تفسير سورة سورة آل عمران

أبو عبيدة

مجاز القرآن

أبو عبيدة (ت 210 هـ)

آية رقم ١
الم : افتتاح كلام، شِعار للسورة، وقد مضى تفسيرها في البقرة، ثم انقطع فقلتَ : اللهُ لاَ إلَه إلاَّ هُوَ
آياتٌ مُحْكمَاتٌ : يعنى هذه الآيات التي تُسَمّيها في القرآن.
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ : يشبه بعضها بعضاً.
فِي قُلُوِبهِمْ زَيْغٌ أي جور.
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ : ما يشبه بعضه بعضاً، فيَطعنون فيه.
ابْتغَاءَ الْفِتْنَةِ : الكفر.
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ : العلماء، ورَسخ أيضاً في الإيمان.
تَأوِيَلهُ : التأوِيل : التفسير، والمرجع : مَصِيرُه، قال الأعشى :
عَلَى أَنها كانت تَأَوّلُ حُبِّها تأوُّلَ رِبْعِيّ السِّقابِ فأصْحَبا
قوله : تأول حبها : تفسيره : ومرجعه، أي إنه كان صغيراً في قلبه، فلم يزل ينبت، حتى أصحب فصار قديما، كهذا السَقْب الصغير لم يزل يشِبُّ حتى أصحب فصار كبيراً مثل أمِّه.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ : كسُنة آل فرعون وعادتهم، قال الراجز :
ما زال هذا دأبُها ودأبِي
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أي بكتُبنا وعلاماتنا عن الحق.
قَدْ كَانَ لَكمُ آيةٌ أي علامةٌ.
فِي فِئَتَيْنِ أي في جماعتين. فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ : إن شئت، عطفتَها على فِي ، فجررتَها وإن شئتَ قطعتها فاستأنفت، قال، كُثَيِّر عَزّة :
فكنتُ كذي رجْلِين رِجْلٍ صحيحةٍ ورِجْلٍ رَمَى فيها الزمانُ فشَلَّتِ
وبعضهم يرفع رجل صحيحة.
يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهم رَأْىَ العَيْنِ : مصدر، تقول : فعَل فلان كذا رأْىَ عينى وسَمْعَ أُذِني.
يُؤَيِّدُ يقوّى، من الأيد، وإن شئتَ من الأد.
لَعِبْرَةً : اعتبار.
والقَناطِير : واحدها قِنطار، وتقول العرب : هو قَدْر وزنٍ لا يحدّونه. المُقَنْطَرة مفنعلة، مثل قولك : ألفٌ مؤلفَّةٌ.
قال الكلبي : مِلء مَسْك ثَوْرٍ من ذهب أو فضة ؛ قال ابن عباس : ثمانون ألف درهم ؛ وقال السُّدِّى مائة رِطلٍ، من ذهب أو فضة ؛ وقال جابر بن عبد الله : ألف دينار ".
والْخَيْلِ المُسوَّمة المُعْلمة بالسيماء، ويجوز أن تكون مسوّمة مُرعاةً، من أسمتُها ؛ تكون هي سائمة، والسَّائِمة : الراعية، وربُّها يُسيمها.
اْلأَنْعَام : جماعة النَّعَم.
والحَرْث : الزرع.
مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا يمتِّعهم، أي يقيمهم.
المَآب المرجع، من آب يؤب.
شَهِدَ اللهُ : قضَى الله. أنَّه لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ شُهُودٌ على ذلك.
بالقِسْطِ أقسط : مصدر المقُسِط وهو العادل ؛ والقاسط : الجائر.
تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهار : تَنقُص من الليل فتزيد في النهار، وكذلك النهار من الليل وتُخْرِجُ الْحَيَّ مِن المَيِّتِ أي الطيِّبَ من الخبيث، والمسلم من الكافر.
فَتَقَبَّلَها رَبُّها بقبَول حَسَنٍ : أوْلاَها.
وكَفَلها زَكَريّا أي ضمَّها، وفيها لغتان : كفَلها يكفُل وكَفِلها يكفَل.
المِحْرابَ : سيِّدُ المجالس ومقدَّمها وأشرفها، وكذلك هو من المساجد.
أَنَّى لَكِ هَذَا أي من أين لكِ هذا، قال الكمُيت بن زيد :
أنّيَ ومن أيْن آبك الطُّرَبُ مِن حيث لا صَبْوَةٌ ولا رِيَبُ
يُبَشِّرُكَ ، يَبْشُرُكَ واحد.
بِكَلِمَةٍ مِنَ الله أي بكتاب من الله ؛ تقول العرب للرجل : أَنشِدْني كلمة كذَا وكذا، أي قصيدة فلان وإن طالت.
وحَصَوراً : الحصور له غير موضع والأصل واحد ؛ وهو الذي لا يأتي النساء، والذي لا يولد له، والذي يكون مع النَّدامَى فلا يُخرِج شيئاً، قال الأخطل :
وشاربٍ مُرْبِحٍ لِلكأس نادَمَنى لا بالحَصور ولا فيها بسَوّارِ
الذي لا يساور جليسَه كما يساور الأسدُ ؛ والحَصور : أيضاً الذي لا يخرج سِرّا أبَداً، قال جرير :
ولقد تُسقِّطنى الوُشَاةُ فصادفوا حَصِراً بِسرّكِ يا أُمَيْم ضَنِينا
وقَدَ بلَغَني الكِبَرُ أي بلغتُ الكبرَ، والعرب تصنع مثل هذا، تقول : هذا القميص لا يقطعنى أي أنت لا تقطعه، أي إنه لا يبَلغ ما أُريد من تقديرٍ.
عَاقِرٌ العاقِر : التي لا تلد، والرجل العاقر : الذي لا يولد له، قال عامر بن الطُّفَيْل :
لَبئس الفَتَى إن كنتُ أعورَ عاقراً جَباناً فما عُذرى لَدى كل مَحضَرِ
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ : الرسالة، هو ما أوحَى الله به إلى الملائكة في أن يجعل لمريم ولداً.
وَجِيهاً الوَجِيه : الذي يشرف، ويكون له وجه عند الملوك.
وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ بعض يكون شيئاً من الشيء، ويكون كلَّ الشيء، قال لبيد بن ربيعة :
تَراكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَهَا أو يَعتِلقْ بعضَ النفوسِ حمامُها
فلا يكون الحمامَ ينزل ببعض النفوس، فيُذهب البعضَ، ولكنه يأتى على الجميع.
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ أي عرف منهم الكفر.
قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللهِ أي مَن أعْواني في ذات الله.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ : صفوة الأنبياء الذين اصطفوهم، وقالوا : القصّارون ؛ والحواريات : من النساء اللاتى لا ينزلن البادية، وينزلن القُرَى، قال الحادي :
لما تَضمَّنتِ الحوَاريَّات

وقال أبو جَلْدَة اليَشْكُرِىّ :
وقُلْ لِلْحَواريات تبكين غيرَنا ولا تبكنا إلاَّ الِكلابُ النوابحُ
آية رقم ٥٤
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ : أهلكهم الله.
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ : أي هم عند الله خير من الكفار.
آية رقم ٦٠
فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبَكَ { ٥٩، ٦٠ : انقضى الكلام الأول، واستأنف فقال : الحقُّ مِنْ رَبِّكَ. فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي الشّاكِّين.
ثمَّ نَبْتَهِلْ أي نَلْتعن ؛ يقال : ماله بهَلَه اللهُ، ويقال : عليه بهْلَةُ الله ؛ والناقة باهلٌ وباهلة، إذا كانت بغير صِرارٍ، والرجل باهل، إذا لم يكن معه عصاً ؛ ويقال : أبهلتُ ناقتى، تركتُها بغير صِرَارٍ.
آية رقم ٧٠
لمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ : بكتب الله.
وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي تعرفون.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ أي لم تَخْلِطون، يقال : لبَست عليّ أمرك.
وَجْهَ النّهَارِ أوله، قال ربيع بن زياد العَبْسِي :
مَن كان مسروراً بمَقْتَل مالكٍ فليأتِ نِسوتَنا بوجهِ نهارِ
كقولك : بصدر نهار.
لَلّذِي ببَكَّةَ : هي اسم لبطن مكةَ، وذلك لأنهم يتباكّون فيها ويزدحمون.
تَبْغُوَنهَا عِوَجاً : مكسورة الأول، لأنه في الدِّين، وكذلك في الكلام والعمل ؛ فإذا كان في شيء قائمٍ نحو الحائط، والجِذع : فهو عَوَج مفتوح الأول.
وَأنْتُمْ شُهَدَاءُ أي علماء به.
عَلَى شَفَا حُفْرةٍ أي حرفٍ مثل شَفا الرَّكِيّة وحروفها. فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ترك شَفَا ، ووقع التأنيث على حفرة وتصنع العرب مثل هذا كثيراً، قال جرير :
رَأَتْ مَرَّ السنين أخذن منِي كما أَخذ السِّرَارُ من الهِلاَلِ

وقال العّجاج :

طَولُ الليالِي أسرعتْ في نَقْضِى ***طَوَيْنَ طُولِى وطَوَيْنَ عَرْضِي
وَلتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ، و " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ }، أما قوله : إنَّ إبرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قانتاً ١٦/ ١٢٠ أي كان إماماً مُطيعاً، ويقال أنت أُمَّة في هذا الأمر، أي يُؤتم بك. وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ١٢ /٤٥ : بعد قرن، ويقال : بَعْد أَمَهٍ أي نسيان، نسيتُ كذا وكذا : أي أمِهْتُ، وأنا آمَهُهُ، ويقال : هو ذو أمِهٍ. مكسور الميم، وبعُضهم يقول : ذو أُمَّةٍ بمعنًى واحد، أي ذو دين واستقامة ؛ وكانوا بأمةٍ وبإمة، أي استقامة من عيشهم، أي دَوْم منه ؛ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أي جماعة ؛ وهو أمَّةٌ على حِدة، أي واحد، ويقال : يُبعَث زيد بن عمرو ابن نُفَيل أمةً وحده، وقال النابغة في أُمة وإِمَّةٍ، معناه الدِّين والإستقامة :
وهل يأثمَنْ ذو أمة وهو طائعُ ***
ذو أمة : بالرّفع والكسر، والمعنى الدِّين، والاستقامة.
فأمّا الذِينَ اسوَدَّتْ وُجُوههم أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ : العرب تختصر لعلم المخاطَبُ بما أريد به، فكأنه خرج مَخرج قولك : فأما الذين كفروا فيقول لهم : أكفرتم، فحذف هذا واختُصر الكلام، وقال الأَسَدِيّ :
كذبتم وبيتِ اللهِ لا تُنكِحُونها بَنِي شابَ قَرْناها تَصُرّ وتَحْلُبُ
أراد : بنى التي شاب قرناها، وقال النابغة الذيبانيّ :
كأنكَ مِن جمال بني أُقَيْشٍ يُقَعْقَع خَلفَ رجْلَيه بشنّ
بني أقَيْشٍ : حَيٌّ من الجن، أراد : كأنك جمل يقعقع خلف الجمل بشنّ، فألقى الجمل، ففُهم عنه ما أراد.
تِلْكَ آياتُ اللهِ نتْلُوهَا عَلَيْكَ بالْحَقِّ أي عجائب الله، نتلوها : نقصُّهَا.
إلاَّ بحَبْلِ مِنَ اللهِ : إلا بعهد من الله، قال الأعشى :
وَإذا تجوّزُها حِبالُ قبيلَةٍ أخذتْ من الأخرى إليكَ حبالهَا
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٤: وَلتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ، و " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ }، أما قوله : إنَّ إبرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قانتاً ١٦/ ١٢٠ أي كان إماماً مُطيعاً، ويقال أنت أُمَّة في هذا الأمر، أي يُؤتم بك. وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ١٢ /٤٥ : بعد قرن، ويقال : بَعْد أَمَهٍ أي نسيان، نسيتُ كذا وكذا : أي أمِهْتُ، وأنا آمَهُهُ، ويقال : هو ذو أمِهٍ. مكسور الميم، وبعُضهم يقول : ذو أُمَّةٍ بمعنًى واحد، أي ذو دين واستقامة ؛ وكانوا بأمةٍ وبإمة، أي استقامة من عيشهم، أي دَوْم منه ؛ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أي جماعة ؛ وهو أمَّةٌ على حِدة، أي واحد، ويقال : يُبعَث زيد بن عمرو ابن نُفَيل أمةً وحده، وقال النابغة في أُمة وإِمَّةٍ، معناه الدِّين والإستقامة :
وهل يأثمَنْ ذو أمة وهو طائعُ ***
ذو أمة : بالرّفع والكسر، والمعنى الدِّين، والاستقامة.

لَيْسُوا سَوَءاً منْ أَهْلِ الكِتَابِ أمّةٌ قَائمةٌ : العرب تجوّز في كلامهم مثل هذا أن يقولوا : أكلوني البراغيثُ، قال أبو عبيدة : سمعتُها من أبي عمرو والهذلي في منطقه، وكان وجْهُ الكلام أن يقول : أكلني البراغيث. وفي القرآن : عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ : وقد يجوز أن يجعله كلامين، فكأنك قلت : ليسوا سواءً من أهل الكتاب ، ثم قلتَ : أُمَّةٌ قَائمةٌ ، ومعنى قَائمة مستقيمة.
آناءَ اللَّيْلِ : ساعاتِ الليل، واحدُها إنْيٌ ، تقديرها : جِثْىٌ ، والجميع أجْثاء ، قال أبو أثَيْلة :
حُلْوٌ ومُرٌّ كعِطْف القِدْح مِرَّته في كل إنْيٍ قضَاه الليلُ يَنتعلُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِن دُونِكُمْ : البِطَانة : الدُّخلاء من غيركم.
لا يَألُوَنكُمْ خَبَالاً أي لا تألوكم هذه البطانة خبالاً، أي شّراً.
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ أي الأعلام.
مِن أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ للقِتَالِ : مُتّخِذاً لهم مصافاً مُعَسكراً.
بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِن المَلاَئِكَةِ مُسَوَّمِينَ أي مُعْلَمين. هو مِن المُسَوَّم الذي له سِيماء بعمامة أو بصوفة أو بما كان.
آية رقم ١٢٧
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِن الذِينَ كَفَرُوا أي ليهلك الذين كفروا.
أو يَكْبِتَهُمْ تقول العرب : كبتَه الله لوجهه : أي صرَعه الله.
إذْ تَحُسُّونَهم : تستأصلونهم قَتْلاً، يقال : حسسناهم من عند آخرهم، أي استأصلناهم، قال رؤبة :
إذا شكَوْنا سَنَةً حَسوسا تأكلُ بَعْدَ الأخضرِ اليَبيِسَا
ثُمَّ صَرَفكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليبلوكم : ليختبركم، ويكون ليبتليكم بالبلاء.
إذْ تُصْعِدُونَ في الأرض، قال الحادي :
قد كنتِ تبكين على الإصعادِ فاليوم سُرّحتِ وصاحَ الحادي
وأصل الإصعاد الصعود في الجبل، ثم جعلوه في الدَّرَج، ثم جعلوه في الإرتفاع في الأرض، أصعد فيها : أي تباعد.
أُخْرَاكُمْ آخِركم.
جاء موضع رفعٍ : وَطائِفةُ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أنْفُسهُمْ ولو نصبتَ على الأول إذ كانت مفعولاً بها لجازت إن شاء الله، كقولك : رأيت زيداً، وزيداً أعطاه فلان مالاً، ومثلُها في القرآن : يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالميِنَ أَعَدَّ لَهمُ عَذَاباً أَلِيماً فنصب الظالمين بنصب الأول على غير معنى :" يُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ".
ضَرَبُوا فِي اْلأَرْضِ يقال : ضربتُ في الأرض : أي تباعدتُ.
أَوْ كَانُوا غُزّىً لا يدخلها رفع ولا جرّ لأن واحدها : غازٍ، فخرجت مخرج قائل وقُوَّل، فُعَّل، وقال رؤبة :
وقُوَّلٍ إلاَّ دَهِ فلا دَهِ ***
يقول : إن لم يكن هذا فلا ذا. ومثل هذا قولهم : إن لم تتركه هذا اليوم فلا تتركه أبداً، وإن لم يكن ذاك الآن لم يكن أبداً.
حَسْرَةً الحسرة : الندامة.
فَبمِا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ : أعملْتَ الباء فيها فجررتَها بها كما نصبت هذه الآية : إنَّ الله لاَ يَسْتَحْيى أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضةً .
لاَ نْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ أي تفرَّقوا على كل وجه.
فَإذَا عَزَمْتَ أي إذا أجمعتَ.
آية رقم ١٦٣
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ أي هم مَنَازلُ، معناها : لهم دَرَجات عند الله، كقولك : هم طبقات، قال ابن هَرْمة :
أرَجْماً لِلمَنُونِ يَكونُ قَوْمِي لرِيبِ الدَّهر أم دَرَجُ السُيُولِ
تفسيرها : أم هُم على درج السيول. ويقال للدرجة التي يصعَد عليها : دَرَجة، وتقديرها : قَصَبة، ويقال لها أيضاً : دُرَجة.
الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمعُوا لَكُمْ : وقع المعنى على رجل واحد، والعرب تفعل ذلك، فيقول الرجل : فعلنا كذا وفعلنا، وإنما يعنى نفسه، وفي القرآن : إنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ والله هُوَ الخالق.
وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ مَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ : ألف أن مفتوحة، لأن يحسبن قد عمِلت فيها، وما : في هذا الموضع بمعنى الذي فهو اسم، والمعنى من الإملاء ومن الإطالة، ومنها قوله : واهْجُرْني مَلِيّاً : أي دهراً ؛ وتمليت حبيبك ؛ والمَلَوَان : النهار والليل كما ترى، قال ابن مُقْبِل :
ألا يا دِيارَ الحَيّ بالسَّبُعانِ *** أمَلَّ عليها بالبِلَى المَلَوَانِ
يعنى الليل والنهار، و " أملّ عليها بالبلى } : أي رجع عليها حتى أبلاها، أي طال عليها، ثم أستأنفتَ الكلام فقلت : إنّمَا تمَلي لهُمْ ليزْدَادُوا إثماً فكسرتَ ألف إنما للابتداء فإنما أبقيناهم إلى وقت آجالهم ليزدادوا إثماً ؛ وقد قيل في الحديث : المَوْتُ خيْرٌ لِلُمْؤِمن لِلنَّجَاةِ مِن الفِتْنةِ، وَالمَوْتُ خيرٌ لِلكَافِرِ لِئَلاَّ يزْدَادَ إثماً.
عَذَابٌ مُهِينٌ : فذلك من الهَوَان.
وَلاَ يَحْسَبنَّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا أتَاهُمُ الله مِنْ فَضلِهِ هُوَ خيْراً لَهمُ : انتَصَب، ولم تَعمل هو فيه، وكذلك كل ما وقفتَ فيه فلم يتمَّ إّلا بخبر نحو : ما ظننتُ زيداً هو خيراً منك، وإنما نصبتَ خيراً ، لأنك لا تقول : ما ظننت زيداً، ثم تسكت ؛ وتقول : رأيت زيداً فيتم الكلام ، فلذلك قلت : هو خير منك فرفعتَ وقد يجوز في هذا النصبُ.
سَيُطوَّقُونَ : يُلزَمون، كقولك طوَّقته الطوقَ.
فنَبَذُوه وَراءَ ظُهُورِهم أي لم يلتفتوا إليه يقال : نبذتَ حاجتي خلف ظهرك، إذا لم يلتفت إليها، قال أبو الأسْود الدُّؤَلِيّ :
نظَرْتَ إلى عنوانه فنَبذتُه كنبذك نَعْلاً أخلقت مِن نِعالكا
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً : العرب تختصر الكلام ليخففوه لعلم المستمع بتمامه فكأنه في تمام القول : ويقولون : ربنا ما خلقتَ هذا باطلا.
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَني لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ : فتحت ألف أن لأنك أعملتَ فاستجاب لهم ربهم بذلك، ولو كان مختصراً على قولك. وقال إني لا أضيع أجْرَ العامِلين فكسرت الألف. { لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ لأذهبنّها عنهم أي لأمحونَّها عنهم ؛ { فاستجاب لهم أي أجابهم، وتقول العرب : استجبتك، في معنى استجبت لك، قال الغَنَوِيّ :
وداعٍ دعا يا مَن يُجيب إلى النَّدَى فلم يستجبه عند ذاك مُجيبُ
آية رقم ٢٠٠
وَرَابِطُوا أي اثْبتُوا ودُوموا، قال الأخطل :
ما زال فينا رِباطُ الخيل مُعْلَمةً وفي كُلَيْبٍ رِباطُ الُّلوم والعارِ
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

95 مقطع من التفسير