تفسير سورة التحريم

غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
تفسير سورة التحريم من كتاب غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني المعروف بـغاية الأماني في تفسير الكلام الرباني .
لمؤلفه أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني . المتوفي سنة 893 هـ

سورة التحريم
مدنية، اثْنَتَا عشرَة آيَة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ... (١) اضطربت الرواية في سبب نزولها، وما الذي أوجب تحريم ما أحل اللَّه، وما المحرم. روى البخاري عن عائشة رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه - ﷺ - دخل على زينب فشرب عندها عسلاً، فتواطتُ أنا وحفصة على أن أيَّتُنا دخل عليها نقول: نجد منك ريع مغافير -وكان يكره الرائحة الكريهة- فدخل على حفصة فقالت له ذلك. فقال: شربت عسلاً عند زينب، وقد حلفت لا أعود إليه فلا تخبري أحداً.
187
وفي رواية عن عائشة رضي اللَّه عنها أيضاً: أن التي سقته هي حفصة، وعائشة وسودة رضي اللَّه عنهما هما اللتان تواطأتا. وروى النسائي عن أنس أن رسول اللَّه - ﷺ - أصاب مارية في يوم حفصة في بيتها. فقالت أي رسول اللَّه - ﷺ - في يومي وفي بيتي؟! فقال: قد حرمتها فلا تقولي لأحد فذكرته لعائشة. (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) حال أو تفسير يفيد زيادة تهجين، أو استئناف كأنه قيل: ما وجه العتاب وقد تقدمه في ذلك الأنبياء كقوله: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)؟ فقيل: يحل مثله عن طلب مرضات النساء في ترك ما أباحه اللَّه. فالمنكر هو الباعث لا التحريم. (وَاللَّهُ غَفُورٌ) غفر لك ما تقدم وما تأخر (رَحِيمٌ) أعطاك ما لم يعط أحداً من العالمين.
188
(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ... (٢) بينها لكم بشرعية الكفَّارة، " فإذا حلف أحدكم على فعل ورأي غيره خيراً فليأته وليكَفِّر ". أو شرع استثناء اليمين بأن يقول في حلفه: إن شاء اللَّه. واستدل به الإمام أحمد على أن من حرّم شيئاً ضم فعله يلزمه الكفارة. وليس فيه دليل لما في رواية البخاري حلفت. (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) متولي أموركم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بأحوالكم (الْحَكِيمُ) المتقن في أحكامه. فبادروا إلى ما أمرتم به.
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ... (٣) هي حفصة أو سودة. (حَدِيثًا) تحريم العسل، أو مارية. وما قيل: من أن الخلافة بعدي لأبي بكر وعمر منكر. (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ
وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أطلعه على إفشائه، (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) عرف مقدار ما علمت اطلاعه وأعرض عن الاستقصاء. على ما هو دأب الكرام. وقرأ الكسائي (عرَف) مخففاً. أي: جازاها على البعض؛ إطلاقاً للسبب على المسبب كقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ). (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) تعجيباً لبناء الأمر على الكتمان بينهما. (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ) بالأشياء. (الْخَبِيرُ) ببواطنها.
(إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ... (٤) عائشة وحفصة أو سودة. (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أي: حق لكما التوبة؛ لوجود موجبه وهو ميل قلوبكما إلى مخالفة الرسول. والتفت إليهما مكافحاً؛ زيادة توبيخ، (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) مرة أخرى. وقرأ الكوفيون بالتخفيف بحذف إحدى التائين. (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: فلن يعدم مظاهراً من هذا نعته وهو اللَّه، ورئيس الكروبيين الذي يباشر عقاب المخالف، الذين هم أعوانه وأتباعه (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) " ظهير " عطف على قوله: " إن اللَّه مولاه " وما عطف عليه. وفي (بَعْدَ ذَلِكَ) دلالة على أن وجوه نصرة اللَّه له، وإن تنوعت أقواها نصرة الملائكة وفيهم جبرائيل؛ لأن إفراده بالذكر أولاً، لعلو شأنه.
(عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ... (٥) عن أنس - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - قال: اجتمعت نساء النبي - ﷺ - في الغيرة. قلت: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا
خَيْرًا مِنْكُنَّ) فنزلت. وقرأ نافع وأبو عمرو (أَن يُبْدِلَهُ) بالتخفيف، والتشديد أبلغ (مُسْلِمَاتٍ) منقادات لأوامره. (مُؤْمِنَاتٍ) بأن مخالفته عصيان. (قَانِتَاتٍ) طائعات. (تَائِبَاتٍ) عن الذنوب. (عَابِدَاتٍ) مذللات الأخلاق. (سَائِحَاتٍ) صائمات. لما في الحديث: " سياحة أمتي الصيام ". وقيل مهاجرات. (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أدخل الواو هنا دون سائر الصفات؛ لأنهما متنافيان، فلابد من العاطف.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ... (٦) بترك المعاصي. (وَأَهْلِيكُمْ) أيضاً بأن تأمروهم بالطاعات، وتنهوهم عن المعاصي، وفي الحديث: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) حجر الكبريت تتقد بهما كما يتقد غيرها بالحطب. (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ) الزبانية. تسعة عشر. (غِلَاظٌ) الأخلاق (شِدَادٌ) القوى لا يأخذهم في تعذيب أعداء اللَّه رأفة. (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) فيما مضى (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) في المستقبل. أو يقبلون الأوامر ويأتون بموجباتها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ... (٧) يقال لهم حين يساق بها بهم إلى النار إذ لا عذر لهم، أو لأنه لا يقبل الاعتذار. (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) جزاؤه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ... (٨) بالإقلاع عن الذنب، والندم على الماضي. (تَوْبَةً نَصُوحًا) النصح لغة: خلوص كل شيء. يقال: عسل ناصح: صاف. والنصوح صيغة مبالغة منه أي: بالغة في الصفاء عن شوب الذنوب. ويجوز أن يكون من النَّصح بفتح النون: إصلاح الثوب بعد الخرق. وفي الحديث: " من اغتاب خرّق ومن استغفر رفأ "، فهي تنصح صاحبها أو تدعو غيره إلى التوبة؛ لظهور آثارها، على الإسناد المجازي. وفسرها حبر الأمة: باليقين بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالجوارح، والاستمرار على الترك. ْوقرأ أبو بكر بضم النون مصدراً بمعنى: ذات خلوص. (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أردف التوبة النصوح بـ (عَسَى) على دأب الملوك؛ وإشعاراً بأن لا وجوب بل تفضل منه. (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) ظرف ليدخلكم، ومعنى المعية: الاجتماع في الإيمان لا في الزمان. (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) استئناف؛ للتعريض بمن ناوأهم وقيل: خبر لـ (الَّذِينَ آمَنُوا) وليس بوجه.
(يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) إذا رأوا نور المنافقين قد انطفى يعتريهم الخوف على ما هو مقتضى البشرية، وإن كانوا جازمين بالإتمام والنجاة. أو هو قول من يكون نوره ضعيفاً، فإن الأنوار على قدر الأعمال، فيسألون إتمامه تفضلاً. أو يقولون ذلك على وجه التقرب والتلذذ كسائر الأذكار في الجنة. يؤيده قوله: (وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إذ إعطاء النور إنما هو بعد الغفران.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ... (٩) بالحجة والسيف لأن الرفق قد بلغ مداه. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) مصيرهم.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ... (١٠) مثَّل اللَّه حال الكفار في عدم الانتفاع بما لهم مع الأنبياء والمؤمنين من العلائق صهراً ونسباً بحال المرأتين. (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) ممتازين عن سائر العباد بالصلاح والزلفى.
(فَخَانَتَاهُمَا) في الدين لا في الفجور؛ لأنها فراش النبي، ولا عار عليه في كفرها. (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) يسيراً من الإغناء. (وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) الذين لا علاقة بينهم وبين الأنبياء. وفيه تهديد للتين تظاهرتا على رسول اللَّه - ﷺ -، لاسيما التي أفشت سره كامرأة لوط حين دخلت على أضيافه، وإشارة إلى شرف صحبته إنما تفيد زيادة الكرامة إذا نصحت للَّه ولرسوله.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ... (١١) أعدى عدو اللَّه. هى: آسية بنت مزاحم. (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) ومعنى (عِنْدَكَ) مرتفع الدرجة كقوله: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ). (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) من عذابه والابتلاء بعمله. قيل: لما علم يإيمانها هددها لترجع فأبت، وَتَدَ لها أوتاداً فربطها، وأرسل عليها الحيات.
(وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) هم القبط أتباع فرعون.
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا... (١٢) عطف على " امرأة فرعون "، جمع في المثل بين ذات الزوج والتي لا زوج لها؛ تسلية للأرامل، وحثاً لهن على المحافظة وتحصين الفروج. (فَنَفَخْنَا فِيهِ) في الفرج. هو نفخ جبرائيل، والإسناد إليه، للشرف. (مِن رُوحِنَا) مخلوق بلا واسطة. (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا) بأحكامه. أو الصحف المنزلة، عبر بها عنها، لقصرها. (وَكُتُبِهِ) وقرأ غير أبى عمرو وحفص: (كِتابِهِ) مفرداً على إرادة الجنس. أو الإنجيل، والمؤمن به حقاً مؤمن بسائر الكتب. (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) من جملة العابدين. غلب التذكير؛ إشارة إلى أن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكمَّل. ويجوز أن يكون (من) ابتدائية؛ لأنها كانت من أعقابه هارون، فيكون مدحاً لها بشرف النسب بعد مدحها بكرم الحسب.
روى مسلم والبخاري رحمهما الله، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام. وفيه دليل ظاهر على أن عائشة أفضل النساء على الإطلاق. ولأن الرفعة وعلو الشأن إنما هو بالعلم، ولم يدانيها كثير من الرجال، فضلاً عن النساء.
* * *
تمت سورة التحريم، والحمد لمن فضله عميم، والصلاة على النبي الكريم، وآله وصحبه ذوي الفضل الجسيم.
* * *
Icon