ مِنْ غَيْرِ خُرْسٍ |
وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: رُمُزًا، بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْمِيمِ، وَخُرِّجَ عَلَى أَنَّهُ
140
جَمْعُ رُمُوزٍ، كَرُسُلٍ وَرَسُولٍ، وَعَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ كَرَمْزٍ جَاءَ عَلَى فِعْلٍ، وَأَتْبَعَتِ الْعَيْنُ الْفَاءَ كَالْيُسْرِ وَالْيُسُرِ.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: رَمَزًا، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ، وَخُرِّجَ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ رَامِزٍ، كَخَادِمٍ وَخَدَمٍ، وَانْتِصَابُهُ إِذَا كَانَ جَمْعًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي تُكَلِّمَ، وَمِنَ الْمَفْعُولِ وَهُوَ:
النَّاسُ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَيْ: إِلَّا مُتَرَامِزِينَ كَمَا يُكَلِّمُ الْأَخْرَسُ النَّاسَ وَيُكَلِّمُونَهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: إِلَّا رَمْزاً دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ السُّنَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَيْنَ اللَّهُ». فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
فَأَجَازَ الْإِسْلَامُ بِالْإِشَارَةِ وَهُوَ أَصْلُ الدِّيَانَةِ الَّتِي تَحْقِنُ الدَّمَ وَتَحْفَظُ الْمَالَ وَتُدْخِلُ الْجَنَّةَ، فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ عَامَّةً فِي جَمِيعِ الدِّيَانَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً قِيلَ: الذِّكْرُ هُنَا هُوَ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ. وَقِيلَ:
بِاللِّسَانِ لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ مَعَ النَّاسِ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ الذِّكْرِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: وَاذْكُرْ عَطَاءَ ربك وإجابته لدعائك. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَوْ رُخِّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الذِّكْرِ لَرُخِّصَ لِزَكَرِيَّا، وَلِلرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً «١» وَأَمَرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ لِيَكْثُرَ ذِكْرُ اللَّهِ لَهُ بِنِعَمِهِ وَأَلْطَافِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٢».
وَانْتِصَابُ: كَثِيرًا، عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ الدَّالِّ عَلَيْهِ: اذْكُرُوا، عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ أَيْ: نَزِّهِ اللَّهَ عَنْ سِمَاتِ النَّقْصِ بِالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ بِقَوْلِكَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَى وَسَبِّحْ وَصَلِّ، وَمِنْهُ: كَانَ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى أَرْبَعًا، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ: أَوَّلَ الْفَجْرِ، وَوَقْتَ ميل الشمس
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: رَمَزًا، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ، وَخُرِّجَ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ رَامِزٍ، كَخَادِمٍ وَخَدَمٍ، وَانْتِصَابُهُ إِذَا كَانَ جَمْعًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي تُكَلِّمَ، وَمِنَ الْمَفْعُولِ وَهُوَ:
النَّاسُ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
| فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنَّ | أَيِّي وَأَيُّكَ فَارِسُ الْأَحْزَابِ |
وَفِي قَوْلِهِ: إِلَّا رَمْزاً دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ السُّنَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «أَيْنَ اللَّهُ». فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
فَأَجَازَ الْإِسْلَامُ بِالْإِشَارَةِ وَهُوَ أَصْلُ الدِّيَانَةِ الَّتِي تَحْقِنُ الدَّمَ وَتَحْفَظُ الْمَالَ وَتُدْخِلُ الْجَنَّةَ، فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ عَامَّةً فِي جَمِيعِ الدِّيَانَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً قِيلَ: الذِّكْرُ هُنَا هُوَ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ. وَقِيلَ:
بِاللِّسَانِ لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ مَعَ النَّاسِ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنَ الذِّكْرِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: وَاذْكُرْ عَطَاءَ ربك وإجابته لدعائك. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَوْ رُخِّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الذِّكْرِ لَرُخِّصَ لِزَكَرِيَّا، وَلِلرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً «١» وَأَمَرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ لِيَكْثُرَ ذِكْرُ اللَّهِ لَهُ بِنِعَمِهِ وَأَلْطَافِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٢».
وَانْتِصَابُ: كَثِيرًا، عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ الدَّالِّ عَلَيْهِ: اذْكُرُوا، عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ أَيْ: نَزِّهِ اللَّهَ عَنْ سِمَاتِ النَّقْصِ بِالنُّطْقِ بِاللِّسَانِ بِقَوْلِكَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَى وَسَبِّحْ وَصَلِّ، وَمِنْهُ: كَانَ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى أَرْبَعًا، فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ: أَوَّلَ الْفَجْرِ، وَوَقْتَ ميل الشمس
(١) سورة الأنفال: ٨/ ٤٥.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٥٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٥٢.
141
لِلْغُرُوبِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْعَشِيِّ اللَّيْلَ، وَبِالْإِبْكَارِ النَّهَارَ، فَعَبَّرَ بِجُزْءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ جُمْلَتِهِ، وَهُوَ مَجَازٌ حَسَنٌ.
وَمَفْعُولُ: وَسَبِّحْ، مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّ قَبْلَهُ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً أَيْ: وَسَبِّحْ رَبَّكَ. و: الباء فِي: بِالْعَشِيِّ، ظَرْفِيَّةٌ أَيْ: في العشي.
وقرىء شَاذًّا وَالْأَبْكَارِ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ جَمْعُ بَكَرٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْكَافِ، تَقُولُ:
أَتَيْتُكَ بَكَرًا، وَهُوَ مِمَّا يَلْتَزِمُ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إِذَا كَانَ مِنْ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَنَظِيرُهُ: سَحَرٌ وَأَسْحَارٌ، وَجَبَلٌ وَأَجْبَالٌ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُنَاسِبَةٌ لِلْعَشِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ جَمْعَ عَشِيَّةً إِذْ يَكُونُ فِيهَا تَقَابُلٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمْعِيَّةُ، وَكَذَلِكَ هِيَ مُنَاسِبَةٌ إِذَا كَانَ الْعَشِيُّ مُفْرَدًا، وَكَانَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «١» وَأَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الصُّفْرُ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: وَالْإِبْكَارِ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ، فَيَكُونُ قَدْ قَابَلَ الْعَشِيَّ الَّذِي هُوَ وَقْتٌ، بِالْمَصْدَرِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حَذْفٍ أَيْ: بِالْعَشِيِّ وَوَقْتَ الْإِبْكَارِ. وَالظَّاهِرُ فِي: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهِمَا لِلْعُمُومِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ عَشِيُّ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ وَلَا وَقْتَ الْإِبْكَارِ فِيهَا.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَمْ يَعْنِ التَّسْبِيحَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فَقَطْ، بَلْ إِدَامَةَ الْعِبَادَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلَاةُ، ذِكْرُهُ الْعَشِيُّ وَالْإِبْكَارُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: اذْكُرْ رَبَّكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَصَلِّ طَرَفَيِ النَّهَارِ. انْتَهَى.
وَيَتَعَلَّقُ: بِالْعَشِيِّ، بِقَوْلِهِ: وَسَبِّحْ، وَيَكُونُ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَوْلَى، إِذْ لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ، لَأُضْمِرَ فِي الثَّانِي، إِذْ لَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ.
قِيلَ: أَوْ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِعْمَالِ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ.
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ فُنُونِ الْفَصَاحَةِ أَنْوَاعًا: الزِّيَادَةُ فِي الْبِنَاءِ فِي قَوْلِهِ:
هُنَالِكَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فَائِدَتَهُ و: التكرار، فِي رَبِّهِ، قَالَ رَبِّ، وَفِي إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، وَبِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ. وَفِي آيَةٍ قَالَ: آيَتُكَ، وَفِي: يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتْ وَتَأْنِيثُ الْمُذَكَّرِ حَمْلًا عَلَى اللفظ
وَمَفْعُولُ: وَسَبِّحْ، مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّ قَبْلَهُ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً أَيْ: وَسَبِّحْ رَبَّكَ. و: الباء فِي: بِالْعَشِيِّ، ظَرْفِيَّةٌ أَيْ: في العشي.
وقرىء شَاذًّا وَالْأَبْكَارِ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ جَمْعُ بَكَرٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْكَافِ، تَقُولُ:
أَتَيْتُكَ بَكَرًا، وَهُوَ مِمَّا يَلْتَزِمُ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ إِذَا كَانَ مِنْ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَنَظِيرُهُ: سَحَرٌ وَأَسْحَارٌ، وَجَبَلٌ وَأَجْبَالٌ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُنَاسِبَةٌ لِلْعَشِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ جَمْعَ عَشِيَّةً إِذْ يَكُونُ فِيهَا تَقَابُلٌ مِنْ حَيْثُ الْجَمْعِيَّةُ، وَكَذَلِكَ هِيَ مُنَاسِبَةٌ إِذَا كَانَ الْعَشِيُّ مُفْرَدًا، وَكَانَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «١» وَأَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الصُّفْرُ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: وَالْإِبْكَارِ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ، فَيَكُونُ قَدْ قَابَلَ الْعَشِيَّ الَّذِي هُوَ وَقْتٌ، بِالْمَصْدَرِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حَذْفٍ أَيْ: بِالْعَشِيِّ وَوَقْتَ الْإِبْكَارِ. وَالظَّاهِرُ فِي: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهِمَا لِلْعُمُومِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ عَشِيُّ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ وَلَا وَقْتَ الْإِبْكَارِ فِيهَا.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَمْ يَعْنِ التَّسْبِيحَ طَرَفَيِ النَّهَارِ فَقَطْ، بَلْ إِدَامَةَ الْعِبَادَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلَاةُ، ذِكْرُهُ الْعَشِيُّ وَالْإِبْكَارُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: اذْكُرْ رَبَّكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَصَلِّ طَرَفَيِ النَّهَارِ. انْتَهَى.
وَيَتَعَلَّقُ: بِالْعَشِيِّ، بِقَوْلِهِ: وَسَبِّحْ، وَيَكُونُ عَلَى إِعْمَالِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَوْلَى، إِذْ لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ، لَأُضْمِرَ فِي الثَّانِي، إِذْ لَا يَجُوزُ حَذْفُهُ إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ.
قِيلَ: أَوْ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِعْمَالِ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِهَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ.
قِيلَ: وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ فُنُونِ الْفَصَاحَةِ أَنْوَاعًا: الزِّيَادَةُ فِي الْبِنَاءِ فِي قَوْلِهِ:
هُنَالِكَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فَائِدَتَهُ و: التكرار، فِي رَبِّهِ، قَالَ رَبِّ، وَفِي إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، وَبِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ. وَفِي آيَةٍ قَالَ: آيَتُكَ، وَفِي: يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتْ وَتَأْنِيثُ الْمُذَكَّرِ حَمْلًا عَلَى اللفظ
(١) سورة العصر: ١٠٣/ ٢.
142
ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ
ﰩ
ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ
ﰪ
ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ
ﰫ
ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ
ﰬ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗ
ﰭ
ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ
ﰮ
ﭳﭴﭵﭶﭷ
ﰯ
ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ
ﰰ
ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ
ﰱ
ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ
ﰲ
وفي: ذرية طيبة، و: الإسناد الْمَجَازِيُّ فِي: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ: قَالَ رَبِّ أَنَّى؟ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً. قَالَ: آيَتُكَ.
قَالَ أَرْبَابُ الصِّنَاعَةِ: أُحْسَنُ هَذَا النَّوْعِ مَا كَثُرَتْ فِيهِ الْقَلْقَلَةُ وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ آل عمران (٣) : الآيات ٤٢ الى ٥١]
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
الْقَلَمُ: مَعْرُوفٌ وَهُوَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وَجَمْعُهُ أَقْلَامٌ وَيَقَعُ عَلَى السَّهْمِ الَّذِي يُقْتَرَعُ بِهِ، وَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ يُقَلَّمُ أَيْ: يُبْرَى وَيُسَوَّى. وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقُلَامَةِ، وَهِيَ نَبْتٌ ضَعِيفٌ لِتَرْقِيقِهِ، وَالْقُلَامَةُ أَيْضًا مَا سَقَطَ مِنَ الظُّفْرِ إِذَا قُلِّمَ، وَقَلَّمْتُ أَظْفَارَهُ أَخَذْتُ مِنْهَا وَسَوَّيْتُهَا قَالَ زُهَيْرٌ:
قَالَ أَرْبَابُ الصِّنَاعَةِ: أُحْسَنُ هَذَا النَّوْعِ مَا كَثُرَتْ فِيهِ الْقَلْقَلَةُ وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ آل عمران (٣) : الآيات ٤٢ الى ٥١]
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
الْقَلَمُ: مَعْرُوفٌ وَهُوَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وَجَمْعُهُ أَقْلَامٌ وَيَقَعُ عَلَى السَّهْمِ الَّذِي يُقْتَرَعُ بِهِ، وَهُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ يُقَلَّمُ أَيْ: يُبْرَى وَيُسَوَّى. وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقُلَامَةِ، وَهِيَ نَبْتٌ ضَعِيفٌ لِتَرْقِيقِهِ، وَالْقُلَامَةُ أَيْضًا مَا سَقَطَ مِنَ الظُّفْرِ إِذَا قُلِّمَ، وَقَلَّمْتُ أَظْفَارَهُ أَخَذْتُ مِنْهَا وَسَوَّيْتُهَا قَالَ زُهَيْرٌ:
143
| لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ | لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ |
| يُشَبَّهُ بِالْهِلَالِ وَذَاكَ نَقْصٌ | قُلَامَةُ ظَفْرِهِ شِبْهُ الْهِلَالِ |
لَأَوْحَتْ إِلَيْنَا وَالْأَنَامِلُ رُسْلُهَا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا «٢» وَبِالْكِتَابَةِ: قَال زُهَيْرٌ:
| أَتَى الْعُجْمَ وَالْآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدُ | بَقَيْنَ بَقَاءَ الْوَحْيِ فِي الْحَجَرِ الْأَصَمْ |
| فَمَدَافِعُ الرَيَّانِ عُرِّيَ رَسْمُهَا | خَلَقًا كَمَا ضَمِنَ الْوُحِيَّ سِلَامُهَا |
الْمَسِيحُ: عِبْرَانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَأَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيِّ مَشِيحًا، بِالشِّينِ عُرِّبَ بِالسِّينِ كَمَا غُيِّرَتْ فِي مُوَشَى، فَقِيلَ: مُوسَى، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَاهُ الْمُبَارَكُ، كَقَوْلِهِ وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ «٣» وَهُوَ مِنَ الْأَلْقَابِ الْمُشَرِّفَةِ، كَالصِّدِّيقِ، وَالْفَارُوقِ، انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْمَسِيحُ عَرَبِيٌّ، وَاخْتُلِفَ: أَهْوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّيَاحَةِ فَيَكُونُ وَزْنُهُ مُفْعِلًا؟ أَوْ من المسح فَيَكُونُ وَزْنُهُ فَعِيلًا؟ وَهَلْ يَكُونُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَوْ فَاعِلٍ خِلَافٌ، وَيَتَبَيَّنُ فِي التَّفْسِيرِ لِمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ.
الْكَهْلُ: الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الْكُهُولَةِ وَآخِرُهَا سِتُّونَ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ. وَقِيلَ: اثْنَانِ وَخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهَا فَقِيلَ: ثَلَاثُونَ وَقِيلَ: اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ. وَقِيلَ:
خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ عَامًا.
وَهُوَ مِنِ اكْتَهَلَ النَّبَاتُ إِذَا قَوِيَ وَعَلَا، وَمِنْهُ: الْكَاهِلُ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: اكْتَهَلَ الرَّجُلُ وَخَطَّهُ الشَّيْبُ، مِنْ قَوْلِهِمُ: اكْتَهَلَتِ الرَّوْضَةُ إِذَا عَمَّهَا النُّورُ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: كَهِلَةٌ. انْتَهَى.
(١) سورة النحل: ١٦/ ٦٨.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ١١.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٣١.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ١١.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٣١.
144
وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِي تَرْتِيبِ سَنِّ الْمَوْلُودِ وَتَنَقُّلِ أَحْوَالِهِ: أَنَّهُ فِي الرَّحِمِ: جَنَيْنٌ، فَإِذَا وُلِدَ: فَوَلِيدٌ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَتِمَّ الْأُسْبُوعَ: فَصَدِيعٌ، وَإِذَا دَامَ يَرْضَعُ: فَرَضِيعٌ، وَإِذَا فُطِمَ:
فَفَطِيمٌ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَعْ: فَجَحُوشٌ، فَإِذَا دَبَّ وَنَمَا: فَدَارِجٌ، فَإِذَا سَقَطَتْ رَوَاضِعَهُ:
فَمَثْغُورٌ، فَإِذَا نَبَتَتْ بَعْدَ السُّقُوطِ: فمثغر، بِالتَّاءِ وَالثَّاءِ. فَإِذَا كَانَ يجاوز العشر: فمترعرع وناشيء، فَإِذَا كَانَ يَبْلُغُ الْحُلُمَ: فَيَافِعٌ، وَمُرَاهِقٌ، فَإِذَا احْتَلَمَ: فَمَحْزُورٌ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ: غُلَامٌ. فَإِذَا اخْضَرَّ شَارِبُهُ وَسَالَ عِذَارُهُ: فَبَاقِلٌ، فَإِذَا صَارَ ذَاقِنًا: فَفَتَى وَشَارِخٌ، فَإِذَا كَمُلَتْ لِحْيَتُهُ: فَمُجْتَمَعٌ، ثُمَّ مَا دَامَ بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ: فَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ هُوَ كَهْلٌ:
إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ السِتِّينَ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
الطِّينُ: مَعْرُوفٌ، وَيُقَالُ طَانَهُ اللَّهُ عَلَى كَذَا، وَطَامَهُ بِإِبْدَالِ النُّونِ مِيمًا، جَبَلَهُ وَخَلَقَهُ عَلَى كَذَا، وَمُطَيَّنٌ لَقَبٌ لِمُحَدِّثٍ مَعْرُوفٍ.
الْهَيْئَةُ: الشَّكْلُ وَالصُّورَةُ، وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: هاء الشيء بهاء هَيْأً وَهَيْئَةً إِذَا تَرَتَّبَ وَاسْتَقَرَّ عَلَى حَالٍ مَا، وَتَعَدِّيهِ بِالتَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: هَيَّأْتُهُ، قَالَ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ «١».
النَّفْخُ: مَعْرُوفٌ.
الْإِبْرَاءُ: إِزَالَةُ الْعِلَّةِ والمرض، يقال: برىء الرَّجُلُ وَبَرَأَ مِنَ الْمَرَضِ، وَأَمَّا مِنَ الذَّنْبِ وَمِنَ الدّين فبريء.
الكمه: الْعَمَى يُولَدُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَقَدْ يَعْرِضُ، يُقَالُ: كَمَّهُ يُكِمُّهُ كَمَهًا: فَهُوَ أَكْمَهُ.
وَكَمَّهْتُهَا أَنَا أَعْمَيْتُهَا قَالَ سُوَيْدٌ:
كَمَّهْتُ عَيْنَاهُ حَتَّى ابْيَضَّتَا وَقَالَ رُؤْبَةُ.
فَارْتَدَّ عَنْهَا كَارْتِدَادِ الْأَكْمَهِ الْبَرَصُ: دَاءٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بَيَاضٌ يَعْتَرِي الْجِلْدَ، يُقَالُ مِنْهُ: بَرَصٌ فَهُوَ أَبْرَصُ، وَيُسَمَّى الْقَمَرُ أَبْرَصَ لِبَيَاضِهِ، وَالْوَزَغُ سَامٌّ أَبْرَصُ لِلْبَيَاضِ الَّذِي يَعْلُو جِلْدَهُ.
ذَخَرَ: الشَّيْءَ يَذْخَرُهُ خَبَّأَهُ، وَالذُّخْرُ الْمَذْخُورُ قال:
فَفَطِيمٌ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَعْ: فَجَحُوشٌ، فَإِذَا دَبَّ وَنَمَا: فَدَارِجٌ، فَإِذَا سَقَطَتْ رَوَاضِعَهُ:
فَمَثْغُورٌ، فَإِذَا نَبَتَتْ بَعْدَ السُّقُوطِ: فمثغر، بِالتَّاءِ وَالثَّاءِ. فَإِذَا كَانَ يجاوز العشر: فمترعرع وناشيء، فَإِذَا كَانَ يَبْلُغُ الْحُلُمَ: فَيَافِعٌ، وَمُرَاهِقٌ، فَإِذَا احْتَلَمَ: فَمَحْزُورٌ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ: غُلَامٌ. فَإِذَا اخْضَرَّ شَارِبُهُ وَسَالَ عِذَارُهُ: فَبَاقِلٌ، فَإِذَا صَارَ ذَاقِنًا: فَفَتَى وَشَارِخٌ، فَإِذَا كَمُلَتْ لِحْيَتُهُ: فَمُجْتَمَعٌ، ثُمَّ مَا دَامَ بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ: فَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ هُوَ كَهْلٌ:
إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ السِتِّينَ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
الطِّينُ: مَعْرُوفٌ، وَيُقَالُ طَانَهُ اللَّهُ عَلَى كَذَا، وَطَامَهُ بِإِبْدَالِ النُّونِ مِيمًا، جَبَلَهُ وَخَلَقَهُ عَلَى كَذَا، وَمُطَيَّنٌ لَقَبٌ لِمُحَدِّثٍ مَعْرُوفٍ.
الْهَيْئَةُ: الشَّكْلُ وَالصُّورَةُ، وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: هاء الشيء بهاء هَيْأً وَهَيْئَةً إِذَا تَرَتَّبَ وَاسْتَقَرَّ عَلَى حَالٍ مَا، وَتَعَدِّيهِ بِالتَّضْعِيفِ، فَتَقُولُ: هَيَّأْتُهُ، قَالَ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ «١».
النَّفْخُ: مَعْرُوفٌ.
الْإِبْرَاءُ: إِزَالَةُ الْعِلَّةِ والمرض، يقال: برىء الرَّجُلُ وَبَرَأَ مِنَ الْمَرَضِ، وَأَمَّا مِنَ الذَّنْبِ وَمِنَ الدّين فبريء.
الكمه: الْعَمَى يُولَدُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَقَدْ يَعْرِضُ، يُقَالُ: كَمَّهُ يُكِمُّهُ كَمَهًا: فَهُوَ أَكْمَهُ.
وَكَمَّهْتُهَا أَنَا أَعْمَيْتُهَا قَالَ سُوَيْدٌ:
كَمَّهْتُ عَيْنَاهُ حَتَّى ابْيَضَّتَا وَقَالَ رُؤْبَةُ.
فَارْتَدَّ عَنْهَا كَارْتِدَادِ الْأَكْمَهِ الْبَرَصُ: دَاءٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بَيَاضٌ يَعْتَرِي الْجِلْدَ، يُقَالُ مِنْهُ: بَرَصٌ فَهُوَ أَبْرَصُ، وَيُسَمَّى الْقَمَرُ أَبْرَصَ لِبَيَاضِهِ، وَالْوَزَغُ سَامٌّ أَبْرَصُ لِلْبَيَاضِ الَّذِي يَعْلُو جِلْدَهُ.
ذَخَرَ: الشَّيْءَ يَذْخَرُهُ خَبَّأَهُ، وَالذُّخْرُ الْمَذْخُورُ قال:
(١) سورة الكهف: ١٨/ ١٦.
145
| لها أشارير من لخم تُثَمِّرُهُ | مِنَ الثَّعَالِي وَذُخْرٌ مِنْ أَرَانِبِهَا |
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُ جَمْعٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ جِبْرِيلُ وَمِنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُ نُقِلَ أَنَّهُ: لَا يَنْزِلُ لِأَمْرٍ إِلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: جِبْرِيلُ وَحْدَهُ.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: وَإِذْ قَالَ الْمَلَائِكَةُ، وَفِي نِدَاءِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِاسْمِهَا تَأْنِيسٌ لَهَا وَتَوْطِئَةٌ لِمَا تُلْقِيهِ إِلَيْهَا وَمَعْمُولُ الْقَوْلِ الْجُمْلَةُ المؤكدة: بإن.
وَالظَّاهِرُ مُشَافَهَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِالْقَوْلِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
رُوِيَ أَنَّهُمْ كَلَّمُوهَا شِفَاهًا مُعْجِزَةً لِزَكَرِيَّا، أَوْ إِرْهَاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسَى.
انْتَهَى. يَعْنِي: بِالْإِرْهَاصِ التَّقَدُّمَ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى نُبُوَّةِ عِيسَى وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ عَلَى يَدٍ غَيْرَ نَبِيٍّ إِلَّا إِنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ نَبِيٌّ، أَوِ انْتَظَرَ بَعْثَ نَبِيٍّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْخَارِقُ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيْ بَعْثَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ.
وَطَهَّرَكِ التَّطْهِيرُ هُنَا مِنَ الْحَيْضِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ السُّدِّيُّ: وَكَانَتْ مَرْيَمُ لَا تَحِيضُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ مَسِّ الرِّجَالِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: عَمَّا يَصِمُ النِّسَاءَ فِي خَلْقٍ وَخُلُقٍ وَدِينٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا: مِنَ الرَّيْبِ وَالشُّكُوكِ.
وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ قِيلَ: كَرَّرَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ:
لَا تَوْكِيدَ إِذِ الْمُرَادُ بِالِاصْطِفَاءِ الْأَوَّلِ اصْطِفَاءُ الْوِلَايَةِ، وَبِالثَّانِي اصْطِفَاءُ وِلَادَةِ عِيسَى، لِأَنَّهَا بِوِلَادَتِهِ حَصَلَ لَهَا زِيَادَةُ اصْطِفَاءٍ وَعُلُوُّ مَنْزِلَةٍ عَلَى الْأَكْفَاءِ. وَقِيلَ: الِاصْطِفَاءُ الْأَوَّلُ: اخْتِيَارٌ وَعُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ صَوَالِحُ مِنَ النِّسَاءِ، وَالثَّانِي: اصْطِفَاءٌ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. وَقِيلَ: لَمَّا أُطْلِقَ الِاصْطِفَاءُ الْأَوَّلُ بَيَّنَ بِالثَّانِي أَنَّهَا مُصْطَفَاةٌ عَلَى النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
اصْطَفَاكِ أَوَّلًا حِينَ تَقَبَّلَكِ مِنْ أُمِّكِ وَرَبَّاكِ، وَاخْتَصَّكِ بِالْكَرَامَةِ السَّنِيَّةِ، وَطَهَّرَكِ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَمِمَّا قَذَفَكِ بِهِ الْيَهُودُ، وَاصْطَفَاكِ آخِرًا عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بِأَنْ وَهَبَ لَكِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ. انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَيَكُونُ:
146
نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، عَلَى قَوْلِهِ عَامًّا، وَيَكُونُ الْأَمْرُ الَّذِي اصْطُفِيَتْ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ هُوَ اخْتِصَاصُهَا بِوِلَادَةِ عِيسَى. وَقِيلَ: هُوَ خِدْمَةُ الْبَيْتِ. وَقِيلَ: التَّحْرِيرُ وَلَمْ تُحَرَّرْ أُنْثَى غَيْرَ مَرْيَمَ. وَقِيلَ:
سَلَامَتُهَا مِنْ نَخْسِ الشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: نُبُوَّتُهَا، فَإِنَّهُ قِيلَ إِنَّهَا نُبِّئَتْ، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَظْهَرُ لَهَا وَتُخَاطِبُهَا بِرِسَالَةِ اللَّهِ لَهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إِنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنَبَّأِ امْرَأْةٌ، فَالْمَعْنَى الَّذِي اصْطُفِيَتْ لِأَجْلِهِ مريم على نساء العالمين هُوَ شَيْءٌ يَخُصُّهَا، فَهُوَ اصْطِفَاءٌ خَاصٌّ إِذْ سَبَبُهُ خَاصٌّ. وَقِيلَ: نِسَاءُ الْعَالَمِينَ، خَاصٌّ بِنِسَاءِ عَالَمِ زَمَانِهَا، فَيَكُونُ الِاصْطِفَاءُ إِذْ ذَاكَ عَامًّا، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ».
وَرُوِيَ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ».
وَرُوِيَ: «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعُ: مَرْيَمُ بنت عمران، وآسية بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بِنْتُ مُحَمَّدٍ».
وَرُوِيَ: «فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي كَمَا فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ».
وَرُوِيَ: أَنَّهَا مِنَ الْكَامِلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ تَفْضِيلُ مَرْيَمَ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا التَّفْضِيلِ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَالَّذِي رَأَيْتُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمَاتِ وَالْمُتَأَخِّرَاتِ لِأَنَّهَا بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُنَادِيَ لَهَا بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ هُنَا: الْعِبَادَةُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ. أَوْ: طُولُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالرَّبِيعُ، أَوِ: الطَّاعَةُ، أَوِ:
الْإِخْلَاصُ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: لِرَبِّكِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ تُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ وَتُخَصِّصَهُ بِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ فِي الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
وَرَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهَا: لَمَّا خُوطِبَتْ بِهَذَا قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَامَتْ حَتَّى سَالَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا.
وَرُوِيَ: أَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى رَأْسِهَا تَظُنُّهَا جَمَادًا لِسُكُونِهَا فِي طُولِ قِيَامِهَا.
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أَمَرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِفِعْلِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ هَيْئَاتِ
سَلَامَتُهَا مِنْ نَخْسِ الشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: نُبُوَّتُهَا، فَإِنَّهُ قِيلَ إِنَّهَا نُبِّئَتْ، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَظْهَرُ لَهَا وَتُخَاطِبُهَا بِرِسَالَةِ اللَّهِ لَهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: إِنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنَبَّأِ امْرَأْةٌ، فَالْمَعْنَى الَّذِي اصْطُفِيَتْ لِأَجْلِهِ مريم على نساء العالمين هُوَ شَيْءٌ يَخُصُّهَا، فَهُوَ اصْطِفَاءٌ خَاصٌّ إِذْ سَبَبُهُ خَاصٌّ. وَقِيلَ: نِسَاءُ الْعَالَمِينَ، خَاصٌّ بِنِسَاءِ عَالَمِ زَمَانِهَا، فَيَكُونُ الِاصْطِفَاءُ إِذْ ذَاكَ عَامًّا، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ نِسَاءِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ».
وَرُوِيَ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ».
وَرُوِيَ: «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعُ: مَرْيَمُ بنت عمران، وآسية بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بِنْتُ مُحَمَّدٍ».
وَرُوِيَ: «فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي كَمَا فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ».
وَرُوِيَ: أَنَّهَا مِنَ الْكَامِلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ تَفْضِيلُ مَرْيَمَ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا التَّفْضِيلِ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَالَّذِي رَأَيْتُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمَاتِ وَالْمُتَأَخِّرَاتِ لِأَنَّهَا بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُنَادِيَ لَهَا بِذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ هُنَا: الْعِبَادَةُ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ. أَوْ: طُولُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالرَّبِيعُ، أَوِ: الطَّاعَةُ، أَوِ:
الْإِخْلَاصُ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: لِرَبِّكِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنْ تُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ وَتُخَصِّصَهُ بِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ فِي الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
وَرَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهَا: لَمَّا خُوطِبَتْ بِهَذَا قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَامَتْ حَتَّى سَالَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا.
وَرُوِيَ: أَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى رَأْسِهَا تَظُنُّهَا جَمَادًا لِسُكُونِهَا فِي طُولِ قِيَامِهَا.
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أَمَرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِفِعْلِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ هَيْئَاتِ
147
الصَّلَاةِ، فَإِنْ أُرِيدَ ظَاهِرُ الْهَيْئَاتِ فَهِيَ مَعْطُوفَةٌ بِالْوَاوِ، وَالْوَاوُ لَا تُرَتِّبُ، فَلَا يُسْأَلُ لِمَ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْبَيَانِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَتِ الْهَيْئَةُ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهَا إِلَى اللَّهِ قُدِّمَ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْفِعْلِ عَلَى الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ التَّقْدِيمُ بِالشَّرَفِ. وَقِيلَ:
كَانَ السُّجُودُ مُقَدَّمًا عَلَى الرُّكُوعِ فِي شَرْعِ زَكَرِيَّا وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ.
وَقِيلَ: فِي كُلِّ الْمِلَلِ إِلَّا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ التَّقْدِيمُ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ التَّقْدِيمُ زَمَانِيًّا مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ، وَهَذَا التَّقْدِيمُ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبَيَانِيُّونَ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَوَارَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ ظَاهِرُ الْهَيْئَاتِ.
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ بِذِكْرِ الْقُنُوتِ وَالسُّجُودِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا، ثُمَّ قِيلَ لَهَا وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ الْمَعْنَى: وَلْتَكُنْ صَلَاتُكِ مَعَ الْمُصَلِّينَ أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ، أَيْ وَانْظُمِي نَفْسَكِ فِي جُمْلَةِ الْمُصَلِّينَ، وَكُونِي مَعَهُمْ وَفِي عِدَادِهِمْ، وَلَا تَكُونِي فِي عِدَادِ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفِعْلَيْنِ وَمَعْلَمَيْنِ مِنْ مَعَالِمِ الصَّلَاةِ، وَهُمَا: طُولُ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ، وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. وَهَذَانِ يَخْتَصَّانِ بِصَلَاتِهَا مُنْفَرِدَةً، وَإِلَّا فَمَنْ يُصَلِّي وَرَاءَ إِمَامٍ لَا يُقَالُ لَهُ: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ بَعْدُ بِالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَقِيلَ لَهَا: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وَقُصِدَ هُنَا مَعْلَمٌ آخَرُ مِنْ مَعَالِمِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ. وَلَمْ يَرِدْ بِالْآيَةِ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ الَّذِي هُوَ مُنْتَظِمٌ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا تُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مُنَاسِبَةً لِتَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا، فَقَالَ:
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَشَدُّ إِشْكَالًا مِنْ قَوْلِنَا: قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، لِأَنَّ قِيَامَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَكَيْفَ جَاءَتِ الْوَاوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ انْتَهَى.
وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أَنَّ الْوَاوَ يَكُونُ مَعَهَا فِي الْعَطْفِ الْمَعِيَّةُ، وَتَقْدِيمُ السَّابِقِ وَتَقْدِيمُ اللَّاحِقِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ احْتِمَالَاتٍ سَوَاءً، فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَرْجِيحِ الْمَعِيَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ السَّابِقِ وَعَلَى تَقْدِيمِ اللَّاحِقِ، وَلَا فِي تَرْجِيحِ تَقْدِيمِ السَّابِقِ عَلَى تَقْدِيمِ اللَّاحِقِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَتِ الْهَيْئَةُ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهَا إِلَى اللَّهِ قُدِّمَ، وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْفِعْلِ عَلَى الرُّكُوعِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ التَّقْدِيمُ بِالشَّرَفِ. وَقِيلَ:
كَانَ السُّجُودُ مُقَدَّمًا عَلَى الرُّكُوعِ فِي شَرْعِ زَكَرِيَّا وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ.
وَقِيلَ: فِي كُلِّ الْمِلَلِ إِلَّا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ التَّقْدِيمُ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ التَّقْدِيمُ زَمَانِيًّا مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ، وَهَذَا التَّقْدِيمُ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبَيَانِيُّونَ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيمُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَتَوَارَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ ظَاهِرُ الْهَيْئَاتِ.
فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ بِذِكْرِ الْقُنُوتِ وَالسُّجُودِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا، ثُمَّ قِيلَ لَهَا وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ الْمَعْنَى: وَلْتَكُنْ صَلَاتُكِ مَعَ الْمُصَلِّينَ أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ، أَيْ وَانْظُمِي نَفْسَكِ فِي جُمْلَةِ الْمُصَلِّينَ، وَكُونِي مَعَهُمْ وَفِي عِدَادِهِمْ، وَلَا تَكُونِي فِي عِدَادِ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفِعْلَيْنِ وَمَعْلَمَيْنِ مِنْ مَعَالِمِ الصَّلَاةِ، وَهُمَا: طُولُ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ، وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. وَهَذَانِ يَخْتَصَّانِ بِصَلَاتِهَا مُنْفَرِدَةً، وَإِلَّا فَمَنْ يُصَلِّي وَرَاءَ إِمَامٍ لَا يُقَالُ لَهُ: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ بَعْدُ بِالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَقِيلَ لَهَا: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وَقُصِدَ هُنَا مَعْلَمٌ آخَرُ مِنْ مَعَالِمِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ. وَلَمْ يَرِدْ بِالْآيَةِ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ الَّذِي هُوَ مُنْتَظِمٌ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا تُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مُنَاسِبَةً لِتَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا، فَقَالَ:
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَشَدُّ إِشْكَالًا مِنْ قَوْلِنَا: قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، لِأَنَّ قِيَامَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَكَيْفَ جَاءَتِ الْوَاوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ انْتَهَى.
وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ ذَكَرَ أَنَّ الْوَاوَ يَكُونُ مَعَهَا فِي الْعَطْفِ الْمَعِيَّةُ، وَتَقْدِيمُ السَّابِقِ وَتَقْدِيمُ اللَّاحِقِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ احْتِمَالَاتٍ سَوَاءً، فَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَرْجِيحِ الْمَعِيَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ السَّابِقِ وَعَلَى تَقْدِيمِ اللَّاحِقِ، وَلَا فِي تَرْجِيحِ تَقْدِيمِ السَّابِقِ عَلَى تَقْدِيمِ اللَّاحِقِ.
148
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَوْجِيهًا آخَرَ فِي تَأْخِيرِ الرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ، فَقَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَانِهَا مَنْ كَانَ يَقُومُ وَيَسْجُدُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَرْكَعُ، وَفِيهِ مَنْ يَرْكَعُ، فَأُمِرَتْ بِأَنَّ تَرْكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ، وَلَا تَكُونَ مَعَ مَنْ لَا يَرْكَعُ. انْتَهَى. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَا تَقْتَصِرِي عَلَى الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ، بَلْ أَضِيفِي إِلَى ذَلِكَ الرُّكُوعَ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِاقْنُتِي: أَطِيعِي، وَبِاسْجُدِي: صَلِّي، وَمِنْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ «١» أَيِ:
الصلوات، و: باركعي: اشْكُرِي مَعَ الشَّاكِرِينَ، وَمِنْهُ: وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ «٢» وَيُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ تُشَرَّعْ صَلَاةٌ إِلَّا وَالرُّكُوعُ فِيهَا مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَ مِنْ صَلَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خُلُوُّهَا مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الِانْحِنَاءُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إِلَى السُّجُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرُّكُوعِ مِمَّا غَيَّرَتْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى من معالم شريعتهم.
و: مع، فِي قَوْلِهِ: مَعَ الرَّاكِعِينَ، تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ وَالِاجْتِمَاعَ فِي إِيقَاعِ الرُّكُوعِ مَعَ مَنْ يَرْكَعُ، فَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتَجَوَّزَ فِي: مَعَ، فَتَكُونَ لِلْمُوَافَقَةِ لِلْفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اجْتِمَاعٍ، أَيِ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلَاةَ مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي مِحْرَابِهَا. وَجَاءَ: مَعَ الرَّاكِعِينَ، دُونَ الرَّاكِعَاتِ لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ أَعَمُّ إِذْ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَلِمُنَاسَبَةِ أَوَاخِرِ الْآيَاتِ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَلِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالرِّجَالِ أَفْضَلُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: وَلَمْ تُكْرَهْ لَهَا الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً، لِأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي قَرَابَةٍ مِنْهَا وَرَحِمٍ، وَلِذَلِكَ اخْتُصُّوا فِي ضَمِّهَا وَإِمْسَاكِهَا. انْتَهَى.
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصَصِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَبِنْتِهَا مَرْيَمَ، وزكريا، ويحيى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْقَصَصَ وُصُولُهَا إِلَيْكَ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ إِذْ لَسْتَ مِمَّنْ دَارَسَ الْكُتُبَ، وَلَا صَحِبَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، فَمُدْرَكُ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ أَبْعَدِ النَّاسِ زَمَانًا مِنْ زَمَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتَوْفَاهَا لَهُ فِي سُورَةِ هُودٍ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَوْفَاهَا فِي غَيْرِهَا تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا «٣» وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَخْبَرَ بِغُيُوبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِاقْنُتِي: أَطِيعِي، وَبِاسْجُدِي: صَلِّي، وَمِنْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ «١» أَيِ:
الصلوات، و: باركعي: اشْكُرِي مَعَ الشَّاكِرِينَ، وَمِنْهُ: وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ «٢» وَيُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ تُشَرَّعْ صَلَاةٌ إِلَّا وَالرُّكُوعُ فِيهَا مُقَدَّمٌ عَلَى السُّجُودِ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَ مِنْ صَلَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خُلُوُّهَا مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الِانْحِنَاءُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إِلَى السُّجُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرُّكُوعِ مِمَّا غَيَّرَتْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى من معالم شريعتهم.
و: مع، فِي قَوْلِهِ: مَعَ الرَّاكِعِينَ، تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ وَالِاجْتِمَاعَ فِي إِيقَاعِ الرُّكُوعِ مَعَ مَنْ يَرْكَعُ، فَتَكُونُ مَأْمُورَةً بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتَجَوَّزَ فِي: مَعَ، فَتَكُونَ لِلْمُوَافَقَةِ لِلْفِعْلِ فَقَطْ دُونَ اجْتِمَاعٍ، أَيِ: افْعَلِي كَفِعْلِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُوقِعِي الصَّلَاةَ مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي مِحْرَابِهَا. وَجَاءَ: مَعَ الرَّاكِعِينَ، دُونَ الرَّاكِعَاتِ لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ أَعَمُّ إِذْ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَلِمُنَاسَبَةِ أَوَاخِرِ الْآيَاتِ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَلِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالرِّجَالِ أَفْضَلُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: وَلَمْ تُكْرَهْ لَهَا الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً، لِأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِي قَرَابَةٍ مِنْهَا وَرَحِمٍ، وَلِذَلِكَ اخْتُصُّوا فِي ضَمِّهَا وَإِمْسَاكِهَا. انْتَهَى.
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصَصِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَبِنْتِهَا مَرْيَمَ، وزكريا، ويحيى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْقَصَصَ وُصُولُهَا إِلَيْكَ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ إِذْ لَسْتَ مِمَّنْ دَارَسَ الْكُتُبَ، وَلَا صَحِبَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، فَمُدْرَكُ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْوَحْيُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ أَبْعَدِ النَّاسِ زَمَانًا مِنْ زَمَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاسْتَوْفَاهَا لَهُ فِي سُورَةِ هُودٍ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَوْفَاهَا فِي غَيْرِهَا تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا «٣» وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَخْبَرَ بِغُيُوبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ
(١) سورة ق: ٥٠/ ٤٠.
(٢) سورة ص: ٣٨/ ٢٤.
(٣) سورة هود: ١١/ ٤٩.
(٢) سورة ص: ٣٨/ ٢٤.
(٣) سورة هود: ١١/ ٤٩.
149
شَاهَدَهَا، أَوْ: مَنْ قَرَأَهَا فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، أَوْ: مَنْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِهَا. وَقَدِ انْتَفَى الْعِيَانُ وَالْقِرَاءَةُ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُوَ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
والكاف في: ذلك، و: إليك، خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْإِعْرَابِ أَنْ يَكُونَ:
ذَلِكَ، مُبْتَدَأً وَ: مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، خَبَرَهُ. وَأَنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَيَكُونَ الضَّمِيرُ فِي: نُوحِيهِ، عَائِدًا عَلَى الْغَيْبِ، أَيْ: شَأْنُنَا أَنَّنَا نُوحِي إِلَيْكَ الْغَيْبَ وَنُعْلِمُكَ بِهِ، وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْمُضَارِعِ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْ عَوْدِهِ عَلَى: ذَلِكَ، إِذْ يَشْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يُوحِيهَا إِلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إِذْ يَصِيرُ نَظِيرَ: زَيْدٌ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، فَيَكُونُ إِخْبَارًا بِالْحَالَةِ الدَّائِمَةِ. وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ الْمُضَارِعُ، وَإِذْ يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِهِ عَلَى: ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، بِمَعْنَى: أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ، لِأَنَّ الْوَحْيَ بِهِ قَدْ وَقَعَ وَانْفَصَلَ، فَيَكُونُ أَبْعَدَ فِي الْمَجَازِ مِنْهُ إِذَا كَانَ شَامِلًا لِهَذِهِ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا مِمَّا سَيَأْتِي، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، خبرا: لذلك، وَ: مِنْ أَنْبَاءِ، حَالٌ مِنَ: الْهَاءِ، فِي: نُوحِيهِ، أو متعلقا: بنوحيه.
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ هَذَا تَقْرِيرٌ وَتَثْبِيتٌ أَنَّ مَا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُعْلَمُ بِهِ قِصَّتَانِ: قِصَّةُ مَرْيَمَ، وَقِصَّةُ زَكَرِيَّا. فَنَبَّهَ عَلَى قِصَّةِ مَرْيَمَ إِذْ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِخْبَارِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا جَاءَتْ قِصَّةُ زَكَرِيَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَلِانْدِرَاجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيَّا فِي ذِكْرِ مَنْ يَكْفُلُ، فَمَا خَلَتْ مِنْ تَنْبِيهٍ عَلَى قِصَّةٍ.
وَمَعْنَى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أَيْ: مَا كُنْتَ مَعَهُمْ بِحَضْرَتِهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ. وَنُفِيَ الْمُشَاهَدَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً بِالْعِلْمِ وَلَمْ تَنْتِفِ الْقِرَاءَةُ وَالتَّلَقِّي، مِنْ حُفَّاظِ الْأَنْبَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالْمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ، وَلَا مِمَّنْ يَنْقُلُ عَنِ الْحُفَّاظِ لِلْأَخْبَارِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ «١» وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ «٢» وفي قصة يوسف ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ «٣».
وَالضَّمِيرُ، فِي: لَدَيْهِمْ، عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، أَيْ:
وَمَا كُنْتَ لَدَى الْمُتَنَازِعِينَ، كَقَوْلِهِ: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً «٤» أَيْ: بِالْمَكَانِ.
وَالْعَامِلُ فِي: إِذْ، الْعَامِلُ فِي: لَدَيْهِمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْعَامِلُ في: إذ،
والكاف في: ذلك، و: إليك، خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْإِعْرَابِ أَنْ يَكُونَ:
ذَلِكَ، مُبْتَدَأً وَ: مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، خَبَرَهُ. وَأَنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَيَكُونَ الضَّمِيرُ فِي: نُوحِيهِ، عَائِدًا عَلَى الْغَيْبِ، أَيْ: شَأْنُنَا أَنَّنَا نُوحِي إِلَيْكَ الْغَيْبَ وَنُعْلِمُكَ بِهِ، وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْمُضَارِعِ، وَيَكُونُ أَكْثَرَ فَائِدَةً مِنْ عَوْدِهِ عَلَى: ذَلِكَ، إِذْ يَشْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يُوحِيهَا إِلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إِذْ يَصِيرُ نَظِيرَ: زَيْدٌ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، فَيَكُونُ إِخْبَارًا بِالْحَالَةِ الدَّائِمَةِ. وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا هُوَ الْمُضَارِعُ، وَإِذْ يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِهِ عَلَى: ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، بِمَعْنَى: أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْكَ، لِأَنَّ الْوَحْيَ بِهِ قَدْ وَقَعَ وَانْفَصَلَ، فَيَكُونُ أَبْعَدَ فِي الْمَجَازِ مِنْهُ إِذَا كَانَ شَامِلًا لِهَذِهِ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا مِمَّا سَيَأْتِي، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: نُوحِيهِ، خبرا: لذلك، وَ: مِنْ أَنْبَاءِ، حَالٌ مِنَ: الْهَاءِ، فِي: نُوحِيهِ، أو متعلقا: بنوحيه.
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ هَذَا تَقْرِيرٌ وَتَثْبِيتٌ أَنَّ مَا عَلِمَهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُعْلَمُ بِهِ قِصَّتَانِ: قِصَّةُ مَرْيَمَ، وَقِصَّةُ زَكَرِيَّا. فَنَبَّهَ عَلَى قِصَّةِ مَرْيَمَ إِذْ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِخْبَارِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا جَاءَتْ قِصَّةُ زَكَرِيَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، وَلِانْدِرَاجِ بَعْضِ قِصَّةِ زَكَرِيَّا فِي ذِكْرِ مَنْ يَكْفُلُ، فَمَا خَلَتْ مِنْ تَنْبِيهٍ عَلَى قِصَّةٍ.
وَمَعْنَى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أَيْ: مَا كُنْتَ مَعَهُمْ بِحَضْرَتِهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ. وَنُفِيَ الْمُشَاهَدَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً بِالْعِلْمِ وَلَمْ تَنْتِفِ الْقِرَاءَةُ وَالتَّلَقِّي، مِنْ حُفَّاظِ الْأَنْبَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالْمُنْكِرِينَ لِلْوَحْيِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ، وَلَا مِمَّنْ يَنْقُلُ عَنِ الْحُفَّاظِ لِلْأَخْبَارِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ «١» وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ «٢» وفي قصة يوسف ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ «٣».
وَالضَّمِيرُ، فِي: لَدَيْهِمْ، عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بَلْ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، أَيْ:
وَمَا كُنْتَ لَدَى الْمُتَنَازِعِينَ، كَقَوْلِهِ: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً «٤» أَيْ: بِالْمَكَانِ.
وَالْعَامِلُ فِي: إِذْ، الْعَامِلُ فِي: لَدَيْهِمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْعَامِلُ في: إذ،
(١) سورة القصص: ٢٨/ ٤٤.
(٢) سورة القصص: ٢٨/ ٤٦.
(٣) سورة يوسف: ١٢/ ١٠٢. [.....]
(٤) سورة العاديات: ١٠٠/ ٤.
(٢) سورة القصص: ٢٨/ ٤٦.
(٣) سورة يوسف: ١٢/ ١٠٢. [.....]
(٤) سورة العاديات: ١٠٠/ ٤.
150
كُنْتَ. انْتَهَى. وَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِي كَانَ النَّاقِصَةِ. لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهَا سَلَبَتِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْحَدَثِ، وَتَجَرَّدَتْ لِلزَّمَانِ وَمَا سَبِيلُهُ هَكَذَا، فَكَيْفَ يَعْمَلُ فِي ظَرْفٍ؟ لِأَنَّ الظَّرْفَ وِعَاءٌ لِلْحَدَثِ وَلَا حَدَثَ فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ، وَالْمُضَارِعُ بَعْدَ: إِذْ، فِي مَعْنَى الْمَاضِي، أَيْ: إِذْ أَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ لِلِاسْتِهَامِ عَلَى مَرْيَمَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الْأَقْلَامُ الَّتِي لِلْكِتَابَةِ. وقيل: كَانُوا يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ، فَاخْتَارُوهَا لِلْقُرْعَةِ تَبَرُّكًا بِهَا. وَقِيلَ: الْأَقْلَامُ هُنَا الْأَزْلَامُ، وَهِيَ: الْقِدَاحُ، وَمَعْنَى الْإِلْقَاءِ هُنَا الرَّمْيُ وَالطَّرْحُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ مَا الَّذِي أَلْقَوْهَا فِيهِ، وَلَا كيفية حال الإلقاء، كيف خَرَجَ قَلَمُ زَكَرِيَّا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: كَانَتِ الْأُمَمُ يَكْتُبُونَ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى سِهَامٍ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الْأَمْرُ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِأَمْرِ الْقِدَاحِ الَّتِي يُتَقَاسَمُ بِهَا الْجَزُورُ.
وَارْتُفِعَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِمَّا عَلَى الْحِكَايَةِ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: يَقُولُونَ أيهم يكفل مريم، وإما بعلة محذوفة أي: ليعلموا أيّهم يكفل، وإما بحال محذوفة أي: ينظرون أَيُّهُمْ يَكْفُلُ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ: يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ تُذْكَرُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ.
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أَيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاقْتِرَاعُ، وَأَنْ يَكُونَ اخْتِصَامًا آخَرَ بَعْدَهُ، وَالْمَقْصُودُ شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ فِي التَّكَفُّلِ بِشَأْنِهَا. وَالْعَامِلُ فِي: إِذْ، الْعَامِلُ فِي: لَدَيْهِمْ، أَوْ، كُنْتَ، عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ فِي: إِذْ يُلْقُونَ.
وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ضروب الفصاحة: التَّكْرَارَ فِي: اصْطَفَاكِ، وَفِي: يَا مَرْيَمُ، وَفِي: مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي، عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ. وَالِاسْتِعَارَةُ، فِيمَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ وَالسُّجُودَ وَالرُّكُوعَ لَيْسَ كِنَايَةً عَنِ الْهَيْئَاتِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، وَالْعُمُومُ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فِي نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي أَقْلَامِهِمْ، إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ أَرَادَ الْقِدَاحَ. وَالْحَذْفُ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ العامل في: إذ، اذْكُرْ أَوْ:
يَخْتَصِمُونَ، أَوْ إِذْ، بَدَلٌ مِنْ إِذْ، فِي قَوْلِهِ: إِذْ يَخْتَصِمُونَ، أَوْ مِنْ: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ، أَقْوَالٌ يَلْزَمُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحَادُ زَمَانِ الِاخْتِصَامِ وَزَمَانِ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَهُوَ
وَارْتُفِعَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِمَّا عَلَى الْحِكَايَةِ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: يَقُولُونَ أيهم يكفل مريم، وإما بعلة محذوفة أي: ليعلموا أيّهم يكفل، وإما بحال محذوفة أي: ينظرون أَيُّهُمْ يَكْفُلُ، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ: يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ تُذْكَرُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ.
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أَيْ: بِسَبَبِ مَرْيَمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاخْتِصَامُ هُوَ الِاقْتِرَاعُ، وَأَنْ يَكُونَ اخْتِصَامًا آخَرَ بَعْدَهُ، وَالْمَقْصُودُ شِدَّةُ رَغْبَتِهِمْ فِي التَّكَفُّلِ بِشَأْنِهَا. وَالْعَامِلُ فِي: إِذْ، الْعَامِلُ فِي: لَدَيْهِمْ، أَوْ، كُنْتَ، عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ فِي: إِذْ يُلْقُونَ.
وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ضروب الفصاحة: التَّكْرَارَ فِي: اصْطَفَاكِ، وَفِي: يَا مَرْيَمُ، وَفِي: مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ. قِيلَ: وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي، عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ. وَالِاسْتِعَارَةُ، فِيمَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ وَالسُّجُودَ وَالرُّكُوعَ لَيْسَ كِنَايَةً عَنِ الْهَيْئَاتِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ، وَالْعُمُومُ الْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فِي نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي أَقْلَامِهِمْ، إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ أَرَادَ الْقِدَاحَ. وَالْحَذْفُ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ.
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ العامل في: إذ، اذْكُرْ أَوْ:
يَخْتَصِمُونَ، أَوْ إِذْ، بَدَلٌ مِنْ إِذْ، فِي قَوْلِهِ: إِذْ يَخْتَصِمُونَ، أَوْ مِنْ: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ، أَقْوَالٌ يَلْزَمُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْمُتَوَسِّطَيْنِ اتِّحَادُ زَمَانِ الِاخْتِصَامِ وَزَمَانِ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَهُوَ
151
قَوْلُ الزَّجَّاجِ. وَيَبْعُدُ الرَّابِعُ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ. وَالرَّابِعُ اخْتِيَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وَبِهِ بَدَأَ.
وَالْخِلَافُ فِي الْمَلَائِكَةِ: أَهُمْ جَمْعٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ عَلَى مَا سَبَقَ قَبْلُ فِي خِطَابِهِمْ لِزَكَرِيَّا وَلِمَرْيَمَ؟ وَتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ قَبْلَ هَذَا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وَبِالْأَمْنِ بِالْعِبَادَةِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَاللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذَا التَّبْشِيرِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَجِيبِ الْخَارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، وَلَا يَجْرِي لِامْرَأَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ أَنَّهَا تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَهَا، وَكَانَ جَرْيُ ذَلِكَ الْخَارِقِ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ لَهَا أَيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذَا الْخَارِقِ.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ: وَإِذْ قَالَ الْمَلَائِكَةُ.
وَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلَا أَبٍ.
قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ فِي كِتَابِهِ التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ السَّابِقَةِ. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَتَانَا اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جبال فاران. وساعر هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنْهُ الْمَسِيحُ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى وَفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
«١» فَجَاءَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وَقِيلَ: سَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَمَا سَمَّى مَنْ شَاءَ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْمَاءِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُنَاسِبَةٌ. وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهَا عِيسَى، بَلِ الْكَلِمَةُ بِشَارَةُ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسَى.
وَقِيلَ: بِشَارَةُ النَّبِيِّ لَهَا.
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الضَّمِيرُ فِي اسْمِهِ، عَائِدٌ عَلَى: الْكَلِمَةُ، عَلَى مَعْنَى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنْهُ، أَوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وَسُمِّيَ: الْمَسِيحَ، لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَسَعِيدٌ، وَشَمِرٌ. أَوْ: بِالدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِهِ، وَهُوَ دُهْنٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ إِذَا مُسِحَ بِهِ شَخْصٌ عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. أَوْ: بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، أَوْ: بِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِجَنَاحِهِ أَوْ: لِمَسْحِ رِجْلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِمَا خَمْصٌ، وَالْأَخْمَصُ مَا تَجَافَى عَنِ الْأَرْضِ مِنْ بَاطِنِ الرِّجْلِ، وَكَانَ عِيسَى أَمْسَحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمُصَ له. قال الشاعر:
وَالْخِلَافُ فِي الْمَلَائِكَةِ: أَهُمْ جَمْعٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ عَلَى مَا سَبَقَ قَبْلُ فِي خِطَابِهِمْ لِزَكَرِيَّا وَلِمَرْيَمَ؟ وَتَقَدَّمَ تَكْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ قَبْلَ هَذَا التَّبْشِيرِ بِذِكْرِ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ اللَّهِ، وَبِالْأَمْنِ بِالْعِبَادَةِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ وَاللُّطْفِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِهَذَا التَّبْشِيرِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَجِيبِ الْخَارِقِ الَّذِي لَمْ يَجْرِ لِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، وَلَا يَجْرِي لِامْرَأَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ أَنَّهَا تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ مَسِّ ذَكَرٍ لَهَا، وَكَانَ جَرْيُ ذَلِكَ الْخَارِقِ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ لَهَا أَيْضًا تَأْنِيسًا لِهَذَا الْخَارِقِ.
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ: وَإِذْ قَالَ الْمَلَائِكَةُ.
وَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ هُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ كَلِمَةً لِصُدُورِهِ بِكَلِمَةِ: كُنْ، بِلَا أَبٍ.
قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: لِتَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ، وَهُوَ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَقِيلَ: لِوَعْدِ اللَّهِ بِهِ فِي كِتَابِهِ التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ السَّابِقَةِ. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَتَانَا اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ، وَأَشْرَقَ مِنْ سَاعِرَ، وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جبال فاران. وساعر هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي بُعِثَ مِنْهُ الْمَسِيحُ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِكَلِمَتِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى وَفْقِ كَلِمَةِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
«١» فَجَاءَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وُصِفَ. وَقِيلَ: سَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ كَمَا سَمَّى مَنْ شَاءَ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْمَاءِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا عَلَمًا مَوْضُوعًا لَهُ لَمْ تُلْحَظْ فِيهِ جِهَةٌ مُنَاسِبَةٌ. وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ هُنَا لَا يُرَادُ بِهَا عِيسَى، بَلِ الْكَلِمَةُ بِشَارَةُ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِعِيسَى.
وَقِيلَ: بِشَارَةُ النَّبِيِّ لَهَا.
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الضَّمِيرُ فِي اسْمِهِ، عَائِدٌ عَلَى: الْكَلِمَةُ، عَلَى مَعْنَى: نُبَشِّرُكِ بِمُكَوِّنٍ مِنْهُ، أَوْ بِمَوْجُودٍ مِنَ اللَّهِ. وَسُمِّيَ: الْمَسِيحَ، لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَسَعِيدٌ، وَشَمِرٌ. أَوْ: بِالدُّهْنِ الَّذِي يُمْسَحُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِهِ، وَهُوَ دُهْنٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ إِذَا مُسِحَ بِهِ شَخْصٌ عُلِمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. أَوْ: بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، أَوْ: بِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِجَنَاحِهِ أَوْ: لِمَسْحِ رِجْلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِمَا خَمْصٌ، وَالْأَخْمَصُ مَا تَجَافَى عَنِ الْأَرْضِ مِنْ بَاطِنِ الرِّجْلِ، وَكَانَ عِيسَى أَمْسَحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمُصَ له. قال الشاعر:
(١) سورة مريم: ١٩/ ١٩.
152
| بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَامٌ كَالزَّلَمْ | خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ الْقَدَمْ |
عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِنْ مَلَاحَةٍ أَوْ: لِمَسْحَةٍ مِنَ الْأَقْذَارِ الَّتِي تَنَالُ الْمَوْلُودِينَ، لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ لَا تَحِيضُ وَلَمْ تُدَنَّسْ بِدَمِ نِفَاسٍ. أَقْوَالٌ سَبْعَةٌ، وَيَكُونُ: فَعِيلٌ، فِيهَا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي: الْمَسِيحِ، لِلْغَلَبَةِ مِثْلُهَا فِي: الدَّبَرَانُ وَالْعَيُّوقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِيءَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: فَعِيلٌ، مَبْنِيًّا لِلْمُبَالَغَةِ: كَعَلِيمٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي حُوِّلَتْ مِنْ فَاعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقِيلَ: مِنَ الْمِسَاحَةِ، وَكَانَ يَجُولُ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُهَا. وَقِيلَ: هُوَ مُفْعِلٌ مِنْ سَاحَ يَسِيحُ مِنَ السِّيَاحَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ:
الْمَسِيحُ: الصِّدِّيقُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ: الْمَسِيحُ: الْمَلِكُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَكَ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَشِيحًا، فَغُيِّرَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْمًا مُرْتَجَلًا لَيْسَ هُوَ مُشْتَقًّا مِنَ الْمَسْحِ وَلَا مِنَ السِّيَاحَةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الْأَبْنَاءُ يُنْسَبُونَ إِلَى الْآبَاءِ، وَنُسِبَ إِلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لَهَا إِعْلَامًا أَنَّهُ يُولَدُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَلَا يُنْسَبُ إِلَّا إِلَيْهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْمَهُ: الْمَسِيحُ، فَيَكُونُ: اسْمُهُ المسيح، مبتدأ وخبرا، و: عيسى، جَوَّزُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا، وَأَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ. وَمَنَعَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَقَالَ: كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَسْمَاهُ عَلَى الْمَعْنَى، أَوْ أَسْمَاهَا عَلَى لَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: عِيسَى، خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَدْعُو إِلَى هَذَا كَوْنُ قَوْلِهِ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةٌ: لِعِيسَى، إِذْ قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى كَتْبِهِ دُونَ الْأَلِفِ. وَأَمَّا عَلَى الْبَدَلِ، أَوْ عَطْفِ الْبَيَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، صِفَةً: لِعِيسَى، لِأَنَّ الِاسْمَ هُنَا لَمْ يُرَدْ بِهِ الشَّخْصُ. هَذِهِ النَّزْعَةُ لِأَبِي عَلِيٍّ. وَفِي صَدْرِ الْكَلَامِ نَظَرٌ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإِنْ قُلْتَ لِمَ قِيلَ: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الِاسْمُ مِنْهَا: عِيسَى، وَأَمَّا: المسيح و: الابن، فَلَقَبٌ وَصِفَةٌ؟.
قُلْتُ: الِاسْمُ لِلْمُسَمَّى عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا، وَيَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ
153
وَيَتَمَيَّزُ مِمَّنْ سِوَاهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ اسْمَهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَتَكُونُ الثَّلَاثَةُ أَخْبَارًا عَنْ قَوْلِهِ: اسْمُهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ: هَذَا حُلْوٌ حَامِضٌ، و: هذا أَعْسَرُ يَسِرُ. فَلَا يَكُونُ أَحَدُهَا عَلَى هَذَا مُسْتَقِلًّا بِالْخَبَرِيَّةِ. وَنَظِيرُهُ فِي كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ أَوِ الْأَشْيَاءِ فِي حُكْمِ شَيْءٍ وَاحِدٍ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَيْ: مَجْمُوعُ هَذَا مِمَّا يَزْرَعُ الْوِدُّ، فَلَمَّا جَازَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنْ يَتَعَدَّدَ دُونَ حَرْفِ عَطْفٍ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى عَلَى الْمَجْمُوعِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْخَبَرِ. وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ: ابْنُ مَرْيَمَ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ ابْنُ مَرْيَمَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِمَّا قَبْلَهُ، وَلَا صِفَةً، لِأَنَّ: ابْنُ مَرْيَمَ، لَيْسَ بِاسْمٍ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَا تَقُولُ: اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ ابْنُ عَمْرٍو إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ؟ انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَسِيحَ صِفَةٌ لِعِيسَى، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: اسْمُهُ عِيسَى الْمَسِيحُ، لِأَنَّ الصِّفَةَ تَابِعَةٌ لِمَوْصُوفِهَا. انْتَهَى. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ صِفَةً، لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَالْمَسِيحَ مِنْ صِفَةِ الْمَدْلُولِ لَا مِنْ صِفَةِ الدَّالِ، إِذْ لَفْظُ عِيسَى لَيْسَ الْمَسِيحَ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا اسْمَانِ تَقَدَّمَ الْمَسِيحُ عَلَى عِيسَى لِشُهْرَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ:
وَإِنَّمَا بَدَأَ بِلَقَبِهِ لِأَنَّ: الْمَسِيحَ، أَشْهَرُ مِنْ: عِيسَى، لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ عَلَى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ، وَعِيسَى قَدْ يَقَعُ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَلْقَابَ الْخُلَفَاءِ أَشْهَرُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ لَقَبٌ لَا اسْمٌ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَعِيسَى مُعَرَّبٌ مِنَ: ايْسُوعَ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ لِأَنَّ فِيهِ أَلِفَ تَأْنِيثٍ، وَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ: عَاسَهُ يَعُوسُهُ، إِذَا سَاسَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِيسِ كَالرَّقْمِ فِي الْمَاءِ.
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَجِيهُ ذُو الْجَاهِ، يُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وَجَاهَةً. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْوَجِيهُ الْمُحَبُّ الْمَقْبُولُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الشَّرِيفُ ذُو الْقَدْرِ وَالْجَاهِ. وَقِيلَ: الْكَرِيمُ عَلَى مَنْ يَسْأَلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ لِكَرَمِ وَجْهِهِ.
وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ عِيسَى أَنَّ وَجَاهَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِنُبُوَّتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. وَقِيلَ:
| كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أمسيت مما | يزرع الود فِي فُؤَادِ الْكَرِيمِ؟ |
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَسِيحَ صِفَةٌ لِعِيسَى، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: اسْمُهُ عِيسَى الْمَسِيحُ، لِأَنَّ الصِّفَةَ تَابِعَةٌ لِمَوْصُوفِهَا. انْتَهَى. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَسِيحُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ صِفَةً، لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، وَالْمَسِيحَ مِنْ صِفَةِ الْمَدْلُولِ لَا مِنْ صِفَةِ الدَّالِ، إِذْ لَفْظُ عِيسَى لَيْسَ الْمَسِيحَ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا اسْمَانِ تَقَدَّمَ الْمَسِيحُ عَلَى عِيسَى لِشُهْرَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ:
وَإِنَّمَا بَدَأَ بِلَقَبِهِ لِأَنَّ: الْمَسِيحَ، أَشْهَرُ مِنْ: عِيسَى، لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ عَلَى سَمِيٍّ يُشْتَبَهُ، وَعِيسَى قَدْ يَقَعُ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَدَّمَهُ لِشُهْرَتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَلْقَابَ الْخُلَفَاءِ أَشْهَرُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ عِنْدَ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ لَقَبٌ لَا اسْمٌ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَعِيسَى مُعَرَّبٌ مِنَ: ايْسُوعَ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ لِأَنَّ فِيهِ أَلِفَ تَأْنِيثٍ، وَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ: عَاسَهُ يَعُوسُهُ، إِذَا سَاسَهُ وَقَامَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِيسِ كَالرَّقْمِ فِي الْمَاءِ.
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَجِيهُ ذُو الْجَاهِ، يُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ يُوجَهُ وَجَاهَةً. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الْوَجِيهُ الْمُحَبُّ الْمَقْبُولُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الشَّرِيفُ ذُو الْقَدْرِ وَالْجَاهِ. وَقِيلَ: الْكَرِيمُ عَلَى مَنْ يَسْأَلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ لِكَرَمِ وَجْهِهِ.
وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ عِيسَى أَنَّ وَجَاهَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِنُبُوَّتِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ. وَقِيلَ:
154
فِي الدُّنْيَا بِالطَّاعَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَةِ. وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكَمَةِ وَالْأَبْرَصِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَةِ. وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا كَرِيمًا لَا يُرَدُّ وَجْهُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ فِي عِلْيَةِ الْمُرْسَلِينَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْوَجَاهَةُ فِي الدُّنْيَا النُّبُوَّةُ وَالتَّقَدُّمُ عَلَى النَّاسِ، وَفِي الْآخِرَةِ الشَّفَاعَةُ وَعُلُوُّ الدَّرَجَةِ فِي الْجَنَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَجَاهَةُ عِيسَى فِي الدُّنْيَا نُبُوَّتُهُ وَذَكَرُهُ وَرَفَعَهُ، وَفِي الآخرة مكانته ونعيمه وَشَفَاعَتُهُ.
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ مَعْنَاهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَوْنُهُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفع إِلَى السَّمَاءِ وَصَحِبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: مِنَ النَّاسِ بِالْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْمُبَالَغُ فِي تَقْرِيبِهِمْ، لِأَنَّ فَعُلَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، فَقَالَ: قَرَّبَهُ يُقَرِّبُهُ إِذَا بَالَغَ فِي تَقْرِيبِهِ انْتَهَى. وَلَيْسَ فَعُلَ هُنَا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، لِأَنَّ التَّضْعِيفَ هُنَا لِلتَّعْدِيَةِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَحْوِ: جرّحت زيدا و: موّت النَّاسَ.
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَجِيهًا، وَتَقْدِيرُهُ: وَمُقَرَّبًا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَرَّبِينَ.
أَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ ثَمَّ مُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ عِيسَى مِنْهُمْ. وَنَظِيرُ هَذَا الْعَطْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
«١» فَقَوْلُهُ: وَبِاللَّيْلِ، جَارٌّ وَمَجْرُورٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى: مُصْبِحِينَ، وَجَاءَتْ هَذِهِ الْحَالُ هَكَذَا لِأَنَّهَا مِنَ الْفَوَاصِلِ، فَلَوْ جَاءَ: وَمُقَرَّبًا، لَمْ تَكُنْ فَاصِلَةً، وَأَيْضًا فَأَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ عِيسَى مُقَرَّبٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالتَّقْرِيبُ صِفَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
؟ «٢» وَقَوْلِهِ:
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ؟ «٣» وَهُوَ تَقْرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَكَانَةِ وَالشَّرَفِ وَعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ.
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَعَطَفَ: وَيُكَلِّمُ، وَهُوَ حَالٌ أَيْضًا عَلَى: وَجِيهًا، وَنَظِيرُهُ: إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ «٤» أَيْ: وَقَابِضَاتٍ. وَكَذَلِكَ: وَيُكَلِّمُ، أَيْ:
وَمُكَلِّمًا. وَأَتَى فِي الحال الأول بِالِاسْمِ لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ لِلثُّبُوتِ، وَجَاءَتِ الْحَالُ الثَّانِيَةُ جارا ومجرورا لأنه يقدر بالاسم. وجاءت الحال الثَّالِثَةُ جُمْلَةً لِأَنَّهَا فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ. أَلَا تَرَى أن
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ مَعْنَاهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَكَوْنُهُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفع إِلَى السَّمَاءِ وَصَحِبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: مِنَ النَّاسِ بِالْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْمُبَالَغُ فِي تَقْرِيبِهِمْ، لِأَنَّ فَعُلَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، فَقَالَ: قَرَّبَهُ يُقَرِّبُهُ إِذَا بَالَغَ فِي تَقْرِيبِهِ انْتَهَى. وَلَيْسَ فَعُلَ هُنَا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، لِأَنَّ التَّضْعِيفَ هُنَا لِلتَّعْدِيَةِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي نَحْوِ: جرّحت زيدا و: موّت النَّاسَ.
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَجِيهًا، وَتَقْدِيرُهُ: وَمُقَرَّبًا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَرَّبِينَ.
أَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ ثَمَّ مُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ عِيسَى مِنْهُمْ. وَنَظِيرُ هَذَا الْعَطْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
«١» فَقَوْلُهُ: وَبِاللَّيْلِ، جَارٌّ وَمَجْرُورٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى: مُصْبِحِينَ، وَجَاءَتْ هَذِهِ الْحَالُ هَكَذَا لِأَنَّهَا مِنَ الْفَوَاصِلِ، فَلَوْ جَاءَ: وَمُقَرَّبًا، لَمْ تَكُنْ فَاصِلَةً، وَأَيْضًا فَأَعْلَمَ تَعَالَى أَنَّ عِيسَى مُقَرَّبٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالتَّقْرِيبُ صِفَةٌ جَلِيلَةٌ عَظِيمَةٌ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
؟ «٢» وَقَوْلِهِ:
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ؟ «٣» وَهُوَ تَقْرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَكَانَةِ وَالشَّرَفِ وَعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ.
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَعَطَفَ: وَيُكَلِّمُ، وَهُوَ حَالٌ أَيْضًا عَلَى: وَجِيهًا، وَنَظِيرُهُ: إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ «٤» أَيْ: وَقَابِضَاتٍ. وَكَذَلِكَ: وَيُكَلِّمُ، أَيْ:
وَمُكَلِّمًا. وَأَتَى فِي الحال الأول بِالِاسْمِ لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ لِلثُّبُوتِ، وَجَاءَتِ الْحَالُ الثَّانِيَةُ جارا ومجرورا لأنه يقدر بالاسم. وجاءت الحال الثَّالِثَةُ جُمْلَةً لِأَنَّهَا فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ. أَلَا تَرَى أن
(١) سورة الصافات: ٣٧/ ١٣٧.
(٢) سورة النساء: ٤/ ١٧٢.
(٣) سورة الواقعة: ٥٦/ ٨٨ و ٨٩.
(٤) سورة الملك: ٦٧/ ١٩.
(٢) سورة النساء: ٤/ ١٧٢.
(٣) سورة الواقعة: ٥٦/ ٨٨ و ٨٩.
(٤) سورة الملك: ٦٧/ ١٩.
155
الْحَالَ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى؟ فَكَمَا أَنَّ الْأَحْسَنَ وَالْأَكْثَرَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ أَوْصَافٌ مُتَغَايِرَةٌ بدىء بِالِاسْمِ، ثُمَّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالْجُمْلَةِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ «١» فكذلك الحال، بدىء بِالِاسْمِ، ثُمَّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالْجُمْلَةِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُضَارِعِيَّةً لِأَنَّ الْفِعْلَ يُشْعِرُ بِالتَّجَدُّدِ، كَمَا أَنَّ الِاسْمَ يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ، وَيَتَعَلَّقُ: فِي الْمَهْدِ، بِمَحْذُوفٍ إِذْ هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، التَّقْدِيرُ:
كَائِنًا فِي الْمَهْدِ وكهلا، معطوف على هذا الْحَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: طِفْلًا وَكَهْلًا، فَعُطِفَ صَرِيحُ الْحَالِ عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَنَظِيرُهُ عَكْسًا: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
«٢» وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ: وَكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلَى: وَجِيهًا، فَقَدْ أَبْعَدَ.
وَالْمَهْدُ: مَقَرُّ الصَّبِيِّ فِي رِضَاعِهِ، وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ يُقَالُ: مَهَّدْتُ لِنَفْسِي بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ: وَطَّأْتُ، وَيُقَالُ: أَمْهَدَ الشَّيْءُ ارْتَفَعَ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: الْكَهْلِ لُغَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ غَالِبًا، لِأَنَّ الْكَهْلَ يَقْوَى عَقْلُهُ وَإِدْرَاكُهُ وَتَجْرِبَتُهُ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ كَالشَّارِخِ، وَالْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِالْكُهُولَةِ، قَالَ:
وَلِذَلِكَ خُصَّ هَذَا السِّنُّ فِي الْآيَةِ دُونَ سَائِرِ الْعُمْرِ، لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الْوُسْطَى فِي اسْتِحْكَامِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، تَبْشِيرٌ بِأَنَّهُ يَعِيشُ إِلَى سِنِّ الْكُهُولَةِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ، وَيُقَالُ:
إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْهُ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ وُلِدَ لِذَلِكَ لَمْ يَعِشْ، فَكَانَ ذَلِكَ بِشَارَةً لَهَا بِعَيْشِهِ إِلَى هَذَا السِّنِّ. وَقِيلَ: كَانَتِ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ مَاتَ، وَفِي قَوْلِهِ: فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا إِشَارَةٌ إِلَى تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عَلَيْهِ، وَرَدٌّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ إِلَهِيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ إِعْلَامًا بِهِ أَنَّهُ يَكْتَهِلُ، فَإِذَا أُخْبِرَتْ بِهِ مَرْيَمُ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ.
وَاخْتُلِفَ فِي كَلَامِهِ: فِي الْمَهْدِ، أَكَانَ سَاعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ؟ أَوْ كَانَ يَتَكَلَّمُ دَائِمًا فِي الْمَهْدِ حَتَّى بَلَغَ إِبَّانَ الْكَلَامِ؟ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَنَقَلَ الثَّعَالِبِيُّ أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِهِ لِأُمِّهِ وَهُوَ مُرْضَعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ حِينَ كَلَّمَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ نَبِيًّا لِقَوْلِهِ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا «٣» وَلِظُهُورِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ مِنْهُ وَالتَّحَدِّي بِهَا. وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ، فَيَكُونُ
كَائِنًا فِي الْمَهْدِ وكهلا، معطوف على هذا الْحَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: طِفْلًا وَكَهْلًا، فَعُطِفَ صَرِيحُ الْحَالِ عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَنَظِيرُهُ عَكْسًا: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
«٢» وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ: وَكَهْلًا، مَعْطُوفٌ عَلَى: وَجِيهًا، فَقَدْ أَبْعَدَ.
وَالْمَهْدُ: مَقَرُّ الصَّبِيِّ فِي رِضَاعِهِ، وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ يُقَالُ: مَهَّدْتُ لِنَفْسِي بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ: وَطَّأْتُ، وَيُقَالُ: أَمْهَدَ الشَّيْءُ ارْتَفَعَ.
وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: الْكَهْلِ لُغَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ غَالِبًا، لِأَنَّ الْكَهْلَ يَقْوَى عَقْلُهُ وَإِدْرَاكُهُ وَتَجْرِبَتُهُ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ كَالشَّارِخِ، وَالْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِالْكُهُولَةِ، قَالَ:
| وَمَا ضَرَّ مَنْ كَانَتْ بَقَايَاهُ مِثْلَنَا | شَبَابٌ تَسَامَى لِلْعُلَى وَكُهُولُ |
إِنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْهُ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَمَنْ وُلِدَ لِذَلِكَ لَمْ يَعِشْ، فَكَانَ ذَلِكَ بِشَارَةً لَهَا بِعَيْشِهِ إِلَى هَذَا السِّنِّ. وَقِيلَ: كَانَتِ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ مَاتَ، وَفِي قَوْلِهِ: فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا إِشَارَةٌ إِلَى تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عَلَيْهِ، وَرَدٌّ عَلَى النَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ إِلَهِيَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ إِعْلَامًا بِهِ أَنَّهُ يَكْتَهِلُ، فَإِذَا أُخْبِرَتْ بِهِ مَرْيَمُ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ.
وَاخْتُلِفَ فِي كَلَامِهِ: فِي الْمَهْدِ، أَكَانَ سَاعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغَ النُّطْقِ؟ أَوْ كَانَ يَتَكَلَّمُ دَائِمًا فِي الْمَهْدِ حَتَّى بَلَغَ إِبَّانَ الْكَلَامِ؟ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَنَقَلَ الثَّعَالِبِيُّ أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِهِ لِأُمِّهِ وَهُوَ مُرْضَعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ حِينَ كَلَّمَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ نَبِيًّا لِقَوْلِهِ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا «٣» وَلِظُهُورِ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ مِنْهُ وَالتَّحَدِّي بِهَا. وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ تَأْسِيسًا لِنُبُوَّتِهِ، فَيَكُونُ
(١) سورة غافر: ٤٠/ ٢٨.
(٢) سورة الصافات: ٣٧/ ١٣٧.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٣٠.
(٢) سورة الصافات: ٣٧/ ١٣٧.
(٣) سورة مريم: ١٩/ ٣٠.
156
قَوْلُهُ: وَجَعَلَنِي نَبِيًّا «١» إِخْبَارًا عما يؤول إِلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ «٢» وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوَقْتِ كَلَامِهِ إِذَا كَانَ كَهْلًا، فَقِيلَ: كَلَامُهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ كَلَّمَهُمْ بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ.
وَقِيلَ: يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَهْلًا ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، كَمَا قَالَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، أَخْبَرَ أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ كَهْلًا، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ حَالِ الطُّفُولَةِ وَحَالِ الْكُهُولَةِ الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيهَا الْعَقْلُ، وَيُنَبَّأُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ. انْتَهَى.
قِيلَ: وَتَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ سبعة: عيسى، ويحيى، وشاهد يوسف، وصاحب جُرَيْجٍ.
وَصَبِيُّ مَاشِطَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَصَاحِبُ الْجَبَّارِ، وَصَاحِبُ الْأُخْدُودِ، وَقَصَصُ هَؤُلَاءِ مَرْوِيَّةٌ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ حَصْرِ مَنْ تَكَلَّمَ رَضِيعًا فِي ثَلَاثَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ إِخْبَارًا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَ بِالْبَاقِينَ، فَأَخْبَرَ عَلَى سَبِيلِ مَا أَعْلَمَ بِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعْلَمُ بِالْبَاقِينَ.
وَمِنَ الصَّالِحِينَ أَيْ: وَصَالِحًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلَاحِ الْمَوْصُوفِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ.
وَانْتِصَابُ: وَجِيهًا، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَحَسُنَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً، كَوْنُهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: مِنْهُ، وَبِقَوْلِهِ: مِنْهُ، وَبِقَوْلِهِ: اسْمُهُ الْمَسِيحُ.
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ لَمَّا أَخْبَرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ أَنَّ اللَّهَ بَشَّرَهَا بِالْمَسِيحِ، نَادَتْ رَبَّهَا، وَهُوَ اللَّهُ، مُسْتَفْهِمَةً عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنْ حُدُوثِ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ إِذْ ذَاكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعَجُّبِ، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ أَعْجَبُ مِنْ قَضِيَّةِ زَكَرِيَّا، لِأَنَّ قَضِيَّةَ زَكَرِيَّا حَدَثَ مِنْهَا الْوَلَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَهُنَا حَدَثَ مِنِ امْرَأَةٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ بَشَرٍ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ.
وَقِيلَ: اسْتَفْهَمَتْ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، كَمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ بِتَقَدُّمِ وَطْءٍ؟ أَمْ بِأَمْرٍ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ؟.
وَقَالَ الْأَنْبَارِيُّ: لَمَّا خَاطَبَهَا جِبْرِيلُ ظَنَّتْهُ آدميا يريد بها سوأ، ولهذا قالت: إِنِّي أَعُوذُ
وَقِيلَ: يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَهْلًا ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، كَمَا قَالَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، أَخْبَرَ أَنَّهُ يَنْزِلُ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ كَهْلًا، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَاهُ: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ حَالِ الطُّفُولَةِ وَحَالِ الْكُهُولَةِ الَّتِي يَسْتَحْكِمُ فِيهَا الْعَقْلُ، وَيُنَبَّأُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ. انْتَهَى.
قِيلَ: وَتَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ سبعة: عيسى، ويحيى، وشاهد يوسف، وصاحب جُرَيْجٍ.
وَصَبِيُّ مَاشِطَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَصَاحِبُ الْجَبَّارِ، وَصَاحِبُ الْأُخْدُودِ، وَقَصَصُ هَؤُلَاءِ مَرْوِيَّةٌ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ حَصْرِ مَنْ تَكَلَّمَ رَضِيعًا فِي ثَلَاثَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ إِخْبَارًا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَ بِالْبَاقِينَ، فَأَخْبَرَ عَلَى سَبِيلِ مَا أَعْلَمَ بِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعْلَمُ بِالْبَاقِينَ.
وَمِنَ الصَّالِحِينَ أَيْ: وَصَالِحًا مِنْ جُمْلَةِ الصَّالِحِينَ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّلَاحِ الْمَوْصُوفِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ.
وَانْتِصَابُ: وَجِيهًا، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَحَسُنَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً، كَوْنُهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: مِنْهُ، وَبِقَوْلِهِ: مِنْهُ، وَبِقَوْلِهِ: اسْمُهُ الْمَسِيحُ.
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ لَمَّا أَخْبَرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ أَنَّ اللَّهَ بَشَّرَهَا بِالْمَسِيحِ، نَادَتْ رَبَّهَا، وَهُوَ اللَّهُ، مُسْتَفْهِمَةً عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ مِنْ حُدُوثِ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ إِذْ ذَاكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعَجُّبِ، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ أَعْجَبُ مِنْ قَضِيَّةِ زَكَرِيَّا، لِأَنَّ قَضِيَّةَ زَكَرِيَّا حَدَثَ مِنْهَا الْوَلَدُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَهُنَا حَدَثَ مِنِ امْرَأَةٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ بَشَرٍ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ.
وَقِيلَ: اسْتَفْهَمَتْ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، كَمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ بِتَقَدُّمِ وَطْءٍ؟ أَمْ بِأَمْرٍ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ؟.
وَقَالَ الْأَنْبَارِيُّ: لَمَّا خَاطَبَهَا جِبْرِيلُ ظَنَّتْهُ آدميا يريد بها سوأ، ولهذا قالت: إِنِّي أَعُوذُ
(١) سورة مريم: ١٩/ ٣٠.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ٣١.
(٢) سورة مريم: ١٩/ ٣١.
157
بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
«١» فَلَمَّا بَشَّرَهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكٌ، فَقَالَتْ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ؟
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهَا: رَبِّ، وَقَوْلَ زَكَرِيَّا: رَبِّ، إِنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ لِجِبْرِيلَ لَمَّا بَشَّرَهُمَا، وَمَعْنَاهُ: يَا سَيِّدِي فَقَدْ أَبْعَدَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ، و: يكون، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ وَالتَّامَّةَ، كَمَا سَبَقَ فِي قِصَّةٍ زكريا. و: لم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَالْمَسِيسُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ، وَهَذَا نَفْيٌ عَامٌّ أَنْ يَكُونَ بَاشَرَهَا أَحَدٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ تَزَوُّجٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْبَشَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا النَّفْيُ الْعَامُّ، وَسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وَهُوَ جِلْدُهُ، وَبَشَرْتُ الْأَدِيمَ قَشَّرْتُ وَجْهَهُ، وَأَبْشَرَتِ الْأَرْضُ أَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا، وَتَبَاشِيرُ الصُّبْحِ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْ نُورِهِ.
قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي نَظِيرِهَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا، إِلَّا أَنَّ فِي قِصَّتِهِ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ «٢» مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَمْرَ زَكَرِيَّا دَاخِلٌ فِي الْإِمْكَانِ الْعَادِيِّ الَّذِي يَتَعَارَفُ، وَإِنْ قَلَّ، وَفِي قِصَّةِ مَرْيَمَ: يَخْلُقُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَارَفُ مِثْلُهُ، وَهُوَ وُجُودُ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ، فَهُوَ إِيجَادٌ وَاخْتِرَاعٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ عَادِيٍّ، فَلِذَلِكَ جَاءَ بِلَفْظِ: يَخْلُقُ، الدَّالُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ أَلْغَزَ بَعْضُ الْعَرَبِ الْمُسْتَشْهَدُ بِكَلَامِهَا فَقَالَ:
يريد: عيسى وآدم.
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي الْبَقَرَةِ:
لُغَةً وَتَفْسِيرًا وَقِرَاءَةً وَإِعْرَابًا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ الْكِتَابُ: هُنَا مَصْدَرٌ، أَيْ: يُعَلِّمُهُ الْخَطَّ بِالْيَدِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: الْكِتَابُ هُوَ كِتَابٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسَى مَعَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَقِيلَ: كُتُبُ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ. وَقِيلَ:
هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.
قَالُوا: وَتَكُونُ الْوَاوُ فِي: وَالتَّوْرَاةُ، مُقْحَمَةٌ، وَالْكِتَابُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَكْتُوبِ، وَتَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا قِيلَ: بِالْإِلْهَامِ، وَقِيلَ: بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ لِلتَّعَلُّمِ والحكمة. تقدم
«١» فَلَمَّا بَشَّرَهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةَ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكٌ، فَقَالَتْ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ؟
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهَا: رَبِّ، وَقَوْلَ زَكَرِيَّا: رَبِّ، إِنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ لِجِبْرِيلَ لَمَّا بَشَّرَهُمَا، وَمَعْنَاهُ: يَا سَيِّدِي فَقَدْ أَبْعَدَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ مِنْ بِدَعِ التَّفَاسِيرِ، و: يكون، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النَّاقِصَةَ وَالتَّامَّةَ، كَمَا سَبَقَ فِي قِصَّةٍ زكريا. و: لم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَالْمَسِيسُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْوَطْءِ، وَهَذَا نَفْيٌ عَامٌّ أَنْ يَكُونَ بَاشَرَهَا أَحَدٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ تَزَوُّجٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْبَشَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا النَّفْيُ الْعَامُّ، وَسُمِّيَ بَشَرًا لِظُهُورِ بَشْرَتِهِ وَهُوَ جِلْدُهُ، وَبَشَرْتُ الْأَدِيمَ قَشَّرْتُ وَجْهَهُ، وَأَبْشَرَتِ الْأَرْضُ أَخْرَجَتْ نَبَاتَهَا، وَتَبَاشِيرُ الصُّبْحِ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنْ نُورِهِ.
قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي نَظِيرِهَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا، إِلَّا أَنَّ فِي قِصَّتِهِ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ «٢» مِنْ حَيْثُ إِنَّ أَمْرَ زَكَرِيَّا دَاخِلٌ فِي الْإِمْكَانِ الْعَادِيِّ الَّذِي يَتَعَارَفُ، وَإِنْ قَلَّ، وَفِي قِصَّةِ مَرْيَمَ: يَخْلُقُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَارَفُ مِثْلُهُ، وَهُوَ وُجُودُ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ، فَهُوَ إِيجَادٌ وَاخْتِرَاعٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ عَادِيٍّ، فَلِذَلِكَ جَاءَ بِلَفْظِ: يَخْلُقُ، الدَّالُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ أَلْغَزَ بَعْضُ الْعَرَبِ الْمُسْتَشْهَدُ بِكَلَامِهَا فَقَالَ:
| أَلَا رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ | وذي ولد لم يلده أبوان |
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي الْبَقَرَةِ:
لُغَةً وَتَفْسِيرًا وَقِرَاءَةً وَإِعْرَابًا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ الْكِتَابُ: هُنَا مَصْدَرٌ، أَيْ: يُعَلِّمُهُ الْخَطَّ بِالْيَدِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: الْكِتَابُ هُوَ كِتَابٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عِيسَى مَعَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَقِيلَ: كُتُبُ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةُ. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ. وَقِيلَ:
هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.
قَالُوا: وَتَكُونُ الْوَاوُ فِي: وَالتَّوْرَاةُ، مُقْحَمَةٌ، وَالْكِتَابُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَكْتُوبِ، وَتَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا قِيلَ: بِالْإِلْهَامِ، وَقِيلَ: بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ لِلتَّعَلُّمِ والحكمة. تقدم
(١) سورة مريم: ١٩/ ١٨.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٤٠ والحج: ٢٢/ ١٨.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٤٠ والحج: ٢٢/ ١٨.
158
تَفْسِيرُهَا، وَفُسِّرَتْ هُنَا: بِسُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِمَا شَرَعَهُ مِنَ الدِّينِ، وَبِالنُّبُوَّةِ، وَبِالصَّوَابِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَبِالْعَقْلِ، وَبِأَنْوَاعِ الْعِلْمِ. وَبِمَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ أَقْوَالٌ سَبْعَةٌ.
رُوِيَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَسْتَظْهِرُ التَّوْرَاةَ، وَيُقَالُ لَمْ يَحْفَظْهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَيْرُ: مُوسَى، وَيُوشَعُ، وَعُزَيْرٌ، وَعِيسَى.
وَذُكِرَ الْإِنْجِيلُ لِمَرْيَمَ وَهُوَ لم ينزل بعد لأنه كَانَ كِتَابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ: وَيُعَلِّمُهُ، بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِالنُّونِ، وَعَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَقُولَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: قَالَ كَذَلِكِ، الضَّمِيرُ فِي:
قَالَ، عَائِدٌ عَلَى الرَّبِّ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ هِيَ الْمَقُولَةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَفْظُ اللَّهِ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ فِيمَا قَبْلَهُ، لَزِمَ مُبْتَدَأً وَخَبَرَهُ يَخْلُقُ عَلَى مَا مَرَّ إِعْرَابُهُ فِي: قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْمَقُولِ لِمَرْيَمَ، أَمْ عَلَى سَبِيلِ الِاغْتِبَاطِ وَالتَّبْشِيرِ بِهَذَا الْوَلَدِ الَّذِي يُوجِدُهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: يَخْلُقُ، سَوَاءٌ كَانَتْ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ أَمْ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهَا، إِذَا أَعْرَبْتَ لَفْظَ: اللَّهُ مُبْتَدَأً وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ النُّونِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، خَرَجَ مِنْ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ إِلَى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَخَامَةِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَغَيْرُهُ عَطْفٌ: وَيُعَلِّمُهُ، عَلَى: يُبَشِّرُكِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَأَجَازَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: وَيُكَلِّمُ، وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: وَجِيهًا، فَيَكُونُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَفِيمَا أَجَازَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى خبر إن، وهذا الْقَوْلَانِ بِعِيدَانِ أَيْضًا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَنُعَلِّمُهُ، بِالنُّونِ حَمَلَهُ عَلَى قَوْلِهِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ فَإِنْ عُنِيَ بِالْحَمْلِ الْعَطْفُ فَلَا شَيْءَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَإِنْ عُنِيَ بِالْحَمْلِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ هُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى شيء مِنْ هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإِنْ عُنِيَ أَنَّهُ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَنِ اللَّهِ، أَوْ مِنَ اللَّهِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَمِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ الْوَاوِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى شيء قَبْلَهُ، فَلَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ
رُوِيَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَسْتَظْهِرُ التَّوْرَاةَ، وَيُقَالُ لَمْ يَحْفَظْهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَيْرُ: مُوسَى، وَيُوشَعُ، وَعُزَيْرٌ، وَعِيسَى.
وَذُكِرَ الْإِنْجِيلُ لِمَرْيَمَ وَهُوَ لم ينزل بعد لأنه كَانَ كِتَابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ: وَيُعَلِّمُهُ، بِالْيَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِالنُّونِ، وَعَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَقُولَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: قَالَ كَذَلِكِ، الضَّمِيرُ فِي:
قَالَ، عَائِدٌ عَلَى الرَّبِّ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ هِيَ الْمَقُولَةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَفْظُ اللَّهِ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ فِيمَا قَبْلَهُ، لَزِمَ مُبْتَدَأً وَخَبَرَهُ يَخْلُقُ عَلَى مَا مَرَّ إِعْرَابُهُ فِي: قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْمَقُولِ لِمَرْيَمَ، أَمْ عَلَى سَبِيلِ الِاغْتِبَاطِ وَالتَّبْشِيرِ بِهَذَا الْوَلَدِ الَّذِي يُوجِدُهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: يَخْلُقُ، سَوَاءٌ كَانَتْ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ أَمْ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهَا، إِذَا أَعْرَبْتَ لَفْظَ: اللَّهُ مُبْتَدَأً وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْيَاءِ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ النُّونِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، خَرَجَ مِنْ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ إِلَى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَخَامَةِ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَغَيْرُهُ عَطْفٌ: وَيُعَلِّمُهُ، عَلَى: يُبَشِّرُكِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَأَجَازَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: وَيُكَلِّمُ، وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: وَجِيهًا، فَيَكُونُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَفِيمَا أَجَازَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى خبر إن، وهذا الْقَوْلَانِ بِعِيدَانِ أَيْضًا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَنُعَلِّمُهُ، بِالنُّونِ حَمَلَهُ عَلَى قَوْلِهِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ فَإِنْ عُنِيَ بِالْحَمْلِ الْعَطْفُ فَلَا شَيْءَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَإِنْ عُنِيَ بِالْحَمْلِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ هُوَ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى شيء مِنْ هَذِهِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإِنْ عُنِيَ أَنَّهُ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَنِ اللَّهِ، أَوْ مِنَ اللَّهِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ، فَمِنْ حَيْثُ ثُبُوتُ الْوَاوِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى شيء قَبْلَهُ، فَلَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ
159
زِيَادَةَ الْوَاوِ فِي: وَيُعَلِّمُهُ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ، وَإِنْ عُنِيَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا ذُكِرَ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ حَتَّى يَكُونَ الْمَعْطُوفُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قِرَاءَةُ الْيَاءِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَقِرَاءَةُ النُّونِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى.
انْتَهَى. وَلَمْ يُبَيِّنِ ابْنُ عَطِيَّةَ جِهَةَ إِفْسَادِ الْمَعْنَى، أَمَّا قِرَاءَةُ النُّونِ فَظَاهِرٌ فَسَادُ عَطْفِهِ عَلَى:
نُوحِيهِ، مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَمِثْلُهُ لَا يَقَعُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لِبُعْدِ الْفَصْلِ الْمُفْرِطِ، وَتَعْقِيدِ التَّرْكِيبِ، وَتَنَافُرِ الْكَلَامِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْوَاوِ شَرِيكُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ أَيْ:
إِخْبَارُكُ يَا مُحَمَّدُ بِقِصَّةِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَوِلَادَتِهَا لِمَرْيَمَ، وَكَفَالَةِ زَكَرِيَّا، وَقِصَّتِهِ فِي وِلَادَةِ يَحْيَى لَهُ، وَتَبْشِيرِ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِالِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ، نُعَلِّمُهُ، أَيْ: نُعَلِّمُ عِيسَى الْكِتَابَ، فَهَذَا كَلَامٌ لَا يَنْتَظِمُ مَعْنَاهُ مَعَ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْيَاءِ وَعَطْفُ: وَيُعَلِّمُهُ، عَلَى: يَخْلُقُ، فَلَيْسَتْ مُفْسِدَةً لِلْمَعْنَى، بَلْ هُوَ أَوْلَى وَأَصَحُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ: وَيُعَلِّمُهُ، لِقُرْبِ لَفْظِهِ وَصِحَّةِ مَعْنَاهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا جَوَازَهُ قَبْلُ، وَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ مَرْيَمَ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ بِهَا عَادَةٌ، مِثْلَ مَا خَلَقَ لَكِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُعَلِّمُ هَذَا الْوَلَدَ الَّذِي يَخْلُقُهُ لَكِ مَا لَمْ يُعَلِّمْهُ قَبْلَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَيَكُونُ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ أَعْظَمُ تَبْشِيرٍ لَهَا بِهَذَا الْوَلَدِ، وَإِظْهَارِ بَرَكَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُشْبِهًا أَوْلَادَ النَّاسِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي أَصْلِ النَّشْأَةِ، وَفِيمَا يُعَلِّمُهُ تَعَالَى مِنَ الْعِلْمِ، وَهَذَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ:
وَيُعَلِّمُهُ.
وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ اخْتَلَفُوا فِي: رَسُولًا، هُنَا.
فَقِيلَ: هُوَ وَصْفٌ بِمَعْنَى الْمُرْسَلِ عَلَى ظَاهِرِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى رِسَالَةٍ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولًا يَكُونُ بِمَعْنَى رِسَالَةٍ، وَمِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِيهِ هَنَا الْحُوفِيُّ، وَأَبُو الْبَقَاءِ، وَقَالَا:
هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكِتَابِ، أَيْ: وَيُعَلِّمُهُ رِسَالَةً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَكُونُ: رِسَالَةٌ، دَاخِلًا فِي مَا يُعَلِّمُهُ اللَّهُ عِيسَى. وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَالُوا فِي إِعْرَابِهِ، وُجُوهًا.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قِرَاءَةُ الْيَاءِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَقِرَاءَةُ النُّونِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى.
انْتَهَى. وَلَمْ يُبَيِّنِ ابْنُ عَطِيَّةَ جِهَةَ إِفْسَادِ الْمَعْنَى، أَمَّا قِرَاءَةُ النُّونِ فَظَاهِرٌ فَسَادُ عَطْفِهِ عَلَى:
نُوحِيهِ، مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَمِثْلُهُ لَا يَقَعُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لِبُعْدِ الْفَصْلِ الْمُفْرِطِ، وَتَعْقِيدِ التَّرْكِيبِ، وَتَنَافُرِ الْكَلَامِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْمَعْطُوفَ بِالْوَاوِ شَرِيكُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ أَيْ:
إِخْبَارُكُ يَا مُحَمَّدُ بِقِصَّةِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَوِلَادَتِهَا لِمَرْيَمَ، وَكَفَالَةِ زَكَرِيَّا، وَقِصَّتِهِ فِي وِلَادَةِ يَحْيَى لَهُ، وَتَبْشِيرِ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِالِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ، نُعَلِّمُهُ، أَيْ: نُعَلِّمُ عِيسَى الْكِتَابَ، فَهَذَا كَلَامٌ لَا يَنْتَظِمُ مَعْنَاهُ مَعَ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْيَاءِ وَعَطْفُ: وَيُعَلِّمُهُ، عَلَى: يَخْلُقُ، فَلَيْسَتْ مُفْسِدَةً لِلْمَعْنَى، بَلْ هُوَ أَوْلَى وَأَصَحُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ: وَيُعَلِّمُهُ، لِقُرْبِ لَفْظِهِ وَصِحَّةِ مَعْنَاهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا جَوَازَهُ قَبْلُ، وَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ مَرْيَمَ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ بِهَا عَادَةٌ، مِثْلَ مَا خَلَقَ لَكِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُعَلِّمُ هَذَا الْوَلَدَ الَّذِي يَخْلُقُهُ لَكِ مَا لَمْ يُعَلِّمْهُ قَبْلَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَيَكُونُ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ أَعْظَمُ تَبْشِيرٍ لَهَا بِهَذَا الْوَلَدِ، وَإِظْهَارِ بَرَكَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُشْبِهًا أَوْلَادَ النَّاسِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي أَصْلِ النَّشْأَةِ، وَفِيمَا يُعَلِّمُهُ تَعَالَى مِنَ الْعِلْمِ، وَهَذَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَطْفُ:
وَيُعَلِّمُهُ.
وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ اخْتَلَفُوا فِي: رَسُولًا، هُنَا.
فَقِيلَ: هُوَ وَصْفٌ بِمَعْنَى الْمُرْسَلِ عَلَى ظَاهِرِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى رِسَالَةٍ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولًا يَكُونُ بِمَعْنَى رِسَالَةٍ، وَمِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِيهِ هَنَا الْحُوفِيُّ، وَأَبُو الْبَقَاءِ، وَقَالَا:
هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْكِتَابِ، أَيْ: وَيُعَلِّمُهُ رِسَالَةً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَكُونُ: رِسَالَةٌ، دَاخِلًا فِي مَا يُعَلِّمُهُ اللَّهُ عِيسَى. وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَالُوا فِي إِعْرَابِهِ، وُجُوهًا.
160
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالُوا: فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ:
أَيْ: وَمُعْتَقِلًا رُمْحًا. لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ تَشْرِيكُهُ مَعَ الْمَنْصُوبَاتِ قَبْلَهُ فِي الْعَامِلِ الَّذِي هُوَ:
يُعَلِّمُهُ، أُضْمِرَ لَهُ فِعْلٌ نَاصِبٌ يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: ويعلمه، فَيَكُونَ: حَالًا، إِذِ التَّقْدِيرُ: وَمُعَلِّمًا الْكِتَابَ، فَهَذَا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: وَجِيهًا، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَثَنَى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ بِهِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى إِعْرَابِ: وَيُعَلِّمُهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ إِعْرَابِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ: وَيُعَلِّمُهُ، مَعْطُوفٌ عَلَى: وَجِيهًا، لِلْفَصْلِ الْمُفْرِطِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي: وَيُكَلِّمُ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، أَيْ: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ طِفْلًا وَكَهْلًا وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً، وَيَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ: وَيُعَلِّمُهُ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِزِيَادَةِ الْوَاوِ، لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمُ: جَاءَ زَيْدٌ وَضَاحِكًا، أَيْ: ضَاحِكًا.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ من لفظ رسول، وَيَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مِنْ عِيسَى، التَّقْدِيرُ: وَتَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاحْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كُلِّهِ، لِقَوْلِهِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ وَقَوْلِهِ: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ، إِذْ لَا يَصِحُّ فِي الظَّاهِرِ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْمَنْصُوبَاتِ لِاخْتِلَافِ الضَّمَائِرِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ ضمير غائب، وهذان ضميرا مُتَكَلِّمٍ، فَاحْتَاجَ إِلَى هَذَا الْإِضْمَارِ لِتَصْحِيحِ الْمَعْنَى. قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مِنَ الْمَضَايِقِ، يَعْنِي مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا إِشْكَالٌ. وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ، إِذْ فِيهِ إِضْمَارُ الْقَوْلِ وَمَعْمُولِهِ الَّذِي هُوَ: أُرْسِلْتُ، وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمَا بِاسْمٍ مَنْصُوبٍ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ، إِذْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأُرْسِلْتُ، أَنَّهُ رَسُولٌ، فَهِيَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ فِي إِعْرَابِ: وَرَسُولًا، أَوْلَاهَا الْأَوَّلُ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِضْمَارُ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، أَيْ: وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مَعْمُولًا لرسول، أَيْ نَاطِقًا بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَمَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ
| يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا | مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا |
يُعَلِّمُهُ، أُضْمِرَ لَهُ فِعْلٌ نَاصِبٌ يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: ويعلمه، فَيَكُونَ: حَالًا، إِذِ التَّقْدِيرُ: وَمُعَلِّمًا الْكِتَابَ، فَهَذَا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ: وَجِيهًا، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَثَنَى بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ بِهِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى إِعْرَابِ: وَيُعَلِّمُهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ إِعْرَابِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ: وَيُعَلِّمُهُ، مَعْطُوفٌ عَلَى: وَجِيهًا، لِلْفَصْلِ الْمُفْرِطِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي: وَيُكَلِّمُ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، أَيْ: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ طِفْلًا وَكَهْلًا وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً، وَيَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ: وَيُعَلِّمُهُ، قَالَهُ الْأَخْفَشُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِزِيَادَةِ الْوَاوِ، لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمُ: جَاءَ زَيْدٌ وَضَاحِكًا، أَيْ: ضَاحِكًا.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ من لفظ رسول، وَيَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مَعْمُولًا لِقَوْلٍ مِنْ عِيسَى، التَّقْدِيرُ: وَتَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاحْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كُلِّهِ، لِقَوْلِهِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ وَقَوْلِهِ: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ، إِذْ لَا يَصِحُّ فِي الظَّاهِرِ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْمَنْصُوبَاتِ لِاخْتِلَافِ الضَّمَائِرِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ ضمير غائب، وهذان ضميرا مُتَكَلِّمٍ، فَاحْتَاجَ إِلَى هَذَا الْإِضْمَارِ لِتَصْحِيحِ الْمَعْنَى. قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مِنَ الْمَضَايِقِ، يَعْنِي مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا إِشْكَالٌ. وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ، إِذْ فِيهِ إِضْمَارُ الْقَوْلِ وَمَعْمُولِهِ الَّذِي هُوَ: أُرْسِلْتُ، وَالِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمَا بِاسْمٍ مَنْصُوبٍ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ، إِذْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأُرْسِلْتُ، أَنَّهُ رَسُولٌ، فَهِيَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ فِي إِعْرَابِ: وَرَسُولًا، أَوْلَاهَا الْأَوَّلُ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِضْمَارُ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، أَيْ: وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مَعْمُولًا لرسول، أَيْ نَاطِقًا بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَمَعْمُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ
161
الْهَمْزَةَ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، أَيْ: قَائِلًا إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِقَوْلِهِ:
وَرَسُولًا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ.
وَقَرَأَ الْيَزِيدِيُّ: وَرَسُولٍ، بِالْجَرِّ، وَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ فِي الْقِيَاسِ لِطُولِ الْبُعْدِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ.
وَأُرْسِلَ عِيسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَيِّنًا حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَدَاعِيًا إِلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَمُحَلِّلًا أَشْيَاءَ مِمَّا حُرِّمَ فِيهَا: كَالثُّرُوبِ، وَلُحُومِ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الْحِيتَانِ. وَالطَّيْرِ، وَكَانَ عِيسَى قَدْ هَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ مِنْ قَوْمِهَا إِلَى مِصْرَ حِينَ عَزَلُوا أَوْلَادَهُمْ، وَنَهَوْهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِ، وَحَبَسُوهُمْ فِي بَيْتٍ، فَجَاءَ عِيسَى يَطْلُبُهُمْ فَقَالُوا: لَيْسُوا هَاهُنَا، فَقَالَ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالُوا: خَنَازِيرُ، قَالَ: كَذَلِكَ يَكُونُونَ، فَفَتَحُوا عَنْهُمْ فَإِذَا هُمْ خَنَازِيرُ. فَفَشَا ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَمُّوا بِهِ، فَهَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ. فَلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا: أَنِ انْطَلِقِي إِلَى الشَّامِ، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً جَاءَهُ الْوَحْيُ عَلَى رَأْسِ الثَّلَاثِينَ، فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينٍ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَكَانَ أَوَّلَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: يُوسُفُ، وَقِيلَ: مُوسَى، وَآخِرَهُمْ عِيسَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ إِلَى قَوْلِهِ مُسْتَقِيمٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وَمَعْمُولٌ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْقَوْلِ السَّابِقِ. وَالْخِطَابُ لِمَرْيَمَ بِقَوْلِهِ: قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَرْيَمُ قَدْ بُشِّرَتْ بِأَشْيَاءَ مِمَّا يَفْعَلُهَا اللَّهُ لِوَلَدِهَا عِيسَى: مِنْ تَعْلِيمِهِ مَا ذَكَرَ، وَمِنْ جَعْلِهِ رَسُولًا نَاطِقًا بِمَا يَكُونُ مِنْهُ إِذَا أُرْسِلَ: مِنْ مَجِيئِهِ بِالْآيَاتِ، وَإِظْهَارِ الْخَوَارِقِ عَلَى يَدَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ إِلَى قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ. وَيَكُونُ بَعْدَ قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ: فَلَمَّا أَحَسَّ، مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَتَضْطَرُّ إِلَى تَقْدِيرِهِ، الْمَعْنَى، تَقْدِيرُهُ:
فَجَاءَ عِيسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرَسُولًا، فَقَالَ لَهُمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَتَى بِالْخَوَارِقِ الَّتِي قالها، فكفروا به وتمالأوا عَلَى قَتْلِهِ وَإِذَايَتِهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَا يَكُونَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَلَا دَاخِلًا تَحْتَ الْقَوْلِ، وَالْخِطَابُ لِمَرْيَمَ، وَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ هُنَا لَا بَعْدَ قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَاءَ عِيسَى كَمَا بَشَّرَ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِأَنَّهُ، عَلَى الْإِفْرَادِ، وَكَذَلِكَ فِي وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَفِي
وَرَسُولًا، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ.
وَقَرَأَ الْيَزِيدِيُّ: وَرَسُولٍ، بِالْجَرِّ، وَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ فِي الْقِيَاسِ لِطُولِ الْبُعْدِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ.
وَأُرْسِلَ عِيسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَيِّنًا حُكْمَ التَّوْرَاةِ، وَدَاعِيًا إِلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَمُحَلِّلًا أَشْيَاءَ مِمَّا حُرِّمَ فِيهَا: كَالثُّرُوبِ، وَلُحُومِ الْإِبِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الْحِيتَانِ. وَالطَّيْرِ، وَكَانَ عِيسَى قَدْ هَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ مِنْ قَوْمِهَا إِلَى مِصْرَ حِينَ عَزَلُوا أَوْلَادَهُمْ، وَنَهَوْهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِ، وَحَبَسُوهُمْ فِي بَيْتٍ، فَجَاءَ عِيسَى يَطْلُبُهُمْ فَقَالُوا: لَيْسُوا هَاهُنَا، فَقَالَ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالُوا: خَنَازِيرُ، قَالَ: كَذَلِكَ يَكُونُونَ، فَفَتَحُوا عَنْهُمْ فَإِذَا هُمْ خَنَازِيرُ. فَفَشَا ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَمُّوا بِهِ، فَهَرَبَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ. فَلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا: أَنِ انْطَلِقِي إِلَى الشَّامِ، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ثَلَاثِينَ سَنَةً جَاءَهُ الْوَحْيُ عَلَى رَأْسِ الثَّلَاثِينَ، فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينٍ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَكَانَ أَوَّلَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: يُوسُفُ، وَقِيلَ: مُوسَى، وَآخِرَهُمْ عِيسَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ إِلَى قَوْلِهِ مُسْتَقِيمٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وَمَعْمُولٌ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْقَوْلِ السَّابِقِ. وَالْخِطَابُ لِمَرْيَمَ بِقَوْلِهِ: قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَرْيَمُ قَدْ بُشِّرَتْ بِأَشْيَاءَ مِمَّا يَفْعَلُهَا اللَّهُ لِوَلَدِهَا عِيسَى: مِنْ تَعْلِيمِهِ مَا ذَكَرَ، وَمِنْ جَعْلِهِ رَسُولًا نَاطِقًا بِمَا يَكُونُ مِنْهُ إِذَا أُرْسِلَ: مِنْ مَجِيئِهِ بِالْآيَاتِ، وَإِظْهَارِ الْخَوَارِقِ عَلَى يَدَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ إِلَى قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ. وَيَكُونُ بَعْدَ قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ: فَلَمَّا أَحَسَّ، مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَتَضْطَرُّ إِلَى تَقْدِيرِهِ، الْمَعْنَى، تَقْدِيرُهُ:
فَجَاءَ عِيسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرَسُولًا، فَقَالَ لَهُمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَأَتَى بِالْخَوَارِقِ الَّتِي قالها، فكفروا به وتمالأوا عَلَى قَتْلِهِ وَإِذَايَتِهِ، فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ.
وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَا يَكُونَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ، وَلَا دَاخِلًا تَحْتَ الْقَوْلِ، وَالْخِطَابُ لِمَرْيَمَ، وَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ هُنَا لَا بَعْدَ قَوْلِهِ: مُسْتَقِيمٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَاءَ عِيسَى كَمَا بَشَّرَ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِأَنَّهُ، عَلَى الْإِفْرَادِ، وَكَذَلِكَ فِي وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَفِي
162
مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: بِآيَاتٍ، عَلَى الْجَمْعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: مِنْ رَبِّكُمْ، فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ أن يتعلق: بجئتكم، أَيْ: جِئْتُكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ بِآيَةٍ.
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنِّي أَخْلُقُ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ: آيَةٍ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، أَوْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ عَلَى الْخِلَافِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ، أَيِ: الْآيَةُ أَنِّي أَخْلُقُ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَوْ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ. كَمَا فَسَّرَ الْمَثَلَ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ آدَمَ «١» بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ «٢» وَمَعْنَى: أَخْلُقُ: أُقَدِّرُ وَأُهَيِّءُ، وَالْخَلْقُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ وَإِبْرَازِ الْعَيْنِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ. وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَيَكُونُ بِمَعْنَى: التَّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ، وَلِذَلِكَ يُسَمُّونَ صَانِعَ الْأَدِيمِ وَنَحْوَهُ: الْخَالِقَ، لِأَنَّهُ يُقَدِّرُ، وَأَصْلُهُ فِي الْأَجْرَامِ، وَقَدْ نَقَلُوهُ إِلَى الْمَعَانِي قَالَ تَعَالَى وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً «٣» وَمِمَّا جَاءَ الْخُلُقُ فِيهِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ «٤» أَيِ الْمُقَدَّرَيْنِ.
وَقَالَ الشاعر:
وَاللَّامُ فِي: لَكُمْ، مَعْنَاهَا التعليل، و: من الطِّينِ، تَقْيِيدٌ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ، بَلْ ذَكَرَ الْمَادَّةَ الَّتِي يُشَكِّلُ مِنْهَا صُورَةً.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: كَهَيْئَةِ، عَلَى وَزْنِ: حيئة، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: كَهِيَّةِ، بِكَسْرٍ الْهَاءِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ، و: الكاف، مِنْ: كَهَيْئَةِ، اسْمٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ، فَهِيَ مفعولة: بأخلق، وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: يَكُونُ، صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةٍ، وَيَكُونُ: هَيْئَةُ، مَصْدَرًا فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ: مِثَالًا مُهَيَّأً مِثْلَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: الطَّيْرِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ: كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ:
فَأَنْفُخُ فِيهِ، الضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، يَعُودُ عَلَى: الْكَافِ، أَوْ عَلَى مَوْصُوفِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: فَأَنْفُخُهَا، أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْهَيْئَةِ المحذوفة، إذ يكون
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنِّي أَخْلُقُ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ: آيَةٍ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ، أَوْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ عَلَى الْخِلَافِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ، أَيِ: الْآيَةُ أَنِّي أَخْلُقُ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، أَوْ عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْآيَةِ. كَمَا فَسَّرَ الْمَثَلَ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ آدَمَ «١» بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ «٢» وَمَعْنَى: أَخْلُقُ: أُقَدِّرُ وَأُهَيِّءُ، وَالْخَلْقُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ وَإِبْرَازِ الْعَيْنِ مِنَ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ. وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَيَكُونُ بِمَعْنَى: التَّقْدِيرِ وَالتَّصْوِيرِ، وَلِذَلِكَ يُسَمُّونَ صَانِعَ الْأَدِيمِ وَنَحْوَهُ: الْخَالِقَ، لِأَنَّهُ يُقَدِّرُ، وَأَصْلُهُ فِي الْأَجْرَامِ، وَقَدْ نَقَلُوهُ إِلَى الْمَعَانِي قَالَ تَعَالَى وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً «٣» وَمِمَّا جَاءَ الْخُلُقُ فِيهِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ «٤» أَيِ الْمُقَدَّرَيْنِ.
وَقَالَ الشاعر:
| وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ | وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفري |
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: كَهَيْئَةِ، عَلَى وَزْنِ: حيئة، وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ: كَهِيَّةِ، بِكَسْرٍ الْهَاءِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ، و: الكاف، مِنْ: كَهَيْئَةِ، اسْمٌ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ، فَهِيَ مفعولة: بأخلق، وَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: يَكُونُ، صِفَةً لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَيْئَةٌ مِثْلُ هَيْئَةٍ، وَيَكُونُ: هَيْئَةُ، مَصْدَرًا فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ: مِثَالًا مُهَيَّأً مِثْلَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: الطَّيْرِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ: كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ:
فَأَنْفُخُ فِيهِ، الضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، يَعُودُ عَلَى: الْكَافِ، أَوْ عَلَى مَوْصُوفِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: فَأَنْفُخُهَا، أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى الْهَيْئَةِ المحذوفة، إذ يكون
(٢- ١) سورة آل عمران: ٣/ ٥٩. [.....]
(٣) سورة العنكبوت: ٢٩/ ١٧.
(٤) سورة المؤمنون: ٢٣/ ١٤.
(٣) سورة العنكبوت: ٢٩/ ١٧.
(٤) سورة المؤمنون: ٢٣/ ١٤.
163
التَّقْدِيرُ: هَيْئَةٌ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، أَوْ: عَلَى الْكَافِ عَلَى الْمَعْنَى، إِذْ هِيَ بِمَعْنَى: مُمَاثِلَةٍ هَيْئَةَ الطَّيْرِ، فَيَكُونُ التَّأْنِيثُ هُنَا كَمَا هُوَ فِي الْمَائِدَةِ فِي قَوْلِهِ: فَتَنْفُخُ فِيها «١» وَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَدْ حَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ. كَمَا قَالَ:
يُرِيدُ: وَلَا قَامَتْ عَلَيْكَ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ نَقَلَهَا الْفَرَّاءُ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
كَالْهِبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفحما فَعَدَّى: نَفَخَ، لِمَنْصُوبٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّضْمِينِ، أَيْ: يُضْرِمُ بِالنَّفْخِ الْفَحْمَ، فَيَكُونُ هُنَا نَاقِصَةٌ عَلَى بَابِهَا، أَوْ بِمَعْنَى: تَصِيرُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ هُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ: طَائِرًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: طَيْرًا، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ: يَكُونُ، وَمَنْ جَعَلَ: يكون، هنا تامّة، و: طائرا، حَالًا فَقَدْ أَبْعَدَ. وَتَعَلُّقُ بإذن الله، قيل: بيكون. وَقِيلَ: بِطَائِرٍ، وَمَعْنَى: بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ بِتَمْكِينِهِ وَعِلْمِهِ بِأَنِّي أَفْعَلُ، وَتَعَاطِي عِيسَى التَّصْوِيرَ بِيَدِهِ وَالنَّفْخَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ تَبْيِينٌ لِتَلَبُّسِهِ بِالْمُعْجِزَةِ، وَتَوْضِيحُ أَنَّهَا مِنْ قِبَلِهِ، وَأَمَّا خَلْقُ الْحَيَاةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الطِّينِيَّةِ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاقْتِرَاحٍ مِنْهُمْ، بَلْ هَذِهِ الْخَوَارِقُ جَاءَتْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِاقْتِرَاحٍ مِنْهُمْ، طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَخْلُقَ لَهُمْ خُفَّاشًا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلَى عَادَاتِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَخَصُّوا الْخُفَّاشَ لِأَنَّهُ عَجِيبُ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا، لَهُ: ثَدْيٌ، وَأَسْنَانٌ، وَآذَانٌ، وَضَرْعٌ، يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ، وَلَا يُبْصِرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، إِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَاعَةٍ، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَاعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا، وَيَضْحَكُ كَمَا يَضْحَكُ الْإِنْسَانَ، وَيَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَتَحِيضُ أُنْثَاهُ وَتَلِدُ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الْخُفَّاشُ.
فَسَأَلُوهُ أَشَدَّ الطَّيْرِ خَلْقًا لِأَنَّهُ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَيُقَالُ: مَا صَنَعَ غَيْرَ الْخُفَّاشِ، وَيُقَالُ: فَعَلَ ذَلِكَ أَوَّلًا وَهُوَ مَعَ مُعَلِّمِهِ فِي الْكِتَابِ، وَتَوَاطَأَ النَّقْلُ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الطَّائِرَ الَّذِي خَلَقَهُ عِيسَى كَانَ يَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلِ الْمَخْلُوقِ من
| مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلَا قامتك نَائِحَةٌ | وَلَا بَكَتْكَ جِيَادٌ عِندَ أَسْلَابِ |
كَالْهِبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفحما فَعَدَّى: نَفَخَ، لِمَنْصُوبٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّضْمِينِ، أَيْ: يُضْرِمُ بِالنَّفْخِ الْفَحْمَ، فَيَكُونُ هُنَا نَاقِصَةٌ عَلَى بَابِهَا، أَوْ بِمَعْنَى: تَصِيرُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ هُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ: طَائِرًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: طَيْرًا، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ: يَكُونُ، وَمَنْ جَعَلَ: يكون، هنا تامّة، و: طائرا، حَالًا فَقَدْ أَبْعَدَ. وَتَعَلُّقُ بإذن الله، قيل: بيكون. وَقِيلَ: بِطَائِرٍ، وَمَعْنَى: بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ بِتَمْكِينِهِ وَعِلْمِهِ بِأَنِّي أَفْعَلُ، وَتَعَاطِي عِيسَى التَّصْوِيرَ بِيَدِهِ وَالنَّفْخَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ تَبْيِينٌ لِتَلَبُّسِهِ بِالْمُعْجِزَةِ، وَتَوْضِيحُ أَنَّهَا مِنْ قِبَلِهِ، وَأَمَّا خَلْقُ الْحَيَاةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الطِّينِيَّةِ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَلْقَهُ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِاقْتِرَاحٍ مِنْهُمْ، بَلْ هَذِهِ الْخَوَارِقُ جَاءَتْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِاقْتِرَاحٍ مِنْهُمْ، طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَخْلُقَ لَهُمْ خُفَّاشًا عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلَى عَادَاتِهِمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَخَصُّوا الْخُفَّاشَ لِأَنَّهُ عَجِيبُ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا، لَهُ: ثَدْيٌ، وَأَسْنَانٌ، وَآذَانٌ، وَضَرْعٌ، يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ، وَلَا يُبْصِرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، إِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَاعَةٍ، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَاعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا، وَيَضْحَكُ كَمَا يَضْحَكُ الْإِنْسَانَ، وَيَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَتَحِيضُ أُنْثَاهُ وَتَلِدُ.
رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: الْخُفَّاشُ.
فَسَأَلُوهُ أَشَدَّ الطَّيْرِ خَلْقًا لِأَنَّهُ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، وَيُقَالُ: مَا صَنَعَ غَيْرَ الْخُفَّاشِ، وَيُقَالُ: فَعَلَ ذَلِكَ أَوَّلًا وَهُوَ مَعَ مُعَلِّمِهِ فِي الْكِتَابِ، وَتَوَاطَأَ النَّقْلُ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الطَّائِرَ الَّذِي خَلَقَهُ عِيسَى كَانَ يَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلِ الْمَخْلُوقِ من
(١) سورة المائدة: ٥/ ١١.
164
فِعْلِ الْخَالِقِ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَعَ مُعَايَنَتِهِمْ لِذَلِكَ الطَّائِرِ يَطِيرُ يَقُولُونَ فِي عِيسَى: هَذَا سَاحِرٌ.
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَكْمَهُ هُوَ الْأَعْشَى. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْأَعْمَشُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى. وَقِيلَ: هُوَ الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْمَهُ غَيْرَ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةِ السُّدُوسَيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْأَعْمَى عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْأَكْمَهَ هُوَ الْأَبْكَمُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ وَلَا يَفْهَمُ، الْمَيِّتُ الْفُؤَادِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى مَضْمُومَ الْعَيْنَيْنِ.
قِيلَ: وقد كان عيسى يبرىء بِدُعَائِهِ، وَالْمَسْحِ بِيَدِهِ، كُلَّ عِلَّةٍ. وَلَكِنْ لَا يَقُومُ الْحُجَّةَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَعْنَى النُّبُوَّةِ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ إِبْرَائِهَا الْأَطِبَّاءُ، حَتَّى يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ خَارِقًا لِلْعَادَاتِ. وَالْإِبْرَاءُ مِنَ الْعَشَى وَالْعَمَشِ لَيْسَ بِخَارِقٍ، وَأَمَّا الْعَمَى فَالْأَبْلَغُ الْإِبْرَاءُ مِنْ عَمَى الْمَمْسُوحِ الْعَيْنِ.
رُوِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَرْضَى، مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَتَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ أَتَاهُ عِيسَى، وَمَا كَانَتْ مُدَاوَاتُهُ إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَحْدَهُ، وَخَصَّ بِالذِّكْرِ الْكَمَهَ وَالْبَرَصَ لأنهما داآن مُعْضِلَانِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنْهُمَا، إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى زَمَانِ عِيسَى الطِّبَّ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ الْمُعْجِزَةَ فِي جِنْسِ عِلْمِهِمْ، كَمَا أَرَى قَوْمَ مُوسَى، إِذْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، الْمُعْجِزَةَ بِالْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَكَمَا أَرَى الْعَرَبَ، إِذْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاغَةَ، الْمُعْجِزَةَ بِالْقُرْآنِ.
رُوِيَ أَنَّ جَالِينُوسَ كَانَ فِي زَمَانِ عِيسَى، وَأَنَّهُ رَحَلَ إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ لِيَلْقَاهُ، فَمَاتَ في طريقه.
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ نَقَلَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ أَحْيَا أَرْبَعَةً: عَاذِرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَقَامَ مِنْ قَبْرِهِ يَقْطُرُ وَدَكُهُ، وَبَقِيَ إِلَى أَنْ ولد له. و: ابن الْعَجُوزِ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَنَزَلَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَبَقِيَ إِلَى أن ولد له، و: بنت العاشر، متعت بولدها بعد ما حَيِيَتْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ سَامَ بْنَ نُوحٍ لِيُخْبِرَهُمْ عَنْ حَالِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ فَقَالَ: أَقَدْ قَامَتِ السَّاعَةُ؟ وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ، وَكَانَ شَابًّا ابْنَ خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ:
شَيَّبَنِي هَوْلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَكْمَهُ هُوَ الْأَعْشَى. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْأَعْمَشُ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى. وَقِيلَ: هُوَ الْمَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْمَهُ غَيْرَ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةِ السُّدُوسَيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْأَعْمَى عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَحَكَى النَّقَّاشُ: أَنَّ الْأَكْمَهَ هُوَ الْأَبْكَمُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ وَلَا يَفْهَمُ، الْمَيِّتُ الْفُؤَادِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى مَضْمُومَ الْعَيْنَيْنِ.
قِيلَ: وقد كان عيسى يبرىء بِدُعَائِهِ، وَالْمَسْحِ بِيَدِهِ، كُلَّ عِلَّةٍ. وَلَكِنْ لَا يَقُومُ الْحُجَّةَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَعْنَى النُّبُوَّةِ إِلَّا بِالْإِبْرَاءِ مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْ إِبْرَائِهَا الْأَطِبَّاءُ، حَتَّى يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ خَارِقًا لِلْعَادَاتِ. وَالْإِبْرَاءُ مِنَ الْعَشَى وَالْعَمَشِ لَيْسَ بِخَارِقٍ، وَأَمَّا الْعَمَى فَالْأَبْلَغُ الْإِبْرَاءُ مِنْ عَمَى الْمَمْسُوحِ الْعَيْنِ.
رُوِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَرْضَى، مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَتَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ أَتَاهُ عِيسَى، وَمَا كَانَتْ مُدَاوَاتُهُ إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَحْدَهُ، وَخَصَّ بِالذِّكْرِ الْكَمَهَ وَالْبَرَصَ لأنهما داآن مُعْضِلَانِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِبْرَاءِ مِنْهُمَا، إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى زَمَانِ عِيسَى الطِّبَّ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ الْمُعْجِزَةَ فِي جِنْسِ عِلْمِهِمْ، كَمَا أَرَى قَوْمَ مُوسَى، إِذْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، الْمُعْجِزَةَ بِالْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَكَمَا أَرَى الْعَرَبَ، إِذْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاغَةَ، الْمُعْجِزَةَ بِالْقُرْآنِ.
رُوِيَ أَنَّ جَالِينُوسَ كَانَ فِي زَمَانِ عِيسَى، وَأَنَّهُ رَحَلَ إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ لِيَلْقَاهُ، فَمَاتَ في طريقه.
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ نَقَلَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ أَحْيَا أَرْبَعَةً: عَاذِرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَقَامَ مِنْ قَبْرِهِ يَقْطُرُ وَدَكُهُ، وَبَقِيَ إِلَى أَنْ ولد له. و: ابن الْعَجُوزِ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَنَزَلَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَبَقِيَ إِلَى أن ولد له، و: بنت العاشر، متعت بولدها بعد ما حَيِيَتْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ سَامَ بْنَ نُوحٍ لِيُخْبِرَهُمْ عَنْ حَالِ السَّفِينَةِ، فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ فَقَالَ: أَقَدْ قَامَتِ السَّاعَةُ؟ وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ، وَكَانَ شَابًّا ابْنَ خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ:
شَيَّبَنِي هَوْلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
165
وَرُوِيَ أَنَّهُ فِي إِحْيَائِهِ الْمَوْتَى كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْمَيِّتَ، أَوِ الْقَبْرَ، أَوِ الْجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الْإِنْسَانَ وَيُكَلِّمُهُ وَيَعِيشُ.
وَقِيلَ: تَمُوتُ سَرِيعًا.
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى خَرَجَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ حَوَارِيِّيهِ حَتَّى بَلَغَ الْأَنْدَلُسَ، وَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا طُولٌ، مَضْمُونُهَا: أَنَّهُ أَحْيَا بِهَا مَيِّتًا، وَسَأَلُوهُ فَإِذَا هُوَ مِنْ قَوْمِ عَادٍ.
وَوَرَدَتْ قَصَصٌ فِي إِحْيَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ عَلَى يَدِ عِيسَى، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِمَّا كَانَ يَدْعُو بِهَا إِذَا أَحْيَا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ السُّدِّيُّ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ عِيسَى مِنْ لَدُنْ طُفُولِيَّتِهِ، وَهُوَ فِي الْكُتَّابِ يُخْبِرُ الصِّبْيَانَ بِمَا يَفْعَلُ آبَاؤُهُمْ، وَبِمَا يَؤْكَلُ مِنَ الطَّعَامِ، وَمَا يُدَّخَرُ إِلَى أَنْ نبىء، وَيَقُولُ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَكَلْتَ البارحة هذا، وَادَّخَرْتَ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمَّا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى، طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً أُخْرَى، وَقَالُوا: أَخْبِرْنَا بِمَا نَأْكُلُ وَمَا نَدَّخِرُ لِلْغَدِ، فَأَخْبَرَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ ذَلِكَ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ، عَهِدَ إِلَيْهِمْ أَنْ يأكلوا منها ولا يخبأوا وَلَا يَدَّخِرُوا، فَخَالَفُوا، فَكَانَ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ بِمَا أَكَلُوهُ وَمَا ادَّخَرُوا فِي بُيُوتِهِمْ، وَعُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَتَى بِهَذِهِ الْخَوَارِقِ الْأَرْبَعِ مُصَدَّرَةً بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى التَّجَدُّدِ، وَالْحَالَةِ الدَّائِمَةِ:
وَبَدَأَ بِالْخَلْقِ إِذْ هُوَ أَعْظَمُ فِي الْإِعْجَازِ، وَثَنَى بِإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَأَتَى ثَالِثًا بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُوَ خَارِقٌ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَّرَ: بِإِذْنِ اللَّهِ، دَفْعًا لِمَنْ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ، وَكَانَ، بِإِذْنِ اللَّهِ، عَقِبَ قَوْلِهِ: أَنِّي أَخْلُقُ، وعطف عليه: وأبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: بِإِذْنِ اللَّهِ، اكْتِفَاءً بِهِ فِي الْخَارِقِ الْأَعْظَمِ، وَعَقَّبَ قَوْلَهُ: وَأُحْيِي الْمَوْتَى، بِقَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ: وَأُنَبِّئُكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، بِإِذْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ إِحْيَاءَ الْأَمْوَاتِ أَعْظَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَاكْتَفَى بِهِ فِي الْخَارِقِ الْأَعْظَمِ أَيْضًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَارِقَيْنِ الْأَعْظَمَيْنِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِالْأَوَّلِ إِذْ كُلُّ هَذِهِ الْخَوَارِقِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَ: مَا، فِي: مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ، مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقِيلَ:
مَصْدَرِيَّةٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَدَّخِرُونَ، بِدَالٍ مُشَدَّدَةٍ، وَأَصْلُهُ: اذْتَخَرَ، مِنَ الذُّخْرِ، أُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا، فَصَارَ: اذْدَخَرَ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الذَّالُ فِي الدَّالِ، فَقِيلَ: ادَّخَرَ، كَمَا قِيلَ: ادَّكَرَهُ. وَقَرَأَ
وَقِيلَ: تَمُوتُ سَرِيعًا.
وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى خَرَجَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ حَوَارِيِّيهِ حَتَّى بَلَغَ الْأَنْدَلُسَ، وَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا طُولٌ، مَضْمُونُهَا: أَنَّهُ أَحْيَا بِهَا مَيِّتًا، وَسَأَلُوهُ فَإِذَا هُوَ مِنْ قَوْمِ عَادٍ.
وَوَرَدَتْ قَصَصٌ فِي إِحْيَاءِ خَلْقٍ كَثِيرٍ عَلَى يَدِ عِيسَى، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِمَّا كَانَ يَدْعُو بِهَا إِذَا أَحْيَا، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا.
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ السُّدِّيُّ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ عِيسَى مِنْ لَدُنْ طُفُولِيَّتِهِ، وَهُوَ فِي الْكُتَّابِ يُخْبِرُ الصِّبْيَانَ بِمَا يَفْعَلُ آبَاؤُهُمْ، وَبِمَا يَؤْكَلُ مِنَ الطَّعَامِ، وَمَا يُدَّخَرُ إِلَى أَنْ نبىء، وَيَقُولُ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَكَلْتَ البارحة هذا، وَادَّخَرْتَ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمَّا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى، طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً أُخْرَى، وَقَالُوا: أَخْبِرْنَا بِمَا نَأْكُلُ وَمَا نَدَّخِرُ لِلْغَدِ، فَأَخْبَرَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ ذَلِكَ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ، عَهِدَ إِلَيْهِمْ أَنْ يأكلوا منها ولا يخبأوا وَلَا يَدَّخِرُوا، فَخَالَفُوا، فَكَانَ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ بِمَا أَكَلُوهُ وَمَا ادَّخَرُوا فِي بُيُوتِهِمْ، وَعُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَتَى بِهَذِهِ الْخَوَارِقِ الْأَرْبَعِ مُصَدَّرَةً بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى التَّجَدُّدِ، وَالْحَالَةِ الدَّائِمَةِ:
وَبَدَأَ بِالْخَلْقِ إِذْ هُوَ أَعْظَمُ فِي الْإِعْجَازِ، وَثَنَى بِإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَأَتَى ثَالِثًا بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَهُوَ خَارِقٌ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَّرَ: بِإِذْنِ اللَّهِ، دَفْعًا لِمَنْ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ، وَكَانَ، بِإِذْنِ اللَّهِ، عَقِبَ قَوْلِهِ: أَنِّي أَخْلُقُ، وعطف عليه: وأبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: بِإِذْنِ اللَّهِ، اكْتِفَاءً بِهِ فِي الْخَارِقِ الْأَعْظَمِ، وَعَقَّبَ قَوْلَهُ: وَأُحْيِي الْمَوْتَى، بِقَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ: وَأُنَبِّئُكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، بِإِذْنِ اللَّهِ، لِأَنَّ إِحْيَاءَ الْأَمْوَاتِ أَعْظَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، فَاكْتَفَى بِهِ فِي الْخَارِقِ الْأَعْظَمِ أَيْضًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَارِقَيْنِ الْأَعْظَمَيْنِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ فِيمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِالْأَوَّلِ إِذْ كُلُّ هَذِهِ الْخَوَارِقِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
وَ: مَا، فِي: مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ، مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقِيلَ:
مَصْدَرِيَّةٌ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَدَّخِرُونَ، بِدَالٍ مُشَدَّدَةٍ، وَأَصْلُهُ: اذْتَخَرَ، مِنَ الذُّخْرِ، أُبْدِلَتِ التَّاءُ دَالًا، فَصَارَ: اذْدَخَرَ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الذَّالُ فِي الدَّالِ، فَقِيلَ: ادَّخَرَ، كَمَا قِيلَ: ادَّكَرَهُ. وَقَرَأَ
166
مُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَأَبُو السَّمَّالِ: تَذْخَرُونَ، بِذَالٍ سَاكِنَةٍ وَخَاءٍ مَفْتُوحَةٍ. وَقَرَأَ أَبُو شُعَيْبٍ السُّوسِيُّ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَمَا تَذْدَخِرُونَ، بِذَالٍ سَاكِنَةٍ وَدَالٍ مَفْتُوحَةٍ مِنْ غَيْرِ إِدْغَامٍ، وَهَذَا الْفَكُّ جَائِزٌ. وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالْإِدْغَامِ أَجْوَدُ، وَيَجُوزُ جَعْلُ الدَّالِ ذَالًا، وَالْإِدْغَامُ فَتَقُولُ: اذَّخَرَ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ عِيسَى لِاحْتِفَافِهَا بِكَلَامِهِ مِنْ قَبْلِهَا وَمِنْ بَعْدِهَا، حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، اسْتِئْنَافٌ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيعُ، وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَعْلِ الطِّينِ طَائِرًا، وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِنْبَاءِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: آيات، عَلَى الْجَمْعِ، فَمَنْ أَفْرَدَ أَرَادَ الْجِنْسَ وَهُوَ صَالِحٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَيُعَيِّنُ الْمُرَادَ الْقَرَائِنُ: اللَّفْظِيَّةُ، وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَالْحَالِيَّةُ، وَمَنْ جَمَعَ فَعَلَى الْأَصْلِ، إِذْ هِيَ: آيَاتٌ، وَهِيَ: آيَةٌ فِي نَفْسِهَا، آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ حَتَّى يَتَّجِهَ التَّعْلِيقُ بِهَذَا الشرط، أَيْ: لَآيَةً نَافِعَةً هَادِئَةً لَكُمْ إِنْ آمَنْتُمْ، وَيَكُونَ خِطَابًا لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِمَنْ آمَنَ فَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّثْبِيتِ وَتَطْمِينِ النَّفْسِ وَهَزِّهَا. كَمَا تَقُولُ لِابْنِكَ: أَطِعْنِي إِنْ كُنْتَ ابْنِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ابْنُكَ، وَلَكِنْ تُرِيدُ أَنْ تَهُزَّهُ بِذِكْرِ مَا هُوَ مُحَقَّقٌ. ذَكَرَ مَا جُعِلَ مُعَلَّقًا بِهِ مَا قَبْلَهُ عَلَى سَبِيلِ أَنْ يَحْصُلَ.
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ عطف و: مصدقا، عَلَى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ إِذِ الْبَاءُ فِيهِ لِلْحَالِ، وَلَا تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، فَالْمَعْنَى: وَجِئْتُكُمْ مَصْحُوبًا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ. وَمَنَعُوا أَنْ يكون: ومصدقا، معطوفا على: رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا عَلَى: وَجِيهًا، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، غَائِبًا. فَكَانَ يَكُونُ:
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ: وَرَسُولًا، أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ:
وَأُرْسِلْتُ رَسُولًا، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ: وَمُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلَى: وَرَسُولًا. وَمَعْنَى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْرَاةِ الْإِيمَانُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ شَرِيعَتُهُ تُخَالِفُ فِي أَشْيَاءَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ يُسَّبِتُ وَيُسْتَقْبَلُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَحَلَّ لَهُمْ لُحُومَ الْإِبِلِ وَالشُّحُومَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَأَشْيَاءَ مِنَ السَّمَكِ وَمَا لَا ضَئْضَئَةَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ مُحَرَّمًا.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ عِيسَى لِاحْتِفَافِهَا بِكَلَامِهِ مِنْ قَبْلِهَا وَمِنْ بَعْدِهَا، حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، اسْتِئْنَافٌ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيعُ، وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَعْلِ الطِّينِ طَائِرًا، وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِنْبَاءِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: آيات، عَلَى الْجَمْعِ، فَمَنْ أَفْرَدَ أَرَادَ الْجِنْسَ وَهُوَ صَالِحٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَيُعَيِّنُ الْمُرَادَ الْقَرَائِنُ: اللَّفْظِيَّةُ، وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَالْحَالِيَّةُ، وَمَنْ جَمَعَ فَعَلَى الْأَصْلِ، إِذْ هِيَ: آيَاتٌ، وَهِيَ: آيَةٌ فِي نَفْسِهَا، آمَنُوا أَوْ كَفَرُوا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ حَتَّى يَتَّجِهَ التَّعْلِيقُ بِهَذَا الشرط، أَيْ: لَآيَةً نَافِعَةً هَادِئَةً لَكُمْ إِنْ آمَنْتُمْ، وَيَكُونَ خِطَابًا لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِمَنْ آمَنَ فَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّثْبِيتِ وَتَطْمِينِ النَّفْسِ وَهَزِّهَا. كَمَا تَقُولُ لِابْنِكَ: أَطِعْنِي إِنْ كُنْتَ ابْنِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ابْنُكَ، وَلَكِنْ تُرِيدُ أَنْ تَهُزَّهُ بِذِكْرِ مَا هُوَ مُحَقَّقٌ. ذَكَرَ مَا جُعِلَ مُعَلَّقًا بِهِ مَا قَبْلَهُ عَلَى سَبِيلِ أَنْ يَحْصُلَ.
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ عطف و: مصدقا، عَلَى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ إِذِ الْبَاءُ فِيهِ لِلْحَالِ، وَلَا تَكُونُ لِلتَّعْدِيَةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، فَالْمَعْنَى: وَجِئْتُكُمْ مَصْحُوبًا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ. وَمَنَعُوا أَنْ يكون: ومصدقا، معطوفا على: رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا عَلَى: وَجِيهًا، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، غَائِبًا. فَكَانَ يَكُونُ:
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ: وَرَسُولًا، أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ:
وَأُرْسِلْتُ رَسُولًا، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ: وَمُصَدِّقًا، مَعْطُوفًا عَلَى: وَرَسُولًا. وَمَعْنَى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْرَاةِ الْإِيمَانُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ شَرِيعَتُهُ تُخَالِفُ فِي أَشْيَاءَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ يُسَّبِتُ وَيُسْتَقْبَلُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ.
وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَحَلَّ لَهُمْ لُحُومَ الْإِبِلِ وَالشُّحُومَ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: وَأَشْيَاءَ مِنَ السَّمَكِ وَمَا لَا ضَئْضَئَةَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ مُحَرَّمًا.
167
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا حَرَّمَهُ الْأَحْبَارُ بَعْدَ مُوسَى وَشَرَّعُوهُ، فَكَأَنَّ عِيسَى رَدَّ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ إِلَى حَقَائِقِهَا الَّتِي نَزَلَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِحْلَالِهِ لَهُمُ السَّبْتَ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى: مَا، مِنْ قَوْلِهِ: لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، أَوْ يَعُودُ عَلَى: اللَّهِ، مُنْزِلِ التَّوْرَاةِ، أَوْ عَلَى: مُوسَى، صَاحِبِ التَّوْرَاةِ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ. وَقَرَأَ: حَرُمَ، بِوَزْنِ: كَرُمَ، إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْمُرَادُ بِبَعْضِ مَدْلُولِهَا الْمُتَعَارَفِ، وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَعْنَى كُلِّ خَطَأٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُحِلَّ لَهُمُ: الْقَتْلَ، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَنَّ: بَعْضًا، تَأْتِي بِمَعْنَى: كُلٍّ، بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ بَعْضًا عَلَى مَدْلُولِهِ، إِذْ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَهُوَ تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ:
لِصِحَّةِ التَّبْعِيضِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا دَبَّرَهُ الْأَحْدَاثُ يَكُونُ فِيهِ الْخَلَلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقُومُ:
بَعْضٌ، مَقَامَ: كُلٍّ إِلَّا إِذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
يُرِيدُ: بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ كُلِّهِ. انْتَهَى. وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ.
وَاللَّامُ فِي: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ، لَامُ كَيْ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُسَوِّغُ عَطْفَهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى، إِذِ الْمَعْنَى فِي: وَمُصَدِّقًا، أَيْ: لِأُصَدِّقَ مَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ. وَهَذَا هُوَ الْعَطْفُ عَلَى التَّوَهُّمِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ، لِأَنَّ مَعْقُولِيَّةَ الْحَالِ مُخَالِفَةٌ لِمَعْقُولِيَّةِ التَّعْلِيلِ، وَالْعَطْفُ عَلَى التَّوَهُّمِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُتَّحِدًا فِي الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ كَيْفَ اتَّحَدَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الصَّلَاحِيَةُ لِجَوَابِ التَّحْضِيضِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَيْفَ اتَّحَدَ مَعْنَى النَّفْيِ في قوله: لم يكثر، وَ: لَا، فِي قَوْلِهِ: ولا بحفلد؟ أَيْ: لَيْسَ بِمُكْثِرٍ وَلَا بحفلد. وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. وَقِيلَ: اللَّامُ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ الْوَاوِ يُفَسِّرُهُ
وَاخْتَلَفُوا فِي إِحْلَالِهِ لَهُمُ السَّبْتَ. وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى: مَا، مِنْ قَوْلِهِ: لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، أَوْ يَعُودُ عَلَى: اللَّهِ، مُنْزِلِ التَّوْرَاةِ، أَوْ عَلَى: مُوسَى، صَاحِبِ التَّوْرَاةِ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ. وَقَرَأَ: حَرُمَ، بِوَزْنِ: كَرُمَ، إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْمُرَادُ بِبَعْضِ مَدْلُولِهَا الْمُتَعَارَفِ، وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَعْنَى كُلِّ خَطَأٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُحِلَّ لَهُمُ: الْقَتْلَ، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَنَّ: بَعْضًا، تَأْتِي بِمَعْنَى: كُلٍّ، بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
| تَرَّاكُ أَمكِنَةً إِذَا لَمْ أَرْضَهَا | أَوْ تَرْتَبِطْ بَعْضَ النُفوسِ حِمَامُهَا |
| إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا الْأَحْدَاثُ دَبَّرَهَا | دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلَا |
بَعْضٌ، مَقَامَ: كُلٍّ إِلَّا إِذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
| أَبَا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فَاسْتَبْقِ بَعْضَنَا | حَنَانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ |
وَاللَّامُ فِي: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ، لَامُ كَيْ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُسَوِّغُ عَطْفَهُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَعْنَى، إِذِ الْمَعْنَى فِي: وَمُصَدِّقًا، أَيْ: لِأُصَدِّقَ مَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ. وَهَذَا هُوَ الْعَطْفُ عَلَى التَّوَهُّمِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ، لِأَنَّ مَعْقُولِيَّةَ الْحَالِ مُخَالِفَةٌ لِمَعْقُولِيَّةِ التَّعْلِيلِ، وَالْعَطْفُ عَلَى التَّوَهُّمِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُتَّحِدًا فِي الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ كَيْفَ اتَّحَدَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الصَّلَاحِيَةُ لِجَوَابِ التَّحْضِيضِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
| تَقِيٌّ نَقِيٌّ لَمْ يُكْثِرْ غَنِيمَةً | بِنَكْهَةِ ذِي قُرْبَى وَلَا بحفلد |
168
الْمَعْنَى: أَيْ وَجِئْتُكُمْ لِأُحِلَّ لَكُمْ. وَقِيلَ: تَتَعَلَّقُ اللَّامُ بِقَوْلِهِ: وَأَطِيعُونِ، وَالْمَعْنَى: وَاتَّبِعُونِ لِأُحِلَّ لَكُمْ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِأُخَفِّفَ عَنْكُمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِأُحِلَّ، رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ: جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، لِأَنَّ: بِآيَةٍ، فِي مَوْضِعِ حال، و: لأحل، تَعْلِيلٌ، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْحَرْفِ الْمُشْتَرِكِ فِي الْحُكْمِ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ فِي جِنْسِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَطَفْتَ عَلَى مَصْدَرٍ، أَوْ مَفْعُولٍ بِهِ، أَوْ ظَرْفٍ، أَوْ حَالٍ، أَوْ تَعْلِيلٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْطُوفِ.
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ لِلتَّأْسِيسِ لَا لِلتَّوْكِيدِ، لِقَوْلِهِ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ شَاهِدٌ عَلَى صِحَّةِ رِسَالَتِهِ، إِذْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كَانُوا عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَجُعِلَ هَذَا الْقَوْلُ آيَةً وَعَلَامَةً، لِأَنَّهُ رَسُولٌ كَسَائِرِ الرُّسُلِ، حَيْثُ هَدَاهُ لِلنَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْعَقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَكَسْرُ:
إِنَّ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّ: قَوْلًا، قَبْلَهَا مَحْذُوفٌ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ بَدَلٌ مِنَ الْآيَةِ، فَهُوَ مَعْمُولٌ لِلْبَدَلِ. وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ: أَنَّ، فَعَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ مِنْ: آيَةٍ، وَلَا تَكُونَ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ، بِالْكَسْرِ مُسْتَأْنَفَةً عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ إِضْمَارِ الْقَوْلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ جُمْلَةً اعْتِرَاضِيَّةً بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ.
وَقِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ هِيَ مُعْجِزَةٌ. وَفِي قَوْلِهِ: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ هِيَ الْآيَةُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، فَاخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الْمَجِيءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كُرِّرَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أَيْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرَى مِمَّا ذَكَرْتُ لَكُمْ مِنْ: خَلْقِ الطَّيْرِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِنْبَاءِ بِالْخَفِيَّاتِ، وَبِغَيْرِهِ مِنْ وِلَادَتِي مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَمِنْ كَلَامِي فِي الْمَهْدِ، وَسَائِرِ الْآيَاتِ. فَعَلَى هَذَا مَنْ كَسَرَ: إِنَّ، فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَمِنْ فَتَحَ فَقِيلَ التَّقْدِيرُ، لِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: فَاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ «١» ثم قال: لْيَعْبُدُوا
«٢» فَقَدَّمَ: أَنَّ، عَلَى عَامِلِهَا. وَمِنْ جَوَّزَ: أَنْ تَتَقَدَّمَ: أَنَّ، وَيَتَأَخَّرَ عَنْهَا الْعَامِلُ فِي نَحْوِ هَذَا غَيْرُ مُصِيبٍ، لَا يَجُوزُ: أَنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ عَرَفْتُ، نَصَّ على
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِأُحِلَّ، رَدٌّ عَلَى قَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ: جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، لِأَنَّ: بِآيَةٍ، فِي مَوْضِعِ حال، و: لأحل، تَعْلِيلٌ، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْحَرْفِ الْمُشْتَرِكِ فِي الْحُكْمِ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ فِي جِنْسِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَطَفْتَ عَلَى مَصْدَرٍ، أَوْ مَفْعُولٍ بِهِ، أَوْ ظَرْفٍ، أَوْ حَالٍ، أَوْ تَعْلِيلٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْطُوفِ.
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ لِلتَّأْسِيسِ لَا لِلتَّوْكِيدِ، لِقَوْلِهِ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ شَاهِدٌ عَلَى صِحَّةِ رِسَالَتِهِ، إِذْ جَمِيعُ الرُّسُلِ كَانُوا عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَجُعِلَ هَذَا الْقَوْلُ آيَةً وَعَلَامَةً، لِأَنَّهُ رَسُولٌ كَسَائِرِ الرُّسُلِ، حَيْثُ هَدَاهُ لِلنَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْعَقْلِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَكَسْرُ:
إِنَّ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّ: قَوْلًا، قَبْلَهَا مَحْذُوفٌ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ بَدَلٌ مِنَ الْآيَةِ، فَهُوَ مَعْمُولٌ لِلْبَدَلِ. وَمَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ: أَنَّ، فَعَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ مِنْ: آيَةٍ، وَلَا تَكُونَ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ، بِالْكَسْرِ مُسْتَأْنَفَةً عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ إِضْمَارِ الْقَوْلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ جُمْلَةً اعْتِرَاضِيَّةً بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ.
وَقِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ هِيَ مُعْجِزَةٌ. وَفِي قَوْلِهِ: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ هِيَ الْآيَةُ مِنَ الْإِنْجِيلِ، فَاخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُ الْمَجِيءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كُرِّرَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أَيْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرَى مِمَّا ذَكَرْتُ لَكُمْ مِنْ: خَلْقِ الطَّيْرِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِنْبَاءِ بِالْخَفِيَّاتِ، وَبِغَيْرِهِ مِنْ وِلَادَتِي مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَمِنْ كَلَامِي فِي الْمَهْدِ، وَسَائِرِ الْآيَاتِ. فَعَلَى هَذَا مَنْ كَسَرَ: إِنَّ، فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَمِنْ فَتَحَ فَقِيلَ التَّقْدِيرُ، لِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: فَاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ «١» ثم قال: لْيَعْبُدُوا
«٢» فَقَدَّمَ: أَنَّ، عَلَى عَامِلِهَا. وَمِنْ جَوَّزَ: أَنْ تَتَقَدَّمَ: أَنَّ، وَيَتَأَخَّرَ عَنْهَا الْعَامِلُ فِي نَحْوِ هَذَا غَيْرُ مُصِيبٍ، لَا يَجُوزُ: أَنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ عَرَفْتُ، نَصَّ على
(١) سورة قريش: ١٠٦/ ١.
(٢) سورة قريش: ١٠٦/ ٣.
(٢) سورة قريش: ١٠٦/ ٣.
169
ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ: أَطِيعُونِ لِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ. انْتَهَى. وَلَيْسَ قَوْلُهُ بِظَاهِرٍ.
وَالْأَمْرُ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ تَحْذِيرٌ وَدُعَاءٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ: تَظَاهَرَ بِالْحُجَجِ وَالْخَوَارِقِ فِي صِدْقِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي خِلَافِي، وَأَطِيعُونِ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي. وَقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى، وَأَطِيعُونِ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِي فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ.
وَتَكْرَارُ: رَبِّي وَرَبُّكُمْ، أَبْلَغُ فِي الْتِزَامِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: رَبُّنَا، وَأَدَلُّ عَلَى التَّبَرِّي مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ.
هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أَيْ: طَرِيقٌ وَاضِحٌ لِمَنْ يَسْلُكُهُ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَيْ إِفْرَادُ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، وَلَفْظُ الْعِبَادَةِ يَجْمَعُ الْإِيمَانَ وَالطَّاعَاتِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ ضُرُوبِ الفصاحة وَالْبَدِيعِ: إِسْنَادُ الْفِعْلِ لِلْآمِرِ بِهِ لَا لِفَاعِلِهِ، فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، إِذْ هُمُ الْمُشَافِهُونَ بِالْبِشَارَةِ، وَاللَّهُ الْآمِرُ بِهَا. وَمِثْلُهُ: نَادَى السُّلْطَانُ فِي الْبَلَدِ بِكَذَا، وَإِطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ على المسبب في قوله: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ: كَلِمَةٍ.
وَالِاحْتِرَاسُ: فِي قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، مِنْ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي حَالِ الطُّفُولَةِ لَا يَعِيشُ.
وَالْكِنَايَةُ: فِي قَوْلِهِ: ولم يمسسني بشر، كنى بِالْمَسِّ عَنِ الْوَطْءِ، كَمَا كَنَّى عَنْهُ:
بِالْحَرْثِ، وَاللِّبَاسِ، وَالْمُبَاشَرَةِ.
وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ. وَفِي أَنَّى يَكُونُ؟ وَالتَّكْرَارُ: فِي: جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ.
وَفِي: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ. وَفِي: الطَّيْرِ، وَفِي: بِإِذْنِ اللَّهِ، وَفِي: رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَفِي: مَا، فِي قَوْلِهِ: بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا.
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْجَمْعِ بِالْمُفْرَدِ فِي: الْآيَةِ، وَفِي: الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَفِي: إِذَا قَضَى أَمْرًا.
وَالْأَمْرُ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ تَحْذِيرٌ وَدُعَاءٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ: تَظَاهَرَ بِالْحُجَجِ وَالْخَوَارِقِ فِي صِدْقِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي خِلَافِي، وَأَطِيعُونِ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي. وَقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى، وَأَطِيعُونِ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِي فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ.
وَتَكْرَارُ: رَبِّي وَرَبُّكُمْ، أَبْلَغُ فِي الْتِزَامِ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: رَبُّنَا، وَأَدَلُّ عَلَى التَّبَرِّي مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ.
هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أَيْ: طَرِيقٌ وَاضِحٌ لِمَنْ يَسْلُكُهُ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَيْ إِفْرَادُ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، وَلَفْظُ الْعِبَادَةِ يَجْمَعُ الْإِيمَانَ وَالطَّاعَاتِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتُ مِنْ ضُرُوبِ الفصاحة وَالْبَدِيعِ: إِسْنَادُ الْفِعْلِ لِلْآمِرِ بِهِ لَا لِفَاعِلِهِ، فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، إِذْ هُمُ الْمُشَافِهُونَ بِالْبِشَارَةِ، وَاللَّهُ الْآمِرُ بِهَا. وَمِثْلُهُ: نَادَى السُّلْطَانُ فِي الْبَلَدِ بِكَذَا، وَإِطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ على المسبب في قوله: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ: كَلِمَةٍ.
وَالِاحْتِرَاسُ: فِي قَوْلِهِ: وَكَهْلًا، مِنْ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي حَالِ الطُّفُولَةِ لَا يَعِيشُ.
وَالْكِنَايَةُ: فِي قَوْلِهِ: ولم يمسسني بشر، كنى بِالْمَسِّ عَنِ الْوَطْءِ، كَمَا كَنَّى عَنْهُ:
بِالْحَرْثِ، وَاللِّبَاسِ، وَالْمُبَاشَرَةِ.
وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ. وَفِي أَنَّى يَكُونُ؟ وَالتَّكْرَارُ: فِي: جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ.
وَفِي: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ. وَفِي: الطَّيْرِ، وَفِي: بِإِذْنِ اللَّهِ، وَفِي: رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَفِي: مَا، فِي قَوْلِهِ: بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا.
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْجَمْعِ بِالْمُفْرَدِ فِي: الْآيَةِ، وَفِي: الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَفِي: إِذَا قَضَى أَمْرًا.
170
ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ
ﰳ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ
ﰴ
ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ
ﰵ
ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ
ﰶ
ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ
ﰷ
ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ
ﰸ
ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ
ﰹ
ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ
ﰺ
ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ
ﰻ
ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ
ﰼ
وَالطِّبَاقُ فِي: وَأُحْيِي الْمَوْتَى، وَفِي: لِأُحِلَّ وَحُرِّمَ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: وَنُعَلِّمُهُ فِيمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ. وَالتَّفْسِيرُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ فِي مَنْ قَالَ: الْكِتَابُ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
وَالْحَذْفُ في عدة مواضع.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٦١]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦)
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)
الْإِحْسَاسُ: الْإِدْرَاكُ بِبَعْضِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ. يُقَالُ: أَحْسَسْتُ الشَّيْءَ، وَحَسَسْتُ بِهِ. وَتُبْدَلُ سِينُهُ يَاءً فَيُقَالُ: حَسَيْتُ بِهِ، أَوْ تُحْذَفُ أُولَى سِينَيْهِ فِي أَحْسَسْتُ فَيَقُولُ: أَحَسْتُ. قَالَ:
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمَا شَذَّ مِنَ الْمُضَاعَفِ، يَعْنِي فِي الْحَذْفِ، فَشَبِيهٌ بِبَابِ: أَقَمْتُ، وذلك
وَالْحَذْفُ في عدة مواضع.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٦١]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦)
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)
الْإِحْسَاسُ: الْإِدْرَاكُ بِبَعْضِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ. يُقَالُ: أَحْسَسْتُ الشَّيْءَ، وَحَسَسْتُ بِهِ. وَتُبْدَلُ سِينُهُ يَاءً فَيُقَالُ: حَسَيْتُ بِهِ، أَوْ تُحْذَفُ أُولَى سِينَيْهِ فِي أَحْسَسْتُ فَيَقُولُ: أَحَسْتُ. قَالَ:
| سِوَى أَنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا | أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ |
171
قولهم: أحست وأحسن يُرِيدُونَ: أَحْسَسْتُ، وَأَحْسَسْنَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِكُلِّ بِنَاءٍ تُبْنَى لَامُ الْفِعْلِ فِيهِ عَلَى السُّكُونِ وَلَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْحَرَكَةُ، فَإِذَا قُلْتَ لَمْ أُحِسَّ لَمْ تُحْذَفْ.
الْحَوَارِيُّ: صَفْوَةُ الرَّجُلِ وَخَاصَّتُهُ. وَمِنْهُ قِيلَ: الْحَضَرِيَّاتُ الْحَوَارِيَّاتُ لِخُلُوصِ أَلْوَانِهِنَّ وَنَظَافَتِهِنَّ. قَالَ أَبُو جلدة اليشكري:
وَمِثْلُهُ فِي الوزن: الحوالي، للكثير الحيل، وَلَيْسَتِ الْيَاءُ فِيهِمَا لِلنَّسَبِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ:
الْحَوَرِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ. حَوَّرْتُ الثَّوْبَ بَيَّضْتُهُ.
الْمَكْرُ: الْخِدَاعُ وَالْخُبْثُ وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، يُقَالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إِذَا أَظْلَمَ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْمَكْرِ، وَهُوَ شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، فَكَانَ الْمَمْكُورُ بِهِ يَلْتَفُّ بِهِ الْمَكْرُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مَمْكُورَةٌ إِذَا كَانَتْ مُلْتَفَّةَ الْخَلْقِ. وَالْمَكْرُ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ.
تَعَالَى: تَفَاعَلَ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ فِعْلٌ، لِاتِّصَالِ الضَّمَائِرِ الْمَرْفُوعَةِ بِهِ، وَمَعْنَاهُ: اسْتِدْعَاءُ الْمَدْعُوِّ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانِ دَاعِيهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ قُصِدَ بِهَا أَوَّلًا تَحْسِينُ الْأَدَبِ مَعَ الْمَدْعُوِّ، ثُمَّ اطُّرِدَتْ حَتَّى يَقُولَهَا الْإِنْسَانُ لِعَدُوِّهِ وَلِبَهِيمَتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الِابْتِهَالُ: قَوْلُهُ بَهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِ، وَالْبَهْلَةُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: اللَّعْنَةُ، وَيُقَالُ بَهَلَهُ اللَّهُ: لَعَنَهُ وَأَبْعَدَهُ، مِنْ قَوْلِكَ أَبْهَلَهُ إِذَا أَهْمَلَهُ، وَنَاقَةٌ بَاهِلَةٌ لَا ضِرَارَ عَلَيْهَا، وَأَصْلُ الِابْتِهَالِ هَذَا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْتِعَانًا. وَقَالَ لَبِيدٌ:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ تَقَدَّمَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ الْكَلَامِ، وَهَلِ الْحَذْفُ بَعْدَ قَوْلِهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ «١» أَوْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ «٢» وَذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ «٣».
قَالَ مُقَاتِلٌ: أَحَسَّ، هُنَا رَأَى مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ أَوِ الْقَلْبِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَحَسَّ وَجَدَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ. وَقِيلَ: عَلِمَ. وَقِيلَ: خَافَ.
وَالْكُفْرُ: هُنَا جُحُودُ نُبُوَّتِهِ وَإِنْكَارُ مُعْجِزَاتِهِ، و: منهم، متعلق بأحس. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حالا من الكفر.
الْحَوَارِيُّ: صَفْوَةُ الرَّجُلِ وَخَاصَّتُهُ. وَمِنْهُ قِيلَ: الْحَضَرِيَّاتُ الْحَوَارِيَّاتُ لِخُلُوصِ أَلْوَانِهِنَّ وَنَظَافَتِهِنَّ. قَالَ أَبُو جلدة اليشكري:
| فقل للحواريات يبكين غَيْرَنَا | وَلَا تُبْكِنَا إِلَّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ |
الْحَوَرِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ. حَوَّرْتُ الثَّوْبَ بَيَّضْتُهُ.
الْمَكْرُ: الْخِدَاعُ وَالْخُبْثُ وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، يُقَالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إِذَا أَظْلَمَ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْمَكْرِ، وَهُوَ شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، فَكَانَ الْمَمْكُورُ بِهِ يَلْتَفُّ بِهِ الْمَكْرُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مَمْكُورَةٌ إِذَا كَانَتْ مُلْتَفَّةَ الْخَلْقِ. وَالْمَكْرُ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ.
تَعَالَى: تَفَاعَلَ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ فِعْلٌ، لِاتِّصَالِ الضَّمَائِرِ الْمَرْفُوعَةِ بِهِ، وَمَعْنَاهُ: اسْتِدْعَاءُ الْمَدْعُوِّ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانِ دَاعِيهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ قُصِدَ بِهَا أَوَّلًا تَحْسِينُ الْأَدَبِ مَعَ الْمَدْعُوِّ، ثُمَّ اطُّرِدَتْ حَتَّى يَقُولَهَا الْإِنْسَانُ لِعَدُوِّهِ وَلِبَهِيمَتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الِابْتِهَالُ: قَوْلُهُ بَهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِ، وَالْبَهْلَةُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: اللَّعْنَةُ، وَيُقَالُ بَهَلَهُ اللَّهُ: لَعَنَهُ وَأَبْعَدَهُ، مِنْ قَوْلِكَ أَبْهَلَهُ إِذَا أَهْمَلَهُ، وَنَاقَةٌ بَاهِلَةٌ لَا ضِرَارَ عَلَيْهَا، وَأَصْلُ الِابْتِهَالِ هَذَا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْتِعَانًا. وَقَالَ لَبِيدٌ:
| مِنْ قُرُومِ سَادَةٍ مِنْ قَوْمِهِمْ | نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلْ |
قَالَ مُقَاتِلٌ: أَحَسَّ، هُنَا رَأَى مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ أَوِ الْقَلْبِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَحَسَّ وَجَدَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ. وَقِيلَ: عَلِمَ. وَقِيلَ: خَافَ.
وَالْكُفْرُ: هُنَا جُحُودُ نُبُوَّتِهِ وَإِنْكَارُ مُعْجِزَاتِهِ، و: منهم، متعلق بأحس. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حالا من الكفر.
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٥١.
(٣- ٢) سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ٣/ ٤٩.
(٣- ٢) سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ٣/ ٤٩.
172
قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ استنصر عليهم، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ:
إِنَّهُ اسْتَنْصَرَ لَمَّا كَفَرُوا بِهِ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ قَرْيَتِهِمْ. وَقِيلَ: اسْتَنْصَرَهُمْ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ.
قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ عِيسَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَوْدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَمَعَ الْحَوَارِيِّينَ الِاثْنَى عَشَرَ، وَبَثَّهُمْ فِي الْآفَاقِ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ بَعِيدٌ جِدًّا، لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، بَلِ الْمَنْقُولِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: مَنْ أَعْوَانِي مَعَ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ أَنْصَارِي فِي السَّبِيلِ إِلَى الله. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ مَعْنَى: إِلَى اللَّهِ: لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ «١» أَيْ لِلْحَقِّ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْصُرُنِي إِلَى نَصْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْقَطِعُ مَعِي إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْصُرُنِي إِلَى أَنْ أُبَيِّنَ أَمْرَ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ أَعْوَانِي فِي ذَاتِ اللَّهِ؟ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ. عِبَارَةٌ عَنْ حَالِ عِيسَى فِي طَلَبِهِ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ، وَيُؤْمِنُ بِالشَّرْعِ وَيَحْمِيهِ، كَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلْأَحْيَاءِ فِي الْمَوَاسِمِ. انْتَهَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِلَى اللَّهِ مِنْ صِلَةِ أَنْصَارِي مُضَمَّنًا مَعْنَى الْإِضَافَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى اللَّهِ يَنْصُرُونَنِي كَمَا يَنْصُرُنِي؟ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنَ الْيَاءِ، أَيْ:
مَنْ أَنْصَارِي ذَاهِبًا إِلَى اللَّهِ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ؟ انْتَهَى.
قالَ الْحَوارِيُّونَ أَيْ أَصْفِيَاءُ عِيسَى. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَوْ: خَوَاصُّهُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ.
أَوِ: الْبِيضُ الثِّيَابِ، رَوَاهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَوِ: الْقَصَّارُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُجَوِّدُونَ الثِّيَابَ، أَيْ يُبَيِّضُونَهَا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلٌ. أَوِ: الْمُجَاهِدُونَ، أَوِ: الصَّيَّادُونَ، قَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَا تَمْشُونَ مَعِي تَصْطَادُونَ النَّاسَ لِلَّهِ؟ فَأَجَابُوا. قَالَ مُصْعَبٌ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَسِيحُونَ مَعَهُ، يَخْرُجُ لَهُمْ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالُوا: مَنْ أَفْضَلُ مِنَّا؟ نَأْكُلُ مِنْ أَيْنَ شِئْنَا. فَقَالَ عِيسَى: مَنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ؟ وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ؟
فَصَارُوا قَصَّارِينَ وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْحَوَارِيُّونَ: الْمُلُوكُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو أَرْطَاةَ:
الْغَسَّالُونَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْحَوَارُ النُّورُ، وَنُسِبُوا إِلَيْهِ لِمَا كَانَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ سِيمَا الْعِبَادَةِ وَنُورِهَا. وَقَالَ تَاجُ القراء: الحواري: الصديق.
إِنَّهُ اسْتَنْصَرَ لَمَّا كَفَرُوا بِهِ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ قَرْيَتِهِمْ. وَقِيلَ: اسْتَنْصَرَهُمْ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ.
قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ عِيسَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَوْدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَمَعَ الْحَوَارِيِّينَ الِاثْنَى عَشَرَ، وَبَثَّهُمْ فِي الْآفَاقِ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ بَعِيدٌ جِدًّا، لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، بَلِ الْمَنْقُولِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: مَنْ أَعْوَانِي مَعَ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ أَنْصَارِي فِي السَّبِيلِ إِلَى الله. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ مَعْنَى: إِلَى اللَّهِ: لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ «١» أَيْ لِلْحَقِّ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْصُرُنِي إِلَى نَصْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْقَطِعُ مَعِي إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْصُرُنِي إِلَى أَنْ أُبَيِّنَ أَمْرَ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ أَعْوَانِي فِي ذَاتِ اللَّهِ؟ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ. عِبَارَةٌ عَنْ حَالِ عِيسَى فِي طَلَبِهِ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ، وَيُؤْمِنُ بِالشَّرْعِ وَيَحْمِيهِ، كَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلْأَحْيَاءِ فِي الْمَوَاسِمِ. انْتَهَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِلَى اللَّهِ مِنْ صِلَةِ أَنْصَارِي مُضَمَّنًا مَعْنَى الْإِضَافَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى اللَّهِ يَنْصُرُونَنِي كَمَا يَنْصُرُنِي؟ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنَ الْيَاءِ، أَيْ:
مَنْ أَنْصَارِي ذَاهِبًا إِلَى اللَّهِ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ؟ انْتَهَى.
قالَ الْحَوارِيُّونَ أَيْ أَصْفِيَاءُ عِيسَى. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَوْ: خَوَاصُّهُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ.
أَوِ: الْبِيضُ الثِّيَابِ، رَوَاهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَوِ: الْقَصَّارُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُجَوِّدُونَ الثِّيَابَ، أَيْ يُبَيِّضُونَهَا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلٌ. أَوِ: الْمُجَاهِدُونَ، أَوِ: الصَّيَّادُونَ، قَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَا تَمْشُونَ مَعِي تَصْطَادُونَ النَّاسَ لِلَّهِ؟ فَأَجَابُوا. قَالَ مُصْعَبٌ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَسِيحُونَ مَعَهُ، يَخْرُجُ لَهُمْ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالُوا: مَنْ أَفْضَلُ مِنَّا؟ نَأْكُلُ مِنْ أَيْنَ شِئْنَا. فَقَالَ عِيسَى: مَنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ؟ وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ؟
فَصَارُوا قَصَّارِينَ وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْحَوَارِيُّونَ: الْمُلُوكُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو أَرْطَاةَ:
الْغَسَّالُونَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْحَوَارُ النُّورُ، وَنُسِبُوا إِلَيْهِ لِمَا كَانَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ سِيمَا الْعِبَادَةِ وَنُورِهَا. وَقَالَ تَاجُ القراء: الحواري: الصديق.
(١) سورة يونس: ١٠/ ٣٥ والأحقاف: ٤٦/ ٣٠.
173
قِيلَ: لَمَّا أَرَاهُمُ الْآيَاتِ وَضَعَ لَهُمْ أَلْوَانًا شَتَّى مِنْ حَبٍّ وَاحِدٍ آمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: الْحَوَارِيُّونَ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَالْعَرَبُ تَسْتَثْقِلُ ضَمَّةَ الْيَاءِ الْمَكْسُورَ مَا قَبْلَهَا فِي مِثْلِ: الْقَاضِيُونَ، فَتَنْقِلُ الضَّمَّةَ إِلَى مَا قَبْلَهَا وَتَحْذِفُ الْيَاءَ لِالْتِقَائِهَا سَاكِنَةً مَعَ السَّاكِنِ بَعْدَهَا، فَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: الْحَوَارُونَ، لَكِنْ أُقِرَّتِ الضَّمَّةُ وَلَمْ تَنْقُلْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ التَّشْدِيدَ مُرَادٌ، إِذِ التَّشْدِيدُ يَحْتَمِلُ الضَّمَّةَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَخْفَشُ فِي: يَسْتَهْزِئُونَ، إِذْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ يَاءً، وَحَمَلَتِ الضَّمَّةَ تَذَكُّرًا لِحَالِ الْهَمْزَةِ الْمُرَادِ فِيهَا.
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أَيْ: أَنْصَارُ دِينِهِ وَشَرْعِهِ. وَالدَّاعِي إِلَيْهِ.
آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ أَنْصَارُ الله ذكروا مستندا لِإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّ انْقِيَادَ الْجَوَارِحِ تَابِعَةٌ لِانْقِيَادِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ، وَالرُّسُلُ تَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْمِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ كَمَا بَرَّأَ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا «١» الْآيَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: وَاشْهَدْ، خِطَابًا لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ: وَاشْهَدْ يَا رَبَّنَا، وَفِي هَذَا تَوْبِيخٌ لِنَصَارَى نَجْرَانَ، إِذْ حَكَى اللَّهُ مقالة أسلافهم المؤمنين لعيسى، فَلَيْسَ كَمَقَالِهِمْ فِيهِ، وَدَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ لَهُ.
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أَيْ: مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِكَ، أَوْ: بِمَا أَنْزَلْتَ مِنْ كَلَامِكَ عَلَى الرُّسُلِ أَوْ بِالْإِنْجِيلِ.
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ هُوَ: عِيسَى عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ هُمْ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّتُهُ، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْهَدُ لَهُمْ بِالصِّدْقِ. رَوَى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ: مَنْ آمَنَ قَبْلَهُمْ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس. أو: الْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ. أَوِ: الصَّادِقُونَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. أَوِ: الشَّاهِدُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالتَّصْدِيقِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. أَوِ: الشَّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أَوِ: الشَّاهِدُونَ بِالْحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا فِي أَنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي عِدَادِ الشَّاهِدِينَ بِالْحَقِّ مِنْ مُؤْمِنِي الْأُمَمِ، وَعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ الله ذلك لهم بِلَفْظِ: فَاكْتُبْنَا، إِذْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ تُقَيِّدُ وَتَضْبُطُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِهِ وَعِلْمِهِ في ثاني حال.
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أَيْ: أَنْصَارُ دِينِهِ وَشَرْعِهِ. وَالدَّاعِي إِلَيْهِ.
آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ أَنْصَارُ الله ذكروا مستندا لِإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّ انْقِيَادَ الْجَوَارِحِ تَابِعَةٌ لِانْقِيَادِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ، وَالرُّسُلُ تَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْمِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ كَمَا بَرَّأَ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا «١» الْآيَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: وَاشْهَدْ، خِطَابًا لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ: وَاشْهَدْ يَا رَبَّنَا، وَفِي هَذَا تَوْبِيخٌ لِنَصَارَى نَجْرَانَ، إِذْ حَكَى اللَّهُ مقالة أسلافهم المؤمنين لعيسى، فَلَيْسَ كَمَقَالِهِمْ فِيهِ، وَدَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ لَهُ.
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أَيْ: مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِكَ، أَوْ: بِمَا أَنْزَلْتَ مِنْ كَلَامِكَ عَلَى الرُّسُلِ أَوْ بِالْإِنْجِيلِ.
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ هُوَ: عِيسَى عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ هُمْ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّتُهُ، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْهَدُ لَهُمْ بِالصِّدْقِ. رَوَى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ: مَنْ آمَنَ قَبْلَهُمْ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس. أو: الْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ. أَوِ: الصَّادِقُونَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. أَوِ: الشَّاهِدُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالتَّصْدِيقِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. أَوِ: الشَّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أَوِ: الشَّاهِدُونَ بِالْحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا فِي أَنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي عِدَادِ الشَّاهِدِينَ بِالْحَقِّ مِنْ مُؤْمِنِي الْأُمَمِ، وَعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ الله ذلك لهم بِلَفْظِ: فَاكْتُبْنَا، إِذْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ تُقَيِّدُ وَتَضْبُطُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِهِ وَعِلْمِهِ في ثاني حال.
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٦٧.
174
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ الضَّمِيرُ فِي: مَكَرُوا، عَائِدٌ عَلَى مَنْ عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وَهُمْ: بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَمَكْرُهُمْ هُوَ احْتِيَالُهُمْ فِي قَتْلِ عِيسَى بِأَنْ وَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ وَحَصْرِ أَصْحَابِهِ فِي مَكَانٍ، وَرَوْمِهِمْ قَتْلَهُ وَإِلْقَاءِ الشَّبَهِ عَلَى رَجُلٍ، وَقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَصَلْبِهِ فِي مَكَانِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَكَرَ اللَّهُ مُجَازَاتِهِمْ عَلَى مَكْرِهِمْ سَمَّى ذَلِكَ مَكْرًا، لِأَنَّ الْمُجَازَاةَ لَهُمْ نَاشِئَةٌ عَنِ الْمَكْرِ، كَقَوْلِهِ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «١» وَقَوْلِهِ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ «٢» وَكَثِيرًا مَا تُسَمَّى الْعُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَاهُ.
وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هُوَ رَدُّهُمْ عَمَّا أَرَادُوا بِرَفْعِ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، وَإِلْقَاءِ شَبَهِهِ عَلَى مَنْ أَرَادَ اغْتِيَالَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ فَارِسٍ فَقَتَلُوهُمْ وَسَبَوْا ذَرَارِيهِمْ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْيَهُودَ غَزَوُا الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى، فَأَخَذُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وَكَانَ مَلِكُ الْيَهُودِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَنْقَذَهُمْ ثُمَّ غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَصَارَ نَصْرَانِيًّا، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ وَلِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ وَغَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلَى آخَرَ، وَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قريظة والنضير إِلَى الْحِجَازِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: وَدَبَّرُوا وَدَبَّرَ اللَّهُ، وَالْمَكْرُ لُطْفُ التَّدْبِيرِ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: الْمَكْرُ قَبِيحٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُزَاوَجَةِ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إِعْلَاءُ دِينِهِ وَقَهْرُهُمْ بِالذُّلِّ، وَمَكْرُهُمْ لُزُومُهُمْ إِبْطَالَ دِينِهِ. وَالْمَكْرُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاحْتِيَالِ فِي إِيصَالِ الشَّرِّ فِي خُفْيَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وَقِيلَ: الْمَكْرُ الْأَخْذُ بِالْغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وَسَأَلَ رَجُلٌ الْجُنَيْدَ، فَقَالَ:
كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ الْمَكْرَ وَقَدْ عَابَ بِهِ غَيْرَهُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَلَكِنْ أَنْشَدَنِي فُلَانٌ الظَّهْرَانِيُّ:
ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ.
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ مَعْنَاهُ أَيِ: الْمُجَازِينَ أَهْلِ الْخَيْرِ بِالْفَضْلِ وَأَهْلِ الْجَوْرِ
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وَهُمْ: بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَمَكْرُهُمْ هُوَ احْتِيَالُهُمْ فِي قَتْلِ عِيسَى بِأَنْ وَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ وَحَصْرِ أَصْحَابِهِ فِي مَكَانٍ، وَرَوْمِهِمْ قَتْلَهُ وَإِلْقَاءِ الشَّبَهِ عَلَى رَجُلٍ، وَقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَصَلْبِهِ فِي مَكَانِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَكَرَ اللَّهُ مُجَازَاتِهِمْ عَلَى مَكْرِهِمْ سَمَّى ذَلِكَ مَكْرًا، لِأَنَّ الْمُجَازَاةَ لَهُمْ نَاشِئَةٌ عَنِ الْمَكْرِ، كَقَوْلِهِ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «١» وَقَوْلِهِ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ «٢» وَكَثِيرًا مَا تُسَمَّى الْعُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَاهُ.
وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هُوَ رَدُّهُمْ عَمَّا أَرَادُوا بِرَفْعِ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، وَإِلْقَاءِ شَبَهِهِ عَلَى مَنْ أَرَادَ اغْتِيَالَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ فَارِسٍ فَقَتَلُوهُمْ وَسَبَوْا ذَرَارِيهِمْ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْيَهُودَ غَزَوُا الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى، فَأَخَذُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وَكَانَ مَلِكُ الْيَهُودِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَنْقَذَهُمْ ثُمَّ غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَصَارَ نَصْرَانِيًّا، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ وَلِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ وَغَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلَى آخَرَ، وَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قريظة والنضير إِلَى الْحِجَازِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: وَدَبَّرُوا وَدَبَّرَ اللَّهُ، وَالْمَكْرُ لُطْفُ التَّدْبِيرِ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: الْمَكْرُ قَبِيحٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُزَاوَجَةِ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إِعْلَاءُ دِينِهِ وَقَهْرُهُمْ بِالذُّلِّ، وَمَكْرُهُمْ لُزُومُهُمْ إِبْطَالَ دِينِهِ. وَالْمَكْرُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاحْتِيَالِ فِي إِيصَالِ الشَّرِّ فِي خُفْيَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وَقِيلَ: الْمَكْرُ الْأَخْذُ بِالْغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وَسَأَلَ رَجُلٌ الْجُنَيْدَ، فَقَالَ:
كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ الْمَكْرَ وَقَدْ عَابَ بِهِ غَيْرَهُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَلَكِنْ أَنْشَدَنِي فُلَانٌ الظَّهْرَانِيُّ:
| وَيُقَبِّحُ مَنْ سِوَاكَ الْفِعْلَ عِنْدِي | فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا |
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ مَعْنَاهُ أَيِ: الْمُجَازِينَ أَهْلِ الْخَيْرِ بِالْفَضْلِ وَأَهْلِ الْجَوْرِ
(١) سورة الشورى: ٤٢/ ٤٠.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٩٤.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٩٤.
175
بِالْعَدْلِ، لِأَنَّهُ فَاعِلُ حَقٍّ فِي ذَلِكَ، وَالْمَاكِرُ مِنَ الْبَشَرِ فَاعِلُ بَاطِلٍ فِي الْأَغْلَبِ، وَقَالَ تَعَالَى:
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا «١».
وَقِيلَ: خَيْرُ، هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هِيَ: كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا «٢» وَقَالَ حَسَّانَ.
فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَلَاغَةِ: الِاسْتِعَارَةُ فِي: أَحَسَّ، إِذْ لَا يُحِسُّ إِلَّا مَا كَانَ مُتَجَسَّدًا، وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ وَيُفْطَنُ بِهِ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ إِلَّا إِنْ كَانَ أَحَسَّ، بِمَعْنَى رَأَى، أَوْ بِمَعْنَى: سَمِعَ مِنْهُمْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ: أَحَسَّ، لَا اسْتِعَارَةَ فِيهِ، إِذْ يَكُونُ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، أَوْ بِحَاسَّةِ الْأُذُنِ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: أَحَسَّ مِنْهُمُ الْقَتْلَ، وَقَتْلُ نَبِيٍّ مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ الْكُفْرِ.
وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي: قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ وَالتَّكْرَارُ فِي:
مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، وَأَنْصَارُ اللَّهِ، وَآمَنَّا بِاللَّهِ، وَآمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ، وَالْمَاكِرِينَ، وَفِي هَذَا التَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ، وَالْمُغَايِرُ، وَالْحَذْفُ، فِي مَوَاضِعَ.
إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ الْعَامِلُ فِي: إِذْ، وَمَكَرَ اللَّهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، أَوِ:
اذْكُرْ، قَالَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ، أَوْ: خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، لِأَنَّ عِيسَى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قاله ابن عطية.
و: متوفيك، هِيَ وَفَاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ «٣» أَيْ: وَرَافِعُكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ، حَتَّى لَا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وَتَسْتَيْقِظَ وَأَنْتَ فِي السَّمَاءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أَوْ: وَفَاةُ مَوْتٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ وَهْبٌ: مَاتَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَرَفَعَهُ فِيهَا ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: سَبْعَ سَاعَاتٍ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ وَفَاةُ مَوْتٍ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى: مُتَوَفِّيكَ فِي آخِرِ أَمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وَقَتْلِكَ الدَّجَّالَ، وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا «١».
وَقِيلَ: خَيْرُ، هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هِيَ: كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا «٢» وَقَالَ حَسَّانَ.
فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَلَاغَةِ: الِاسْتِعَارَةُ فِي: أَحَسَّ، إِذْ لَا يُحِسُّ إِلَّا مَا كَانَ مُتَجَسَّدًا، وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ وَيُفْطَنُ بِهِ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ إِلَّا إِنْ كَانَ أَحَسَّ، بِمَعْنَى رَأَى، أَوْ بِمَعْنَى: سَمِعَ مِنْهُمْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ: أَحَسَّ، لَا اسْتِعَارَةَ فِيهِ، إِذْ يَكُونُ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، أَوْ بِحَاسَّةِ الْأُذُنِ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: أَحَسَّ مِنْهُمُ الْقَتْلَ، وَقَتْلُ نَبِيٍّ مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ الْكُفْرِ.
وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي: قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ وَالتَّكْرَارُ فِي:
مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، وَأَنْصَارُ اللَّهِ، وَآمَنَّا بِاللَّهِ، وَآمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ، وَالْمَاكِرِينَ، وَفِي هَذَا التَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ، وَالْمُغَايِرُ، وَالْحَذْفُ، فِي مَوَاضِعَ.
إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ الْعَامِلُ فِي: إِذْ، وَمَكَرَ اللَّهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، أَوِ:
اذْكُرْ، قَالَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ، أَوْ: خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، لِأَنَّ عِيسَى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قاله ابن عطية.
و: متوفيك، هِيَ وَفَاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ «٣» أَيْ: وَرَافِعُكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ، حَتَّى لَا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وَتَسْتَيْقِظَ وَأَنْتَ فِي السَّمَاءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أَوْ: وَفَاةُ مَوْتٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ وَهْبٌ: مَاتَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَرَفَعَهُ فِيهَا ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: سَبْعَ سَاعَاتٍ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ وَفَاةُ مَوْتٍ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى: مُتَوَفِّيكَ فِي آخِرِ أَمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وَقَتْلِكَ الدَّجَّالَ، وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
(١) سورة النساء: ٤/ ٨٤.
(٢) سورة الفرقان: ٢٥/ ٢٤.
(٣) سورة الأنعام: ٦/ ٦٠. [.....]
(٢) سورة الفرقان: ٢٥/ ٢٤.
(٣) سورة الأنعام: ٦/ ٦٠. [.....]
176
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْتَوْفِي أَجَلَكَ، وَمَعْنَاهُ أَيْ: عَاصِمُكَ مِنْ أَنْ يَقْتُلَكَ الْكُفَّارُ، وَمُؤَخِّرُكَ إِلَى أَجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، وَمُمِيتُكَ حَتْفَ أَنْفِكَ لَا قَتْلًا بِأَيْدِيِهِمْ. وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، ومطر الْوَرَّاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِنْ: تَوَفَّيْتُ مَالِي عَلَى فُلَانٍ إِذَا اسْتَوْفَيْتَهُ.
وَقِيلَ: أَجْعَلُكَ كَالْمُتَوَفَّى، لِأَنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وَقِيلَ: آخُذُكَ وَافِيًا بِرُوحِكَ وَبَدَنِكَ.
وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، وَيَضْعُفُ هَذَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ:
مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَوَاتِكَ.
قال ابن عطية: وأجمعت الْأُمَّةُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ:
«أَنَّ عِيسَى فِي السَّمَاءِ حَيٌّ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَفِيضُ الْعَدْلُ، وَتَظْهَرُ بِهِ الْمِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَحُجُّ الْبَيْتَ، وَيَعْتَمِرُ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً» وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. انْتَهَى.
وَرافِعُكَ إِلَيَّ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلُوٍّ و: إليّ، إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ. وَالْمَعْنَى:
إِلَى سَمَائِي وَمَقَرِّ مَلَائِكَتِي. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمُشَبِّهَةُ فِي ثُبُوتِ الْمَكَانِ لَهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: إِلَى مَكَانٍ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ فِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَا، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَلَّى الْمَخْلُوقُونَ فِيهَا الْأَحْكَامَ ظَاهِرًا.
وَقِيلَ: إِلَى مَحَلِّ ثَوَابِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَفْعُهُ إِلَى السَّمَاءِ، سَمَاءُ الدُّنْيَا، فَهُوَ فِيهَا يَسْبَحُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجَّالِ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قِيلَ: كَانَ عِيسَى عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ، وَهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسَى فَرَفَعَهُ اللَّهُ فِي هَرْوَلَتِهِ، وَعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِنْ شِعْرٍ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَ عِيسَى فِي بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسَى مِنَ الْبَيْتِ وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي شَبَهِ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ أَنَّ عِيسَى لَيْسَ فِي الْبَيْتِ، فَقَتَلُوهُ.
وَرَوَيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا وَنَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ صُحْبَةَ الْأَشْرَارِ وَخَلْطَةَ الْفُجَّارِ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الدَّنَسِ فِي الثَّوْبِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى يُخَلِّصُهُ
وَقِيلَ: أَجْعَلُكَ كَالْمُتَوَفَّى، لِأَنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وَقِيلَ: آخُذُكَ وَافِيًا بِرُوحِكَ وَبَدَنِكَ.
وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، وَيَضْعُفُ هَذَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ:
مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَوَاتِكَ.
قال ابن عطية: وأجمعت الْأُمَّةُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ:
«أَنَّ عِيسَى فِي السَّمَاءِ حَيٌّ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَفِيضُ الْعَدْلُ، وَتَظْهَرُ بِهِ الْمِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَحُجُّ الْبَيْتَ، وَيَعْتَمِرُ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً» وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. انْتَهَى.
وَرافِعُكَ إِلَيَّ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلُوٍّ و: إليّ، إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ. وَالْمَعْنَى:
إِلَى سَمَائِي وَمَقَرِّ مَلَائِكَتِي. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمُشَبِّهَةُ فِي ثُبُوتِ الْمَكَانِ لَهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: إِلَى مَكَانٍ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ فِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَا، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَلَّى الْمَخْلُوقُونَ فِيهَا الْأَحْكَامَ ظَاهِرًا.
وَقِيلَ: إِلَى مَحَلِّ ثَوَابِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَفْعُهُ إِلَى السَّمَاءِ، سَمَاءُ الدُّنْيَا، فَهُوَ فِيهَا يَسْبَحُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجَّالِ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قِيلَ: كَانَ عِيسَى عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ، وَهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسَى فَرَفَعَهُ اللَّهُ فِي هَرْوَلَتِهِ، وَعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِنْ شِعْرٍ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَ عِيسَى فِي بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسَى مِنَ الْبَيْتِ وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي شَبَهِ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ أَنَّ عِيسَى لَيْسَ فِي الْبَيْتِ، فَقَتَلُوهُ.
وَرَوَيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا وَنَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ صُحْبَةَ الْأَشْرَارِ وَخَلْطَةَ الْفُجَّارِ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الدَّنَسِ فِي الثَّوْبِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى يُخَلِّصُهُ
177
مِنْهُمْ، فَكَنَّى عَنْ إِخْرَاجِهِ مِنْهُمْ وَتَخْلِيصِهِ بِالتَّطْهِيرِ، وَأَتَى بِلَفْظِ الظَّاهِرِ لَا بِالضَّمِيرِ، وَهُوَ:
الَّذِينَ كَفَرُوا، إِشَارَةً إِلَى عِلَّةِ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ وَهُوَ الْكُفْرُ، كَمَا قَالَ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «١» وَكَمَا
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ»
فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الْإِيمَانَ.
وَقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِنْ أَذَى الْكَفَرَةِ. وَقِيلَ: مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَوَاحِشِ. وَقِيلَ: مِمَّا قَالُوهُ فِيكَ وَفِي أُمِّكَ. وَقِيلَ: وَمُطَهِّرُكَ أَيْ مُطَهِّرٌ بِكَ وَجْهَ النَّاسِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَوَاكَ، وَرَافِعُكَ إِلَيَّ عَنْ شَهَوَاتِكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكَانِيًّا وَإِنَّمَا هُوَ رِفْعَةُ الْمَحَلِّ، وَإِنْ كان قدر رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَطْهِيرُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ وَالتَّطْهِيرُ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخَاطَبِ، كَمَا أَنَّ الشُّهُودَ وَالْحُضُورَ وَاحِدٌ، وَفِي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. وَلِهَذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَذَكَرَ الْحُضُورَ وَالْإِحْضَارَ فِي الْكَافِرِينَ.
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ الْكَافُ: ضَمِيرُ عِيسَى كَالْكَافِ السَّابِقَةِ. وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ. انْتَهَى هَذَا الْقَوْلُ، وَلَا يَظْهَرُ. وَمَعْنَى اتَّبَعُوكَ: أَيْ فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. لِأَنَّهُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ.
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْلُونَهُمْ بِالْحُجَّةِ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ بِهَا وَبِالسَّيْفِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ فِي كَلَامِهِ.
فَالْفَوْقِيَّةُ هُنَا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: بِالْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ، فَلَا تَكُونُ لَهُمْ مَمْلَكةٌ كَمَا لِلنَّصَارَى. فَالْآيَةُ، عَلَى قَوْلِهِ، مُخْبِرَةٌ عَنْ إِذْلَالِ الْيَهُودِ وَعُقُوبَتِهِمْ بِأَنَّ النَّصَارَى فَوْقَهُمْ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ الْمُتَّبِعِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فضلية فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الْكُفَّارِ، بَلْ كَوْنُهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بِعُمُومِ الْمُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أمة محمد صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَصَّ عَلَيْهِ قتادة، وبعموم الكافرين.
الَّذِينَ كَفَرُوا، إِشَارَةً إِلَى عِلَّةِ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ وَهُوَ الْكُفْرُ، كَمَا قَالَ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «١» وَكَمَا
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ»
فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الْإِيمَانَ.
وَقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِنْ أَذَى الْكَفَرَةِ. وَقِيلَ: مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَوَاحِشِ. وَقِيلَ: مِمَّا قَالُوهُ فِيكَ وَفِي أُمِّكَ. وَقِيلَ: وَمُطَهِّرُكَ أَيْ مُطَهِّرٌ بِكَ وَجْهَ النَّاسِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَوَاكَ، وَرَافِعُكَ إِلَيَّ عَنْ شَهَوَاتِكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكَانِيًّا وَإِنَّمَا هُوَ رِفْعَةُ الْمَحَلِّ، وَإِنْ كان قدر رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَطْهِيرُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ وَالتَّطْهِيرُ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخَاطَبِ، كَمَا أَنَّ الشُّهُودَ وَالْحُضُورَ وَاحِدٌ، وَفِي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. وَلِهَذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَذَكَرَ الْحُضُورَ وَالْإِحْضَارَ فِي الْكَافِرِينَ.
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ الْكَافُ: ضَمِيرُ عِيسَى كَالْكَافِ السَّابِقَةِ. وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ. انْتَهَى هَذَا الْقَوْلُ، وَلَا يَظْهَرُ. وَمَعْنَى اتَّبَعُوكَ: أَيْ فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. لِأَنَّهُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ.
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْلُونَهُمْ بِالْحُجَّةِ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ بِهَا وَبِالسَّيْفِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ فِي كَلَامِهِ.
فَالْفَوْقِيَّةُ هُنَا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: بِالْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ، فَلَا تَكُونُ لَهُمْ مَمْلَكةٌ كَمَا لِلنَّصَارَى. فَالْآيَةُ، عَلَى قَوْلِهِ، مُخْبِرَةٌ عَنْ إِذْلَالِ الْيَهُودِ وَعُقُوبَتِهِمْ بِأَنَّ النَّصَارَى فَوْقَهُمْ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ الْمُتَّبِعِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فضلية فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الْكُفَّارِ، بَلْ كَوْنُهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بِعُمُومِ الْمُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أمة محمد صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَصَّ عَلَيْهِ قتادة، وبعموم الكافرين.
(١) سورة التوبة: ٩/ ٢٨.
178
وَالْآيَةُ تَقْتَضِي إِعْلَامَ عِيسَى أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ كَمَا يُحِبُّ هُمْ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ وَالْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَالْغَلَبَةِ، وَيَظْهَرُ من عِبَارَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ هُمْ فِي وَقْتِ اسْتِنْصَارِهِ، وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الْكَافِرِينَ لِأَنَّهُ شَرَّفَهُمْ، وَأَبْقَى لَهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ذِكْرًا، فَهُمْ فَوْقَهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، إِذْ هُمْ فِي الْغُرُفَاتِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ فِي الدَّرَكَاتِ.
وَتُلُخِّصَ مِنْ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مُتَّبِعِيهِ هُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَعَامًّا فِي الْكَافِرِينَ، أَوْ هُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي الِانْتِمَاءِ إِلَى شَرِيعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يتبعوها حقيقة، يكون الْكَافِرُونَ خَاصًّا بِالْيَهُودِ، أَوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الْحَوَارِيُّونَ، وَالْكَافِرُونَ: مَنْ كَفَرَ بِهِ. وَأَمَّا الْفَوْقِيَّةُ فَإِمَّا حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِمَّا مَجَازًا أَيْ: بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، فَيَكُونُ ذلك دينيا، و: إما بِالْعِزَّةِ وَالْغَلَبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وَإِمَّا بِهِمَا.
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ: إِلَى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي: فَوْقَ، وَهُوَ المفعول الثاني: لجاعل، إِذْ مَعْنَى جَاعِلُ هُنَا مُصَيِّرُ، فَالْمَعْنَى كَائِنِينَ فَوْقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْفَوْقِيَّةَ مَجَازٌ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وَهِيَ الْفَوْقِيَّةُ بِالْجَنَّةِ، فلا تتعلق: إلّا، بِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، بَلْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ: مُتَوَفِّيكَ، أَوْ مِنْ: رَافِعُكَ، أَوْ مِنْ:
مظهرك، إِذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، إِمَّا بِرَافِعُكَ أَوْ مُطَهِّرُكَ، فَظَاهَرٌ. وَإِمَّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْأَرْبَعَةُ تَرْتِيبُهَا فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، بَدَأَ أولا: بإخباره تعالى لعيسى أَنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْمَاكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ وَلَا تَوَصُّلٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثَانِيًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ وَسُكْنَاهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ وَعِبَادَتِهِ فِيهَا، وَطُولِ عُمْرِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. ثُمَّ ثَالِثًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمَانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وَحِينَ يُنْزِلُهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا فَهِيَ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أَنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الْكُفَّارِ أَوَّلًا وَآخِرًا. وَلَمَّا كَانَ التَّوَفِّي وَالرَّفْعُ كُلٌّ منهما خاص بزمان، بدىء بِهِمَا. وَلَمَّا كَانَ التَّطْهِيرُ عَامًّا يَشْمَلُ سَائِرَ الْأَزْمَانِ أُخِّرَ عَنْهُمَا، وَلَمَّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ الْبَشَائِرِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ أَوْصَافٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أَتْبَاعِهِ فَوْقَ كُلِّ كَافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، وَيُسَرَّ قَلْبُهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مِنِ اعْتِلَاءِ تَابِعِيهِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ أَوْصَافِ تَابِعِيهِ، تَأَخَّرَ عَنِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إِذِ الْبَدَاءَةُ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أَهَمُّ، ثُمَّ أَتْبَعَ بِهَذَا الْوَصْفِ
وَقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، إِذْ هُمْ فِي الْغُرُفَاتِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ فِي الدَّرَكَاتِ.
وَتُلُخِّصَ مِنْ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مُتَّبِعِيهِ هُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَعَامًّا فِي الْكَافِرِينَ، أَوْ هُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي الِانْتِمَاءِ إِلَى شَرِيعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يتبعوها حقيقة، يكون الْكَافِرُونَ خَاصًّا بِالْيَهُودِ، أَوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الْحَوَارِيُّونَ، وَالْكَافِرُونَ: مَنْ كَفَرَ بِهِ. وَأَمَّا الْفَوْقِيَّةُ فَإِمَّا حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِمَّا مَجَازًا أَيْ: بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، فَيَكُونُ ذلك دينيا، و: إما بِالْعِزَّةِ وَالْغَلَبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وَإِمَّا بِهِمَا.
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ: إِلَى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي: فَوْقَ، وَهُوَ المفعول الثاني: لجاعل، إِذْ مَعْنَى جَاعِلُ هُنَا مُصَيِّرُ، فَالْمَعْنَى كَائِنِينَ فَوْقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْفَوْقِيَّةَ مَجَازٌ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وَهِيَ الْفَوْقِيَّةُ بِالْجَنَّةِ، فلا تتعلق: إلّا، بِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، بَلْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ: مُتَوَفِّيكَ، أَوْ مِنْ: رَافِعُكَ، أَوْ مِنْ:
مظهرك، إِذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، إِمَّا بِرَافِعُكَ أَوْ مُطَهِّرُكَ، فَظَاهَرٌ. وَإِمَّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْأَرْبَعَةُ تَرْتِيبُهَا فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، بَدَأَ أولا: بإخباره تعالى لعيسى أَنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْمَاكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ وَلَا تَوَصُّلٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثَانِيًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ وَسُكْنَاهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ وَعِبَادَتِهِ فِيهَا، وَطُولِ عُمْرِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. ثُمَّ ثَالِثًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمَانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وَحِينَ يُنْزِلُهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا فَهِيَ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أَنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الْكُفَّارِ أَوَّلًا وَآخِرًا. وَلَمَّا كَانَ التَّوَفِّي وَالرَّفْعُ كُلٌّ منهما خاص بزمان، بدىء بِهِمَا. وَلَمَّا كَانَ التَّطْهِيرُ عَامًّا يَشْمَلُ سَائِرَ الْأَزْمَانِ أُخِّرَ عَنْهُمَا، وَلَمَّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ الْبَشَائِرِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ أَوْصَافٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أَتْبَاعِهِ فَوْقَ كُلِّ كَافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، وَيُسَرَّ قَلْبُهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مِنِ اعْتِلَاءِ تَابِعِيهِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ أَوْصَافِ تَابِعِيهِ، تَأَخَّرَ عَنِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إِذِ الْبَدَاءَةُ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أَهَمُّ، ثُمَّ أَتْبَعَ بِهَذَا الْوَصْفِ
179
الرَّابِعِ عَلَى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحَالِ تَابِعِيهِ فِي الدُّنْيَا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِمَا أُوتِيهِ، وَأُوتِيَ تَابِعُوهُ مِنَ الْخَيْرِ.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ هَذَا إِخْبَارٌ بِالْحَشْرِ وَالْبَعْثِ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ إِلَى حُكْمِي، وَهَذَا عِنْدِي مِنَ الِالْتِفَاتِ، لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ: وَهُمُ الْيَهُودُ، وَذِكْرَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ. وَأَعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذَكَرَ متبعيه الكافرين، فَلَوْ جَاءَ عَلَى نَمَطِ هَذَا السَّابِقِ لَكَانَ التَّرْكِيبُ:
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُهُمْ، وَلَكِنَّهُ الْتَفَتَ عَلَى سَبِيلِ الْخِطَابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الْإِخْبَارُ أَبْلَغَ فِي التَّهْدِيدِ، وَأَشَدَّ زَجْرًا لِمَنْ يَزْدَجِرُ.
ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إِلَيَّ، وَلَفْظَةَ: فَأَحْكُمُ، بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَاكِمَ هُنَاكَ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ، وَأَتَى بِالْحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ الْمَحْكُومَ بَيْنَهُمْ إِلَى: كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ، وَذَكَرَ جَزَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مرجعكم، الخطاب لعيسى، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامَةِ وَالْحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ اللَّفْظُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ لَا يَخُصُّ عِيسَى وَحْدَهُ، فَخَاطَبَهُ كَمَا يُخَاطِبُ الْجَمَاعَةَ، إِذْ هُوَ أَحَدُهَا، وَإِذْ هِيَ مُرَادَةٌ فِي الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الِالْتِفَاتِ كَمَا ذَكَرْتُهُ.
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، أَيْ: كَفَرُوا بِكَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ.
فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وُصِفَ الْعَذَابُ بِالشِّدَّةِ لِتَضَاعُفِهِ وَازْدِيَادِهِ. وَقِيلَ: لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.
فِي الدُّنْيا بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ وَالذُّلِّ، وَمَنْ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَهُوَ عَلَى وَجَلٍ، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَطْلُبُهُ.
وَالْآخِرَةِ بِعَذَابِ النَّارِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ تَعَالَى بِمَا يَفْعَلُ بِالْكَافِرِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فِي دُنْيَاهُ إِلَى آخِرِ أَمْرِهِ فِي عُقْبَاهُ.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ هَذَا إِخْبَارٌ بِالْحَشْرِ وَالْبَعْثِ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ إِلَى حُكْمِي، وَهَذَا عِنْدِي مِنَ الِالْتِفَاتِ، لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ: وَهُمُ الْيَهُودُ، وَذِكْرَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ. وَأَعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذَكَرَ متبعيه الكافرين، فَلَوْ جَاءَ عَلَى نَمَطِ هَذَا السَّابِقِ لَكَانَ التَّرْكِيبُ:
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُهُمْ، وَلَكِنَّهُ الْتَفَتَ عَلَى سَبِيلِ الْخِطَابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الْإِخْبَارُ أَبْلَغَ فِي التَّهْدِيدِ، وَأَشَدَّ زَجْرًا لِمَنْ يَزْدَجِرُ.
ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إِلَيَّ، وَلَفْظَةَ: فَأَحْكُمُ، بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَاكِمَ هُنَاكَ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ، وَأَتَى بِالْحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ الْمَحْكُومَ بَيْنَهُمْ إِلَى: كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ، وَذَكَرَ جَزَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مرجعكم، الخطاب لعيسى، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامَةِ وَالْحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ اللَّفْظُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ لَا يَخُصُّ عِيسَى وَحْدَهُ، فَخَاطَبَهُ كَمَا يُخَاطِبُ الْجَمَاعَةَ، إِذْ هُوَ أَحَدُهَا، وَإِذْ هِيَ مُرَادَةٌ فِي الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الِالْتِفَاتِ كَمَا ذَكَرْتُهُ.
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، أَيْ: كَفَرُوا بِكَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ.
فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وُصِفَ الْعَذَابُ بِالشِّدَّةِ لِتَضَاعُفِهِ وَازْدِيَادِهِ. وَقِيلَ: لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.
فِي الدُّنْيا بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ وَالذُّلِّ، وَمَنْ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَهُوَ عَلَى وَجَلٍ، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَطْلُبُهُ.
وَالْآخِرَةِ بِعَذَابِ النَّارِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ تَعَالَى بِمَا يَفْعَلُ بِالْكَافِرِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فِي دُنْيَاهُ إِلَى آخِرِ أَمْرِهِ فِي عُقْبَاهُ.
180
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ بَدَأَ أَوَّلًا بِقِسْمِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعَالَى بَيْنَهُمْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلْكَفَّارِ، وَالْإِخْبَارِ بِجَزَائِهِمْ، فَنَاسَبَتِ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ فِي الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِكَوْنِ الْكَلَامِ مَعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى وَرَامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أَتَى ثَانِيًا بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَّقَ هُنَاكَ الْعَذَابَ عَلَى مُجَرَّدِ الْكُفْرِ، وَهُنَا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الْأَجْرِ عَلَى الْإِيمَانِ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى دَرَجَةِ الْكَمَالِ فِي الْإِيمَانِ، وَدُعَاءً إِلَيْهَا.
وَالتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وَافِيًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَالْأُجُورُ: ثَوَابُ الْأَعْمَالِ، شَبَّهَهُ بِالْعَامِلِ الَّذِي يُوَفَّى أَجْرَهُ عِنْدَ تَمَامِ عَمَلِهِ. وَتَوْفِيَةُ الْأُجُورِ هِيَ: قَسْمُ الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا رَتَّبَهَا تَعَالَى، وَفِي الْآيَةِ قَبْلَهَا قَالَ: فَأُعَذِّبُهُمْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالْيَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ حفص، ورويس، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ وَالْخُرُوجِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ فِي الْفَصَاحَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظَّمِ شَأْنُهُ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْهَمْزَةِ كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ لِيُخَالِفَ فِي الْإِخْبَارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ بِالْكَافِرِ وَبِالْمُؤْمِنِ، كَمَا خَالَفَ فِي الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَامِلَ لِلصَّالِحَاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَنَاسَبَهُ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَجَازِيِّ بِنُونِ الْعَظَمَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، وَيَجُوزُ انْتِصَابُهُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ مَا بَعْدَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، كَقَوْلِهِ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «١» فِيمَنْ نَصَبَ الدَّالَ.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «٢» وَاحْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ، لِأَنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا تُخَالِفُ الْمُحِبَّةُ الْإِرَادَةَ إِذَا عُلِّقَتَا بِالْأَشْخَاصِ، فَيُقَالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، وَلَا يُقَالُ: أُرِيدُهُ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَهُمَا فِيهَا وَاحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لَا يُحِبُّ: لَا يُرِيدُ ظُلْمَ الظَّالِمِينَ، هَكَذَا قَرَّرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَعِنْدَ أصحابنا المحبة
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ بَدَأَ أَوَّلًا بِقِسْمِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعَالَى بَيْنَهُمْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلْكَفَّارِ، وَالْإِخْبَارِ بِجَزَائِهِمْ، فَنَاسَبَتِ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ فِي الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِكَوْنِ الْكَلَامِ مَعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى وَرَامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أَتَى ثَانِيًا بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَّقَ هُنَاكَ الْعَذَابَ عَلَى مُجَرَّدِ الْكُفْرِ، وَهُنَا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الْأَجْرِ عَلَى الْإِيمَانِ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى دَرَجَةِ الْكَمَالِ فِي الْإِيمَانِ، وَدُعَاءً إِلَيْهَا.
وَالتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وَافِيًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَالْأُجُورُ: ثَوَابُ الْأَعْمَالِ، شَبَّهَهُ بِالْعَامِلِ الَّذِي يُوَفَّى أَجْرَهُ عِنْدَ تَمَامِ عَمَلِهِ. وَتَوْفِيَةُ الْأُجُورِ هِيَ: قَسْمُ الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا رَتَّبَهَا تَعَالَى، وَفِي الْآيَةِ قَبْلَهَا قَالَ: فَأُعَذِّبُهُمْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالْيَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ حفص، ورويس، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ وَالْخُرُوجِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ فِي الْفَصَاحَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظَّمِ شَأْنُهُ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْهَمْزَةِ كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ لِيُخَالِفَ فِي الْإِخْبَارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ بِالْكَافِرِ وَبِالْمُؤْمِنِ، كَمَا خَالَفَ فِي الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَامِلَ لِلصَّالِحَاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَنَاسَبَهُ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَجَازِيِّ بِنُونِ الْعَظَمَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، وَيَجُوزُ انْتِصَابُهُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ مَا بَعْدَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، كَقَوْلِهِ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «١» فِيمَنْ نَصَبَ الدَّالَ.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «٢» وَاحْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ، لِأَنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا تُخَالِفُ الْمُحِبَّةُ الْإِرَادَةَ إِذَا عُلِّقَتَا بِالْأَشْخَاصِ، فَيُقَالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، وَلَا يُقَالُ: أُرِيدُهُ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَهُمَا فِيهَا وَاحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لَا يُحِبُّ: لَا يُرِيدُ ظُلْمَ الظَّالِمِينَ، هَكَذَا قَرَّرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَعِنْدَ أصحابنا المحبة
(١) سورة فصلت: ٤١/ ١٧.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٣٢.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٣٢.
181
عِبَارَةٌ عَنْ إِرَادَةِ إِيصَالِ الْخَيْرِ لَهُ، فَهُوَ تَعَالَى، وَإِنْ أَرَادَ كُفْرَ الْكَافِرِ، لَا يُرِيدُ إِيصَالَ الثَّوَابِ إِلَيْهِ.
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى وزكريا وغيرهما، و: نتلوه، نَسْرِدُهُ وَنَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَأَضَافَ التِّلَاوَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ هُوَ التَّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلَاوَةَ الْمَأْمُورِ تِلَاوَةَ الْآمِرِ، وَفِي: نَتْلُوهُ، الْتِفَاتٌ، لأن قبله ضمير غائب فِي قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّ، وَنَتْلُوهُ: مَعْنَاهُ تَلَوْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ «١» وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ظَاهِرُهُ مِنَ الْحَالِ، لِأَنَّ قِصَّةَ عِيسَى لَمْ يَفْرَغْ مِنْهَا، وَيَكُونُ: ذَلِكَ، بِمَعْنَى: هَذَا.
وَالْآيَاتُ هُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا آيَاتُ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُعْجِزَاتُ وَالْمُسْتَغْرَبَاتُ، أَيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الْغُيُوبِ مِنْ قِبَلِنَا، وَبِسَبَبِ تِلَاوَتِنَا، وَأَنْتَ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ وَلَا تَصْحَبُ أَهْلَ الْكِتَابِ، فَهِيَ آيَاتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْجُمْهُورُ: وَالذِّكْرُ:
الْقُرْآنُ وَالْحَكِيمُ أَيِ: الْحَاكِمُ، أَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَوَصَفَ بِصِفَةِ مَنْ هُوَ مِنْ سَبَبِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ: كَأَنَّهُ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لِأَنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ فِي تَأْلِيفِهِ وَنَظْمِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، أَحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الْخَلَلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ «٢» وَيَكُونُ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى: مُفْعَلٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ: أَعْقَدْتُ الْعَسَلَ فَهُوَ مُعْقَدٌ وَعَقِيدٌ، وَأَحْبَسْتُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ مُحْبَسٌ وَحَبِيسٌ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي مِنْهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ على الْأَنْبِيَاءِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ هَذِهِ الْقَصَصَ مِمَّا كُتِبَ هناك.
وَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأٌ، وَ: نتلوه، خبر و: من الْآيَاتِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْآيَاتِ. وَ: مِنْ، لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ هَذَا الْمَتْلُوَّ بَعْضُ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: مِنَ الْآيَاتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ تَعْدَادَ الْأَخْبَارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إِذَا كَانَ لِمُبْتَدَأٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ:
مِنَ، لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ أَنْ تَكُونَ: مِنْ، لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ هُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إِلَّا بِمَجَازٍ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ: مِنَ، الْبَيَانِيَّةِ بِالْمَوْصُولِ. وَلَوْ قُلْتَ: ذلك نتلوه
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى وزكريا وغيرهما، و: نتلوه، نَسْرِدُهُ وَنَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَأَضَافَ التِّلَاوَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ هُوَ التَّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلَاوَةَ الْمَأْمُورِ تِلَاوَةَ الْآمِرِ، وَفِي: نَتْلُوهُ، الْتِفَاتٌ، لأن قبله ضمير غائب فِي قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّ، وَنَتْلُوهُ: مَعْنَاهُ تَلَوْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ «١» وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ظَاهِرُهُ مِنَ الْحَالِ، لِأَنَّ قِصَّةَ عِيسَى لَمْ يَفْرَغْ مِنْهَا، وَيَكُونُ: ذَلِكَ، بِمَعْنَى: هَذَا.
وَالْآيَاتُ هُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا آيَاتُ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُعْجِزَاتُ وَالْمُسْتَغْرَبَاتُ، أَيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الْغُيُوبِ مِنْ قِبَلِنَا، وَبِسَبَبِ تِلَاوَتِنَا، وَأَنْتَ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ وَلَا تَصْحَبُ أَهْلَ الْكِتَابِ، فَهِيَ آيَاتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْجُمْهُورُ: وَالذِّكْرُ:
الْقُرْآنُ وَالْحَكِيمُ أَيِ: الْحَاكِمُ، أَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَوَصَفَ بِصِفَةِ مَنْ هُوَ مِنْ سَبَبِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ: كَأَنَّهُ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لِأَنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ فِي تَأْلِيفِهِ وَنَظْمِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، أَحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الْخَلَلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ «٢» وَيَكُونُ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى: مُفْعَلٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ: أَعْقَدْتُ الْعَسَلَ فَهُوَ مُعْقَدٌ وَعَقِيدٌ، وَأَحْبَسْتُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ مُحْبَسٌ وَحَبِيسٌ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي مِنْهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ على الْأَنْبِيَاءِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ هَذِهِ الْقَصَصَ مِمَّا كُتِبَ هناك.
وَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأٌ، وَ: نتلوه، خبر و: من الْآيَاتِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْآيَاتِ. وَ: مِنْ، لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ هَذَا الْمَتْلُوَّ بَعْضُ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: مِنَ الْآيَاتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ تَعْدَادَ الْأَخْبَارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إِذَا كَانَ لِمُبْتَدَأٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ:
مِنَ، لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ أَنْ تَكُونَ: مِنْ، لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ هُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إِلَّا بِمَجَازٍ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ: مِنَ، الْبَيَانِيَّةِ بِالْمَوْصُولِ. وَلَوْ قُلْتَ: ذلك نتلوه
(١- ٢) سورة البقرة: ٢/ ١٠٢.
182
عَلَيْكَ الَّذِي هُوَ الْآيَاتُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، لَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلٍ، لِأَنَّ هَذَا الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْ نَبَأِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ لَيْسَ هُوَ جَمِيعَ الْآيَاتِ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْآيَاتِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ الْآيَاتِ، وَالذِّكْرُ هُوَ الْآيَاتُ، وَالذِّكْرُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ: أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، أَيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَفْصَحُ لِأَنَّهُ عَرِيَ مِنْ مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلَى الِاشْتِغَالِ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أَفْصَحُ مِنْ: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا، وَعَلَى هَذَا الْإِعْرَابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ، لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، وَيَكُونُ: مِنَ الْآيَاتِ، حَالًا مِنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ فِي: نَتْلُوهُ.
وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، بمعنى: الذي، و: نتلوه، صلته. و: من الْآيَاتِ، الْخَبَرُ. وَقَالَهُ الزَّجَّاجُ قَبْلَهُ، وَهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ فِي أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، إِلَّا فِي: ذَا، وَحْدَهَا إِذَا سَبَقَهَا: مَا، الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ:
مَنِ، الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِاخْتِلَافٍ. وَتَقْرِيرُ هَذَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَجَوَّزُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً وَ: مِنَ الْآيَاتِ، خَبَرٌ. و: نتلوه، حَالٌ. وَأَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: الْأَمْرُ ذَلِكَ. و: نتلوه، حَالٌ.
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَاتِ، وَمَنْ جَعَلَهَا لِلْقَسَمِ وَجَوَابَ الْقَسَمِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى فَقَدْ أَبْعَدَ.
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ: جَادَلَ وَفْدُ نَجْرَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا، وَتَقُولُ: هُوَ، عَبْدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسَى، أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ». فَقَالُوا: فَهَلْ رَأَيْتَ بَشَرًا قَطُّ جَاءَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ أَوْ سَمِعْتَ بِهِ؟
فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ قَالُوا: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَرِنَا مِثْلَهُ! فَنَزَلَتْ.
وَرَوَيَ وَكِيعٌ عَنْ مُبَارَكٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: «كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: عِبَادَتُكُمَا
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ: أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، أَيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَفْصَحُ لِأَنَّهُ عَرِيَ مِنْ مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلَى الِاشْتِغَالِ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أَفْصَحُ مِنْ: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا، وَعَلَى هَذَا الْإِعْرَابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ، لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، وَيَكُونُ: مِنَ الْآيَاتِ، حَالًا مِنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ فِي: نَتْلُوهُ.
وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، بمعنى: الذي، و: نتلوه، صلته. و: من الْآيَاتِ، الْخَبَرُ. وَقَالَهُ الزَّجَّاجُ قَبْلَهُ، وَهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ فِي أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، إِلَّا فِي: ذَا، وَحْدَهَا إِذَا سَبَقَهَا: مَا، الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ:
مَنِ، الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِاخْتِلَافٍ. وَتَقْرِيرُ هَذَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَجَوَّزُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً وَ: مِنَ الْآيَاتِ، خَبَرٌ. و: نتلوه، حَالٌ. وَأَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: الْأَمْرُ ذَلِكَ. و: نتلوه، حَالٌ.
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَاتِ، وَمَنْ جَعَلَهَا لِلْقَسَمِ وَجَوَابَ الْقَسَمِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى فَقَدْ أَبْعَدَ.
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ: جَادَلَ وَفْدُ نَجْرَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا، وَتَقُولُ: هُوَ، عَبْدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسَى، أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ». فَقَالُوا: فَهَلْ رَأَيْتَ بَشَرًا قَطُّ جَاءَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ أَوْ سَمِعْتَ بِهِ؟
فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ قَالُوا: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَرِنَا مِثْلَهُ! فَنَزَلَتْ.
وَرَوَيَ وَكِيعٌ عَنْ مُبَارَكٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: «كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: عِبَادَتُكُمَا
183
الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ، وَقَوْلُكُمَا لِلَّهِ وَلَدٌ». قَالَا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ وَكَانَ لَا يَعْجَلُ حَتَّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأَنْزَلَ
إِنَّ مَثَلَ عِيسى وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي قَوْلِهِمْ:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا «١».
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ شَأْنَ عِيسَى وَحَالَهُ الْغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ الْمَثَلَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ. وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمَثَلُ هُنَا الصِّفَةُ: كَقَوْلِهِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ «٢» وَفِي هَذَا إِقْرَارُ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ آدَمَ عَلَى مَعْنَاهَا التَّشْبِيهِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَثَلَ هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَةِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا عِنْدِي خَطَأٌ وَضَعْفٌ فِي فَهْمِ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَنَّ الْمَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ وَالْعُقُولُ، مِنْ عِيسَى فَهُوَ كَالْمُتَصَوَّرِ مِنْ آدَمَ، إِذِ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ. وَكَذَلِكَ مَثَلُ الْجَنَّةِ «٣» عِبَارَةٌ عَنِ الْمُتَصَوَّرِ مِنْهَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ أَيْ إِذَا تُصُوِّرَ أَمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوَازُ أَمْرِ عِيسَى.
وَالْكَافُ فِي كَمَثَلِ آدَمَ اسْمٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلَامِهِ هَذَا، وَكَلَامِ مَنْ جَعَلَ الْمَثَلَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ. أَوْ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَفِي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسَى كَصِفَةِ آدَمَ كَلَامٌ مُطَّرِدٌ، عَلَى هَذَا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُفَسِّرِينَ، وَخَالَفَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ الْجَمِيعَ، وَقَالَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي اللُّغَةِ، إِنَّمَا الْمَثَلُ الشَّبَهُ.
عَلَى هَذَا تَدُورُ تَصَارِيفُ الْكَلِمَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَصْفِيَّةِ فِي التَّشَابُهِ. وَالْمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُهَا قَائِلُهَا لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِهَا الْأُمُورَ، وَيُقَابِلُ بِهَا الْأَحْوَالَ. انْتَهَى.
وَمَنْ جَعَلَ الْمَثَلَ هُنَا مُرَادِفًا لِلْمِثْلِ، كَالشَّبَهِ. وَالشِّبْهِ. قَالَ: جَمَعَ بَيْنَ أَدَاتَيْ تَشْبِيهٍ عَلَى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ خَطَرِهِ وَقَدْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: الْكَافُ زَائِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَثَلَ زَائِدَةٌ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْمِثْلَ هُنَا مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَقَالَ: الْعَرَبُ تَضْرِبُ الْأَمْثَالَ لِبَيَانِ مَا خَفِيَ مَعْنَاهُ وَدَقَّ إِيضَاحُهُ، لَمَّا خَفِيَ سِرُّ وِلَادَةِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي الْأَذْهَانِ. وَعُلِمَ أَنَّهُ أُوجِدَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، كَذَلِكَ خَلْقُ عِيسَى بِلَا أَبٍ، ولا بد
إِنَّ مَثَلَ عِيسى وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي قَوْلِهِمْ:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا «١».
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ شَأْنَ عِيسَى وَحَالَهُ الْغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ الْمَثَلَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ. وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمَثَلُ هُنَا الصِّفَةُ: كَقَوْلِهِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ «٢» وَفِي هَذَا إِقْرَارُ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ آدَمَ عَلَى مَعْنَاهَا التَّشْبِيهِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَثَلَ هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَةِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا عِنْدِي خَطَأٌ وَضَعْفٌ فِي فَهْمِ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَنَّ الْمَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ وَالْعُقُولُ، مِنْ عِيسَى فَهُوَ كَالْمُتَصَوَّرِ مِنْ آدَمَ، إِذِ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ. وَكَذَلِكَ مَثَلُ الْجَنَّةِ «٣» عِبَارَةٌ عَنِ الْمُتَصَوَّرِ مِنْهَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ أَيْ إِذَا تُصُوِّرَ أَمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوَازُ أَمْرِ عِيسَى.
وَالْكَافُ فِي كَمَثَلِ آدَمَ اسْمٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلَامِهِ هَذَا، وَكَلَامِ مَنْ جَعَلَ الْمَثَلَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ. أَوْ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَفِي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسَى كَصِفَةِ آدَمَ كَلَامٌ مُطَّرِدٌ، عَلَى هَذَا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُفَسِّرِينَ، وَخَالَفَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ الْجَمِيعَ، وَقَالَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي اللُّغَةِ، إِنَّمَا الْمَثَلُ الشَّبَهُ.
عَلَى هَذَا تَدُورُ تَصَارِيفُ الْكَلِمَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَصْفِيَّةِ فِي التَّشَابُهِ. وَالْمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُهَا قَائِلُهَا لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِهَا الْأُمُورَ، وَيُقَابِلُ بِهَا الْأَحْوَالَ. انْتَهَى.
وَمَنْ جَعَلَ الْمَثَلَ هُنَا مُرَادِفًا لِلْمِثْلِ، كَالشَّبَهِ. وَالشِّبْهِ. قَالَ: جَمَعَ بَيْنَ أَدَاتَيْ تَشْبِيهٍ عَلَى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ خَطَرِهِ وَقَدْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: الْكَافُ زَائِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَثَلَ زَائِدَةٌ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْمِثْلَ هُنَا مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَقَالَ: الْعَرَبُ تَضْرِبُ الْأَمْثَالَ لِبَيَانِ مَا خَفِيَ مَعْنَاهُ وَدَقَّ إِيضَاحُهُ، لَمَّا خَفِيَ سِرُّ وِلَادَةِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي الْأَذْهَانِ. وَعُلِمَ أَنَّهُ أُوجِدَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، كَذَلِكَ خَلْقُ عِيسَى بِلَا أَبٍ، ولا بد
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٧.
(٣- ٢) سورة الرعد: ١٣/ ٣٥ ومحمد: ٤٧/ ١٥.
(٣- ٢) سورة الرعد: ١٣/ ٣٥ ومحمد: ٤٧/ ١٥.
184
مِنْ مُشَارَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَ مَنْ ضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ، وَبَيْنَ مَنْ ضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ، مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ وُجُوهٍ لَا يُشْتَرَطُ الِاشْتِرَاكُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعيسى كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: المشاركة بين آدم وعيسى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَصْفًا: في التكوين، و: في الْخَلْقِ مِنَ الْعَنَاصِرِ الَّتِي رَكَّبَ اللَّهُ مِنْهَا الدُّنْيَا. وَفِي الْعُبُودِيَّةِ، وَفِي النُّبُوَّةِ. وَفِي الْمِحْنَةِ: عِيسَى بِالْيَهُودِ، وآدم بِإِبْلِيسَ، وَفِي:
أَكْلِهِمَا الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفِي الْفَقْرِ إِلَى اللَّهِ. وَفِي الصُّورَةِ، وَفِي الرَّفْعِ إِلَى السَّمَاءِ وَالْإِنْزَالِ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي الْإِلْهَامِ، عَطَسَ آدَمُ فَأُلْهِمَ، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأُلْهِمَ عِيسَى، حِينَ أُخْرِجَ مِنْ بَطْنِ أُمَّهِ فَقَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ «١» وَفِي الْعِلْمِ، قَالَ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ «٢» وَقَالَ: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ «٣» وَفِي نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمَا وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي «٤» فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا «٥» وَفِي الْمَوْتِ، وَفِي فَقْدِ الْأَبِ، وَمَعْنَى: عِنْدَ اللَّهِ أَيْ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَكَيْفَ هُوَ. أَيْ: هَكَذَا هُوَ الْأَمْرُ فِيمَا غَابَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَطَّلِعُوا عَلَى كُنْهِهِ.
وَالْعَامِلُ فِي: عِنْدَ، الْعَامِلُ فِي: كَافِ التَّشْبِيهِ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ هُوَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَهُمَا نَظِيرَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَوْجَدَهُ اللَّهُ خَارِجًا عَمَّا اسْتَقَرَّ وَاسْتَمَرَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مُتَوَلِّدًا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى «٦» وَالْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ أَغْرَبُ فِي الْعَادَةِ مِنْ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَشَبَّهَ الْغَرِيبَ بِالْأَغْرَبِ لِيَكُونَ أَقْطَعَ لِلْخَصْمِ وَأَحْسَمَ لِمَادَةِ شُبْهَتِهِ إِذَا نَظَرَ فِيمَا هُوَ أَغْرَبُ مِمَّا اسْتَغْرَبَهُ، وَأُسِرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالرُّومِ فَقَالَ لَهُمْ لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسَى؟ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ.
قَالَ: فَآدَمُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا أَبَوَيْنِ لَهُ. قَالُوا: كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: فَحِزْقِيلُ أَوْلَى لِأَنَّ عِيسَى أَحْيَا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَأَحْيَا حِزْقِيلُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. فقالوا: كان يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ. قَالَ:
فَجِرْجِيسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ طُحِنَ وَأُحْرِقَ، ثُمَّ قَامَ سَالِمًا. انْتَهَى.
وَصَحَّ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم ردّ عين قتادة بعد ما قُلِعَتْ، وَرَدَّ اللَّهُ نُورَهَا،
وَصَحَّ
أَنَّ أَعْمَى دَعَا لَهُ فَرَدَّ اللَّهُ لَهُ بصره.
أَكْلِهِمَا الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفِي الْفَقْرِ إِلَى اللَّهِ. وَفِي الصُّورَةِ، وَفِي الرَّفْعِ إِلَى السَّمَاءِ وَالْإِنْزَالِ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي الْإِلْهَامِ، عَطَسَ آدَمُ فَأُلْهِمَ، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأُلْهِمَ عِيسَى، حِينَ أُخْرِجَ مِنْ بَطْنِ أُمَّهِ فَقَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ «١» وَفِي الْعِلْمِ، قَالَ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ «٢» وَقَالَ: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ «٣» وَفِي نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمَا وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي «٤» فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا «٥» وَفِي الْمَوْتِ، وَفِي فَقْدِ الْأَبِ، وَمَعْنَى: عِنْدَ اللَّهِ أَيْ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَكَيْفَ هُوَ. أَيْ: هَكَذَا هُوَ الْأَمْرُ فِيمَا غَابَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَطَّلِعُوا عَلَى كُنْهِهِ.
وَالْعَامِلُ فِي: عِنْدَ، الْعَامِلُ فِي: كَافِ التَّشْبِيهِ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ هُوَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَهُمَا نَظِيرَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَوْجَدَهُ اللَّهُ خَارِجًا عَمَّا اسْتَقَرَّ وَاسْتَمَرَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مُتَوَلِّدًا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى «٦» وَالْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ أَغْرَبُ فِي الْعَادَةِ مِنْ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَشَبَّهَ الْغَرِيبَ بِالْأَغْرَبِ لِيَكُونَ أَقْطَعَ لِلْخَصْمِ وَأَحْسَمَ لِمَادَةِ شُبْهَتِهِ إِذَا نَظَرَ فِيمَا هُوَ أَغْرَبُ مِمَّا اسْتَغْرَبَهُ، وَأُسِرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالرُّومِ فَقَالَ لَهُمْ لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسَى؟ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ.
قَالَ: فَآدَمُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا أَبَوَيْنِ لَهُ. قَالُوا: كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: فَحِزْقِيلُ أَوْلَى لِأَنَّ عِيسَى أَحْيَا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَأَحْيَا حِزْقِيلُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. فقالوا: كان يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ. قَالَ:
فَجِرْجِيسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ طُحِنَ وَأُحْرِقَ، ثُمَّ قَامَ سَالِمًا. انْتَهَى.
وَصَحَّ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم ردّ عين قتادة بعد ما قُلِعَتْ، وَرَدَّ اللَّهُ نُورَهَا،
وَصَحَّ
أَنَّ أَعْمَى دَعَا لَهُ فَرَدَّ اللَّهُ لَهُ بصره.
(١) سورة مريم: ١٩/ ٣٠.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٣١.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٤٨.
(٤) سورة الحجر: ١٥/ ٢٩ وص: ٣٨/ ٧٢.
(٥) سورة الأنبياء: ٢١/ ٩١ والتحريم: ٦٦/ ١٢.
(٦) سورة الحجرات: ٤٩/ ١٣.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٣١.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٤٨.
(٤) سورة الحجر: ١٥/ ٢٩ وص: ٣٨/ ٧٢.
(٥) سورة الأنبياء: ٢١/ ٩١ والتحريم: ٦٦/ ١٢.
(٦) سورة الحجرات: ٤٩/ ١٣.
185
وَفِي حَدِيثِ الشَّابِّ الَّذِي أُتِيَ بِهِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ سِحْرِ السَّاحِرِ، فَتَرَكَ السَّاحِرَ وَدَخَلَ فِي دِينِ عِيسَى وتعبد به، فصار يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَفِيهِ أَنَّهُ دَعَا لِجَلِيسِ الْمَلِكِ وَابْنِ عَمِّهِ، وَكَانَ أَعْمَى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ هِيَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بَاسِمِ أَصْلِهِ. كقوله اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ «١» كَانَ تُرَابًا ثُمَّ صَارَ طِينًا وَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ. كَمَا قَالَ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «٢» وَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ «٣» وَقَالَ: قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً «٤».
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي: خَلَقَهُ، عَائِدٌ عَلَى آدَمَ، وَهَذِهِ الجملة تفسيرية لمثل آدَمَ، فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. وَقِيلَ: هِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقُدِّرَ مَعَ خَلَقَهُ مَقْدِرَةً، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ صِفَةً لِآدَمَ وَلَا حَالًا مِنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِذِ الْمَاضِي لَا يَكُونُ حَالًا أَنْتَ فِيهَا، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مَقْطُوعٌ مِنْهُ مُضَمِّنُهُ تَفْسِيرُ الْمَثَلِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَعْنَى: قَدَّرَهُ جَسَدًا مِنْ طِينٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أَيْ أَنْشَأَهُ بَشَرًا، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَسَبَقَهُ إِلَى مَعْنَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ، لَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ لِأَنَّ مَا خُلِقَ لَا يُقَالُ لَهُ: كُنْ، وَلَا يَنْشَأُ إِلَّا إِنْ كَانَ مَعْنَى ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ عِبَارَةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِمَعْنَى أَنْشَأَهُ لَا بِمَعْنَى قَدَّرَهُ. قِيلَ: أَوْ يَكُونَ: كُنْ، عِبَارَةً عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا وَدَمًا، وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ، حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ وَلَا قَوْلَ هُنَاكَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَكِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الْخَلْقِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إِيجَادِ مَا يُرِيدُ تَعَالَى إِيجَادَهُ، إِذِ الْمَعْدُومُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمَرَ.
وَ: ثُمَّ، قِيلَ لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُنْ، لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ خَلَقَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى تَفْسِيرٌ لِلْخَلْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ أَيْ: أَنْشَأَهُ أَوَّلًا مِنْ طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ أَوْجَدَ فِيهِ الرُّوحَ أن صَيَّرَهُ لَحْمًا وَدَمًا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَمَعْنَى: كُنْ. بَعْدَ: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ: كُنْ إِنْسَانًا حَيًّا نَاطِقًا، وَهُوَ لم
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ هِيَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بَاسِمِ أَصْلِهِ. كقوله اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ «١» كَانَ تُرَابًا ثُمَّ صَارَ طِينًا وَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ. كَمَا قَالَ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «٢» وَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ «٣» وَقَالَ: قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً «٤».
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي: خَلَقَهُ، عَائِدٌ عَلَى آدَمَ، وَهَذِهِ الجملة تفسيرية لمثل آدَمَ، فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. وَقِيلَ: هِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقُدِّرَ مَعَ خَلَقَهُ مَقْدِرَةً، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ صِفَةً لِآدَمَ وَلَا حَالًا مِنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِذِ الْمَاضِي لَا يَكُونُ حَالًا أَنْتَ فِيهَا، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مَقْطُوعٌ مِنْهُ مُضَمِّنُهُ تَفْسِيرُ الْمَثَلِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَعْنَى: قَدَّرَهُ جَسَدًا مِنْ طِينٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أَيْ أَنْشَأَهُ بَشَرًا، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَسَبَقَهُ إِلَى مَعْنَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ، لَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ لِأَنَّ مَا خُلِقَ لَا يُقَالُ لَهُ: كُنْ، وَلَا يَنْشَأُ إِلَّا إِنْ كَانَ مَعْنَى ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ عِبَارَةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِمَعْنَى أَنْشَأَهُ لَا بِمَعْنَى قَدَّرَهُ. قِيلَ: أَوْ يَكُونَ: كُنْ، عِبَارَةً عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا وَدَمًا، وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ، حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ وَلَا قَوْلَ هُنَاكَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَكِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الْخَلْقِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إِيجَادِ مَا يُرِيدُ تَعَالَى إِيجَادَهُ، إِذِ الْمَعْدُومُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمَرَ.
وَ: ثُمَّ، قِيلَ لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُنْ، لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ خَلَقَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى تَفْسِيرٌ لِلْخَلْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ أَيْ: أَنْشَأَهُ أَوَّلًا مِنْ طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ أَوْجَدَ فِيهِ الرُّوحَ أن صَيَّرَهُ لَحْمًا وَدَمًا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَمَعْنَى: كُنْ. بَعْدَ: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ: كُنْ إِنْسَانًا حَيًّا نَاطِقًا، وَهُوَ لم
(١) سورة فاطر: ٣٥/ ١١. وغافر: ٤٠/ ٦٧
(٢) سورة المؤمنون: ٢٣/ ١٢. [.....]
(٣) سورة ص: ٣٨/ ٧١.
(٤) سورة الإسراء: ١٧/ ٦١.
(٢) سورة المؤمنون: ٢٣/ ١٢. [.....]
(٣) سورة ص: ٣٨/ ٧١.
(٤) سورة الإسراء: ١٧/ ٦١.
186
يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ دَهْرًا مُلْقًى لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الرُّوحَ. وَقَوْلُهُ: كُنْ عِبَارَةٌ عَنْ إِيجَادِ الصُّورَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا. انْتَهَى.
وَالضَّمِيرُ فِي: لَهُ، عَائِدٌ عَلَى آدَمَ وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ خُلِقَ بِكُنْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُوفِيِّ.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْحَقَّ، وَهُوَ الشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ هُوَ وَارِدٌ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، فَجَمِيعُ مَا أَنْبَأَكَ بِهِ حَقٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ قِصَّةُ عِيسَى وآدم وَجَمِيعِ أَنْبَائِهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: الْحَقُّ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ. أَيْ:
خَبَرُ عِيسَى فِي كَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ أُمٍّ فقط هو الحق، و: من رَبِّكَ، حَالٌ أَوْ: خَبَرٌ ثَانٍ وَأَخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ عِيسَى بِأَنَّهَا حَقٌّ. وَمَعَ كَوْنِهَا حَقًّا فَهِيَ إِخْبَارٌ صَادِرٌ عَنِ اللَّهِ.
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قِيلَ: الْخِطَابُ بِهَذَا لِكُلِّ سَامِعٍ قِصَّةَ عِيسَى، وَالْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أُمَّةُ مَنْ ظَاهِرُ الْخِطَابِ لَهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَنَهْيُهُ عَنِ الِامْتِرَاءِ وَجَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَرِيًا، مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ لِزِيَادَةِ الثَّبَاتِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِامْتِرَاءُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ لِلشَّكِّ الْعَارِضِ، وَيُجْعَلُ عِبَارَةً عَنِ الشَّكِّ، وَقَالَ: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلَمْ يَكُنْ مُمْتَرِيًا لِيَكُونَ فِيهِ ذَمٌّ مِنْ شَكٍّ فِي عِيسَى.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أَيْ: مَنْ نَازَعَكَ وَجَادَلَكَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ وَفْدِ نَجْرَانَ.
وَالضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ كَانَتْ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَصْدِيرَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى وَمَا بَعْدَهُ جَاءَ مِنْ تَمَامِ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْحَقِّ، وَظَاهِرٌ مِنَ الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَنْ يُحَاجُّ فِي أَمْرِ عِيسَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَفْدُ نَجْرَانَ.
وَ: مَنْ، يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَيَصِحُّ أن تكون شرطية، و: العلم، هُنَا: الْوَحْيُ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وَقِيلَ: الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَمْرِ عِيسَى، الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ. وَ: مَا، فِي: مَا جَاءَكَ، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى: الَّذِي، وَفِي: جَاءَكَ، ضَمِيرُ الْفَاعِلِ يَعُودُ عَلَيْهَا. و: من الْعِلْمِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْعِلْمِ. وَتَكُونُ: مِنْ، تَبْعِيضِيَّةً.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ، وَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ
وَالضَّمِيرُ فِي: لَهُ، عَائِدٌ عَلَى آدَمَ وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ خُلِقَ بِكُنْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُوفِيِّ.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْحَقَّ، وَهُوَ الشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ هُوَ وَارِدٌ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، فَجَمِيعُ مَا أَنْبَأَكَ بِهِ حَقٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ قِصَّةُ عِيسَى وآدم وَجَمِيعِ أَنْبَائِهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: الْحَقُّ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ. أَيْ:
خَبَرُ عِيسَى فِي كَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ أُمٍّ فقط هو الحق، و: من رَبِّكَ، حَالٌ أَوْ: خَبَرٌ ثَانٍ وَأَخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ عِيسَى بِأَنَّهَا حَقٌّ. وَمَعَ كَوْنِهَا حَقًّا فَهِيَ إِخْبَارٌ صَادِرٌ عَنِ اللَّهِ.
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قِيلَ: الْخِطَابُ بِهَذَا لِكُلِّ سَامِعٍ قِصَّةَ عِيسَى، وَالْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أُمَّةُ مَنْ ظَاهِرُ الْخِطَابِ لَهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَنَهْيُهُ عَنِ الِامْتِرَاءِ وَجَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَرِيًا، مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ لِزِيَادَةِ الثَّبَاتِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِامْتِرَاءُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ لِلشَّكِّ الْعَارِضِ، وَيُجْعَلُ عِبَارَةً عَنِ الشَّكِّ، وَقَالَ: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلَمْ يَكُنْ مُمْتَرِيًا لِيَكُونَ فِيهِ ذَمٌّ مِنْ شَكٍّ فِي عِيسَى.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أَيْ: مَنْ نَازَعَكَ وَجَادَلَكَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ وَفْدِ نَجْرَانَ.
وَالضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ كَانَتْ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَصْدِيرَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى وَمَا بَعْدَهُ جَاءَ مِنْ تَمَامِ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْحَقِّ، وَظَاهِرٌ مِنَ الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَنْ يُحَاجُّ فِي أَمْرِ عِيسَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَفْدُ نَجْرَانَ.
وَ: مَنْ، يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَيَصِحُّ أن تكون شرطية، و: العلم، هُنَا: الْوَحْيُ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وَقِيلَ: الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَمْرِ عِيسَى، الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ. وَ: مَا، فِي: مَا جَاءَكَ، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى: الَّذِي، وَفِي: جَاءَكَ، ضَمِيرُ الْفَاعِلِ يَعُودُ عَلَيْهَا. و: من الْعِلْمِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْعِلْمِ. وَتَكُونُ: مِنْ، تَبْعِيضِيَّةً.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ، وَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ
187
الْأَخْفَشِ: أَنْ تَكُونَ: مَا، مَصْدَرِيَّةً، و: من، زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَجِيءِ الْعِلْمِ إِيَّاكَ.
فَقُلْ تَعالَوْا قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْقِيَاسُ، إذا التَّقْدِيرُ تَفَاعَلَ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ وَأَصْلُهَا وَاوٌ، فَإِذَا أَمَرْتَ الْوَاحِدَ قُلْتَ: تَعَالَ، كَمَا تَقُولُ: اخْشَ وَاسْعَ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو وَاقِدٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: بِضَمِّ اللَّامِ، وَوَجْهُهُمْ أَنَّ أَصْلَهُ: تَعَالَيُوا، كَمَا تَقُولُ: تَجَادَلُوا، نَقَلَ الضَّمَّةَ مِنَ الْيَاءِ إِلَى اللَّامِ بَعْدَ حَذْفِ فَتْحَتِهَا، فَبَقِيَتِ الْيَاءُ سَاكِنَةً وواو الضمير ساكنة فخذفت الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهَذَا تَعْلِيلُ شُذُوذٍ.
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أَيْ: يَدْعُ كُلٌّ منا وَمِنْكُمْ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَنَفْسَهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الدُّعَاءَ وَالْمُبَاهَلَةَ بَيْنَ المخاطب: بقل:
وَبَيْنَ مَنْ حَاجَّهُ، وَفُسِّرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الْأَبْنَاءُ بالحسن والحسين، و: بنسائه: فاطمة، و: الأنفس بِعَلِيٍّ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَنْ حَاجَّهُ مَا ثَبَتَ
فِي صَحِيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاطِمَةَ وحسنا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُبَاهَلَةُ كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ عَلَى الْجَمْعِ، ولما دعاهم دعا بأهل الَّذِينَ فِي حَوْزَتِهِ، وَلَوْ عَزَمَ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى المباهلة وجاؤا لَهَا، لَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا بِأَهَالِيهِمْ لِمُبَاهَلَتِهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِأَنْفُسِنَا، الْإِخْوَانُ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ «١» أَيْ: إِخْوَانَكُمْ. وَقِيلَ: أَهْلَ دِينِهِ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ. وَقِيلَ: الْأَزْوَاجَ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ، ذَكَرَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ.
ثُمَّ نَبْتَهِلْ أَيْ: نَدْعُ بِالِالْتِعَانِ. وَقِيلَ: نَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نُخْلِصُ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نُجْهِدُ فِي الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: نَتَدَاعَى بالهلاك.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أَيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنَّا: لَعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ مِنَّا فِي أَمْرِ عِيسَى، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اللَّعْنِ لِمَنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ، وَقَدْ لَعَنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ. قَالَ أبو
فَقُلْ تَعالَوْا قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْقِيَاسُ، إذا التَّقْدِيرُ تَفَاعَلَ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ وَأَصْلُهَا وَاوٌ، فَإِذَا أَمَرْتَ الْوَاحِدَ قُلْتَ: تَعَالَ، كَمَا تَقُولُ: اخْشَ وَاسْعَ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو وَاقِدٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: بِضَمِّ اللَّامِ، وَوَجْهُهُمْ أَنَّ أَصْلَهُ: تَعَالَيُوا، كَمَا تَقُولُ: تَجَادَلُوا، نَقَلَ الضَّمَّةَ مِنَ الْيَاءِ إِلَى اللَّامِ بَعْدَ حَذْفِ فَتْحَتِهَا، فَبَقِيَتِ الْيَاءُ سَاكِنَةً وواو الضمير ساكنة فخذفت الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهَذَا تَعْلِيلُ شُذُوذٍ.
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أَيْ: يَدْعُ كُلٌّ منا وَمِنْكُمْ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَنَفْسَهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الدُّعَاءَ وَالْمُبَاهَلَةَ بَيْنَ المخاطب: بقل:
وَبَيْنَ مَنْ حَاجَّهُ، وَفُسِّرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الْأَبْنَاءُ بالحسن والحسين، و: بنسائه: فاطمة، و: الأنفس بِعَلِيٍّ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَنْ حَاجَّهُ مَا ثَبَتَ
فِي صَحِيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاطِمَةَ وحسنا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي».
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُبَاهَلَةُ كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ عَلَى الْجَمْعِ، ولما دعاهم دعا بأهل الَّذِينَ فِي حَوْزَتِهِ، وَلَوْ عَزَمَ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى المباهلة وجاؤا لَهَا، لَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا بِأَهَالِيهِمْ لِمُبَاهَلَتِهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِأَنْفُسِنَا، الْإِخْوَانُ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ «١» أَيْ: إِخْوَانَكُمْ. وَقِيلَ: أَهْلَ دِينِهِ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ. وَقِيلَ: الْأَزْوَاجَ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ، ذَكَرَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ.
ثُمَّ نَبْتَهِلْ أَيْ: نَدْعُ بِالِالْتِعَانِ. وَقِيلَ: نَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نُخْلِصُ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نُجْهِدُ فِي الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: نَتَدَاعَى بالهلاك.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أَيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنَّا: لَعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ مِنَّا فِي أَمْرِ عِيسَى، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اللَّعْنِ لِمَنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ، وَقَدْ لَعَنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ. قَالَ أبو
(١) سورة الحجرات: ٤٩/ ١١.
188
بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ علان: كَانَا إِذْ ذَاكَ مُكَلَّفَيْنِ، لِأَنَّ الْمُبَاهَلَةَ عِنْدَهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ.
وَقَدْ طَوَّلَ الْمُفَسِّرُونَ بِمَا رَوَوْا فِي قِصَّةِ الْمُبَاهَلَةِ، ومضمونها أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إِلَى الْمِيعَادِ، وَأَنَّهُمْ كَفُّوا عَنْ ذَلِكَ، وَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ عَلَى دِينِهِمْ وَأَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَحْبَارُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوا عُذِّبُوا، وَأَخْبَرَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوا عُذِّبُوا، وَفِي تَرْكِ النَّصَارَى الْمُلَاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ شَاهِدٌ عَظِيمٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا كَانَ دُعَاؤُهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ إِلَّا لِتَبْيِينِ الْكَاذِبِ مِنْهُ وَمِنْ خَصْمِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَبِمَنْ يُكَاذِبُهُ، فَمَا مَعْنَى ضَمِّ الْأَبْنَاءِ وَالنِّسَاءِ؟.
قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثِقَتِهِ بِحَالِهِ، وَاسْتِيقَانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأَ عَلَى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وَعَلَى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتَّى يُهْلِكَ خَصْمَهُ مَعَ أَحِبَّتِهِ وَأَعِزَّتِهِ هَلَاكَ الِاسْتِئْصَالِ إِنْ تَمَّتِ الْمُبَاهَلَةُ. وَخَصَّ الْأَبْنَاءَ وَالنِّسَاءَ لِأَنَّهُمْ أَعَزُّ الْأَهْلِ، وَأَلْصَقُهُمْ بِالْقُلُوبِ.
وَرُبَّمَا فَدَاهُمُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ وَحَارَبَ دُونَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمُ الظَّعَائِنَ فِي الْحُرُوبِ لِتَمْنَعَهُمْ مِنَ الْهَرَبِ، وَيُسَمُّونَ الذَّادَةَ عَنْهَا بِأَرْوَاحِهِمْ حُمَاةَ الْحَقَائِقِ، وَقَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْأَنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلَى لُطْفِ مَكَانِهِمْ، وَقُرْبِ مَنْزِلَتِهِمْ، وَلِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُمْ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْأَنْفُسِ يُفْدَوْنَ بِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ لَا شَيْءَ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى فَضْلِ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَفِيهِ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْ مُوَافِقٍ وَلَا مُخَالِفٍ أَنَّهُمْ أَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا رَوَاهُ الرُّوَاةُ مِنْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمُلَاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ أَحَجُّ لَنَا عَلَى سَائِرِ الْكَفَرَةِ، وَأَلْيَقُ بِحَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُعَاءُ النِّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْمُلَاعَنَةِ أَهَزُّ لِلنُّفُوسِ وَأَدْعَى لِرَحْمَةِ اللَّهِ أَوْ لِغَضَبِهِ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُمْ بِمَا يَخُصُّهُ، وَلَوْ عَزَمُوا اسْتَدْعَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وَخَاصَّتِهِ فَقَطِ.
انْتَهَى.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُظَاهَرَةِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْبَاطِلَ بَعْدَ وُضُوحِ الْبُرْهَانِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَمِنْ أَغْرَبِ الِاسْتِدْلَالِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الْآيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِمْصِيُّ. وَكَانَ مُتَكَلِّمًا عَلَى طَرِيقِ الْإِثْنَى عَشْرِيَّةَ، عَلَى: أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ
وَقَدْ طَوَّلَ الْمُفَسِّرُونَ بِمَا رَوَوْا فِي قِصَّةِ الْمُبَاهَلَةِ، ومضمونها أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إِلَى الْمِيعَادِ، وَأَنَّهُمْ كَفُّوا عَنْ ذَلِكَ، وَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ عَلَى دِينِهِمْ وَأَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَحْبَارُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوا عُذِّبُوا، وَأَخْبَرَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوا عُذِّبُوا، وَفِي تَرْكِ النَّصَارَى الْمُلَاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ شَاهِدٌ عَظِيمٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا كَانَ دُعَاؤُهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ إِلَّا لِتَبْيِينِ الْكَاذِبِ مِنْهُ وَمِنْ خَصْمِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَبِمَنْ يُكَاذِبُهُ، فَمَا مَعْنَى ضَمِّ الْأَبْنَاءِ وَالنِّسَاءِ؟.
قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثِقَتِهِ بِحَالِهِ، وَاسْتِيقَانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأَ عَلَى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وَعَلَى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتَّى يُهْلِكَ خَصْمَهُ مَعَ أَحِبَّتِهِ وَأَعِزَّتِهِ هَلَاكَ الِاسْتِئْصَالِ إِنْ تَمَّتِ الْمُبَاهَلَةُ. وَخَصَّ الْأَبْنَاءَ وَالنِّسَاءَ لِأَنَّهُمْ أَعَزُّ الْأَهْلِ، وَأَلْصَقُهُمْ بِالْقُلُوبِ.
وَرُبَّمَا فَدَاهُمُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ وَحَارَبَ دُونَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمُ الظَّعَائِنَ فِي الْحُرُوبِ لِتَمْنَعَهُمْ مِنَ الْهَرَبِ، وَيُسَمُّونَ الذَّادَةَ عَنْهَا بِأَرْوَاحِهِمْ حُمَاةَ الْحَقَائِقِ، وَقَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْأَنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلَى لُطْفِ مَكَانِهِمْ، وَقُرْبِ مَنْزِلَتِهِمْ، وَلِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُمْ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْأَنْفُسِ يُفْدَوْنَ بِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ لَا شَيْءَ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى فَضْلِ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَفِيهِ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْ مُوَافِقٍ وَلَا مُخَالِفٍ أَنَّهُمْ أَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا رَوَاهُ الرُّوَاةُ مِنْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمُلَاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ أَحَجُّ لَنَا عَلَى سَائِرِ الْكَفَرَةِ، وَأَلْيَقُ بِحَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُعَاءُ النِّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْمُلَاعَنَةِ أَهَزُّ لِلنُّفُوسِ وَأَدْعَى لِرَحْمَةِ اللَّهِ أَوْ لِغَضَبِهِ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُمْ بِمَا يَخُصُّهُ، وَلَوْ عَزَمُوا اسْتَدْعَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وَخَاصَّتِهِ فَقَطِ.
انْتَهَى.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُظَاهَرَةِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْبَاطِلَ بَعْدَ وُضُوحِ الْبُرْهَانِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَمِنْ أَغْرَبِ الِاسْتِدْلَالِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الْآيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِمْصِيُّ. وَكَانَ مُتَكَلِّمًا عَلَى طَرِيقِ الْإِثْنَى عَشْرِيَّةَ، عَلَى: أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ
189
محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْعُو نَفْسَهُ، بَلِ الْمُرَادُ غَيْرُهُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ:
عَلِيٌّ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ نَفْسُ الرَّسُولِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَهَا، فَالْمُرَادُ مِثْلُهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ الْفَضْلَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَدَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ.
قَالَ: وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ
الْحَدِيثُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ مِنَ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، ونوحا في طاعته، وإبراهيم في حلمه، وموسى في قومه، وعيسى فِي صَفْوَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب».
فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ.
قَالَ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ. وَأَجَابَ الرَّازِيُّ: بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَلَزِمَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: اسْتِدْلَالُ الْحِمْصِيِّ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْعُو نَفْسَهُ بَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ نَفْسَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ:
دَعَوْتُ نَفْسِي إِلَى كَذَا فَلَمْ تُجِبْنِي، وَهَذَا يُسَمِّيهِ أَبُو عَلِيٍّ بِالتَّجْرِيدِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ هُوَ عَلِيٌّ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بِدَلِيلِ الْأَقْوَالِ الَّتِي سِيقَتْ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَأَنْفُسَنَا.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فَيَكُونُ نَفْسُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، بَلْ تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي شَيْءٍ مَا، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، لَا الَّذِي يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ: مِنْ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَكُونُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِ النَّفْسِ، هَذَا اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ لَا لُغَةٌ.
فَعَلَى هَذَا تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ كَوْنُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هَذَا مِنْ أَنْفُسِنَا، أَيْ: مِنْ قَبِيلَتِنَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ فَمَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَهَذِهِ النَّزْغَةُ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا هَذَا الْحِمْصِيُّ مِنْ كَوْنِ عَلِيٍّ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ سِوَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَلَقَّفَهَا بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ كَلَامَ الصُّوفِيَّةِ، وَوَسَّعَ الْمَجَالَ فِيهَا، فَزَعَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يَقْصُرْ ذَلِكَ عَلَى وَلِيٍّ وَاحِدٍ، كَمَا قَصَرَ ذَلِكَ الْحِمْصِيُّ، بَلْ زَعَمَ: أَنَّ رُتْبَةَ الْوِلَايَةِ الَّتِي لَا نُبُوَّةَ مَعَهَا أَفْضَلُ مِنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ. قَالَ: لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عَلِيٌّ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ نَفْسُ الرَّسُولِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَهَا، فَالْمُرَادُ مِثْلُهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ الْفَضْلَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَدَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ.
قَالَ: وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ
الْحَدِيثُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ مِنَ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، ونوحا في طاعته، وإبراهيم في حلمه، وموسى في قومه، وعيسى فِي صَفْوَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب».
فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ.
قَالَ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ. وَأَجَابَ الرَّازِيُّ: بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَلَزِمَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: اسْتِدْلَالُ الْحِمْصِيِّ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْعُو نَفْسَهُ بَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ نَفْسَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ:
دَعَوْتُ نَفْسِي إِلَى كَذَا فَلَمْ تُجِبْنِي، وَهَذَا يُسَمِّيهِ أَبُو عَلِيٍّ بِالتَّجْرِيدِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ هُوَ عَلِيٌّ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بِدَلِيلِ الْأَقْوَالِ الَّتِي سِيقَتْ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَأَنْفُسَنَا.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فَيَكُونُ نَفْسُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، بَلْ تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي شَيْءٍ مَا، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، لَا الَّذِي يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ: مِنْ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَكُونُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِ النَّفْسِ، هَذَا اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ لَا لُغَةٌ.
فَعَلَى هَذَا تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ كَوْنُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هَذَا مِنْ أَنْفُسِنَا، أَيْ: مِنْ قَبِيلَتِنَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ فَمَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَهَذِهِ النَّزْغَةُ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا هَذَا الْحِمْصِيُّ مِنْ كَوْنِ عَلِيٍّ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ سِوَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَلَقَّفَهَا بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ كَلَامَ الصُّوفِيَّةِ، وَوَسَّعَ الْمَجَالَ فِيهَا، فَزَعَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يَقْصُرْ ذَلِكَ عَلَى وَلِيٍّ وَاحِدٍ، كَمَا قَصَرَ ذَلِكَ الْحِمْصِيُّ، بَلْ زَعَمَ: أَنَّ رُتْبَةَ الْوِلَايَةِ الَّتِي لَا نُبُوَّةَ مَعَهَا أَفْضَلُ مِنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ. قَالَ: لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ
190
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ
ﰽ
ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ
ﰾ
ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉ
ﰿ
ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ
ﱀ
ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ
ﱁ
ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ
ﱂ
ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ
ﱃ
وَاسِطَةٍ، وَالنَّبِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِوَاسِطَةٍ وَمَنْ أَخَذَ بِلَا وَاسِطَةٍ أَفْضَلُ مِمَّنْ أَخَذَ بِوَاسِطَةٍ. وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ مُخَالِفَةٌ لِمَقَالَاتِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَحَدَ أَكْذَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، لَقَدْ يَقْشَعِرُّ الْمُؤْمِنُ مِنْ سَمَاعِ هَذَا الِافْتِرَاءِ. وَحَكَى لِي مَنْ لَا أَتَّهِمُهُ عَنْ بَعْضِ الْمُنْتَمِينَ، إِلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، أَنَّهُ رُؤِيَ فِي يَدِهِ كِتَابٌ يَنْظُرُ فِيهِ، فَسُئِلَ عَنْهُ. فَقَالَ: فِيهِ مَا أَخَذْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَفِيهِ مَا أَخَذْتُهُ عَنِ اللَّهِ شَفَاهًا، أَوْ شَافَهَنِي بِهِ، الشَّكُّ مِنَ السَّامِعِ. فَانْظُرْ إِلَى جَرَاءَةِ هَذَا الْكَاذِبِ عَلَى اللَّهِ حَيْثُ ادَّعَى مَقَامَ مَنْ كَلَّمَهُ الله: كموسى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؟
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ: مِنْهَا إِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ، وَهُوَ:
إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى وَاللَّهُ لَمْ يُشَافِهْهُ بِذَلِكَ، بَلْ بِإِخْبَارِ جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَالِاسْتِعَارَةُ فِي: مُتَوَفِّيكَ وَفِي: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَالتَّفْصِيلُ لِمَا أُجْمِلَ فِي: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا، وَأَمَّا، وَالزِّيَادَةُ لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى فِي مِنْ ناصِرِينَ أَوِ: الْمَثَلُ فِي قَوْلِهِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى. وَالتَّجَوُّزُ بِوَضْعِ الْمُضَارِعِ مَوْضِعَ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ نَتْلُوهُ وَفِي فَيَكُونُ وَبِالْجَمْعِ بَيْنَ أَدَاتَيْ تَشْبِيهٍ عَلَى قَوْلٍ فِي كَمَثَلِ آدَمَ وَبِالتَّجَوُّزِ بِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ أَصْلِهِ فِي خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ. وَخِطَابُ الْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ، فِي فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وَالْعَامُّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ فِي نَدْعُ أَبْناءَنا الْآيَةَ وَالتَّجَوُّزُ بِإِقَامَةِ ابْنِ الْعَمِّ مَقَامَ النَّفْسِ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٨]
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)
مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ الْبَلَاغَةِ: مِنْهَا إِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ، وَهُوَ:
إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى وَاللَّهُ لَمْ يُشَافِهْهُ بِذَلِكَ، بَلْ بِإِخْبَارِ جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَالِاسْتِعَارَةُ فِي: مُتَوَفِّيكَ وَفِي: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَالتَّفْصِيلُ لِمَا أُجْمِلَ فِي: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا، وَأَمَّا، وَالزِّيَادَةُ لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى فِي مِنْ ناصِرِينَ أَوِ: الْمَثَلُ فِي قَوْلِهِ إِنَّ مَثَلَ عِيسى. وَالتَّجَوُّزُ بِوَضْعِ الْمُضَارِعِ مَوْضِعَ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ نَتْلُوهُ وَفِي فَيَكُونُ وَبِالْجَمْعِ بَيْنَ أَدَاتَيْ تَشْبِيهٍ عَلَى قَوْلٍ فِي كَمَثَلِ آدَمَ وَبِالتَّجَوُّزِ بِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ أَصْلِهِ فِي خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ. وَخِطَابُ الْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ، فِي فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. وَالْعَامُّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ فِي نَدْعُ أَبْناءَنا الْآيَةَ وَالتَّجَوُّزُ بِإِقَامَةِ ابْنِ الْعَمِّ مَقَامَ النَّفْسِ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٨]
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)
مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
191
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فُصِلَ بِهِ بَيْنَ الْمُخْتَصِمِينَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْقُرْآنِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ من أَخْبَارِ عِيسَى، وَكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. أَيْ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ لَا مَا يَدَّعِيهِ النَّصَارَى فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ إِلَهًا أَوِ ابْنَ اللَّهِ، وَلَا مَا تَدَّعِيهِ الْيَهُودُ فِيهِ، وَقِيلَ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَيَضْعُفُ بِأَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِقَصَصٍ وَبِوُجُودِ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: وَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إِلَّا إِنْ أَرَادَ بِالْقَصَصِ الْخَبَرَ، فَيَصِحُّ عَلَى هَذَا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنَّ الْخَبَرَ الْحَقَّ أَنَّهُ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ.
انْتَهَى. لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ وُجُودُ وَاوِ الْعَطْفِ وَاللَّامِ فِي: لَهُوَ، دَخَلَتْ عَلَى الْفَصْلِ.
والقصص خبر إن، والحق صِفَةٌ لَهُ، وَالْقَصَصُ مَصْدَرٌ، أَوْ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيِ:
الْمَقْصُوصِ، كَالْقَبْضِ بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: هُوَ، مُبْتَدَأً و: القصص، خبره، وَالْجُمْلَةُ، فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ، وَوَصْفُ الْقَصَصِ بِالْحَقِّ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَصَصِ الْمَكْذُوبِ الَّذِي أَتَى بِهِ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَغَيْرُهُمْ، فِي أَمْرِ عِيسَى وَإِلَاهِيَّتِهِ.
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ أَيِ: الْمُخْتَصُّ بِالْإِلَهِيَّةِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الثَّنَوِيَّةِ وَالنَّصَارَى، وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي غَيْرَ اللَّهِ إِلَهًا.
وَ: مِنْ، زَائِدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَ: إِلَهٍ، مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَ: اللَّهُ، بَدَلٌ مِنْهُ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ عَلَى اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ: مِنْ، فِي الْوَاجِبِ، وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ نَصْبُ مَا بَعْدَ: إِلَّا، نَحْوَ مَا مِنْ شُجَاعٍ إِلَّا زَيْدًا، وَلَمْ يُقْرَأْ بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى وَصْفَيِ الْإِلَهِيَّةِ وَهُمَا: الْقُدْرَةُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْغَلَبَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَالْعِلْمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحِكْمَةِ فِيمَا صَنَعَ وَالْإِتْقَانُ لِمَا اخْتَرَعَ، فَلَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ. وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مَنْفِيَّتَانِ عَنْ عِيسَى.
وَيَجُوزُ فِي: لَهُوَ، مِنَ الْإِعْرَابِ مَا جَازَ فِي: لهو القصص، وتقديم ذِكْرُ فَائِدَةِ الْفَصْلِ.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ قَالَ مُقَاتِلٌ: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْمُلَاعَنَةِ. وَقَالَ
انْتَهَى. لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ وُجُودُ وَاوِ الْعَطْفِ وَاللَّامِ فِي: لَهُوَ، دَخَلَتْ عَلَى الْفَصْلِ.
والقصص خبر إن، والحق صِفَةٌ لَهُ، وَالْقَصَصُ مَصْدَرٌ، أَوْ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيِ:
الْمَقْصُوصِ، كَالْقَبْضِ بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: هُوَ، مُبْتَدَأً و: القصص، خبره، وَالْجُمْلَةُ، فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ، وَوَصْفُ الْقَصَصِ بِالْحَقِّ إِشَارَةٌ إِلَى الْقَصَصِ الْمَكْذُوبِ الَّذِي أَتَى بِهِ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَغَيْرُهُمْ، فِي أَمْرِ عِيسَى وَإِلَاهِيَّتِهِ.
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ أَيِ: الْمُخْتَصُّ بِالْإِلَهِيَّةِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الثَّنَوِيَّةِ وَالنَّصَارَى، وَكُلُّ مَنْ يَدَّعِي غَيْرَ اللَّهِ إِلَهًا.
وَ: مِنْ، زَائِدَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَ: إِلَهٍ، مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَ: اللَّهُ، بَدَلٌ مِنْهُ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ عَلَى اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ: مِنْ، فِي الْوَاجِبِ، وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ نَصْبُ مَا بَعْدَ: إِلَّا، نَحْوَ مَا مِنْ شُجَاعٍ إِلَّا زَيْدًا، وَلَمْ يُقْرَأْ بِالنَّصْبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِشَارَةٌ إِلَى وَصْفَيِ الْإِلَهِيَّةِ وَهُمَا: الْقُدْرَةُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْغَلَبَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَالْعِلْمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحِكْمَةِ فِيمَا صَنَعَ وَالْإِتْقَانُ لِمَا اخْتَرَعَ، فَلَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ. وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مَنْفِيَّتَانِ عَنْ عِيسَى.
وَيَجُوزُ فِي: لَهُوَ، مِنَ الْإِعْرَابِ مَا جَازَ فِي: لهو القصص، وتقديم ذِكْرُ فَائِدَةِ الْفَصْلِ.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ قَالَ مُقَاتِلٌ: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْمُلَاعَنَةِ. وَقَالَ
192
الزَّجَّاجُ: عَنِ الْبَيَانِ الَّذِي أَبَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّنْزِيهِ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. وَقَالَ الْمُرْسِيُّ: عَنْ هَذَا الذِّكْرِ. وَقِيلَ: عَنِ الْإِيمَانِ.
وَ: تَوَلَّوْا، مَاضٍ أَوْ مُضَارِعٌ حُذِفَتْ تَاؤُهُ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي الظَّاهِرِ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، وَالْمَعْنَى: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِلْمِهِ بِالْمُفْسِدِينَ مِنْ مُعَاقَبَتِهِ لَهُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعِقَابِ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عِقَابُهُمْ، وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِقَابَ، وَهِيَ الْإِفْسَادُ، وَلِذَلِكَ أَتَى بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وَأَتَى بِهِ جَمْعًا لِيَدُلَّ عَلَى الْعُمُومِ الشَّامِلِ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا وَلِغَيْرِهِمْ، وَلِكَوْنِهِ رَأْسَ آيَةٍ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ إِفْسَادٌ أَيُّ إِفْسَادٍ.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا أَبَى أَهْلُ نَجْرَانَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمُلَاعَنَةِ، دُعُوا إِلَى أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ السَّوَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ، بَعَثَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ بِالْحَبَشَةِ، فَقَرَأَهَا جَعْفَرٌ، وَالنَّجَاشِيُّ جَالِسٌ وَأَشْرَافُ الْحَبَشَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ حَاجُّوا فِي إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَقُولَ فِيكَ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ فِي عُزَيْرٍ؟
وَلَفْظُ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، يَعُمُّ كُلَّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابًا، وَلِذَلِكَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ بِالْآيَةِ، وَالْأَقْرَبُ حَمْلُهُ عَلَى النَّصَارَى لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وَرَدَتْ عَلَيْهِمْ، وَالْمُبَاهَلَةَ مَعَهُمْ، وَخَاطَبَهُمْ: بيا أَهْلَ الْكِتَابِ، هَزًّا لَهُمْ فِي اسْتِمَاعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلَ كِتَابٍ مِنَ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَمَّا قَطَعَهُمْ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ فَلَمْ يُذْعِنُوا، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَامْتَنَعُوا، عَدَلَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ، وَهُوَ: دُعَاؤُهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ فِيهَا إِنْصَافٌ بَيْنَهُمْ.
وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ: كلمة، كضربة، و: كلمة، كَسِدْرَةٍ، وَتَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ «١» وَالْكَلِمَةُ هِيَ مَا فُسِّرَتْ بِهِ بَعْدُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهذا تفسير المعنى.
وَ: تَوَلَّوْا، مَاضٍ أَوْ مُضَارِعٌ حُذِفَتْ تَاؤُهُ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي الظَّاهِرِ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، وَالْمَعْنَى: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عِلْمِهِ بِالْمُفْسِدِينَ مِنْ مُعَاقَبَتِهِ لَهُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الْعِقَابِ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عِقَابُهُمْ، وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الْعِقَابَ، وَهِيَ الْإِفْسَادُ، وَلِذَلِكَ أَتَى بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وَأَتَى بِهِ جَمْعًا لِيَدُلَّ عَلَى الْعُمُومِ الشَّامِلِ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا وَلِغَيْرِهِمْ، وَلِكَوْنِهِ رَأْسَ آيَةٍ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ إِفْسَادٌ أَيُّ إِفْسَادٍ.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا أَبَى أَهْلُ نَجْرَانَ مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمُلَاعَنَةِ، دُعُوا إِلَى أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ السَّوَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ، بَعَثَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ بِالْحَبَشَةِ، فَقَرَأَهَا جَعْفَرٌ، وَالنَّجَاشِيُّ جَالِسٌ وَأَشْرَافُ الْحَبَشَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ حَاجُّوا فِي إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَقُولَ فِيكَ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ فِي عُزَيْرٍ؟
وَلَفْظُ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، يَعُمُّ كُلَّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابًا، وَلِذَلِكَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ بِالْآيَةِ، وَالْأَقْرَبُ حَمْلُهُ عَلَى النَّصَارَى لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وَرَدَتْ عَلَيْهِمْ، وَالْمُبَاهَلَةَ مَعَهُمْ، وَخَاطَبَهُمْ: بيا أَهْلَ الْكِتَابِ، هَزًّا لَهُمْ فِي اسْتِمَاعِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلَ كِتَابٍ مِنَ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَمَّا قَطَعَهُمْ بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ فَلَمْ يُذْعِنُوا، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فَامْتَنَعُوا، عَدَلَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ، وَهُوَ: دُعَاؤُهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ فِيهَا إِنْصَافٌ بَيْنَهُمْ.
وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ: كلمة، كضربة، و: كلمة، كَسِدْرَةٍ، وَتَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ «١» وَالْكَلِمَةُ هِيَ مَا فُسِّرَتْ بِهِ بَعْدُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهذا تفسير المعنى.
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٣٩.
193
وَعَبَّرَ بِالْكَلِمَةِ عَنِ الْكَلِمَاتِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ تُطْلِقُهَا الْعَرَبُ عَلَى الْكَلَامِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ، إِمَّا لِوَضْعِ الْمُفْرَدِ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ:
وَإِمَّا لِكَوْنِ الْكَلِمَاتِ مُرْتَبِطَةً بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَصَارَتْ فِي قُوَّةِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا اخْتَلَّ جُزْءٌ مِنْهَا اخْتَلَّتِ الْكَلِمَةُ، لِأَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هِيَ كَلِمَاتٌ لَا تَتِمُّ النِّسْبَةُ الْمَقْصُودَةُ فِيهَا مِنْ حَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ فِي اللَّهِ إِلَّا بِمَجْمُوعِهَا.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَوَاءٍ، بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: سَوَاءً، بِالنَّصْبِ، وَخَرَّجَهُ الْحُوفِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَعْنَى اسْتَوَتِ اسْتِوَاءً، فَيَكُونُ:
سَوَاءٍ، بِمَعْنَى اسْتِوَاءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الحال من: كَلِمَةٍ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً ذو الْحَالِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وَقَاسَهُ، وَالْحَالُ وَالصِّفَةُ مُتَلَاقِيَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالْمَصْدَرُ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارِ عَامِلٍ، وَإِلَى تَأْوِيلِ: سَوَاءٍ، بِمَعْنَى: اسْتِوَاءٍ، وَالْأَشْهَرُ اسْتِعْمَالُ: سَوَاءٍ، بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ: مُسْتَوٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سَوَاءٍ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالزَّجَّاجُ: هُنَا يَعْنِي بِالسَّوَاءِ الْعَدْلَ، وَهُوَ مِنِ: اسْتَوَى الشَّيْءُ، وَقَالَ زُهَيْرٌ:
وَالْمَعْنَى: إِلَى كَلِمَةٍ عَادِلَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ دَعَاكَ فُلَانٌ إِلَى سَوَاءٍ فَاقْبَلْ مِنْهُ. وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: إِلَى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ كَلِمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، أَيْ مُسْتَقِيمَةٍ. وَقِيلَ: إِلَى كَلِمَةِ قَصْدٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي أَقُولُهُ فِي لَفْظَةِ:
سَوَاءٍ، أَنَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خَاصٍّ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى مَعَانٍ جَمِيعُ النَّاسِ فِيهَا مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَقَدْ كَانَتْ سِيرَةُ الْمَدْعُوِّينَ أَنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا، فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى اسْتِوَاءِ حَالٍ، فَدَعَاهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا يَأْلَفُ النُّفُوسُ مِنْ حَقٍّ لَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِيهِ، فَسَوَاءٌ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرَ: هَذَا شَرِيكِي فِي مَالٍ سَوَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا التَّفْسِيرِ وَبَيْنَ تَفْسِيرِ لَفْظَةِ: الْعَدْلِ، أَنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أَسِيرًا عِنْدَكَ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إِلَى السَّوَاءِ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ، عَلَى هَذَا الْحَدِّ جَاءَتْ لَفْظَةُ: سَوَاءٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ «١» عَلَى بعض
| بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى، فَأَمَّا عِظَامُهَا | فَبِيضٌ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ |
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَوَاءٍ، بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ: سَوَاءً، بِالنَّصْبِ، وَخَرَّجَهُ الْحُوفِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمَعْنَى اسْتَوَتِ اسْتِوَاءً، فَيَكُونُ:
سَوَاءٍ، بِمَعْنَى اسْتِوَاءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الحال من: كَلِمَةٍ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً ذو الْحَالِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ وَقَاسَهُ، وَالْحَالُ وَالصِّفَةُ مُتَلَاقِيَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَالْمَصْدَرُ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارِ عَامِلٍ، وَإِلَى تَأْوِيلِ: سَوَاءٍ، بِمَعْنَى: اسْتِوَاءٍ، وَالْأَشْهَرُ اسْتِعْمَالُ: سَوَاءٍ، بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ: مُسْتَوٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سَوَاءٍ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَالزَّجَّاجُ: هُنَا يَعْنِي بِالسَّوَاءِ الْعَدْلَ، وَهُوَ مِنِ: اسْتَوَى الشَّيْءُ، وَقَالَ زُهَيْرٌ:
| أَرُونِي خُطَّةً لَا ضَيْمَ فِيهَا | يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيهَا السَّوَاءُ |
سَوَاءٍ، أَنَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خَاصٍّ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى مَعَانٍ جَمِيعُ النَّاسِ فِيهَا مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَقَدْ كَانَتْ سِيرَةُ الْمَدْعُوِّينَ أَنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا، فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى اسْتِوَاءِ حَالٍ، فَدَعَاهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا يَأْلَفُ النُّفُوسُ مِنْ حَقٍّ لَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِيهِ، فَسَوَاءٌ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرَ: هَذَا شَرِيكِي فِي مَالٍ سَوَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا التَّفْسِيرِ وَبَيْنَ تَفْسِيرِ لَفْظَةِ: الْعَدْلِ، أَنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أَسِيرًا عِنْدَكَ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إِلَى السَّوَاءِ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ، عَلَى هَذَا الْحَدِّ جَاءَتْ لَفْظَةُ: سَوَاءٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ «١» عَلَى بعض
(١) سورة الأنفال: ٨/ ٥٨.
194
التَّأْوِيلَاتِ، وَإِنْ دَعَوْتَ أَسِيرَكَ إِلَى أَنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقَاسِمًا لَكَ. فِي عَيْشِكِ لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إِلَى السَّوَاءِ الَّذِي هُوَ اسْتِوَاءُ الْحَالِ عَلَى مَا فَسَّرْتُهُ. وَاللَّفْظَةُ عَلَى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيهَا مَعْنَى الْعَدْلِ، وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ لِمُتَقَدِّمٍ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظَةِ مَعْنَى قَصْدِ اسْتِوَاءِ الْحَالِ، وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ، لِأَنَّ النُّفُوسَ تَأْلَفُهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ تَكْثِيرٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَالظَّاهِرُ انْتِصَابُ الظَّرْفِ بِسَوَاءٍ.
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ مَوْضِعُ: أَنْ، جَرٌّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ: كَلِمَةٍ، بَدَلَ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ. وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: سَوَاءٍ، وَارْتِفَاعُ: أَنْ لَا نَعْبُدَ، عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. قَالُوا: وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وَهَذَا وَهْمٌ لِعُرُوِّ الْجُمْلَةِ مِنْ رَابِطٍ يَرْبُطُهَا بِالْمَوْصُوفِ، وَجَوَّزُوا أَيْضًا ارْتِفَاعَ: أَنْ لَا نَعْبُدَ، بِالظَّرْفِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ حَيْثُ أَجَازُوا إِعْمَالَ الظَّرْفِ مِنْ غَيْرِ اعتماد، والبصريون يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِلَى كَلِمَةٍ مُسْتَوٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِيهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: أَنْ لَا نَعْبُدَ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِ بِسَوَاءٍ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِضْمَارَ الرَّابِطِ، وَهُوَ: فِيهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالْمَعْنَى: أَنْ نُفْرِدَ اللَّهَ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، أَيْ: لَا نَجْعَلَ لَهُ شَرِيكًا.
وشيئا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ شَيْئًا مِنَ الْإِشْرَاكِ، وَالْفِعْلُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ مُتَعَلِّقَاتِهِ مِنْ مَفْعُولٍ بِهِ وَمَصْدَرٍ وَزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهَيْئَةٍ.
وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ لَا نَتَّخِذَهُمْ أَرْبَابًا فَنَعْتَقِدَ فِيهِمُ الْإِلَهِيَّةَ وَنَعْبُدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ: كعزير وعيسى، قَالَهُ مُقَاتِلٌ، وَالزَّجَّاجُ، وَعِكْرِمَةُ.
وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أَوْ لَا نُطِيعُ الْأَسَاقِفَةَ وَالرُّؤَسَاءَ فِيمَا أَمَرُوا بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَنَجْعَلُ طَاعَتَهُمْ شَرْعًا. قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ «١»
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَا كُنَّا نَعْبُدُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمْ وَيُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ» ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
«هو ذاك».
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ مَوْضِعُ: أَنْ، جَرٌّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ: كَلِمَةٍ، بَدَلَ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هِيَ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ. وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: سَوَاءٍ، وَارْتِفَاعُ: أَنْ لَا نَعْبُدَ، عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. قَالُوا: وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وَهَذَا وَهْمٌ لِعُرُوِّ الْجُمْلَةِ مِنْ رَابِطٍ يَرْبُطُهَا بِالْمَوْصُوفِ، وَجَوَّزُوا أَيْضًا ارْتِفَاعَ: أَنْ لَا نَعْبُدَ، بِالظَّرْفِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ حَيْثُ أَجَازُوا إِعْمَالَ الظَّرْفِ مِنْ غَيْرِ اعتماد، والبصريون يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِلَى كَلِمَةٍ مُسْتَوٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِيهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: أَنْ لَا نَعْبُدَ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِ بِسَوَاءٍ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِضْمَارَ الرَّابِطِ، وَهُوَ: فِيهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالْمَعْنَى: أَنْ نُفْرِدَ اللَّهَ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، أَيْ: لَا نَجْعَلَ لَهُ شَرِيكًا.
وشيئا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ شَيْئًا مِنَ الْإِشْرَاكِ، وَالْفِعْلُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَيَعُمُّ مُتَعَلِّقَاتِهِ مِنْ مَفْعُولٍ بِهِ وَمَصْدَرٍ وَزَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهَيْئَةٍ.
وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ لَا نَتَّخِذَهُمْ أَرْبَابًا فَنَعْتَقِدَ فِيهِمُ الْإِلَهِيَّةَ وَنَعْبُدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ: كعزير وعيسى، قَالَهُ مُقَاتِلٌ، وَالزَّجَّاجُ، وَعِكْرِمَةُ.
وَقِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أَوْ لَا نُطِيعُ الْأَسَاقِفَةَ وَالرُّؤَسَاءَ فِيمَا أَمَرُوا بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَنَجْعَلُ طَاعَتَهُمْ شَرْعًا. قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ «١»
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَا كُنَّا نَعْبُدُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمْ وَيُحَرِّمُونَ فَتَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِمْ» ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
«هو ذاك».
(١) سورة التوبة: ٩/ ٣١.
195
وَفِي قَوْلِهِ: بَعْضُنَا بَعْضًا، إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْبَعْضِيَّةَ تُنَافِي الْإِلَهِيَّةَ إِذْ هِيَ تُمَاثِلُ فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِثْلَكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا، وَإِذَا كَانُوا قَدِ اسْتَبْعَدُوا اتِّبَاعَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ لِلِاخْتِصَاصِ بِالنُّبُوَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا «١» إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ «٢» أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا «٣» فَادِّعَاءُ الْإِلَهِيَّةِ فِيهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا فِيهِ أَشَدَّ اسْتِبْعَادًا: وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا أَدَاةُ النَّفْيِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، يُؤَكِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِذِ اخْتِصَاصُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الِاشْتِرَاكِ وَنَفْيَ اتِّخَاذِ الْأَرْبَابِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ تَأْكِيدٍ وَإِسْهَابٍ وَنَشْرِ كَلَامٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُبَالِغِينَ فِي التَّمَسُّكِ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ التَّوْكِيدَ فِي انْتِفَاءِ ذَلِكَ، وَالنَّصَارَى جَمَعُوا بَيْنَ الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ: عَبَدُوا عِيسَى، وَأَشْرَكُوا بِقَوْلِهِمْ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَاتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ أَرْبَابًا فِي الطَّاعَةِ لَهُمْ فِي تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ وَفِي السُّجُودِ لَهُمْ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي قَوْلِهِ: أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ رَبِّهِمْ فِي قَبُولِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُحِلُّهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَتَقْدِيرَاتٍ دُونَ مُسْتَنَدٍ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِ الْإِمَامِ دُونَ إِبَانَةِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الرَّوَافِضُ. انْتَهَى. وَفِيهِ بَعْضُ اخْتِصَارٍ.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أَيْ: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْكَلِمَةِ السَّوَاءِ فَأَشْهِدُوهُمْ أَنَّكُمْ مُنْقَادُونَ إِلَيْهَا، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْمُبَايَنَةِ لَهُمْ، أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ مُتَوَلِّينَ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّا قَابِلُونَ لَهَا وَمُطِيعُونَ. وَعَبَّرَ عَنِ الْعِلْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، إِذْ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ حَيِّزِ الْمَعْقُولِ إِلَى حَيِّزِ الْمَشْهُودِ، وَهُوَ الْمُحْضَرُ فِي الْحِسِّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا أَمْرٌ بِإِعْلَامٍ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَمُوَاجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَإِشْهَادِهِمْ عَلَى مَعْنَى التَّوْبِيخِ وَالتَّهْدِيدِ، أَيْ سَتَرَوْنَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُتَوَلُّونَ عَاقِبَةَ تَوَلِّيكُمْ كَيْفَ يَكُونُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ لَزِمَتْكُمُ الْحُجَّةُ، فَوَجَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْتَرِفُوا وَتُسَلِّمُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، كَمَا يَقُولُ الْغَالِبُ لِلْمَغْلُوبِ فِي جِدَالٍ أَوْ صِرَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا: اعْتَرِفْ بِأَنِّي أَنَا الْغَالِبُ، وَسَلِّمْ لِي الْغَلَبَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ، وَمَعْنَاهُ: اشْهَدُوا وَاعْتَرِفُوا بِأَنَّكُمْ كَافِرُونَ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. انتهى.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي قَوْلِهِ: أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ رَبِّهِمْ فِي قَبُولِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ لِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُحِلُّهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، كَتَقْدِيرَاتٍ دُونَ مُسْتَنَدٍ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِ الْإِمَامِ دُونَ إِبَانَةِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الرَّوَافِضُ. انْتَهَى. وَفِيهِ بَعْضُ اخْتِصَارٍ.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أَيْ: فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الْكَلِمَةِ السَّوَاءِ فَأَشْهِدُوهُمْ أَنَّكُمْ مُنْقَادُونَ إِلَيْهَا، وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْمُبَايَنَةِ لَهُمْ، أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ مُتَوَلِّينَ عَنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَإِنَّا قَابِلُونَ لَهَا وَمُطِيعُونَ. وَعَبَّرَ عَنِ الْعِلْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، إِذْ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ حَيِّزِ الْمَعْقُولِ إِلَى حَيِّزِ الْمَشْهُودِ، وَهُوَ الْمُحْضَرُ فِي الْحِسِّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذَا أَمْرٌ بِإِعْلَامٍ بِمُخَالَفَتِهِمْ وَمُوَاجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَإِشْهَادِهِمْ عَلَى مَعْنَى التَّوْبِيخِ وَالتَّهْدِيدِ، أَيْ سَتَرَوْنَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُتَوَلُّونَ عَاقِبَةَ تَوَلِّيكُمْ كَيْفَ يَكُونُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَيْ لَزِمَتْكُمُ الْحُجَّةُ، فَوَجَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَعْتَرِفُوا وَتُسَلِّمُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ دُونَكُمْ، كَمَا يَقُولُ الْغَالِبُ لِلْمَغْلُوبِ فِي جِدَالٍ أَوْ صِرَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا: اعْتَرِفْ بِأَنِّي أَنَا الْغَالِبُ، وَسَلِّمْ لِي الْغَلَبَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ، وَمَعْنَاهُ: اشْهَدُوا وَاعْتَرِفُوا بِأَنَّكُمْ كَافِرُونَ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ. انتهى.
(١) سورة إبراهيم: ١٤/ ١٠.
(٢) سورة إبراهيم: ١٤/ ١١.
(٣) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٤٧.
(٢) سورة إبراهيم: ١٤/ ١١.
(٣) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٤٧.
196
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِحْيَةَ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ.
يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا، وَأَنَّ النَّصَارَى قَالُوا: كَانَ نَصْرَانِيًّا. فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ «١» فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ حَتَّى ادَّعَتْهُ كُلُّ فِرْقَةٍ.
وَ: مَا، فِي قَوْلِهِ: لِمَ، اسْتِفْهَامِيَّةٌ حُذِفَتْ أَلِفُهَا مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ، وَلِذَلِكَ عِلَّةٌ ذُكِرَتْ فِي النحو، وتتعلق: اللام بتحاجون، وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارُ، وَمَعْنَى: فِي إِبْرَاهِيمَ، فِي شَرْعِهِ وَدِينِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى: الْمُحَاجَّةِ، ادِّعَاءُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهُ مِنْهَا وَجِدَالُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ شَرِيعَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا، وَمُحَالٌ أَنْ يُنْسَبَ الْمُتَقَدِّمُ إِلَى الْمُتَأَخِّرِ، وَلِظُهُورِ فَسَادِ هَذِهِ الدَّعْوَى قَالَ: أَفَلا تَعْقِلُونَ أَيْ: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْقِلُ، إِذِ الْعَقْلُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهُمْ، لَا فِي الْعَقَائِدِ وَلَا فِي الْأَحْكَامِ.
أَمَّا فِي الْعَقَائِدِ فَعِبَادَتُهُمْ عِيسَى وَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُ اللَّهُ، أَوِ ابْنُ اللَّهِ، أَوْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَادِّعَاءُ اليهود أن عزير ابْنُ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فِيهِمَا أَحْكَامٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا شَرِيعَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ «٢» وَقَوْلُهُ: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ «٣» وَغَيْرُ ذَلِكَ فلا يمكن إِبْرَاهِيمُ عَلَى دِينٍ حَدَثَ بَعْدَهُ بِأَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وموسى أَلْفَ سَنَةٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى أَلْفَانِ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وموسى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة وستمائة واثنتان وثلاثون سنة.
يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا، وَأَنَّ النَّصَارَى قَالُوا: كَانَ نَصْرَانِيًّا. فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ «١» فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ حَتَّى ادَّعَتْهُ كُلُّ فِرْقَةٍ.
وَ: مَا، فِي قَوْلِهِ: لِمَ، اسْتِفْهَامِيَّةٌ حُذِفَتْ أَلِفُهَا مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ، وَلِذَلِكَ عِلَّةٌ ذُكِرَتْ فِي النحو، وتتعلق: اللام بتحاجون، وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارُ، وَمَعْنَى: فِي إِبْرَاهِيمَ، فِي شَرْعِهِ وَدِينِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى: الْمُحَاجَّةِ، ادِّعَاءُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهُ مِنْهَا وَجِدَالُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ شَرِيعَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا، وَمُحَالٌ أَنْ يُنْسَبَ الْمُتَقَدِّمُ إِلَى الْمُتَأَخِّرِ، وَلِظُهُورِ فَسَادِ هَذِهِ الدَّعْوَى قَالَ: أَفَلا تَعْقِلُونَ أَيْ: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْقِلُ، إِذِ الْعَقْلُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهُمْ، لَا فِي الْعَقَائِدِ وَلَا فِي الْأَحْكَامِ.
أَمَّا فِي الْعَقَائِدِ فَعِبَادَتُهُمْ عِيسَى وَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُ اللَّهُ، أَوِ ابْنُ اللَّهِ، أَوْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَادِّعَاءُ اليهود أن عزير ابْنُ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ فِيهِمَا أَحْكَامٌ مُخَالِفَةٌ لِلْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا شَرِيعَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ «٢» وَقَوْلُهُ: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ «٣» وَغَيْرُ ذَلِكَ فلا يمكن إِبْرَاهِيمُ عَلَى دِينٍ حَدَثَ بَعْدَهُ بِأَزْمِنَةٍ مُتَطَاوِلَةٍ.
ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وموسى أَلْفَ سَنَةٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى أَلْفَانِ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وموسى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة وستمائة واثنتان وثلاثون سنة.
(١) سورة الشعراء: ٢٦/ ٨٤.
(٢) سورة النساء: ٤/ ٦٠.
(٣) سورة النحل: ١٦/ ١٢٤.
(٢) سورة النساء: ٤/ ٦٠.
(٣) سورة النحل: ١٦/ ١٢٤.
197
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ بين إبراهيم وموسى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ سنة، وبين موسى وعيسى أَلْفٌ وَتِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ.
وَالْوَاوُ فِي: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، هَكَذَا ذَكَرُوا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْحَالِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ «١» وَقَوْلِهِ لِمَ تَلْبِسُونَ «٢» ثُمَّ قَالَ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٣» وَقَوْلِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ «٤» أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ ادِّعَاءَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى، وَالْحَالُ أَنَّ شَرِيعَتَيْهِمَا مُتَأَخِّرَتَانِ عَنْهُ فِي الْوُجُودِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهَا مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا؟
وَأَمَّا الْحَنِيفِيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَمِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا كُلُّ ذِي دِينٍ حَقٍّ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «٥» إِذِ الْحَنِيفُ هُوَ الْمَائِلُ لِلْحَقِّ، وَالْمُسْلِمُ هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ، وَقَدْ أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً «٦».
وَفِي قَوْلِهِ: أَفَلا تَعْقِلُونَ تَوْبِيخٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ مَقَالَتِهِمْ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِهِ غَلَطُهُمْ وَمُكَابَرَتُهُمْ.
هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ الَّذِي لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ دِينُهُمُ الَّذِي وَجَدُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ وَدِينُهُ، لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا أَتَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَلَا شَاهَدُوهُ فَيَعْلَمُوهُ. قَالَهُ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا حُفَّ بِهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَمِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْحَدِيثِ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَنَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الطَّبَرِيِّ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَالَ: ذَهَبَ عَنْهُ أَنَّ مَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُمْ فِيهِ إِلَى مُحَاجَّةٍ، لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانَ هُنَالِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَقِيلَ: الَّذِي لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، لأنهم وَجَدُوا نَعْتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، فَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ. وَالَّذِي لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ.
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ عَلَى زَعْمِكُمْ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: فِيمَا يُشْبِهُ دَعْوَاكُمْ، وَيَكُونُ الدَّلِيلُ العقلي يرد
وَالْوَاوُ فِي: وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، هَكَذَا ذَكَرُوا. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْحَالِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ «١» وَقَوْلِهِ لِمَ تَلْبِسُونَ «٢» ثُمَّ قَالَ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٣» وَقَوْلِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ «٤» أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ ادِّعَاءَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى، وَالْحَالُ أَنَّ شَرِيعَتَيْهِمَا مُتَأَخِّرَتَانِ عَنْهُ فِي الْوُجُودِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهَا مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهَا؟
وَأَمَّا الْحَنِيفِيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَمِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا كُلُّ ذِي دِينٍ حَقٍّ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «٥» إِذِ الْحَنِيفُ هُوَ الْمَائِلُ لِلْحَقِّ، وَالْمُسْلِمُ هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ لِلْحَقِّ، وَقَدْ أَخْبَرَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً «٦».
وَفِي قَوْلِهِ: أَفَلا تَعْقِلُونَ تَوْبِيخٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ مَقَالَتِهِمْ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى مَا يَظْهَرُ بِهِ غَلَطُهُمْ وَمُكَابَرَتُهُمْ.
هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ الَّذِي لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ دِينُهُمُ الَّذِي وَجَدُوهُ فِي كُتُبِهِمْ وَثَبَتَ عِنْدَهُمْ صِحَّتُهُ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ وَدِينُهُ، لَيْسَ مَوْجُودًا فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا أَتَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ، وَلَا شَاهَدُوهُ فَيَعْلَمُوهُ. قَالَهُ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا حُفَّ بِهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَمِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْحَدِيثِ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَنَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى الطَّبَرِيِّ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَالَ: ذَهَبَ عَنْهُ أَنَّ مَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُمْ فِيهِ إِلَى مُحَاجَّةٍ، لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانَ هُنَالِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَقِيلَ: الَّذِي لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، لأنهم وَجَدُوا نَعْتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، فَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ. وَالَّذِي لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ هُوَ أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ.
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ عَلَى زَعْمِكُمْ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: فِيمَا يُشْبِهُ دَعْوَاكُمْ، وَيَكُونُ الدَّلِيلُ العقلي يرد
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٧٠.
(٣- ٢) سورة آل عمران: ٣/ ٧١. [.....]
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢٨.
(٥) سورة آل عمران: ٣/ ١٩.
(٦) سورة آل عمران: ٣/ ٦٧.
(٣- ٢) سورة آل عمران: ٣/ ٧١. [.....]
(٤) سورة البقرة: ٢/ ٢٨.
(٥) سورة آل عمران: ٣/ ١٩.
(٦) سورة آل عمران: ٣/ ٦٧.
198
عَلَيْكُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا: حَاجَجْتُمْ فِيمَا شَهِدْتُمْ وَرَأَيْتُمْ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَمْ تُشَاهِدُوا وَلَمْ تَعْلَمُوا؟ وَقَالَ الرَّازِيُّ: هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ الْآيَةَ. أَيْ: زَعَمْتُمْ أَنَّ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مُخَالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ، فَكَيْفَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ؟ وَهُوَ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ مُخَالِفَةٌ لِشَرِيعَةِ محمد صلى الله عليه وَسَلَّمَ؟
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أَيْ: تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، لَا أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ حَقِيقَةً، فَكَيْفَ يُحَاجُّونَ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ أَلْبَتَّةَ.
وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْبَزِّيُّ: هَا أَنْتُمْ، بِأَلِفٍ بَعْدَ الْهَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ: أَنْتُمْ، مُحَقَّقَةٌ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ: بَهَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مُسَهَّلَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَأَبْدَلَ أُنَاسٌ هَذِهِ الْهَمْزَةَ أَلِفًا مَحْضَةً لِوَرْشٍ هَا، لِلتَّنْبِيهِ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُهَا مَعَ الْمُضْمَرَاتِ الْمَرْفُوعَةِ مَفْصُولًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ حَيْثُ لَا اسْتِفْهَامَ، وَأَصْلُهَا أَنْ تُبَاشِرَ اسْمَ الْإِشَارَةِ، لَكِنِ اعْتُنِيَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، فَقُدِّمَ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْعَرَبِ: هَا أَنَا ذَا قَائِمًا، و: ها أَنْتَ ذَا تَصْنَعُ كَذَا. و: ها هوذا قَائِمًا. وَلَمْ يُنَبِّهِ الْمُخَاطَبَ هُنَا عَلَى وُجُودِ ذَاتِهِ، بَلْ نَبَّهَ عَلَى حَالٍ غَفَلَ عَنْهَا لِشَغَفِهِ بِمَا الْتَبَسَ بِهِ، وَتِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ أَنَّهُمْ حَاجُّوا فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَمْ تَرِدْ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَتَقُولُ لَهُمْ: هَبْ أَنَّكُمْ تَحْتَجُّونَ فِيمَا تَدَّعُونَ أَنْ قَدْ وَرَدَ بِهِ كُتُبُ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةُ، فَلِمَ تَحْتَجُّونَ فِيمَا لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ مِنْهُمُ الْمُحَاجَّةُ فِيمَا يَعْلَمُونَ، وَلِذَاكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْمُحَاجَّةِ فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ: هَا، قَدْ أُعِيدَتْ مَعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ تَوْكِيدًا، وَتَكُونُ فِي قِرَاءَةِ قُنْبُلٍ قَدْ حَذَفَ أَلِفَ: هَا، كَمَا حَذَفَهَا مَنْ وَقَفَ عَلَى: أَيُّهَ الثَّقَلانِ «١» يَا أَيُّهْ بِالسُّكُونِ وَلَيْسَ الْحَذْفُ فِيهَا يَقْوَى فِي الْقِيَاسِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: الْأَصْلُ فِي: هَا أَنْتُمْ. فَأُبْدِلَ مِنَ الْهَمْزَةِ الْأُولَى الَّتِي لِلِاسْتِفْهَامِ هَاءٌ. لِأَنَّهَا أُخْتُهَا. وَاسْتَحْسَنَهُ النَّحَّاسُ. وَإِبْدَالُ الْهَمْزَةِ هَاءً مَسْمُوعٌ فِي كَلِمَاتٍ وَلَا يَنْقَاسُ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، لَا يُحْفَظُ مِنْ كَلَامِهِمْ: هَتَضْرِبُ زَيْدًا، بِمَعْنَى: أتضرب زَيْدًا إِلَّا فِي بَيْتٍ نَادِرٍ جَاءَتْ فِيهِ: هَا، بَدَلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ:
ثم فصل بَيْنَ الْهَاءِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ همزة الاستفهام، وهمزة: أتت، لَا يُنَاسِبُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يفصل
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أَيْ: تَدَّعُونَ عِلْمَهُ، لَا أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْعِلْمِ حَقِيقَةً، فَكَيْفَ يُحَاجُّونَ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ أَلْبَتَّةَ.
وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَالْبَزِّيُّ: هَا أَنْتُمْ، بِأَلِفٍ بَعْدَ الْهَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ: أَنْتُمْ، مُحَقَّقَةٌ. وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ: بَهَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مُسَهَّلَةٌ بَيْنَ بَيْنَ، وَأَبْدَلَ أُنَاسٌ هَذِهِ الْهَمْزَةَ أَلِفًا مَحْضَةً لِوَرْشٍ هَا، لِلتَّنْبِيهِ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُهَا مَعَ الْمُضْمَرَاتِ الْمَرْفُوعَةِ مَفْصُولًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ حَيْثُ لَا اسْتِفْهَامَ، وَأَصْلُهَا أَنْ تُبَاشِرَ اسْمَ الْإِشَارَةِ، لَكِنِ اعْتُنِيَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، فَقُدِّمَ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِ الْعَرَبِ: هَا أَنَا ذَا قَائِمًا، و: ها أَنْتَ ذَا تَصْنَعُ كَذَا. و: ها هوذا قَائِمًا. وَلَمْ يُنَبِّهِ الْمُخَاطَبَ هُنَا عَلَى وُجُودِ ذَاتِهِ، بَلْ نَبَّهَ عَلَى حَالٍ غَفَلَ عَنْهَا لِشَغَفِهِ بِمَا الْتَبَسَ بِهِ، وَتِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ أَنَّهُمْ حَاجُّوا فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَمْ تَرِدْ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَتَقُولُ لَهُمْ: هَبْ أَنَّكُمْ تَحْتَجُّونَ فِيمَا تَدَّعُونَ أَنْ قَدْ وَرَدَ بِهِ كُتُبُ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةُ، فَلِمَ تَحْتَجُّونَ فِيمَا لَيْسَ كَذَلِكَ؟ وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً وَهُوَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَدَرَتْ مِنْهُمُ الْمُحَاجَّةُ فِيمَا يَعْلَمُونَ، وَلِذَاكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْمُحَاجَّةِ فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ: هَا، قَدْ أُعِيدَتْ مَعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ تَوْكِيدًا، وَتَكُونُ فِي قِرَاءَةِ قُنْبُلٍ قَدْ حَذَفَ أَلِفَ: هَا، كَمَا حَذَفَهَا مَنْ وَقَفَ عَلَى: أَيُّهَ الثَّقَلانِ «١» يَا أَيُّهْ بِالسُّكُونِ وَلَيْسَ الْحَذْفُ فِيهَا يَقْوَى فِي الْقِيَاسِ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: الْأَصْلُ فِي: هَا أَنْتُمْ. فَأُبْدِلَ مِنَ الْهَمْزَةِ الْأُولَى الَّتِي لِلِاسْتِفْهَامِ هَاءٌ. لِأَنَّهَا أُخْتُهَا. وَاسْتَحْسَنَهُ النَّحَّاسُ. وَإِبْدَالُ الْهَمْزَةِ هَاءً مَسْمُوعٌ فِي كَلِمَاتٍ وَلَا يَنْقَاسُ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، لَا يُحْفَظُ مِنْ كَلَامِهِمْ: هَتَضْرِبُ زَيْدًا، بِمَعْنَى: أتضرب زَيْدًا إِلَّا فِي بَيْتٍ نَادِرٍ جَاءَتْ فِيهِ: هَا، بَدَلَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ:
| وَأَتَتْ صَوَاحِبُهَا وَقُلْنَ هَذَا الَّذِي | مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وجفانا |
(١) سورة الرحمن: ٥٥/ ٣١.
199
لِاسْتِثْقَالِ اجْتِمَاعِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَهُنَا قَدْ زَالَ الِاسْتِثْقَالُ بِإِبْدَالِ الْأُولَى: هَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا الْهَمْزَةَ فِي نَحْوِ: أُرِيقُهُ، إِذْ أَصْلُهُ: أَأُرِيقُهُ؟ فَلَمَّا أَبْدَلُوهَا هَاءً لَمْ يَحْذِفُوا، بَلْ قَالُوا:
أَهْرِيقُهُ.
وَقَدْ وَجَّهُوا قِرَاءَةَ قُنْبُلٍ عَلَى أَنَّ: الْهَاءَ، بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِكَوْنِهَا هَاءً لَا أَلِفَ بَعْدَهَا، وَعَلَى هَذَا مَنْ أَثْبَتَ الْأَلِفَ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ فَاصِلَةً بَيْنَ الْهَاءِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَبَيْنَ هَمْزَةِ: أَنْتُمْ، أَجْرَى الْبَدَلَ فِي الْفَصْلِ مَجْرَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَالِاسْتِفْهَامُ عَلَى هَذَا مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ مِنْ حَمَاقَتِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ سَهَّلَ فَلِأَنَّهَا هَمْزَةٌ بَعْدَ أَلِفٍ عَلَى حَدِّ تَسْهِيلِهِمْ إِيَّاهَا فِي: هَيَّأَهُ. وَأَمَّا تَحْقِيقُهَا فَهُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا إِبْدَالُهَا أَلِفًا فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ «١».
وَ: أنتم، مبتدأ، و: هؤلاء. الخبر. و: حاججتم، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. كَقَوْلِ: هَا أَنْتَ ذَا قَائِمًا. وَهِيَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ «٢» عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ فِي إِعْرَابِهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْتُمْ، مُبْتَدَأٌ، و: هؤلاء، خبره، و: حاججتم، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، يَعْنِي: أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصُ الْحَمْقَى، وَبَيَانُ حَمَاقَتِكُمْ، وَقِلَّةِ عُقُولِكُمْ، أَنَّكُمْ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِمَّا نَطَقَ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَلَا ذِكْرٌ لَهُ فِي كِتَابَيْكُمْ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ؟ انْتَهَى.
وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ: هَؤُلَاءِ، بَدَلًا، وَعَطْفَ بَيَانٍ، وَالْخَبَرُ: حَاجَجْتُمْ، وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ، هَؤُلَاءِ، مَوْصُولًا بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ: حَاجَجْتُمْ، صِلَتَهُ. وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ. وَأَجَازُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُنَادَى أَيْ: يَا هَؤُلَاءِ، وَحُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ مِنَ الْمُشَارِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ حَذْفُهُ، وَهُوَ قَلِيلٌ، نَحْوُ قَوْلِ رَجُلٍ مِنْ طيء:
وَقَالَ:
أَهْرِيقُهُ.
وَقَدْ وَجَّهُوا قِرَاءَةَ قُنْبُلٍ عَلَى أَنَّ: الْهَاءَ، بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِكَوْنِهَا هَاءً لَا أَلِفَ بَعْدَهَا، وَعَلَى هَذَا مَنْ أَثْبَتَ الْأَلِفَ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ فَاصِلَةً بَيْنَ الْهَاءِ الْمُبْدَلَةِ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَبَيْنَ هَمْزَةِ: أَنْتُمْ، أَجْرَى الْبَدَلَ فِي الْفَصْلِ مَجْرَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَالِاسْتِفْهَامُ عَلَى هَذَا مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ مِنْ حَمَاقَتِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ سَهَّلَ فَلِأَنَّهَا هَمْزَةٌ بَعْدَ أَلِفٍ عَلَى حَدِّ تَسْهِيلِهِمْ إِيَّاهَا فِي: هَيَّأَهُ. وَأَمَّا تَحْقِيقُهَا فَهُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا إِبْدَالُهَا أَلِفًا فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ «١».
وَ: أنتم، مبتدأ، و: هؤلاء. الخبر. و: حاججتم، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. كَقَوْلِ: هَا أَنْتَ ذَا قَائِمًا. وَهِيَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ «٢» عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ فِي إِعْرَابِهِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنْتُمْ، مُبْتَدَأٌ، و: هؤلاء، خبره، و: حاججتم، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، يَعْنِي: أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصُ الْحَمْقَى، وَبَيَانُ حَمَاقَتِكُمْ، وَقِلَّةِ عُقُولِكُمْ، أَنَّكُمْ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مِمَّا نَطَقَ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَلَا ذِكْرٌ لَهُ فِي كِتَابَيْكُمْ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ؟ انْتَهَى.
وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ: هَؤُلَاءِ، بَدَلًا، وَعَطْفَ بَيَانٍ، وَالْخَبَرُ: حَاجَجْتُمْ، وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ، هَؤُلَاءِ، مَوْصُولًا بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ: حَاجَجْتُمْ، صِلَتَهُ. وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ. وَأَجَازُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُنَادَى أَيْ: يَا هَؤُلَاءِ، وَحُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ مِنَ الْمُشَارِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ حَذْفُهُ، وَهُوَ قَلِيلٌ، نَحْوُ قَوْلِ رَجُلٍ مِنْ طيء:
| إِنَّ الْأُلَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَهُمْ | هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولَا |
| لَا يَغُرُّنَّكُمْ أُولَاءِ من القنو | مِ جُنُوحٌ لِلسِّلْمِ فَهُوَ خداع |
(١) سورة البقرة: ٢/ ٦.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٨٥.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٨٥.
200
يُرِيدُ: يَا هَذَا اعْتَصِمْ، و: يا أُولَاءِ.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيْ: يَعْلَمُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي حَاجَجْتُمْ فِيهِ، وَكَيْفَ حَالُ الشَّرَائِعِ فِي الْمُوَافَقَةِ. وَالْمُخَالَفَةِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ، اسْتِدْعَاءٌ لَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُخْبِرُهُ بِشَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ: اسْمَعْ فَإِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُ.
مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَعْلَمَ تَعَالَى بَرَاءَةَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْيَانِ، وَبَدَأَ بِانْتِفَاءِ الْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ الْيَهُودِ أَقْدَمُ مِنْ شَرِيعَةِ النَّصَارَى، وَكَرَّرَ، لَا، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَوَقَعَتْ لَكِنْ هُنَا أَحْسَنَ مَوْقِعِهَا، إِذْ هِيَ وَاقِعَةٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ اليهود والنصارى، كان الاستدارك بَعْدَ ذِكْرِ الِانْتِفَاءِ عَنْ شَرِيعَتِهِمَا، ثُمَّ نَفَى عَلَى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ لِلتَّبَرِّي مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ كَوْنَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ:
عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ، كَالْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وكالمجوس عبدة النار، وكالصابئة عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى تَفْصِيلِهِمْ، لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ يَجْمَعُهُمْ.
وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُشْرِكِينَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِإِشْرَاكِهِمْ بِهِ عزيرا والمسيح، فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَجَاءَ: مِنَ المشركين، ولم يجىء: وَمَا كَانَ مُشْرِكًا، فَيُنَاسِبَ النَّفْيَ قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَفَى عَنْهُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَالْإِشْرَاكَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْإِشْرَاكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ. وَجَاءَ تَرْتِيبُ النَّفْيِ عَلَى غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، نَفَى نَفْسَ الْمِلَلِ، وَقَرَّرَ الْحَالَ الْحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفَى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أَنَّ تِلْكَ الْمِلَلَ فِيهَا هَذَا الْفَسَادُ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: مَا أَخَذْتُ لَكَ مَالًا، بَلْ حَفِظْتُهُ. وَمَا كُنْتُ سَارِقًا، فَنَفَيْتَ أَقْبَحَ مَا يَكُونُ فِي الْأَخْذِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَتَلَخَّصَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ وَالنَّارِ وَالْكَوَاكِبِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَالثَّالِثُ: عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيْ: يَعْلَمُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي حَاجَجْتُمْ فِيهِ، وَكَيْفَ حَالُ الشَّرَائِعِ فِي الْمُوَافَقَةِ. وَالْمُخَالَفَةِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ فِي شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ، اسْتِدْعَاءٌ لَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُخْبِرُهُ بِشَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ: اسْمَعْ فَإِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُ.
مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَعْلَمَ تَعَالَى بَرَاءَةَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْيَانِ، وَبَدَأَ بِانْتِفَاءِ الْيَهُودِيَّةِ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ الْيَهُودِ أَقْدَمُ مِنْ شَرِيعَةِ النَّصَارَى، وَكَرَّرَ، لَا، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَوَقَعَتْ لَكِنْ هُنَا أَحْسَنَ مَوْقِعِهَا، إِذْ هِيَ وَاقِعَةٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ مَعَ اليهود والنصارى، كان الاستدارك بَعْدَ ذِكْرِ الِانْتِفَاءِ عَنْ شَرِيعَتِهِمَا، ثُمَّ نَفَى عَلَى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ لِلتَّبَرِّي مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ كَوْنَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ:
عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ، كَالْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وكالمجوس عبدة النار، وكالصابئة عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى تَفْصِيلِهِمْ، لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ يَجْمَعُهُمْ.
وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُشْرِكِينَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِإِشْرَاكِهِمْ بِهِ عزيرا والمسيح، فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَوْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَجَاءَ: مِنَ المشركين، ولم يجىء: وَمَا كَانَ مُشْرِكًا، فَيُنَاسِبَ النَّفْيَ قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا رَأْسُ آيَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَفَى عَنْهُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَالْإِشْرَاكَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْإِشْرَاكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ. وَجَاءَ تَرْتِيبُ النَّفْيِ عَلَى غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، نَفَى نَفْسَ الْمِلَلِ، وَقَرَّرَ الْحَالَ الْحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفَى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أَنَّ تِلْكَ الْمِلَلَ فِيهَا هَذَا الْفَسَادُ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ، وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: مَا أَخَذْتُ لَكَ مَالًا، بَلْ حَفِظْتُهُ. وَمَا كُنْتُ سَارِقًا، فَنَفَيْتَ أَقْبَحَ مَا يَكُونُ فِي الْأَخْذِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَتَلَخَّصَ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ. وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةُ الْأَصْنَامِ وَالنَّارِ وَالْكَوَاكِبِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وَالثَّالِثُ: عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
201
وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: مَعْنَى مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُحَاجُّونَ، وَلَكِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ شَرِيعَةَ موسى وعيسى لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يُوصَفُ إِبْرَاهِيمُ بِأَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا لِأَنَّهُمَا صِفَتَا ذَمٍّ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِفِرْقَتَيْنِ ضَالَّتَيْنِ، وَهُمَا طَرِيقَانِ مُحَرَّفَانِ عن دين موسى وعيسى، وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، بَلْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْإِسْلَامِ.
وَالْحَنِيفُ: اسْمٌ لِمَنْ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ الْكَعْبَةَ، وَيَحُجُّ إِلَيْهَا، وَيُضَحِّي، وَيَخْتَتِنُ.
ثُمَّ سُمِّيَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. انْتَهَى.
وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. وَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. فَقَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَمِنْ لَعْنَتِهِ. فَهَلْ تَدُلَّانِي عَلَى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا؟ قَالَا: مَا نَعْلَمَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ النَّفْيَ إِنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ، فَتَكُونُ فِي الْمُوَافَقَةِ لِيَهُودِ زمان رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَصَارَاهُ. لِأَنَّهُمْ غَيَّرُوا فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. لَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وعيسى، وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ مُتَوَافِقُونَ فِي الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفُرُوعِ فَلِأَنَّ اللَّهَ نَسَخَ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى وعيسى، وَأَمَّا مُوَافَقَتُهُ لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفُرُوعِ فَتَكُونُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْأَكْثَرِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي الْأَقَلِّ فَلَمْ يَقْدَحْ فِي الْمُوَافَقَةِ.
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا أَوْلَى النَّاسِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ مِنْكَ وَمِنْ غَيْرِكَ، وَإِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَمَا بِكَ إِلَّا الْحَسَدُ. فَنَزَلَتْ.
وَرُوِيَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ فِي اجْتِمَاعِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: لَا يُوصَفُ إِبْرَاهِيمُ بِأَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا لِأَنَّهُمَا صِفَتَا ذَمٍّ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِفِرْقَتَيْنِ ضَالَّتَيْنِ، وَهُمَا طَرِيقَانِ مُحَرَّفَانِ عن دين موسى وعيسى، وَكَوْنُهُ مُسْلِمًا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، بَلْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْإِسْلَامِ.
وَالْحَنِيفُ: اسْمٌ لِمَنْ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ الْكَعْبَةَ، وَيَحُجُّ إِلَيْهَا، وَيُضَحِّي، وَيَخْتَتِنُ.
ثُمَّ سُمِّيَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا. انْتَهَى.
وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. وَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. فَقَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ، وَمِنْ لَعْنَتِهِ. فَهَلْ تَدُلَّانِي عَلَى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا؟ قَالَا: مَا نَعْلَمَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ:
اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ النَّفْيَ إِنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ، فَتَكُونُ فِي الْمُوَافَقَةِ لِيَهُودِ زمان رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَصَارَاهُ. لِأَنَّهُمْ غَيَّرُوا فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. لَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى وعيسى، وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ مُتَوَافِقُونَ فِي الْأُصُولِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفُرُوعِ فَلِأَنَّ اللَّهَ نَسَخَ شَرِيعَةَ إِبْرَاهِيمَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى وعيسى، وَأَمَّا مُوَافَقَتُهُ لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفُرُوعِ فَتَكُونُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْأَكْثَرِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي الْأَقَلِّ فَلَمْ يَقْدَحْ فِي الْمُوَافَقَةِ.
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ رُؤَسَاءُ الْيَهُودِ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا أَوْلَى النَّاسِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ مِنْكَ وَمِنْ غَيْرِكَ، وَإِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَمَا بِكَ إِلَّا الْحَسَدُ. فَنَزَلَتْ.
وَرُوِيَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ فِي اجْتِمَاعِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَصْحَابِهِ.
202
بِالنَّجَاشِيِّ، وَفِيهِ: أَنَّ النَّجَاشِيَّ قَالَ: لَا دَهْوَرَةَ الْيَوْمَ عَلَى حِزْبِ إِبْرَاهِيمَ. أَيْ: لَا خَوْفَ وَلَا تَبِعَةَ، فَقَالَ عَمْرٌو: مَنْ حِزْبُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ وَصَاحِبُهُمْ، يَعْنِي:
جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ. وَرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي، وَخَلِيلُ رَبِّي إِبْرَاهِيمُ». ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَمَعْنَى: أَوْلَى النَّاسِ: أَخَصُّهُمْ بِهِ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مِنَ الْوَلِيِّ، وَهُوَ الْقُرْبُ. وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَهُ فِي زَمَانِهِ وَغَيْرِ زَمَانِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُتَّبِعُوهُ فِي زَمَانِ الْفَتَرَاتِ. وَعُنِيَ بِالْأَتْبَاعِ أَتْبَاعُهُ فِي شَرِيعَتِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: أَحَقُّهُمْ بِنُصْرَتِهِ أَيْ: بِالْمَعُونَةِ وَبِالْحُجَّةِ، فَمَنْ تَبِعَهُ فِي زَمَانِهِ نَصَرَهُ بِمَعُونَتِهِ على مخالفته. ومحمد وَالْمُؤْمِنُونَ نَصَرُوهُ بِالْحُجَّةِ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مُحِقًّا سَالِمًا مِنَ الْمَطَاعِنِ، وَهَذَا النَّبِيُّ: يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنْ سَائِرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالشَّرَفِ وَالْفَضِيلَةِ، كَقَوْلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ «١».
وَالَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ: آمَنُوا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَخُصُّوا أَيْضًا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، إِذْ هُمْ أَفْضَلُ الْأَتْبَاعِ لِلرُّسُلِ، كَمَا أَنَّ رَسُولَهُمْ أَفْضَلُ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَعُطِفَ وَهذَا النَّبِيُّ عَلَى خَبَرِ إِنَّ، وَمَنْ أَعْرَبَ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ:
هُمُ الْمُتَّبِعُونَ لَهُ، فَقَدْ تَكَلَّفَ إِضْمَارًا لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ.
وقرىء: وَهَذَا النَّبِيَّ، بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى: الْهَاءِ، فِي اتَّبَعُوهُ، فَيَكُونُ مُتَّبَعًا لَا مَتَّبِعًا:
أَيْ: أَحَقُّ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ من اتبعه، ومحمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا، عَطْفًا عَلَى خَبَرِ: إِنَّ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.
وَقُرِئَ: وَهَذَا النَّبِيِّ، بِالْجَرِّ، وَوُجِّهَ عَلَى أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى: إِبْرَاهِيمَ، أَيْ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ وَبِهَذَا النَّبِيِّ للذين اتبعوا إبراهيم. و: النبي، قَالُوا: بَدَلٌ مِنْ هَذَا، أَوْ:
نَعْتٌ، أَوْ: عَطْفُ بَيَانٍ. وَنَبَّهَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ اللَّهُ وَلِيًّا لِعِبَادِهِ، وَهُوَ: الْإِيمَانُ.
فَقَالَ: وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلِيُّهُمْ. وَهَذَا وَعْدٌ لَهُمْ بِالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.
قِيلَ: وَجَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ الْبَلَاغَةِ: التَّنْبِيهَ وَالْإِشَارَةَ وَالْجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وَبِالْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَفِي: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ وَالِاخْتِصَاصِ فِي: عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ وَفِي: وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَالتَّجَوُّزِ بإطلاق اسم
جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ. وَرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي، وَخَلِيلُ رَبِّي إِبْرَاهِيمُ». ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَمَعْنَى: أَوْلَى النَّاسِ: أَخَصُّهُمْ بِهِ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مِنَ الْوَلِيِّ، وَهُوَ الْقُرْبُ. وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَهُ فِي زَمَانِهِ وَغَيْرِ زَمَانِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُتَّبِعُوهُ فِي زَمَانِ الْفَتَرَاتِ. وَعُنِيَ بِالْأَتْبَاعِ أَتْبَاعُهُ فِي شَرِيعَتِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: أَحَقُّهُمْ بِنُصْرَتِهِ أَيْ: بِالْمَعُونَةِ وَبِالْحُجَّةِ، فَمَنْ تَبِعَهُ فِي زَمَانِهِ نَصَرَهُ بِمَعُونَتِهِ على مخالفته. ومحمد وَالْمُؤْمِنُونَ نَصَرُوهُ بِالْحُجَّةِ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مُحِقًّا سَالِمًا مِنَ الْمَطَاعِنِ، وَهَذَا النَّبِيُّ: يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنْ سَائِرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالشَّرَفِ وَالْفَضِيلَةِ، كَقَوْلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ «١».
وَالَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ: آمَنُوا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَخُصُّوا أَيْضًا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، إِذْ هُمْ أَفْضَلُ الْأَتْبَاعِ لِلرُّسُلِ، كَمَا أَنَّ رَسُولَهُمْ أَفْضَلُ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ. وَعُطِفَ وَهذَا النَّبِيُّ عَلَى خَبَرِ إِنَّ، وَمَنْ أَعْرَبَ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ:
هُمُ الْمُتَّبِعُونَ لَهُ، فَقَدْ تَكَلَّفَ إِضْمَارًا لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ.
وقرىء: وَهَذَا النَّبِيَّ، بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى: الْهَاءِ، فِي اتَّبَعُوهُ، فَيَكُونُ مُتَّبَعًا لَا مَتَّبِعًا:
أَيْ: أَحَقُّ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ من اتبعه، ومحمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا، عَطْفًا عَلَى خَبَرِ: إِنَّ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ.
وَقُرِئَ: وَهَذَا النَّبِيِّ، بِالْجَرِّ، وَوُجِّهَ عَلَى أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى: إِبْرَاهِيمَ، أَيْ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ وَبِهَذَا النَّبِيِّ للذين اتبعوا إبراهيم. و: النبي، قَالُوا: بَدَلٌ مِنْ هَذَا، أَوْ:
نَعْتٌ، أَوْ: عَطْفُ بَيَانٍ. وَنَبَّهَ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ اللَّهُ وَلِيًّا لِعِبَادِهِ، وَهُوَ: الْإِيمَانُ.
فَقَالَ: وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلِيُّهُمْ. وَهَذَا وَعْدٌ لَهُمْ بِالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.
قِيلَ: وَجَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ الْبَلَاغَةِ: التَّنْبِيهَ وَالْإِشَارَةَ وَالْجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وَبِالْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَفِي: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ وَالِاخْتِصَاصِ فِي: عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ وَفِي: وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَالتَّجَوُّزِ بإطلاق اسم
(١) سورة البقرة: ٢/ ٩٨.
203
الْوَاحِدِ عَلَى الْجَمْعِ فِي: إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ وَبِإِطْلَاقِ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى نَوْعِهِ فِي: يَا أَهْلَ الْكِتابِ إِذَا فُسِّرَ بِالْيَهُودِ. وَالتَّكْرَارِ في: إلا الله، و: إنّ اللَّهَ، وَفِي: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ. وَفِي: إِبْرَاهِيمَ، و: ما كان إبراهيم، و: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ.
وَالتَّشْبِيهِ فِي: أَرْبَابًا، لَمَّا أَطَاعُوهُمْ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَأَذْعَنُوا إِلَيْهِمْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ:
أَرْبَابًا تَشْبِيهًا بِالرَّبِّ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعِبَادَةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَالْإِجْمَالِ فِي الْخِطَابِ فِي: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، تَعَالَوْا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، لِمَ تُحَاجُّونَ، كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: يَا أَبَتِ. يَا أَبَتِ. وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي: أَوْلَى وولي.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٩ الى ٧١]
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي:
مُعَاذٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَعَمَّارٍ. دَعَاهُمْ يَهُودُ: بَنِي النَّضِيرِ، وقريظة، وقينقاع، إِلَى دِينِهِمْ. وَقِيلَ:
دَعَاهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَمِنْ يَهُودَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ، قَالُوا لِمُعَاذٍ وَعَمَّارٍ تَرَكْتُمَا دِينَكُمَا وَاتَّبَعْتُمَا دِينَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ. وَقِيلَ: عَيَّرَتْهُمُ الْيَهُودُ بِوَقْعَةِ أُحُدٍ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: وَدَّ بِمَعْنَى: تَمَنَّى، فتستعمل معها: لو، و: أن، وَرُبَّمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، فَيُقَالُ: وَدِدْتُ أَنْ لَوْ فَعَلَ، وَمَصْدَرُهُ: الْوِدَادَةُ، وَالِاسْمُ مِنْهُ: وُدٌّ، وَقَدْ يَتَدَاخَلَانِ فِي المصدر والاسم. قال الرَّاغِبُ: إِذَا كَانَ: وَدَّ، بِمَعْنَى أَحَبَّ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ: لَوْ فِيهِ أَبَدًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: إِذَا كَانَ: وَدَّ، بِمَعْنَى: تَمَنَّى، صَلَحَ لِلْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالْإِرَادَةِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْمَاضِي لِأَنَّ الْإِرَادَةَ كَاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ. وَإِذَا كَانَ لِلْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ جَازَ: أَنْ وَلَوْ، وَإِذَا كَانَ لِلْمَاضِي لَمْ يَجُزْ: أَنْ، لِأَنَّ:
وَالتَّشْبِيهِ فِي: أَرْبَابًا، لَمَّا أَطَاعُوهُمْ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَأَذْعَنُوا إِلَيْهِمْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ:
أَرْبَابًا تَشْبِيهًا بِالرَّبِّ الْمُسْتَحِقِّ لِلْعِبَادَةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَالْإِجْمَالِ فِي الْخِطَابِ فِي: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، تَعَالَوْا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، لِمَ تُحَاجُّونَ، كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: يَا أَبَتِ. يَا أَبَتِ. وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
| مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا | لَا تَنْبِشُوا بَيْنَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا |
| بَنِي عَمِّنَا لَا تَنْبِشُوا الشَّرَّ بَيْنَنَا | فَكَمْ مِنْ رَمَادٍ صَارَ مِنْهُ لَهِيبُ |
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٩ الى ٧١]
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي:
مُعَاذٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَعَمَّارٍ. دَعَاهُمْ يَهُودُ: بَنِي النَّضِيرِ، وقريظة، وقينقاع، إِلَى دِينِهِمْ. وَقِيلَ:
دَعَاهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَمِنْ يَهُودَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْيَهُودُ، قَالُوا لِمُعَاذٍ وَعَمَّارٍ تَرَكْتُمَا دِينَكُمَا وَاتَّبَعْتُمَا دِينَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ. وَقِيلَ: عَيَّرَتْهُمُ الْيَهُودُ بِوَقْعَةِ أُحُدٍ.
وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: وَدَّ بِمَعْنَى: تَمَنَّى، فتستعمل معها: لو، و: أن، وَرُبَّمَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، فَيُقَالُ: وَدِدْتُ أَنْ لَوْ فَعَلَ، وَمَصْدَرُهُ: الْوِدَادَةُ، وَالِاسْمُ مِنْهُ: وُدٌّ، وَقَدْ يَتَدَاخَلَانِ فِي المصدر والاسم. قال الرَّاغِبُ: إِذَا كَانَ: وَدَّ، بِمَعْنَى أَحَبَّ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ: لَوْ فِيهِ أَبَدًا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: إِذَا كَانَ: وَدَّ، بِمَعْنَى: تَمَنَّى، صَلَحَ لِلْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالْإِرَادَةِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْمَاضِي لِأَنَّ الْإِرَادَةَ كَاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ. وَإِذَا كَانَ لِلْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ جَازَ: أَنْ وَلَوْ، وَإِذَا كَانَ لِلْمَاضِي لَمْ يَجُزْ: أَنْ، لِأَنَّ:
204
أَنْ، لِلْمُسْتَقْبَلِ. وَمَا قَالَ فِيهِ نَظَرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ: أَنْ، تُوصَلُ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي نَحْوَ: سَرَّنِي أَنْ قُمْتَ؟.
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطَائِفَةٍ، وَالطَّائِفَةُ رُؤَسَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ: مِنْ، أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَتَكُونُ الطَّائِفَةُ جَمِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَا قَالَهُ يَبْعُدُ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَلَوْ، هُنَا قَالُوا بِمَعْنَى: أَنْ فَتَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ جُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْأَوْلَى إِقْرَارُهَا عَلَى وَضْعِهَا. وَمَفْعُولُ: وَدَّ، مَحْذُوفٌ، وَجَوَابُ: لَوْ، مَحْذُوفٌ، حُذِفَ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ مَا يَدُلُّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وَدُّوا إِضْلَالَكُمْ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ لَسُرُّوا بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ فِي نَظِيرِ هَذَا مُشَبَّعًا فِي قَوْلِهِ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ «١» فَيُطَالَعُ هُنَاكَ.
وَمَعْنَى: يُضِلُّونَكُمْ، يَرُدُّونَكُمْ إِلَى كُفْرِكُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: يُهْلِكُونَكُمْ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالدِّمَشْقِيُّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاسْتَدَلَّ، يَعْنِي ابْنَ جَرِيرِ الطَّبَرِيَّ بِبَيْتِ جَرِيرٍ:
وَبِقَوْلِ النَّابِغَةِ:
وَهُوَ تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُخَلِّصٍ وَلَا خَاصٍّ بِاللَّفْظَةِ، وَإِنَّمَا اطَّرَدَ لَهُ، لِأَنَّ هَذَا الضَّلَالَ فِي الْآيَةِ فِي الْبَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلَاكٌ، وَأَمَّا أَنْ يُفَسِّرَ لَفْظَةَ الضَّلَالَ بِالْهَلَاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ أَضَلُّ الضَّلَالِ فِي اللُّغَةِ الْهَلَاكُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ، إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُوقِعُونَكُمْ فِي الضَّلَالِ، وَيُلْقُونَ إِلَيْكُمْ مَا يُشَكِّكُونَكُمْ بِهِ فِي دِينِكُمْ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ.
وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِهْلَاكَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَشْيَاعَهُمْ، لِاسْتِحْقَاقِهِمْ بِإِيثَارِهِمْ إِهْلَاكَ الْمُؤْمِنِينَ سُخْطُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْإِخْرَاجَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ حَاصِلٌ لَهُمْ بِجَحْدِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، وَتَغْيِيرِ صِفَتِهِ صَارُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا، وَخَرَجُوا عَنْ مِلَّةِ موسى وعيسى. وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْإِيقَاعَ فِي الضَّلَالِ، فَذَلِكَ حَاصِلٌ لَهُمْ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى بِإِيضَاحِ الْحُجَجِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ.
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطَائِفَةٍ، وَالطَّائِفَةُ رُؤَسَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ: مِنْ، أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَتَكُونُ الطَّائِفَةُ جَمِيعَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَا قَالَهُ يَبْعُدُ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَلَوْ، هُنَا قَالُوا بِمَعْنَى: أَنْ فَتَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، وَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ جُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْأَوْلَى إِقْرَارُهَا عَلَى وَضْعِهَا. وَمَفْعُولُ: وَدَّ، مَحْذُوفٌ، وَجَوَابُ: لَوْ، مَحْذُوفٌ، حُذِفَ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ مَا يَدُلُّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: وَدُّوا إِضْلَالَكُمْ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ لَسُرُّوا بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا الْكَلَامُ فِي نَظِيرِ هَذَا مُشَبَّعًا فِي قَوْلِهِ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ «١» فَيُطَالَعُ هُنَاكَ.
وَمَعْنَى: يُضِلُّونَكُمْ، يَرُدُّونَكُمْ إِلَى كُفْرِكُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: يُهْلِكُونَكُمْ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالدِّمَشْقِيُّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاسْتَدَلَّ، يَعْنِي ابْنَ جَرِيرِ الطَّبَرِيَّ بِبَيْتِ جَرِيرٍ:
| كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوجِ أَخْضَرَ مُزْبِدٍ | قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالًا |
| فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَينِ جَلِيَّةٍ | وَغودِرَ بِالْجَوْلَانِ حَزْمٌ وَنَائِلُ |
وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ أَضَلُّ الضَّلَالِ فِي اللُّغَةِ الْهَلَاكُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ، إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُوقِعُونَكُمْ فِي الضَّلَالِ، وَيُلْقُونَ إِلَيْكُمْ مَا يُشَكِّكُونَكُمْ بِهِ فِي دِينِكُمْ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ.
وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِهْلَاكَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَشْيَاعَهُمْ، لِاسْتِحْقَاقِهِمْ بِإِيثَارِهِمْ إِهْلَاكَ الْمُؤْمِنِينَ سُخْطُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْإِخْرَاجَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ حَاصِلٌ لَهُمْ بِجَحْدِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، وَتَغْيِيرِ صِفَتِهِ صَارُوا بِذَلِكَ كُفَّارًا، وَخَرَجُوا عَنْ مِلَّةِ موسى وعيسى. وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْإِيقَاعَ فِي الضَّلَالِ، فَذَلِكَ حَاصِلٌ لَهُمْ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اتِّبَاعِ الْهُدَى بِإِيضَاحِ الْحُجَجِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ.
(١) سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ٢/ ٩٦.
205
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إِعْلَامٌ أَنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ يُبْعِدُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَا يَعُودُ وَبَالُ الضَّلَالِ إِلَّا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْعَذَابَ يُضَاعَفُ لَهُمْ بِضَلَالِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ، أَوْ: وَمَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِضْلَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يُضِلُّونَ أَمْثَالَهُمْ مِنْ أَشْيَاعِهِمُ.
انْتَهَى.
وَما يَشْعُرُونَ إِنَّ ذَلِكَ الضَّلَالَ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ أَيْ: لَا يَفْطِنُونَ لِذَلِكَ لَمَّا دَقَّ أَمْرُهُ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ لِمَا اعْتَرَى قُلُوبَهُمْ مِنَ الْقَسَاوَةِ، فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُضِلُّونَ أَنْفُسَهُمْ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ جَاهِلًا كَانَ ضَالًّا، أَوْ وَما يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى إِضْلَالِكُمْ، أَوْ: لَا يَفْطِنُونَ بِصِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا لِظُهُورِ الْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ. أَوْ: مَا يَشْعُرُونَ أَنَّ اللَّهَ يَدُلُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَالِهِمْ، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَفِي قَوْلِهِ: مَا يَشْعُرُونَ، مُبَالَغَةٌ فِي ذَمِّهِمْ حَيْثُ فَقَدُوا المنفعة بحواسهم.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ التوراة والإنجيل وكفرهم بها من جهة تغيير الأحكام، وتحريف الكلام أو الآيات التي فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ وَصْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «١» قَالَهُ قَتَادَةُ، والسدي، والربيع، وابن جريح. أَوِ: الْقُرْآنُ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِمْ:
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ «٢» أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٣» وَالْآيَاتُ الَّتِي أَظْهَرَهَا عَلَى يَدَيْهِ مِنِ: انْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ. أَوْ: مُحَمَّدٌ وَالْإِسْلَامُ، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَوْ: مَا تَلَاهُ مِنْ أَسْرَارِ كُتُبِهِمْ وَغَرِيبِ أَخْبَارِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. أَوْ: كُتُبُ اللَّهِ، أَوِ: الْآيَاتُ الَّتِي يُبَيِّنُ لَهُمْ فِيهَا صِدْقَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، وَأُمِرُوا فِيهَا بِاتِّبَاعِهِ، قَالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّهَا آيَاتُ اللَّهِ، وَمُتَعَلِّقُ الشَّهَادَةِ مَحْذُوفٌ، يُقَدَّرُ عَلَى حَسَبِ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ، فَيُقَدَّرُ بِمَا يُنَاسِبُ ما
انْتَهَى.
وَما يَشْعُرُونَ إِنَّ ذَلِكَ الضَّلَالَ هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ أَيْ: لَا يَفْطِنُونَ لِذَلِكَ لَمَّا دَقَّ أَمْرُهُ وَخَفِيَ عَلَيْهِمْ لِمَا اعْتَرَى قُلُوبَهُمْ مِنَ الْقَسَاوَةِ، فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُضِلُّونَ أَنْفُسَهُمْ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ جَاهِلًا كَانَ ضَالًّا، أَوْ وَما يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى إِضْلَالِكُمْ، أَوْ: لَا يَفْطِنُونَ بِصِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا لِظُهُورِ الْبَرَاهِينِ وَالْحُجَجِ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ. أَوْ: مَا يَشْعُرُونَ أَنَّ اللَّهَ يَدُلُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَالِهِمْ، وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
وَفِي قَوْلِهِ: مَا يَشْعُرُونَ، مُبَالَغَةٌ فِي ذَمِّهِمْ حَيْثُ فَقَدُوا المنفعة بحواسهم.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ التوراة والإنجيل وكفرهم بها من جهة تغيير الأحكام، وتحريف الكلام أو الآيات التي فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ وَصْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «١» قَالَهُ قَتَادَةُ، والسدي، والربيع، وابن جريح. أَوِ: الْقُرْآنُ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِمْ:
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ «٢» أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «٣» وَالْآيَاتُ الَّتِي أَظْهَرَهَا عَلَى يَدَيْهِ مِنِ: انْشِقَاقِ الْقَمَرِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَتَسْبِيحِ الْحَصَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ. أَوْ: مُحَمَّدٌ وَالْإِسْلَامُ، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَوْ: مَا تَلَاهُ مِنْ أَسْرَارِ كُتُبِهِمْ وَغَرِيبِ أَخْبَارِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. أَوْ: كُتُبُ اللَّهِ، أَوِ: الْآيَاتُ الَّتِي يُبَيِّنُ لَهُمْ فِيهَا صِدْقَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، وَأُمِرُوا فِيهَا بِاتِّبَاعِهِ، قَالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّهَا آيَاتُ اللَّهِ، وَمُتَعَلِّقُ الشَّهَادَةِ مَحْذُوفٌ، يُقَدَّرُ عَلَى حَسَبِ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ، فَيُقَدَّرُ بِمَا يُنَاسِبُ ما
(١) سورة الأعراف: ٧/ ١٥٧.
(٢) سورة الفرقان: ٢٥/ ٤.
(٣) سورة الأنعام: ٦/ ٢٥. والأنفال: ٨/ ٣١، والنحل: ١٦/ ٢٤، والمؤمنون: ٢٣/ ٨٣، والفرقان: ٢٥/ ٥، والنمل: ٢٧/ ٦٨١، والأحقاف: ٤٦/ ١٧، والقلم: ٦٨/ ١٥، والمطففين: ٨٣/ ١٣.
(٢) سورة الفرقان: ٢٥/ ٤.
(٣) سورة الأنعام: ٦/ ٢٥. والأنفال: ٨/ ٣١، والنحل: ١٦/ ٢٤، والمؤمنون: ٢٣/ ٨٣، والفرقان: ٢٥/ ٥، والنمل: ٢٧/ ٦٨١، والأحقاف: ٤٦/ ١٧، والقلم: ٦٨/ ١٥، والمطففين: ٨٣/ ١٣.
206
فُسِّرَتْ بِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا مِنْ كِتَابِكُمُ الَّذِي فِيهِ الْبِشَارَةُ.
وَقِيلَ: تَشْهَدُونَ بِمِثْلِهَا مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِهَا، وَقِيلَ: بِمَا عَلَيْكُمْ فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّ كُتُبَكُمْ حَقٌّ، وَلَا تَتَّبِعُونَ مَا أُنْزِلَ فِيهَا. وَقِيلَ: بِصِحَّتِهَا إِذَا خَلَوْتُمْ.
فَيَكُونُ: تَشْهَدُونَ، بِمَعْنَى: تُقِرُّونَ وَتَعْتَرِفُونَ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَوْ عَنَى مَا يَكُونُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ «١».
وَقِيلَ: تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ: تُنْكِرُونَ كَوْنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكُمْ وَعُقُولِكُمْ أَنَّهُ مُعْجِزٌ.
يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا فِي قَوْلِهِ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ «٢» وَفُسِّرَ: اللَّبْسُ، بِالْخَلْطِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَتَكَلَّمَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا، فَفَسَّرُوا الْحَقَّ بِمَا يَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ، وَالْبَاطِلَ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيُحَرِّفُونَهُ: قَالَ مَعْنَاهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقِيلَ: إِظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَإِبْطَالُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَالثَّعْلَبِيُّ.
وَقِيلَ: الْإِيمَانُ بِمُوسَى وعيسى، وَالْكَفْرُ بِالرَّسُولِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يَتَأَوَّلُونَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهَا، لِيَظْهَرَ مِنْهَا لِلْعَوَامِّ خِلَافُ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا تَقُولُونَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ وَقِيلَ: إِقْرَارُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ. وَالْبَاطِلُ: كِتْمَانُهُمْ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: إِقْرَارُهُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَالْبَاطِلُ قَوْلُ أَحْبَارِهِمْ: لَيْسَ رَسُولًا إِلَيْنَا، بَلْ شَرِيعَتُنَا مُؤَبَّدَةٌ.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: تَلْبَسُونَ، بِفَتْحِ الْبَاءِ مُضَارِعُ: لَبِسَ، جَعَلَ الْحَقَّ كَأَنَّهُ ثَوْبٌ لَبِسُوهُ، وَالْبَاءُ فِي: بِالْبَاطِلِ، لِلْحَالِ أَيْ: مَصْحُوبًا بِالْبَاطِلِ.
وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَزٍ: تُلَبِّسُونَ، بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَالتَّشْدِيدُ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: جَرَّحْتُ وَقَتَّلْتُ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ فِي: وَيَكْتُمُونَ، النصب، فتسقط النون
وَقِيلَ: تَشْهَدُونَ بِمِثْلِهَا مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِهَا، وَقِيلَ: بِمَا عَلَيْكُمْ فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّ كُتُبَكُمْ حَقٌّ، وَلَا تَتَّبِعُونَ مَا أُنْزِلَ فِيهَا. وَقِيلَ: بِصِحَّتِهَا إِذَا خَلَوْتُمْ.
فَيَكُونُ: تَشْهَدُونَ، بِمَعْنَى: تُقِرُّونَ وَتَعْتَرِفُونَ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَوْ عَنَى مَا يَكُونُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ «١».
وَقِيلَ: تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ: تُنْكِرُونَ كَوْنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكُمْ وَعُقُولِكُمْ أَنَّهُ مُعْجِزٌ.
يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا فِي قَوْلِهِ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ «٢» وَفُسِّرَ: اللَّبْسُ، بِالْخَلْطِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَتَكَلَّمَ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا، فَفَسَّرُوا الْحَقَّ بِمَا يَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ، وَالْبَاطِلَ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَيُحَرِّفُونَهُ: قَالَ مَعْنَاهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ.
وَقِيلَ: إِظْهَارُ الْإِسْلَامِ وَإِبْطَالُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَالثَّعْلَبِيُّ.
وَقِيلَ: الْإِيمَانُ بِمُوسَى وعيسى، وَالْكَفْرُ بِالرَّسُولِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: يَتَأَوَّلُونَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهَا، لِيَظْهَرَ مِنْهَا لِلْعَوَامِّ خِلَافُ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلَانَ مَا تَقُولُونَ.
وَقِيلَ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ وَقِيلَ: إِقْرَارُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ. وَالْبَاطِلُ: كِتْمَانُهُمْ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: إِقْرَارُهُمْ بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَالْبَاطِلُ قَوْلُ أَحْبَارِهِمْ: لَيْسَ رَسُولًا إِلَيْنَا، بَلْ شَرِيعَتُنَا مُؤَبَّدَةٌ.
وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ: تَلْبَسُونَ، بِفَتْحِ الْبَاءِ مُضَارِعُ: لَبِسَ، جَعَلَ الْحَقَّ كَأَنَّهُ ثَوْبٌ لَبِسُوهُ، وَالْبَاءُ فِي: بِالْبَاطِلِ، لِلْحَالِ أَيْ: مَصْحُوبًا بِالْبَاطِلِ.
وَقَرَأَ أَبُو مِجْلَزٍ: تُلَبِّسُونَ، بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَالتَّشْدِيدُ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: جَرَّحْتُ وَقَتَّلْتُ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ، وَالزَّجَّاجُ فِي: وَيَكْتُمُونَ، النصب، فتسقط النون
(١) سورة النور: ٢٤/ ٢٤.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٤٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ٤٢.
207
مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ عَلَى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذَا وَذَا؟ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى الصَّرْفِ فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ، وَبِإِضْمَارِ: أَنْ، فِي قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ، وَقَالَ: الِاسْتِفْهَامُ وَقَعَ عَلَى اللَّبْسِ فَحَسْبُ.
وَأَمَّا: يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى:
تَلْبِسُونَ، بَلْ هُوَ اسْتِئْنَافٌ، خَبَرٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ الْحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ حَقٌّ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: الصَّرْفُ هَاهُنَا يَقْبُحُ، وَكَذَلِكَ إِضْمَارُ: أَنْ، لِأَنَّ: يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلَى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، وَلَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتُفْهِمَ عَنِ السَّبَبِ فِي اللَّبْسِ، وَاللَّبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الْآيَةُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: لَا تأكل السمك وتشرب اللبن، وَبِمَنْزِلَةِ، قَوْلِكَ: أَتَقُومُ فَأَقُومَ؟ وَالْعَطْفُ عَلَى الْمُوجَبِ الْمُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتَى نُصِبَ، إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ، كَمَا رُوِيَ:
وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: فِي قَوْلِكَ: أَسِرْتَ حَتَّى تَدْخُلَهَا، لَا يَجُوزُ إِلَّا النَّصْبُ، فِي:
تَدْخُلَ، لِأَنَّ السَّيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ غَيْرُ مُوجَبٍ: وَإِذَا قُلْنَا: أَيُّهُمْ سَارَ حَتَّى يَدْخُلُهَا، رُفِعَتْ، لِأَنَّ السَّيْرَ مُوجَبٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ.
وَالظَّاهِرُ تَعَارُضُ مَا نُقِلَ مَعَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ فِيهِ: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ وَقَعَ عَلَى اللَّبْسِ فَحَسْبُ، وَأَمَّا: يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، وَفِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ:
يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلَى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، وَلَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، فَيَدُلُّ الْعَطْفُ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْتِفْهَامِ عَنْ سَبَبِ اللَّبْسِ وَسَبَبِ الْكَتْمِ الْمُوجَبَيْنِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا الْمَعْنَى وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ: وَيَكْتُمُونَ، إِخْبَارًا مَحْضًا لَمْ يَشْتَرِكْ مَعَ اللَّبْسِ فِي السُّؤَالِ عَنِ السَّبَبِ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ إِذَا تَضَمَّنَ وُقُوعَ الْفِعْلِ لَا يَنْتَصِبُ الْفِعْلُ بِإِضْمَارِ أَنْ فِي جَوَابِهِ، تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ مَالِكٍ. فَقَالَ فِي (التَّسْهِيلِ) حِينَ عَدَّ مَا يُضْمِرُ: أَنْ، لُزُومًا فِي الْجَوَابِ، فَقَالَ: أَوْ لِاسْتِفْهَامٍ لَا يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الْفِعْلِ، فَإِنْ تَضَمَّنَ وَقْعَ الْفِعْلِ لَمْ يَجُزِ النَّصْبُ عِنْدَهُ، نَحْوَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا، فَيُجَازِيكَ؟ لِأَنَّ الضَّرْبَ قَدْ وَقَعَ وَلَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَشْتَرِطُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَتَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ مَالِكٍ فِي الِاسْتِفْهَامِ، بَلْ إِذَا تَعَذَّرَ سَبْكُ مَصْدَرٍ مِمَّا قَبْلَهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ثَمَّ فِعْلٌ، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ يَنْسَبِكُ مِنْهُ، وإما لإسحالة سَبْكِ مَصْدَرٍ مُرَادٍ اسْتِقْبَالُهُ لِأَجْلِ مُضِيِّ الْفِعْلِ، فَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِيهِ مَصْدَرُ اسْتِقْبَالِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، فَإِذَا قَالَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا فَأَضْرِبُكَ. أَيْ: لِيَكُنْ مِنْكَ تَعْرِيفٌ بِضَرْبِ زَيْدٍ فَضَرْبٌ
وَأَمَّا: يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى:
تَلْبِسُونَ، بَلْ هُوَ اسْتِئْنَافٌ، خَبَرٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ الْحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ حَقٌّ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: الصَّرْفُ هَاهُنَا يَقْبُحُ، وَكَذَلِكَ إِضْمَارُ: أَنْ، لِأَنَّ: يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلَى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، وَلَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتُفْهِمَ عَنِ السَّبَبِ فِي اللَّبْسِ، وَاللَّبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الْآيَةُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: لَا تأكل السمك وتشرب اللبن، وَبِمَنْزِلَةِ، قَوْلِكَ: أَتَقُومُ فَأَقُومَ؟ وَالْعَطْفُ عَلَى الْمُوجَبِ الْمُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتَى نُصِبَ، إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ، كَمَا رُوِيَ:
وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: فِي قَوْلِكَ: أَسِرْتَ حَتَّى تَدْخُلَهَا، لَا يَجُوزُ إِلَّا النَّصْبُ، فِي:
تَدْخُلَ، لِأَنَّ السَّيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ غَيْرُ مُوجَبٍ: وَإِذَا قُلْنَا: أَيُّهُمْ سَارَ حَتَّى يَدْخُلُهَا، رُفِعَتْ، لِأَنَّ السَّيْرَ مُوجَبٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ.
وَالظَّاهِرُ تَعَارُضُ مَا نُقِلَ مَعَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ فِيهِ: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ وَقَعَ عَلَى اللَّبْسِ فَحَسْبُ، وَأَمَّا: يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الرَّفْعُ، وَفِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنَّ:
يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلَى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، وَلَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، فَيَدُلُّ الْعَطْفُ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْتِفْهَامِ عَنْ سَبَبِ اللَّبْسِ وَسَبَبِ الْكَتْمِ الْمُوجَبَيْنِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا الْمَعْنَى وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ: وَيَكْتُمُونَ، إِخْبَارًا مَحْضًا لَمْ يَشْتَرِكْ مَعَ اللَّبْسِ فِي السُّؤَالِ عَنِ السَّبَبِ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ إِذَا تَضَمَّنَ وُقُوعَ الْفِعْلِ لَا يَنْتَصِبُ الْفِعْلُ بِإِضْمَارِ أَنْ فِي جَوَابِهِ، تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ مَالِكٍ. فَقَالَ فِي (التَّسْهِيلِ) حِينَ عَدَّ مَا يُضْمِرُ: أَنْ، لُزُومًا فِي الْجَوَابِ، فَقَالَ: أَوْ لِاسْتِفْهَامٍ لَا يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الْفِعْلِ، فَإِنْ تَضَمَّنَ وَقْعَ الْفِعْلِ لَمْ يَجُزِ النَّصْبُ عِنْدَهُ، نَحْوَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا، فَيُجَازِيكَ؟ لِأَنَّ الضَّرْبَ قَدْ وَقَعَ وَلَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَشْتَرِطُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ، وَتَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ مَالِكٍ فِي الِاسْتِفْهَامِ، بَلْ إِذَا تَعَذَّرَ سَبْكُ مَصْدَرٍ مِمَّا قَبْلَهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ثَمَّ فِعْلٌ، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ يَنْسَبِكُ مِنْهُ، وإما لإسحالة سَبْكِ مَصْدَرٍ مُرَادٍ اسْتِقْبَالُهُ لِأَجْلِ مُضِيِّ الْفِعْلِ، فَإِنَّمَا يُقَدَّرُ فِيهِ مَصْدَرُ اسْتِقْبَالِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، فَإِذَا قَالَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا فَأَضْرِبُكَ. أَيْ: لِيَكُنْ مِنْكَ تَعْرِيفٌ بِضَرْبِ زَيْدٍ فَضَرْبٌ
208
مِنَّا، وَمَا رَدَّ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ. لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِمَ تَلْبِسُونَ لَيْسَ نَصًّا عَلَى أَنَّ الْمُضَارِعَ أُرِيدَ بِهِ الْمَاضِي حَقِيقَةً، إِذْ قَدْ يُنْكَرُ الْمُسْتَقْبَلُ لِتَحَقُّقِ صُدُورِهِ، لَا سِيَّمَا عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْهُ وُجُودُ أَمْثَالِهِ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ مَاضٍ حَقِيقَةً، فَلَا رَدَّ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ، لِأَنَّهُ كَمَا قَرَّرْنَا قَبْلُ: إِذَا لَمْ يُمْكِنْ سَبْكُ مَصْدَرٍ مُسْتَقْبَلٍ مِنَ الْجُمْلَةِ، سَبَكْنَاهُ مِنْ لَازِمِ الْجُمْلَةِ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كَيْسَانَ نَصْبَ الْفِعْلِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ، نَحْوَ:
أَيْنَ ذَهَبَ زَيْدٌ فَنَتْبَعَهُ؟ وَكَذَلِكَ فِي: كَمْ مَالُكَ فَنَعْرِفَهُ؟ و: من أَبُوكَ فَنُكْرِمَهُ؟ لَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ: لِيَكُنْ مِنْكَ إِعْلَامٌ بِذَهَابِ زَيْدٍ فاتباع منا. و: ليكن مِنْكَ إِعْلَامٌ بِقَدْرِ مَالِكَ فمعرفة منا. و: ليكن مِنْكَ إِعْلَامٌ بِأَبِيكَ فَإِكْرَامٌ مِنَّا لَهُ.
وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لِمَ تَلْبِسُوا، وَتَكْتُمُوا، بِحَذْفِ النُّونِ فِيهِمَا، قَالُوا: وَذَلِكَ جَزْمٌ، قَالُوا: وَلَا وَجْهَ لَهُ سِوَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شُذُوذٌ مِنَ النُّحَاةِ فِي إِلْحَاقِ: لم بلم فِي عَمَلِ الْجَزْمِ.
وَقَالَ السَّجَاوَنْدِيُّ: وَلَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا أَنَّ: لِمَ، تَجْزِمُ الْفِعْلَ عِنْدَ قَوْمٍ كُلَّمٍ. انْتَهَى. وَالثَّابِتُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ: لِمَ، لَا يَنْجَزِمُ مَا بَعْدَهَا، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أَنَّ لِمَ تَجْرِي مَجْرَى: لَمْ فِي الْجَزْمِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ هُنَا، وَإِنَّمَا هَذَا عِنْدِي مِنْ بَابِ حَذْفِ النُّونِ حَالَةَ الرَّفْعِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي النَّثْرِ قَلِيلًا جِدًّا، وَذَلِكَ فِي قراءة أبي عمرو، وَمِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ قَالُوا: ساحران تظاهرا، بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ، أَيْ أَنْتُمَا سَاحِرَانِ تَتَظَاهَرَانَ فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ وَحَذَفَ النُّونَ، وَأَمَّا فِي النَّظْمِ، فَنَحْوَ: قَوْلِ الرَّاجِزِ:
أَبِيتُ أُسَرِّي وَتَبِيتِي تُدَلِّكِي يُرِيدُ: وَتَبِيتِينَ تُدَلِّكِينَ. وَقَالَ:
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ لُبْسَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَكَتْمَ الْحَقِّ، وَكَأَنَّ الْحَقَّ مُنْقَسِمٌ إِلَى قِسْمَيْنِ:
قِسْمٌ خَلَطُوا فِيهِ الْبَاطِلَ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ، وَقِسْمٌ كَتَمُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى لَا يَظْهَرَ.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ مَا الْتَبَسُوا بِهِ مِنْ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَانِهِ، أَيْ: لَا يُنَاسِبُ مَنْ عَلِمَ الْحَقَّ أَنْ يَكْتُمَهُ، وَلَا أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْبَاطِلِ، وَالسُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ سُؤَالٌ عَنِ الْمُسَبِّبِ، فَإِذَا أَنْكَرَ السَّبَبَ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُنْكِرَ الْمُسَبِّبَ، وَخُتِمَتِ الْآيَةُ قَبْلَ
وَقَدْ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ كَيْسَانَ نَصْبَ الْفِعْلِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ، نَحْوَ:
أَيْنَ ذَهَبَ زَيْدٌ فَنَتْبَعَهُ؟ وَكَذَلِكَ فِي: كَمْ مَالُكَ فَنَعْرِفَهُ؟ و: من أَبُوكَ فَنُكْرِمَهُ؟ لَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ: لِيَكُنْ مِنْكَ إِعْلَامٌ بِذَهَابِ زَيْدٍ فاتباع منا. و: ليكن مِنْكَ إِعْلَامٌ بِقَدْرِ مَالِكَ فمعرفة منا. و: ليكن مِنْكَ إِعْلَامٌ بِأَبِيكَ فَإِكْرَامٌ مِنَّا لَهُ.
وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لِمَ تَلْبِسُوا، وَتَكْتُمُوا، بِحَذْفِ النُّونِ فِيهِمَا، قَالُوا: وَذَلِكَ جَزْمٌ، قَالُوا: وَلَا وَجْهَ لَهُ سِوَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شُذُوذٌ مِنَ النُّحَاةِ فِي إِلْحَاقِ: لم بلم فِي عَمَلِ الْجَزْمِ.
وَقَالَ السَّجَاوَنْدِيُّ: وَلَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا أَنَّ: لِمَ، تَجْزِمُ الْفِعْلَ عِنْدَ قَوْمٍ كُلَّمٍ. انْتَهَى. وَالثَّابِتُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ: لِمَ، لَا يَنْجَزِمُ مَا بَعْدَهَا، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أَنَّ لِمَ تَجْرِي مَجْرَى: لَمْ فِي الْجَزْمِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ هُنَا، وَإِنَّمَا هَذَا عِنْدِي مِنْ بَابِ حَذْفِ النُّونِ حَالَةَ الرَّفْعِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي النَّثْرِ قَلِيلًا جِدًّا، وَذَلِكَ فِي قراءة أبي عمرو، وَمِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ قَالُوا: ساحران تظاهرا، بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ، أَيْ أَنْتُمَا سَاحِرَانِ تَتَظَاهَرَانَ فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ وَحَذَفَ النُّونَ، وَأَمَّا فِي النَّظْمِ، فَنَحْوَ: قَوْلِ الرَّاجِزِ:
أَبِيتُ أُسَرِّي وَتَبِيتِي تُدَلِّكِي يُرِيدُ: وَتَبِيتِينَ تُدَلِّكِينَ. وَقَالَ:
| فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهُمْ مَا صَنَعْتُمُو | سَتَحْتَلِبُوهَا لَاقِحًا غَيْرَ بَاهِلِ |
قِسْمٌ خَلَطُوا فِيهِ الْبَاطِلَ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ، وَقِسْمٌ كَتَمُوهُ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى لَا يَظْهَرَ.
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ مَا الْتَبَسُوا بِهِ مِنْ لَبْسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَانِهِ، أَيْ: لَا يُنَاسِبُ مَنْ عَلِمَ الْحَقَّ أَنْ يَكْتُمَهُ، وَلَا أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْبَاطِلِ، وَالسُّؤَالُ عَنِ السَّبَبِ سُؤَالٌ عَنِ الْمُسَبِّبِ، فَإِذَا أَنْكَرَ السَّبَبَ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُنْكِرَ الْمُسَبِّبَ، وَخُتِمَتِ الْآيَةُ قَبْلَ
209
هَذِهِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ وَهَذِهِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لِأَنَّ الْمُنْكَرَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ هُوَ الْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْحَقِّ، لِأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ بَعْضُ الْحَقِّ، وَالشَّهَادَةُ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ، فَنَاسَبَ الْأَخَصُّ الْأَخَصَّ، وَهُنَا الْحَقُّ أَعَمُّ مِنَ الْآيَاتِ وَغَيْرِهَا، وَالْعِلْمُ أَعَمُّ مِنَ الشَّهَادَةِ، فَنَاسَبَ الْأَعَمُّ الْأَعَمَّ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ: أَنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. وَقِيلَ: قَالَ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لِيَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْأَمْرُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَيَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ. وَقِيلَ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْحَقَّ بِمَا عَرَفْتُمُوهُ مِنْ كُتُبِكُمْ وَمَا سَمِعْتُمُوهُ مِنْ أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِكُمْ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْبَدِيعِ. الطِّبَاقُ فِي قَوْلِهِ: الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَالطِّبَاقُ الْمَعْنَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِقْرَارٌ وَإِظْهَارٌ، وَالْكُفْرُ سَتْرٌ.
والتجنيس المماثل في: يضلونك وما يضلون وَالتَّكْرَارُ فِي: أَهْلِ الْكِتَابِ. وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ قَدْ بينت.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٤]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قَالَ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ: تَوَاطَأَ اثْنَا عَشَرَ حَبْرًا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ وَقُرَى عَرِينَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا فِي دِينِ مُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ بِاللِّسَانِ دُونَ الِاعْتِقَادِ، وَاكْفُرُوا بِهِ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَقُولُوا إِنَّا نَظَرْنَا فِي كُتُبِنَا، وَشَاوَرْنَا عُلَمَاءَنَا، فَوَجَدْنَا مُحَمَّدًا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَهَرَ لَنَا كَذِبُهُ وَبُطَلَانُ دِينِهِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أَصْحَابُهُ فِي دِينِهِمْ، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إِلَى دِينِكُمْ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ: هَذَا فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ، لَمَّا صُرِفَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْبَدِيعِ. الطِّبَاقُ فِي قَوْلِهِ: الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَالطِّبَاقُ الْمَعْنَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: لِمَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِقْرَارٌ وَإِظْهَارٌ، وَالْكُفْرُ سَتْرٌ.
والتجنيس المماثل في: يضلونك وما يضلون وَالتَّكْرَارُ فِي: أَهْلِ الْكِتَابِ. وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ قَدْ بينت.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٤]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قَالَ الْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ: تَوَاطَأَ اثْنَا عَشَرَ حَبْرًا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ وَقُرَى عَرِينَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا فِي دِينِ مُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ بِاللِّسَانِ دُونَ الِاعْتِقَادِ، وَاكْفُرُوا بِهِ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَقُولُوا إِنَّا نَظَرْنَا فِي كُتُبِنَا، وَشَاوَرْنَا عُلَمَاءَنَا، فَوَجَدْنَا مُحَمَّدًا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَهَرَ لَنَا كَذِبُهُ وَبُطَلَانُ دِينِهِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أَصْحَابُهُ فِي دِينِهِمْ، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إِلَى دِينِكُمْ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْكَلْبِيُّ: هَذَا فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ، لَمَّا صُرِفَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ
210
ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ: صَلُّوا إِلَيْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ، وَارْجِعُوا إِلَى كَعْبَتِكُمُ الصَّخْرَةِ آخِرَهُ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَّهَارِ فَصَلَّوْا صَلَاتَهُمْ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهُمْ مِنْهُ ضَلَالَةٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبَعُوهُ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِسَفَلَتِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ بِالْعَشِيِّ قُولُوا: قَدْ عَرَّفَنَا عُلَمَاؤُنَا أَنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ.
وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَتْ ذَلِكَ لِيَهُودِ الْمَدِينَةِ. انْتَهَى.
جَعَلَتِ الْيَهُودُ هَذَا سَبَبًا إِلَى خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمَقُولُ لَهُمْ مَحْذُوفٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لِبَعْضٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ لَهُمْ لَيْسُوا مِنْ هذه الطائفة، والمراد: بآمنوا، أَظْهِرُوا الْإِيمَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّصْدِيقُ، وَفِي قَوْلِهِ: بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا حَذْفٌ أَيْ: عَلَى زَعْمِهِمْ، وَإِلَّا فَهُمْ يَكْذِبُونَ، وَلَا يُصَدِّقُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ شَيْئًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وَانْتَصَبَ: وَجْهَ النَّهَارِ، عَلَى الظَّرْفِ وَمَعْنَاهُ: أَوَّلَ النَّهَارِ، شُبِّهَ بِوَجْهِ الْإِنْسَانِ إِذْ هُوَ أَوَّلُ مَا يُوَاجَهُ مِنْهُ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ فِي مَالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْعَبْسِيِّ:
وَالضَّمِيرُ فِي: آخِرَهُ، عَائِدٌ عَلَى النَّهَارِ، أَيْ: آخِرَ النَّهَارِ.
وَالنَّاصِبُ لِلظَّرْفِ الْأَوَّلِ: آمِنُوا، وَلِلْآخِرِ: اكْفُرُوا. وَقِيلَ: النَّاصِبُ لِقَوْلِهِ: وَجْهَ النَّهَارِ، أُنْزِلَ. أَيْ: بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالضَّمِيرُ فِي: آخِرَهُ، يَعُودُ عَلَى الَّذِي أُنْزِلَ، أَيْ: وَاكْفُرُوا آخِرَ الْمُنَزَّلِ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ وَمُخَالَفَةٌ لِأَسْبَابِ النُّزُولِ، وَمُتَعَلِّقُ الرُّجُوعِ مَحْذُوفٌ أَيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَمَّا امْتِثَالُ الْأَمْرِ مِمَّنْ أُمِرُ بِهِ فَسُكُوتٌ عَنْ وُقُوعِهِ، وَأَسْبَابُ النُّزُولِ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ طَمِعُوا أَنْ يَنْخَدِعَ الْعَرَبُ بِهِ، أَوْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ الْقَدِيمِ وَجَوْدَةِ النَّظَرِ وَالِاطِّلَاعِ، دَخَلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَرَجَعُوا عَنْهُ، وَفِيهِ تَثْبِيتٌ أَيْضًا لِضُعَفَائِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَّهَارِ فَصَلَّوْا صَلَاتَهُمْ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهُمْ مِنْهُ ضَلَالَةٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبَعُوهُ، فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِسَفَلَتِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ بِالْعَشِيِّ قُولُوا: قَدْ عَرَّفَنَا عُلَمَاؤُنَا أَنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ.
وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قَالَتْ ذَلِكَ لِيَهُودِ الْمَدِينَةِ. انْتَهَى.
جَعَلَتِ الْيَهُودُ هَذَا سَبَبًا إِلَى خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمَقُولُ لَهُمْ مَحْذُوفٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لِبَعْضٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ لَهُمْ لَيْسُوا مِنْ هذه الطائفة، والمراد: بآمنوا، أَظْهِرُوا الْإِيمَانَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّصْدِيقُ، وَفِي قَوْلِهِ: بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا حَذْفٌ أَيْ: عَلَى زَعْمِهِمْ، وَإِلَّا فَهُمْ يَكْذِبُونَ، وَلَا يُصَدِّقُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ شَيْئًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وَانْتَصَبَ: وَجْهَ النَّهَارِ، عَلَى الظَّرْفِ وَمَعْنَاهُ: أَوَّلَ النَّهَارِ، شُبِّهَ بِوَجْهِ الْإِنْسَانِ إِذْ هُوَ أَوَّلُ مَا يُوَاجَهُ مِنْهُ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ فِي مَالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْعَبْسِيِّ:
| مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ | فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ |
وَالنَّاصِبُ لِلظَّرْفِ الْأَوَّلِ: آمِنُوا، وَلِلْآخِرِ: اكْفُرُوا. وَقِيلَ: النَّاصِبُ لِقَوْلِهِ: وَجْهَ النَّهَارِ، أُنْزِلَ. أَيْ: بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَالضَّمِيرُ فِي: آخِرَهُ، يَعُودُ عَلَى الَّذِي أُنْزِلَ، أَيْ: وَاكْفُرُوا آخِرَ الْمُنَزَّلِ، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ وَمُخَالَفَةٌ لِأَسْبَابِ النُّزُولِ، وَمُتَعَلِّقُ الرُّجُوعِ مَحْذُوفٌ أَيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَأَمَّا امْتِثَالُ الْأَمْرِ مِمَّنْ أُمِرُ بِهِ فَسُكُوتٌ عَنْ وُقُوعِهِ، وَأَسْبَابُ النُّزُولِ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ طَمِعُوا أَنْ يَنْخَدِعَ الْعَرَبُ بِهِ، أَوْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ الْقَدِيمِ وَجَوْدَةِ النَّظَرِ وَالِاطِّلَاعِ، دَخَلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَرَجَعُوا عَنْهُ، وَفِيهِ تَثْبِيتٌ أَيْضًا لِضُعَفَائِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ.
211
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ اللَّامُ فِي: لِمَنْ، قِيلَ: زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ «١» أَيْ رَدِفَكُمْ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مَا كُنْتُ أخدع للخليل بحله، حَتَّى يَكُونَ لِيَ الْخَلِيلُ خَدُوعَا أَرَادَ: مَا كُنْتُ أَخْدَعُ الْخَلِيلَ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ لَا تَكُونَ: اللَّامُ، زَائِدَةً بَلْ ضَمَّنَ، آمَنَ مَعْنَى:
أَقَرَّ وَاعْتَرَفَ، فَعُدِّيَ بِاللَّامِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَقَدْ تَعَدَّى آمَنَ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ «٢» وآمَنْتُمْ لَهُ «٣» ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ «٤» انْتَهَى. وَالْأَجْوَدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ طَائِفَةِ الْيَهُودِ، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ كَلَامِ الطَّائِفَةِ. انْتَهَى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَشُكُّوَا عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ وَتَزْوِيرِهِمْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ طَائِفَةِ الْيَهُودِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ انْقَطَعَ كَلَامُهُمْ إِذْ لَا خِلَافَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا بَعْدَهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ وَأَنْ يُؤْتَى مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، لَا مَا رُمْتُمْ مِنَ الْخِدَاعِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَذَاكَ الْفِعْلِ، لِمَخَافَةِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْتُمْ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَدَبَّرْتُمْ تِلْكَ الْمَكِيدَةَ، أَيْ: فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَسَدًا وَخَوْفًا مِنْ أَنْ تَذْهَبَ رِئَاسَتُكُمْ، وَيُشَارِكَكُمْ أَحَدٌ فِيمَا أُوتِيتُمْ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، أَيْ:
يُقِيمُونَ الْحُجَّةَ عَلَيْكُمْ عند الله إذا كِتَابُكُمْ طَافِحٌ، بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُلْزِمٌ لَكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إِلَى آخِرِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ أَنْ يُؤْتَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ وَالتَّقْرِيرُ وَالتَّوْبِيخُ وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ هُوَ مُثْبَتٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَيْ أَلِمَخَافَةِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ؟ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْتُمْ ذَلِكَ وَفَعَلْتُمُوهُ؟ وَيَكُونُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، مَعْطُوفًا عَلَى: يُؤْتَى، وَأَوْ: لِلتَّنْوِيعِ، وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ: هُدَى اللَّهِ، بَدَلًا مِنَ:
الْهُدَى. لَا خَبَرًا لِإِنَّ. وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَيْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ إِيتَاءُ أَحَدٍ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَيَكُونُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ: أَنْ، بَعْدَ أَوْ بمعنى:
مَا كُنْتُ أخدع للخليل بحله، حَتَّى يَكُونَ لِيَ الْخَلِيلُ خَدُوعَا أَرَادَ: مَا كُنْتُ أَخْدَعُ الْخَلِيلَ، وَالْأَجْوَدُ أَنْ لَا تَكُونَ: اللَّامُ، زَائِدَةً بَلْ ضَمَّنَ، آمَنَ مَعْنَى:
أَقَرَّ وَاعْتَرَفَ، فَعُدِّيَ بِاللَّامِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَقَدْ تَعَدَّى آمَنَ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ «٢» وآمَنْتُمْ لَهُ «٣» ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ «٤» انْتَهَى. وَالْأَجْوَدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ طَائِفَةِ الْيَهُودِ، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ كَلَامِ الطَّائِفَةِ. انْتَهَى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَشُكُّوَا عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ وَتَزْوِيرِهِمْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ طَائِفَةِ الْيَهُودِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ انْقَطَعَ كَلَامُهُمْ إِذْ لَا خِلَافَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا بَعْدَهُ يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ وَأَنْ يُؤْتَى مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِأُولَئِكَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، لَا مَا رُمْتُمْ مِنَ الْخِدَاعِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَذَاكَ الْفِعْلِ، لِمَخَافَةِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْتُمْ ذَلِكَ الْقَوْلَ وَدَبَّرْتُمْ تِلْكَ الْمَكِيدَةَ، أَيْ: فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَسَدًا وَخَوْفًا مِنْ أَنْ تَذْهَبَ رِئَاسَتُكُمْ، وَيُشَارِكَكُمْ أَحَدٌ فِيمَا أُوتِيتُمْ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ، أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، أَيْ:
يُقِيمُونَ الْحُجَّةَ عَلَيْكُمْ عند الله إذا كِتَابُكُمْ طَافِحٌ، بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُلْزِمٌ لَكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ إِلَى آخِرِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ أَنْ يُؤْتَى عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ وَالتَّقْرِيرُ وَالتَّوْبِيخُ وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ هُوَ مُثْبَتٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَيْ أَلِمَخَافَةِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ؟ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْتُمْ ذَلِكَ وَفَعَلْتُمُوهُ؟ وَيَكُونُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، مَعْطُوفًا عَلَى: يُؤْتَى، وَأَوْ: لِلتَّنْوِيعِ، وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ: هُدَى اللَّهِ، بَدَلًا مِنَ:
الْهُدَى. لَا خَبَرًا لِإِنَّ. وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَيْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ إِيتَاءُ أَحَدٍ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَيَكُونُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ: أَنْ، بَعْدَ أَوْ بمعنى:
(١) سورة النمل: ٢٧/ ٧٢. [.....]
(٢) سورة يونس: ١٠/ ٨٣.
(٣) سورة طه: ٢٠/ ٧١، والشعراء: ٢٦/ ٤٩.
(٤) سورة التوبة: ٩/ ٦١.
(٢) سورة يونس: ١٠/ ٨٣.
(٣) سورة طه: ٢٠/ ٧١، والشعراء: ٢٦/ ٤٩.
(٤) سورة التوبة: ٩/ ٦١.
212
حَتَّى، أَيْ: حَتَّى يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَيَغْلِبُوكُمْ وَيَدْحَضُوا حُجَّتَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ صِحَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُكُمُ اتِّبَاعُ هَذَا النَّبِيِّ، وَلَا يَكُونُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، مَعْطُوفًا عَلَى:
يُؤْتَى، وَدَاخِلًا فِي خَبَرِ إِنَّ، و: أحد، فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ الَّذِي يَأْتِي فِي الْعُمُومِ مُخْتَصًّا بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْيٍ، أَوْ فِي خَبَرِ نَفْيٍ، بَلْ: أَحَدٌ، هُنَا بِمَعْنَى: وَاحِدٌ، وَهُوَ مُفْرِدٌ، إِذْ عُنِيَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وَإِنَّمَا جُمِعَ الضَّمِيرُ فِي: يُحَاجُّوكُمْ، لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ، لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَدُلُّ عَلَى الِاتِّبَاعِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ، هُنَا لِلنَّفْي بِمَعْنَى: لَا، التَّقْدِيرُ: لَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَنُقِلَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْفَرَّاءِ، وَتَكُونُ: أَوْ، بِمَعْنَى إِلَّا، وَالْمَعْنَى إِذْ ذَاكَ: لَا يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ، فَإِنَّ إِيتَاءَهُ مَا أُوتِيتُمْ مَقْرُونٌ بِمُغَالَبَتِكُمْ وَمُحَاجَّتِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، لِأَنَّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْوَحْيَ لَا بُدَّ أَنْ يُحَاجَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي كَوْنِهِمْ لَا يَتَّبِعُونَهُ، فَقَوْلُهُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، حَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَازِمَةٌ، إِذْ لَا يُوحِي اللَّهُ إِلَى رَسُولٍ إِلَّا وَهُوَ مُحَاجٍّ مُخَالِفِيهِ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ، أَحَدٌ، هُوَ الَّذِي لِلْعُمُومِ. لِتَقَدُّمِ النَّفْيِ عَلَيْهِ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ فِي: يُحَاجُّوكُمْ، حملا على معنى: أحد، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «١» جَمَعَ حَاجِزِينَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى: أَحَدٍ، لَا عَلَى لَفْظِهِ، إِذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى لَفْظِهِ لَأُفْرِدَ.
لَكِنْ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْقَوْلُ بِأَنَّ: أَنِ، الْمَفْتُوحَةَ تَأْتِي لِلنَّفْيِ بِمَعْنَى لَا، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَالْخِطَابُ فِي: أُوتِيتُمْ، وَفِي: يُحَاجُّوكُمْ، عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِلطَّائِفَةِ السَّابِقَةِ، الْقَائِلَةِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ وَأَجَازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنْ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ، وَحُذِفَتْ: لَا، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ دَلِيلًا عَلَى الْحَذْفِ. قَالَ كَقَوْلِهِ:
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٢» أَيْ: أَنْ لَا تَضِلُّوا. وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: لَا تُحْذَفُ:
لَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَكَذَلِكَ هُنَا: كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَيْ:
مِمَّنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ، فَهُدَى اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.
والخطاب في: أوتيتم، و: يحاجوكم، لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَى هَذَا: أَنْ يُؤْتَى مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ عَلَى حَذْفِ كَرَاهَةَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ فِيهِ، وَيَصْعُبُ تَقْدِيرُهُ، إِذْ قَبْلَهُ جُمْلَةٌ لَا يَظْهَرُ تَعْلِيلُ النِّسْبَةِ فِيهَا بِكَرَاهَةِ الإيتاء المذكور.
يُؤْتَى، وَدَاخِلًا فِي خَبَرِ إِنَّ، و: أحد، فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ الَّذِي يَأْتِي فِي الْعُمُومِ مُخْتَصًّا بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْيٍ، أَوْ فِي خَبَرِ نَفْيٍ، بَلْ: أَحَدٌ، هُنَا بِمَعْنَى: وَاحِدٌ، وَهُوَ مُفْرِدٌ، إِذْ عُنِيَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم، وَإِنَّمَا جُمِعَ الضَّمِيرُ فِي: يُحَاجُّوكُمْ، لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الرَّسُولِ وَأَتْبَاعِهِ، لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَدُلُّ عَلَى الِاتِّبَاعِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ، هُنَا لِلنَّفْي بِمَعْنَى: لَا، التَّقْدِيرُ: لَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَنُقِلَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْفَرَّاءِ، وَتَكُونُ: أَوْ، بِمَعْنَى إِلَّا، وَالْمَعْنَى إِذْ ذَاكَ: لَا يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ، فَإِنَّ إِيتَاءَهُ مَا أُوتِيتُمْ مَقْرُونٌ بِمُغَالَبَتِكُمْ وَمُحَاجَّتِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، لِأَنَّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْوَحْيَ لَا بُدَّ أَنْ يُحَاجَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي كَوْنِهِمْ لَا يَتَّبِعُونَهُ، فَقَوْلُهُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، حَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَازِمَةٌ، إِذْ لَا يُوحِي اللَّهُ إِلَى رَسُولٍ إِلَّا وَهُوَ مُحَاجٍّ مُخَالِفِيهِ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ، أَحَدٌ، هُوَ الَّذِي لِلْعُمُومِ. لِتَقَدُّمِ النَّفْيِ عَلَيْهِ، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ فِي: يُحَاجُّوكُمْ، حملا على معنى: أحد، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «١» جَمَعَ حَاجِزِينَ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى: أَحَدٍ، لَا عَلَى لَفْظِهِ، إِذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى لَفْظِهِ لَأُفْرِدَ.
لَكِنْ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْقَوْلُ بِأَنَّ: أَنِ، الْمَفْتُوحَةَ تَأْتِي لِلنَّفْيِ بِمَعْنَى لَا، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَالْخِطَابُ فِي: أُوتِيتُمْ، وَفِي: يُحَاجُّوكُمْ، عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِلطَّائِفَةِ السَّابِقَةِ، الْقَائِلَةِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ وَأَجَازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنْ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ، وَحُذِفَتْ: لَا، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ دَلِيلًا عَلَى الْحَذْفِ. قَالَ كَقَوْلِهِ:
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٢» أَيْ: أَنْ لَا تَضِلُّوا. وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: لَا تُحْذَفُ:
لَا، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَكَذَلِكَ هُنَا: كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، أَيْ:
مِمَّنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ، فَهُدَى اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.
والخطاب في: أوتيتم، و: يحاجوكم، لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَى هَذَا: أَنْ يُؤْتَى مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ عَلَى حَذْفِ كَرَاهَةَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ فِيهِ، وَيَصْعُبُ تَقْدِيرُهُ، إِذْ قَبْلَهُ جُمْلَةٌ لَا يَظْهَرُ تَعْلِيلُ النِّسْبَةِ فِيهَا بِكَرَاهَةِ الإيتاء المذكور.
(١) سورة الحاقة: ٦٩/ ٤٧.
(٢) سورة النِّسَاءِ: ٤/ ١٧٦.
(٢) سورة النِّسَاءِ: ٤/ ١٧٦.
213
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَنْ يُؤْتَى، بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: هُدَى اللَّهِ، وَيَكُونَ الْمَعْنَى: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ كَالَّذِي جَاءَنَا نَحْنُ. وَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، بِمَعْنَى، أَوْ فَلْيُحَاجُّوكُمْ، فَإِنَّهُمْ يَغْلِبُونَكُمُ. انْتَهَى هَذَا الْقَوْلُ. وَفِيهِ الْجَزْمُ بِلَامِ الْأَمْرِ وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ: أَنْ يُؤْتَى، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فَلَا تَنْكَرُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتُوا. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ بَعِيدٌ، لأن فيه حذف حرف النَّهْيِ وَمَعْمُولِهِ، وَلَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ مِنْ لِسَانِهِمْ. وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: قُلْ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ، مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ:
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ جُمْلَةً اعْتِرَاضِيَّةً بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْقَوْلُ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَلَا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وَتُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ جَاءَ بِمِثْلِ دِينِكُمْ، مَخَافَةَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَمَخَافَةَ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِتَصْدِيقِكُمْ إِيَّاهُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ إِذَا لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ، عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، ثَمَرَةُ الْحَسَدِ وَالْكُفْرِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَنْ لَا يُؤْتَى، فَحُذِفَتْ: لَا، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْتَفِيًا دَاخِلًا فِي حَيِّزِ: إِلَّا، لَا مُقَدَّرًا دُخُولُهُ قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، بِانْتِفَاءِ أَنْ يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم، وَانْتِفَاءِ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَيْ: إِلَّا بِانْتِفَاءِ كَذَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ يُؤْتَى، وَيَكُونَ متعلقا بتؤمنوا، وَلَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ إِلَّا، وَالْمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا بِأَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَجَاءَ بِمِثْلِهِ، وَعَاضِدًا لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْتَاهُ غَيْرُكُمْ. وَيَكُونُ مَعْنَى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ بِمَعْنَى:
إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ، كَمَا تَقُولُ: أَنَا لَا أَتْرُكُكَ أَوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى اعْتِقَادٍ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ: أَنْ يُؤْتَى، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ كَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فَلَا تَنْكَرُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتُوا. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ بَعِيدٌ، لأن فيه حذف حرف النَّهْيِ وَمَعْمُولِهِ، وَلَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ مِنْ لِسَانِهِمْ. وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: قُلْ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِ الطَّائِفَةِ، مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ:
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ جُمْلَةً اعْتِرَاضِيَّةً بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْقَوْلُ وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَلَا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وَتُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ جَاءَ بِمِثْلِ دِينِكُمْ، مَخَافَةَ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ، وَمَخَافَةَ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِتَصْدِيقِكُمْ إِيَّاهُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ إِذَا لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ، عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، ثَمَرَةُ الْحَسَدِ وَالْكُفْرِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَنْ لَا يُؤْتَى، فَحُذِفَتْ: لَا، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْتَفِيًا دَاخِلًا فِي حَيِّزِ: إِلَّا، لَا مُقَدَّرًا دُخُولُهُ قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، بِانْتِفَاءِ أَنْ يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم، وَانْتِفَاءِ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَيْ: إِلَّا بِانْتِفَاءِ كَذَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بِأَنْ يُؤْتَى، وَيَكُونَ متعلقا بتؤمنوا، وَلَا يَكُونَ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ إِلَّا، وَالْمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا بِأَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَجَاءَ بِمِثْلِهِ، وَعَاضِدًا لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْتَاهُ غَيْرُكُمْ. وَيَكُونُ مَعْنَى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ بِمَعْنَى:
إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ، كَمَا تَقُولُ: أَنَا لَا أَتْرُكُكَ أَوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ثَمَرَةُ التَّكْذِيبِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى اعْتِقَادٍ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ.
214
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وَتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إِذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَهَا إِلَّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم منكم، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ صِفَةٌ لِحَالِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَالْمَعْنَى:
تَسَتَّرُوا بِإِقْرَارِكُمْ أَنَّ قَدْ أُوتِيَ أَحَدٌ مِثْلَ أُوتِيتُمْ، أَوْ فَإِنَّهُمْ يَعْنُونَ الْعَرَبَ، يُحَاجُّونَكُمْ بِالْإِقْرَارِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَبَدَأَ بِهِ مَا نَصُّهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أَنْ يُؤْتَى أحد، و: ما بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، أَيْ: وَلَا تُظْهِرُوا إِيمَانَكُمْ بِأَنْ يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم إِلَّا لِأَهْلِ دِينِكُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، أَرَادُوا: أَسِرُّوا تَصْدِيقَكُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ وَلَا تُفْشُوهُ إِلَّا لِأَشْيَاعِكُمْ وَحْدِهِمْ دون المسلمين، لئلا يزيدوا ثَبَاتًا، وَدُونَ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عُطِفَ عَلَى أَنْ يُؤْتى وَالضَّمِيرُ في:
يحاجوكم، لأحد لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ بِمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أَتْبَاعِكُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُحَاجُّونَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَقِّ، وَيُغَالِبُونَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بِالْحُجَّةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَأَمَّا: أَحَدٌ، عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي لِلْعُمُومِ، وَكَانَ مَا قَبْلَهُ مُقَدَّرًا بِالنَّفْي، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّ الْمَعْنَى: لَا يُؤْتَى، أَوْ: إِنَّ الْمَعْنَى: أَنْ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ، فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَأْلُوفِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا فِي النَّفْيِ أَوْ مَا أَشْبَهَ النَّفْيَ: كَالنَّهْيِ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُثْبَتًا يَدْخُلُ هُنَا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ النَّفْيُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، كَمَا دَخَلَتْ مِنْ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ «١» لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ «٢».
وَمَعْنَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ مَا رَامُوا مِنَ الْكَيْدِ وَالْخِدَاعِ بِقَوْلِهِمْ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ الْآيَةَ، لَا يُجْدِي شَيْئًا، وَلَا يَصُدُّ عَنِ الْإِيمَانِ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ إِيمَانَهُ، لِأَنَّ الْهُدَى هُوَ هُدَى اللَّهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَصِّلَهُ لِأَحَدٍ، وَلَا أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ أَحَدٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ؟ بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْفِعْلِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ قَاطِعٌ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تُصَدِّقُونَ بِهِ، أَوْ تَعْتَرِفُونَ، أَوْ تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، وَنَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ عليه الكلام. و: يحاجوكم، مَعْطُوفٌ عَلَى: أَنْ يُؤْتَى.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ: أَنْ، نَصْبًا، فَيَكُونَ الْمَعْنَى: أَتُشِيعُونَ، أَوْ:
أَتَذْكُرُونَ أَنْ يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم؟ وَيَكُونُ بِمَعْنَى: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ فَعَلَى
تَسَتَّرُوا بِإِقْرَارِكُمْ أَنَّ قَدْ أُوتِيَ أَحَدٌ مِثْلَ أُوتِيتُمْ، أَوْ فَإِنَّهُمْ يَعْنُونَ الْعَرَبَ، يُحَاجُّونَكُمْ بِالْإِقْرَارِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَبَدَأَ بِهِ مَا نَصُّهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أَنْ يُؤْتَى أحد، و: ما بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، أَيْ: وَلَا تُظْهِرُوا إِيمَانَكُمْ بِأَنْ يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم إِلَّا لِأَهْلِ دِينِكُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، أَرَادُوا: أَسِرُّوا تَصْدِيقَكُمْ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أُوتُوا مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ وَلَا تُفْشُوهُ إِلَّا لِأَشْيَاعِكُمْ وَحْدِهِمْ دون المسلمين، لئلا يزيدوا ثَبَاتًا، وَدُونَ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ عُطِفَ عَلَى أَنْ يُؤْتى وَالضَّمِيرُ في:
يحاجوكم، لأحد لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ بِمَعْنَى: وَلَا تُؤْمِنُوا لِغَيْرِ أَتْبَاعِكُمْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُحَاجُّونَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْحَقِّ، وَيُغَالِبُونَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بِالْحُجَّةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَأَمَّا: أَحَدٌ، عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَإِنْ كَانَ الَّذِي لِلْعُمُومِ، وَكَانَ مَا قَبْلَهُ مُقَدَّرًا بِالنَّفْي، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنَّ الْمَعْنَى: لَا يُؤْتَى، أَوْ: إِنَّ الْمَعْنَى: أَنْ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ، فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْمَأْلُوفِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا فِي النَّفْيِ أَوْ مَا أَشْبَهَ النَّفْيَ: كَالنَّهْيِ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُثْبَتًا يَدْخُلُ هُنَا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ النَّفْيُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، كَمَا دَخَلَتْ مِنْ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ «١» لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: مَا يَوَدُّ «٢».
وَمَعْنَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ مَا رَامُوا مِنَ الْكَيْدِ وَالْخِدَاعِ بِقَوْلِهِمْ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ الْآيَةَ، لَا يُجْدِي شَيْئًا، وَلَا يَصُدُّ عَنِ الْإِيمَانِ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ إِيمَانَهُ، لِأَنَّ الْهُدَى هُوَ هُدَى اللَّهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَصِّلَهُ لِأَحَدٍ، وَلَا أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ أَحَدٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ؟ بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْفِعْلِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ قَاطِعٌ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ تُصَدِّقُونَ بِهِ، أَوْ تَعْتَرِفُونَ، أَوْ تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، وَنَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ عليه الكلام. و: يحاجوكم، مَعْطُوفٌ عَلَى: أَنْ يُؤْتَى.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ: أَنْ، نَصْبًا، فَيَكُونَ الْمَعْنَى: أَتُشِيعُونَ، أَوْ:
أَتَذْكُرُونَ أَنْ يُؤْتَى أحد مثل ما أوتيتم؟ وَيَكُونُ بِمَعْنَى: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ فَعَلَى
(٢- ١) سورة البقرة: ٢/ ١٠٥.
215
كِلَا الْوَجْهَيْنِ مَعْنَى الْآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الْأَحْبَارِ لِلْأَتْبَاعِ عَلَى تَصْدِيقِهِمْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، وَيَكُونُ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، فِي تَأْوِيلِ نَصْبِ أَنْ بِمَعْنَى: أَوْ تُرِيدُونَ أَنْ يُحَاجُّوكُمْ؟.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَأَحَدٌ، عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهَامُ الْقَاطِعُ مِنْ أَنْ يَشِيعَ لِامْتِنَاعِ دُخُولِهِ فِي النَّفْيِ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ: أَحَدٌ، الَّذِي فِي قَوْلِكَ: أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَهُوَ يَقَعُ فِي الْإِيجَابِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى: وَاحِدٌ، وَجُمِعَ ضَمِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، حَمْلًا على المعنى، إذ: لأحد، الْمُرَادُ بِمِثْلِ النُّبُوَّةِ أَتْبَاعٌ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى لِلْكَثْرَةِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أَنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِرَاءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالْمُسْتَمِرِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْكَثْرَةِ. انْتَهَى تَخْرِيجُ أَبِي عَلِيٍّ لِقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَنْ يُؤْتَى، مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقَوْلِ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جَعْلِهِ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ مِنْ قوله:
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ.
وَذَهَبَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ: إِلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَهُ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي قَالَتْ: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ قوله أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ لِأَتْبَاعِهِمْ، وَقَوْلَهُ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ لِأَتْبَاعِهِمْ. وَذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ: قُلْ، يَقُولُهُ الرَّسُولُ لِلْيَهُودِ، وَتَمَّ مَقُولُهُ فِي قَوْلِهِ: أُوتِيتُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطَّائِفَةِ وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَعَلَى هَذِهِ الْأَنْحَاءِ تَرْتِيبُ الْأَوْجُهِ السَّابِقَةِ.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَشُعَيْبُ بْنُ أبي حمزة: إِنْ يُؤْتَى، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى: لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ خِطَابًا مِنَ الطَّائِفَةِ الْقَائِلَةِ؟
وَيَكُونُ قَوْلُهَا: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، بِمَعْنَى: أَوْ، فَلْيُحَاجُّوكُمْ، وَهَذَا عَلَى التَّصْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى: إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ، وَهَذَا عَلَى تَجْوِيزِ: أَنْ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَأَحَدٌ، عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهَامُ الْقَاطِعُ مِنْ أَنْ يَشِيعَ لِامْتِنَاعِ دُخُولِهِ فِي النَّفْيِ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ: أَحَدٌ، الَّذِي فِي قَوْلِكَ: أَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَهُوَ يَقَعُ فِي الْإِيجَابِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى: وَاحِدٌ، وَجُمِعَ ضَمِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، حَمْلًا على المعنى، إذ: لأحد، الْمُرَادُ بِمِثْلِ النُّبُوَّةِ أَتْبَاعٌ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى لِلْكَثْرَةِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَهَذَا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أَنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِرَاءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالْمُسْتَمِرِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْكَثْرَةِ. انْتَهَى تَخْرِيجُ أَبِي عَلِيٍّ لِقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ قِرَاءَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَنْ يُؤْتَى، مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ الْقَوْلِ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جَعْلِهِ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ مِنْ قوله:
قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ.
وَذَهَبَ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ: إِلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَهُ لِلطَّائِفَةِ الَّتِي قَالَتْ: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ قوله أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ لِأَتْبَاعِهِمْ، وَقَوْلَهُ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ لِأَتْبَاعِهِمْ. وَذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ: قُلْ، يَقُولُهُ الرَّسُولُ لِلْيَهُودِ، وَتَمَّ مَقُولُهُ فِي قَوْلِهِ: أُوتِيتُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَهُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطَّائِفَةِ وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَعَلَى هَذِهِ الْأَنْحَاءِ تَرْتِيبُ الْأَوْجُهِ السَّابِقَةِ.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَشُعَيْبُ بْنُ أبي حمزة: إِنْ يُؤْتَى، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى: لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ خِطَابًا مِنَ الطَّائِفَةِ الْقَائِلَةِ؟
وَيَكُونُ قَوْلُهَا: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ، بِمَعْنَى: أَوْ، فَلْيُحَاجُّوكُمْ، وَهَذَا عَلَى التَّصْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى: إِلَّا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ، وَهَذَا عَلَى تَجْوِيزِ: أَنْ
216
يُؤْتَى، أَحَدٌ ذَلِكَ إِذَا قَامَتِ الْحُجَّةُ لَهُ. هَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الطَّائِفَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِهَا: كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعْطِي أَحَدًا، وَلَا أَعْطَى فِيمَا سَلَفَ مِثْلَ مَا أَعْطَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِنْ كَوْنِهَا وَسَطًا، فَهَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَمُنْدَرِجٌ تَحْتَ: قُلْ.
وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَسَّرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ، قال: وقرىء: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ عَلَى: أَنِ، النَّافِيَةِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِكَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تبع دينكم وقولوا مَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ حَتَّى يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، أَيْ: مَا يُؤْتُونَ مِثْلَهُ فَلَا يُحَاجُّوكُمْ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَرَأَ الْحَسَنُ: أَنْ يُؤْتِيَ أَحَدٌ، بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى:
أَحَدٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إِنْعَامَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهُ إِنْعَامُ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَظْهَرُ مَا فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ يؤتى أحدا أَحَدًا. انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلَفْظِ: أَنْ، فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: أَهِيَ بِالْكَسْرِ أَمْ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ السَّجَاوَنْدِيُّ: وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: أَنْ يؤتى، و: الحسن: أَنْ يُؤْتِيَ أَحَدًا، جَعَلَا:
أَنْ، نَافِيَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إِلَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ «١» و: أَوْ، بِمَعْنَى:
إِلَّا أَنْ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَ اعْتِرَاضٍ: قُلْ، قَوْلَ الْيَهُودِ. انْتَهَى.
وَفِي مَعْنَى: الْهُدَى، هُنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أُوتِيَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. وَالثَّانِي: التَّوْفِيقُ وَالدَّلَالَةُ إِلَى الْخَيْرِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَيَحْتَمِلُ: عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. وَالثَّانِي: عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكُمُ الشَّاهِدَةِ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ، وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى الرَّبِّ تَشْرِيفًا، وَكَانَ الْمَعْنَى: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ الْحَقِّ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ تَدُورُ تَفَاسِيرُ الْآيَةِ، فَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مَا يُنَاسِبُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ هَذَا تَوْكِيدٌ لِمَعْنَى قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لليهود حيث قالو: شَرِيعَةُ مُوسَى مُؤَبَّدَةٌ وَلَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أَحَدًا مِثْلَ مَا أُوتِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَالْفَضْلُ هُوَ بِيَدِ اللَّهِ. أَيْ: مُتَصَرِّفٌ فِيهِ كَالشَّيْءِ فِي الْيَدِ، وهذه كناية
وَقَالَ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِهَا: كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعْطِي أَحَدًا، وَلَا أَعْطَى فِيمَا سَلَفَ مِثْلَ مَا أَعْطَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِنْ كَوْنِهَا وَسَطًا، فَهَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَمُنْدَرِجٌ تَحْتَ: قُلْ.
وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَسَّرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ، قال: وقرىء: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ عَلَى: أَنِ، النَّافِيَةِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِكَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تبع دينكم وقولوا مَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ حَتَّى يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، أَيْ: مَا يُؤْتُونَ مِثْلَهُ فَلَا يُحَاجُّوكُمْ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَرَأَ الْحَسَنُ: أَنْ يُؤْتِيَ أَحَدٌ، بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى:
أَحَدٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إِنْعَامَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهُ إِنْعَامُ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَظْهَرُ مَا فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ يؤتى أحدا أَحَدًا. انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلَفْظِ: أَنْ، فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: أَهِيَ بِالْكَسْرِ أَمْ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ السَّجَاوَنْدِيُّ: وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: أَنْ يؤتى، و: الحسن: أَنْ يُؤْتِيَ أَحَدًا، جَعَلَا:
أَنْ، نَافِيَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدَ إِلَّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ «١» و: أَوْ، بِمَعْنَى:
إِلَّا أَنْ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَ اعْتِرَاضٍ: قُلْ، قَوْلَ الْيَهُودِ. انْتَهَى.
وَفِي مَعْنَى: الْهُدَى، هُنَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا أُوتِيَهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. وَالثَّانِي: التَّوْفِيقُ وَالدَّلَالَةُ إِلَى الْخَيْرِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَيَحْتَمِلُ: عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. وَالثَّانِي: عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكُمُ الشَّاهِدَةِ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ، وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى الرَّبِّ تَشْرِيفًا، وَكَانَ الْمَعْنَى: أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ الْحَقِّ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ تَدُورُ تَفَاسِيرُ الْآيَةِ، فَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى مَا يُنَاسِبُ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ هَذَا تَوْكِيدٌ لِمَعْنَى قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وَفِي ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لليهود حيث قالو: شَرِيعَةُ مُوسَى مُؤَبَّدَةٌ وَلَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أَحَدًا مِثْلَ مَا أُوتِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَالْفَضْلُ هُوَ بِيَدِ اللَّهِ. أَيْ: مُتَصَرِّفٌ فِيهِ كَالشَّيْءِ فِي الْيَدِ، وهذه كناية
(١) سورة الأحقاف: ٤٦/ ٢٦.
217
ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ
ﱊ
ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ
ﱋ
ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈ
ﱌ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ
ﱍ
ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ
ﱎ
عَنْ قُدْرَةِ التَّصَرُّفِ وَالتَّمَكُّنِ فِيهَا، وَالْبَارِي تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَارِحَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يُعْطِيهِ مَنْ أَرَادَ، فَاخْتِصَاصُهُ بِالْفَضْلِ مَنْ شَاءَ، إِنَّمَا سَبَبُهُ الْإِرَادَةُ فَقَطْ، وَفُسِّرَ: الْفَضْلُ، هُنَا بِالنُّبُوَّةِ أَشْرَفُ أَفْرَادِهِ.
وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ: يُفْرِدُ بِنُبُوَّتِهِ مَنْ يَشَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُقَاتِلٌ: الْإِسْلَامُ. وَقِيلَ: كَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا وَتَفْسِيرُ مَا قَبْلَهُ فِي آخِرِ آيَةِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ «١» وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ الْبَدِيعِ: التَّجْنِيسَ الْمُمَاثِلَ، وَالتَّكْرَارَ فِي: آمَنُوا وَآمِنُوا، وَفِي الْهُدَى، هُدَى اللَّهِ وَفِي: يُؤْتَى وَأُوتِيتُمْ، وفي: ان أفضل، وَذُو الْفَضْلِ. وَالتَّكْرَارَ أَيْضًا فِي: اسْمِ اللَّهِ، فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ. وَالطِّبَاقَ: فِي آمِنُوا وَاكْفُرُوا، وَفِي وَجْهَ النَّهَارِ وَفِي آخِرَهُ، وَالِاخْتِصَاصَ. فِي: وَجْهَ النَّهَارِ، لِأَنَّهُ وقت اجتماعهم بالمؤمنين يراؤونهم، وآخره لِأَنَّهُ وَقْتُ خَلْوَتِهِمْ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ آل عمران (٣) : الآيات ٧٥ الى ٧٩]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)
وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ: يُفْرِدُ بِنُبُوَّتِهِ مَنْ يَشَاءُ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُقَاتِلٌ: الْإِسْلَامُ. وَقِيلَ: كَثْرَةُ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا وَتَفْسِيرُ مَا قَبْلَهُ فِي آخِرِ آيَةِ: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ «١» وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِنَ الْبَدِيعِ: التَّجْنِيسَ الْمُمَاثِلَ، وَالتَّكْرَارَ فِي: آمَنُوا وَآمِنُوا، وَفِي الْهُدَى، هُدَى اللَّهِ وَفِي: يُؤْتَى وَأُوتِيتُمْ، وفي: ان أفضل، وَذُو الْفَضْلِ. وَالتَّكْرَارَ أَيْضًا فِي: اسْمِ اللَّهِ، فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ. وَالطِّبَاقَ: فِي آمِنُوا وَاكْفُرُوا، وَفِي وَجْهَ النَّهَارِ وَفِي آخِرَهُ، وَالِاخْتِصَاصَ. فِي: وَجْهَ النَّهَارِ، لِأَنَّهُ وقت اجتماعهم بالمؤمنين يراؤونهم، وآخره لِأَنَّهُ وَقْتُ خَلْوَتِهِمْ بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْحَذْفُ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ آل عمران (٣) : الآيات ٧٥ الى ٧٩]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٠٥.
218
الدِّينَارُ: مَعْرُوفٌ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَالْقِيرَاطُ: ثَلَاثُ حَبَّاتٍ مِنْ وَسَطِ الشَّعِيرِ، فَمَجْمُوعُهُ: اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَفَاؤُهُ بَدَلٌ مِنْ نُونٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْجَمْعِ، قَالُوا: دَنَانِيرُ، وَأَصْلُهُ: دِنَّارِ، أُبْدِلَ مِنْ أَوَّلِ الْمِثْلَيْنِ، كَمَا أَبْدَلُوا مِنَ النُّونِ فِي ثَالِثِ الْأَمْثَالِ يَاءً فِي: تَظَنَّيْتُ. أَصْلُهُ تَظَنَّنْتُ، لِأَنَّهُ مِنَ الظَّنِّ، وَهُوَ بَدَلٌ مَسْمُوعٌ، وَالدِّينَارُ:
لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ تصرّفت فيه العرب وألقته بِمُفْرَدَاتِ كَلَامِهَا.
دَامَ: ثَبَتَ، وَالْمُضَارِعُ: يَدُومُ، فَوَزْنُهُ، فَعَلَ نَحْوَ قَالَ: يَقُولُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذِهِ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَتَمِيمٍ تَقُولُ: دِمْتَ، بِكَسْرِ الدَّالِ. قَالَ: وَيَجْتَمِعُونَ فِي الْمُضَارِعِ، يَقُولُونَ:
يَدُومُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَقُولُ: دُمْتَ تَدَامُ، مِثْلَ: نِمْتَ تَنَامُ، وَهِيَ لُغَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَزْنُ دَامَ، فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، نَحْوَ: خَافَ يَخَافُ. وَالتَّدْوِيمُ الِاسْتِدَارَةُ حَوْلَ الشَّيْءِ. وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وَالشَّمْسُ حَيْرَى لَهَا فِي الْجَوِّ تَدْوِيمُ وَقَالَ عَلْقَمَةُ فِي وَصْفِ خَمْرٍ:
وَالدَّوَامُ: الدَّوَّارُ، يَأْخُذُ فِي رَأْسِ الْإِنْسَانِ فَيَرَى الْأَشْيَاءَ تَدُورُ بِهِ. وَتَدْوِيمُ الطَّائِرِ فِي السَّمَاءِ ثُبُوتُهُ إِذَا صَفَّ وَاسْتَدَارَ. وَمِنْهُ: الْمَاءُ الدَّائِمُ، كَأَنَّهُ يَسْتَدِيرُ حَوْلَ مَرْكَزِهِ.
لَوَى الْحَبْلَ وَالْتَوَى: فَتَلَهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْإِرَاغَةِ فِي الْحُجَجِ وَالْخُصُومَاتِ، وَمِنْهُ:
لِيَانُ الْغَرِيمِ: وَهُوَ دَفْعُهُ وَمَطْلُهُ، وَمِنْهُ: خَصْمٌ أَلْوَى: شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، شُبِّهَتِ الْمَعَانِي بِالْأَجْرَامِ.
اللِّسَانُ: الْجَارِحَةُ الْمَعْرُوفَةُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: اللِّسَانُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَمَنْ ذَكَّرَ جَمَعَهُ أَلْسِنَةً وَمَنْ أَنَّثَ جَمَعَهُ أَلْسُنًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: اللِّسَانُ بِعَيْنِهِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مُذَكَّرًا.
انْتَهَى. وَيُعَبَّرُ بِاللِّسَانِ عَنِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَيْضًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ.
الرَّبَّانِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ، وَزِيدَتِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ مُبَالَغَةً. كَمَا قَالُوا: لَحْيَانِيٌّ،
لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ تصرّفت فيه العرب وألقته بِمُفْرَدَاتِ كَلَامِهَا.
دَامَ: ثَبَتَ، وَالْمُضَارِعُ: يَدُومُ، فَوَزْنُهُ، فَعَلَ نَحْوَ قَالَ: يَقُولُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذِهِ لُغَةُ الْحِجَازِ، وَتَمِيمٍ تَقُولُ: دِمْتَ، بِكَسْرِ الدَّالِ. قَالَ: وَيَجْتَمِعُونَ فِي الْمُضَارِعِ، يَقُولُونَ:
يَدُومُ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يَقُولُ: دُمْتَ تَدَامُ، مِثْلَ: نِمْتَ تَنَامُ، وَهِيَ لُغَةٌ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَزْنُ دَامَ، فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، نَحْوَ: خَافَ يَخَافُ. وَالتَّدْوِيمُ الِاسْتِدَارَةُ حَوْلَ الشَّيْءِ. وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وَالشَّمْسُ حَيْرَى لَهَا فِي الْجَوِّ تَدْوِيمُ وَقَالَ عَلْقَمَةُ فِي وَصْفِ خَمْرٍ:
| تَشْفِي الصُّدَاعَ وَلَا يُؤْذِيكَ صَالِبُهَا | وَلَا يُخَالِطُهَا فِي الرَّأْسِ تَدْوِيمُ |
لَوَى الْحَبْلَ وَالْتَوَى: فَتَلَهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْإِرَاغَةِ فِي الْحُجَجِ وَالْخُصُومَاتِ، وَمِنْهُ:
لِيَانُ الْغَرِيمِ: وَهُوَ دَفْعُهُ وَمَطْلُهُ، وَمِنْهُ: خَصْمٌ أَلْوَى: شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، شُبِّهَتِ الْمَعَانِي بِالْأَجْرَامِ.
اللِّسَانُ: الْجَارِحَةُ الْمَعْرُوفَةُ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: اللِّسَانُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَمَنْ ذَكَّرَ جَمَعَهُ أَلْسِنَةً وَمَنْ أَنَّثَ جَمَعَهُ أَلْسُنًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: اللِّسَانُ بِعَيْنِهِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا مُذَكَّرًا.
انْتَهَى. وَيُعَبَّرُ بِاللِّسَانِ عَنِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَيْضًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ.
الرَّبَّانِيُّ: مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ، وَزِيدَتِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ مُبَالَغَةً. كَمَا قَالُوا: لَحْيَانِيٌّ،
219
وَشَعْرَانِيٌّ، وَرَقْبَانِيٌّ. فَلَا يُفْرِدُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ يَاءِ النِّسْبَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى رَبَّانَ، وَهُوَ مُعَلِّمُ النَّاسِ وَسَائِسُهُمْ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ فِيهِ كَهِيَ فِي: غَضْبَانَ وَعَطْشَانَ، ثُمَّ نُسِبَ إِلَيْهِ فَقَالُوا: رَبَّانِيٌّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنَ النَّسَبِ فِي الْوَصْفِ، كَمَا قَالُوا: أحمري في أحمر، و: دواري فِي دَوَّارِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ شَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
دَرَسَ الْكِتَابَ يَدْرُسُهُ: أَدْمَنَ قِرَاءَتَهُ وَتَكْرِيرَهُ، وَدَرَسَ الْمَنْزِلُ: عَفَا، وَطَلَلٌ دَارِسٌ:
عَافٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَمِّ الْخَوَنَةِ مِنْهُمْ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَنْ يُؤْتَمَنُ فَيَفِي وَمَنْ يُؤْتَمَنُ فَيَخُونُ. وَقِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ عَنَى بِهِ أَهْلَ الْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ لَمْ يَقُلْهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ إِلَّا الْيَهُودُ.
وَقِيلَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ هُمُ النَّصَارَى لِغَلَبَةِ الْأَمَانَةِ عَلَيْهِمْ. وَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ هُمُ الْيَهُودُ لِغَلَبَةِ الْخِيَانَةِ عَلَيْهِمْ. وَعُيِّنَ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ. وَقِيلَ:
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ هم مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ بَايَعَ بَعْضُ الْعَرَبِ بَعْضَ الْيَهُودِ وَأَوْدَعُوهُمْ فَخَانُوا مَنْ أَسْلَمَ، وَقَالُوا: قَدْ خَرَجْتُمْ عَنْ دِينِكُمُ الَّذِي عَلَيْهِ بَايَعْنَاكُمْ، وَفِي كِتَابِنَا: لَا حُرْمَةَ لِأَمْوَالِكُمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. قِيلَ: وَهَذَا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سلام، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، فَأَدَّاهُ إِلَيْهِ. وَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ دِينَارًا فَجَحَدَهُ وَخَانَهُ. انْتَهَى. وَلَا يَنْحَصِرُ الشَّرْطُ فِي ذَيْنِكَ الْمُعَيَّنَيْنِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْدٌ مِمَّنْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ: مَنْ. أَلَا تَرَى كَيْفَ جُمِعَ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا قَالُوا وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: تَأْمَنْهُ، هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بِلَا خِلَافٍ، وَيُحْتَمَلُ
دَرَسَ الْكِتَابَ يَدْرُسُهُ: أَدْمَنَ قِرَاءَتَهُ وَتَكْرِيرَهُ، وَدَرَسَ الْمَنْزِلُ: عَفَا، وَطَلَلٌ دَارِسٌ:
عَافٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَمِّ الْخَوَنَةِ مِنْهُمْ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَنْ يُؤْتَمَنُ فَيَفِي وَمَنْ يُؤْتَمَنُ فَيَخُونُ. وَقِيلَ: أَهْلُ الْكِتَابِ عَنَى بِهِ أَهْلَ الْقُرْآنِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ لَمْ يَقُلْهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ إِلَّا الْيَهُودُ.
وَقِيلَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ هُمُ النَّصَارَى لِغَلَبَةِ الْأَمَانَةِ عَلَيْهِمْ. وَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ هُمُ الْيَهُودُ لِغَلَبَةِ الْخِيَانَةِ عَلَيْهِمْ. وَعُيِّنَ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ. وَقِيلَ:
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ هم مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ بَايَعَ بَعْضُ الْعَرَبِ بَعْضَ الْيَهُودِ وَأَوْدَعُوهُمْ فَخَانُوا مَنْ أَسْلَمَ، وَقَالُوا: قَدْ خَرَجْتُمْ عَنْ دِينِكُمُ الَّذِي عَلَيْهِ بَايَعْنَاكُمْ، وَفِي كِتَابِنَا: لَا حُرْمَةَ لِأَمْوَالِكُمْ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. قِيلَ: وَهَذَا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سلام، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، فَأَدَّاهُ إِلَيْهِ. وَ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ دِينَارًا فَجَحَدَهُ وَخَانَهُ. انْتَهَى. وَلَا يَنْحَصِرُ الشَّرْطُ فِي ذَيْنِكَ الْمُعَيَّنَيْنِ، بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْدٌ مِمَّنْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ: مَنْ. أَلَا تَرَى كَيْفَ جُمِعَ فِي قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا قَالُوا وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: تَأْمَنْهُ، هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بِلَا خِلَافٍ، وَيُحْتَمَلُ
220
أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَبَيَّنَهُ قَوْلُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فَجَمَعَ الْأُمِّيِّينَ وَهُمْ أَتْبَاعُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ.
وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: تِئْمَنْهُ، في الحرفين، و: تئمنا، فِي يُوسُفَ. وَقَرَأَ ابْنُ مسعود، والأشهب العقيلي، وابن وَثَّابٍ: تِيمَنْهُ، بِتَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا، قَالَ الدَّانِيُّ: وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. وَأَمَّا إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي: تِئْمَنْهُ، فَلِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا كَمَا أَبْدَلُوا فِي بِئْرٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ عَلَى حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ: فِعْلٍ، وَمِنْ: مَا أَوَّلَهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ نَسْتَعِينُ «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَالَ: ابْنُ عَطِيَّةَ، حِينَ ذَكَرَ قِرَاءَةَ أُبَيٍّ: وَمَا أَرَاهَا إِلَّا لُغَةً: قُرَشِيَّةً، وَهِيَ كَسْرُ نُونِ الْجَمَاعَةِ: كَنَسْتَعِينَ، وَأَلِفُ الْمُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا إِخَالَهُ، وَتَاءِ الْمُخَاطَبِ كَهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَكْسِرُونَ الْيَاءَ فِي الْغَائِبِ، وَبِهَا قَرَأَ أُبَيٌّ فِي: تِئْمَنْهُ. انْتَهَى. وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يُكْسَرُ فِيهِ حُرُوفُ الْمُضَارَعَةِ بِقَانُونٍ كُلِّيٍّ، وَمَا ظَنَّهُ مِنْ أَنَّهَا لُغَةٌ قُرَشِيَّةٌ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي نَسْتَعِينُ «٢» وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: الْقِنْطَارِ، فِي قَوْلِهِ: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ «٣».
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُؤَدِّهِ، بِكَسْرِ الْهَاءِ وَوَصْلِهَا بِيَاءٍ. وَقَرَأَ قَالُونَ بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْأَعْمَشُ بِالسُّكُونِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا الْإِسْكَانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ، لِأَنَّ الْهَاءَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْزَمَ، وَإِذَا لَمْ تُجْزَمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَسْكُنَ فِي الْوَصْلِ. وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَأَرَاهُ كَانَ يَخْتَلِسُ الْكَسْرَةَ، فَغَلَطٌ عَلَيْهِ كَمَا غَلِطَ عَلَيْهِ فِي:
بَارِئِكُمْ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ ضَابِطٌ لِمِثْلِ هَذَا، أَنَّهُ كَانَ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ الْإِسْكَانَ غَلَطٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِذْ هِيَ قِرَاءَةٌ فِي السَّبْعَةِ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَكَفَى أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ مِنْ إِمَامِ الْبَصْرِيِّينَ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ. فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ صَرِيحٌ، وَسَامِعُ لُغَةٍ، وَإِمَامٌ فِي النَّحْوِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ عَنْهُ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا.
وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ وَهُوَ إِمَامٌ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ. وَحَكَى ذَلِكَ لُغَةً لِبَعْضِ الْعَرَبِ تَجْزِمُ فِي الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ.
وَقَدْ رَوَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ وَكِلَابٍ: أَنَّهُمْ يَخْتَلِسُونَ الْحَرَكَةَ فِي هَذِهِ الْهَاءِ إِذَا كَانَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، وَأَنَّهُمْ يُسَكِّنُونَ أَيْضًا. قَالَ الْكِسَائِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابَ عقيل وكلاب
وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: تِئْمَنْهُ، في الحرفين، و: تئمنا، فِي يُوسُفَ. وَقَرَأَ ابْنُ مسعود، والأشهب العقيلي، وابن وَثَّابٍ: تِيمَنْهُ، بِتَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا، قَالَ الدَّانِيُّ: وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. وَأَمَّا إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً فِي: تِئْمَنْهُ، فَلِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا كَمَا أَبْدَلُوا فِي بِئْرٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ عَلَى حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ: فِعْلٍ، وَمِنْ: مَا أَوَّلَهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ نَسْتَعِينُ «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَالَ: ابْنُ عَطِيَّةَ، حِينَ ذَكَرَ قِرَاءَةَ أُبَيٍّ: وَمَا أَرَاهَا إِلَّا لُغَةً: قُرَشِيَّةً، وَهِيَ كَسْرُ نُونِ الْجَمَاعَةِ: كَنَسْتَعِينَ، وَأَلِفُ الْمُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا إِخَالَهُ، وَتَاءِ الْمُخَاطَبِ كَهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَكْسِرُونَ الْيَاءَ فِي الْغَائِبِ، وَبِهَا قَرَأَ أُبَيٌّ فِي: تِئْمَنْهُ. انْتَهَى. وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يُكْسَرُ فِيهِ حُرُوفُ الْمُضَارَعَةِ بِقَانُونٍ كُلِّيٍّ، وَمَا ظَنَّهُ مِنْ أَنَّهَا لُغَةٌ قُرَشِيَّةٌ لَيْسَ كَمَا ظَنَّ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي نَسْتَعِينُ «٢» وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: الْقِنْطَارِ، فِي قَوْلِهِ: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ «٣».
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُؤَدِّهِ، بِكَسْرِ الْهَاءِ وَوَصْلِهَا بِيَاءٍ. وَقَرَأَ قَالُونَ بِاخْتِلَاسِ الْحَرَكَةِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَأَبُو بَكْرٍ، وَحَمْزَةُ، وَالْأَعْمَشُ بِالسُّكُونِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا الْإِسْكَانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ، لِأَنَّ الْهَاءَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْزَمَ، وَإِذَا لَمْ تُجْزَمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَسْكُنَ فِي الْوَصْلِ. وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَأَرَاهُ كَانَ يَخْتَلِسُ الْكَسْرَةَ، فَغَلَطٌ عَلَيْهِ كَمَا غَلِطَ عَلَيْهِ فِي:
بَارِئِكُمْ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ ضَابِطٌ لِمِثْلِ هَذَا، أَنَّهُ كَانَ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ الْإِسْكَانَ غَلَطٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِذْ هِيَ قِرَاءَةٌ فِي السَّبْعَةِ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَكَفَى أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ مِنْ إِمَامِ الْبَصْرِيِّينَ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ. فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ صَرِيحٌ، وَسَامِعُ لُغَةٍ، وَإِمَامٌ فِي النَّحْوِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ عَنْهُ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا.
وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ الْفَرَّاءُ وَهُوَ إِمَامٌ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ. وَحَكَى ذَلِكَ لُغَةً لِبَعْضِ الْعَرَبِ تَجْزِمُ فِي الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ.
وَقَدْ رَوَى الْكِسَائِيُّ أَنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ وَكِلَابٍ: أَنَّهُمْ يَخْتَلِسُونَ الْحَرَكَةَ فِي هَذِهِ الْهَاءِ إِذَا كَانَتْ بَعْدَ مُتَحَرِّكٍ، وَأَنَّهُمْ يُسَكِّنُونَ أَيْضًا. قَالَ الْكِسَائِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابَ عقيل وكلاب
(٢- ١) سورة الفاتحة: ١/ ٢.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ١٤.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ١٤.
221
يَقُولُونَ: لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ «١» بِالْجَزْمِ، وَ: لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، بِغَيْرٍ تَمَامٍ وَلَهُ مَالٌ وَغَيْرُ عَقِيلٍ وَكِلَابٍ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمُ اخْتِلَاسٌ وَلَا سُكُونٌ فِي: لَهُ وَشَبَهِهِ، إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ.
لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صَوْتٌ حَادٌّ وَقَالَ:
إِلَّا لِأَنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وَادِيهَا وَنَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ حَرَكَةَ هَذِهِ الْهَاءِ بَعْدَ الْفِعْلِ الذَّاهِبِ مِنْهُ حَرْفٌ لِوَقْفٍ أَوْ جَزْمٍ يَجُوزُ فِيهَا الْإِشْبَاعُ، وَيَجُوزُ الِاخْتِلَاسُ، وَيَجُوزُ السُّكُونُ. وَأَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَى ثَعْلَبٍ فِي كِتَابِهِ: (الْفَصِيحُ) مَوَاضِعَ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَقُولُهَا، وَرَدَّ النَّاسُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي إِنْكَارِهِ، وَنَقَلُوهَا مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ.
وَمِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِ: أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ، وَكَانَ ثَعْلَبُ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ وَإِمَامًا فِي النَّحْوِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَنَقَلُوا أَيْضًا قِرَاءَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا ضَمُّ الهاء ووصلها بواو، وهي قِرَاءَةُ الزُّهْرِيِّ، وَالْأُخْرَى: ضَمُّهَا دُونَ وَصْلٍ، وَبِهَا قَرَأَ سَلَّامٌ.
وَالْبَاءُ فِي: بِقِنْطَارٍ، وَفِي: بِدِينَارٍ قِيلَ: لِلْإِلْصَاقِ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى عَلَى، إِذِ الْأَصْلُ أَنْ تَتَعَدَّى بِعَلَى، كَمَا قَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ «٢» وَقَالَ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ «٣» وَقِيلَ: بِمَعْنَى فِي أَيْ: فِي حِفْظِ قِنْطَارٍ، وَفِي حِفْظِ دِينَارٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقِنْطَارَ وَالدِّينَارَ مِثَالَانِ لِلْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، فَيَدْخُلُ أَكْثَرُ مِنَ الْقِنْطَارِ وَأَقَلُّ. وَفِي الدِّينَارِ أَقَلُّ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويحتمل أن يُرِيدَ طِبْقَهُ يَعْنِي فِي الدِّينَارِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي دِينَارٍ فَمَا زَادَ، وَلَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ الْخَائِنِينَ فِي: أَقَلَّ، إِذْ هُمْ طُغَّامٌ حُثَالَةٌ. انْتَهَى.
وَمَعْنَى: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً قَالَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزَّجَّاجُ، وَالْفَرَّاءُ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَقَاضِيًا بِأَنْوَاعِ التَّقَاضِي مِنَ: الْخَفْرِ، وَالْمُرَافَعَةِ إِلَى الْحُكَّامِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ هَيْئَةَ الْقِيَامِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِيَامِ الْمَرْءِ عَلَى أَشْغَالِهِ: أَيِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَذَلِكَ نهاية الخفر، لأن
لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صَوْتٌ حَادٌّ وَقَالَ:
إِلَّا لِأَنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وَادِيهَا وَنَصَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ حَرَكَةَ هَذِهِ الْهَاءِ بَعْدَ الْفِعْلِ الذَّاهِبِ مِنْهُ حَرْفٌ لِوَقْفٍ أَوْ جَزْمٍ يَجُوزُ فِيهَا الْإِشْبَاعُ، وَيَجُوزُ الِاخْتِلَاسُ، وَيَجُوزُ السُّكُونُ. وَأَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَى ثَعْلَبٍ فِي كِتَابِهِ: (الْفَصِيحُ) مَوَاضِعَ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَقُولُهَا، وَرَدَّ النَّاسُ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ فِي إِنْكَارِهِ، وَنَقَلُوهَا مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ.
وَمِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِ: أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ، وَكَانَ ثَعْلَبُ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ وَإِمَامًا فِي النَّحْوِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَنَقَلُوا أَيْضًا قِرَاءَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا ضَمُّ الهاء ووصلها بواو، وهي قِرَاءَةُ الزُّهْرِيِّ، وَالْأُخْرَى: ضَمُّهَا دُونَ وَصْلٍ، وَبِهَا قَرَأَ سَلَّامٌ.
وَالْبَاءُ فِي: بِقِنْطَارٍ، وَفِي: بِدِينَارٍ قِيلَ: لِلْإِلْصَاقِ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى عَلَى، إِذِ الْأَصْلُ أَنْ تَتَعَدَّى بِعَلَى، كَمَا قَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ «٢» وَقَالَ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ «٣» وَقِيلَ: بِمَعْنَى فِي أَيْ: فِي حِفْظِ قِنْطَارٍ، وَفِي حِفْظِ دِينَارٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْقِنْطَارَ وَالدِّينَارَ مِثَالَانِ لِلْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، فَيَدْخُلُ أَكْثَرُ مِنَ الْقِنْطَارِ وَأَقَلُّ. وَفِي الدِّينَارِ أَقَلُّ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويحتمل أن يُرِيدَ طِبْقَهُ يَعْنِي فِي الدِّينَارِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي دِينَارٍ فَمَا زَادَ، وَلَمْ يَعْنِ بِذِكْرِ الْخَائِنِينَ فِي: أَقَلَّ، إِذْ هُمْ طُغَّامٌ حُثَالَةٌ. انْتَهَى.
وَمَعْنَى: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً قَالَ قَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزَّجَّاجُ، وَالْفَرَّاءُ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَقَاضِيًا بِأَنْوَاعِ التَّقَاضِي مِنَ: الْخَفْرِ، وَالْمُرَافَعَةِ إِلَى الْحُكَّامِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ هَيْئَةَ الْقِيَامِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِيَامِ الْمَرْءِ عَلَى أَشْغَالِهِ: أَيِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا.
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَذَلِكَ نهاية الخفر، لأن
(١) سورة العاديات: ١٠٠/ ٦.
(٢) سورة يوسف: ١٢/ ١١.
(٣) سورة يوسف: ١٢/ ٦٤.
(٢) سورة يوسف: ١٢/ ١١.
(٣) سورة يوسف: ١٢/ ٦٤.
222
مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي صَدَدِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ. وَذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَانْتَزَعُوا مِنَ الْآيَةِ جَوَازَ السِّجْنِ، لِأَنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ هُوَ يَمْنَعُهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ فِي غَيْرِ الْقَضَاءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَبَيْنَ السِّجْنِ. وَقِيلَ: قَائِمًا بوجهك فيهابك وَيَسْتَحِي مِنْكَ. وَقِيلَ: مَعْنَى: دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، أَيْ: مُسْتَعْلِيًا، فَإِنِ اسْتَلَانَ جَانِبُكَ لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْكَ أَمَانَتَكَ.
وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْفَيَّاضُ بْنُ غَزْوَانَ، وَطَلْحَةُ، وَغَيْرُهُمْ: دِمْتَ بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي مُضَارِعِهِ.
وَ: مَا، فِي: مَا دمت، مصدرية ظرفية. و: دمت، نَاقِصَةٌ فَخَبَرُهَا: قَائِمًا، وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ تَكُونَ: مَا، مَصْدَرِيَّةً فَقَطْ لَا ظرفية، فتقدر بِمَصْدَرٍ، وَذَلِكَ الْمَصْدَرُ يَنْتَصِبُ عَلَى الْحَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْأَحْوَالِ لَا مِنَ الْأَزْمَانِ. قَالَ: وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا فِي حَالِ مُلَازَمَتِكَ لَهُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: قَائِمًا، مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ، لا خبرا لدام، لِأَنَّ شَرْطَ نَقْصِ: دَامَ، أن يكون صلة لما الْمَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
رُوِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلَالَ أَمْوَالِ. الْعَرَبِ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ أَوْثَانٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْعَرَبِ، بَقِيَ الْيَهُودُ فِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ مَانِعَةً مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانة فإنها مؤادّة إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ».
وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى تَرْكِ الْأَدَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَا يُؤَدِّهِ، أَيْ: كَوْنُهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ كَانَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ.
وَالضَّمِيرُ فِي: بِأَنَّهُمْ، قِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى لَفِيفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى: مَنْ، فِي قَوْلِهِ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَجُمِعَ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ تَرَكَ الْأَدَاءَ فِي الدِّينَارِ فَمَا دُونَهُ وَفَمَا فَوْقَهُ كَائِنٌ بِسَبَبِ قَوْلِ الْمَانِعِ لِلْأَدَاءِ الْخَائِنِ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ وَهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمُ الْعَرَبُ. وَتَقَدَّمَ كَوْنُهُمْ سُمُّوا أُمِّيِّينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَالسَّبِيلُ، قِيلَ: الْعِتَابُ وَالذَّمُّ. وَقِيلَ: الْحُجَّةُ عَلَى، نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْفَيَّاضُ بْنُ غَزْوَانَ، وَطَلْحَةُ، وَغَيْرُهُمْ: دِمْتَ بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي مُضَارِعِهِ.
وَ: مَا، فِي: مَا دمت، مصدرية ظرفية. و: دمت، نَاقِصَةٌ فَخَبَرُهَا: قَائِمًا، وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ تَكُونَ: مَا، مَصْدَرِيَّةً فَقَطْ لَا ظرفية، فتقدر بِمَصْدَرٍ، وَذَلِكَ الْمَصْدَرُ يَنْتَصِبُ عَلَى الْحَالِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْأَحْوَالِ لَا مِنَ الْأَزْمَانِ. قَالَ: وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا فِي حَالِ مُلَازَمَتِكَ لَهُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ: قَائِمًا، مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ، لا خبرا لدام، لِأَنَّ شَرْطَ نَقْصِ: دَامَ، أن يكون صلة لما الْمَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
رُوِيَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلَالَ أَمْوَالِ. الْعَرَبِ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ أَوْثَانٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْعَرَبِ، بَقِيَ الْيَهُودُ فِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ مَانِعَةً مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانة فإنها مؤادّة إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ».
وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَى تَرْكِ الْأَدَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَا يُؤَدِّهِ، أَيْ: كَوْنُهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ كَانَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ.
وَالضَّمِيرُ فِي: بِأَنَّهُمْ، قِيلَ: عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ وَقِيلَ: عَائِدٌ عَلَى لَفِيفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى: مَنْ، فِي قَوْلِهِ: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَجُمِعَ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ تَرَكَ الْأَدَاءَ فِي الدِّينَارِ فَمَا دُونَهُ وَفَمَا فَوْقَهُ كَائِنٌ بِسَبَبِ قَوْلِ الْمَانِعِ لِلْأَدَاءِ الْخَائِنِ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ وَهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَهُمُ الْعَرَبُ. وَتَقَدَّمَ كَوْنُهُمْ سُمُّوا أُمِّيِّينَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَالسَّبِيلُ، قِيلَ: الْعِتَابُ وَالذَّمُّ. وَقِيلَ: الْحُجَّةُ عَلَى، نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
223
| وَهَلْ أَنَا إِنْ عَلَلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ | مِنَ السَّرْحِ موجود عَلَيَّ طَرِيقُ |
وَقِيلَ: السَّبِيلُ هُنَا الْفِعْلُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِثْمِ. وَالْمَعْنَى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ طَرِيقٌ فِيمَا يَسْتَحِلُّونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْأُمِّيِّينَ.
قَالَ: وَسَبَبُ اسْتِبَاحَتِهِمْ لِأَمْوَالِ الْأُمِّيِّينَ أَنَّهُمْ عِنْدَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَهُمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ بَاقُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِتَكْذِيبِ الْيَهُودِ لِلْقُرْآنِ وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمُ انْتُقِضَ الْعَهْدُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ إِسْلَامِهِمْ، فَصَارُوا كَالْمُحَارِبِينَ، فَاسْتَحَلُّوا أَمْوَالَهُمْ. وَقِيلَ: لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي كِتَابِهِمْ أَخْذُ مَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ: الْأَمْوَالُ كُلُّهَا كَانَتْ لَنَا، فَمَا فِي أَيْدِي الْعَرَبِ مِنْهَا فَهُوَ لَنَا، وَأَنَّهُمْ ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْنَا فِي أَخْذِ أَمْوَالِنَا مِنْهُمْ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَجُلًا قال لابن عَبَّاسٍ: أَنَّا نُصِيبُ فِي الْغَزْوِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ: الشَّاةَ وَالدَّجَاجَةَ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَيْنَا بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَقَالَ لَهُ:
هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أَنَّهُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ. وَذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَفِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّاةِ أَوِ الدَّجَاجَةِ، قَالَ: فَيَقُولُونَ مَاذَا قَالَ؟ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ بَأْسٌ.
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أَيِ الْقَوْلَ الْكَذِبَ يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللَّهِ بِادِّعَائِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِمْ. قَالَ السُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُهُمَا: ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ إِحْلَالًا لَهُمْ أَمْوَالَ الْأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنْهَا وَهِيَ عَالِمَةٌ بِكَذِبِهَا، فَيَكُونُ الْكَذِبُ الْمَقُولُ هُنَا هُوَ هَذَا الْكَذِبَ الْمَخْصُوصَ فِي هَذَا الْفَصْلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، فَيَنْدَرِجُ هَذَا فِيهِ، أَيْ: هُمْ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ وَهُمْ عُلَمَاءُ بِمَوْضِعِ الصِّدْقِ.
وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: عَلَيْنَا، خَبَرَ: لَيْسَ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: فِي الْأُمِّيِّينَ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى عَمَلِ: لَيْسَ، فِي الْجَارِّ، فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا.
قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ: سَبِيلٌ، بعلينا، وَفِي: لَيْسَ، ضَمِيرُ الْأَمْرِ، ويتعلق: على الله، بيقولون بِمَعْنَى: يَفْتَرُونَ.
قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حالا من الْكَذِبِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَذِبِ.
224
قِيلَ: لِأَنَّ الصِّلَةَ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُولِ.
وَهُمْ يَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبِيحَ مَا يَرْتَكِبُونَ مِنَ الْكَذِبِ، أَيْ: إِنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ يَبْعُدُ وَيَقْبُحُ أَنْ يُكْذَبَ فِيهِ، فَكِذْبُهُمْ لَيْسَ عَنْ غَفْلَةٍ وَلَا جَهْلٍ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عِلْمٍ.
بَلى جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِدَعْوَاهِمْ، وَالْمَعْنَى: بَلَى عَلَيْهِمْ فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي: بَلَى، فِي قَوْلِهِ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ أَوْفَى بِالْعَهْدِ وَاتَّقَى اللَّهَ فِي نَقْضِهِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اتَّقَى هُنَا مَعْنَاهُ اتَّقَى الشِّرْكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ بعد بلى، وَ: مَنْ، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، و: أوفى، لُغَةُ الْحِجَازِ. وَ: وَفَى، خَفِيفَةٌ لُغَةُ نَجْدٍ. وَ: وَفَّى، مُشَدَّدَةٌ لُغَةٌ أَيْضًا. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ اللُّغَاتِ.
وَالظَّاهِرُ فِي: بِعَهْدِهِ، أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى: مَنْ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَدْخُلُ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، الْعَهْدُ الْأَعْظَمُ مِنْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ أُضِيفَ الْعَهْدُ إِلَى: مَنْ، أَوْ: إِلَى اللَّهِ، وَالشَّرَائِطُ لِلْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ أَوِ الْجَزَائِيَّةِ بِمَنْ هُوَ الْعُمُومُ الَّذِي فِي الْمُتَّقِينَ، أَوْ مَا قَبْلَهُ، فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: يُحِبُّهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَأَتَى بِلَفْظِ: الْمُتَّقِينَ، عَامًّا تَشْرِيفًا للتقوى دحضا عَلَيْهَا.
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا نَزَلَتْ فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ: أَبِي رَافِعٍ، وَكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. أَوْ:
فِيمَنْ حَرَّفَ نَعْتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الْيَهُودِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: فِي خُصُومَةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ يَهُودِيٍّ، أَوْ مَعَ بَعْضِ قَرَابَتِهِ. أَوْ: فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ مَسَاءً لَأُعْطِي بِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ كَذَا، يَمِينًا كَاذِبَةً، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ.
وَالْإِضَافَةُ فِي بِعَهْدِ اللَّهِ إِمَّا لِلْفَاعِلِ وَإِمَّا لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ إِيَّاهُ من الإيمان
وَهُمْ يَعْلَمُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبِيحَ مَا يَرْتَكِبُونَ مِنَ الْكَذِبِ، أَيْ: إِنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ يَبْعُدُ وَيَقْبُحُ أَنْ يُكْذَبَ فِيهِ، فَكِذْبُهُمْ لَيْسَ عَنْ غَفْلَةٍ وَلَا جَهْلٍ، إِنَّمَا هُوَ عَنْ عِلْمٍ.
بَلى جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِدَعْوَاهِمْ، وَالْمَعْنَى: بَلَى عَلَيْهِمْ فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي: بَلَى، فِي قَوْلِهِ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً «١» فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ مَنْ أَوْفَى بِالْعَهْدِ وَاتَّقَى اللَّهَ فِي نَقْضِهِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اتَّقَى هُنَا مَعْنَاهُ اتَّقَى الشِّرْكَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ بعد بلى، وَ: مَنْ، يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، و: أوفى، لُغَةُ الْحِجَازِ. وَ: وَفَى، خَفِيفَةٌ لُغَةُ نَجْدٍ. وَ: وَفَّى، مُشَدَّدَةٌ لُغَةٌ أَيْضًا. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ اللُّغَاتِ.
وَالظَّاهِرُ فِي: بِعَهْدِهِ، أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى: مَنْ. وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَدْخُلُ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، الْعَهْدُ الْأَعْظَمُ مِنْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ أُضِيفَ الْعَهْدُ إِلَى: مَنْ، أَوْ: إِلَى اللَّهِ، وَالشَّرَائِطُ لِلْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ أَوِ الْجَزَائِيَّةِ بِمَنْ هُوَ الْعُمُومُ الَّذِي فِي الْمُتَّقِينَ، أَوْ مَا قَبْلَهُ، فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: يُحِبُّهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَأَتَى بِلَفْظِ: الْمُتَّقِينَ، عَامًّا تَشْرِيفًا للتقوى دحضا عَلَيْهَا.
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا نَزَلَتْ فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ: أَبِي رَافِعٍ، وَكِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. أَوْ:
فِيمَنْ حَرَّفَ نَعْتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الْيَهُودِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: فِي خُصُومَةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ يَهُودِيٍّ، أَوْ مَعَ بَعْضِ قَرَابَتِهِ. أَوْ: فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ مَسَاءً لَأُعْطِي بِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ كَذَا، يَمِينًا كَاذِبَةً، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ.
وَالْإِضَافَةُ فِي بِعَهْدِ اللَّهِ إِمَّا لِلْفَاعِلِ وَإِمَّا لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ إِيَّاهُ من الإيمان
(١) سورة البقرة: ٢/ ٨١. [.....]
225
بِالرَّسُولِ الَّذِي بُعِثَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ، وَبِأَيْمَانِهِمُ الَّتِي حَلَفُوهَا لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَنَنْصُرَنَّهُ، أَوْ بِعَهْدِ اللَّهِ. وَالِاشْتِرَاءُ هُنَا مَجَازٌ، وَالثَّمَنُ الْقَلِيلُ: مَتَاعُ الدُّنْيَا مِنَ الرُّشَى والتراؤس وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِمَا احْتَفَّ بِهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالْآيَاتِ الَّتِي بَعْدِهَا.
أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، اعْتَاضُوا بِالْقَلِيلِ الْفَانِي عَنِ النَّعِيمِ الْبَاقِي، وَنَعْنِي: لَا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ، نَفْيَ نَصِيبِ الْخَيْرِ عَنْهُ.
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَيْ بِمَا يَسُرُّهُمْ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يُكَلِّمُهُمْ جُمْلَةً وَإِنَّمَا تُحَاسِبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْغَضَبِ، أَيْ: لَا يَحْفَلُ بِهِمْ، وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ، وَقَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ شَرْحُ: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ «١».
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مَجَازٌ عَنِ الِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ وَالسُّخْطِ عَلَيْهِمْ، تَقُولُ: فُلَانٌ لَا يَنْظُرُ إِلَى فُلَانٍ، يُرِيدُ نَفْيَ اعْتِدَادِهِ بِهِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْتَ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ وَفِيمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ أَصْلُهُ فِيمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ الْكِنَايَةُ، لِأَنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِالْإِنْسَانِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَأَعَارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ عِبَارَةً عَنِ الِاعْتِدَادِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جَاءَ فِيمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرَّدًا لِمَعْنَى الْإِحْسَانِ مَجَازًا عَمَّا وَقَعَ كِنَايَةً عَنْهُ فِيمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَلَا يَنْظُرُ. أَيْ: لَا يَرْحَمُ. قَالَ:
وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ أَوْ لَا يُنَمِّي أَعْمَالَهُمْ، فَهِيَ تَنْمِيَةٌ لَهُمْ، أَوْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ. أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْبَقَرَةِ.
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا.
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ، قَالَهُ الْحَسَنُ: أَوْ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: هم الْيَهُودُ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ غَيَّرُوا التَّوْرَاةَ.
وَكَتَبُوا كِتَابًا بَدَّلُوا فِيهِ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَخَذَتْ قُرَيْظَةُ مَا كَتَبُوهُ فَخَلَطُوهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي عندهم.
أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، اعْتَاضُوا بِالْقَلِيلِ الْفَانِي عَنِ النَّعِيمِ الْبَاقِي، وَنَعْنِي: لَا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ، نَفْيَ نَصِيبِ الْخَيْرِ عَنْهُ.
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ: أَيْ بِمَا يَسُرُّهُمْ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يُكَلِّمُهُمْ جُمْلَةً وَإِنَّمَا تُحَاسِبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْغَضَبِ، أَيْ: لَا يَحْفَلُ بِهِمْ، وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ، وَقَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ شَرْحُ: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ «١».
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ مَجَازٌ عَنِ الِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ وَالسُّخْطِ عَلَيْهِمْ، تَقُولُ: فُلَانٌ لَا يَنْظُرُ إِلَى فُلَانٍ، يُرِيدُ نَفْيَ اعْتِدَادِهِ بِهِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ.
فَإِنْ قُلْتَ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ وَفِيمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ أَصْلُهُ فِيمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ الْكِنَايَةُ، لِأَنَّ مَنِ اعْتَدَّ بِالْإِنْسَانِ الْتَفَتَ إِلَيْهِ وَأَعَارَهُ نَظَرَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ عِبَارَةً عَنِ الِاعْتِدَادِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ، ثُمَّ جَاءَ فِيمَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مُجَرَّدًا لِمَعْنَى الْإِحْسَانِ مَجَازًا عَمَّا وَقَعَ كِنَايَةً عَنْهُ فِيمَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَلَا يَنْظُرُ. أَيْ: لَا يَرْحَمُ. قَالَ:
| فَقُلْتُ انْظُرِي يَا أَحْسَنَ النَّاسِ كُلِّهِمُ | لِذِي غَلَّةِ صَدْيَانَ قَدْ شَفَّهُ الْوَجْدُ |
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا.
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ، قَالَهُ الْحَسَنُ: أَوْ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: هم الْيَهُودُ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ غَيَّرُوا التَّوْرَاةَ.
وَكَتَبُوا كِتَابًا بَدَّلُوا فِيهِ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَخَذَتْ قُرَيْظَةُ مَا كَتَبُوهُ فَخَلَطُوهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي عندهم.
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٧٤.
226
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ أَيْ: يَفْتِلُونَهَا بِقِرَاءَتِهِ عَنِ الصَّحِيحِ إِلَى الْمُحَرَّفِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحَرِّفُونَ وَيَتَحَيَّلُونَ لِتَبْدِيلِ الْمَعَانِي مِنْ جِهَةِ اشْتِبَاهِ الْأَلْفَاظِ وَاشْتِرَاكِهَا وَتَشَعُّبِ التَّأْوِيلَاتِ فِيهَا، وَمِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: رَاعِنَا، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَيْسَ التَّبْدِيلَ الْمَحْضَ. انْتَهَى.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّيَّ وَقَعَ بِالْكِتَابِ أَيْ: بِأَلْفَاظِهِ لَا بِمَعَانِيهِ وَحْدَهَا كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلِ التَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ وَقَعَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَالْمَعَانِي تَبَعٌ لِلْأَلْفَاظِ، وَمَنْ طَالَعَ التَّوْرَاةَ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ التَّبْدِيلَ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ أَشْيَاءَ يَجْزِمُ الْعَاقِلُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي كِتَابٍ إِلَهِيٍّ مِنْ كَثْرَةِ التَّنَاقُضِ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَعْدَادِ وَنِسْبَةِ أَشْيَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَكْلِ وَالْمُصَارَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنِسْبَةِ أَشْيَاءَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَذِبِ وَالسُّكْرِ مِنَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا بِبَنَاتِهِمْ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ الَّتِي يُنَزِّهُ الْعَاقِلُ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَتَّصِفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَضْلًا عَنْ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ صَنَّفَ الشيخ علاء الدين عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ الْبَاجِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كِتَابًا فِي (السُّؤَالَاتِ عَلَى أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَمَعَانِيهِ) وَمَنْ طَالَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ رَأَى فِيهِ عَجَائِبَ وَغَرَائِبَ، وَجَزَمَ بِالتَّبْدِيلِ لِأَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَمَعَانِيهَا، هَذَا مَعَ خُلُوِّهَا مِنْ ذِكْرِ: الْآخِرَةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْحَشْرِ، وَالنَّشْرِ، وَالْعَذَابِ وَالنَّعِيمِ الْأُخْرَوِيَّيْنِ، وَالتَّبْشِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ «١» وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولَهُ وَصَحَابَتَهُ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ «٢».
وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا يَقْتَضِي إِخْفَاءَهُمْ لِكَثِيرٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، قَالَ تَعَالَى:
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً «٣» وَقَالَ تَعَالَى يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ «٤» فَدَلَّتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَخْفَوْهُ مِنَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ، وَدَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ أَنَّ الَّذِي أَبْدَوْهُ من الكتاب قليل.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّيَّ وَقَعَ بِالْكِتَابِ أَيْ: بِأَلْفَاظِهِ لَا بِمَعَانِيهِ وَحْدَهَا كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلِ التَّحْرِيفُ وَالتَّبْدِيلُ وَقَعَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَالْمَعَانِي تَبَعٌ لِلْأَلْفَاظِ، وَمَنْ طَالَعَ التَّوْرَاةَ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ التَّبْدِيلَ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ أَشْيَاءَ يَجْزِمُ الْعَاقِلُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي كِتَابٍ إِلَهِيٍّ مِنْ كَثْرَةِ التَّنَاقُضِ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَعْدَادِ وَنِسْبَةِ أَشْيَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَكْلِ وَالْمُصَارَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنِسْبَةِ أَشْيَاءَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَذِبِ وَالسُّكْرِ مِنَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا بِبَنَاتِهِمْ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ الَّتِي يُنَزِّهُ الْعَاقِلُ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَتَّصِفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَضْلًا عَنْ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ.
وَقَدْ صَنَّفَ الشيخ علاء الدين عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَطَّابٍ الْبَاجِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كِتَابًا فِي (السُّؤَالَاتِ عَلَى أَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَمَعَانِيهِ) وَمَنْ طَالَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ رَأَى فِيهِ عَجَائِبَ وَغَرَائِبَ، وَجَزَمَ بِالتَّبْدِيلِ لِأَلْفَاظِ التَّوْرَاةِ وَمَعَانِيهَا، هَذَا مَعَ خُلُوِّهَا مِنْ ذِكْرِ: الْآخِرَةِ، وَالْبَعْثِ، وَالْحَشْرِ، وَالنَّشْرِ، وَالْعَذَابِ وَالنَّعِيمِ الْأُخْرَوِيَّيْنِ، وَالتَّبْشِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ «١» وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولَهُ وَصَحَابَتَهُ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ «٢».
وَقَدْ نَصَّ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا يَقْتَضِي إِخْفَاءَهُمْ لِكَثِيرٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، قَالَ تَعَالَى:
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً «٣» وَقَالَ تَعَالَى يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ «٤» فَدَلَّتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَخْفَوْهُ مِنَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ، وَدَلَّ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ أَنَّ الَّذِي أَبْدَوْهُ من الكتاب قليل.
(١) سورة الأعراف: ٧/ ١٥٧.
(٢) سورة الفتح: ٤٨/ ٢٩.
(٣) سورة الأنعام: ٦/ ٩١.
(٤) سورة المائدة: ٥/ ١٥.
(٢) سورة الفتح: ٤٨/ ٢٩.
(٣) سورة الأنعام: ٦/ ٩١.
(٤) سورة المائدة: ٥/ ١٥.
227
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يَلْوُونَ، مُضَارِعُ: لَوَى وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَشَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ عَنْ نَافِعٍ: يُلَوُّونَ بِالتَّشْدِيدِ، مُضَارِعُ: لَوَّى، مُشَدَّدًا. وَنَسَبَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالتَّضْعِيفُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرُ فِي الْفِعْلِ لَا لِلتَّعْدِيَةِ. وَقَرَأَ حُمَيْدٌ: يَلُونَ، بِضَمِّ اللَّامِ، وَنَسَبَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ إِلَى أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَوُجِّهَتْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ:
يَلْوُونَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا، وَحُذِفَتْ هِيَ.
وَالْكِتَابُ: هُنَا التَّوْرَاةُ، وَالْمُخَاطَبُ في: لتحسبوه، المسلمون. وقرىء: لِيَحْسَبُوهُ، بِالْيَاءِ وَهُوَ يَعُودُ عَلَى الَّذِينَ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ لَهُمْ، أَيْ: لِيَحْسَبَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَالضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ فِي: لِيَحْسَبُوهُ، عَائِدٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْمُحَرَّفِ، أَيْ لِيَحْسَبُوا الْمُحَرَّفَ مِنَ الْكِتَابِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِالْكِتَابِ، عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِشِبْهِ الْكِتَابِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى ذَلِكَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ «١» أَيْ: أَوْ كَذِي ظُلُمَاتٍ، فَأَعَادَ الْمَفْعُولَ فِي: يَغْشَاهُ، عَلَى: ذِي، الْمَحْذُوفِ.
وَما هُوَ: مِنَ الْكِتابِ أَيْ: وَمَا الْمُحَرَّفُ وَالْمُبَدَّلُ الَّذِي لَوُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَلَا تَظُنُّوا ذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ.
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَأْكِيدٌ لِمَا قَصَدُوهُ مِنْ حُسْبَانِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَافْتِرَاءٍ عَظِيمٍ عَلَى اللَّهِ، إِذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذَا الْفِعْلِ الْقَبِيحِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ حَتَّى عَضَّدُوا ذَلِكَ بِالْقَوْلِ لِيُطَابِقَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِضُونَ، وَلَا يَوَدُّونَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ هَكَذَا، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لفرط جرأتهم عَلَى اللَّهِ وَيَأْسِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ.
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ فِي إِخْبَارِهِمْ بِالْكَذِبِ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ نَفْيٌ أَوَّلًا أَخَصُّ، إِذِ التَّعْلِيلُ كَانَ لِأَخَصَّ، وَنَفْيٌ هُنَا أَعَمُّ، لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْهُمْ كَانَتْ الأعم، لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ولا
يَلْوُونَ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا، وَحُذِفَتْ هِيَ.
وَالْكِتَابُ: هُنَا التَّوْرَاةُ، وَالْمُخَاطَبُ في: لتحسبوه، المسلمون. وقرىء: لِيَحْسَبُوهُ، بِالْيَاءِ وَهُوَ يَعُودُ عَلَى الَّذِينَ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ لَهُمْ، أَيْ: لِيَحْسَبَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَالضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ فِي: لِيَحْسَبُوهُ، عَائِدٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْمُحَرَّفِ، أَيْ لِيَحْسَبُوا الْمُحَرَّفَ مِنَ الْكِتَابِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِالْكِتَابِ، عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِشِبْهِ الْكِتَابِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى ذَلِكَ الْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ «١» أَيْ: أَوْ كَذِي ظُلُمَاتٍ، فَأَعَادَ الْمَفْعُولَ فِي: يَغْشَاهُ، عَلَى: ذِي، الْمَحْذُوفِ.
وَما هُوَ: مِنَ الْكِتابِ أَيْ: وَمَا الْمُحَرَّفُ وَالْمُبَدَّلُ الَّذِي لَوُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَلَا تَظُنُّوا ذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ التَّوْرَاةِ.
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَأْكِيدٌ لِمَا قَصَدُوهُ مِنْ حُسْبَانِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مِنَ الْكِتَابِ، وَافْتِرَاءٍ عَظِيمٍ عَلَى اللَّهِ، إِذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذَا الْفِعْلِ الْقَبِيحِ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ حَتَّى عَضَّدُوا ذَلِكَ بِالْقَوْلِ لِيُطَابِقَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِضُونَ، وَلَا يَوَدُّونَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ هَكَذَا، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لفرط جرأتهم عَلَى اللَّهِ وَيَأْسِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ.
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ فِي إِخْبَارِهِمْ بِالْكَذِبِ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ نَفْيٌ أَوَّلًا أَخَصُّ، إِذِ التَّعْلِيلُ كَانَ لِأَخَصَّ، وَنَفْيٌ هُنَا أَعَمُّ، لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْهُمْ كَانَتْ الأعم، لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ غَيْرِهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ولا
(١) سورة النور: ٢٤/ ٤٠.
228
مِنْ فِعْلِهِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ فِعْلِهِ كَانَتْ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَدْ نَفَى اللَّهُ تَعَالَى نَفْيًا عَامًّا لِكَوْنِ الْمَعَاصِي مِنْ عِنْدِهِ. انْتَهَى. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَ الرَّازِيُّ يَجْنَحُ إِلَى مَذْهَبِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نَفَى أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَمَا ادَّعَوْا، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ، وَمِنْهُمْ بِالتَّكَسُّبِ. وَلَمْ تَعْنِ الْآيَةُ إِلَّا مَعْنَى التَّنْزِيلِ، فَبَطُلَ تَعَلُّقُ الْقَدَرِيَّةِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا آنِفًا.
مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
رُوِيَ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، حِينَ اجْتَمَعَتِ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالْوَفْدُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إِلَهًا كَمَا عَبَدَتِ النَّصَارَى عِيسَى؟
فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نجران: أو ذاك تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَعَاذَ اللَّهِ مَا بِذَلِكَ أَمَرْتُ وَلَا إِلَيْهِ دَعَوْتُ»، فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَمَا يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ لِأَحَدٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَكْرِمُوا نَبِيَّكُمْ وَاعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ».
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى مَنْ هِيَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: مَا كانَ لِبَشَرٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالرَّبِيعُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَجَمَاعَةٌ: الْإِشَارَةُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرُوا سَبَبَ النُّزُولِ الْمَذْكُورَ.
وَقَالَ النَّقَّاشُ، وَغَيْرُهُ: الْإِشَارَةُ إِلَى عِيسَى، وَالْآيَةُ رَادَّةٌ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا:
عِيسَى إِلَهٌ، وَادَّعَوْا أَنَّ عِبَادَتَهُ هِيَ شِرْعَةٌ مُسْتَنَدَةٌ إِلَى أَوَامِرِهِ، وَمَعْنَى مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ وَمَا جَاءَ نَحْوَهُ أَنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ الْكَوْنَ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِانْتِفَاءُ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ التَّامِّ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ:
مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها «١» وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «٢».
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِانْتِفَاءُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الِانْتِفَاءِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ غَيْرِ التَّامِّ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ الله عَنْهُ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نَفَى أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَمَا ادَّعَوْا، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ، وَمِنْهُمْ بِالتَّكَسُّبِ. وَلَمْ تَعْنِ الْآيَةُ إِلَّا مَعْنَى التَّنْزِيلِ، فَبَطُلَ تَعَلُّقُ الْقَدَرِيَّةِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذَا آنِفًا.
مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
رُوِيَ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، حِينَ اجْتَمَعَتِ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالْوَفْدُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إِلَهًا كَمَا عَبَدَتِ النَّصَارَى عِيسَى؟
فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نجران: أو ذاك تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَعَاذَ اللَّهِ مَا بِذَلِكَ أَمَرْتُ وَلَا إِلَيْهِ دَعَوْتُ»، فَنَزَلَتْ.
وَقِيلَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَمَا يُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ لِأَحَدٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَكْرِمُوا نَبِيَّكُمْ وَاعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ».
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَى مَنْ هِيَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: مَا كانَ لِبَشَرٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالرَّبِيعُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَجَمَاعَةٌ: الْإِشَارَةُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرُوا سَبَبَ النُّزُولِ الْمَذْكُورَ.
وَقَالَ النَّقَّاشُ، وَغَيْرُهُ: الْإِشَارَةُ إِلَى عِيسَى، وَالْآيَةُ رَادَّةٌ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا:
عِيسَى إِلَهٌ، وَادَّعَوْا أَنَّ عِبَادَتَهُ هِيَ شِرْعَةٌ مُسْتَنَدَةٌ إِلَى أَوَامِرِهِ، وَمَعْنَى مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ وَمَا جَاءَ نَحْوَهُ أَنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ الْكَوْنَ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الِانْتِفَاءُ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ التَّامِّ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ:
مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها «١» وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «٢».
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الِانْتِفَاءُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الِانْتِفَاءِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ غَيْرِ التَّامِّ، وَمِثَالُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ الله عَنْهُ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
(١) سورة النمل: ٢٧/ ٦٠.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٤٥.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ١٤٥.
229
وَمُدْرَكُ الْقِسْمَيْنِ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ الَّذِي النَّفْيُ فِيهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعْطِي الْكَذَبَةَ وَالْمُدَّعِينَ النُّبُوَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَالْكِتَابُ: هُنَا اسْمُ جِنْسٍ، وَالْحُكْمُ: قِيلَ بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ،
وَمِنْهُ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا».
وَقِيلَ: الْحُكْمُ هُنَا السَّنَةُ، يَعْنُونَ لِمُقَابَلَتِهِ الْكِتَابَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرَقِّي، بَدَأَ أَوَّلًا بِالْكِتَابِ وَهُوَ الْعِلْمُ، ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى التَّمْكِينِ وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا وَهِيَ النُّبُوَّةُ وَهِيَ مَجْمَعُ الْخَيْرِ.
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: أَتَى بِلَفْظِ: ثُمَّ، الَّتِي هِيَ لِلْمُهْلَةِ تَعْظِيمًا لِهَذَا الْقَوْلِ، وَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ الْمُهْلَةِ كَانَ انْتِفَاؤُهُ بِدُونِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، أَيْ: إِنَّ هَذَا الْإِيتَاءَ الْعَظِيمَ لَا يُجَامِعُ هَذَا الْقَوْلَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنْ هَذَا الْإِنْعَامِ الْعَظِيمِ.
كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا جَمْعُ عَبْدٍ. قال ابن عطية: ومن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وَعِبَدَّى. قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هَذِهِ الْجُمُوعُ كُلُّهَا بِمَعْنًى. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعِبَادُ لِلَّهِ وَالْعَبِيدُ لِلْبَشَرِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعِبَدَّى إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْعَبِيدِ بَنِي الْعَبِيدِ، كَأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ فِي الْعُبُودِيَّةِ.
وَالَّذِي اسْتُقْرِئَتْ فِي لَفْظَةِ: الْعِبَادِ، أَنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، مَتَى سِيقَتِ اللَّفْظَةُ فِي مِضْمَارِ التَّرْفِيعِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الطَّاعَةِ دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَتَصْغِيرِ الشَّأْنِ فَانْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «١» وعِبادٌ مُكْرَمُونَ «٢» ويا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ «٣» وَقَوْلَ عِيسَى فِي مَعْنَى الشَّفَاعَةِ وَالتَّعْرِيضِ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ «٤».
وَأَمَّا: الْعَبِيدُ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَمِنْهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي، وَمِنْهُ وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٥» لِأَنَّهُ مَكَانُ تَشْقِيقٍ وَإِعْلَامٍ بِقِلَّةِ انْتِصَارِهِمْ وَمَقْدِرَتِهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى ليس بظلام لهم
وَالْكِتَابُ: هُنَا اسْمُ جِنْسٍ، وَالْحُكْمُ: قِيلَ بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ،
وَمِنْهُ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا».
وَقِيلَ: الْحُكْمُ هُنَا السَّنَةُ، يَعْنُونَ لِمُقَابَلَتِهِ الْكِتَابَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ هُنَا الْقَضَاءُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرَقِّي، بَدَأَ أَوَّلًا بِالْكِتَابِ وَهُوَ الْعِلْمُ، ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى التَّمْكِينِ وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا وَهِيَ النُّبُوَّةُ وَهِيَ مَجْمَعُ الْخَيْرِ.
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: أَتَى بِلَفْظِ: ثُمَّ، الَّتِي هِيَ لِلْمُهْلَةِ تَعْظِيمًا لِهَذَا الْقَوْلِ، وَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ الْمُهْلَةِ كَانَ انْتِفَاؤُهُ بِدُونِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، أَيْ: إِنَّ هَذَا الْإِيتَاءَ الْعَظِيمَ لَا يُجَامِعُ هَذَا الْقَوْلَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنْ هَذَا الْإِنْعَامِ الْعَظِيمِ.
كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادًا جَمْعُ عَبْدٍ. قال ابن عطية: ومن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وَعِبَدَّى. قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هَذِهِ الْجُمُوعُ كُلُّهَا بِمَعْنًى. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعِبَادُ لِلَّهِ وَالْعَبِيدُ لِلْبَشَرِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعِبَدَّى إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْعَبِيدِ بَنِي الْعَبِيدِ، كَأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ فِي الْعُبُودِيَّةِ.
وَالَّذِي اسْتُقْرِئَتْ فِي لَفْظَةِ: الْعِبَادِ، أَنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، مَتَى سِيقَتِ اللَّفْظَةُ فِي مِضْمَارِ التَّرْفِيعِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الطَّاعَةِ دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَتَصْغِيرِ الشَّأْنِ فَانْظُرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «١» وعِبادٌ مُكْرَمُونَ «٢» ويا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ «٣» وَقَوْلَ عِيسَى فِي مَعْنَى الشَّفَاعَةِ وَالتَّعْرِيضِ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ «٤».
وَأَمَّا: الْعَبِيدُ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْقِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
| قُولَا لِدُودَانَ عَبِيدِ الْعَصَا | مَا غَرَّكُمْ بِالْأَسَدِ الْبَاسِلِ |
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢٠٧ وآل عمران: ٣/ ٣٠.
(٢) سورة الأنبياء: ٢١/ ٢٦.
(٣) سورة الزمر: ٣٩/ ١٠.
(٤) سورة المائدة: ٥/ ١١٨.
(٥) سورة فصلت: ٤١/ ٤٦.
(٢) سورة الأنبياء: ٢١/ ٢٦.
(٣) سورة الزمر: ٣٩/ ١٠.
(٤) سورة المائدة: ٥/ ١١٨.
(٥) سورة فصلت: ٤١/ ٤٦.
230
مَعَ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ لَفْظَةُ الْعِبَادِ تَقْتَضِي الطَّاعَةَ، لَمْ يَقَعْ هُنَا، وَلِذَلِكَ أُنِسَ بِهَا فِي قَوْلِهِ:
قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ «١» فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يَسْلُكُ بِكَ سَبِيلَ الْعَجَائِبِ في حين فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْعَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ، وَمَعْنَى قوله:
كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ اعْبُدُونِي وَاجْعَلُونِي إِلَهًا. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَفِيهِ بَعْضُ مُنَاقَشَةٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْ جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وَعِبَدَّى، أَمَّا عَبِيدٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ جَمْعٌ. وقيل: اسم جمع، و: أما عِبَدَّى فَاسْمُ جَمْعٍ، وَأَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ. وَأَمَّا مَا اسْتَقْرَأَهُ أَنَّ عِبَادًا يُسَاقُ فِي مِضْمَارِ التَّرْفِيعِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الطَّاعَةِ دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَإِيرَادِهِ أَلْفَاظًا فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْعِبَادِ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي تَحْقِيرٍ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَقَوْلَ حَمْزَةَ وَقَوْلَهُ تَعَالَى بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٢» فَلَيْسَ بِاسْتِقْرَاءٍ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ:
عِبَادٍ، دُونَ: عَبِيدٍ، لِأَنَّ فعالا في جمع فعل غَيْرِ الْيَائِيِّ الْعَيْنِ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ، وَجَمْعُ فَعْلٍ عَلَى فَعِيلٍ لَا يَطَّرِدُ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَرُبَّمَا جَاءَ فَعِيلًا وَهُوَ قَلِيلٌ، نَحْوَ: الْكُلَيْبُ وَالْعَبِيدُ. انْتَهَى.
فَلَمَّا كَانَ فِعَالٌ هُوَ الْمَقِيسَ فِي جَمْعِ: عَبْدٍ، جَاءَ: عِبَادٌ، كَثِيرًا. وَأَمَّا وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٣» فَحَسُنَ مَجِيئُهُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقِيسًا أَنَّهُ جَاءَ لِتَوَاخِي الْفَوَاصِلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٤» وَبَعْدَهُ قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ «٥» فَحَسُنَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ الْعَبِيدِ مُوَاخَاةَ هَاتَيْنِ الْفَاصِلَتَيْنِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ ق: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٦» لِأَنَّ قَبْلَهُ قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ «٧» وَبَعْدَهُ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ «٨» وَأَمَّا مَدْلُولُهُ فَمَدْلُولُ: عِبَادٍ، سَوَاءً.
وَأَمَّا بَيْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ فَلَمْ يُفْهَمِ التَّحْقِيرُ مِنْ لَفْظِ: عَبِيدٍ، إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ إِضَافَتِهِمْ إِلَى الْعَصَا، وَمِنْ مَجْمُوعِ الْبَيْتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى التَّحْقِيرِ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأَتَى فِي الْبَيْتِ، وَفِي وقل حَمْزَةَ عَلَى أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ.
قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ «١» فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يَسْلُكُ بِكَ سَبِيلَ الْعَجَائِبِ في حين فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْعَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ، وَمَعْنَى قوله:
كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ اعْبُدُونِي وَاجْعَلُونِي إِلَهًا. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَفِيهِ بَعْضُ مُنَاقَشَةٍ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْ جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وَعِبَدَّى، أَمَّا عَبِيدٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ جَمْعٌ. وقيل: اسم جمع، و: أما عِبَدَّى فَاسْمُ جَمْعٍ، وَأَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ. وَأَمَّا مَا اسْتَقْرَأَهُ أَنَّ عِبَادًا يُسَاقُ فِي مِضْمَارِ التَّرْفِيعِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الطَّاعَةِ دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَعْنَى التَّحْقِيرِ وَالتَّصْغِيرِ، وَإِيرَادِهِ أَلْفَاظًا فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْعِبَادِ، وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي تَحْقِيرٍ، وَأَنْشَدَ بَيْتَ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَقَوْلَ حَمْزَةَ وَقَوْلَهُ تَعَالَى بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٢» فَلَيْسَ بِاسْتِقْرَاءٍ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ:
عِبَادٍ، دُونَ: عَبِيدٍ، لِأَنَّ فعالا في جمع فعل غَيْرِ الْيَائِيِّ الْعَيْنِ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ، وَجَمْعُ فَعْلٍ عَلَى فَعِيلٍ لَا يَطَّرِدُ.
قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَرُبَّمَا جَاءَ فَعِيلًا وَهُوَ قَلِيلٌ، نَحْوَ: الْكُلَيْبُ وَالْعَبِيدُ. انْتَهَى.
فَلَمَّا كَانَ فِعَالٌ هُوَ الْمَقِيسَ فِي جَمْعِ: عَبْدٍ، جَاءَ: عِبَادٌ، كَثِيرًا. وَأَمَّا وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٣» فَحَسُنَ مَجِيئُهُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقِيسًا أَنَّهُ جَاءَ لِتَوَاخِي الْفَوَاصِلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْلَهُ أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «٤» وَبَعْدَهُ قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ «٥» فَحَسُنَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ الْعَبِيدِ مُوَاخَاةَ هَاتَيْنِ الْفَاصِلَتَيْنِ، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ ق: وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٦» لِأَنَّ قَبْلَهُ قالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ «٧» وَبَعْدَهُ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ «٨» وَأَمَّا مَدْلُولُهُ فَمَدْلُولُ: عِبَادٍ، سَوَاءً.
وَأَمَّا بَيْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ فَلَمْ يُفْهَمِ التَّحْقِيرُ مِنْ لَفْظِ: عَبِيدٍ، إِنَّمَا فُهِمَ مِنْ إِضَافَتِهِمْ إِلَى الْعَصَا، وَمِنْ مَجْمُوعِ الْبَيْتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ إِنَّمَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى التَّحْقِيرِ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأَتَى فِي الْبَيْتِ، وَفِي وقل حَمْزَةَ عَلَى أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ.
(١) سورة الزمر: ٣٩/ ١٠. [.....]
(٣- ٢) سورة فصلت: ٤١/ ٤٦.
(٤) سورة فصلت: ٤١/ ٤٤.
(٥) سورة فصلت: ٤١/ ٤٧.
(٦) سورة ق: ٥٠/ ٢٩.
(٧) سورة ق: ٥٠/ ٢٨.
(٨) سورة ق: ٥٠/ ٣٠.
(٣- ٢) سورة فصلت: ٤١/ ٤٦.
(٤) سورة فصلت: ٤١/ ٤٤.
(٥) سورة فصلت: ٤١/ ٤٧.
(٦) سورة ق: ٥٠/ ٢٩.
(٧) سورة ق: ٥٠/ ٢٨.
(٨) سورة ق: ٥٠/ ٣٠.
231
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: ثُمَّ يَقُولَ، بالنصب عطفا على: أن يُؤْتِيَهُ، وَقَرَأَ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَمَحْبُوبٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو: بِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْعِ أَيْ: ثُمَّ هُوَ يَقُولُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: عِبَادًا لِي، بِتَسْكِينِ يَاءِ الْإِضَافَةِ. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ: بِفَتْحِهَا.
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ هَذَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، وَالرَّبَّانِيُّ الْحَكِيمُ الْعَالِمُ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَأَبُو رَزِينٍ. أَوِ: الْفَقِيهُ، قَالَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ. أَوِ: الْعَالِمُ الْحَلِيمُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. أَوِ: الْحَكِيمُ الْفَقِيهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أو: الفقيه العلم، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ. أَوْ: وَالِي الْأَمْرِ يُرَبِّيهِمْ وَيُصْلِحُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. أَوْ: الْحَكِيمُ التَّقِيُّ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أَوْ: الْمُعَلِّمُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. أَوِ: الْعَالِمُ، قَالَهُ الْمِبْرَدُ. أَوِ: التَّائِبُ لِرَبِّهِ، قَالَه الْمُؤَرِّجُ. أَوِ: الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أَوِ: الْعَالِمُ الْحَكِيمُ النَّاصِحُ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ، قَالَهُ عَطَاءٌ. أَوِ: الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِعِلْمِهِ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أَوْ: الْعَالِمُ الْمُعَلِّمُ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ.
وَلِلصُّوفِيَّةِ فِي تفسيره أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّبَّانِيُّ فَوْقَ الْحَبْرِ، لِأَنَّ الْحَبْرَ هُوَ الْعَالِمُ، وَالرَّبَّانِيَّ الَّذِي جَمَعَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ النَّظَرَ بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْقِيَامَ بِأُمُورِ الرَّعِيَّةِ وَمَا يُصْلِحُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصَغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَجُمْلَةُ مَا يُقَالُ فِي الرَّبَّانِيِّ: إِنَّهُ الْعَالِمُ الْمُصِيبُ فِي التَّقْدِيرِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا فِي النَّاسِ انْتَهَى. وَلَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِ، وَ: مَا، الظَّاهِرُ أَنَّهَا مصدرية، و: تعلمون، مُتَعَدٍ لِوَاحِدٍ عَلَى قِرَاءَةِ الحرميين وأبي عمرو إذ قرأوا بِالتَّخْفِيفِ مُضَارِعُ عَلِمَ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ بَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتَحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، فَيَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، إِذْ هِيَ مَنْقُولَةٌ بِالتَّضْعِيفِ مِنَ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى وَاحِدٍ، وَأَوَّلُ الْمَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْكِتَابَ. وَتَكَلَّمُوا فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنِّي لَا أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّرَاجِيحِ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا مَنْقُولَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ قرآنا، فَلَا تَرْجِيحَ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى.
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ هَذَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، وَالرَّبَّانِيُّ الْحَكِيمُ الْعَالِمُ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَأَبُو رَزِينٍ. أَوِ: الْفَقِيهُ، قَالَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ. أَوِ: الْعَالِمُ الْحَلِيمُ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. أَوِ: الْحَكِيمُ الْفَقِيهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أو: الفقيه العلم، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ. أَوْ: وَالِي الْأَمْرِ يُرَبِّيهِمْ وَيُصْلِحُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. أَوْ: الْحَكِيمُ التَّقِيُّ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أَوْ: الْمُعَلِّمُ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. أَوِ: الْعَالِمُ، قَالَهُ الْمِبْرَدُ. أَوِ: التَّائِبُ لِرَبِّهِ، قَالَه الْمُؤَرِّجُ. أَوِ: الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أَوِ: الْعَالِمُ الْحَكِيمُ النَّاصِحُ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ، قَالَهُ عَطَاءٌ. أَوِ: الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِعِلْمِهِ، قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أَوْ: الْعَالِمُ الْمُعَلِّمُ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ.
وَلِلصُّوفِيَّةِ فِي تفسيره أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّبَّانِيُّ فَوْقَ الْحَبْرِ، لِأَنَّ الْحَبْرَ هُوَ الْعَالِمُ، وَالرَّبَّانِيَّ الَّذِي جَمَعَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ النَّظَرَ بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْقِيَامَ بِأُمُورِ الرَّعِيَّةِ وَمَا يُصْلِحُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصَغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَجُمْلَةُ مَا يُقَالُ فِي الرَّبَّانِيِّ: إِنَّهُ الْعَالِمُ الْمُصِيبُ فِي التَّقْدِيرِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي يُحَاوِلُهَا فِي النَّاسِ انْتَهَى. وَلَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ: الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِ، وَ: مَا، الظَّاهِرُ أَنَّهَا مصدرية، و: تعلمون، مُتَعَدٍ لِوَاحِدٍ عَلَى قِرَاءَةِ الحرميين وأبي عمرو إذ قرأوا بِالتَّخْفِيفِ مُضَارِعُ عَلِمَ، فَأَمَّا قِرَاءَةُ بَاقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتَحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، فَيَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، إِذْ هِيَ مَنْقُولَةٌ بِالتَّضْعِيفِ مِنَ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى وَاحِدٍ، وَأَوَّلُ الْمَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْكِتَابَ. وَتَكَلَّمُوا فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنِّي لَا أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّرَاجِيحِ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا مَنْقُولَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ قرآنا، فَلَا تَرْجِيحَ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى.
232
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ: تَعَلَّمُونَ، بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ مُضَارِعٌ حُذِفَتْ مِنْهُ التَّاءُ، التَّقْدِيرُ: تَتَعَلَّمُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمَحْذُوفِ مِنْهُمَا.
وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: تَدْرِسُونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ: تُدَرِّسُونَ، بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكُمُ الْعِلْمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لَا للتعدية. وقرىء: تَدْرُسُونَ، مِنْ أَدْرَسَ بِمَعْنَى دَرَّسَ نَحْوَ: أَكْرَمَ وَكَرَّمَ، و: أنزل نَزَّلَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْجَبَ أَنْ تَكُونَ الرِّئَاسَةُ الَّتِي هِيَ قُوَّةُ التَّمَسُّكِ بِطَاعَةِ اللَّهِ مُسَبَّبَةً عَنِ الْعِلْمِ وَالدِّرَاسَةِ، وَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى خَيْبَةِ سَعْيِ مَنْ جهد نفسه وكدر وجه فِي جَمْعِ الْعِلْمِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ذَرِيعَةً إِلَى الْعَمَلِ، فَكَانَ مِثْلَ مَنْ غَرَسَ شَجَرَةً حَسْنَاءَ تُونِقُهُ بِمَنْظَرِهَا وَلَا تَنْفَعُهُ بِثَمَرِهَا، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا، بَعْدَ أَسْطُرٍ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ وَدَرَسَ الْعِلْمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ السَّبَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مُنْقَطِعٌ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتِ النِّسْبَةُ إِلَيْهِ إِلَّا لِلْمُتَمَسِّكِينَ بِطَاعَتِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا عَالِمًا إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٠]
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً قَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ، وَالنَّحْوِيَّانِ، وَالْأَعْشَى وَالْبَرْجَمِيُّ: بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى الْقَطْعِ، وَيَخْتَلِسُ أَبُو عَمْرٍو الْحَرَكَةَ عَلَى أَصْلِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِي يَأْمُرُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، وَالزَّجَّاجُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:
عَائِدٌ عَلَى: بَشَرٍ، الْمَوْصُوفِ بِمَا سَبَقَ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْ بَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِمَا وُصِفَ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا فَيُعْبَدَ، وَلَا هُوَ أَيْضًا يَأْمُرُ بِاتِّخَاذِ غَيْرِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَأَنْبِيَاءَ أَرْبَابًا، فَانْتَفَى أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى اللَّهِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فَانْتَفَى أَمْرُ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَأَمْرُ أَنْبِيَائِهِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ وَلَا يَأْمُرَكُمْ، بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَلَا لَهُ أَنْ يَأْمُرَكُمْ، فَقَدَّرُوا: أَنْ، مُضْمَرَةً بَعْدَ: لَا، وَتَكُونُ:
لَا، مُؤَكِّدَةً مَعْنَى النَّفْيِ السَّابِقِ، كَمَا تَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ زَيْدٍ إِتْيَانٌ وَلَا قِيَامٌ. وَأَنْتَ تُرِيدُ انْتِفَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ زَيْدٍ، فَلَا لِلتَّوْكِيدِ فِي النَّفْيِ السَّابِقِ، وَصَارَ الْمَعْنَى: مَا كَانَ مِنْ زَيْدٍ إِتْيَانٌ وَلَا مِنْهُ قِيَامٌ.
وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: تَدْرِسُونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ. وَرُوِيَ عَنْهُ: تُدَرِّسُونَ، بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكُمُ الْعِلْمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لَا للتعدية. وقرىء: تَدْرُسُونَ، مِنْ أَدْرَسَ بِمَعْنَى دَرَّسَ نَحْوَ: أَكْرَمَ وَكَرَّمَ، و: أنزل نَزَّلَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْجَبَ أَنْ تَكُونَ الرِّئَاسَةُ الَّتِي هِيَ قُوَّةُ التَّمَسُّكِ بِطَاعَةِ اللَّهِ مُسَبَّبَةً عَنِ الْعِلْمِ وَالدِّرَاسَةِ، وَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى خَيْبَةِ سَعْيِ مَنْ جهد نفسه وكدر وجه فِي جَمْعِ الْعِلْمِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ذَرِيعَةً إِلَى الْعَمَلِ، فَكَانَ مِثْلَ مَنْ غَرَسَ شَجَرَةً حَسْنَاءَ تُونِقُهُ بِمَنْظَرِهَا وَلَا تَنْفَعُهُ بِثَمَرِهَا، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا، بَعْدَ أَسْطُرٍ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ وَدَرَسَ الْعِلْمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ السَّبَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مُنْقَطِعٌ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتِ النِّسْبَةُ إِلَيْهِ إِلَّا لِلْمُتَمَسِّكِينَ بِطَاعَتِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزَالِ، وَهُوَ أَنَّهُ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا عَالِمًا إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٠]
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً قَرَأَ الْحَرَمِيَّانِ، وَالنَّحْوِيَّانِ، وَالْأَعْشَى وَالْبَرْجَمِيُّ: بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى الْقَطْعِ، وَيَخْتَلِسُ أَبُو عَمْرٍو الْحَرَكَةَ عَلَى أَصْلِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِي يَأْمُرُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ، قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، وَالزَّجَّاجُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:
عَائِدٌ عَلَى: بَشَرٍ، الْمَوْصُوفِ بِمَا سَبَقَ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْ بَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِمَا وُصِفَ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا فَيُعْبَدَ، وَلَا هُوَ أَيْضًا يَأْمُرُ بِاتِّخَاذِ غَيْرِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَأَنْبِيَاءَ أَرْبَابًا، فَانْتَفَى أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى اللَّهِ فَيَكُونُ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فَانْتَفَى أَمْرُ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَأَمْرُ أَنْبِيَائِهِ.
وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ، وَحَمْزَةُ وَلَا يَأْمُرَكُمْ، بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَخَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَلَا لَهُ أَنْ يَأْمُرَكُمْ، فَقَدَّرُوا: أَنْ، مُضْمَرَةً بَعْدَ: لَا، وَتَكُونُ:
لَا، مُؤَكِّدَةً مَعْنَى النَّفْيِ السَّابِقِ، كَمَا تَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ زَيْدٍ إِتْيَانٌ وَلَا قِيَامٌ. وَأَنْتَ تُرِيدُ انْتِفَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ زَيْدٍ، فَلَا لِلتَّوْكِيدِ فِي النَّفْيِ السَّابِقِ، وَصَارَ الْمَعْنَى: مَا كَانَ مِنْ زَيْدٍ إِتْيَانٌ وَلَا مِنْهُ قِيَامٌ.
233
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا يَأْمُرَكُمْ، بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ يَقُولَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا خَطَأٌ لَا يَلْتَئِمُ بِهِ الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الْخَطَأِ وَلَا عَدَمَ الْتِئَامِ الْمَعْنَى بِهِ، وَوَجْهُ الْخَطَأِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى: ثُمَّ يَقُولَ، وَكَانَتْ لَا لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ الْعَامِلُ قَبْلَ: لَا، وَهُوَ: أَنْ، فَيَنْسَبِكُ مِنْ: أَنْ، وَالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ مَصْدَرٌ مُنْتَفٍ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِمَا وصف به انفاء أَمْرِهِ بِاتِّخَاذِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِفَاءُ كَانَ لَهُ الثُّبُوتُ، فَصَارَ آمِرًا بِاتِّخَاذِهِمْ أَرْبَابًا وَهُوَ خَطَأٌ، فَإِذَا جَعَلْتَ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ السَّابِقِ كَانَ النَّفْيُ مُنْسَحِبًا عَلَى الْمَصْدَرَيْنِ الْمُقَدَّرِ ثُبُوتُهُمَا، فَيَنْتَفِي قَوْلُهُ: كُونُوا عِباداً لِي وَأَمَرُهُ بِاتِّخَاذِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى وَضْعُ:
غَيْرٍ، مَوْضِعَ: لَا، فَإِذَا قُلْتَ: مَا لِزَيْدٍ فِقْهٌ وَلَا نَحْوٌ، كَانَتْ: لَا، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَانْتَفَى عَنْهُ الْوَصْفَانِ، وَلَوْ جَعَلْتَ: لَا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ كَانَتْ بِمَعْنَى: غَيْرٍ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى انْتِفَاءَ الْفِقْهِ عَنْهُ وَثُبُوتَ النَّحْوِ لَهُ، إِذْ لَوْ قُلْتَ: مَا لِزَيْدٍ فِقْهٌ وَغَيْرُ نَحْوٍ، كَانَ فِي ذَلِكَ إِثْبَاتُ النَّحْوِ له، كأنك قلت: ماله غَيْرُ نَحْوٍ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: جِئْتُ بِلَا زَادٍ، كَانَ الْمَعْنَى: جِئْتُ بِغَيْرِ زَادٍ، وَإِذَا قُلْتَ: مَا جِئْتُ بِغَيْرِ زَادٍ، مَعْنَاهُ: أَنَّكَ جِئْتَ بِزَادٍ؟ لِأَنَّ: لَا، هُنَا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم القيام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين في: لا، وهي أن يكون لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، وَأَنْ يَكُونَ من عطف المنفي بلا عَلَى الْمُثْبَتِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ النَّفْيُ، نَحْوَ: مَا أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلَ وَأَنْ لَا تَتَعَلَّمَ، تُرِيدُ: مَا أُرِيدُ أَنْ لَا تَتَعَلَّمَ.
وَأَجَازَ الزمخشري أن أَنْ تَكُونَ: لَا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا كَوْنَهَا زَائِدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ، ثُمَّ قَالَ: وَالثَّانِي أَنْ يَجْعَلَ: لَا، غَيْرَ مَزِيدَةٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَى قُرَيْشًا عَنْ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عن عبادة عزير والمسيح، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ: أَنَتَّخِذُكَ رَبًّا، قِيلَ لَهُمْ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْمُرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَالْقِرَاءَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ أَظْهَرُ، وَيَنْصُرُهَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَكَوْنُهُ بَعْدَ كَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ أَفْحَشُ وَأَقْبَحُ، إِذِ الْأَمْرُ بِالْكُفْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُنْكَرٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِكُفْرٍ لَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا قَبْلَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْآمِرُ اللَّهَ أَمِ الَّذِي اسْتَنْبَأَهُ اللَّهُ.
غَيْرٍ، مَوْضِعَ: لَا، فَإِذَا قُلْتَ: مَا لِزَيْدٍ فِقْهٌ وَلَا نَحْوٌ، كَانَتْ: لَا، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَانْتَفَى عَنْهُ الْوَصْفَانِ، وَلَوْ جَعَلْتَ: لَا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ كَانَتْ بِمَعْنَى: غَيْرٍ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى انْتِفَاءَ الْفِقْهِ عَنْهُ وَثُبُوتَ النَّحْوِ لَهُ، إِذْ لَوْ قُلْتَ: مَا لِزَيْدٍ فِقْهٌ وَغَيْرُ نَحْوٍ، كَانَ فِي ذَلِكَ إِثْبَاتُ النَّحْوِ له، كأنك قلت: ماله غَيْرُ نَحْوٍ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: جِئْتُ بِلَا زَادٍ، كَانَ الْمَعْنَى: جِئْتُ بِغَيْرِ زَادٍ، وَإِذَا قُلْتَ: مَا جِئْتُ بِغَيْرِ زَادٍ، مَعْنَاهُ: أَنَّكَ جِئْتَ بِزَادٍ؟ لِأَنَّ: لَا، هُنَا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدم القيام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين في: لا، وهي أن يكون لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، وَأَنْ يَكُونَ من عطف المنفي بلا عَلَى الْمُثْبَتِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ النَّفْيُ، نَحْوَ: مَا أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلَ وَأَنْ لَا تَتَعَلَّمَ، تُرِيدُ: مَا أُرِيدُ أَنْ لَا تَتَعَلَّمَ.
وَأَجَازَ الزمخشري أن أَنْ تَكُونَ: لَا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَذَكَرَ أَوَّلًا كَوْنَهَا زَائِدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ، ثُمَّ قَالَ: وَالثَّانِي أَنْ يَجْعَلَ: لَا، غَيْرَ مَزِيدَةٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَى قُرَيْشًا عَنْ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عن عبادة عزير والمسيح، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ: أَنَتَّخِذُكَ رَبًّا، قِيلَ لَهُمْ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْمُرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ.
قَالَ: وَالْقِرَاءَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ أَظْهَرُ، وَيَنْصُرُهَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هَذَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَكَوْنُهُ بَعْدَ كَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ أَفْحَشُ وَأَقْبَحُ، إِذِ الْأَمْرُ بِالْكُفْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُنْكَرٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِكُفْرٍ لَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا قَبْلَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْآمِرُ اللَّهَ أَمِ الَّذِي اسْتَنْبَأَهُ اللَّهُ.
234
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ إِذِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْمَلَائِكَةَ أَرْبَابًا هم الصَّابِئَةَ وَعَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا النَّبِيِّينَ أَرْبَابًا هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ، وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ سَمَّى اللَّهُ الْجَمِيعَ: كُفْرًا.
وَ: بَعْدَ، ينتصب بالكفر، أو: بيأمركم، وَ: إِذْ، مُضَافَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ «١» وَأُضِيفَ إِلَيْهَا: بَعْدَ، وَلَا يُضَافُ إِلَيْهَا إلّا ظرف زمان.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨١]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى: لَمَّا نَفَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبَائِحَ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَكَانَ مِمَّا ذَكَرَ أَخِيرًا اشْتِرَاءَهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَمَا يَؤُولُ أَمْرُهُمْ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَدَّلَ فِي كِتَابِهِ وَغَيَّرَ، وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَّهَ رَسُولَهُ عَنِ الْأَمْرِ بِأَنْ يَعْبُدَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، بَلْ تَفَرَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، أَخَذَ تَعَالَى يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ وَدِينَهُ، فَذَكَرَ أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ، وَإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ، وَشَهَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَشَهَادَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا الْعَهْدُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ وَشَاهِدٌ بِذَلِكَ أَنْبِيَاؤُهُمْ.
وَقَرَأَ أُبَيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ: ميثاق الذي أُوتُوا الْكِتَابَ، بَدَلَ: النَّبِيِّينَ، وَكَذَا هُوَ فِي مُصْحَفَيْهِمَا. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: هَكَذَا هُوَ الْقُرْآنُ، وَإِثْبَاتُ النَّبِيِّينَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهُ لِأَنَّ الرُّوَاةَ الثِّقَاتَ نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ: النبيين، كعبد اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى مُصْحَفِ عُثْمَانَ.
وَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَهُ أَنْ يُذَكِّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا هُوَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ أُمِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الْعَامِلُ: اذْكُرْ، أَوِ: اذْكُرُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي: إِذْ، قَالَ مِنْ قَوْلِهِ: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَهُوَ حَسَنٌ، إِذْ لَا تكلف فيه.
وَ: بَعْدَ، ينتصب بالكفر، أو: بيأمركم، وَ: إِذْ، مُضَافَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ «١» وَأُضِيفَ إِلَيْهَا: بَعْدَ، وَلَا يُضَافُ إِلَيْهَا إلّا ظرف زمان.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨١]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ تَعَالَى: لَمَّا نَفَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبَائِحَ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَكَانَ مِمَّا ذَكَرَ أَخِيرًا اشْتِرَاءَهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَمَا يَؤُولُ أَمْرُهُمْ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَدَّلَ فِي كِتَابِهِ وَغَيَّرَ، وَصَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَّهَ رَسُولَهُ عَنِ الْأَمْرِ بِأَنْ يَعْبُدَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، بَلْ تَفَرَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، أَخَذَ تَعَالَى يُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ وَدِينَهُ، فَذَكَرَ أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالْقِيَامِ بِنُصْرَتِهِ، وَإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ، وَشَهَادَتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَشَهَادَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا الْعَهْدُ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ وَشَاهِدٌ بِذَلِكَ أَنْبِيَاؤُهُمْ.
وَقَرَأَ أُبَيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ: ميثاق الذي أُوتُوا الْكِتَابَ، بَدَلَ: النَّبِيِّينَ، وَكَذَا هُوَ فِي مُصْحَفَيْهِمَا. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: هَكَذَا هُوَ الْقُرْآنُ، وَإِثْبَاتُ النَّبِيِّينَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهُ لِأَنَّ الرُّوَاةَ الثِّقَاتَ نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ: النبيين، كعبد اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى مُصْحَفِ عُثْمَانَ.
وَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَهُ أَنْ يُذَكِّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا هُوَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ أُمِرُوا أَنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الْعَامِلُ: اذْكُرْ، أَوِ: اذْكُرُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي: إِذْ، قَالَ مِنْ قَوْلِهِ: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَهُوَ حَسَنٌ، إِذْ لَا تكلف فيه.
(١) سورة الأنفال: ٨/ ٢٦.
235
قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ لَفْظِ إِذْ، وَالْعَامِلُ فِيهَا: اصْطَفَى، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا.
وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْآخِذُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ.
فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وطاووس، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ: أَنَّ الَّذِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ دُونَ أُمَمِهِمْ، أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنْ يَنْصُرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَنُصْرَةُ كُلِّ نَبِيٍّ لِمَنْ بَعْدَهُ تَوْصِيَةُ مَنْ آمَنَ بِهِ أَنْ يَنْصُرَهُ إِذَا أَدْرَكَ زَمَانَهُ.
وَيَنْبُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى لَفْظُ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فيما روي عنه: أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهِمْ عَلَى الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصْرِهِ، وَاجْتَزَأَ بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ مِنْ ذِكْرِ أُمَمِهَا لِأَنَّ الْأُمَمَ أَتْبَاعٌ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِ الْعَهْدِ عَلَى قَوْمِهِ فِيهِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَنْصُرُوهُ إِنْ أَدْرَكُوا زَمَانَهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يُقِرُّوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ عُنِيَ بِهِ وَاحِدٌ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَكُونُ جِنْسًا. وَيَبْعُدُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمِيثَاقَ كَانَ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَالذَّرِّ.
قَرَأَ حَمْزَةُ: لَمَا آتَيْنَاكُمْ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ إيتاء الكتاب والحكمة.
و: ميثاق، مُضَافٌ إِلَى النَّبِيِّينَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّونَ هُمُ الْمُوَثِّقُونَ لِلْعَهْدِ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمُوَثَّقُ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
«١» الْآيَةَ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً «٢» أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ. وَكَثِيرًا مَا وُصِفَ بِهَذَا الْوَصْفِ فِي الْقُرْآنِ رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ «٣» ؟ وَكَذَلِكَ وَصْفُ كِتَابِهِ بِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا فِي كُتُبِهِمْ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا كَانَ الْمَجَازُ فِي صَدْرِ الْآيَةِ فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أَتْبَاعِ النَّبِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِيثَاقَ أَوْلَادِ النَّبِيِّينَ، فَيُوَافِقُ صَدْرَ الْآيَةِ مَا بَعْدَهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ
وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْآخِذُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ.
فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وطاووس، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ: أَنَّ الَّذِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ دُونَ أُمَمِهِمْ، أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنْ يَنْصُرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَنُصْرَةُ كُلِّ نَبِيٍّ لِمَنْ بَعْدَهُ تَوْصِيَةُ مَنْ آمَنَ بِهِ أَنْ يَنْصُرَهُ إِذَا أَدْرَكَ زَمَانَهُ.
وَيَنْبُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى لَفْظُ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فيما روي عنه: أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ وَأُمَمِهِمْ عَلَى الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصْرِهِ، وَاجْتَزَأَ بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ مِنْ ذِكْرِ أُمَمِهَا لِأَنَّ الْأُمَمَ أَتْبَاعٌ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِ الْعَهْدِ عَلَى قَوْمِهِ فِيهِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَنْصُرُوهُ إِنْ أَدْرَكُوا زَمَانَهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يُقِرُّوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ عُنِيَ بِهِ وَاحِدٌ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَكُونُ جِنْسًا. وَيَبْعُدُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمِيثَاقَ كَانَ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَالذَّرِّ.
قَرَأَ حَمْزَةُ: لَمَا آتَيْنَاكُمْ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ إيتاء الكتاب والحكمة.
و: ميثاق، مُضَافٌ إِلَى النَّبِيِّينَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّونَ هُمُ الْمُوَثِّقُونَ لِلْعَهْدِ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الْمُوَثَّقُ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
«١» الْآيَةَ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً «٢» أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ جَاءَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ. وَكَثِيرًا مَا وُصِفَ بِهَذَا الْوَصْفِ فِي الْقُرْآنِ رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ «٣» ؟ وَكَذَلِكَ وَصْفُ كِتَابِهِ بِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِمَا فِي كُتُبِهِمْ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا كَانَ الْمَجَازُ فِي صَدْرِ الْآيَةِ فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أَتْبَاعِ النَّبِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ مِيثَاقَ أَوْلَادِ النَّبِيِّينَ، فَيُوَافِقُ صَدْرَ الْآيَةِ مَا بَعْدَهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٧٩.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٨٥.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ١٠١.
(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٨٥.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ١٠١.
236
مِيثَاقًا لِلنَّبِيِّينَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِهَذَا الْمِيثَاقِ، أَوْ يَكُونُ الْمَأْخُوذُ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ مُقَدَّرًا بَعْدَ النَّبِيِّينَ، التَّقْدِيرُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ عَلَى أُمَمِهِمْ. وَيُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ قِرَاءَةُ أَبِي، وعبد اللَّهُ: مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَيُبَيِّنُ أَيْضًا أَنَّ الْمِيثَاقَ كَانَ عَلَى الْأُمَمِ قَوْلُهُ: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ «١» وَمُحَالٌ هَذَا الْفَرْضُ فِي حَقِّ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَتْبَاعِ.
وَقَرَأَ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: لَمَا، بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ: لِمَا، بِكَسْرِ اللَّامِ.
وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ: لَمَّا، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ.
فَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ: مَا، شَرْطِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ بَعْدَهَا، وَاللَّامُ قَبْلَهَا مُوَطِّئَةٌ لِمَجِيءِ: مَا، بَعْدَهَا جَوَابًا لِلْقَسَمِ، وَهُوَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ. وَ: مِنْ، فِي قَوْلِهِ: مِنْ كِتَابٍ، كَهِيَ، فِي قَوْلِهِ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ «٢» وَالْفِعْلُ بَعْدَ: مَا، مَاضٍ مَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ لِتَقَدُّمِ، مَا، الشَّرْطِيَّةِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ: مَا، فَهُوَ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ جَاءَكُمْ، رَابِطٌ يَرْبُطُهَا بِمَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ: جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الفعل بعد: ما، و: لتؤمنن بِهِ، جَوَابٌ لِقَوْلِهِ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وَنَظِيرُهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي التَّرْكِيبِ: أُقْسِمُ لَأَيُّهُمْ صَحِبْتُ، ثُمَّ أَحْسَنَ إِلَيْهِ رَجُلٌ تَمِيمِيٌّ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْهِ، تُرِيدُ لَأُحْسِنَنَّ إِلَى الرَّجُلِ التَّمِيمِيِّ. فَلَأُحْسِنَنَّ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ جواب الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ فِي: بِهِ، عَائِدٌ عَلَى: رَسُولٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ، وَهُوَ أَنَّ: مَا، شَرْطِيَّةٌ هُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ.
وَسَأَلَ سِيبَوَيْهِ الْخَلِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: مَا، هاهنا بِمَنْزِلَةِ: الَّذِي، وَدَخَلَتِ اللَّامُ كَمَا دَخَلَتْ عَلَى: إِنْ، حِينَ قُلْتَ: وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَأَفْعَلَنَّ، فَاللَّامُ فِي: مَا، كَهَذِهِ الَّتِي فِي: إِنْ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي الْفِعْلِ كَهَذِهِ الَّتِي فِي الْفِعْلِ هُنَا. انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ «٣» إِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ عَلَى نِيَّةِ الْيَمِينِ. انْتَهَى.
وَقَرَأَ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ: لَمَا، بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ: لِمَا، بِكَسْرِ اللَّامِ.
وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ: لَمَّا، بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ.
فَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ: مَا، شَرْطِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ بَعْدَهَا، وَاللَّامُ قَبْلَهَا مُوَطِّئَةٌ لِمَجِيءِ: مَا، بَعْدَهَا جَوَابًا لِلْقَسَمِ، وَهُوَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ. وَ: مِنْ، فِي قَوْلِهِ: مِنْ كِتَابٍ، كَهِيَ، فِي قَوْلِهِ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ «٢» وَالْفِعْلُ بَعْدَ: مَا، مَاضٍ مَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ لِتَقَدُّمِ، مَا، الشَّرْطِيَّةِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ: مَا، فَهُوَ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ، وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ جَاءَكُمْ، رَابِطٌ يَرْبُطُهَا بِمَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّ: جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الفعل بعد: ما، و: لتؤمنن بِهِ، جَوَابٌ لِقَوْلِهِ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وَنَظِيرُهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي التَّرْكِيبِ: أُقْسِمُ لَأَيُّهُمْ صَحِبْتُ، ثُمَّ أَحْسَنَ إِلَيْهِ رَجُلٌ تَمِيمِيٌّ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْهِ، تُرِيدُ لَأُحْسِنَنَّ إِلَى الرَّجُلِ التَّمِيمِيِّ. فَلَأُحْسِنَنَّ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ جواب الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ فِي: بِهِ، عَائِدٌ عَلَى: رَسُولٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ، وَهُوَ أَنَّ: مَا، شَرْطِيَّةٌ هُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ.
وَسَأَلَ سِيبَوَيْهِ الْخَلِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: مَا، هاهنا بِمَنْزِلَةِ: الَّذِي، وَدَخَلَتِ اللَّامُ كَمَا دَخَلَتْ عَلَى: إِنْ، حِينَ قُلْتَ: وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَأَفْعَلَنَّ، فَاللَّامُ فِي: مَا، كَهَذِهِ الَّتِي فِي: إِنْ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي الْفِعْلِ كَهَذِهِ الَّتِي فِي الْفِعْلِ هُنَا. انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ «٣» إِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ عَلَى نِيَّةِ الْيَمِينِ. انْتَهَى.
(١) سورة آل عمران: ٣/ ٨٢.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٠٦.
(٣) سورة الأعراف: ٧/ ١٨.
(٢) سورة البقرة: ٢/ ١٠٦.
(٣) سورة الأعراف: ٧/ ١٨.
237
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَمْ يُرِدِ الْخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، بَلْ أَنَّهَا اسْمٌ، كَمَا أَنَّ الذي اسم وفرّ أَنْ تَكُونَ حَرْفًا كَمَا جاءت حرفا: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ «١» وَفِي قَوْلِهِ:
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ «٢» انْتَهَى. وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَام الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ: مَا، فِي: لَمَا آتَيْتُكُمْ، شَرْطِيَّةٌ وَقَدْ خَرَّجَهَا عَلَى الشُّرْطِيَّةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: كَالْمَازِنِيِّ، وَالزَّجَّاجِ، وَأَبِي عَلِيٍّ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَابْنِ عَطِيَّةَ وَفِيهِ خَدْشٌ لَطِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ أَنَّهُ: إِذَا كَانَتْ شَرْطِيَّةً كَانَ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَحْذُوفُ مِنْ جِنْسِ الْمُثْبَتِ، وَمُتَعَلِّقَاتُهُ مُتَعَلِّقَاتُهُ، فَإِذَا قُلْتَ: وَاللَّهِ لَمَنْ جَاءَنِي لَأُكْرِمَنَّهُ، فَجَوَابُ: مَنْ، مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: مَنْ جَاءَنِي أُكْرِمْهُ. وَفِي الْآيَةِ اسْمُ الشَّرْطِ: مَا، وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ مِنْ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، وَمُتَعَلِّقُ الْفِعْلِ هُوَ ضَمِيرُ الرَّسُولِ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الْجَرِّ لَا ضَمِيرُ: مَا، الْمُقَدَّرُ، فَجَوَابُ: مَا، الْمُقَدَّرُ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ فَلَا يَجُوزُ ذلك، لأنه تعرّ. وَالْجُمْلَةُ الْجَوَابِيَّةُ إِذْ ذَاكَ مِنْ ضَمِيرِ يَعُودُ عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ الْقَسَمِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ لَا يُحْذَفُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ؟ أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: وَاللَّهِ لَئِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ لَأَضْرِبَنَّهُ؟
فَكَيْفَ تُقَدِّرُهُ: إِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ أَضْرِبُهُ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَاللَّهِ إِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ أَشْكُهُ لَأَضْرِبَنَّهُ، لِأَنَّ: لَأَضْرِبَنَّهُ، لَا يَدُلُّ عَلَى: أَشْكُهُ، فَهَذَا مَا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ خَرَّجَ: مَا، عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وَلَتُؤْمِنُنَّ، سَادٌّ مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَالشَّرْطِ جَمِيعًا فَقَوْلٌ ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَ: مَا، شَرْطِيَّةً، لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِنْ عَنَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَفْسِيرَ الإعراب يَسُدُّ مَسَدَّهُمَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ تَفْسِيرِ الْإِعْرَابِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، أَعْنِي: الشَّرْطَ وَالْقَسَمَ، يَطْلُبُ جَوَابًا عَلَى حِدَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَحْمُولًا عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِيهِ عَلَى جِهَةِ الْعَمَلِ فِيهِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ، وَالْقَسَمُ يَطْلُبُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ فِيهِ، فَلَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ. وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ وَلَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ أَبُو عَلِيُّ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ: مَا، مَوْصُولَةً مبتدأة،
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ «٢» انْتَهَى. وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَام الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ: مَا، فِي: لَمَا آتَيْتُكُمْ، شَرْطِيَّةٌ وَقَدْ خَرَّجَهَا عَلَى الشُّرْطِيَّةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ: كَالْمَازِنِيِّ، وَالزَّجَّاجِ، وَأَبِي عَلِيٍّ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَابْنِ عَطِيَّةَ وَفِيهِ خَدْشٌ لَطِيفٌ جِدًّا، وَهُوَ أَنَّهُ: إِذَا كَانَتْ شَرْطِيَّةً كَانَ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَحْذُوفُ مِنْ جِنْسِ الْمُثْبَتِ، وَمُتَعَلِّقَاتُهُ مُتَعَلِّقَاتُهُ، فَإِذَا قُلْتَ: وَاللَّهِ لَمَنْ جَاءَنِي لَأُكْرِمَنَّهُ، فَجَوَابُ: مَنْ، مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: مَنْ جَاءَنِي أُكْرِمْهُ. وَفِي الْآيَةِ اسْمُ الشَّرْطِ: مَا، وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ مِنْ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، وَمُتَعَلِّقُ الْفِعْلِ هُوَ ضَمِيرُ الرَّسُولِ بِوَاسِطَةِ حَرْفِ الْجَرِّ لَا ضَمِيرُ: مَا، الْمُقَدَّرُ، فَجَوَابُ: مَا، الْمُقَدَّرُ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ فَلَا يَجُوزُ ذلك، لأنه تعرّ. وَالْجُمْلَةُ الْجَوَابِيَّةُ إِذْ ذَاكَ مِنْ ضَمِيرِ يَعُودُ عَلَى اسْمِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ الْقَسَمِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ لَا يُحْذَفُ إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ جَوَابِ الْقَسَمِ؟ أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: وَاللَّهِ لَئِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ لَأَضْرِبَنَّهُ؟
فَكَيْفَ تُقَدِّرُهُ: إِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ أَضْرِبُهُ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَاللَّهِ إِنْ ضَرَبَنِي زَيْدٌ أَشْكُهُ لَأَضْرِبَنَّهُ، لِأَنَّ: لَأَضْرِبَنَّهُ، لَا يَدُلُّ عَلَى: أَشْكُهُ، فَهَذَا مَا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ خَرَّجَ: مَا، عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وَلَتُؤْمِنُنَّ، سَادٌّ مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَالشَّرْطِ جَمِيعًا فَقَوْلٌ ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَ: مَا، شَرْطِيَّةً، لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِنْ عَنَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَفْسِيرَ الْمَعْنَى لَا تَفْسِيرَ الإعراب يَسُدُّ مَسَدَّهُمَا، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ تَفْسِيرِ الْإِعْرَابِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، أَعْنِي: الشَّرْطَ وَالْقَسَمَ، يَطْلُبُ جَوَابًا عَلَى حِدَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَحْمُولًا عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِيهِ عَلَى جِهَةِ الْعَمَلِ فِيهِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ، وَالْقَسَمُ يَطْلُبُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ فِيهِ، فَلَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ. وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ وَلَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَهُ أَبُو عَلِيُّ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ: مَا، مَوْصُولَةً مبتدأة،
(١) سورة هود: ١١/ ١١١. [.....]
(٢) سورة الزخرف: ٤٣/ ٣٥.
(٢) سورة الزخرف: ٤٣/ ٣٥.
238
وَصِلَتُهَا: آتَيْنَاكُمْ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تقديره: آتيناكموه، و: ثُمَّ جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ، وَالْعَائِدُ مِنْهَا عَلَى الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِهِ، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، هَكَذَا خَرَّجُوهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَخَرَّجُوهُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ: أَنَّ الرَّبْطَ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْعَارِيَةِ عَنِ الضَّمِيرِ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: لِمَا مَعَكُمْ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْصُولُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ الرَّبْطُ فِي الصِّلَةِ بِغَيْرِ الضَّمِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ قَلِيلٌ: رَوَى مِنْ كَلَامِهِمْ: أَبُو سَعِيدٍ الَّذِي رَوَيْتُ عَنِ الْخُدْرِيِّ، يُرِيدُونَ:
رَوَيْتُ عَنْهُ. وَقَالَ:
يُرِيدُ فِي رَحْمَتِهِ أَطْمَعُ.
وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، الَّذِي هُوَ: مَا، الْجُمْلَةُ مِنَ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ وَجَوَابِهِ، وَهُوَ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي: بِهِ، عَائِدٌ عَلَى الْمَوْصُولِ الْمُبْتَدَأِ، وَلَا يَعُودُ عَلَى: رَسُولٌ، لِئَلَّا تَخْلُو الْجُمْلَةُ الَّتِي وَقَعَتْ خَبَرًا عَنِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ رَابِطٍ يَرْبُطُهَا بِهِ، وَالْجُمْلَةُ الِابْتِدَائِيَّةُ الَّتِي هِيَ: لَمَا آتَيْنَاكُمْ، إِلَى آخِرِهِ هِيَ الْجُمْلَةُ الْمُتَلَقِّي بِهَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْقَسَمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ: مَا، مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِفِعْلِ جَوَابِ الْقَسَمِ، التَّقْدِيرُ: لَتَبْلُغُنَّ مَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ حذف: لتبلغن، للدلالة عَلَيْهِ، لِأَنَّ لَامَ الْقَسَمِ إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى الْفِعْلِ، فَلَمَّا دَلَّتْ هَذِهِ اللَّامُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ حُذِفَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ، انْتَهَى. وَيَعْنِي: يَكُونُ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، جَوَابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لَا يُحْفَظُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاللَّهِ لَزَيْدًا تُرِيدُ لَيَضْرِبَنَّ زَيْدًا.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَهُ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ: لَمَا، تَخْفِيفَ لَمَّا، وَالتَّقْدِيرُ:
حِينَ آتَيْنَاكُمْ، وَيَأْتِي تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ.
وَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ: فَاللَّامُ هِيَ للتعليل، و: ما، موصولة: بآتيناكم، والعائد محذوف. و: ثُمَّ جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ، وَالرَّابِطُ لَهَا بِالْمَوْصُولِ إِمَّا إِضْمَارُ: بِهِ، عَلَى مَا نُسِبَ إِلَى سِيبَوَيْهِ، وَإِمَّا هَذَا الظَّاهِرُ الَّذِي هُوَ: لِمَا مَعَكُمْ، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى هُوَ الْمَوْصُولُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ.
رَوَيْتُ عَنْهُ. وَقَالَ:
| فَيَا رَبَّ لَيْلَى أَنْتَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ | وَأَنْتَ الَّذِي فِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَطْمَعُ |
وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، الَّذِي هُوَ: مَا، الْجُمْلَةُ مِنَ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ وَجَوَابِهِ، وَهُوَ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي: بِهِ، عَائِدٌ عَلَى الْمَوْصُولِ الْمُبْتَدَأِ، وَلَا يَعُودُ عَلَى: رَسُولٌ، لِئَلَّا تَخْلُو الْجُمْلَةُ الَّتِي وَقَعَتْ خَبَرًا عَنِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ رَابِطٍ يَرْبُطُهَا بِهِ، وَالْجُمْلَةُ الِابْتِدَائِيَّةُ الَّتِي هِيَ: لَمَا آتَيْنَاكُمْ، إِلَى آخِرِهِ هِيَ الْجُمْلَةُ الْمُتَلَقِّي بِهَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْقَسَمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ: مَا، مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِفِعْلِ جَوَابِ الْقَسَمِ، التَّقْدِيرُ: لَتَبْلُغُنَّ مَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ حذف: لتبلغن، للدلالة عَلَيْهِ، لِأَنَّ لَامَ الْقَسَمِ إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى الْفِعْلِ، فَلَمَّا دَلَّتْ هَذِهِ اللَّامُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ حُذِفَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ، انْتَهَى. وَيَعْنِي: يَكُونُ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، جَوَابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لَا يُحْفَظُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَاللَّهِ لَزَيْدًا تُرِيدُ لَيَضْرِبَنَّ زَيْدًا.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: قَالَهُ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ: لَمَا، تَخْفِيفَ لَمَّا، وَالتَّقْدِيرُ:
حِينَ آتَيْنَاكُمْ، وَيَأْتِي تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ.
وَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ: فَاللَّامُ هِيَ للتعليل، و: ما، موصولة: بآتيناكم، والعائد محذوف. و: ثُمَّ جَاءَكُمْ، مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ، وَالرَّابِطُ لَهَا بِالْمَوْصُولِ إِمَّا إِضْمَارُ: بِهِ، عَلَى مَا نُسِبَ إِلَى سِيبَوَيْهِ، وَإِمَّا هَذَا الظَّاهِرُ الَّذِي هُوَ: لِمَا مَعَكُمْ، لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى هُوَ الْمَوْصُولُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحَسَنِ.
239
وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَجَوَابُ: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ هُوَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي: بِهِ، عَائِدٌ عَلَى رَسُولٌ، وَيَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْقَسَمِ وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، لَوْ قُلْتَ: أَقْسَمْتُ لِلْخَبَرِ الَّذِي بَلَغَنِي عن عمرو لأحسنن إِلَيْهِ، جَازَ. وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ، أَنْ تَكُونَ: مَا، مَصْدَرِيَّةً، وَبَدَأَ بِهِ فِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ لِأَجَلِ إِيتَائِي إِيَّاكُمْ بَعْضَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، ثُمَّ لِمَجِيءِ رَسُولٍ مصدق لما معكم لتؤمنن بِهِ، عَلَى أَنَّ: مَا، مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْفِعْلَانِ مَعَهَا أَعْنِي: آتَيْنَاكُمْ وَجَاءَكُمْ، فِي مَعْنَى الْمَصْدَرَيْنِ، وَاللَّامُ دَاخِلَةٌ لِلتَّعْلِيلِ عَلَى مَعْنَى: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُمْ لِيُؤْمِنُنَّ بِالرَّسُولِ وَلِيَنْصُرُنَّهُ لِأَجْلِ أَنَّ آتَيْتُكُمُ الْحِكْمَةَ، وَأَنَّ الرَّسُولَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَنَصَرْتُهُ مُوَافِقٌ لَكُمْ غَيْرُ مُخَالِفٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ. إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ، أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْفِعْلِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عُنِيَ هَذَا الظَّاهِرُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِأَخْذِ الْمِيثَاقِ لَا لِمُتَعَلَّقِهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ. فَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بأخذ، وَعَلَى ظَاهِرِ تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ اللَّامَ الْمُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا. تَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا، فَلَا يَجُوزُ: وَاللَّهِ زَيْدًا لَأَضْرِبَنَّ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ اللَّامُ فِي: لَمَا، بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ.
وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ فِي مَعْمُولِ الْجَوَابِ، إِذَا كَانَ ظَرْفًا أَوْ مَجْرُورًا، تَقَدَّمَهُ، وَجُعِلَ مِنْ ذَلِكَ عِوَضُ لَا نَتَفَرَّقُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ «١» فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُذْكَرُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَذَكَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ، عَنْ صَاحِبِ النَّظْمِ: أَنَّ هَذِهِ اللَّامَ فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ هِيَ بِمَعْنَى:
بَعْدَ، كَقَوْلِ النَّابِغَةُ:
فَعَلَى ذَا لَا تَكُونُ اللَّامُ فِي: لَمَا، لِلتَّعْلِيلِ.
وَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ: لَمَّا، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَيْ لَمَّا آتَاكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ، وَتَكُونُ: لَمَّا، تَؤُولُ إِلَى الْجَزَاءِ كَمَا تَقُولُ: لَمَّا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ. انْتَهَى كلامه.
وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ فِي مَعْمُولِ الْجَوَابِ، إِذَا كَانَ ظَرْفًا أَوْ مَجْرُورًا، تَقَدَّمَهُ، وَجُعِلَ مِنْ ذَلِكَ عِوَضُ لَا نَتَفَرَّقُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ «١» فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُذْكَرُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَذَكَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ، عَنْ صَاحِبِ النَّظْمِ: أَنَّ هَذِهِ اللَّامَ فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ هِيَ بِمَعْنَى:
بَعْدَ، كَقَوْلِ النَّابِغَةُ:
| تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا | لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ |
وَأَمَّا تَوْجِيهُ قِرَاءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ: لَمَّا، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَيْ لَمَّا آتَاكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ، وَتَكُونُ: لَمَّا، تَؤُولُ إِلَى الْجَزَاءِ كَمَا تَقُولُ: لَمَّا جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ. انْتَهَى كلامه.
(١) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٤٠.
240
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَظْهَرُ أَنَّ: لَمَّا، هَذِهِ هِيَ الظَّرْفِيَّةُ، أَيْ: لَمَّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الْحَالِ رُؤَسَاءَ النَّاسِ وَأَمَاثِلَهُمْ أَخَذَ عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ، إِذْ عَلَى الْقَادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَالْمَعْنَى فِي قِرَاءَةِ حَمْزَةَ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمَّا، بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى: حِينَ آتَيْتُكُمْ بَعْضَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وَجَبَ عَلَيْكُمُ الْإِيمَانُ بِهِ وَنُصْرَتُهُ. انْتَهَى. فَاتَّفَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّ: لَمَّا، ظَرْفِيَّةٌ، وَاخْتَلَفَا فِي تَقْدِيرِ الْجَوَابِ الْعَامِلِ فِي: لَمَّا، عَلَى زَعْمِهِمَا. فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ الْقَسَمِ، وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَكِلَا قَوْلَيْهِمَا مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي: لَمَّا، الْمُقْتَضِيَةِ جَوَابًا، فَإِنَّهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفُ وجواب لِوُجُوبٍ، وَلَيْسَتْ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنَى: حِينَ، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ظَرْفِيَّتِهَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا مُشَبَّعًا فِي كِتَابِ (التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
وَذَهَبَ ابْنُ جِنِّي فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى أَنَّ أَصْلَهَا: لَمِنْ مَا، وَزِيدَتْ: مِنْ، فِي الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ كَمَا يَجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَجَاءَ: لَمَمَّا، فَثَقُلَ اجْتِمَاعُ ثَلَاثِ مِيمَاتٍ، فَحُذِفَتِ الْمِيمُ الْأُولَى فَبَقِيَ: لَمَّا.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ الْمُلْحَقِ تَفْسِيرَ: لَمَا، بِفَتْحِ الْمِيمِ مُخَفَّفَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ. انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ: مِنْ، فِي قَوْلِهِ: لَمِنْ مَا، زَائِدَةٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّقْدِيرَ فِي تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ: لَمَّا، بِالتَّشْدِيدِ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى أَحَدٍ، فَقَالَ: وَقِيلَ أَصْلُهُ: لَمِنْ مَا، فَاسْتَثْقَلُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثِ مِيمَاتٍ وَهِيَ: الْمِيمَانِ وَالنُّونُ الْمُنْقَلِبَةُ مِيمًا بِإِدْغَامِهَا فِي الْمِيمِ، فَحَذَفُوا إِحْدَاهَا، فَصَارَتْ: لَمَّا، وَمَعْنَاهُ: لَمِنْ أَجْلِ مَا آتَيْنَاكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ جِنِّي فِي: مِنْ، الْمُقَدَّرِ دُخُولُهَا عَلَى: مَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ جِنِّي أَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلتَّعْلِيلِ.
وَفِي قَوْلِ الزمخشري: فحذفوا إحداهما، إِبْهَامٌ فِي الْمَحْذُوفِ، وَقَدْ عَيَّنَهَا ابْنُ جِنِّي:
بِأَنَّ الْمَحْذُوفَةَ هِيَ الْأُولَى، وَهَذَا التَّوْجِيهُ فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَيُنَزَّهُ كَلَامُ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمَّا، بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى: حِينَ آتَيْتُكُمْ بَعْضَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وَجَبَ عَلَيْكُمُ الْإِيمَانُ بِهِ وَنُصْرَتُهُ. انْتَهَى. فَاتَّفَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى أَنَّ: لَمَّا، ظَرْفِيَّةٌ، وَاخْتَلَفَا فِي تَقْدِيرِ الْجَوَابِ الْعَامِلِ فِي: لَمَّا، عَلَى زَعْمِهِمَا. فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ الْقَسَمِ، وَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَكِلَا قَوْلَيْهِمَا مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي: لَمَّا، الْمُقْتَضِيَةِ جَوَابًا، فَإِنَّهَا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَرْفُ وجواب لِوُجُوبٍ، وَلَيْسَتْ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنَى: حِينَ، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ظَرْفِيَّتِهَا أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا مُشَبَّعًا فِي كِتَابِ (التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
وَذَهَبَ ابْنُ جِنِّي فِي تَخْرِيجِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى أَنَّ أَصْلَهَا: لَمِنْ مَا، وَزِيدَتْ: مِنْ، فِي الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ كَمَا يَجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَجَاءَ: لَمَمَّا، فَثَقُلَ اجْتِمَاعُ ثَلَاثِ مِيمَاتٍ، فَحُذِفَتِ الْمِيمُ الْأُولَى فَبَقِيَ: لَمَّا.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ الْمُلْحَقِ تَفْسِيرَ: لَمَا، بِفَتْحِ الْمِيمِ مُخَفَّفَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ. انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ: مِنْ، فِي قَوْلِهِ: لَمِنْ مَا، زَائِدَةٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّقْدِيرَ فِي تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ: لَمَّا، بِالتَّشْدِيدِ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إِلَى أَحَدٍ، فَقَالَ: وَقِيلَ أَصْلُهُ: لَمِنْ مَا، فَاسْتَثْقَلُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثِ مِيمَاتٍ وَهِيَ: الْمِيمَانِ وَالنُّونُ الْمُنْقَلِبَةُ مِيمًا بِإِدْغَامِهَا فِي الْمِيمِ، فَحَذَفُوا إِحْدَاهَا، فَصَارَتْ: لَمَّا، وَمَعْنَاهُ: لَمِنْ أَجْلِ مَا آتَيْنَاكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ فِي الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ جِنِّي فِي: مِنْ، الْمُقَدَّرِ دُخُولُهَا عَلَى: مَا، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ابْنِ جِنِّي أَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلتَّعْلِيلِ.
وَفِي قَوْلِ الزمخشري: فحذفوا إحداهما، إِبْهَامٌ فِي الْمَحْذُوفِ، وَقَدْ عَيَّنَهَا ابْنُ جِنِّي:
بِأَنَّ الْمَحْذُوفَةَ هِيَ الْأُولَى، وَهَذَا التَّوْجِيهُ فِي قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَيُنَزَّهُ كَلَامُ
241
الْعَرَبِ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مِثْلُهُ، فَكَيْفَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَكَانَ ابْنُ جِنِّي كثير التمحل فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَيَلْزَمُ في: لما، عَلَى مَا قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِي: لَمِنْ مَا آتَيْنَاكُمْ، زَائِدَةً، وَلَا تَكُونُ اللَّامَ الْمُوَطِّئَةَ، لِأَنَّ اللَّامَ الْمُوَطَّئَةِ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى أَدَوَاتِ الشَّرْطِ لَا عَلَى حَرْفِ الْجَرِّ، لَوْ قُلْتَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَمِنْ أَجْلِكَ لَأَضْرِبَنَّ عَمْرًا، لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُوَطِّئَةً لِأَنَّهَا تُوَطِّئُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلشَّرْطِ لِلْقَسَمِ، فَيَصِيرُ جَوَابُ الشَّرْطِ إِذْ ذَاكَ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ: آتَيْنَاكُمْ، عَلَى التَّعْظِيمِ وَتَنْزِيلُ الْوَاحِدِ مَنْزِلَةَ الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:
آتَيْتُكُمْ، عَلَى الْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، إِذْ تَقَدَّمَهُ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ وَجَاءَ بَعْدَهُ إِصْرِي.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: رَسُولٌ مُصَدِّقًا، نَصْبَهُ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ جَائِزٌ مِنَ النَّكِرَةِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَاسَهُ، وَيُحَسِّنُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي اللَّفْظِ مُعَرَّفَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَوْلُهُ: لَمَا آتَيْتُكُمْ، إِنْ أُرِيدَ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِيتَاءِ الْإِنْزَالَ فَلَيْسَ كُلُّهُمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ خِطَابِ الْكُلِّ بِخِطَابِ أَشْرَفِ أَنْوَاعِهِ، وَيَكُونُ التَّعْمِيمُ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَجَازًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِيتَاءِ كَوْنُهُ مُهْتَدًى بِهِ وَدَاعِيًا إِلَى الْعَمَلِ بِهِ صَحَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكُونُ التَّعْمِيمُ حَقِيقَةً.
وَكَذَلِكَ إِنْ أُرِيدَ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَجَازُ، وَهُوَ: أُمَمُهُمْ، يَكُونُ إِيتَاؤُهُمُ الْكِتَابَ كَوْنُهُ تَعَالَى جَعَلَهُ هَادِيًا لَهُمْ وَدَاعِيًا.
ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ أَيْ: ثُمَّ جَاءَ فِي زَمَانِكُمْ. وَمَعْنَى التَّصْدِيقِ كَوْنُهُ مُوَافِقًا فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّاتِ وَأُصُولِ الشَّرَائِعِ، وَجَمِيعُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي زَمَانِ كُلِّ نَبِيٍّ شَرْعُهُ وَفِي قَوْلِ: رَسُولٌ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ الْمَأْخُوذَ هُوَ مَا قُرِّرَ فِي الْعُقُولِ مِنَ الدَّلَائِلِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَفِي قَوْلِهِ: مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ هُوَ شَرْحُهُ لِصِفَاتِ الرَّسُولِ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ، وَأَوْجَبَ الْإِيمَانَ أَوَّلًا، وَالنُّصْرَةَ ثَانِيًا، وَهُوَ تَرْتِيبٌ ظَاهِرٌ.
قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي: قَالَ، عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وفي: أقررتم، خُوطِبَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ الْمَأْخُوذُ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ عَلَى الْخِلَافِ، أَهُوَ
وَقَرَأَ نَافِعٌ: آتَيْنَاكُمْ، عَلَى التَّعْظِيمِ وَتَنْزِيلُ الْوَاحِدِ مَنْزِلَةَ الْجَمْعِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:
آتَيْتُكُمْ، عَلَى الْإِفْرَادِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، إِذْ تَقَدَّمَهُ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ وَجَاءَ بَعْدَهُ إِصْرِي.
وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: رَسُولٌ مُصَدِّقًا، نَصْبَهُ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ جَائِزٌ مِنَ النَّكِرَةِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتِ النَّكِرَةُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَاسَهُ، وَيُحَسِّنُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي اللَّفْظِ مُعَرَّفَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَوْلُهُ: لَمَا آتَيْتُكُمْ، إِنْ أُرِيدَ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِيتَاءِ الْإِنْزَالَ فَلَيْسَ كُلُّهُمْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ خِطَابِ الْكُلِّ بِخِطَابِ أَشْرَفِ أَنْوَاعِهِ، وَيَكُونُ التَّعْمِيمُ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَجَازًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِيتَاءِ كَوْنُهُ مُهْتَدًى بِهِ وَدَاعِيًا إِلَى الْعَمَلِ بِهِ صَحَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكُونُ التَّعْمِيمُ حَقِيقَةً.
وَكَذَلِكَ إِنْ أُرِيدَ بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَجَازُ، وَهُوَ: أُمَمُهُمْ، يَكُونُ إِيتَاؤُهُمُ الْكِتَابَ كَوْنُهُ تَعَالَى جَعَلَهُ هَادِيًا لَهُمْ وَدَاعِيًا.
ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ أَيْ: ثُمَّ جَاءَ فِي زَمَانِكُمْ. وَمَعْنَى التَّصْدِيقِ كَوْنُهُ مُوَافِقًا فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّاتِ وَأُصُولِ الشَّرَائِعِ، وَجَمِيعُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي زَمَانِ كُلِّ نَبِيٍّ شَرْعُهُ وَفِي قَوْلِ: رَسُولٌ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ الْمَأْخُوذَ هُوَ مَا قُرِّرَ فِي الْعُقُولِ مِنَ الدَّلَائِلِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَفِي قَوْلِهِ: مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ هُوَ شَرْحُهُ لِصِفَاتِ الرَّسُولِ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ، وَأَوْجَبَ الْإِيمَانَ أَوَّلًا، وَالنُّصْرَةَ ثَانِيًا، وَهُوَ تَرْتِيبٌ ظَاهِرٌ.
قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي: قَالَ، عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وفي: أقررتم، خُوطِبَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ الْمَأْخُوذُ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ عَلَى الْخِلَافِ، أَهُوَ
242
عَلَى ظَاهِرِهِ؟ أَمْ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؟ أَمْ هُوَ مِمَّا حُذِفَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَتَقْدِيرُهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ عَلَى أُمَمِهِمْ؟ لَمْ يَكْتَفِ بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ حَتَّى اسْتَنْطَقَهُ بِالْإِقْرَارٍ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ.
قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي: قَالَ، عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ، أَيْ: قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ، أَأَقْرَرْتُمْ، وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الْإِثْبَاتُ وَالتَّأْكِيدُ، لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَى الْأُمَمِ، بَلْ طَالَبُوهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبُولِ.
وَيَكُونُ: إِصْرِي، عَلَى الظَّاهِرِ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ مُضَافًا إِلَى النَّبِيِّ وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤْصَرُ أي يشدّ ويعقد. وقرىء بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لُغَةً فِي: أَصَرَّ، كَمَا قَالُوا: نَاقَةُ أَسْفَارٍ عُبْرٌ، وَعُبْرُ أَسْفَارٍ، وَهِيَ الْمُعَدَّةُ لِلْأَسْفَارِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا لِآصَارٍ، كَإِزَارٍ وَأُزُرٍ وَمَعْنَى الْأَخْذِ هُنَا: الْقَبُولُ.
قالُوا أَقْرَرْنا مَعْنَاهُ أَقْرَرْنَا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِنُصْرَتِهِ، وَقَبِلْنَا ذَلِكَ وَالْتَزَمْنَاهُ. وَثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ أَيْ: أَقْرَرْنَا وَأَخَذْنَا عَلَى ذَلِكَ الْإِصْرَ، وَحُذِفَتْ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا.
قالَ فَاشْهَدُوا الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِلنَّبِيِّينَ الْمَأْخُوذِ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ: فَاشْهَدُوا، وَمَعْنَاهُ مِنَ الشَّهَادَةِ أَيْ: لِيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْإِقْرَارِ وَأَخْذِ الْإِصْرِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَقِيلَ: فَاشْهَدُوا هُوَ خِطَابٌ لِلْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ. وَقِيلَ: مَعْنَى: فَاشْهَدُوا، بَيِّنُوا هَذَا الْمِيثَاقَ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ لِكَيْلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي الْجَهْلِ بِهِ، وَأَصْلُهُ: أَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوَى، قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَيَكُونُ: اشْهَدُوا، بِمَعْنَى: أَدُّوا، لَا بِمَعْنَى: تَحَمَّلُوا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اسْتَيْقِنُوا مَا قَرَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْمِيثَاقِ وَكُونُوا فِيهِ كَالْمُشَاهِدِ لِلشَّيْءِ الْمُعَايِنِ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: فَاشْهَدُوا، خِطَابٌ لِلْأَنْبِيَاءِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ كَانَ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ أُمِرُوا بِأَنْ يَكُونُوا شَاهِدِينَ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب.
وَعَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ، أَيْ: قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ، يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ فَاشْهَدُوا، أَيْ: لِيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: فَاشْهَدُوا، مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ التقدير، قال: أأقرتم فَاشْهَدُوا، فَالْفَاءُ دَخَلَتْ لِلْعَطْفِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَلَقِيتَ زَيْدًا؟ قَالَ: لَقِيتُهُ! قَالَ: فَأَحْسِنْ إِلَيْهِ. التَّقْدِيرُ: لَقِيتَ زَيْدًا فَأَحْسِنْ إِلَيْهِ، فَمَا فِيهِ الْفَاءُ بَعْضُ الْمَقُولِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلَّ الْمَقُولِ لِأَجْلِ الْفَاءِ، أَلَا تَرَى قَالَ: أَأَقْرَرْتُمْ، وَقَوْلُهُ: قَالُوا أَقْرَرْنَا؟ لَمَّا كَانَ كُلَّ الْمَقُولِ لَمْ تدخل بالفاء.
قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي: قَالَ، عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ، أَيْ: قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ، أَأَقْرَرْتُمْ، وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الْإِثْبَاتُ وَالتَّأْكِيدُ، لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَى الْأُمَمِ، بَلْ طَالَبُوهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبُولِ.
وَيَكُونُ: إِصْرِي، عَلَى الظَّاهِرِ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي يَكُونُ مُضَافًا إِلَى النَّبِيِّ وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤْصَرُ أي يشدّ ويعقد. وقرىء بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لُغَةً فِي: أَصَرَّ، كَمَا قَالُوا: نَاقَةُ أَسْفَارٍ عُبْرٌ، وَعُبْرُ أَسْفَارٍ، وَهِيَ الْمُعَدَّةُ لِلْأَسْفَارِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا لِآصَارٍ، كَإِزَارٍ وَأُزُرٍ وَمَعْنَى الْأَخْذِ هُنَا: الْقَبُولُ.
قالُوا أَقْرَرْنا مَعْنَاهُ أَقْرَرْنَا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِنُصْرَتِهِ، وَقَبِلْنَا ذَلِكَ وَالْتَزَمْنَاهُ. وَثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ أَيْ: أَقْرَرْنَا وَأَخَذْنَا عَلَى ذَلِكَ الْإِصْرَ، وَحُذِفَتْ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا.
قالَ فَاشْهَدُوا الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِلنَّبِيِّينَ الْمَأْخُوذِ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ: فَاشْهَدُوا، وَمَعْنَاهُ مِنَ الشَّهَادَةِ أَيْ: لِيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْإِقْرَارِ وَأَخْذِ الْإِصْرِ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ.
وَقِيلَ: فَاشْهَدُوا هُوَ خِطَابٌ لِلْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ. وَقِيلَ: مَعْنَى: فَاشْهَدُوا، بَيِّنُوا هَذَا الْمِيثَاقَ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ لِكَيْلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي الْجَهْلِ بِهِ، وَأَصْلُهُ: أَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ صِدْقَ الدَّعْوَى، قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَيَكُونُ: اشْهَدُوا، بِمَعْنَى: أَدُّوا، لَا بِمَعْنَى: تَحَمَّلُوا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اسْتَيْقِنُوا مَا قَرَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْمِيثَاقِ وَكُونُوا فِيهِ كَالْمُشَاهِدِ لِلشَّيْءِ الْمُعَايِنِ لَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: فَاشْهَدُوا، خِطَابٌ لِلْأَنْبِيَاءِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ كَانَ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ أُمِرُوا بِأَنْ يَكُونُوا شَاهِدِينَ عَلَى أُمَمِهِمْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب.
وَعَلَى الْقَوْلِ: بِأَنَّ الْمَعْنَى فِي: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ، أَيْ: قَالَ كُلُّ نَبِيٍّ، يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ لِأُمَّتِهِ فَاشْهَدُوا، أَيْ: لِيَشْهَدْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: فَاشْهَدُوا، مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ التقدير، قال: أأقرتم فَاشْهَدُوا، فَالْفَاءُ دَخَلَتْ لِلْعَطْفِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَلَقِيتَ زَيْدًا؟ قَالَ: لَقِيتُهُ! قَالَ: فَأَحْسِنْ إِلَيْهِ. التَّقْدِيرُ: لَقِيتَ زَيْدًا فَأَحْسِنْ إِلَيْهِ، فَمَا فِيهِ الْفَاءُ بَعْضُ الْمَقُولِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلَّ الْمَقُولِ لِأَجْلِ الْفَاءِ، أَلَا تَرَى قَالَ: أَأَقْرَرْتُمْ، وَقَوْلُهُ: قَالُوا أَقْرَرْنَا؟ لَمَّا كَانَ كُلَّ الْمَقُولِ لَمْ تدخل بالفاء.
243
ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧ
ﱑ
ﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ
ﱒ
ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ
ﱓ
ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ
ﱔ
ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ
ﱕ
ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ
ﱖ
ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ
ﱗ
ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ
ﱘ
ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟ
ﱙ
ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ
ﱚ
وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنَافَ عَلَى سَبِيلِ بالتوكيد، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٢]
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أَيْ:
مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الرَّسُولِ، وَعَنْ نُصْرَتِهِ بَعْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَالْتِزَامِ الْعَهْدِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْأُمَمِ بِهَذَا الْمِيثَاقِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
فاشهدوا أمر بالأداء.
و: من، الظَّاهِرِ أَنَّهَا شَرْطٌ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ: فَأُولَئِكَ وَمَا بَعْدَهُ جَزَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَأَعَادَ الضَّمِيرَ فِي: تَوَلَّى، مُفْرَدًا عَلَى لَفْظِ: مَنْ، وَجَمَعَ فِي: فَأُولَئِكَ، حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى، وَهَذِهِ: ذلك، الْجُمْلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ هُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ حَكَمَ تَعَالَى بِالْفِسْقِ عَلَى مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحُكْمُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِأُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَيْضًا فَالْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كَانُوا أمواتا عند مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُعْلِمُنَا أَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ هُمْ أُمُمُهُمْ.
وَذَكَرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَصَاحَةِ. مِنْهَا: الطِّبَاقُ: فِي: بِقِنْطَارٍ وَبِدِينَارٍ، إِذْ أُرِيدَ بِهِمَا الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، وَفِي: يُؤَدِّهِ وَلَا يُؤَدِّهِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ مَعْنَاهُ الدَّفْعُ وَعَدَمَهُ مَعْنَاهُ الْمَنْعُ، وَهُمَا ضِدَّانِ، وَفِي قَوْلِهِ: بِالْكُفْرِ وَمُسْلِمُونَ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي: اتَّقَى وَالْمُتَّقِينَ، وَفِي:
فَاشْهَدُوا وَالشَّاهِدِينَ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَيَأْمُرُكُمْ، وَفِي: أقررتم وَأَقْرَرْنَا. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ، وَفِي أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ. وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ، وَهُوَ فِي: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ؟ ثُمَّ: قَالُوا أَقْرَرْنَا. وَالِاخْتِصَاصُ فِي: يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، اخْتَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ مُجَازَاةُ الْأَعْمَالِ. وَالتَّكْرَارُ فِي: يُؤَدِّهِ وَلَا يُؤَدِّهِ، وَفِي اسْمِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي: مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ. وَالِاسْتِعَارَةُ فِي:
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: لَمَا آتَيْتُكُمْ، وَهُوَ خِطَابٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: النَّبِيِّينَ، وَهُوَ لَفْظٌ غَائِبٌ. وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ تقدمت.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٣ الى ٩١]
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)
خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)
[سورة آل عمران (٣) : آية ٨٢]
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أَيْ:
مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الرَّسُولِ، وَعَنْ نُصْرَتِهِ بَعْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَالْتِزَامِ الْعَهْدِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْأُمَمِ بِهَذَا الْمِيثَاقِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
فاشهدوا أمر بالأداء.
و: من، الظَّاهِرِ أَنَّهَا شَرْطٌ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ: فَأُولَئِكَ وَمَا بَعْدَهُ جَزَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَأَعَادَ الضَّمِيرَ فِي: تَوَلَّى، مُفْرَدًا عَلَى لَفْظِ: مَنْ، وَجَمَعَ فِي: فَأُولَئِكَ، حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى، وَهَذِهِ: ذلك، الْجُمْلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ هُمْ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ حَكَمَ تَعَالَى بِالْفِسْقِ عَلَى مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا الْحُكْمُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِأُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَيْضًا فَالْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كَانُوا أمواتا عند مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُعْلِمُنَا أَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ هُمْ أُمُمُهُمْ.
وَذَكَرُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَصَاحَةِ. مِنْهَا: الطِّبَاقُ: فِي: بِقِنْطَارٍ وَبِدِينَارٍ، إِذْ أُرِيدَ بِهِمَا الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، وَفِي: يُؤَدِّهِ وَلَا يُؤَدِّهِ، لِأَنَّ الْأَدَاءَ مَعْنَاهُ الدَّفْعُ وَعَدَمَهُ مَعْنَاهُ الْمَنْعُ، وَهُمَا ضِدَّانِ، وَفِي قَوْلِهِ: بِالْكُفْرِ وَمُسْلِمُونَ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُغَايِرُ فِي: اتَّقَى وَالْمُتَّقِينَ، وَفِي:
فَاشْهَدُوا وَالشَّاهِدِينَ، وَالتَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ فِي: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَيَأْمُرُكُمْ، وَفِي: أقررتم وَأَقْرَرْنَا. وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ، وَفِي أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ. وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ، وَهُوَ فِي: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ؟ ثُمَّ: قَالُوا أَقْرَرْنَا. وَالِاخْتِصَاصُ فِي: يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، اخْتَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ مُجَازَاةُ الْأَعْمَالِ. وَالتَّكْرَارُ فِي: يُؤَدِّهِ وَلَا يُؤَدِّهِ، وَفِي اسْمِ اللَّهِ فِي مَوَاضِعَ، وَفِي: مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ. وَالِاسْتِعَارَةُ فِي:
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: لَمَا آتَيْتُكُمْ، وَهُوَ خِطَابٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: النَّبِيِّينَ، وَهُوَ لَفْظٌ غَائِبٌ. وَالْحَذْفُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ تقدمت.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٣ الى ٩١]
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)
خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)
244
الْمِلْءُ: مِقْدَارُ مَا يُمْلَأُ، وَهُوَ اسْمٌ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ يُقَالُ: مِلْءَ الْقَدَحِ، وَمِلْأَهُ، وَثَلَاثَةَ أَمْلَائِهِ، وَبِفَتْحِ الْمِيمِ الْمَصْدَرُ، يُقَالُ: مَلَأْتُ الشَّيْءَ امْلَأَهُ مَلْأً، وَالْمُلَاءَةُ الَّتِي تُلْبَسُ، وَهِيَ الْمُلْحَفَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْهَمْزِ. وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ فِي شَرْحِ: الْمَلَأِ.
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اخْتَصَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أَنَّهَا أَوْلَى بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَغَضِبُوا. وَقَالُوا:
وَاللَّهِ مَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا ظَاهِرٌ جِدًّا.
وَالْهَمْزَةُ فِي: أَفَغَيْرَ؟ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْخَطَأِ فِي التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضِ، وَأُضِيفَ الدِّينُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَرَعَهُ وَتَعَبَّدَ بِهِ الْخَلْقَ، وَمَعْنَى: تَبْغُونَ، تَطْلُبُونَ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى: تَدِينُونَ لِأَنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِدِينٍ غَيْرِ دِينِ اللَّهِ لَا طَالِبُوهُ، وَعَبَّرَ بِالطَّلَبِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمْ فِي كُلِّ الْوَقْتِ بَاحِثُونَ عَنْهُ وَمُسْتَخْرِجُوهُ وَمُبْتَغُوهُ.
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اخْتَصَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَزَعَمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أَنَّهَا أَوْلَى بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَغَضِبُوا. وَقَالُوا:
وَاللَّهِ مَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا ظَاهِرٌ جِدًّا.
وَالْهَمْزَةُ فِي: أَفَغَيْرَ؟ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْخَطَأِ فِي التَّوَلِّي وَالْإِعْرَاضِ، وَأُضِيفَ الدِّينُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَرَعَهُ وَتَعَبَّدَ بِهِ الْخَلْقَ، وَمَعْنَى: تَبْغُونَ، تَطْلُبُونَ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى: تَدِينُونَ لِأَنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِدِينٍ غَيْرِ دِينِ اللَّهِ لَا طَالِبُوهُ، وَعَبَّرَ بِالطَّلَبِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمْ فِي كُلِّ الْوَقْتِ بَاحِثُونَ عَنْهُ وَمُسْتَخْرِجُوهُ وَمُبْتَغُوهُ.
245
وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كُلُّ عَاقِلٍ يَبْتَغِي دِينَ اللَّهِ وَيَدَّعِي أَنَّ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ دِينُ اللَّهِ.
قِيلَ: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا قَصَّرَ فِي الطَّلَبِ جُعِلَ فِي الْمَعْنَى كَأَنَّهُ بَاغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، إِذْ لَوْ كَانَ بَاغِيًا لَبَالَغَ فِي الطَّلَبِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بَاغِيًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ بَانَ لِلْبَعْضِ فِي الِابْتِغَاءِ مَا هُوَ الْحَقُّ لِظُهُورِ الْحُجَجِ وَالْآيَاتِ، وَلَكِنْ أَبَى إِلَّا الْعِنَادَ، فَهُوَ بَاغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الْآيَةُ فِي الْمُعَانِدِينَ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَفَصٌ، وَعَيَّاشٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ: يَبْغُونَ، بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَيَنْسُبُهَا ابْنُ عَطِيَّةَ لِأَبِي عَمْرٍو، وَعَاصِمٍ بِكَمَالِهِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِالتَّاءِ، عَلَى الْخِطَابِ، فَالْيَاءُ عَلَى نَسَقِ: هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَالتَّاءُ عَلَى الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَالْفَاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَقُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ اعْتِنَاءً بِالِاسْتِفْهَامِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَأَغَيْرَ؟ وَجَوَّزَ هَذَا الْوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ النُّحَاةِ قَبْلَهُ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:
أَيَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا وَالْكَلَامُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَمْعَنَّا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ (التَّكْمِيلِ) مِنْ تَأْلِيفِنَا.
وَانْتَصَبَ: غَيْرَ، عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَبْغُونَ، وَقُدِّمَ عَلَى فِعْلِهِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْمَعْبُودِ بِالْبَاطِلِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَلَا تَحْقِيقَ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْهَمْزَةِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الذَّوَاتِ، إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّوَاتِ، فَالَّذِي أُنْكِرَ إِنَّمَا هُوَ الِابْتِغَاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ هُنَا مِنْ بَابِ الِاتِّسَاعِ، وَشَبَّهَ: يَبْغُونَ، بِالْفَاصِلَةِ بِآخِرِ الْفِعْلِ.
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً أَسْلَمَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْلَمَ طَوْعًا بِحَالَتِهِ النَّاطِقَةِ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِ، وَكَرْهًا عِنْدَ دُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سُجُودُ ظِلِّ الْمُؤْمِنِ طَائِعًا وَسُجُودُ ظَلِّ الْكَافِرِ كَارِهًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «١» وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيُّ: مَا يُقَارِبُ مَعْنَاهُ: أسلم أقرّ
قِيلَ: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا قَصَّرَ فِي الطَّلَبِ جُعِلَ فِي الْمَعْنَى كَأَنَّهُ بَاغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، إِذْ لَوْ كَانَ بَاغِيًا لَبَالَغَ فِي الطَّلَبِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بَاغِيًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ بَانَ لِلْبَعْضِ فِي الِابْتِغَاءِ مَا هُوَ الْحَقُّ لِظُهُورِ الْحُجَجِ وَالْآيَاتِ، وَلَكِنْ أَبَى إِلَّا الْعِنَادَ، فَهُوَ بَاغٍ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، فَتَكُونُ الْآيَةُ فِي الْمُعَانِدِينَ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَحَفَصٌ، وَعَيَّاشٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ: يَبْغُونَ، بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَيَنْسُبُهَا ابْنُ عَطِيَّةَ لِأَبِي عَمْرٍو، وَعَاصِمٍ بِكَمَالِهِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِالتَّاءِ، عَلَى الْخِطَابِ، فَالْيَاءُ عَلَى نَسَقِ: هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَالتَّاءُ عَلَى الِالْتِفَاتِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ، وَالْفَاءُ لِعَطْفِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَقُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ اعْتِنَاءً بِالِاسْتِفْهَامِ. وَالتَّقْدِيرُ: فَأَغَيْرَ؟ وَجَوَّزَ هَذَا الْوَجْهَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ النُّحَاةِ قَبْلَهُ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:
أَيَتَوَلُّونَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا وَالْكَلَامُ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَمْعَنَّا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ (التَّكْمِيلِ) مِنْ تَأْلِيفِنَا.
وَانْتَصَبَ: غَيْرَ، عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَبْغُونَ، وَقُدِّمَ عَلَى فِعْلِهِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْهَمْزَةِ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْمَعْبُودِ بِالْبَاطِلِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَلَا تَحْقِيقَ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْهَمْزَةِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الذَّوَاتِ، إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّوَاتِ، فَالَّذِي أُنْكِرَ إِنَّمَا هُوَ الِابْتِغَاءُ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ هُنَا مِنْ بَابِ الِاتِّسَاعِ، وَشَبَّهَ: يَبْغُونَ، بِالْفَاصِلَةِ بِآخِرِ الْفِعْلِ.
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً أَسْلَمَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَسْلَمَ طَوْعًا بِحَالَتِهِ النَّاطِقَةِ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِ، وَكَرْهًا عِنْدَ دُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سُجُودُ ظِلِّ الْمُؤْمِنِ طَائِعًا وَسُجُودُ ظَلِّ الْكَافِرِ كَارِهًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «١» وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيُّ: مَا يُقَارِبُ مَعْنَاهُ: أسلم أقرّ
(١) سورة الرعد: ١٣/ ١٥.
246
بِالْخَالِقِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أَشْرَكَ فِي الْعِبَادَةِ، فَمَنْ أَشْرَكُ أَسْلَمَ كَرْهًا. وَمَنْ أَخْلَصَ أَسْلَمَ طَوْعًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا وَقَوْمٌ خَوْفَ السَّيْفِ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ:
أسلم من في السموات طوعا وكذلك الأنصار، وبنو سليم، وعبد الْقَيْسِ، وَأَسْلَمَ سَائِرُ النَّاسِ كَرْهًا حَذِرَ الْقِتَالِ وَالسَّيْفِ. وَأَسْلَمَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي ضِمْنِهِ الْإِيمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ:
الْإِسْلَامُ كَرْهًا هُوَ إِسْلَامُ الْكَافِرِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْمُعَايَنَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ إِلَّا فِي أَفْرَادٍ. انْتَهَى. وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
طَوْعًا بِاضْطِرَارِ الْحُجَّةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَوْعًا بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَالْإِنْصَافِ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَرْهًا بِالسَّيْفِ، أَوْ بِمُعَايَنَةِ ما يلجىء إِلَى الْإِسْلَامِ كَنَتْقِ الْجَبَلِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِدْرَاكِ الْغَرَقِ فِرْعَوْنَ، وَالْإِشْفَاءِ عَلَى الْمَوْتِ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ «١». انْتَهَى.
فَلَفَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْسِيرَ: طَوْعًا، مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ. وَتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: وَكَرْهًا، مِنْ قَوْلِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ وَقَوْلِ قَتَادَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا بِالْوِلَادَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا بِالسَّيْفِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْمَعْنَى: وَلَهُ خَضَعَ مَنْ في السموات وَالْأَرْضِ فِيمَا صَوَّرَهُمْ فِيهِ وَدَبَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَا يُحْدِثُ فِيهِمْ فَهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ كَرِهُوا ذَلِكَ أَوْ أَحَبُّوهُ، رَضُوا بِذَلِكَ أَوْ سَخَطُوهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ هُنَا الْخُضُوعُ لِنُفُوذِ أَمْرِهِ فِي جبلته، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَمْتَنِعَ مِمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يُغَيِّرَهُ وَالَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ مَنْ فِي السموات، وَخُصُوصُ مَنْ فِي الْأَرْضِ.
وَالطَّوْعُ هُوَ الَّذِي لَا تُكَلُّفَ فِيهِ، وَالْكَرْهُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَإِسْلَامُ مَنْ في السموات طَوْعٌ صِرْفٌ إِذْ هُمْ خَالُونَ مِنَ الشَّهَوَاتِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْمُخَالَفَةِ، وَإِسْلَامُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَعْصُومًا كَانَ طَوْعًا، وَمَنْ كَانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كَانَ كَرْهًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي مَشَقَّةٍ، لِأَنَّ التَّكَالِيفَ جَاءَتْ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ مُبَشِّرٌ بِالثَّوَابِ وَمُنْذِرٌ بِالْعِقَابِ لَمْ يَلْتَزِمِ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنَ التَّكَالِيفِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَا تُخْرِجُ: أَسْلَمَ، فِيهَا عَنْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ، وَعَلَى الِاعْتِقَادِ، وَعَلَى الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَعَلَى الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ قِيلَ بِهَذَا كُلِّهِ.
وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَهُ أَسْلَمَ حالية. و: طوعا وَكَرْهًا، مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: طَائِعِينَ وَكَارِهِينَ. وَقِيلَ: هُمَا مَصْدَرَانِ عَلَى خلاف الصدر.
أسلم من في السموات طوعا وكذلك الأنصار، وبنو سليم، وعبد الْقَيْسِ، وَأَسْلَمَ سَائِرُ النَّاسِ كَرْهًا حَذِرَ الْقِتَالِ وَالسَّيْفِ. وَأَسْلَمَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي ضِمْنِهِ الْإِيمَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ:
الْإِسْلَامُ كَرْهًا هُوَ إِسْلَامُ الْكَافِرِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْمُعَايَنَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ إِلَّا فِي أَفْرَادٍ. انْتَهَى. وَقَالَ عِكْرِمَةُ:
طَوْعًا بِاضْطِرَارِ الْحُجَّةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: طَوْعًا بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ وَالْإِنْصَافِ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَرْهًا بِالسَّيْفِ، أَوْ بِمُعَايَنَةِ ما يلجىء إِلَى الْإِسْلَامِ كَنَتْقِ الْجَبَلِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِدْرَاكِ الْغَرَقِ فِرْعَوْنَ، وَالْإِشْفَاءِ عَلَى الْمَوْتِ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ «١». انْتَهَى.
فَلَفَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَفْسِيرَ: طَوْعًا، مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ. وَتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: وَكَرْهًا، مِنْ قَوْلِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ وَقَوْلِ قَتَادَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا بِالْوِلَادَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا بِالسَّيْفِ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْمَعْنَى: وَلَهُ خَضَعَ مَنْ في السموات وَالْأَرْضِ فِيمَا صَوَّرَهُمْ فِيهِ وَدَبَرَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَا يُحْدِثُ فِيهِمْ فَهُمْ لَا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ كَرِهُوا ذَلِكَ أَوْ أَحَبُّوهُ، رَضُوا بِذَلِكَ أَوْ سَخَطُوهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ: إِنَّ الْإِسْلَامَ هُنَا الْخُضُوعُ لِنُفُوذِ أَمْرِهِ فِي جبلته، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَمْتَنِعَ مِمَّا جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يُغَيِّرَهُ وَالَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ مَنْ فِي السموات، وَخُصُوصُ مَنْ فِي الْأَرْضِ.
وَالطَّوْعُ هُوَ الَّذِي لَا تُكَلُّفَ فِيهِ، وَالْكَرْهُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ، فَإِسْلَامُ مَنْ في السموات طَوْعٌ صِرْفٌ إِذْ هُمْ خَالُونَ مِنَ الشَّهَوَاتِ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْمُخَالَفَةِ، وَإِسْلَامُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَعْصُومًا كَانَ طَوْعًا، وَمَنْ كَانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ كَانَ كَرْهًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي مَشَقَّةٍ، لِأَنَّ التَّكَالِيفَ جَاءَتْ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ مُبَشِّرٌ بِالثَّوَابِ وَمُنْذِرٌ بِالْعِقَابِ لَمْ يَلْتَزِمِ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنَ التَّكَالِيفِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَا تُخْرِجُ: أَسْلَمَ، فِيهَا عَنْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ، وَعَلَى الِاعْتِقَادِ، وَعَلَى الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَعَلَى الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ قِيلَ بِهَذَا كُلِّهِ.
وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَهُ أَسْلَمَ حالية. و: طوعا وَكَرْهًا، مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: طَائِعِينَ وَكَارِهِينَ. وَقِيلَ: هُمَا مَصْدَرَانِ عَلَى خلاف الصدر.
(١) سورة غافر: ٤٠/ ٨٤.
247
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: كُرْهًا، بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْجُمْهُورُ بِفَتْحِهَا.
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنِ اتَّبَعَ وَابْتَغَى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ أَسْلَمَ فَيَكُونُ مُشَارِكًا لَهُ فِي الْحَالِيَّةِ، وَكَأَنَّهُ نَعَى عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ غَيْرِ دِينِ مَنِ انْقَادَ إِلَيْهِ الْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ وَمَنْ إِلَيْهِ مَرْجِعُهُمْ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لَا يَبْتَغِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا وَإِخْبَارًا بِأَنَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَصِيرُهُمْ وَمُنْقَلَبُهُمْ فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ.
وَقَرَأَ حَفْصٌ، وَعَبَّاسٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ: يَرْجِعُونَ، بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى غَيْرِ ضَمِيرِ يَبْغُونَ، فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: تَبْغُونَ، بِالتَّاءِ إِذْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِنْ خِطَابٍ إِلَى غَيْبَةٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِالتَّاءِ، فَإِنْ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى مَنْ كَانَ الْتِفَاتًا، أَوْ عَلَى ضَمِيرِ: تَبْغُونَ، كَانَ الْتِفَاتًا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: يَبْغُونَ، بِالْيَاءِ، أَوْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى خِطَابٍ.
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الْبَقَرَةِ إِلَّا فِي: قُلْ، وَفِي: عَلَيْنَا، وَفِي: عِيسَى وَالنَّبِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا فِي الْبَقَرَةِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ، فَنَقُولُ: الظَّاهِرُ فِي: قُلْ، أَنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُمِرَ أَنْ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: آمَنَّا بِهِ، وَيُقَوِّي أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ أَخِيرًا: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ بِقَوْلِهِ:
قُلْ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ فِي قوله: ثم جاءكم رسول، فَعَيَّنَهُ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ لِيُظْهِرَ فِيهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ. وَقَالَ: آمَنَّا، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّهِ، بَلْ هُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ تَعَالَى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ «١» بَعْدَ قَوْلِهِ: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ «٢».
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا يَتَكَلَّمُ الْمُلُوكُ إِجْلَالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ وَأُمَّتُكَ: آمَنَّا بِاللَّهِ، فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ ثَمَّ مَعْطُوفًا حُذِفَ، وَأَنَّ ثَمَّ الْأَمْرَ مُتَوَجَّهٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته.
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنِ اتَّبَعَ وَابْتَغَى غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ أَسْلَمَ فَيَكُونُ مُشَارِكًا لَهُ فِي الْحَالِيَّةِ، وَكَأَنَّهُ نَعَى عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ غَيْرِ دِينِ مَنِ انْقَادَ إِلَيْهِ الْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ وَمَنْ إِلَيْهِ مَرْجِعُهُمْ، فَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لَا يَبْتَغِي دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا وَإِخْبَارًا بِأَنَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَصِيرُهُمْ وَمُنْقَلَبُهُمْ فَيُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ.
وَقَرَأَ حَفْصٌ، وَعَبَّاسٌ، وَيَعْقُوبُ، وَسَهْلٌ: يَرْجِعُونَ، بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى غَيْرِ ضَمِيرِ يَبْغُونَ، فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: تَبْغُونَ، بِالتَّاءِ إِذْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِنْ خِطَابٍ إِلَى غَيْبَةٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: بِالتَّاءِ، فَإِنْ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى مَنْ كَانَ الْتِفَاتًا، أَوْ عَلَى ضَمِيرِ: تَبْغُونَ، كَانَ الْتِفَاتًا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: يَبْغُونَ، بِالْيَاءِ، أَوْ يَكُونُ قَدِ انْتَقَلَ مِنْ غَيْبَةٍ إِلَى خِطَابٍ.
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الْبَقَرَةِ إِلَّا فِي: قُلْ، وَفِي: عَلَيْنَا، وَفِي: عِيسَى وَالنَّبِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا فِي الْبَقَرَةِ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ، فَنَقُولُ: الظَّاهِرُ فِي: قُلْ، أَنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُمِرَ أَنْ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: آمَنَّا بِهِ، وَيُقَوِّي أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْهُ وَعَنْ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ أَخِيرًا: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ بِقَوْلِهِ:
قُلْ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ فِي قوله: ثم جاءكم رسول، فَعَيَّنَهُ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ لِيُظْهِرَ فِيهِ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ. وَقَالَ: آمَنَّا، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّهِ، بَلْ هُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ تَعَالَى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ «١» بَعْدَ قَوْلِهِ: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ «٢».
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا يَتَكَلَّمُ الْمُلُوكُ إِجْلَالًا مِنَ اللَّهِ لِقَدْرِ نَبِيِّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ وَأُمَّتُكَ: آمَنَّا بِاللَّهِ، فَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنَّ ثَمَّ مَعْطُوفًا حُذِفَ، وَأَنَّ ثَمَّ الْأَمْرَ مُتَوَجَّهٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته.
(٢- ١) سورة البقرة: ٢/ ٢٨٥.
248
وَأَمَّا تَعْدِيَةُ أُنْزِلَ، هُنَا: بعلى، وفي البقرة بإلى. فَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْإِنْزَالُ عَلَى نَبِيِّ الْأُمَّةِ إِنْزَالٌ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ عَدَّى أُنْزِلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مِثْلِهَا بِحَرْفِ الِانْتِهَاءِ؟.
قُلْتُ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ مِنْ فَوْقُ وَيَنْتَهِي إِلَى الرُّسُلِ، فَجَاءَ تَارَةً بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ وَأُخْرَى بِالْآخَرِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّمَا قَالَ هُنَا: عَلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ وَاصِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِلَا وَاسِطَةِ بِشْرٍ كَانَ لَفْظُ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِالْعُلُوِّ أَوْلَى بِهِ، وَهُنَاكَ، لَمَّا كَانَ خِطَابًا لِلْأُمَّةِ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ لَفْظُ: إِلَى، الْمُخْتَصِّ بِالْإِيصَالِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ إِنَّمَا عَلَى مَا أُمِرَ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ، وَأُنْزِلَ إِلَيْهِ عَلَى مَا خُصَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ. وَإِلَيْهِ نِهَايَةُ الْإِنْزَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ «١» وَقَالَ: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «٢» خُصَّ هُنَا: بإلى، لَمَّا كَانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ الْمُنَزَّلِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي الْأَوْلَى لَا فِي الْوُجُوبِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ: مَنْ قَالَ هَذَا الْفَرْقَ فَقَدْ تَعَسَّفَ، قَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «٣» وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ «٤» وَإِلَى قَوْلِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا «٥» ؟ انْتَهَى.
وَأَمَّا إِعَادَةُ لَفْظِ: وَمَا أُوتِيَ، فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَفْظُ الْخِطَابِ عَامًّا، وَمِنْ حِكَمِ خِطَابِ الْعَامِّ الْبَسْطُ دُونَ الْإِيجَازِ، وَلَمَّا كَانَ الْخِطَابُ هُنَا خَاصًّا اكْتَفَى فِيهِ بِالْإِيجَازِ.
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ هُنَا قِيلَ هُوَ الاستسلام إلى الله
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ عَدَّى أُنْزِلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مِثْلِهَا بِحَرْفِ الِانْتِهَاءِ؟.
قُلْتُ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ مِنْ فَوْقُ وَيَنْتَهِي إِلَى الرُّسُلِ، فَجَاءَ تَارَةً بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ وَأُخْرَى بِالْآخَرِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: إِنَّمَا قَالَ هُنَا: عَلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ وَاصِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِلَا وَاسِطَةِ بِشْرٍ كَانَ لَفْظُ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِالْعُلُوِّ أَوْلَى بِهِ، وَهُنَاكَ، لَمَّا كَانَ خِطَابًا لِلْأُمَّةِ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ لَفْظُ: إِلَى، الْمُخْتَصِّ بِالْإِيصَالِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ إِنَّمَا عَلَى مَا أُمِرَ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَ غَيْرَهُ، وَأُنْزِلَ إِلَيْهِ عَلَى مَا خُصَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ. وَإِلَيْهِ نِهَايَةُ الْإِنْزَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَالَ: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ «١» وَقَالَ: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «٢» خُصَّ هُنَا: بإلى، لَمَّا كَانَ مَخْصُوصًا بِالذِّكْرِ الَّذِي هُوَ بَيَانُ الْمُنَزَّلِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي الْأَوْلَى لَا فِي الْوُجُوبِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ: مَنْ قَالَ هَذَا الْفَرْقَ فَقَدْ تَعَسَّفَ، قَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «٣» وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ «٤» وَإِلَى قَوْلِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا «٥» ؟ انْتَهَى.
وَأَمَّا إِعَادَةُ لَفْظِ: وَمَا أُوتِيَ، فَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَفْظُ الْخِطَابِ عَامًّا، وَمِنْ حِكَمِ خِطَابِ الْعَامِّ الْبَسْطُ دُونَ الْإِيجَازِ، وَلَمَّا كَانَ الْخِطَابُ هُنَا خَاصًّا اكْتَفَى فِيهِ بِالْإِيجَازِ.
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ هُنَا قِيلَ هُوَ الاستسلام إلى الله
(١) سورة العنكبوت: ٢٩/ ٥١.
(٢) سورة النحل: ١٦/ ٤٤.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٤. والنساء: ٤/ ٦٠ و ١٦٢ والرعد: ١٣/ ٣٦.
(٤) سورة النساء: ٤/ ١٠٥. والمائدة: ٥/ ٤٨، والعنكبوت: ٢٩/ ٤٧ والزمر: ٣٩/ ٢.
(٥) سورة آل عمران: ٣/ ٧٢.
(٢) سورة النحل: ١٦/ ٤٤.
(٣) سورة البقرة: ٢/ ٤. والنساء: ٤/ ٦٠ و ١٦٢ والرعد: ١٣/ ٣٦.
(٤) سورة النساء: ٤/ ١٠٥. والمائدة: ٥/ ٤٨، والعنكبوت: ٢٩/ ٤٧ والزمر: ٣٩/ ٢.
(٥) سورة آل عمران: ٣/ ٧٢.
249
وَالتَّفْوِيضُ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَشَرِيعَةٍ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّوْحِيدِ، وَإِسْلَامِ الْوَجْهِ لِلَّهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَحَرَّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي وَافَقَ فِي مُعْتَقَدَاتِهِ دِينَ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
قِيلَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى «١» الْآيَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ الْآيَةَ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى نَسْخِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا «٢».
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَأَنْزَلَ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «٣» فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَقَعَدَ الْكُفَّارُ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وَسَتَأْتِي قِصَّتُهُ بَعْدَ هَذَا. وَقَبُولُ الْعَمَلِ هُوَ رِضَاهُ وَإِثَابَةُ فَاعِلِهِ عَلَيْهِ.
وَانْتَصَبَ: دِينًا عَلَى التمييز: لغير، لِأَنَّ: غَيْرَ، مُبْهَمَةٌ، فَفُسِّرَتْ بِدِينٍ، كَمَا أَنَّ مِثْلًا مُبْهَمَةٌ فَتُفَسَّرُ أَيْضًا. وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: لَنَا غَيْرُهَا إِبِلًا وَشَاءَ، وَمَفْعُولُ: يَبْتَغِ هُوَ: غَيْرَ، وَقِيلَ:
دِينًا، مَفْعُولٌ، و: غير، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ كَانَ نَعْتًا. وَقِيلَ: دِينًا، بَدَلٌ مِنْ:
غَيْرَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ الْغَيْنَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْإِدْغَامُ.
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الْخُسْرَانُ فِي الْآخِرَةِ هُوَ حِرْمَانُ الثَّوَابِ وَحُصُولُ الْعِقَابِ، شُبِّهَ فِي تَضْيِيعِ زَمَانِهِ فِي الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ بِالَّذِي خَسِرَ فِي بِضَاعَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ قَدْ عُطِفَتْ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَى ابْتِغَاءِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ دِينًا عَدَمُ الْقَبُولِ وَالْخُسْرَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ بَلْ هِيَ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَنْ حَالِهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَ: فِي الْآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، أَيْ: وَهُوَ خَاسِرٌ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ:
بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أو: بالخاسرين عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ لِلتَّعْرِيفِ، كَهِيَ فِي: الرَّجُلِ، أَوْ: بِهِ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَتُسُومِحَ فِي الظَّرْفِ وَالْمَجْرُورِ لِأَنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِمَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهِمَا، وَكُلٌّ مَنْقُولٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا نَظِيرُهُ.
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَحَرَّى بَعْدَ مَبْعَثِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرِيعَتِهِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي وَافَقَ فِي مُعْتَقَدَاتِهِ دِينَ مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
قِيلَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى «١» الْآيَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: وَمَنْ يَبْتَغِ الْآيَةَ. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى نَسْخِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا «٢».
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: حُجَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَأَنْزَلَ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «٣» فَحَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَقَعَدَ الْكُفَّارُ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، وَسَتَأْتِي قِصَّتُهُ بَعْدَ هَذَا. وَقَبُولُ الْعَمَلِ هُوَ رِضَاهُ وَإِثَابَةُ فَاعِلِهِ عَلَيْهِ.
وَانْتَصَبَ: دِينًا عَلَى التمييز: لغير، لِأَنَّ: غَيْرَ، مُبْهَمَةٌ، فَفُسِّرَتْ بِدِينٍ، كَمَا أَنَّ مِثْلًا مُبْهَمَةٌ فَتُفَسَّرُ أَيْضًا. وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: لَنَا غَيْرُهَا إِبِلًا وَشَاءَ، وَمَفْعُولُ: يَبْتَغِ هُوَ: غَيْرَ، وَقِيلَ:
دِينًا، مَفْعُولٌ، و: غير، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ كَانَ نَعْتًا. وَقِيلَ: دِينًا، بَدَلٌ مِنْ:
غَيْرَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِظْهَارِ الْغَيْنَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْإِدْغَامُ.
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الْخُسْرَانُ فِي الْآخِرَةِ هُوَ حِرْمَانُ الثَّوَابِ وَحُصُولُ الْعِقَابِ، شُبِّهَ فِي تَضْيِيعِ زَمَانِهِ فِي الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ بِالَّذِي خَسِرَ فِي بِضَاعَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ قَدْ عُطِفَتْ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَى ابْتِغَاءِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ دِينًا عَدَمُ الْقَبُولِ وَالْخُسْرَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ بَلْ هِيَ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَنْ حَالِهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَ: فِي الْآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، أَيْ: وَهُوَ خَاسِرٌ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ:
بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أو: بالخاسرين عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَيْسَتْ مَوْصُولَةً بَلْ لِلتَّعْرِيفِ، كَهِيَ فِي: الرَّجُلِ، أَوْ: بِهِ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَتُسُومِحَ فِي الظَّرْفِ وَالْمَجْرُورِ لِأَنَّهُ يَتَّسِعُ فِيهِمَا مَا لَا يَتَّسِعُ فِي غَيْرِهِمَا، وَكُلٌّ مَنْقُولٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا نَظِيرُهُ.
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
(٢- ١) سورة البقرة: ٢/ ٦٢.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٩٧.
(٣) سورة آل عمران: ٣/ ٩٧.
250
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَفِيهِمَا ذِكْرُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَيَّرُوهُ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، قَالَهُ الْحَسَنُ.
وَرَوَى عَطِيَّةُ قَرِيبًا مِنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِي عَشَرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا فِيهِمُ الحارث بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَدِمَ وَرَجَعَ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَ مجاهد، والسدّي: أن الحارث كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ الْمُجَدَّرَ بْنَ زِيَادٍ بِدَمٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَأَمْرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفَاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَخِيهِ مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فَكَتَبَ بِهَا قَوْمُهُ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ تَائِبًا.
وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى أَنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا. وَقِيلَ: لَحِقَ بِالرُّومِ. وَقِيلَ: ارْتَدَّ الحارث فِي أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَسَمَّى مِنْهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: طُعْمَةَ بن أبيرق، والحارث بْنَ سُوَيْدٍ بْنِ الصَّامِتِ، وَوَحْوَحَ بْنَ الْأَسْلَتِ، وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وَسَمَّى مِنْهُمْ:
أَبَا عامر الراهب، والحارث وَوُجُوهًا.
وَقَالَ النَّقَّاشُ: نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. أَلْفَاظُ الْآيَةِ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ وَغَيْرَهُمْ.
وَقِيلَ: هِيَ فِي عَامَّةِ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَمَلَ الْآيَاتِ إلى الحارث رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَرَأَهَا عليه فقال له الحارث: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأَصْدَقُ مِنْكَ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ. قَالَ فرجع الحارث فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
كَيْفَ: سُؤَالٌ عَنِ الْأَحْوَالِ، وَهِيَ هُنَا لِلتَّعْجِيبِ وَالتَّعْظِيمِ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ، أَيْ:
كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مَنْ أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا بَعْدَ الْتِبَاسِهِ بها ووضوحها؟ فَاسْتُبْعِدَ حُصُولُهَا لَهُمْ مَعَ شِدَّةِ الْجَرَائِمِ، كَمَا
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ تَفْلَحُ أُمَّةٌ أَدْمَتْ وَجْهَ نَبِيِّهَا» ؟.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ يَلْطُفُ بِهِمْ وَلَيْسُوا مَنْ أَهْلِ اللُّطْفِ لِمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ تَصْمِيمِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ؟ انْتَهَى. وَهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزَالِيَّةٌ، إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ: أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْهِدَايَةَ فِيهِمْ كَمَا لَا يَخْلُقُ الضَّلَالَ فِيهِمْ، بَلْ هُمَا مَخْلُوقَانِ لِلْعَبْدِ.
وَقِيلَ: الِاسْتِفْهَامُ هُنَا يُرَادُ بِهِ الْجَحْدُ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ يهدي، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَهَذِي سُيُوفٌ، يَا صَدِيُّ بْنَ مَالِكٍ... كَثِيرٌ، وَلَكِنْ: أَيْنَ بِالسَّيْفِ ضَارِبُ؟
وَرَوَى عَطِيَّةُ قَرِيبًا مِنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِي عَشَرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّوا فِيهِمُ الحارث بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَدِمَ وَرَجَعَ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَ مجاهد، والسدّي: أن الحارث كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَتَلَ الْمُجَدَّرَ بْنَ زِيَادٍ بِدَمٍ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَقَتَلَ زَيْدَ بْنَ قَيْسٍ، وَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَأَمْرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ ظَفَرَ بِهِ، فَفَاتَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَخِيهِ مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُ التَّوْبَةَ، فَنَزَلَتْ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فَكَتَبَ بِهَا قَوْمُهُ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ تَائِبًا.
وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى أَنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطَوَّلًا. وَقِيلَ: لَحِقَ بِالرُّومِ. وَقِيلَ: ارْتَدَّ الحارث فِي أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَسَمَّى مِنْهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ: طُعْمَةَ بن أبيرق، والحارث بْنَ سُوَيْدٍ بْنِ الصَّامِتِ، وَوَحْوَحَ بْنَ الْأَسْلَتِ، وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وَسَمَّى مِنْهُمْ:
أَبَا عامر الراهب، والحارث وَوُجُوهًا.
وَقَالَ النَّقَّاشُ: نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. أَلْفَاظُ الْآيَةِ تَعُمُّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ وَغَيْرَهُمْ.
وَقِيلَ: هِيَ فِي عَامَّةِ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَمَلَ الْآيَاتِ إلى الحارث رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَرَأَهَا عليه فقال له الحارث: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَأَصْدَقُ مِنْكَ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ. قَالَ فرجع الحارث فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ.
كَيْفَ: سُؤَالٌ عَنِ الْأَحْوَالِ، وَهِيَ هُنَا لِلتَّعْجِيبِ وَالتَّعْظِيمِ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ، أَيْ:
كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ مَنْ أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا بَعْدَ الْتِبَاسِهِ بها ووضوحها؟ فَاسْتُبْعِدَ حُصُولُهَا لَهُمْ مَعَ شِدَّةِ الْجَرَائِمِ، كَمَا
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ تَفْلَحُ أُمَّةٌ أَدْمَتْ وَجْهَ نَبِيِّهَا» ؟.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ يَلْطُفُ بِهِمْ وَلَيْسُوا مَنْ أَهْلِ اللُّطْفِ لِمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ تَصْمِيمِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ؟ انْتَهَى. وَهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزَالِيَّةٌ، إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ: أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْهِدَايَةَ فِيهِمْ كَمَا لَا يَخْلُقُ الضَّلَالَ فِيهِمْ، بَلْ هُمَا مَخْلُوقَانِ لِلْعَبْدِ.
وَقِيلَ: الِاسْتِفْهَامُ هُنَا يُرَادُ بِهِ الْجَحْدُ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ يهدي، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَهَذِي سُيُوفٌ، يَا صَدِيُّ بْنَ مَالِكٍ... كَثِيرٌ، وَلَكِنْ: أَيْنَ بِالسَّيْفِ ضَارِبُ؟
251
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَالْهِدَايَةُ هُنَا هِيَ إِلَى الْإِيمَانِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا إِنْ تَجَوَّزَ، فَأَطْلَقَ الْمُسَبِّبَ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الْإِيمَانِ، فَيَعُودُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَشَهِدُوا: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَفَرُوا، وَبِهِ قال الحوفي، وابن عطية، وَرَدَّهُ مَكِّيٌّ. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ عَطْفُ: شَهِدُوا، عَلَى: كَفَرُوا، لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ فَسَادُ الْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ التَّرْتِيبَ، فَلِذَلِكَ فَسَدَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى مَفْهُومٌ أَنَّ الشَّهَادَةَ قبل الكفر، و: الواو، لَا تُرَتِّبُ، وَأَجَازَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: مَكِّيٌّ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ:
أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: ما فِي إِيمَانِهِمْ، مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، إِذِ الْمَعْنَى: بَعْدَ أَنْ آمَنُوا وَشَهِدُوا. وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ تَكُونَ: الواو، للحال لا للعطف، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَقَدْ شَهِدُوا، وَالْعَامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا.
وَالرَّسُولُ هُنَا: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ هُنَا بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالْبَيِّنَاتُ: هِيَ شَوَاهِدُ الْقُرْآنِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِهَا الْأَنْبِيَاءُ.
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَيْ: لَا يَخْلُقُ في قلوبهم الهداية. و: الظالمين، عَامٌّ مَعْنَاهُ الْخُصُوصُ أَيْ: لَا يَهْدِي مَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِخْبَارَ عَنْ أَنَّ الظَّالِمَ فِي ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلَى هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَتَجِيءُ الْآيَةُ عَامَّةً تَامَّةَ الْعُمُومِ. انْتَهَى. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الْآيَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
الظَّالِمِينَ، الْمُعَانِدِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ اللُّطْفَ لَا يَنْفَعُهُمُ. انْتَهَى. وَتَفْسِيرُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزَالِيَّةِ.
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَتَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْحَسَنِ: وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، إِلَّا أَنَّ هُنَا أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَيْ: جَزَاءُ كُفْرِهِمْ، وَهُنَاكَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ «١»، لِأَنَّ هناك جاء الإخبار
| كَيْفَ نَوْمِي عَلَى الْفِرَاشِ وَلَمَّا | يَشْمَلُ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ؟ |
وَشَهِدُوا: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَفَرُوا، وَبِهِ قال الحوفي، وابن عطية، وَرَدَّهُ مَكِّيٌّ. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ عَطْفُ: شَهِدُوا، عَلَى: كَفَرُوا، لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ فَسَادُ الْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ التَّرْتِيبَ، فَلِذَلِكَ فَسَدَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْمَعْنَى مَفْهُومٌ أَنَّ الشَّهَادَةَ قبل الكفر، و: الواو، لَا تُرَتِّبُ، وَأَجَازَ قَوْمٌ مِنْهُمْ: مَكِّيٌّ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ:
أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: ما فِي إِيمَانِهِمْ، مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، إِذِ الْمَعْنَى: بَعْدَ أَنْ آمَنُوا وَشَهِدُوا. وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ تَكُونَ: الواو، للحال لا للعطف، التَّقْدِيرُ: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَقَدْ شَهِدُوا، وَالْعَامِلُ فِيهِ: كَفَرُوا.
وَالرَّسُولُ هُنَا: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ هُنَا بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ.
وَالْبَيِّنَاتُ: هِيَ شَوَاهِدُ الْقُرْآنِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي تَأْتِي بِمِثْلِهَا الْأَنْبِيَاءُ.
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَيْ: لَا يَخْلُقُ في قلوبهم الهداية. و: الظالمين، عَامٌّ مَعْنَاهُ الْخُصُوصُ أَيْ: لَا يَهْدِي مَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِخْبَارَ عَنْ أَنَّ الظَّالِمَ فِي ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلَى هُدًى مِنَ اللَّهِ، فَتَجِيءُ الْآيَةُ عَامَّةً تَامَّةَ الْعُمُومِ. انْتَهَى. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ يَنْبُو عَنْهُ لَفْظُ الْآيَةِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
الظَّالِمِينَ، الْمُعَانِدِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ اللُّطْفَ لَا يَنْفَعُهُمُ. انْتَهَى. وَتَفْسِيرُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزَالِيَّةِ.
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَتَوْجِيهُ قِرَاءَةِ الْحَسَنِ: وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ، فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، إِلَّا أَنَّ هُنَا أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَيْ: جَزَاءُ كُفْرِهِمْ، وَهُنَاكَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ «١»، لِأَنَّ هناك جاء الإخبار
(١) المقصودة الآية ١٦١ من سورة البقرة.
252
عَنْ مَنْ مَاتَ كَافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى إِلَى سَبَبِ النُّزُولِ؟ وَأَنَّ أَكْثَرَ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ رَاجَعُوا الْإِسْلَامَ؟ وَلِذَلِكَ جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أَيْ: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْكُفْرِ الْعَظِيمِ.
وَأَصْلَحُوا أَيْ: مَا أَفْسَدُوا، أَوْ: دَخَلُوا فِي الصَّلَاحِ، كَمَا تَقُولُ: أَمْسَى زَيْدٌ أَيْ:
دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ وَقِيلَ: مَعْنَى أَصْلَحُوا أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا «١».
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفُورٌ أَيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وَهُمَا صِيغَتَا مُبَالَغَةٍ دَالَّتَانِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، كَفَرُوا بعيسى وَبِالْإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ. وَقِيلَ: فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِصِفَاتِهِ، وَإِقْرَارِهِمْ أَنَّهَا فِي التَّوْرَاةِ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي خِلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَالْبُهْتِ وَالسَّعْيِ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ.
أَوْ: مَعْنَى: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَلَغُوا الْمَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْيَهُودُ وَالْمُرْتَدُّونَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ أصحاب الحارث بْنِ سُوَيْدٍ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ وَنَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْبَ الْمَنُونِ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.
وَيُفَسَّرُ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعْنَى ازْدِيَادِ الْكُفْرِ، وَهُوَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهِ، إِذِ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي التَّحْقِيقِ لَا يَزْدَادَانِ وَلَا يَنْقُصَانِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِلْمُتَعَلِّقَاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَازْدَادُوا افْتَعَلُوا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَانْتِصَابُ: كُفْرًا، عَلَى التَّمْيِيزِ الْمَنْقُولِ مِنَ الْفَاعِلِ، الْمَعْنَى: ثُمَّ ازْدَادَ كَفْرُهُمْ، وَالدَّالُ الْأُولَى بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَكُونُ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ وَلَا تُقْبَلُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كَافِرٍ تُقْبَلُ سَوَاءٌ كَفَرَ
وَأَصْلَحُوا أَيْ: مَا أَفْسَدُوا، أَوْ: دَخَلُوا فِي الصَّلَاحِ، كَمَا تَقُولُ: أَمْسَى زَيْدٌ أَيْ:
دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ وَقِيلَ: مَعْنَى أَصْلَحُوا أَظْهَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا «١».
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفُورٌ أَيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وَهُمَا صِيغَتَا مُبَالَغَةٍ دَالَّتَانِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، كَفَرُوا بعيسى وَبِالْإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ. وَقِيلَ: فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِصِفَاتِهِ، وَإِقْرَارِهِمْ أَنَّهَا فِي التَّوْرَاةِ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أَصَابُوهَا فِي خِلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَالْبُهْتِ وَالسَّعْيِ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ.
أَوْ: مَعْنَى: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَلَغُوا الْمَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْيَهُودُ وَالْمُرْتَدُّونَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ أصحاب الحارث بْنِ سُوَيْدٍ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ وَنَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْبَ الْمَنُونِ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.
وَيُفَسَّرُ بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعْنَى ازْدِيَادِ الْكُفْرِ، وَهُوَ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهِ، إِذِ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي التَّحْقِيقِ لَا يَزْدَادَانِ وَلَا يَنْقُصَانِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِلْمُتَعَلِّقَاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إِلَيْهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَازْدَادُوا افْتَعَلُوا مِنَ الزِّيَادَةِ، وَانْتِصَابُ: كُفْرًا، عَلَى التَّمْيِيزِ الْمَنْقُولِ مِنَ الْفَاعِلِ، الْمَعْنَى: ثُمَّ ازْدَادَ كَفْرُهُمْ، وَالدَّالُ الْأُولَى بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَكُونُ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ وَلَا تُقْبَلُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كَافِرٍ تُقْبَلُ سَوَاءٌ كَفَرَ
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٦٠. [.....]
253
بَعْدَ إِيمَانٍ وَازْدَادَ كُفْرًا، أَمْ كَانَ كَافِرًا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَاحْتِيجَ فِي ذَلِكَ إِلَى تَخْصِيصٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالْحَشْرَجَةِ وَالْغَرْغَرَةِ وَالْمُعَايَنَةِ.
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ «١» الْآيَةَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أَصَابُوهَا مَعَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَنْ تقبل توبتهم لأنها توبة غَيْرُ خَالِصَةٍ، إِذْ هُمْ مُرْتَدُّونَ، وَعَزَمُوا عَلَى إِظْهَارِ التَّوْبَةِ لِسَتْرِ أَحْوَالِهِمْ وَفِي ضَمَائِرِهِمُ الْكُفْرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ. وَقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تَابُوهَا قَبْلَ أَنْ كَفَرُوا، لِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ أَحْبَطَهَا. وَقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا تَابُوا مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ إِذَا تَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ. وَفَاصِلُ هَذَا التَّخْصِيصِ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمَانِ، أو بوصف فِي التَّوْبَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا تَوْبَةَ لَهُمْ فَتُقْبَلَ، فَنَفَى الْقَبُولَ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ.
عَلَى لا حب لَا يُهْتَدَى لِمَنَارِهِ أَيْ: لَا مَنَارَ لَهُ فَيُهْتَدَى بِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ أَيْ: لَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ فَهُمْ لَا مَحَالَةَ يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ.
وَلَمْ تُدْخُلِ: الْفَاءُ، فِي: لَنْ تُقْبَلَ، هُنَا، وَدَخَلَتْ فِي: فَلَنْ تُقْبَلَ، لِأَنَّ الْفَاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ بِالْوَصْفِ السَّابِقِ، وَهُنَاكَ قَالَ: وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ وَهُنَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا الْقَيْدِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ فَحِينَ كَانَ مَعْنَى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ بِمَعْنَى الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ فَهَلَّا جُعِلَ الْمَوْتُ عَلَى الْكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدَادِهِمْ وَازْدِيَادِهِمُ الْكُفْرَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ، وَرُكُوبِ الرَّيْنِ، وَجَرِّهِ إِلَى الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ؟.
قُلْتُ: لِأَنَّهُ: كَمْ مِنْ مُرْتَدٍ ازْدَادَ الْكُفْرَ يَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ؟.
فَإِنْ قُلْتَ: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ: أَعْنِي: إِنْ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ بامتناع قبول التوبة؟.
قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ «١» الْآيَةَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أَصَابُوهَا مَعَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَنْ تقبل توبتهم لأنها توبة غَيْرُ خَالِصَةٍ، إِذْ هُمْ مُرْتَدُّونَ، وَعَزَمُوا عَلَى إِظْهَارِ التَّوْبَةِ لِسَتْرِ أَحْوَالِهِمْ وَفِي ضَمَائِرِهِمُ الْكُفْرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ إِذَا مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ. وَقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تَابُوهَا قَبْلَ أَنْ كَفَرُوا، لِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ أَحْبَطَهَا. وَقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا تَابُوا مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ إِذَا تَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ. وَفَاصِلُ هَذَا التَّخْصِيصِ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمَانِ، أو بوصف فِي التَّوْبَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: لَا تَوْبَةَ لَهُمْ فَتُقْبَلَ، فَنَفَى الْقَبُولَ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ.
عَلَى لا حب لَا يُهْتَدَى لِمَنَارِهِ أَيْ: لَا مَنَارَ لَهُ فَيُهْتَدَى بِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ أَيْ: لَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ فَهُمْ لَا مَحَالَةَ يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ.
وَلَمْ تُدْخُلِ: الْفَاءُ، فِي: لَنْ تُقْبَلَ، هُنَا، وَدَخَلَتْ فِي: فَلَنْ تُقْبَلَ، لِأَنَّ الْفَاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ بِالْوَصْفِ السَّابِقِ، وَهُنَاكَ قَالَ: وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ وَهُنَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا الْقَيْدِ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ فَحِينَ كَانَ مَعْنَى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ بِمَعْنَى الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ فَهَلَّا جُعِلَ الْمَوْتُ عَلَى الْكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدَادِهِمْ وَازْدِيَادِهِمُ الْكُفْرَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَسَاوَةِ الْقُلُوبِ، وَرُكُوبِ الرَّيْنِ، وَجَرِّهِ إِلَى الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ؟.
قُلْتُ: لِأَنَّهُ: كَمْ مِنْ مُرْتَدٍ ازْدَادَ الْكُفْرَ يَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ؟.
فَإِنْ قُلْتَ: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ: أَعْنِي: إِنْ كَنَّى عَنِ الْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ بامتناع قبول التوبة؟.
(١) سورة النساء: ٤/ ١٨.
254
قُلْتُ: الْفَائِدَةُ فِيهَا جَلِيلَةٌ، وَهِيَ التَّغْلِيظُ فِي شَأْنِ أُولَئِكَ الْفَرِيقِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَإِبْرَازِ حَالِهِمْ فِي صُورَةِ حَالِ الْآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ أَغْلَظُ الْأَحْوَالِ، وَأَشَدُّهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ عَلَى الْكُفْرِ إِنَّمَا يُخَافُ مِنْ أَجْلِ الْيَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ؟ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ، بِالنُّونِ، تَوْبَتَهُمْ، بِالنَّصْبِ، وَالضَّالُّونَ الْمُخْطِئُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، أَوِ: الْهَالِكُونَ، مِنْ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ إِذَا صَارَ هَالِكًا. وَالْوَاوُ فِي:
وَأُولَئِكَ، لِلْعَطْفِ إِمَّا عَلَى خَبَرِ إِنَّ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَإِمَّا عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ:
إِنَّ وَمَطْلُوبَيْهَا، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ.
وَذَكَرَ الرَّاغِبُ قَوْلًا: إِنَّ الْوَاوَ فِي: وَأُولَئِكَ، وَاوُ الْحَالِ، وَالْمَعْنَى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ فِي حَالِ أَنَّهُمْ ضَالُّونَ، فَالتَّوْبَةُ وَالضَّلَالُ مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ. انْتَهَى هَذَا الْقَوْلُ.
وَيَنْبُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى هَذَا التَّرْكِيبُ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ فِي: هُمُ، الْفَصْلُ، وَالِابْتِدَاءُ، وَالْبَدَلُ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً قَرَأَ عِكْرِمَةُ: فلن نقبل، بالنون و: ملء، بالنصب. وقرىء: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالْيَاءِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيْ فَلَنْ يَقْبَلَ الله. و: ملء، بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: مِلَّ الْأَرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ، وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلُ، وَهُوَ اللَّامُ، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ، وَهُوَ قِيَاسٌ فِي كُلِّ مَا كَانَ نَحْوَ هَذَا، وَأَتَى بِلَفْظِ: أَحَدِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ: مِنْهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ وَأَنَصُّ فِي الْمَقْصُودِ، إِذْ كَانَ: مِنْهُمْ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يفيد الْجَمِيعِ.
وَانْتِصَابُ: ذَهَبًا، عَلَى التَّمْيِيزِ، وَفِي نَاصِبِ التَّمْيِيزِ خِلَافٌ، وَسَمَّاهُ الْفَرَّاءُ: تَفْسِيرًا، لِأَنَّ الْمِقْدَارَ مَعْلُومٌ، وَالْمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: نُصِبَ عَلَى إِضْمَارِ: مِنْ، أَيْ: مِنْ ذَهَبٍ، كَقَوْلِهِ: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً «١» أَيْ: مِنْ صِيَامٍ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلَى: مِلْءَ، كَمَا يُقَالُ عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجَالٌ. انْتَهَى. وَيَعْنِي بِالرَّدِّ: الْبَدَلَ، وَيَكُونُ مِنْ بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّ: مِلْءَ الْأَرْضِ، مَعْرِفَةٌ ولذلك ضبط
وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ، بِالنُّونِ، تَوْبَتَهُمْ، بِالنَّصْبِ، وَالضَّالُّونَ الْمُخْطِئُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، أَوِ: الْهَالِكُونَ، مِنْ: ضَلَّ اللَّبَنُ فِي الْمَاءِ إِذَا صَارَ هَالِكًا. وَالْوَاوُ فِي:
وَأُولَئِكَ، لِلْعَطْفِ إِمَّا عَلَى خَبَرِ إِنَّ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَإِمَّا عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ:
إِنَّ وَمَطْلُوبَيْهَا، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ.
وَذَكَرَ الرَّاغِبُ قَوْلًا: إِنَّ الْوَاوَ فِي: وَأُولَئِكَ، وَاوُ الْحَالِ، وَالْمَعْنَى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ فِي حَالِ أَنَّهُمْ ضَالُّونَ، فَالتَّوْبَةُ وَالضَّلَالُ مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ. انْتَهَى هَذَا الْقَوْلُ.
وَيَنْبُو عَنْ هَذَا الْمَعْنَى هَذَا التَّرْكِيبُ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَيَجُوزُ فِي: هُمُ، الْفَصْلُ، وَالِابْتِدَاءُ، وَالْبَدَلُ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً قَرَأَ عِكْرِمَةُ: فلن نقبل، بالنون و: ملء، بالنصب. وقرىء: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالْيَاءِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيْ فَلَنْ يَقْبَلَ الله. و: ملء، بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: مِلَّ الْأَرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ، وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ إِلَى السَّاكِنِ قَبْلُ، وَهُوَ اللَّامُ، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ، وَهُوَ قِيَاسٌ فِي كُلِّ مَا كَانَ نَحْوَ هَذَا، وَأَتَى بِلَفْظِ: أَحَدِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ: مِنْهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ وَأَنَصُّ فِي الْمَقْصُودِ، إِذْ كَانَ: مِنْهُمْ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يفيد الْجَمِيعِ.
وَانْتِصَابُ: ذَهَبًا، عَلَى التَّمْيِيزِ، وَفِي نَاصِبِ التَّمْيِيزِ خِلَافٌ، وَسَمَّاهُ الْفَرَّاءُ: تَفْسِيرًا، لِأَنَّ الْمِقْدَارَ مَعْلُومٌ، وَالْمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: نُصِبَ عَلَى إِضْمَارِ: مِنْ، أَيْ: مِنْ ذَهَبٍ، كَقَوْلِهِ: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً «١» أَيْ: مِنْ صِيَامٍ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلَى: مِلْءَ، كَمَا يُقَالُ عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجَالٌ. انْتَهَى. وَيَعْنِي بِالرَّدِّ: الْبَدَلَ، وَيَكُونُ مِنْ بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّ: مِلْءَ الْأَرْضِ، مَعْرِفَةٌ ولذلك ضبط
(١) سورة المائدة: ٥/ ٩٥.
255
الْحُذَّاقُ قَوْلَهُ: لَكَ الْحَمْدُ ملء السموات وَالْأَرْضِ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ للحمد، واستضعفوا نَصْبَهُ عَلَى الْحَالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً.
وَلَوِ افْتَدى بِهِ قَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدَى بِهِ، دُونَ واو، و: لو، هُنَا هِيَ بِمَعْنَى:
إِنِ، الشَّرْطِيَّةِ لَا: لَوِ، الَّتِي هِيَ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ: لَوْ، هُنَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ: فَلَنْ يُقْبَلَ، وَتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالْمَاضِي. فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الِافْتِدَاءَ شَرْطًا فِي عَدَمِ الْقَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ الْقَبُولِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِ
وَلَوِ افْتَدى بِهِ قَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدَى بِهِ، دُونَ واو، و: لو، هُنَا هِيَ بِمَعْنَى:
إِنِ، الشَّرْطِيَّةِ لَا: لَوِ، الَّتِي هِيَ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ: لَوْ، هُنَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ: فَلَنْ يُقْبَلَ، وَتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالْمَاضِي. فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الِافْتِدَاءَ شَرْطًا فِي عَدَمِ الْقَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ الْقَبُولِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِ