ﰡ
١١٥٦ - فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ | عليكم ولكنْ خامِري أمُّ عامرِ |
قال ابنُ عطية: يَحْسُن في هذا القول - يعني قولَ الجرجاني - أن
وقرأ جمهورُ الناس: «ألمَ الله» بفتح الميم وإسقاطِ همزةِ الجلالةِ، واختلفوا في فتحةِ هذه الميم [علىأقوالٍ] أحدُها: أنها حركةُ التقاءِ ساكنين، وهو مذهبُ سيبويه وجمهورِ الناسِ. فإنْ قيلَ: أصلُ التقاءِ الساكنين الكسرُ فلِمَ عَدَلَ عنه؟ فالجوابُ أنهم لو كسروا لكانَ ذلك مُفْضِياً إلى ترقيقِ لامِ الجلالةِ والمقصودُ تفخيمُها للتعظيمِ فأُوثر الفتحُ لذلك. وأيضاً فقبلَ الميمِ ياءٌ وهي أختُ الكسرةِ، وأيضاً فقبل الياءِ كسرةٌ فلو كَسَرْنا
الثاني: أنَّ الفتحةَ لالتقاءِ الساكنين أيضاً، ولكنْ الساكنان هما الياء التي قبلَ الميمِ والميمُ الأخيرةُ، فحُرِّكت بالفتحِ لئلا يلتقي ساكنان، ومثلُه: أين وكيف وكَيْتَ وذَيْتَ وما أشبهه، وهذا على قولِنا إنه لم يُنْوَ الوقفُ على هذه الحروفِ المقطَّعة، وهذا بخلاِف القولِ الأولِ فإنّه مَنْوِيٌّ فيه الوقفُ على الحروفِ المقطَّعةِ فَسَكَنَتْ أواخُرها وبعدها ساكنٌ آخرُ وهو لامُ الجلالةِ، وعلى هذا القولِ الثاني ليس لإِسقاطِ الهمزةِ تأثيرٌ في التقاءِ الساكنين بخلافِ الأولِ فإنَّ التقاءَ الساكنينِ إنما نَشَأَ مِنْ حَذْفِها دَرْجاً.
الثالث: أنَّ هذه الفتحةَ ليسَتْ لالتقاء الساكنين، بل هي حركةُ نقل أي: نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ التي قبلَ لامِ التعريفِ على الميمِ الساكنةِ نحو: ﴿قَدَ أفلح﴾ [المؤمنون: ١] وهي قراءةُ ورشٍ وحمزةَ في بعض طُرُقه في الوَقْفِ وهو مذهبُ الفراء، واحتجَّ على ذلك بأن هذه الحروفَ النيةُ بها الوقفُ، وإذا كان النيةُ بها الوقفَ فَتَسْكُنُ أواخُرها، والنيةُ بما بعدها الابتداءُ والاستئنافُ، فكأنَّ همزةَ الوصلِ جَرَتْ مجرىهمزةِ القطعِ إذ النيةُ بها الابتداءُ وهي تَثْبُتُ ابتداءً ليس إلاَّ، فلمَّا كانت الهمزةُ في حكمِ الثابتةِ وما قبلها ساكنٌ صحيحٌ قابلٌ لحركتها خَفَّفوها بأَنْ ألقَوا حركتها على الساكنِ قبلها.
وقد رَدَّ بعضُهم قولَ الفراء بأنَّ وَضْع هذه الحروفِ على الوَقْف لا يُوجِبُ قَطْعَ ألفِ الوصلِ وإثباتها في المواضعِ التي تسقُط فيها، وأنتَ إذا
قلت: هذا الردُّ مردودٌ بأنَّ ذلك مُعَامَلٌ معاملة الموقوفِ عليه والابتداءُ بما بعده، لا أنه موقوفٌ عليه ومبتدأٌ بما بَعده حقيقةً حتى يَرُدَّ عليه بما ذكره. وقد قَوَّى جماعةٌ قولَ الفراءِ بما حكاه سيبويه مِنْ قولهم: «ثَلَثَهَرْبَعَة» والأصلُ: ثلاثة أربعة، فلمَّا وُقِف على «ثلاثة» أُبْدِلَتِ التاءُ هاءً كما هو اللغةُ المشهورةُ، ثم أُجْري الوصلُ مُجْرى الوقفِ، فَتَرَك الهاءَ على حالِها في الوصل، ثم نَقَل حركةَ/ الهمزةِ إلى الهاءِ فكذلك هذا.
وقد رَدَّ بعضُهم هذا الدليلَ، وقال: الهمزةُ في «أربعة» همزةُ قطعٍ، فهي ثابتةٌ ابتداءً ودَرْجاً، فلذلك نُقِلَتْ حركتُها بخلافِ همزةِ الجلالة فإنها واجبةُ السقوطِ فلا تستحقُّ نَقْلَ حركتها إلى ما قبلها، فليس وِزان ما نَحْن فيه.
قلتُ: وهذا من هذه الحيثيةِ صحيحٌ، والفرقُ لائحٌ؛ إلا أَنَّ حظَّ الفراء منه أنه أَجْرى فيه الوصلَ مُجْرى الوقفِ من حيث بقيت الهاءُ المنقلبةُ عن التاءِ وَصْلاً لا وقفاً واعتدَّ بذلك، ونَقَلَ إليها حركةَ الهمزةِ وإنْ كانَتْ همزةَ قطعٍ.
وقد اختار الزمخشري مذهبَ الفراء، وسَأَلَ وأجابَ فقال: «ميم حقُّها أن يُوقَفَ عليها كما يُوقَفُ على ألف ولام، وأَنْ يُبتدأ ما بعدها كما تقول: واحدْ إثنان، وهي قراءةُ عاصم، وأمَّا فتحُها فهي حركةُ الهمزةِ أُلْقِيَتْ عليها حين
قال الشيخ: «وجوابُه ليس بشيءٍ لأنه ادَّعى أنَّ الميمَ حين حُرِّكتْ موقوفٌ عليها، وأن ذلك ليس بدَرْجٍ؛ بل هو وقفٌ، وهذا خلافُ ما أَجْمعت عليه العربُ والنحاةُ من أنه لا يُوقف على متحركٍ البتةَ سواءً كانت حركتُه إعرابيةً أم بنائيةً أم نقليةً أم لالتقاءِ الساكنين أم للإِتباع أم للحكايةِ، فلا يجوزُ في» قد أفلح «إذا حَذَفْتَ الهمزة ونَقَلْتَ حركتها إلى دالِ» قد «أَنْ تَقِفَ على دال» قد «بالفتحةِ، بل تُسَكِّنها قولاً واحداً. وأمَّا قوله:» ونظيرُ ذلك «» واحدِ اثنان «بإلقاءِ حركة الهمزة على الدالِ، فإنَّ سيبويه ذكر أنهم يُشِمُّونَ آخر» واحدٍ «لتمكُّنِه، ولم يَحِكْ الكسرَ لغةً، فإنْ صَحَّ الكسرُ فليس» واحد «موقوفاً عليه كما زعم الزمخشري، ولا حركتُه حركةُ نقلٍ من همزة الوصلِ، ولكنه موصولٌ بقولِهم: اثنان، فالتقى ساكنان: دالُ واحد وثاءُ اثنين فكُسِرتِ الدالُ لالتقاءِ الساكنين، وحُذِفتْ همزةُ الوصل لأنها لا تَثْبُتُ في الوصل».
قلت: ومتى ادَّعى الزمخشري أنه يُوقف على ميم مِنْ: ألف لام ميم وهي متحركةٌ، حتى يُلْزِمَه بمخالفةِ إجماعِ العربِ والنحاةِ، وإنما ادَّعى الرجلُ أن هذا في نيةِ الموقوفِ عليه قبلَ تحريكِه بحركة النقلِ، لا أنه نُقِل إليه، ثم
قال الشيخ: «وهو سؤالٌ صحيحٌ وجوابٌ صحيحٌ، لكن الذي قال:» إنَّ الحركةَ هي لالتقاءِ الساكنين «لا يَتَوَهَّم أنه أرادَ التقاء الياء والميم من» ألم «في الوقفِ، وإنّما عَنَى التقاءَ الساكنين اللذيْن هما ميم ميم الأخيرة ولامُ التعريف كالتقاءِ نون» مِنْ «ولامِ الرجل إذا قلت: من الرجل». قلت: هذا الوجهُ هو الذي قَدَّمُتْه عن بعضهم وهو مكيٌّ وغيرُه.
ثم قال الزمخشري: «فإنْ قلت: إنما لم يُحَرِّكوا لالتقاء الساكنين في ميم؛ لأنهم أرادوا الوقفَ وأَمْكنهم النطقُ بساكنين، فإذا جاء ساكنٌ ثالثٌ لم يكن إلا التحريكُ فحرَّكوا. قلت: الدليلُ على أنَّ الحركةَ ليست لملاقاة الساكنِ أنه كان يمكِنُهم أَنْ يقولوا: واحدْ اثنان بسكونِ الدالِ مع طَرْحِ الهمزةِ فجمعوا بين ساكنين كما قالوا:» أُصَيْمٌّ «و» مُدَيْقٌّ «فلمّا حَرَّكوا الدالَ عُلِم أّنَّ حَرَكَتها هي حركةُ الهمزةِ الساقطة لا غيرُ، وأنها ليسَتْ لالتقاءِ ساكنين».
قال الشيخ: «وفي سؤاله تعميةٌ في قوله:» فإنْ قلتَ: لم يُحَرِّكوا
وأمّا قوله: «فجَمعوا بين ساكنين» فلا يُمكن الجَمْعُ كما قلناه. وأمّا قوله كما قالوا: «أُصَيْمُّ ومُدَيْقٌّ» فهذا ممكنٌ، كما هو في: رادٌّ وضالٌّ؛ لأنَّ في ذلك التقاءَ الساكنين: على حدِّهما المشروطِ في النحوِ فَأَمْكَنَ ذلك، وليس مثلَ «واحدْ اثنان» ؛ لأنَّ الساكنَ الأولَ ليسَ حرفَ مد ولا الثاني مدغمٌ فلا يمكنُ الجمعُ بينهما. وأمَّا قولُه «فلمَّا حركوا الدالَ عُلِمَ أَّنَّ حركتها هي حركةُ الهمزةِ الساقطةِ لا غيرُ وليسَتْ لالتقاءِ الساكنين» لَمَّا بَنى على أنَّ الجمعَ بين الساكنين في «واحدْ اثنان» ممكنٌ، وحركةُ التقاءِ السكانين إنما هي فيما لا يمكِنُ أن يجتمعا فيه في اللفظ، ادَّعى أنَّ حركةَ الدالِ هي حركةُ الهمزةِ الساقطةِ.
قلت: هذا الذي رَدَّ به عليه صحيحٌ، وهو معلومٌ بالضرورة إذ لا يمكن النطقُ بما ذَكَر. وقد انتصر بعضُهم لرأي الفرَّاء واختيارِ الزمخشري بأنَّ هذه الحروفَ جيء بها لمعنًى في غيرها كما تقدَّم في أولِ البقرة عند بعضهم
١١٥٧ - لَتَسْمَعَُنَّ وشيكاً في ديارِهُمُ | أللهُ أكبرُ يا ثاراتِ عثمانا |
الرابع: أن تكونَ الفتحةُ فتحةَ إعرابٍ على أنه مفعولٌ بفعلٍ مقدر أي: اقرؤوا ألم، وإنما منعه من الصرفِ للعلَمِيَّةِ والتأنيثِ المعنوي إذا أُريد به اسمُ السورة نحو: قرأت هود، وقد قالوا هذا الوجهَ بعيِنِه في قراءةِ مَنْ قرأ:» صادَ والقرآن «بفتحِ الدال، فهذا يجوزُ أن يكونَ مثلَه.
الخامس: أنَّ الفتحةَ علامةُ الجر والمرادُ بألف لام ميم أيضاً السورةُ، وأنها مُقسَمٌ بها، فَحُذِفَ حرفُ القسم وبقي عملُه امتنعَ من الصرفِ لِمَا تقدَّم، وهذا الوجهُ أيضاً مقولٌ في قراءةِ مَنْ قرأ: صادَ بفتح الدال، إلا أنَّ
السادس: قال ابن كيسان:» ألفُ الله، وكلُّ ألفِ مع لامِ التعريف ألفُ قطْعٍ بمنزلة «قد»، وإنما وُصِلَتْ لكثرة الاستعمالِ، فَمَنْ حَرَّك الميمَ ألقى عليها حركةَ الهمزةِ التي بمنزلةِ القاف من «قد» من «الله» ففتحها بفتحةِ الهمزةِ، نقله عنه مكي.
فعلى هذا هذه حركةُ نقلٍ من همزةِ قطع، وهذا المذهبُ هو مشهورٌ عن الخليلِ بن أحمد، حيث يَعْتقد أنَّ التعريف حَصَلَ بمجموعِ «أل» كالاستفهامِ يَحْصُل بمجموع هل، وأنَّ الهمزةَ ليست مزيدةً، لكنه مع اعتقادِه ذلك يوافِقُ على سقوطها في الدَّرْج إجراءً لها مُجْرى همزة الوصل لكثرة الاستعمالِ، ولذلك قد ثبتَتْ ضرورةً، لأنَّ الضرورةَ تَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها. وللبحثِ في ذلك مكانٌ هو أليقُ به منه منا.
ولَمَّا نَقَل أبو البقاء هذا القولَ ولم يَعْزُه قال: «وهذا يَصِحُّ على قولِ مَنْ جَعَل أداةَ التعريف» أل «يعني الخليل لأنه هو المشهورُ بهذه المقالةِ. وقد تقدَّم النقلُ عن عاصم أنه يقرأ بالوقف على ميم، ويبتدىء بالله لا إله إلا هو، كما هو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري عنه، وغيرُه يَحْكي عنه أنه يُسَكِّنُ الميمَ ويقطَعُ الهمزةَ من غير وقفٍ منه على الميم، كأنه يُجْري الوصلَ مُجْرى الوقفِ، وهذا هو الموافقُ لغالبِ نقلِ القُرَّاء عنه.
قال الزجاج:» وهذا غلطٌ من أبي الحسن، لأنَّ قبلَ الميمِ ياءً مكسوراً ما قبلها فحقُّها الفتحُ لالتقاءِ الساكنين لِثقَل الكسرِ مع الياء، وهذا وإنْ كان كما قاله، إلاَّ أنَّ الفارسيّ انتصر لأبي الحسن، وردَّ على أبي إسحاق رَدَّه فقال: «كسرُ الميمِ لو وَرَدَ بذلك سماعُ لم يَدْفَعْه قياسٌ، بل كان يُثْبته ويُقَوِّيه لأنَّ الأَصلَ في التحريكِ لالتقاءِ الساكنين الكسرُ، وإنما يُبْدَلُ إلى غير ذلك لما يَعْرِضُ من علةٍ وكراهةٍ، فإذا جاء الشيء على بابه فلا وجه لردِّه ولا مساغَ لدَفْعِه، وقولُ أبي إسحاق» إنَّ ما قبلَ الميم ياءٌ مكسورٌ ما قبلها فَحقُّها الفتحُ «منقوضٌ بقولِهم:» جَيْرِ «و» كان من الأمر ذَيْتِ وذِيْتِ وكَيْتِ وكِيْتِ «فَحُرِّك الساكنُ بعد الياءِ بالكسرِ، كما حُرِّكَ بعدَها بالفتحِ في» أَيْنَ «، وكما جاز الفتحُ بعد الياء في قولهم:» أَيْنَ «كذلك يجوز الكسرُ بعدها كقولهم جَيْر، ويدلُّ على جوازِ التحريكِ لالتقاءِ الساكنين بالكسرِ فيما كان قبله ياءٌ جوازٌ تحريكه بالضم نحو قولِهم: حيثُ، وإذا جازَ الضمُّ كان الكسرُ أجوزَ وأسهلَ.
قوله: ﴿بالحق﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أن تتعلَّق الباءُ بالفعل قبلها والباءُ حينئذٍ للسببية، أي: نَزَّله بسبب الحق. والثاني: أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ: إمَّا من الفاعلِ أي: نَزّله مُحِقّاً، أو من المفعولِ أي: نَزَّله ملتبساً بالحقِّ نحو: جاء بكرٌ بثيابه أي: ملتبساً بها.
وقال مكيّ: «ولا تتعلَّقُ الباءُ بنَزَّلَ لأنه قد تَعَدَّى إلى مفعولين، أحدُهما بحرفٍ فلا يتعدى إلى ثالثٍ» وهذا الذي ذَكَرَه مكيٌّ غيرُ ظاهر، فإنَّ الفعلَ يتعدَّى إلى متعلِّقاته بحروفٍ مختلفة على حَسَب ما يكونُ، وقد تقدم أنَّ معنى الباء السببيةُ، فأيُّ مانع يمنع من ذلك؟.
قوله: ﴿مُصَدِّقاً﴾ فيه أوجه، أحدُهما: أَنْ يَنْتَصِبَ على الحالِ من «الكتاب»، فإنْ قيل إنَّ «بالحق» حالٌ كانَتْ هذه حالاً ثانية عند مَنْ يُجيز تعدُّد الحالِ، وإنْ لم يُقَلْ ذلك كانت حالاً أولى. والثاني: أن ينتصِب على الحالِ على سبيلِ البدلية من محلِّ «بالحق» وذلك عند مَنْ يمنعُ تعدُّد الحالِ في غير عطفٍ ولا بدلية. الثالث: أن ينتصِبَ على الحالِ من الضميرِ المستكنِّ في «بالحق» إذا جعلناه حالاً، لأنه حينئذٍ يتحمَّلُ ضميراً لقيامِه مقامَ الحالِ التي
١١٥٨ - أنا ابنُ دارةَ معروفاً بها نسبي | وهَلْ بدارَةَ يا لَلْناسِ مِنْ عارِ |
قوله: ﴿التوراة والإنجيل﴾ اختلفَ الناسُ في هاتين اللفظتين: هل يَدْخُلُهما الاشتقاق والتصريف أم لا يدخلانِهما لكونِهما؟ أعجميين؟ فذهب جماعةٌ كالزمخشري وغيرُه إلى الثاني. قالوا: لأنَّ هذين اللفظين اسمان عِبرانيَّان لهذينِ الكتابَيْنِ الشريفين. قال الزمخشري: «وتَكَلُّفُ اشتقاقِهِما من الوَرَىْ والنَّجْل، ووزنُهما بتَفْعِلة وإفْعِيل إنما يَثْبُتُ بعد كونهما عربيين». [قال الشيخ: «وكلامُه صحيح، إلا أن فيه استدراكاً وهو قوله: تَفْعِلَة، ولم يذكُرْ مذهب البصريين] وهو أنَّ وزنَها فَوْعَلة، ولم ينبِّه على تَفْعِلَة: هل هي بكسر العين أو فتحها» قلت: لم يَحْتج إلى التنبيه لشهرتِهما، وإنما ذكر المستغربَ.
ويؤيدُ ما قاله الزمشخري من كونها أعجميةً ما نقله الواحدي،
ثم القائلون باشتقاقهما اختلفوا: فقال بعضُهم: التَوْرَاة مشتقة من قولهم: ورِي الزَّنْدُ إذا قَدَح فظهرَ منه نارٌ. يقال «وَرِيَ الزَّنْدُ» و «أَوْرَيْتُه أنا». قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] فثلاثيُّهُ قاصرٌ ورباعيةُ متعدٍّ. وقال تعالى: ﴿فالموريات قَدْحاً﴾ [العاديات: ٢]، ويقال أيضا: «وَرَيْتُ بكل زِنادي» فاستُعْمِلَ الثلاثيُّ متعدياً، إلا أن المازني يزعم أنه لا يُتجاوز به هذا اللفظ، يعني فلا يُقاس عليه، فيقال: «وَرَيْتُ النارَ» مثلاً. إذا تقرر ذلك فلما كانت التوراة فيها ضياءٌ ونورٌ يُخْرَجُ به من الضلال [إلى] الهدى، كما يُخْرَج بالنور من الظلام إلى النور سُمِّي هذا الكتابُ بالتوراة، وهذا هو قولُ الفراء، وهو مذهبُ جمهور الناس.
وقال آخرون: بل هي مشتقةٌ من «وَرَّيْتُ في كلامي» من التورية وهي التعريض. وفي الحديث: «كان إذا أراد سفراً وَرَّى بغيره» وسُمِّيَت التوراة بذلك لأنَّ أكثَرها تلويحاتٌ ومعاريضُ، وإلى هذا ذهبَ المؤرج السدوسي وجماعة.
وفي وزنها ثلاثةُ أقوالٍ أحدُها: وهو قولُ الخليل وسيبويه أن
الثاني: وهو قولُ الفراء أن وزنَها تَفْعِلَة بكسر العين، فأُبْدِلَت الكسرةُ فتحةً، وهي لغةٌ طائية، يقولون في الناصية: ناصَاة، وفي بَقِي: بَقَى قال الشاعر:
١١٥٩ -....................... بحِرْبٍ كناصاة الأغَرِّ المُشَهَّرِ
وقال آخر:
١١٦٠ -..........................
وأنشد الفراء:
١١٦١ - وما الدنيا بباقاةٍ علينا | وما حيٌّ على الدنيا بباقٍ |
.. الخ، فاتِّباع ما عَهِدَ أولى من اتِّباع ما لم يُعْهَدُ.
الثالث: أنَّ وزنَها تَفْعَلَة بفتحِ العين وهو مذهبُ الكوفيين، كما يقولون في: تَتْفُلة بالضمِّ/ تَتْفَلَة بالفتح، وهذا لا حاجة إليه وهو أيضاً دعوى لا دليل عليها.
وأمال التوراةَ حيث وردَتْ في القرآن إمالة مَحْضَة أبو عمرو والكسائي وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وأمالها بينَ بينَ حمزةُ وورش عن نافع، واختُلف عن قالون: فرُوِيَ عنه بينَ بينَ والفتحُ، وقرأها الباقون بالفتح فقط. وَوَجْهُ الإِمالة إن قلنا بأنَّ ألفَها منقلبةٌ عن ياء ظاهرٌ، وإنْ قلنا إنها أعجمية لا اشتقاق لها فوجهُ الإِمالة شبهُ ألفها لألف التأنيث من حيث وقوعُها رابعةً فسببُ إمالتها: إمَّا الانقلابُ وإما شبهُ ألفِ التأنيثِ.
١١٦٢ - أَنْجَبَ أيَّامُ والِداهُ به | إذ نَجَلاه فنِعْمَ ما نَجَلا |
وقيل: هو مشتقٌّ من التَناجل وهو التنازُع، يقال: تَنَاجل الناسُ أي: تنازعوا، وسُمِّي الإِنجيلُ بذلك لاختلاف الناسِ فيه قاله أبو عمرو الشيباني.
والعامَّةُ على كَسْرِ الهمزةِ من «إنجيل». وقرأ الحسنُ بفتحِها. قال الزمخشري: «وهذا يَدُلُّ على أنه أعجمي لأنَّ» أفعيلا «بفتح الهمزة عديمٌ في أوزان العرب». قلت: بخلاف إفعيل بكسرها فإنه موجود نحو: إِجْفيل وإخْريط وإصْليت.
قوله: ﴿هُدًى﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المفعولِ من أجله، والعاملُ فيه أنْزَل أي: أَنْزَلَ هذين الكتابين لأجلِ هداية. ويجوز أن يكونَ متعلقاً من حيث المعنى بنَزَّلَ وأنزل معاً، وتكونُ المسألةُ من بابِ التنازع على إعمال الثاني، والحذفُ من الأولِ تقديرُه: نَزَّلَ عليك له أي: للهدى،
والثاني: ان ينتصِبَ على الحالِ من التوراةِ والانجيلِ، ولم يُثنَّ لأنه مصدرٌ وفيه الأوجُه المشهورةُ من حَذْف المضافِ أي: ذوي هدىً أو على المبالغةِ بأَن جُعِلا نفسَ الهُدَى أو على جَعْلِهما بمعنى هاديين. وقيل: إنه حال من الكتاب والتوارة والإِنجيل، وقيل: حالٌ من الإِنجيل فقط وحُذِف مِمَّا قبله لدلالة هذا عليه. وقال بعضُهم: تَمَّ الكلامُ عند قولِه تعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَيُوقَفُ عليه ويُبْتَدَأُ قولِه ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفرقان﴾ أي: وأَنْزَل الفرقانَ هدىً للناس. وهذا التقديرُ غيرُ صحيحٍ لأنه يُؤدِّي إلى تقديم المعمولِ على حرفِ النسقِ وهو ممتنعٌ، لو قلت: «قام زيد مكتوفةً وضُرِبَتْ هندٌ» تعني: «وضُرِبَت هند مكتوفةً» لم يَصِحَّ البتة فكذلك هذا.
قوله: ﴿لِّلنَّاسِ﴾ يُحْتمل أن يتعلَّقَ بنفسِ «هُدَى» لأنَّ هذه المادة تتعدَّى باللامِ كقولِه تعالى: ﴿يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لهدىً.
قوله: ﴿وَأَنزَلَ الفرقان﴾ يُحْتَمل أن يرادَ به جميعُ الكتب السماوية، ولم يُجمع لأنه مصدرٌ بمعنى الفَرْق كالغفران والكفران، وهو يَحْتملُ أن يكونَ مصدراً واقعاً موقع الفاعلِ أو المفعول والأولُ أظهرُ. وقال الزمخشري: «أو كَرَّر/ ذِكْرَ القران بما هو نعتٌ له ومُدِحَ مِنْ كونِه فارقاً بين الحقِّ والباطل بعد ما ذكَره باسم الجنس تعظيماً لشأنِه وإظهاراً لفضلِه». قلت: قد يعتقد معتقدٌ
قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ يَحْتمل أنْ يرتفع» عذابٌ «بالفاعليةِ بالجارِّ قبلَه لوقوعه خبراً عن» إنَّ «، ويُحْتمل أن يرتفع على الابتداء، والجملةُ خبرٌ» إنَّ «والأولُ أَوْلَى، لأنه من قبيلِ الإِخبار بما يَقْرُبُ من المفردات. وانتقام: افتعال من النِّقْمة وهي السَّطْوَةُ والتسلطُ، ولذلك عَبَّر بعضُهم عنها بالمعاقبة يقال: نَقَم ونَقِمَ، بالفتح وهو الأفصحُ وبالكسرِ، وقد قُرىء بهما، وسيأتي مزيدٌ بيانٍ في المائدة.
وقرأ طاووس: «تَصَوَّركم» فعلاً ماضياً ومعناه صَوَّركم لنفسِه ولتعبُّدِه، وتَفَعَّل يأتي بمعنى فَعَّل كقولهم: «تأثَّلْثُ مالاً وأثَّلته» أي جعلتُه أَثْلَةً أي أصلاً، ونحُوه: وَلَّى وتَوَلَّى. والتصويرُ: تَفْعِيل من صارَه يَصُوره أي: أماله وثَنَاه، ومعنى صَوَّره أي: جعل له صورةً. والصورة: الهيئة يكون عليها الشيءُ من تأليفٍ خاصٍ وتركيبٍ منضبطٍ.
و «كيف» منصوبٌ على الحال بالفعلِ بعدَه، والمعنى: على أيِّ حال شاءَ أنْ يُصَوِّركم صوَّركم، وتقدَّم الكلام على ذلك في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. ولا جائزٌ أن تكون «كيف» معمولةً ليُصَوِّركم لأنَّ لها صدرَ الكلام، وما له صدُر الكلام لا يعملُ فيه إلا أحدُ شيئين: إمَّا حرفُ الجر نحو: بمَنْ تمر؟ وإمَّا المضافُ نحو: «غلامُ مَنْ عندك؟» الثاني: أن تكون «كيف» ظرفاً ليشاء، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير اسم الله تعالى تقديرُه: يصوِّركم على مشيئة أي مريداً. الثالث: كذلك إلا أنه حالٌ من مفعول «يصوِّركم» تقديرُه: يصوركم متقلبين على مشيئته. ذَكَر الوجهين أبو البقاء، ولَمَّا ذَكَرَ غيُره كونَها حالاً من ضمير اسمِ الله قَدَّرها بقولِه: يُصَوِّركم في الأرحامِ قادراً على تصويركم مالكاً ذلك. الرَابعُ: أَنْ تكونَ الجملةُ في موضعِ المصدرِ، المعنى: يُصَوِّركم في الأرحام تصويرَ المشيئة وكما يشاء، هكذا قال الحوفي. وفي قوله: «الجملةُ في موضعِ المصدرِ» تسامحٌ لأنَّ الجملَ لا تقوم مقام المصادر، ومرادُه أنَّ «كيف» دالَّةٌ على ذلك،
و ﴿هُنَّ أُمُّ الكتاب﴾ يجوز أن تكونَ الجملةُ صفةً للنكرة قبلها، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، وأخْبر بلفظ الواحد وهو «أمُّ» عن جمع، وهو «هُنَّ» : إمَّا لأن المراد كلُّ واحدةٍ منه أمُّ، وإمَّا لأنْ المجموعَ بمنزلةِ آيةٍ واحدة كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وإما لأنه مفردٌ واقعٌ موقعَ الجمعِ كقوله: ﴿وعلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] و:
١١٦٣ - كُلوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا | ......................... |
١١٦٤ -.......................... | وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيب |
قوله: «وأُخَرُ» نسقٌ على «آيات»، و «متشابهاتٌ» نعتُ لأُخَر، وفي الحقيقة «أُخَرُ» نعتٌ لمحذوف تقديره: وآياتٌ أُخَرٌ متشابهاتٌ. قال أبو البقاء: «فإنْ قيل: واحدةُ» متشابهات «متشابهة، وواحدة» أُخَر «أُخْرى، والواحدةُ هنا لا يَصِحُّ أن توصف بهذا الواحد فلا يُقال، أخرى متشابهة إلا أن يكونَ بعضُ الواحدةُ يُشبْه بعضاً، وليس المعنى على ذلك/ وإنما المعنى أنَّ كل آيةٍ تشبه آيةً أخرى، فكيف صَحَّ وصفُ هذا الجمعِ بهذا الجمعِ، ولم يَصِحَّ وصفُ مفردهِ بمفرده؟ قيل: التشابهُ لا يكون إلا بين اثنينِ فصاعداً، فإذا اجتمعت الأشياءُ المشابهةُ كان كل واحدٍ منها مشابهاً للآخر، فلمَّا لم يَصِحَّ التشابُه إلا في حالةِ الاجتماع وَصَفَ الجمعَ بالجمع لأنَّ كلَّ واحدٍ منها يشابه باقيها، فأمَّا الواحدُ فلا يَصِحُّ فيه هذا المعنى، ونظيرُه قوله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ [القصص: ١٥] فثنَّى الضميرَ وإن كان الواحدُ لا يَقْتَتِلُ. قلت: يعني أنه ليس من شرطِ صحةِ الوصفِ في التثنية أو الجمعِ صحةُ انبساطِ مفرداتِ الأوصاف على مفرداتِ الموصوفاتِ، وإنْ كان الأصلُ ذلك، كما أنه لا يُشْتَرط في إسناد الفعلِ إلى المثنَّى والمجموعِ صحةُ إسنادِه لى كلِّ واحدٍ على حِدَتِه.
وقريب من ذلك قوله: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ [الزمر: ٧٥] قيل: ليس لحافِّين مفردٌ
قوله: ﴿زَيْغٌ﴾ يجوز أن يكون مرفوعاً بالفاعلية لأنَّ الجارَّ قبله صلةٌ لموصول ويجوز أن يكونَ مبتدأ وخبُره الجارُّ قبله.
والزَّيْغُ: قيل: المَيْلُ، وقال بعضُهم: هو أخصُّ مِنْ مُطْلق الميل، فإنَّ الزيغَ لا يُقال إلاَّ لِما كان من حقٍ إلى باطل. قال الراغب: «الزَّيْغُ: الميلُ على الاستقامةِ إلى أحدِ الجانبين، وزاغَ وزالَ ومالَ تتقارب، لكن» زاغ «لا يُقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل» انتهى. يقال: زاغَ يزيغُ زَيْغاً وزيغوغَةً وزَيَغاناً وزُيوغاً. قال الفراء: «والعربُ تقول في عامةِ ذواتِ الياء مِمَّا يشبه زِغْتُ مثل: سِرْتُ وصِرْتُ وطِرْتُ: سَيْرورةً وصَيْرورةً وطَيْرورةً، وحِدْتُ حَيْدودة، ومِلْتُ مَيْلولة، لا أُحصي ذلك كثرةً، فأما ذوات الواو مثل: قُلت ورضِيت فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في أربعة ألفاظ: الكَيْنونة والدَّيْمومة من دام، والهَيْعُوعة من الهُواع، والسَّيدودة من سُدْت». ثم ذكر كلاماً كثيراً غيرَ متعلقٍ بما نحن فيه، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا المصدر، وما ذكر الناس فيه، وأنه قد سُمِع فيه الأصل وهو «كَيَّنونة» في قول الشاعر:
١١٦٥ -....................... | حَتَّى يعودَ البحرُ كَيَّنونَهْ |
١١٦٦ - أُؤَوِّلُ الحكمَ على وجهه | ليس قضائي بالهَوى الجائر |
١١٦٧ - على أنها كانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها | تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابَ فَأَصْحَبَا |
والثاني: أنه مشتقٌ من: الإِيالة وهي السياسة. تقول العرب: «قد إلْنا وإيل علينا» أي: سُسْنا وساسَنا غيرُنا، وكأنَّ المؤوِّلَ للكلامِ سائِسُه والقادرُ عليه وواضعُه موضعَه، نُقل ذلك عن النضر بن شميل. وفَرَّق النَاس بين التأويل والتفسير في الاصطلاح: بأن التفسيرَ مقتصَرٌ به على ما لا يُعْلم إلا بالتوقيف كأسباب النزول ومدلولاتِ الألفاظ، وليس للرأي فيه مَدْخَلٌ، والتأويل يجوز لمَنْ حَصَلَتْ عنده صفاتُ أهلِ العلم وأدواتٌ يَقْدِرُ أن يتكلَّم بها إذا رَجَع بها إلى أصولٍ وقواعدَ.
والرُّسوخ: الثُبوتُ والاستقرار ثبوتاً متمكِّناً فهو أخصُّ من مطلقِ الثبات قال الشاعر:
١١٦٨ - لقد رَسَخَتْ في القلبِ مني مودَّةٌ | لِلَيْلَى أَبَتْ آياتُها أَنْ تُغَيَّرا |
١١٦٩ - لا أَعْرِفَنْ رَبْرَباً حُوراً مَدامِعُها | ....................... |
١١٧٠ -....................... | .... على حينِ الكرامُ قليلُ |
١١٧١ - على حينِ مَنْ تَلْبَثْ عليه ذَنُوبُه | ......................... |
١١٧٢ - على حينِ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا | ........................ |
١١٧٣ - ألا ليت أيامَ الصفاءِ جديدُ | ....................... |
قوله: ﴿وَهَبْ﴾ الهِبَةُ: العَطِيَّةُ، حُذِفَتْ فاؤها لِما تقدَّم في «عِدة» ونحوِها، كان حقُّ عينِ المضارع فيها كسرَ العين منه، إلا أنَّ ذلك مَنَعه كونُ العينِ حرفَ حلق، فالكسرةُ مقدرةٌ. فلذلك اعتُبِرت تلك الكسرةُ المقدرة، فحُذِفَت لها الواو، وهذا نحو: يَضَع ويَسَع لكونِ اللامِ حرفَ حلق. ويكون «هَبْ» فعلَ أمرِ بمعنى ظُنَّ، فيتعدَّى لمفعولين كقوله:
قوله: ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ متعلق ب «هَبْ»، ولَدُنْ: ظرف وهي لأولِ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو: مِنْ لَدُن زيد، فليست مرادفةً ل «عند» بل قد تكون بمعناها، وبعضُهم يقيِّدها بظرف المكان، وتُضاف لصريح الزمان، قال:
١١٧٤ -...................... | وإلاَّ فَهَبْنِي أمرَأً هالِكاً |
١١٧٥ - تَنْتَهِضُ الرِّعْدة في ظُهَيْري | من لَدُنِ الظُّهْرِ إلى العُصَيْرِ |
١١٧٦ - وُلِيْتَ فلم تَقْطَعْ لدُنْ أَنْ وَليْتَنَا | قرابةَ ذي قُرْبى ولا حَقَّ مُسْلِمِ |
١١٧٧ - تَذَكَّرُ نُعْماه لَدُنْ أنتَ يافعٌ | إلى أنتَ ذو فَوْدَيْنِ أبيضَ كالنسرِ |
١١٧٨ - لَزِمْنا لَدُنْ سالَمْتُمونا وفاقَكم | فلايكُ منكمْ للخِلافِ جُنوحُ |
١١٧٩ - صريعُ غوانٍ رَاقَهُنَّ ورُقْنَه | لدُنْ شَبَّ حتى شابَ سودَ الذوائبِ |
١١٨٠ - من لَدْنِ الظهرِ إلى العُصَيْرِ | ......................... |
١١٨١ - وما زال مُهْرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهم | لَدُنْ غدوةً حتى دَنَتْ لغروبِ |
واللغتان المذكورتان من الإِعراب والبناء مختصتان ب» لدن «المفتوحةِ اللامِ المضمومةِ الدالِ، الواقعِ آخرَها نونٌ، وأمَّا بقيةُ لغاتها على ما سنذكره
قوله: ﴿أَنْتَ الوهاب﴾ يُحْتمل أن تكونَ مبتدأً وأَنْ تكونَ ضميرَ الفصلِ وأن تكون تأكيداً لاسمِ» إنَّ «.
و ﴿لِيَوْمٍ﴾ اللامُ للعلة أي: لجزاءِ يوم، وقيل: هي بمعنى في، ولم يُذْكَرْ المجموعُ لأجلهِ. و ﴿لاَّ رَيْبَ﴾ صفةٌ ليوم، فالضميرُ في «فيه» عائدٌ عليه. وأبعد مَنْ جَعَلَه عائداً على الجمعِ المدلولِ عليه بجامعٍ، أو على الجزاءِ المدلولِ عليه بالمعنى أو على العَرْض.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ يجوزُ أن يكونَ من تمامِ حكاية قولِ الراسخين فيكونَ التفاتاً من خطابهِم للباري تعالى بغير الخطاب إلى الإِتيانِ بالاسمِ الظاهرِ دلالةً على تَعْظِيمه، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً من كلام اللهِ فلا التفاتَ حينئذٍ، والميعادُ: مصدرٌ، وياؤُه عن واو لانكسار ما قبلَها كميِقات.
قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ في «من» هذه أربعة أوجه: أحدها: أنها لابتداءِ الغاية مجازاً أي: مِنْ عذاب الله وجزائه. الثاني: أنها بمعنى عند، قال أبو عبيدة: هي بمعنى عند كقوله: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] أي: عندَ جوع وعند خوف، وهذا ضعيفٌ عند/ النحويين.
الثالث: أنها بمعنى بدل. قال الزمخشري: «قوله» من الله مثلُ قوله: ﴿إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ [يونس: ٣٦]، والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعته شيئاً أي: بدلَ رحمتِه وطاعته وبدلَ الحق، ومنه «ولا يَنْفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» أي: لا ينفعَهُ جَدُّه وحَظُّه من الدنيا بدلك، أي: بدلَ طاعتِك وما عندَك، وفي معناه قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى﴾ [سبأ: ٣٧]، وهذا الذي ذَكَره من كونِها بمعنى «بدل» جمهورُ النحاة يَأْباه، فإنَّ عامَّة ما أورده مجيزُ ذلك بتأولُه الجمهور، فمنه قولُه:
١١٨٢ - جاريةٌ لم تأْكِلِ المُرَقَّقا | ولم تَذُقْ من البقولِ الفُسْتقا |
١١٨٣ - أخذوا المَخَاضَ من الفصيلِ غُلُبَّةً | ظُلْماً ويُكتبُ للأميرِ أَفِيلا |
الرابع: أنها تبعيضيةٌ، ألاَّ أنَّ هذا الوجهَ لَمَّا أجازه الشيخ جعله مبنياً على إعرابِ «شيئاً» مفعولاً به، بمعنى: لا يَدْفع ولا يمنع. قالَ: فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ «مِنْ» في موضع الحال من شيئاً، لأنه لو تأخَّر لكان في موضع النعتِ له، فلمَّا تقدَّم انتصب على الحال، وتكن «مِنْ» إذ ذاك للتعبيض. وهذا ينبغي ألاَّ يجوزَ البتة، لأنَّ «مِنْ» التبعيضيَّةَ تُؤوَّلُ بلفظ «بعض» مضافةً لِما جَرَّته مِنْ، ألا ترى أنك إذا قلت: «رأيت رجلاً من بني تميم» معناه بعضَ بني تميم، و «أخذت من الدارهم» : بعضَ الدراهم، وهنا لا يُتَصَوَّرُ ذلك أصلاً، وإنما يَصِحُّ جَعْلُه صفةً لشيئاً إذا جعلنا «مِنْ» لابتداء الغايةى كقولك: «عندي درهم من زيد» أي: كائن أو مستقر من زيد، ويمتنع فيها التبعيضُ، والحالُ كالصفةِ في المعنى، فامتنعَ أن تكونَ «مِنْ» للتعبيض مع جَعْلِه «من الله» حالاً من «شيئاً»، والشيخُ تَبعَ في ذلك أبا البقاء، إلاَّ أنَّ أبا البقاء حين قال ذلك
و «شيئاً» : إمَّا منصوبٌ على المفعولِ به، وقد تقدَّم تأويله، وإمَّا على المصدرية أي: شيئاً من الإِغناء. قوله: ﴿وأولئك هُمْ وَقُودُ﴾ هذه الجملةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ مستأنفةً. والثاني: أن تكونَ منسوقةً على خبر إنَّ، و «هم» يحتملُ الابتداءَ والفصلَ. وقرأ العامة: «وَقود» بفتح الواو، والحسن بضمِّها، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة، وأنَّ المصدريةَ مُحْتَمَلةٌ في المفتوحِ الواوِ أيضاً، وحيث كان مصدراً فلا بد من تأويلِه فلا حاجةً إلى إعادتِه هنا.
والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ وفي الناصب لها تسعةُ أقوال: أحدها: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والعاملُ فيه «كفروا» تقديره: «إنَّ الذين كفروا كفراً كدأبِ آل فرعون»، أي: كعادَتِهم في الكفر، وهو رأيُ الفراء. وهذا القولُ مردودٌ بأنه قد أَخْبَرَ عن الموصول قبل تمام صلتِه، فَلَزِمَ الفصلَ بين أبعاضِ الصلةِ بالأجنبي، وهو لا يجوزُ. والثاني: أنه منصوبٌ بكفروا، لكنْ مقدَّراً لدلالةِ
وفي كلام الزمخشري سهوٌ فإنه قال: «ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ مَحَلُّ الكاف ب» لن تُغْني «أو» بخالدون «أي: لن تُغْنيَ عنهم مثلَ ما لم تُغْنِ عن أولئك، أو هم فيها خالدون كما يَخْلُدون»، وليس في لفظ الآية الكريمة «خالدون» إنما نظْمُ القرآن: ﴿وأولئك هُمْ وَقُودُ النار﴾ ويَبْعُدُ أَنْ يُقال أراد «خالدون» مقدَّراً يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام.
قوله: ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ يجوزُ أن يكونَ مجروراً نَسَقَاً على آل فرعون وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبرُ قولُه بعدَ ذلك: ﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله﴾ وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً. وخَصَّ أبو البقاء جوازَ الرفعِ بكونِ الكافِ في محلِّ الرفعِ فقال: «فعلى هذا أي على كونِها مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ يجوزُ في ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ وجهان أحدُهما: هو جرُّ بالعطفِ/ أيضاً، و» كَذَّبوا «في موضعِ الحالِ، و» قد «معه مضمرةٌ، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له، ذُكِر لشَرْحِ حالِهم، والوجهُ الآخرُ أن يكونَ الكلامُ تَمَّ على فرعون و» الذين مِنْ قبلِهم مبتدأُ، وكَذَبوا خبرُه «.
والدَّأْبُ: العادَةُ، يقال: دَأَبَ يَدْأَبُ أي: واظبَ ولازَم، ومنه:» دَأَبا «أي: مداومةً. وقال امرؤ القيس:
١١٨٤ - كدَأْبِك من أمِّ الحُوَيْرث قبلها | وجارتِها أمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ |
١١٨٥ - لأرتَحِلَنْ بالفجر ثم لأدْأَبَنْ | إلى الليلِ إلاَّ أن يُعَرِّجَني طِفْلُ |
١١٨٦ - قد سار شرقيُّهم حتى أَتوا سَبَأً | وانساح غربيُّهم حتى هوى الشَّأَما |
قوله: ﴿شَدِيدُ العقاب﴾ كقوله: ﴿سَرِيعُ الحساب﴾ [البقرة: ٢٠٢] أي: شديدٌ عقابهُ، وقد تقدَّم تحقيقه. وقد اشتملت هذه الآيات من أولِ السورةِ إلى ههنا أنواعاً من علمِ المعاني والبيان والبديع لا تَخْفى على متأمِّلها.
وهذا الذي قاله سبقَه إليه الزمخشري فأخَذَه منه، ولكنَّ عبارةَ
وجَوَّز الفراء وثعلب أن يكونَ الضميرُ في «سَيُغْلبون ويُحْشرون» لكفار قريش، ويرادُ بالذين كفروا اليهودُ، والمعنى: قُلْ لليهود: «سَتُغْلَبُ قريش»، هذا إنما يتجه على قراءة الغيبة فقط. قال مكي: «ويُقَوِّي القراءة بالياء أي: من تحت إجماعُهم على الياء في قوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾، قال:» والتاء يعني من فوق أحَبُّ إليَّ لإِجماع الحرميين وعاصم وغيرهم على ذلك «قلت: ومثلُ إجماعهم على قوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ﴾ إجماعُهم على قولِه: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ﴾ [النور: ٣٠] ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ﴾ [الجاثية: ١٤].
وقال الفراء:» مَنْ قرأ بالتاء جَعَل اليهود والمشركين داخلين في الخطاب، ثم يجوزُ في هذا المعنى الياءُ والتاءُ، كما تقول في الكلام: «قل لعبد الله: إنه قائم وإنك قائم»، وفي حرفِ عبد الله: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن
قوله: ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾ المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: بئس المهاد جهنمُ. والحذفُ للمخصوصِ يدلُّ على صحةِ مذهبِ سيبويه من أنه مبتدأٌ والجملةُ قبلَه خبرُه، ولو كان كما قالَ غيرُه مبتدأً محذوفَ الخبرِ أو بالعكسِ لما حُذِف/ ثانياً للإِجحافِ بحَذْفِ سائِر الجملة.
١١٨٧ - إنَّ امرَأً غَرَّه منكنَّ واحدةٌ | بَعْدي وبعدكِ في الدنيا لمغرورُ |
قوله: ﴿التقتا﴾ في محلِّ جرٍ صفةً لفئتين أي: فئتين ملتقيتين.
قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ العامة على رفع «فئة» وفيها أوجهٌ، أحدها: أن يرتفعَ على البدلِ من فاعل «التقتا»، وعلى هذا فلا بدَّ من ضمير محذوفٍ يعودُ على «فئتين» المتقدمتين في الذكر، ليسوغَ الوصفُ بالجملة، إذ لو لم يُقَدَّرْ ذلك لما صَحَّ، لخلوِّ الجملةِ الوصفيةِ من ضميرٍ، والتقديرُ: في فئتين التقَتْ فئةٌ منهما وفئةٌ أخرى كافرة. والثاني: أن يرتفعَ علىخبر ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: إحداهما فئةٌ تقاتِلُ، فقطع الكلامَ عن أولِه، واستأنفه. ومثلُه ما أنشده الفراء على ذلك:
١١٨٨ - إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفَيْنِ شامتٌ | وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنتُ أصنعُ |
١١٨٩ - حتى إذا ما استقلَّ النجمُ في غَلَسٍ | وغُودر البقلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصودُ |
الثالث: أن يرتفعَ على الابتداءِ وخبرُه مضمرٌ تقديرُه: منهما فئة تقاتل، وكذا في البيت اي: منهم شامتٌ ومنهم مُثْنٍ، ومثلُه قولُ النابغة:
١١٩٠ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها | لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ |
رمادٌ ككحل العينِ لأْياً أُبينُه | ونُؤْيٌ كجِذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خاشع |
وقرأ الحسن ومجاهد وحميد: «فئةٍ تقاتل» بالجر على البدل من «فئتين»، ويسمى هذا البدلُ بدلاً تفصيلاً كقولِ كثِّير عزة:
١١٩١ - وكنتُ كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍ | ورجلٍ رَمَى فيها الزمانُ فَشَلَّتِ |
وقرأ ابن السَّمَيْفَع وابن أبي عَبْلة «فئةً» نصباً. وفيه أربعة أوجه، أحدها: النصبُ بإضمارِ أعني. والثاني: النصبُ على المدح. وتحريرُ هذا القول أن يُقال على المدح في الأول، وعلى الذم في الثاني، وكأنه قيل: أَمْدَحُ
قوله: ﴿وأخرى كَافِرَةٌ﴾ «أُخْرى» : صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: «وفئةٌ أخرى كافرةٌ». وقُرِئَتْ «كافرة» بالرفعِ والجَرِّ على حَسَبِ القراءتين المذكورتين في «فئة تقاتل»، وهذه منسوقَةٌ عليها، وكان من حق/ من قرأ «فِئَةً تقاتل» نصباً أن يقرأ: «وأخرى كافرةً» نصباً عطفاً على الأولى، ولكني لم أحفظ فيها ذلك. وفي عبارة الزمخشري ما يُوْهم القراءةَ به فإنه قال: «وقُرىء فئة تقاتل وأخرى كافرة بالجرِّ على البدلِ من فئتين، وبالنصبِ على الاختصاص أو الحال»، فظاهرُ قولِه: «وبالنصب» [أي: في جميعِ ما تقدم وهو: فئة تقاتل وأخرى كافرة]. وقد تقدَّم سؤال أبي البقاء وهو: لم يَقُلْ «والأخرى»
والعامَّةُ على «تقاتل» بالتأنيثِ لإِسنادِ الفعلِ إلى ضميرِ المؤنث، ومتى أُسْنِدَ إلى ضميرِ المؤنث وَجَبَ تأنيثُه، سواءً كان التأنيثُ حقيقةً ِأم مجازاً نحو: «الشمس طَلَعَت» هذا جمهورُ الناسِ عليه، وخالَفَ ابن كيسان فأجاز: «الشمس طَلَع» مستشهداً بقوله الشاعر:
١١٩٢ - فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها | ولا أرضَ أبقلَ إبقالَها |
وقرأ مجاهد ومقاتل:» يقاتل «بالياء من تحت، وهي مُخَرَّجةٌ على مذهب ابن كيسان ومقويةٌ له. قالوا: والذي حَسَّن ذلك كونُ» فئة «في معنى القومِ والناس؛ فلذلك عاد الضميرُ عليها مذكَّراً.
قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قرأ نافع وحده من السبعةِ ويعقوب وسهل:» تَرَوْنهم «بالخطابِ، والباقون من السعبة بالغَيْبة. فأمَّا قراءةُ نافع ففيها ثمانية أوجه،
الثاني: أن يكونَ الخطاب في» تَرَوْنهم «للمؤمنين أيضاً، والضميرُ المنصوبُ في» ترونهم «للكافرين أيضاً، والضميرُ المجرورِ في» مِثْلَيْهم «
[الأنفال: ٦٦] بعد ما كُلِّفوا أن يقاومَ واحدٌ العشرةَ في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. قال الزمخشري: «وقراءةُ نافع لا تساعد عليه» عين على هذا التأويلِ المذكور، ولم يُبَيِّنْ وجه عدمِ المساعدةِ، وكأنَّ الوجَه في ذلك والله أعلم أنه كان ينبغي أن يكونَ التركيب: «تَرَوْنهم مثليكم» بالخطاب في «مثليكم» لا بالغَيْبة. وقال أبو عبد الله الفاسي بعد ما ذكرته عن الزمخشري: «قلت: بل يساعِدُ عليه إن كان الخطابُ في الآية للمسلمين، وقد قيل ذلك» انتهى، فلم يأتِ أبو عبد الله بجوابٍ، إذ الإِشكالُ باقٍ.
وقد أجابَ بعضُهم عن ذلك بجوابين، أحدُهما: أنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة وأن حقَّ الكلام: «مِثْلَيْكم» بالخطاب، إلا أنه التفتَ إلى الغَيْبة، ونظَّره بقوله تعالى: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]. والثاني: أن الضميرَ في «مِثْلَيْهم» وإن كان المرادُ به المؤمنين إلا أنه عادَ على قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله﴾، والفئةُ المقاتِلة هي عبارةٌ عن المؤمنين المخاطبينَ، والمعنى: تَرَوْن أيها المؤمنون الفئةَ الكافرة مِثْلَيْ الفئةِ المقاتلةِ في سبيل الله، فكأنه قيل: تَرَوْنَهم أيَها المؤمنون مِثْلَيْكُم. وهوَ جوابٌ حسنٌ ومعنى واضحٌ.
الرابع: كالثالث، إلاَّ أنَّ الضميرَ في «مِثْلَيْهم» يعودُ على المشركين فيعودُ ذلك السؤال، وهو أنه كان ينبغي أن يُقال «مِثْليكم» ليتطابق الكلامُ فيعودَ الجوابان وهما: إمَّا الالتفاتُ من الخطاب إلى الغَيْبة، وإمَّا عودُه على لفظِ الفئة الكافرة، لأنها عبارةٌ عن المشركين، كما كان ذلك الضميرُ عبارةً عن الفئةِ المقاتلَةِ، ويكونُ التقديرُ: تَرَوْنَ أيها المشركون المؤمنين مِثْلَيْ فئتِكم الكافرة، وعلى هذا فيكونون قد رَأَوا المؤمنين مِثْلَي أنفسِ المشركين ألفين ونيفاً، وهذا مَدَدٌ من الله تعالى، حيث أرى الكفارَ المؤمنينَ مِثْلَي عددِ المشركين حتى فَشِلوا وجَبُنوا، فَطَمِعَ المسلمون فيهم فانتصروا عليهم، ويؤيِّده: ﴿والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ فالإراءة هنا بمنزلة المَدَدِ بالملائكةِ في النصرةِ بكليهما، ويعودُ السؤالُ حينئذٍ بطريق الأَوْلى: وهو كيف كثَّرهم إلى هذه الغايةِ مع قولِهِ في الأنفال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ﴾ ؟ ويعود الجواب.
الخامس: أنَّ الخطابَ في «لكم» و «تَرَوْنهم» لليهود، والضميران المنصوبُ والمجرورُ على هذا عائدان على المسلمين على معنى: تَرَوْنَهم لو رأيتموهم مِثْلَيْهم، وفي هذا التقدير تكلُّفٌ لا حاجةً إليه، وكأن هذا القائلَ
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجه، أحدُها: أنها كقراءةِ الخطاب، فكلُّ ما قيل في المراد به الخطابُ هناك قيل به هنا، ولكنه جاء على بابِ الالتفاتِ أي: التفاتٌ من خطاب إلى غيبة. الثاني: أن الخطاب في «لكم» للمؤمنين، والضميرُ المرفوعُ في «يَرَوْنَهم» للكفار، والمنصوبُ والمجرورُ للمسلمين، والمعنى: يَرَى المشركون المؤمنين مِثْلَي عدد المؤمنين ستمئة ونيفاً وعشرين، أراهم الله مع قِلَّتهم إياهم ضِعْفَيْهم ليَهَابُوهم ويَجْبُنوا عنهم. الثالث: أنَّ الخطاب في «لكم» للمؤمنين أيضاً، والمرفوعُ في «يَرَوْنَهم» للكفار، والمنصوبُ للمسلمين والمجرورُ للمشركين، أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثْلَي عددِ المشركين، أراهم الله المؤمنينَ أضعافَهم لِما تَقدَّم في الوجه قبله.
والذي تَقَوَّى في هذه الآيةِ من جميعِ ما قَدَّمْتُهُ من حيِث المعنى أَنْ يكونَ مَدارُ الآيةِ على تقليلِ المسلمينَ وتكثيرِ الكافرين، لأنَّ مقصودَ الآية ومساقَها الدلالةُ على قُدْرَةِ الله الباهرةِ وتأييدِهِ بالنصر لعبادِه المؤمنين مع قلةِ عددِهم وخذلانِ الكافرين مع كثرةِ عددِهم، وتحزُّبهم، ليُعْلَمَ أنَّ النصرَ كلَّه من عند الله، وليس سببُه كثرتَكم وقلةَ عدوكم، بل سببُه ما فعلَه تبارك وتعالى من إلقاءِ الرعبِ في قلوبِ أعدائِكم، ويؤيِّده قولُه بعد ذلك/: ﴿والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ وقال في موضع آخر:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً﴾ [التوبة: ٢٥]. قال الشيخ أبو شامة بعد ذِكْره هذا المعنى وَجَعَلَهُ قوياً: «فالهاءُ في تَرَوْنَهم للكفارِ سواءً قُرىء بالغَيْبَةِ أم بالخطاب والهاءُ في» مثليهم «للمسلمين. فإنْ قلت: إن كان المرادُ هذا فهلا قيل: يَرَونْهَم ثلاثةَ أمثالهم. فكان أبلغَ في الآية، وهي نصرُ القليلِ على هذا الكثيرِ، والعُدَّةُ كانت كذلك أو أكثرَ. قلت: أخبرَ عن الواقعِ، وكان آيةً أخرى مضمومةً إلى آية البصرِ، وهي تقليلُ الكفارِ في أعينِ المسلمين وقُلِّلُوا إلى حدٍّ وُعِدَ المسلمونَ النصرَ عليهم فيه، وهو أن الواحدَ من المسلمين يَغْلِبُ الاثنين، فلم تكن حاجةٌ إلى التقليلِ بأكثرَ من هذا، وفيه فائدةٌ: وقوعُ ما ضَمِنَ لهم من النصر فيه» انتهى. قلت: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء، أعني أنهم يَرَوْنَهم ثلاثةَ أمثالهم، فإنه قال: «مِثْليهم: ثلاثةَ أمثالهم، كقول القائل:» عندي ألف وأنا محتاجٌ إلى
والجملةُ على قراءةِ نافع تَحْتَمِلُ أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإِعراب، ويُحتُمل أن يكونَ لها محلٌّ، وفيه حينئذٍ وجهان، أحدُهما: النصبُ على الحال من «كم» في «لكم» أي: قد كان لكم حالَ كونِكم تَرَوْنهم. والثاني: الجرُّ نعتاً لفئتين، لأنَّ فيها ضميراً يَرْجِع عليهما، قاله أبو البقاء.
وأمَّا على قراءةِ الغَيْبةِ فتحتملُ الاستئنافُ، وتحتملُ الرفعَ صفةً لإِحدى الفئتين، وتحتمل الجرَّ صفةً لفئتين أيضاً، على أَنْ تكونَ الواوُ في «يَرَوْنَهم» تَرْجِعُ إلى اليهود، لأنَّ في الجملة ضميراً يعودُ على الفئتين.
وقرأ ابن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» مبنياً للمفعول على الخطاب. والسلمي كذلك، إلا أنه بالغيبة. وهما واضحتان مما تقدَّم تقريره، والفاعل المحذوفُ هو الله تعالى.
وللناسِ في الرؤية هنا رأيان، أحدُهما: أنها البصرية، ويؤيد ذلك تأكيدُهُ بالمصدرِ الذي هو نصٌّ في ذلك. فهو مصدرٌ مؤكِّدٌ. قال
وقد رَدَّ أبو البقاء هذا فقال: «ولا يجوز أَنْ تكونَ الرؤيةُ من رؤيةِ القلب على كلِّ الأقوال لوجهين، أحدُهما: قولُه» رَأْيَ العين «، والثاني: أن رؤيَةَ القلب عِلْم، ومُحالٌ أن يُعْلَمَ الشيءُ شيئين».
وقد أُجيب عن الوجه الأول بأنَّ انتصابَه انتصابُ المصدر التشبيهي أي: رأياً مثلَ رأي العين، أي: يُشْبِهُ رأيَ العين، فليس إياه على التحقيقِ. وعن الثاني بأنَّ الرؤيةَ هنا يُرادُ بها الاعتقادُ، فلا يَلْزَمُ المُحالُ المذكور، قال: «وإذا كانوا قد أَطْلقوا العلمَ في اللغةِ على الاعتقادِ دونَ اليقينِ فلأَنْ يُطْلقوا عليه الرأيَ أَوْلَى».
ومن إطلاقِ العلمِ على الاعتقادِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ؛ إذ لا سبيلَ إلى العلمِ اليقيني في ذلك، إذ لا يَعْلَمُهُ كذلك إلا اللهُ تعالى، فالمعنى: فإنْ اعتقدتموهن، والاعتقادُ قد يكونُ صحيحاً، وقد يكون فاسداً، ويَدُلُّ على هذا التأويلِ قراءةُ مَنْ قرأ: «تُرَوْنَهم» أو «يُرَوْنَهم» بالتاء أو الياء مبنياً للمفعول؛ لأنَّ قولَهم «أُرِيَ كذا» بضمِّ الهمزة يكون فيما عند المتكلمُ فيه شكٌّ وتخمينٌ لا يقينٌ وعلم، ولمَّا كان اعتقادُ التضعيف في جمع الكفار أو في جمع المؤمين تخميناً وظناً لا يقيناً دَخَلَ الكلاَم ضربٌ من الشك، وأيضاً كما يستحيل حَمْلُ الرؤيةِ هنا على العلِْمِ يستحيل أيضاً حَمْلُها على رؤيةِ البصر بعينِ ما ذَكَرْتُم من المُحالِ، وذلك كما أنه لا يقع
وفي انتصابِ «رأيَ العين» ثلاثةُ أوجهٍ تقدَّم منها اثنان: النصبُ على المصدر التوكيدي أو النصبُ على المصدر التشبيهي كما عَرَفْتَ تحقيقَه. والثالث: أنه منصوبٌ على ظرفِ المكان، قال الواحدي: «كما تقول:» تَرَوْنَهُم أمامَكم «ومثلُه:» هو مني مَزْجَرَ الكلب ومناطَ العَيُّوق «، وهذا إخراجٌ للفظ عن موضوعِهِ مع عدمِ المساعدِ معنًى وصناعةً.
و» رأى «مشتركٌ بين» رأى «بمعنى أَبْصَرَ، ومصدرُهُ الرَّأْي والرؤيةُ، وبمعنى اعتقد وله الرأي، وبمعنى الحُلْم وله الرؤيا كالدنيا، فوقع الفرقُ بالمصدر، فالرؤيةُ للبصرِ خاصة، والرؤيا للحُلْم فقط، والرأيُ مشترك بين البصريةِ والاعتقاديةِ يقال: هذا رأيُ فلان أي: اعتقادُهُ، قال:
١١٩٣ - رَأَى الناسَ إلا مَنْ رَأَى مثلَ رأيِهِ | خوارجَ تَرَّاكِين قَصْدَ المَخَارِجِ |
قوله: ﴿مَن يَشَآءُ﴾ مفعولُ» يشاء «محذوفٌ أي: مَنْ يشاء تأييدَهُ، والباء/ سببية، أي: بسببِ تأييدِه وهو تفعيلٌ من الأََيْدِ وهو القوة.
وقرأه ورش «يُوَيِّدُ» بإبدالِ الهمزةِ واواً محضة وهو تسهيلٌ قياسي قال
و ﴿لأُوْلِي الأبصار﴾ صفةً ل «عبرةً» أي: عبرةً كائنةً لأولي الأبصار. والعِبْرة: فِعْلة من العُبور كالرِّكبة والجِلْسة، والعُبور: التجاوزُ، ومنه: عَبَرْتُ النهر، والمَعْبَرُ: السفينة لأنَّ بها يُعْبَرُ إلى الجانبِ الآخر، وعَبْرَة العين: دمْعُها لأنها تجاوِزُهَا، وعَبَّر بالعِبْرة عن الاتِّعاظ والاستيقاظ لأن المُتَّعِظَّ يَعْبُر من الجهلِ إلى العلمِ ومن الهلاكِ إلى النجاة. والاعتبارُ افتعالٌ منه، والعبارة: الكلامُ الموصِلُ إلى الغرضِ لأنَ فيه مجاوزةً، وعَبَرْت الرؤيا وعَبَّرتها مخففاً ومثقلاً، لأنك نَقَلْتَ ما عندكَ من تأويلِها إلى رائيها.
وقرأ مجاهد: «زَيَّن» مبنياً للفاعل، «حُبَّ» مفعول به نصاً، والفاعلُ: إمَّا ضمير الله تعالى لتقدُّم ذكرِهِ الشريفِ في قوله تعالى: {والله يُؤَيِّدُ
والشَّهوات: جمعُ «شَهْوة» بسكون العين، فَحُرِّكَت في الجمع، ولا يجوزُ التسكينُ إلا في ضرورةٍ كقولهِ:
١١٩٤ - وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضحى فَأَطَقْتُها | ومالي بزَفْرَات العَشِيِّ يَدَانِ |
١١٩٥ - فلولا الشُّهَى واللهِ كنتُ جديرةً | بأَنْ أتركَ اللَّذاتِ في كلِّ مَشْهَدِ |
قوله: ﴿مِنَ النساء﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من» الشهوات «والتقدير: حالَ كونِ الشهواتِ من كذا وكذا فهي مفسرةٌ لها في المعنى، ويجوز أَنْ تكونَ» مِنْ «لبيان الجنس، ويَدُلُّ عليه قولُ الزمخشري:» ثم يُفَسِّره بهذه الأجناس «.
قوله: ﴿والقناطير﴾ جمع قِنْطار. وفي نونِهِ قولان أحدُهما: وهو قولُ جماعة أنها أصليةُ، وأنَّ وزنَها فِعْلال كحِمْلاَق وقِرْطاس. والثاني أنها زائدةٌ ووزنه فِنعال كقِنْعَاس وهو الجَمَل الشديد، قيل: واشتقاقه من: قَطَرَ يَقْطُر إذا سال، لأنَّ الذهب والفضةُ يُشَبَّهان بالماء في سرعة الانقلابِ وكثرةِ التقلبِ. وقال الزجاج:» هو مأخوذٌ من قَنْطَرْتُ الشيءَ إذا عَقَدْتَه وأَحْكمته، ومنه: القَنْطَرَةُ لإِحكامِ عَقْدِها «.
قوله: ﴿مِنَ الذهب﴾ كقولِهِ:» مِنْ النساء «وقد تقدَّم. والذهب مؤنَّثٌ، ولذلك يُصَغَّر على» ذُهَيْبة «، ويُجمع على ذَهاب وذُهوب. وقيل:» الذهب «جمعٌ في المعنى ل» ذَهَبة «، واشتقاقُه من الذَّهاب. الفضة يُجْمع على فِضَض.
واشتقاقُها من انفضَّ الشيء إذا تفرَّق، ويقال: «رجل ذَهِب» بكسر الهاء، أي: رأى مَعْدِن الذهب فَدُهِش.
قوله: ﴿والخيل﴾ عطفٌ على «النساء» قال أبو البقاء: «لا على الذهب والفضة لأنها لا تُسَمَّى قنطاراً»، وتَوَهُّمُ مثلِ ذلك بعيدٌ جداً فلا حاجةً إلى التنبيهِ عليه.
١١٩٦ - لها ذَنَبٌ مثلُ ذَيْلِ العرو | سِ تَسُدَّ به فرجَها مِنْ دُبُرْ |
١١٩٧ - كأبي براقِشَ كلَّ لَوْ | نٍ لونُهُ يَتَخَيَّلُ |
قوله: ﴿المسومة﴾ أصل التسويم: التعليمُ، ومعنى مُسَوَّمة: مُعْلَمَة إمَّا بالكَيّ وإمَّا بالبُلْقِ كما جاءَ ذلك في التفسير. وقيل: بل هو من سَوَّم ماشِيَته أي: رعَاهَا، فمعنى مُسَوَّمة أي: مَرْعِيَّة، يقال:» أَسَمْتُ ماشيتي فسامَتْ «، قال تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، وسَوَّمْتها فاستامت، فيكونُ الفعل عُدِّي تارةً بالهمزة وتارةً بالتضعيف. وقيل: بل هو من السيمِياء وهي الحُسْن، فمعنى مُسَوَّمة أي: ذاتُ حسن، قاله عكرمة واختاره النحاس، قال:» لأنه من الوسم «. وقد رَدَّ عليه بعضُهم باختلافِ المادتين. قد أجابَ بعضُهم عنه بأنَّه من بابِ المقلوبِ فيصحُّ ما قاله. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في قوله
﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] وقوله تعالى: ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
قوله: ﴿والحرث﴾ قد تقدَّم تفسيرُه، وهو هنا مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، فلذلك وُحِّد ولم يُجْمَع كما جُمِعَت أخواتُه. ويجوزُ إدغام الثاءِ في الذال وإن كان بعضُ الناسِ ضَعَّفَه بأنه يَلْزَمُ الجمعُ بين ساكنين والأولُ ليسَ حرفَ لين، قال: «بخلاف» يَلْهَثُ ذلك «حيث أُدْغِم الثاءُ في الذالِ لانتفاءِ التقاءِ الساكنين، إذ الهاءُ قبلَ الثاءِ متحركةٌ».
وقد تَضَمَّنَتْ هذه الآية الكريمةُ أنواعاً من الفصاحةِ والبلاغةِ فمنها: الإِتيانُ بها مُجْمَلَةً، ومنها: جَعْلُه لها نفس الشهوات مبالغةً في التنفير عنها، ومنها: البَدَاءَةُ بالأهمِّ فالأهمِّ، فَقَدَّم أولاً النساءَ لأنهن أكثرُ امتزاجاً ومخالطةً بالإِنسانِ، وهُنَّ حبائِلُ الشيطان، قال عليه السلام: «ما تَرَكْتُ بعدي فتنةً أَضَرَّ على الرجالِ مِنَ النساءِ» «ما رأيتُ مِنْ ناقصاتِ عقلِ ودينٍ أَسْلَبَ لِلُبِّ الرجلِ منكُنَّ» ويُرْوى: «الحازمِ منكن». وقيل: «فيهن فتنتان، وفي البنين
ومنها: بناءُ الفعلِ للمفعول؛ لأنَّ الغرضَ الإِعلامُ بحصول ذلك. ومنها: إضافةُ الحُبِّ للشهوات، والشهواتُ هي الميلُ والنزوع إلى الشيء.
ومنها التجنيس: «القناطير المقنطرةِ». ومنها: الجمعُ بين ما يشبه المطابقة في قوله: «والذهب والفضة» لأنهما صارا متقابلين في غالِب العُرف. ومنها: وصفُ القناطيرِ بالمقنطرة الدالةِ على تكثيرها مع كثرتها في ذاتها. ومنها: ذِكْرُ هذا الجنس بمادة الخيل لِما في/ اللفظ من الدلالة على تحسينه، ولم يقل: الأفراس، وكذا قوله: «والأنعام» ولم يَقُل الإبل والبقر والغنم، ولأنه أَخْضَرُ.
قوله: ﴿المآب﴾ هو مَفْعَل من: آب يؤوب أي رَجَع، والأصل: مَأْوَب فَنُقِلت حركةُ الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها، فَقُلِبت الواوُ ألفاً، وهو هنا اسمُ مصدرٍ أي: حَسَنُ الرجوعِ، وقد يقع اسم مكان أو زمان، تقول: آبَ يَؤُوب أَوْباً وإياباً ومآباً، فالأْوْب والإِياب مصدران والمآبُ اسمٌ لهما.
واعلم أنه لا بُدَّ مِنْ ذِكْر اختلاف القراء في هذه اللفظةِ وشِبْهها وتحريرِ مذاهبهم فإنه موضعٌ عَسِرُ الضبط فأقول بعونِ الله تعالى: الواردُ من ذلك القرآن الكريم ثلاثةُ مواضعَ: أعني همزتين أولاهما مفتوحةٌ والثانيةُ مضمومة من كلمةٍ واحدة، الأولُ هذا الموضعُ، والثاني في ص: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، الثالث في القمر: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ [القمر: ٢٥]. والقُرَّاء فيها على خمسِ مراتبَ، إحداها: مرتبة قالون، وهي تسهيلُ الثانيةِ بينَ بينَ، وإدخالُ ألفٍ بين الهمزتين بلا خلافٍ كذا رواه عن نافع. الثانية: مرتبة ورش وابن كثير، وهي
ونقل أبو البقاء أنه قُرىء: «أَوُنَبِّئكم» بواو خالصة بعد الهمزة لانضمامها، وليس ذلك بالوجهِ. وفي قوله «أؤنبئكم» التفاتٌ من الغَيْبَةِ في قوله: «للناس» إلى الخطاب تشريفاً لهم.
قوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾ متعلقٌ بالفعل، وهذا الفعلُ لَمَّا لم يُضَمَّنْ معنى «أَعْلم» تعدَّى لاثنين، الأولُ تعدَّى إليه بنفسه وإلى الثاني بالحرف، ولو ضُمِّن معناها لتعدَّى إلى ثلاثة.
و ﴿مِّن ذلكم﴾ متعلِّقٌ بخير؛ لأنه على بابِه من كونِه أَفْعَلَ تفضيلٍ، والإِشارةُ بذلكم إلى ما تقدَّم من ذكرِ الشهوات، وتقدَّم تسويغُ الإِشارة بالمفرد إلى الجمع. ولا يجوزُ أن تكونَ «خير» ليست للتفضيل، ويكونُ المرادُ به خيراً من الخيور، وتكون «مِنْ» صفةً لقولِه: «خير». قال أبو البقاء: «مِنْ» في
قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتقوا﴾ [يجوز فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه متعلق بخير، ويكونُ الكلامُ قد تَمَّ هنا] ويرتفعُ «جنات» على خبر مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: هو جنات، أي: ذلك الذي هوخيرٌ مِمَّا تقدم جناتٌ، والجملةُ بيانٌ وتفسيرٌ للخيريَّة، ومثلُه: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذلكم﴾ ثم قال: ﴿النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ﴾ [الحج: ٧٣]، ويؤيد ذلك قراءة «جنات» بكسر التاء على أنها بدل من «بخير» فهي بيانٌ للخير. والثاني: أن الجارَّ خبرٌ مقدم، و «جنات» مبتدأٌ مؤخرٌ، أو يكونُ «جناتٌ» فاعلاً بالجار قبله، وإنْ لم يعتمد عند مَنْ يرى ذلك. وعلى هذين التقديرين فالكلامُ تَمَّ عند قولِه: «من ذلكم»، ثم ابتدأ بهذه الجملة وهي أيضاً مبيِّنةٌ ومفسرةٌ للخيرية.
وأمَّا الوجهان الآخران فذكرهما مكي مع جر «جنات»، يعني أنه لم يُجِز الوجهين، إلا إذا جَرَرْتَ «جنات» بدلاً مِنْ «بخير». الوجه الأول: أنه متعلقٌ بأؤنبئكم. الوجه الثاني: أنه صفةٌ لخير. ولا بُدَّ من إيرادِ نصه فإنَّ فيه إشكالاً.
قال رحمه الله: بعد أن ذَكَرَ أنَّ «للذين» خبرٌ مقدم و «جناتٌ» مبتدأ «ويجوزُ الخفضُ في» جنات «على البدلِ من» بخير «على أن تَجْعَلَ اللام في» للذين «متعلقةً بأؤنبئكم، أو تجعلَها صفةً لخير، ولو جَعَلْتَ اللامَ متعلقةً
ولكنْ الوجهانِ ضعيفان من جهةٍ أخرى: وهو أنَّ المعنى ليس واضحاً على ما ذكر، مع أنَّ جَعْلَه أنَّ اللامَ صفةٌ لخير أقوى مِنْ جَعْلها متعلقةً بأؤنبئكم إذ لا معنى له. وقوله: «في الظروف وحروفِ الجر أنها عند الحُذَّاق إنما ترفع الفاعل إذا كانت صفاتٍ» وقوله: «وكذلك إذ كُنَّ أحوالاً» فيه قصورٌ؛ لأنَّ هذا الحكمَ مستقرٌ لها في مواضعَ، منها الموضعان اللذان ذكرهما. ثالثهما: أن يقَعا صلةً. رابعها: أن يقعا خبراً لمبتدأ. خامسها: أن يعتمدا على نفي. سادسها: أن يعتمدا على استفهامٍ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا، وإنَّما أَعدْتُه لبُعْدِ عَهْدِهِ.
قوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدُها: أنه في محل نصبٍ على
وقرأ يعقوب «جنات» بكسر التاء، وفيها ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها بدلٌ من لفظ «خير» فتكونُ مجرورةً، وهي بيانٌ له كما تقدم. والثاني أنها بدلٌ من محل «بخير» ومحلُّه النصب، وهو في المعنى كالأول/. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار أعني، وهو نظيرُ الوجهِ الصائرِ إلى رفعه على خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
قوله: ﴿تَجْرِي﴾ صفةٌ لجنات، فهو في محلِّ رفعٍ أو نصب أو جر على حَسَب القراءتين والتخاريج فيهما. و ﴿مِن تَحْتِهَا﴾ متعلِّقٌ بتجري، وجَوَّز فيه أبو البقاء أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الأنهار قال: «أي: تَجْرِي الأنهارُ كائنةً تحتها»، وهذا يُشْبِهُ تهيئة العاملِ للعمل في شيء وقَطْعَه عنه.
قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ مقدَّرة، وصاحبُها الضميرُ المستكِنُّ في «للذين» والعاملُ فيها حينئذٍ الاستقرارُ المقدَّرُ. وقال أبو البقاء: «إنْ شِئْتَ من الهاء في» تحتها «. وهذا الذي ذكره إنما يتمشَّى على مذهبِ الكوفيين، وذلك أنَّ
قوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ﴾ مَنْ رفع «جنات» كما هو المشهورُ كان عَطْفُ «أزواج» و «رضوان» سهلاً. ومَنْ كسر التاء فيجب حينئذٍ على قراءته أن يكونَ مرفوعاً على أنه مبتدأٌ خبرُه مضمرٌ، تقديرُه: ولهم أزواجٌ ولهم رضوان، وتقدَّمَ الكلامُ على ﴿أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ في [البقرة: ٢٥].
وفي «رضوان» لغتان: ضَمُّ الراءِ وهي لغةُ تميم، والكسرُ وهي لغةُ الحجاز، وبها قَرَأ العامة إلا أبا بكر عن عاصم فإنه قرأ بلغة تميم في جميع القرآن، إلا في الثانية مِنْ سورة المائدة، وهي: ﴿مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ﴾ [الآية: ١٦] فبعضُهم نَقَل عنه الجزَم بكسرها، وبعضُهم نقل عنه الخلافَ فيها خاصة.
وهل هما بمعنًى واحدٍ أو بينهما فرقٌ؟ قولان، أحدهما: أنهما مصدران بمعنى واحدٍ لرَضي يَرْضَى. والثاني: أنَّ المكسور اسم ومنه: رِضْوان خازنُ الجنة صلى الله على نبينا وعلى أنبيائه وملائكته، والمضمومُ هو المصدر. و «مِن الله» صفةٌ لرضوان.
والنصبُ من وجهٍ واحد، وهو النصبُ بإضمار أَعْني أو أمدحُ، وهو نظيرُ الرفعِ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، ويُسَمَّيان الرفعَ على القطعِ والنصبَ على القطعِ. والجَرُّ مِنْ وجهين، أحدهما: النعتُ والثاني البدلُ، ثم لك في جَعْلِه نعتاً أو بدلاً وجهان، أحدُهُما: جَعْلُه نعتاً للذين اتقوا أو بدلاً منه. والثاني: جَعْلُه نعتاً للعباد أو بدلاً منهم. واستضعف أبو البقاء جَعْلَه نعتاً للعباد. قال: «لأنَّ فيه تخصيصاً لعلمِ الله تعالى، وهو جائزٌ على ضَعْفِهِ، ويكون الوجهُ فيه إعلامَهم بأنه عالمٌ بمقدار مشقتهم في العبادة فهو يُجازِيهم عليها كما قال: ﴿والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
والجملةُ من قوله:» واللهُ بصيرٌ «يجوز أن تكونَ معترضةً لا محلَّ لها إذا جَعَلْتَ ﴿الذين يَقُولُونَ﴾ تابعاً للذين اتقوا نعتاً أو بدلاً، وإنْ جَعَلْتَه مرفوعاً أو منصوباً فلا.
١١٩٨ - بَكَرْنَ بُكوراً واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ | فهنَّ ووادي الرَّسِّ كاليدِ للفَم |
١١٩٩ - يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها | إذا غَرَّدَ الطائرُ المُسْتَحِرْ |
١٢٠٠ - وأَدْلَجَ مِنْ طِيْبَةٍ مسرعاً | فجاءَ إلينا وقد أَسْحَرَا |
والسَّحْر بسكون الحاء مُنْتهى قَصَبةِ الرئة، ومنه قولُ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ماتَ بين سَحْري ونَحْري» سُمِّي بذلك لخفائِه، و «سَحَر» فيه كلام كثير، بالنسبةِ إلى الصرف وعدمه، والتصرفِ وعدمهِ، والإِعرابِ وعدمِه، يأتي تفصيلُها إن شاء الله تعالى عند ذِكْرِهِ إذ هو الأليقُ به.
وقوله: ﴿والصادقين﴾ وما عُطِف عليه. إن قيل: كيف دَخَلَتِ الواوُ على هذه الصفاتِ وكلُّها لقبيلٍ واحد؟ ففيه جوابان، أحدُهما أنَّ الصفاتِ إذا تكرَّرت جازَ أن يُعْطَفَ بعضُها على بعضٍ بالواوِ، وإنُ كانَ الموصوفُ بها واحداً، ودخولُ الواوِ في مثل هذا تفخيمٌ، لأنه يُؤْذِنُ بأن كلَّ صفةٍ مستقلةٌ بالمدحِ. والجوابُ الثاني: أن هذه الصفاتِ متفرقةٌ فيهم، فبعضُهم صابرٌ، وبعضُهم صادِقٌ، فالموصوفُ بها متعدِّدٌ، هذا كلامُ أبي البقاء.
وقال الزمخشري: «الواوُ المتوسطةُ بين الصفاتِ للدلالةِ على كمالهم في كلِّ واحدة منها». قال الشيخ: «ولا نعلمُ العطفَ في الصفة بالواو يَدُّلُّ على الكمالِ» قلت: قد عَلِمَه علماءُ البيان، وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه المسألةِ في أوائلِ سورة البقرة، وما أنشدْتُه على ذلك من لسانِ العرب. والباء في «بالأسحارِ» بمعنى في.
١٢٠١ - لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ | .......................... |
وقرأ أبو المهلب عمُّ محارب بن دثار: «شهداءَ الله» جمعاً على فُعَلاء
وقرأ أبو المهلب أيضاً في رواية: «شُهُداً اللهَ» بضم الشين والهاء والتنوين ونصبِ الجلالةِ المعظمةِ، وهو منصوبٌ على الحالِ، جمع شهيد نحو: نَذِير ونُذُر، واسمُ اللهِ منصوبٌ على التعظيم أي: يَشْهدون اللهَ أي: وحدانيتَه.
ورَوى النقاش أنه قُرىء كذلك، إلا أنه قال: «برفعِ الدال ونصبها» والإِضافةُ للجلالةِ المعظمة. فالنصبُ والرفعُ على ما تقدَّم في «شهداء»، وأما الإِضافةُ فتحتملُ أنْ تكونَ محضةً، بمعنى أنك عَرَّفْتهم بإضافتِهم إليه من غير تَعَرُّضٍ لحدوثِ فِعْلٍ، كقولك: عباد الله، وأَنْ تكونَ مِنْ نصبٍ كالقراءةِ قبلَها فتكونَ غيرَ محضةٍ. وقد نقل الزمخشري أنه قُرىء: «شُهَداء لله» جَمْعاً على فُعَلاء وزيادةِ لامِ جر داخلةً على اسمِ اللهِ، وفي الهمزةِ الرفعُ والنصبُ وخَرَّجهما على ما تقدَّم من الحالِ والخبر.
قوله: «أنه» العامَّةُ على فتحِ الهمزةِ، وإنما فُتِحَتْ لأنها على حَذْفِ حرفِ، الجر، أي: شَهِدَ الله بأنه لا إله إلا هو، فَلَّما حُذِفَ الحرفُ جازَ أن يكونَ محلُّها نصباً وأن يكونَ محلُّها جَرَّاً كما تقدَّم تقديره.
وقرأ ابن عباس: «إنه» بكسرِ الهمزةِ، وفيها تخريجان، أحدُهما: إجراءُ «شَهِدَ» مُجْرى القولِ لأنه بمعناه، وكذَا وقَعَ في التفسير: شَهِد الله أي: قال الله، ويؤيِّده ما نَقَله المؤرِّج أن «شَهِد» بمعنى «قال» لغةُ قيس بن عيلان. والثاني: أنها جملةُ اعتراضٍ بين العامل وهو شهد وبين معمولهِ وهو قولُه ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾، وجازَ ذلك لِما في هذه الجملةِ من التأكيدِ وتقويةِ المعنى، وهذا إنما يتجه على قراءةِ فَتْحِ «أَنَّ» من «أنَّ الدينَ»، وأمَّا على قراءةِ الكسرِ فلا يجوزُ، فيتعيَّنُ الوجهُ الأولُ.
والضميرُ في «أنه» يَحْتمل العَوْدَ على الباري لتقدُّمِ ذكرهِ، ويَحْتمل أن يكونَ ضميرَ الأمر، ويؤيِّدُ ذلك قراءةُ عبد الله: ﴿شَهِدَ الله أَنْ لا إلهَ إلا هو﴾ فأَنْ مخففةٌ في هذه القراءةِ، والمخففةُ لا تعملُ إلاَّ في ضميرِ الشأنِ ويُحْذَفُ حينئذٍ، ولا تَعْمَلُ في غيرِه إلا ضرورةً.
قوله: ﴿قَآئِمَاً بالقسط﴾ في نصبِه أربعةُ أوجه أحدُها: أنه منصوبٌ على الحالِ، واختلف القائلُ بذلك: فبعضُهم جَعَلَه حالاً من اسمِ الله، فالعاملُ فيها «شَهِدَ». قال الزمخشري: «وانتصابهُ على أنَه حالٌ مؤكِّدةٌ منه كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً﴾. قال الشيخ:» وليس من بابِ الحالِ المؤكدةِ لأنه ليس من باب: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾ [مريم: ١٥] ولا من باب «أنا عبدُ الله شجاعاً» فليس «قائماً بالقسط» بمعنى شَهِد، وليس مؤكداً لمضمونِ الجملةِ السابقةِ في نحو: أنا عبدُ الله شجاعاً وهو زيدٌ شجاعاً، لكنْ في هذا التخريجَ قَلَقٌ في التركيبِ، إذ يصير كقولك: «أَكلَ زيدٌ طعاماً وعائشةُ وفاطمةُ جائعاً» فَيَفْصِل بين المعطوفِ عليه والمعطوفِ بالمفعول، وبين الحالِ وذي الحال بالمفعولِ والمعطوفِ، لكنْ بمشيئةِ كونِها كلِّها معمولةً لعاملٍ واحدٍ «. انتهى.
قلت: مؤاخَذَتُهُ له في قولِهِ:» مؤكدةُ «غيرُ ظاهرٍ، وذلك أنَّ الحالَ على قسمين: إمَّا مؤكدةٌ وإمَّا مُبَيِّنة، وهي الأصلُ، فالمُبَيِّنَةُ لا جائزٌ أن تكونَ ههنا، لأنَّ المبيِّنة تكونُ متنقلةً، والانتقالُ هنا مُحالٌ، إذ عَدْلُ اللهِ تعالى لا يتغيَّرُ، فإنْ قيل لنا قسمٌ ثالثٌ، وهي الحالُ اللازمةُ فكانَ للزمخشري مندوحةٌ عن قوله» مؤكدة «ألى قوله» لازمةٌ «فالجوابُ أنَّ كلَّ مؤكدةٍ لازمةٌ وكلَّ لازمةٍ مؤكدةٌ
وقولُه: «ليس معنى قائماً بالقسط معنى شهد» ممنوعٌ بل معنى «شَهِد» مع متعلَّقهِ وهو أنه لا إله إلا هو مساوٍ لقولِه «قائماً بالقسط» لانَّ التوحيدَ ملازمٌ للعدلِ.
ثم قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: لِمَ جاز إفرادهُ بنصبِ الحالِ دون المعطوفَيْنِ عليه، ولو قلت:» جاءني زيدٌ وعمرو راكباً «لم يَجُزْ؟ قلت: إنما جازَ هذا لعدمِ الإِلباسِ كما جاز في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] إن انتصب» نافلةً «حالاً عن» يعقوب «ولو قُلْتَ:» جاءني زيدٌ وهند راكباً «جاز لتميُّزِه بالذُّكورة.
قال الشيخ:» وما ذَكَره مِنْ قوله: «جاءني زيدٌ وعمروٌ راكباً» أنه لا يجوزُ ليس كما ذَكَر، بل هذا جائزٌ لأنَّ الحالَ قَيْدٌ فيمن وَقَعَ منه أو به الفعلُ أو ما أشبهَ ذلك، وإذا كان قيداً فإنه يُحْمَل على أقرب مذكورٍ، ويكون «راكباً» حالاً مِمَّا يَليه، ولا فرقَ في ذلك بين الحالِ والصفِة، لو قلت: «جاءني زيدٌ وعمروٌ الطويلُ» كان «الطويلُ» صفةً لعمرو، ولا تقولُ: لا تجوزُ هذه المسألةُ لِلَّبْس، إذ لا لَبْسَ في هذا وهو جائزٌ، وكذلك الحالِ. وأمَّا قولُه: «إنَّ نافلةً» انتصَب حالاً عن يعقوب «فلا يتعيَّنُ أَنْ يكونَ حالاً عن يعقوب؛ إذ يُحتمل أَنْ يكونَ» نافلةً «مصدراً كالعاقبة والعافِية، ومعناه: زيادة، فيكونُ ذلك شاملاً/ لإِسحاق ويعقوب لأنهما زيدا لإِبراهيم بعد ابنه إسماعيل وغيره» قلت: مرادُ الزمخشري بمنع «جاءني زيد وعمرو راكبا» إذ أُريد أَنَّ الحالََ منهما معاً، أمَّا
وفي المسألةِ قولٌ ثانٍ لأبي إسحاق أنَّ العاملَ فيها هو خبرُ المبتدأ لِما ضُمِّنَ من معنى المشتقِ إذْ هو بمعنى المُسَمَّى. وقولٌ ثالثٌ: أنَّ العاملَ فيها المبتدأ لِما ضُمِّن مِنْ معنى التنبيه، وهي مسألةٌ طويلةٌ. وبعضُهم جَعَلَه حالاً من الجميع على اعتبارِ كلِّ واحدٍ واحدٍ قائماً بالقسط، وهذا مناقضٌ لِما قاله الزمخشري من أنَّ الحالَ مختصةٌ باللهِ تعالى دونَ ما عُطِف عليه. وهذا المذهبُ مردودٌ بأنه لو جازَ ذلك لجازَ «جاء القومُ راكباً» أي: كلُّ واحدٍ منهم راكباً، والعربُ لا تقولُ ذلك البتَة، فَفَسَدَ هذا، فهذه ثلاثةُ أوجهٍ في صاحبِ الحال.
الوجهُ الثاني من أوجهِ نصبِ «قائماً» نصبُه على النعتِ للمنفيِّ بلا، كأنه قيل: لا إلَه قائماً بالقسطِ إلا هو. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هَلْي يجوزُ
قال الشيخ: وكان الزمخشري قد مَثَّل في الفصلِ بين الصفةِ والموصوفِ بقولِه: «لا رجلَ إلا عبدُ الله شجاعاً قال:» وهذا الذي ذَكَره لا يجوزُ لأنه فَصَلَ بين الصفةِ والموصوفِ بأجنبي وهو المعطوفان اللذان هما «والملائكةُ وأولوا العلم» وليسا معمولَيْنِ لشيءٍ من جملةِ «لا إله إلا هو» بل هما معمولان لشَهِدَ، وهو نظيرُ: «عَرَفَ زيدٌ أنَّ هنداً خارجةٌ وعمروٌ وجعفرٌ التميمية» فَيُفْصَلُ بين «هند والتميمية» بأجنبي ليس داخلاً في حَيِّز ما عمل فيها، وذل الأجنبيُّ هو «وعمرو وجعفر» المرفوعان المعطوفان على «زيد». وأمَّا المثالُ الذي مَثَّل به وهو «لا رجلَ إلا عبدُ الله شجاعاً» فليس نظيرَ تخريجِهِ في الآية، لأنَّ قولَك «إلا عبدُ الله» بدلُ على الموضعِ من «لا رجلَ» فهو تابعٌ على الموضعِ، فليس بأجنبي، على أَنَّ في جوازِ هذه التركيبِ نظراً، لأنه بدلٌ و «شجاعاً» وصفٌ، والقاعدةُ أنه إذا اجتمع البدلُ والوصفُ قُدِّم الوصفُ؛ وسَببُ ذلك أنه على نية تكرارِ العامل على الصحيح، فصار من جملة أخرى على هذا المذهب «.
الوجهُ الثالثُ: نصبُه على المدحِ. قال الزمخشري:» فإن قلت: أليس من حقِّ المنتصبِ على المدح أن يكونَ معرفةً، كقولك: «الحمدُ لله الحميدَ» «إنَّا معاشرَ الأنبياء لا نُورَث».
١٢٠٢ - إنا بني نَهْشَلٍ لا نَدَّعي لأبٍ | ...................... |
١٢٠٣ - ويَأْوِي إلى نَسْوةٍ عُطَّّلٍ | وشُعْثَاً مَراضيعَ مثلَ السَّعالِي |
قال الشيخ: «انتهى هذا السؤال وجوابُه، وفي ذلك تخليط، وذلك أنه لم يُفَرِّق بين المنصوب على المدح أو الذم أو الترحم، وبين المنصوبِ على الاختصاص، وجَعَل حكمَهما واحداً، وأوردَ مثالاً من المنصوب على المدح وهو:» الحمدُ لله الحميدَ «ومثالين من المنصوبِ على الاختصاص وهما:» إنا معاشر الأنبياء لا نورث «» إنا بني نهشل لا نَدَّعي لأب «. والذي ذَكَره النحويون أنَّ المنصوبَ على المدحِ أو الذم أو الترحم قد يكونُ معرفةً، وقبله معرفةٌ تَصْلُح أن يكونَ تابعاً لها وقد لا تَصْلَحُ، وقد يكونُ نكرةً كذلك، وقد يكونُ نكرة وقبلها معرفةٌ فلا يصلُحُ أن يكونَ نعتاً لها، نحو قول النابغة:
١٢٠٤ - أََقارعُ عَوْفٍ لا أُحاولُ غيرَها | وجوهَ قرودٍ تَبْتَغي مَنْ تجادِعُ |
الوجه الرابع: نَصْبُه على القطع أي: إنه كان مِنْ حَقِّه أَنْ يَرْتفع نعتاً لله تعالى بعد تعريفِهِ بأل، والأصل: شَهِدَ اللهُ القائمُ بالقسط، فلما نُكِّر امتنع إتباعُهُ فَقُطِعَ إلى النصب. وهذا مذهبُ الكوفيين، ونَقَلَهُ بعضُهم عن الفراء وحدَه، ومنه عندَهم قولُ امرىء القيس:
١٢٠٥ -...................... | وعالَيْن قِنْوَاناً من البُسْر أحمرا |
فتحصَّل في رفع» القائم «على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه: النعتُ والبدلُ وخبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. ونُقِلَ عن عبد الله أيضاً أنه قرأ:» قائمٌ بالقسط «بالتنكير، ورفعُه من وجهي البدل وخبر المبتدأ.
وقرأ أبو حنيفة: «قَيِّماً» بالنصبِ على ما تقدَّم. فهذه أربعةُ أوجه حَرَّرَتْها من كلام القوم.
والظاهر أن رفع «الملائكةُ» وما بعدَهُ عطفٌ على الجلالة المعظمة. وقال بعضُهم: «الكلامُ تَمَّ عند قولِهِ: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ وارتفَعَ» الملائكة «بفعل مضمرٍ تقديرُهُ: وشَهِدَ الملائكة وأولو العلم بذلك» وكأنَّ هذا الذاهبَ يرى أنَّ شهادة اللهِ مغايرةٌ لشهادة الملائكة وأولي العلم، ولا يُجِيزُ إعمال المشترك في معنييه فاحتاجَ من أجلِ ذلك إلى إضمارِ فعلٍ يُوافِقُ هذا المنطوقَ لفظاً ويخالِفُهُ معنى، وهذا يَجِيءُ نظيرُهُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هل دَخَلَ قيامُه بالقسط في حكمِ شهادةِ الله والملائكة وأولي العلم كما دَخَلَتْ الوحدانيةُ؟ قلت: نعم إذا جعلتَهُ
قوله: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها مكررةٌ للتوكيد. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: لِمَ كَرَّر قولَه ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ ؟ قلت: ذَكَرَه أولاً للدلالةِ على اختصاصِهِ بالوحدانيةِ، وأنه لا إله إلا تلك الذاتُ المتميِّزَة، ثم ذَكَرَهُ ثانياً بعد ما قَرَن بإثباتِ الوحدانية إثبات العدل للدلالةِ على اختصاصِهِ بالأمرين، كأنه قال: لا إله إلا هو الموصوفُ بالصفتين، ولذلك قَرَنَ به قولَه: ﴿العزيز الحكيم﴾ لتضمُّنِها معنى الوحدانية والعدل».
وقال بعضُهم: «ليس بتكريرٍ؛ لأنَّ الأولَ شهادةُ الله تعالى وحدَه، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم»، وهذا كما تقدَّم عند مَنْ يرفع «الملائكة» بفعلٍ آخرَ مضمرٍ لِمَا ذكرتُهُ من أنه لا يرى إعمالَ المشترك، وأن الشهادتين متغايرتان، وهو مذهبٌ مرجوح. وقال الراغب: «إنما كرَّر لا إله إلا هو لأنَّ صفات التنزيهِ أشرفُ مِنْ صفاتِ التمجيد، لأنَّ أكثرَها مشاركٌ في ألفاظِها العبيدُ فيصِحُّ وَصْفُهم بها، ولذلك وَرَدَتْ ألفاظُ التنزيهِ في حَقِّه أكثرَ وأَبْلَغَ».
قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ من «هو». الثاني: أنه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ. الثالث: أنه نعتٌ ل «هو»، وهذا إنَّما يتمَشَّى على مذهبِ الكسائي، فإنه يرى وصفَ الضمير الغائب، ويتقدَّم نحو هذا في قوله: ﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم﴾ [البقرة: ١٦٣].
وأمَّا قراءةُ الكسائي ففيها أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من «أنه لا إله إلا هو» على قراءةِ الجمهور في «أنه لا إله إلا هو» وفيه وجهان، أحدهما: أنه من بدلِ الشيءِ من الشيء، وذلك أنَّ الدين الذي هو الإِسلام يتضمَّنُ العدْلَ والتوحيدَ وهو هو في المعنى. والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الإِسلامَ يشتمِلُ على التوحيدِ والعَدْلِ.
الثاني من الأوجه السابقة أن يكونَ «أنَّ الدين» بدلاً من قوله «قائماً بالقسط» ثم لك اعتباران، أحدُهما: أَنْ تَجْعَله بدلاً من لفظِهِ فيكونُ محلُّ «أنَّ الدين» الجرَّ. والثاني: أن تجعلَه بدلاً مِنْ مَوْضِعِه فيكونُ محلُّها نصباً. وهذا الثاني لا حاجةَ إليه وإن كان أبو البقاء ذكره، وإنما صَحَّ البدلُ في المعنى؛ لأنَّ الدينَ الذي هو الإِسلامُ قِسْطٌ وعَدْلٌ، فيكونُ أيضاً من بدلِ الشيءِ من الشيء، وهما لعينٍ واحدةٍ/. ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ اشتمال لأنَّ الدينَ مشتملٌ على القسطِ وهو العدلُ. وهذه التخاريجُ لأبي علي الفارسي، وتَبِعَهُ
ثم قال: «وعلى البدل من» أنه «خَرَّجه هو وغيرُه، وليس بجيد لأنه يُؤَدِّي إلى تركيبٍ بعيدٍ أَنْ يأتيَ مثلُه في كلامِ العربِ وهو:» عَرَف زيدٌ أنه لا شجاعَ إلا هو وبنو دارم ملاقياً للحروب لا شجاع إلا هو البطل الحامي أنَّ الخَصْلَةَ الحميدةَ هي البسالةُ «وتقريبُ هذا المثال:» ضرب زيدٌ عائشةً والعُمَران حَنِقاً أختَك «فَحَنِقاً حالٌ من زيد، وأختَك بدلٌ من عائشةً، ففصل بين البدلِ والمبدلِ منه بالعطفِ، وهو لا يجوزُ، وبالحالِ لغيرِ المُبْدَلِ منه، وهو لا يجوزُ، لأنه فُصِلَ بأجنبي بين المُبْدَلِ منه والبدل» انتهى.
قوله: «عرف زيد» هو نظيرُ: «شهد الله» وقوله: «أنه لا شجاع إلا هو» نظير «أنه لا إله إلا هو».
وقوله: «وبنو دارم» نظير قوله: «والملائكة». وقوله: «ملاقياً للحروب» نظيرُ قوله: «قائما بالقسط، وقوله» لا شجاع إلا هو «نظير قوله:» لا إله إلا هو «فجاء به مكرراً كما في الآية، وقوله:» البطل الحامي «نظيرُ قولهِ:» العزيز الحكيم «وقوله» أن الخصلة الحميدة هي البسالة «نظيرُ قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ ولا يَظْهَرُ لي مَنْعُ ذلك ولا عَدَمُ صحةِ تركيبه حتى يقول» ليس بجيد «وبعيد أن يأتي عن العرب مثله». وما ادَّعاه بقولِهِ في المثال الثاني أنَّ فيه الفصلَ بأجنبي فيه نظرٌ، إذ هذه الجملُ صارَتْ كلُّها كالجملة الواحدة لِمَا اشتملت عليه من تقويةِ كلماتٍ
ثم قال الشيخ: «قال الزمخشري: وقُرئا مفتوحين على أنَّ الثاني بدلٌ من الأول كأنه قيل: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ عند الله الإِسلامُ، والبدلُ هو المبدلُ منه في المعنى، فكانَ بياناً صريحاً لأنَّ دينَ الإِسلام هو التوحيدُ والعدلُ». قال: «فهذا نَقْلُ كلامِ أبي عليّ دونَ استيفاءٍ».
الثالث من الأوجه: أَنْ يكونَ «أنَّ الدينَ» معطوفاً على «أنه لا إله إلا هو»، حُذِفَ منه حرفُ العطفِ، قاله ابن جرير، وضَعَّفَهُ ابنُ عطيَّة، ولم يبيِّن وجهَ ضَعْفِهِ.
قال الشيخ: «وَجْهُ ضَعفِهِ أنه متنافِرُ التركيب مع إضمارِ حرفِ العطفِ، فَيُفْصَلُ بين المتعاطِفَيْنِ المرفوعَيْن بالمنصوبِ المفعولِ، وبين المتعاطفين المنصوبين بالمرفوعِ وبجملتي الاعتراضِ، وصار في التركيبِ نظيرَ قولِك:» أكل زيدٌ خبزاً وعمروُ سمكاً «يعني فَفَصْلتَ بين» زيد «وبين» عمر «ب» خبزاً «، وفصلْتَ بين» خبزاً «وبين» سمكاً «بعمرٍو، إذ الأصلُ قبل الفصل:» أكل زيدٌ وعمر خبزاً وسمكاً «.
الرابعُ: أَنْ يكونَ معمولاً لقولِهِ:» شهِدَ الله «أي: شَهِدَ الله بأنَّ الدينَ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ جازَ أَنْ يَحْكُمَ على موضِعِه بالنصب أو بالجرِّ. فإنْ قلت: إنما يتجهُ هذا التخريجُ على قراءةِ ابن عباس، وهي كسرُ إنَّ الأولى، وتكون حينئذٍ الجملةُ اعتراضاً بين» شَهِدَ «وبين معمولِهِ كما قَدَّمْتُهُ، وأمَّا على قراءةِ
وهو كلامٌ مُشْكِلٌ في نفسِهِ، ومعنى قولِهِ: «على الشرط» أي: العلة، سَمَّى العلةَ شرطاً لأنَّ المشروطَ متوقفٌ عليه كتوقُّفِ المعلولِ على علتِهِ، فهو علَّةٌ، إلا أنه خلافُ اصطلاحِ النحويين.
ثم اعترَضَ الواحديُّ على هذا التخريجِ بأنه لو كانَ كذلك لم يَحْسُنْ إعادةُ اسمِ الله ولكانَ التركيبُ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾، لان الاسمَ قد سَبَقَ فالوجهُ الكنايةُ، ثم أجاب بأنَّ العربَ ربما أعادت الاسمَ موضعَ الكناية وأنشد:
١٢٠٦ - لا أَرَى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ | نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنى والفقيرا |
الخامس: أَنْ تكونَ على حَذْفِ حرفِ الجر معمولةً لِلَفْظِ «الحكيم» كأنه
١٢٠٧ - أَمِنْ ريحانَةَ الداعي السميعُ | ....................... |
وأمَّا على قراءة ابنِ عباس فكذلك نقول، ولا نجعل «أنَّ الدين» معمولاً ل «شهد» كما زَعَمُوا وأن «إنه لا إله إلا هو» اعتراضٌ يعني بين الحال وصاحبها وبين «شهد» ومعمولِهِ، وسيأتي إيضاحُ ذلك بل نقولُ: معمولُ «شَهِدَ» هو «إنه» بالكسرِ على تخريجِ مَنْ خَرَّجَ أنَّ «شهد» لَمَّا كان بمعنى القولِ كُسِرَ ما بعدَه إجراءً له مُجْرَى القولِ، أو نقول «إنه» معموله وعُلِّقَتْ، ولم تَدْخُلِ اللامُ في الخبر لأنه منفيٌّ، بخلافِ أَنْ لو كان مثبتاً فإنك تقول: «شهدت إنَّ زيداً لمنطلقٌ» فَتُعَلَّقُ بإنَّ مع وجودِ اللام لأنه لو لم تكن اللامُ لفَتَحْتَ «أنَّ» فقلت: شهدت أنَّ زيداً منطلق، فَمَنْ قرأ بفتح «أنه» فإنه لم يَنْوِ التعليق، ومَنْ كَسَرَ فإنَّه نوى التعليقَ ولم تدْخُل اللامُ في الخبرِ لأنه منفيٌّ كما ذكرنا «انتهى.
وكان الشيخ لَمَّا ذَكَرَ الفصلَ والاعتراضَ بين كلماتِ هذه الآيةِ قال ما نصه:» وأما قراءةُ ابنِ عباس فَخُرِّجَ على ﴿أنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ هو معمولُ شهد، ويكونُ في الكلامِ اعتراضان أحدُهما: بين المعطوفِ عليه والمعطوفِ، وهو «إنه لا إله إلا هو»، والثاني: بين المعطوفِ والحالِ وبين المفعولِ لشَهِدَ وهو: «لا إله إلا هو العزيز الحكيم» وإذا
قلت: ونسبتُه كلامَ أعلامِ الأمة إلى العُجْمَةِ وعَدَمِ معرفتِهِم بكلام العرب وحَمْلُهم كلامَ الله على ما لا يجوز، وأنَّ هذا الوجه الذي ذكره هو تخريجُ سهل واضح غير مقبولةٍ ولا مُسَلَّمةٍ، بل المتبادرُ إلى الذهن ما نقله الناس، وتلك الاعتراضاتُ بين أثناء كلماتِ الآية الكريمة موجودٌ نظيرُها في كلامِ العرب، وكيف يَجْهل الفارسي والزمخشري والفراء وأضرابُهم ذلك، وكيف يتبَجَّح باطِّلاعه على ما لم يَطَّلِعْ عليه مثلُ هؤلاء، وكيف يَظُّنُّ بالزمخشري أنه لا يعرِفُ مواقعَ النَّظْم وهو المُسَلَّمُ له في علم المعاني والبيان والبديع، ولا يشك أحد أنه لا بد لمَنْ يتعرَّض إلى علم التفسير أن يعرف جملةً صالحةً/ من هذه العلوم، وانظر إلى ما حكى صاحب» الكشاف «في خطبته عن الجاحظ وما ذَكَرَهُ في حقِّ الجاهل بهذه العلومِ، ولكن الشيخَ يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعِي أنه لا يُحْتَاجُ إلى هذه العلومِ البتة، فَمِنْ ثَمَّ صدر ما ذكرته عنه.
قوله: ﴿عِندَ الله﴾ ظرفٌ، العاملُ فيه لفظ «الدين» لِمَاك تَضمَّنه من معنى الفعل. قال أبو البقاء: «ولا يكونُ حالاً، لأن» إنَّ «لا تعمل في الحال»
قوله: ﴿بَغْياً﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مفعولٌ من أجلِهِ، العامل فيه «اختلف» والاستثناءُ مفرغٌ. والتقدير: وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيرِهِ. والثاني: أنه مصدرٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «الذين» كأنه قيل: «ما اختلفوا إلاَّ في هذه الحالِ، وليس بقوي، والاستثناءُ مفرَّغٌ أيضاً. [الثالث: أنه منصوبٌ على المصدرِ والعامِلُ فيه مقدَّرٌ] كأنه لَمَّا قيل:» وما اختلف «دَلَّ على معنَى:» وما بَغَى «فهو مصدرٌ مؤكِّدٌ، وهذا قولُ الزجاج، والأولُ قولُ الأخفش، ورجَّحه أبو علي. ووقع بعد» إلا «مستثنيان وهما:» مِنْ بعدِ «و» بَغْياً «وقد تقدَّم تخريجُ ذلك وما ذَكَرَ الناسُ فيه.
قوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ﴾ » مَنْ «مبتدأٌ، وفي خبره الأقوالُ الثلاثةُ، أعني فعلَ الشرطِ وَحْدَهُ، أو الجوابَ وحدَه، أو كلاهما. وعلى القولِ بكونِهِ الجوابَ وحده لا بدَّ من ضمير مقدَّرٍ أي: سريعُ الحسابِ له، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.
قوله: ﴿وَمَنِ اتبعن﴾ في محلِّ «مَنْ» أوجهٌ، أحدُها: الرفعُ عطفاً على
قلت: إنَّما صَحَّ في نحوِ:» أكلتُ رغيفاً وزيدٌ «المشاركةُ لإِمكانِ ذلك، وأمَّا نحوُ الآيةِ الكريمةِ فلا يَتَوَهَّمُ أحدٌ فيه المشاركةَ.
الثاني: أنه مرفوعٌ بالابتداءِ والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقريرُهُ. الثالث: أنه منصوبٌ على المعيَّة، والواوُ بمعنى مع، أي: أَسْلَمْتُ وجهيَ لله مع مَنِ اتَّبعني، قاله الزمخشري أيضاً. قال الشيخُ:» ومِن الجهة التي امتَنَعَ عَطْفُ «ومَنْ» على الضمير إذا حَمَلَ الكلامَ على ظاهِرِهِ دونَ تأويلٍ يمتنعُ كونُ «
الرابع: أنَّ محلَّ» مَنْ «الخفضُ نَسَقاً على اسمِ الله تبارك وتعالى، وهذا الإِعرابُ وإنْ كان ظاهرُهُ مُشْكلاً، فقد يُؤَوَّلَ على معنى: جَعَلْتُ مَقْصَدِي لله بالإِيمانِ به والطاعةِ له ولِمَنْ اتَّبعني بالحفظِ له، والتحفِّي بعلمه وبرأيه وبصحبته.
وقد أثبت الياءَ في» اتَّبعني «نافع وأبو عمرو وصلاً وَحَذفاها وقفاً، والباقون حَذَفُوها فيهما موافقةً للرسم، وحَسَّن ذلك أيضاً كونُها فاصلةً ورأسَ آية نحو:» أَكْرَمَن وأهانَن «وعليه قولُ الأعشى:
١٢٠٨ - وهل يَمْنَعُني ارتيادِي البلا | دَ مِنْ حَذَرِ الموتِ أَنْ يَأْتِيَنْ |
١٢٠٩ - ومِنْ شانِىءٍ كاسِفٍ وجُهه | إذا ما انْتَسَبْتُ له أَنْكَرَنْ |
١٢١٠ - فوالله ما فَارَقْتُكُمْ عن مَلالةٍ | ولكنَّ ما يُقْضَى فسوف يكون |
قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ قرأ حمزة «ويُقاتلِون» من المقاتلة، والباقون: «ويَقْتُلون» كالأولِ، فأمَّا قراءةُ حمزةَ فإنه غايَرَ فيها بين الفعلين وهي موافقةٌ لقراءةِ عبد الله: «وقاتِلوا» من المقاتلة، إلاَّ أنَّه أتى بصيغةِ الماضي، وحمزةُ يُحْتمل أن يكونَ المضارعُ في قراءتِه لحكاية الحالِ ومعناه المضيُّ. وأمَّا الباقون فقيل في قراءتهم: إنما كَرَّر الفعلَ لاختلافِ متعلَّقه، أو كُرِّر تأكيداً، وقيل: المرادُ بأحدِ القَتْلين تفويتُ الروحِ وبالآخرِ الإِهانةُ، فلذلك ذَكَر كلَّ واحدٍ على حِدَتِه، ولولا ذلك لكان التركيبُ «ويقتلون النبيين والذين يَأْمُرون».
وقرأ الحسن: «ويُقَتِّلون» بالتشديد ومعناه التكثيرُ، وجاء هنا «بغيرِ حق» مُنَكَّراً، وفي البقرة ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ [الآية: ٦١] مُعَرَّفاً قيل: لأنَّ الجملةَ هنا أُخْرِجَتْ مُخْرَجَ الشرطِ، وهو عامٌ لا يتخصَّصُ فلذلك ناسَبَ أن تُنَكَّر في سياقِ النفي ليعُمَّ، وأمَّا في البقرةِ فجاءَتْ الآيةُ في ناسٍ مَعْهودين مُشَخَّصِين بأعيانِهم، وكانُ الحقُّ الذي يُقْتَلُ به الإِنسانُ معروفاً عندهم فلم يُقْصَدْ هذا العمومُ الذي هنا، فَجِيءَ في كلَّ مكان بما يناسِبُه. قوله: «من الناس» : إمَّا بيانٌ وإمَّا للتبعيض، وكلاهما معلومٌ أنهم من الناسِ، فهو جارٍ مَجْرى التأكيدِ.
وقوله: ﴿وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ يجوزُ أن تكونَ صفةً معطوفةً على الصفةِ قبلها فتكونُ الواوُ عاطفةً، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضمير المستتر في «منهم» لوقوعِهِ صفةً فتكونُ الواوُ للحالِ، [ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من «فريق» وجاز ذلك وإنْ كان نكرةً لتخصيصِه بالوصفِ قبلَه] وإذا كانَتْ حالاً فيجوزُ أَنْ تكونَ مؤكدةً، لأَنَّ التولَّيَ والإِعراضَ بمعنى، ويجوزُ أن تكونَ مبيِِّنةً لاختلافِ متعلَّقِهما، قالوا: لأنَّ التولِّيَ عن الداعي، والإِعراضَ عَمَّا دُعِي إليه. وُيحْتمل أن تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً لا محلَّ لها أَخبْر عنهم بذلك.
وقرأ الحسن وأبو جعفر والجحدري، «لِيُحْكَمَ» مبنياً للمفعول والقائمُ مقامَ الفاعلِ هو الظرفُ، أي: ليَقَعَ الحكمُ بينهم.
قوله: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ الغُرور: الخِداع، يقال منه: غَرَّه يَغِرُّه غُرورا فهو غارٌّ ومغرور، والغَرور بالفتح مثالُ مبالغة، كالضَّروب، والغِرُّ: الصغير، والغَريرة: الصغيرة لأنهما يَنْخَدِعَان والغِرَّةُ مأخوذة من هذا. يقال: «أخَذَه على غِرَّة» أي: تَغَفُّل وخداع، والغُرَّةُ: بياضٌ في الوجهِ، يقال منه: وَجْهٌ أَغرُّ ورجل [أغرُّ] وامرأة «غَرَّاء»، والجمعُ القياسي: غُرٌّ، وغيرُ القياسي: غُرَّان. قال:
١٢١١ - ثيابُ بني عوفٍ طَهارى نَقِيَّةٌ | وأوجُهُهم عند المَشاهِدِ غُرَّانُ |
قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: الذي كانوا يَفْتَرُونه.
قوله: ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ ظرفٌ مَحْضٌ من غيرِ تضمينِ شرطٍ، والعاملُ فيه العاملُ في «كيف» إنْ قلنا إنَّها منصوبةٌ بفعلٍ مقدَّرٍ كما تقدَّم تقريرُه، وإنْ قلنا: إنَّها خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ وهي منصوبَةٌ انتصابَ الظروفِ كانَ العاملُ في «إذا» الاستقرارَ العاملَ في «كيف» لأنها كالظرفِ. وإنْ قلنا: إنها اسمٌ غيرُ ظرفٍ، بل لمجردِ السؤالِ كان العاملُ فيها نفسَ المبتدأ الذي قَدَّرناه، أي: كيف حالُهم في وقت/ جَمْعِهم.
قوله: ﴿لِيَوْمٍ﴾ متعلِّقٌ بجمعناهم «أي: لقضاء يومٍ أو لجزاء يوم و ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ في صفةٌ للظرف.
١٢١٢ - وما عليكِ أَنْ تقولي كلما | سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ يا اللهم ما |
١٢١٣ - كحَلْفَةٍ من أبي دِثار | يَسْمَعُها اللهُمَ الكُبارُ |
ومن أحكام هذه اللفظةِ أيضاً أنها كَثُرَ دَوْرُها حتى حُذِفَتْ منها الألف واللامُ في قولِهم:» لاهُمَّ «أي: اللهم، وقال الشاعر:
١٢١٤ - لا هُمَّ إنَّ عامرَ بنَ جَهْمِ | أَحْرَم حَجَّاً في ثيابٍ دُسْمِ |
١٢١٥ - لا هُمَّ إنَّ جُرْهُما عِبادُكا | الناسُ طَرْفٌ وهمُ بِلادُكا |
قوله: ﴿مَالِكَ الملك﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من» اللهم «. الثاني: أنه عطفُ بيان. الثالث: أنه منادى ثانٍ، حُذِفت منه حرفُ النداء، أي: يا مالكَ المُلك، وهذا هو البدلُ في الحقيقةِ، إذ البدلُ على نيةِ تكرارِ العاملِ، إلاَّ أنَّ الفرقَ هذا ليسَ بتابعٍ. الرابع: أنه نعتٌ ل» اللهم «على الموضعِ فلذلك نُصِب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنَّ سيبويه لا يُجِيزُ نَعْتَ هذه اللفظةِ لوجودِ الميم في آخِرها، لأنها أَخْرَجَتْها عن نظائرها من الأسماءِ، وأجازَ المبرد ذلك، واختارَه الزجاج قالا: لأنَّ الميمَ بدَلٌّ من» يا «
وانتصرَ الفارسي [لسيبويه] بأنه ليسَ في الأسماءِ الموصوفةِ شيءٌ على حَدِّ «اللهم» فإذا خالَفَ ما عليه الأسماءَ الموصوفَةَ ودخل في حَيِّزِ ما لا يُوصَفُ من الأصواتِ وَجَبَ ألاَّ يوصَفَ، والأسماءُ المناداةُ المفردةُ المعرفةُ القياسُ ألاَّ توصفَ كما ذهب إليه بعضُ الناسِ لأنها واقعةٌ موقعَ ما لا يوصف. وكما أنه لمَّا وَقَع موقعَ ما لا يُعْرَبُ لم يُعْرَبْ، كذلك لَمَّا وَقَعَ مَوْقِعَ ما لا يُوْصَفُ لم يُوْصَفْ. فأما قوله:
١٢١٦ - يا حكمُ الوارثُ عن عبد الملكْ | ....................... |
١٢١٧ - يا حَكَمُ بنَ المنذرِ بنَ الجارودْ | سُرادِقُ المجدِ عليك مَمْدُودْ |
قوله: ﴿تُؤْتِي﴾ هذه الجملةُ وما عُطِفَ عليها يجوزُ أنْ تكونَ مستأنفةً مُبَيِّنَةً لقوله: ﴿مَالِكَ الملك﴾ ويجوزُ أن تكونَ حالاً من المنادى، وفي انتصابِ الحالِ عن المنادى خلافٌ، الصحيحُ جوازُه، لأنه مفعولٌ به، والحالُ كما تكونُ لبيانِ هيئةِ الفاعل تكونُ لبيان هيئةِ المفعولِ، ولذلك أَعْرب الحُذَّاقُ قولَ النابغةَ:
١٢١٨ -......................... | ............... يا عُمَرُ الجَوادا |
١٢١٩ - يا دارمَيَّةَ بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ | أَقْوَت وطالَ عليها سالِفُ الأبدِ |
والثالث من وجوه «تُؤتي» أن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر أي: أنت تُؤتي، فتكونُ الجلمةُ اسميةً، وحينئذ يجوز أن تكونَ مستأنفة وأن تكون حالية.
وقوله: ﴿تَشَآءُ﴾ أي: تشاء إيتاءه، وتشاء انتزاعه، فحذف المفعول بعد المشيئة للعلم به/
١٢٢٠ - كأنَّ الحَصَا مِنْ خلفِها وأمامِها | إذا نَجَلْتهُ رِجْلُها خَذْفَ أَعْسَرا |
وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف قال:» بيدِك الخيرُ «فذكرَ الخيرَ دونَ الشر؟ قلت: لأن الكلامِ إنما وقع في الخير الذي يسوقه الله إلى المؤمنين، وهو الذي أنكرَتْه الكفرةُ، فقال: بيدك الخير تؤتيه أولياءَك على رغمٍ مِنْ أعدائك» انتهى.
وهذا جوابٌ حسنٌ جداً، ثم ذكر هو كلاماً آخرَ يُوافق مذهبَه لا حاجةَ لنا به، وقيل: هذا من آداب القرآن حيث لم يصرِّحْ إلا بما هو محبوبٌ لخَلْقِه، ونحوٌ منه قولُه: «والشرُّ ليس إليك» وقولُه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠].
والنَّزْعُ: الجَذْبُ، يقال: نَزَعَهُ يَنْزِعُه نَزْعاً إذا جَذَبَه عنه، ويُعَبَّر به عن المَيْلِ، ومنه: «نَزَعَتْ نفسُه إلى كذا» كأنَّ جاذباً جَذَبَها، ويُعَبَّر به عن الإِزالَةِ، «نَزَعَ الله عنك الشَّر» أي: أَزاله، ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] أي: أَزاله، وكهذه الآيةِ فإنَّ المعنى: ويُزِيلُ المُلْكَ.
١٢٢١ - فإنَّ القوافِي تَتَّلِجْنَ مَوالِجاً | تضايَقُ عنها أَنْ تَوَلَّجَها الإِبَرْ |
قوله: ﴿مِنَ الميت﴾ اختلف القُرَّاء في هذه اللفظة على مراتب: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكرٍ عن عاصم لفظ «المَيْت» من غير تاء تأنيث مخففاً في جميع القرآن، وسواءً وُصِفَ به الحيوانُ نحو: ﴿تُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ أو الجمادُ نحو قوله تعالى: ﴿إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩] ﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] منكَّراً أو معرَّفاً كما تقدَّم ذكره إلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقولَه: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [الآية: ١٧] في إبراهيم، مما لم يَمُتْ بعدُ فإن الكلَّ ثَقَّلوه، وكذلك لفظُ «الميتة» في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة﴾ [يس: ٣٣] دونَ الميتةِ المذكورةِ مع الدمِ فإنَّ تَيْكَ لم يشددها إلا بعضُ قُرَّاء الشواد، وقد تقدَّم ذكرُها في
١٢٢٢ - ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بميْتٍ | إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ |
إنما المَيْتُ مَنْ يعيشُ كئيباً | كاسِفاً بالُهُ قليلُ الرَّجاءِ |
وقد تقدَّم أيضاً أن أصلَ ميِّت: مَيْوِت فأدغم، وأن في وزنِهِ خلافاً: هل وزنه فَيْعِل وهو مذهب البصريين أو فَعِيل وهو مذهب الكوفيين، وأصله: مَوِيت، قالوا: لأنَّ فَيْعِلاً مفقودٌ في الصحيح فالمعتلُّ أَوْلى ألاَّ يوجَد فيه. وأجاب البصريون عن قولهم بأنه لا نظير له في الصحيح بأنَّ قَضاة في جمع «قاض» لا نظير له في الصحيح. وتفسيرُ هذا الجواب أنَّا لا نُسَلِّم أنَّ المعتل يلزم أن يكون له نظيرٌ من الصحيح، ويدل على عدمِ التلازم: «قُضاة» جمع قاضٍ، وفي «قضاة» خلافٌ طويل ليس هذا موضعَ ذكره. واعتراض البصريون عليهم بأنه لو كان وزنه فَعِيلاً لوجَبَ أن يَصِحَّ كما صَحَّتْ نظائره من ذواتِ الواو نحو: طَوِيل وعَوِيل وقَوِيم، فحيثُ اعتلَّ بالقلبِ والإِدغامِ، امتنَعَ أَنْ يُدَّعى أنَّ أصلَه فَعِيل لمخالَفَةِ نظائره. وهو ردٌّ حسنٌ.
قوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال من الفاعل أي: ترزقه وأنت لم تحاسِبْه، أي: لم تُضَيِّقْ عليه، أو من المفعول أي: غيرَ مُضَيِّقٍ عليه/. وقد تقدَّمَ الكلامُ على مثل هذا مشبعاً في البقرة عند قوله تعالى: ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] فَأَغْنَى عن إعادته.
واشتملت هذه الآيةُ على أنواعٍ من البديع، منها: التجنيس المماثل في
قوله: ﴿مِنَ الله﴾ الظاهِرُ أنَّه في محلِّ نصبٍ على الحال من «شيء» لأنه لو تأخَّر لكانَ صفةً له. و «في شيء» هو خبرُ ليس، لأن به تستقبلُّ فائدةُ الإِسناد، والتقدير: فليس في شيء كائنٍ من الله، ولا بد من حذف مضاف أي: فليس من ولاية الله، وقيل: مِنْ دِينِ الله. ونَظَّر بعضُهم الآية الكريمة ببيت النابغة:
١٢٢٣ - إذا حاوَلْتَ في أسدٍ فُجُوراً | فإنِّي لَسْتُ منك ولَسْتَ مِنِّي |
وقد نحا ابنُ عطيةَ هذا المَنْحَى الذي ذكرته عن بعضهم فقال: «
قال الشيخ: «وهو كلامٌ مضطربٌ، لأنَّ تقديرَه: فليس من التقرب إلى الله يقتضي ألاَّ يكونَ» من الله «خبراً لليس، إذ لا يستقلُّ، وقوله:» في شيء «هو في موضعِ نصبٍ على الحال يقتضي ألاَّ يكونَ خبراً، فتبقى» ليس «على قوله ليس لها خبرٌ، وذلك لا يجوز، وتشبيهُهُ الآية الكريمة بقوله عليه السلام:» مَنْ غَشَّنَا فليس منا «ليس بجيدٍ؛ لِمَا بَيَّنَّا من الفرق بين بيت النابغة وبين الآية الكريمة».
قلت: قد يُجاب عن قوله: «إنَّ» من الله «لا يكونُ خبراً لعدم الاستقلال» بأنَّ في الكلامِ حَذْفَ مضافٍ، تقديرُه: فليسَ من أولياء الله، أو ليس، لأنَّ اتخاذَ الكفارَ أولياءَ ينافي ولايةَ الله تعالى، وكذا قولُ ابن عطية: فليس من التقرب أي: من أهل التقرب، وحينئذ يكون التنظيرُ بين الآية والحديثِ وبيتِ النابغة مستقيماً بالنسبة إلى ما ذَكَر، ونظير تقدير المضاف هنا قوله تعالى: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ما أشياعي وأتباعي، وكذا قولُه تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقول العرب: «أنت مني
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ﴾ هذا استثناءٌ مفرغٌ من المفعول [من أجله، والعامل فيه: لا يَتَّخِذُ أي] : لا يَتَّخِذُ المؤمنُ الكافر وليّاً لشيءٍ من الأشياء إلا للتَقِيَّة ظاهراً، أي يكونُ مُواليَه في الظاهر ومعادِيَه في الباطن، وعلى هذا فقولُه: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ وجوابُهُ معترضٌ بين العلة ومعلولِها.
وفي قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ﴾ التفاتٌ من غيبة إلى خطاب، ولو جرى على سَنَنِ الكلام الأولِ لجاء بالكلامِ غيبة، وأَبْدَوا للالتفاتِ هنا معنًى حسناً: وذلك أن موالاة الكفار لَمَّا كانت مستقبحةً لم يواجِه اللهُ عبادَه بخطابِ النهي، بل جاء به في كلام أُسْنِدَ الفعل المنهيُّ عنه لغيب، ولَمَّا كانَتِ المجامَلَةُ في الظاهر والمحاسنةُ جائزةً لعذرٍ وهو اتِّقاءُ شرِّهم حَسُنَ الإِقبالُ إليهم وخطابُهم بِرَفْع الحرج عنهم في ذلك.
قوله: ﴿تُقَاةً﴾ في نصبِها ثلاثة أوجه وذلك مبنيٌّ على تفسير «تقاة» ما هي؟ أحدها: أنها منصوبةٌ على المصدر والتقدير: تَتَّقوا منهم اتقاء، فتقاة واقعة موقع الاتقاء، والعرب تأتي بالمصادر نائبة عن بعضها، والأصل: أن تتقوا اتقاءً، نحو: تقتدروا اقتداراً، ولكنهم أَتَوْا بالمصدر على حذف الزوائد كقوله: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] والأصلُ إنبات ومثله:
١٢٢٤ -......................... | وبعدَ عطائِك المئةَ الرَّتاعا |
١٢٢٥ -......................... | وليس بأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا |
١٢٢٦ - ولاحَ بجانب الجبلين منه | رُكامٌ يَحْفِرُ الأرضَ احتفارا |
١٢٢٧ - وقد تَطَوَّيْتُ انطواءَ الحِضْبِ | ....................... |
١٢٢٨ -......................... | تَقِ اللهَ فينا والكتابَ الذي تتلو |
الثاني: أنها منصوبةٌ على المفعولِ به، وذلك أن يكونَ «تَتَّقوا» بمعنى تخافوا، ويكون «تقاة» مصدراً واقعاً موقعَ المفعولِ به، وهو ظاهرُ قول الزمخشري فإنه قال: «إلا أَنْ تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، وقُرىء» تَقِيَّة «، وقيل للمتقى: تُقاة وتَقِيَّة كقولهم» ضَرْب الأمير «لمضروبه». انتهى فصار تقديرُ الكلام: إلا أن تخافوا منهم أمراً مُتَّقَىً.
الثالث: أنها منصوبةٌ على الحال وصاحبُ الحال فاعل «تتقوا» وعلى هذا تكونُ حالاً مؤكدة، لأنَّ معناه مفهوم من عاملها كقوله: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣٣] ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وهو على هذا جمعُ «فاعِل» وإن لم يُلْفظ بفاعل من هذه المادة فيكون فاعلاً وفُعَلَة نحو: رام ورُماة وغاز وغُزاة، لأنَّ فعلَه يَطَّرد جمعاً لفاعِل الوصفِ المعتلِّ اللامِ، وقيل: بل فُعَلَة جمعٌ لفعيل، أجازَ ذلك كلَّه أبو علي الفارسي. قلت: جمعُ فَعِيل على فُعَلة لا يجوزُ، فإن فَعِيلاً الوصفَ المعتلَّ اللامِ يُجْمع على أَفْعِلاء نحو: غَنِيّ وأغنياء، وتقيّ وأتقياء، وصَفِيّ وأَصْفِياء، فإن قيل: قد جاء فَعِيل الوصفُ مجموعاً على فُعَلة قالوا: كَمِيّ وكُمَاة، فالجواب: أنه من الندور بحيث لا يُقاس عليه.
وأمال الأخوان «تُقاة» هنا، لأنَّ ألفَها منقلبة عن ياء كما تقدم تقريره، ولم يؤثِّرْ حرفُ الاستعلاء في مَنْع الإِمالة لأنَّ السبب غير ظاهر، ألا ترى أن سببَ الإِمالة الياءُ المقدرة بخلافِ «غالب» و «طالب» و «قادم» فإنَّ حرف الاستعلاء عنا مؤثِّرٌ لكونِ سبب الإِمالة ظاهراً وهو الكسرة، وعلى هذا يقال: كيف يُوَثِّرُ مع السببِ الظاهر ولم يؤثِّرْ مع المقدر وكان العكسُ أَوْلى؟ والجوابُ أنَّ الكسرةَ سببٌ منفصل عن الحرف الممال ليس موجوداً فيه بخلاف الألف المنقلبة عن باءٍ فإنها نفسَها مقتضيةٌ للإِمالة، فلذلك لم يُقاومها حرفُ الاستعلاء.
وأمال الكسائي وحده ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، فخرج حمزة عن أصله، وكان الفرق أَنَّ «تُقاة» هذه رُسِمت بالياء فلذلك وافق حمزةُ الكسائيَّ عليه، ولذلك قرأ بعضهم «تَقِيَّة» بوزن مطيَّة كما تقدم/ لظاهر الرسم، بخلافِ «حَقَّ تقاته»، وإنما أمعنتُ في سبب الإِمالة هنا لأنَّ بعضهم زعم أن إمالة هذا شاذ لأجل حرفِ الاستعلاء، وأنَّ سيبويه حكى عن قوم أنهم يُميلون شيئاً
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلِّقٌ ب «تتقوا»، أو بمحذوف على أنه حال من «تقاة» لأنه في الأصل يجوزُ أن يكونَ صفةً لها، فلما قُدِّم نُصِب حالاً. هذا إذا لم تجعل «تُقاة» حالاً، فأمّا إذا جَعَلْناها حالاً تعيَّن أن يتعلق «منهم» بالفعل قبله، ولا يجوز أن يكون حالاً من «تقاة» لفساد المعنى لأنَّ المخاطبين ليسُوا من الكافرين.
قوله: ﴿نَفْسَهُ﴾ مفعولٌ ثان لحَذَّر؛ لأنه في الأصل متعدٍّ بنفسه لواحد فازدادَ بالتضعيفَ آخرَ، وقدَّر بعضُهم حَذْفَ مضافٍ أي: عقاب نفسه. وصَرَّح بعضُهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء عن بعضهم، وليس بشيء، إذ لا بدَّ من تقديرِ هذا المضافِ لصحة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه في نحو قولك: «حَذَّرتك نفس زيد» أنه لا بد من شيء تُحَذِّر منه كالعقاب والسَّطْوة، لأن الذواتِ لا يُتَصَوَّر الحذرُ منها نفسها، إنما يُتَصَوَّر من أفعالِها وما يَصْدُر عنها. وعَبَّر هنا بالنفسِ عن الذات جرياً على عادة العرب، كما قال الأعشى:
١٢٢٩ - يَوْماً بأجودَ نائلاً منه إذا | نفسُ الجَبانِ تَجَهَّمَتْ سُؤَّالها |
وقَدَّم هنا الإِخفاء على الإِبداء وجَعَلَ محلَّهما الصدورَ وجعل جواب الشرطِ العلمَ بخلافِ ما في البقرة، فإنه قَدَّم فيها الإِبداءَ على الإِخفاء، وجَعَل محملهما النفسَ، وجَعَل جوابَ الشرط المحاسبةً، وكلُّ ذلك تفنُّنٌ في البلاغة وتنوع في الفصاحة.
الثاني: أنه منصوبٌ بيُحَذِّركم أي: يُخَوِّفكم عقابَه في ذلك اليوم، وإلى [هذا] نحا أبو إسحاق، ورجَّحه. ولا يجوز أن ينتصبَ بيحذِّركم المتأخرةِ. قال ابن الأنباري: «لأنه لا يجوزُ أن يكونَ» اليوم منصوباً بيحذِّركم المذكورِ في هذه الآية، لأنَّ واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرفِ وناصبِه معترضاً، وهو كلامٌ طويل، والفصلُ بمثله مستبعدٌ، هذا من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى فلا يَصِحُّ، لأن التخويف موجودٌ، واليومَ موعودٌ فكيف يتلاقيان «.
الثالث: أن يكونَ بالمصير، وإليه نحا الزجاج أيضاً وابن الأنباري
الرابع: أن ينتصبَ ب» اذكر «مقدراً مفعولاً به لا ظرفاً. وقَدَّر الطبري الناصبَ له» اتقوا «، وفي التقدير ما فيه من كونِه على خلافِ الأصل مع الاستغناء عنه.
الخامس: أنَّ العامل فيه ذلك المضافُ المقدَّر قبل» نفسَه «أي: يحذركم الله عقابَ نفسِه يومَ تجد، فالعاملُ فيه» عقاب «لا» يحذركم «، قاله أبو البقاء. وفي قوله ﴿لا يحذِّركم﴾ فرارٌ مِمَّا أَوْردته على أبي إسحاق كما تقدّم تحقيقه.
السادس: أنه منصوبٌ بتودُّ، قال الزمخشري:» يومَ تجد منصوب بتود، والضمير في «بينه» لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرَها وشرَّها [حاضرين]، تتمنَّى لو أنَّ بينها وبين ذلك اليوم وَهوْلِهِ أمداً بعيداً «. وهذا الذي ذكره الزمخشري وجهٌ ظاهرٌ لا خفاء بحسنه، ولكنْ في هذه المسألة خلافٌ ضعيف: جمهور البصريين والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفش والفراء إلى مَنْعها، وضابطُ هذه المسألة: أنه إذا كان الفاعل ضميراً عائداً على شيء متصلٍ بمعمول الفعل نحو: ثوبي أخويك يلبَسان» فالفاعلُ هو الألف، وهو ضمير عائد على «أخويك» المتصلين بمفعول يلبسان، ومثله: «غلامَ هند ضربَتْ» ففاعل «ضربَتْ» ضمير عائدٌ على «هند» المتصلةِ بغلام المنصوب بضرَبتْ، والآيةُ من هذا القبيل: فإن فاعل «تودُّ» ضميرٌ عائد على «
احتج الجمهور على الجواز بالسماع وهو قول الشاعر:
١٢٣٠ - أَجَلُ المرءِ يستحِثُّ ولا يَدْ | ري إذا يبتغي حصولَ الأماني |
قوله: ﴿تَجِدُ﴾ يجوزُ أَنْ تكون المتعديةَ لواحد بمعنى تصيب، ويكون «مُحْضراً» على هذا منصوباً على الحال، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكونَ عِلْميةً، فتتعدَّى لاثنين أولهما «ما عَمِلَتْ» والثاني: «مُحْضَراً» وليس بالقويِّ في المعنى.
و «ما» يجوز فيها وجهان، أظهرُهما: أنها بمعنى الذي، فالعائدُ على هذا مقدَّرٌ أي: ما عملته، فَحُذِف لاستكمال الشروط، و «من خير» حالٌ: إمّا من الموصول وإمَّا من عائده، ويجوز أن تكون «من» لبيان الجنس. ويجوزُ أن تكونَ «ما» مصدريةً، ويكونُ المصدر حينئذ واقعاً موقعَ المفعول تقديرُه: يوم تجد كلُّ نفس عَمَلها أي: معمولها، فلا عائد حينئذ عند الجمهور.
والضمير في «بينه» فيه وجهان، أحدُهما وهو الظاهر عَوْدُه على «ما عَمِلَتْ»، وأعادَه الزمخشري على «اليوم» قال الشيخ: «وأَبْعَدَ الزمخشري في عودِه على» اليوم «لأنَّ أحدَ القِسْمين اللذين أُحْضِروا في ذلك له هو الخيرُ الذي عمله، ولا يُطلب تباعُدُ وقتِ إحضارِ الخير إلا بتجوُّز، إذ كان يشتمل على إحضار الخير والشر فتودُّ تباعدَه لتسلم من الشر، ودَعْه لا يحصُل له الخيرُ، والأَوْلى عَوْدُه إلى ما عملت من السوء لأنه أقرب مذكور. ولأن المعنى: أن السوء يُتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدُ منه».
١٢٣١ - وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ | يقولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ |
١٢٣٢ - دَسَّتْ رسولاً بأنَّ القوم إنْ قَدَروا | عليك يَشْفُوا صدرواً ذاتَ توْغيرِ |
١٢٣٣ - تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني | نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان |
١٢٣٤ - وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجميعِ مخافةً | نَقُولُ جِهارا وَيْلَكم لا تُنَفِّروا |
١٢٣٥ - ولا بالذي إنْ بان عنه حبيبُه | يقولُ ويُخْفي الصبرَ إني لجازعُ |
١٢٣٦ - وإن بَعُدُوا لا يأمَنُون اقترابَه | تَشَوُّفَ أهلِ الغائبِ المُتَنَظَّرِ |
١٢٣٧ - فإنْ كان لا يُرضيك حتى تَردَّني | إلى قطريٍّ لا إخالُك راضياً |
١٢٣٨ - إنْ يَسْألوا الخيرَ يُعْطُوه وإنْ خَبِروا | في الجَهْد أُدْرِكُ منهم طيبُ أَخْبارِ |
ثم قال: «فهذا الرفعُ كثير كما رأيتَ، ونصوص الأئمة على جوازِهِ في الكلامِ وإن اختلفتْ تأويلاتُهم كما سنذكره، وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد ابن عبد النور بن رشيد المالَقي وهو مصنف كتاب» رصف المباني «رحمه الله:» لا أعلم منه شيئاً «جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسُهُ الجَزْمُ، لأنه أصلُ العملِ
١٢٣٩ -..................... | إنَّك إِنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ |
وتلخص من هذا الذي قلناه أنَّ رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً لكن امتنع أن يكونَ «وما عملت» شرطاً لعلة أخرى، لا لكون «تود»
فإن قلت: لِمَ لا يجوز ذلك والضميرُ قد تأخَّر عن اسم الشرط وإن كانت النيةُ به التقديمَ، فقد حَصَلَ عَوْدُ الضميرِ على الاسم الظاهرِ قبله، وذلك نظيرُ: «ضربَ زيداً غلامهُ» فالفاعلُ رتبته التقديم ووجب تأخُّره لصحةِ عَوْدِ الضمير؟ فالجواب أن اشتمالَ الدليل على ضميرِ اسم الشرط يوجب تأخيرَه عنه لعَوْدِ الضمير فيلزَمُ من ذلك اقتضاءُ جملة الشرط لجملة الدليل، وجملةُ الشرط إنما تقتضي جملةَ الجزاء لا دليلَه، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل، بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملةُ الدليل لا موضعَ لها من الإِعراب، وإذا كان كذلك تدافعَ الأمرُ، لأنها من حيثُ هي جملةُ دليلٍ لا يقتضيها فعلُ الشرط، ومن حيث عَوْدُ الضميرِ على اسم الشرط اقتضاها فتدافَعا، وهذا بخلافِ «ضرب زيداً غلامهُ» فإنها جملةٌ واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، فكلَّ واحدٍ منهما يقتضي صاحبَه، ولذلك جاز عند بعضِهم «ضرب غلامُها هنداً» لاشتراكِ الفاعل المضاف إلى الضميرِ والمفعولِ الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع «ضربَ غلامُها جارَ هِندٍ» لعدم الاشتراك في العامل، فهذا فرقُ ما بين المسألتين، ولا يُحْفظ من لسان العرب: «
وقد جَوَّز أبو البقاء كونَها شرطيةً، ولم يَلْتَفِتْ لِما مَنعوا به ذلك فقال:» والثاني: أنها شرط، وارتفع «تودُّ» على إرادة الفاء. أي: فهي تودُّ، ويجوز أن يرتفعَ من غير تقديرِ حرف لأن الشرطَ هنا ماضٍ، وإذا لم يظهر في الشرطِ لفظُ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزمُ والرفع «. انتهى وقد تقدَّم تحقيق القول في ذلك، والظاهرُ موافقتُهُ للقول الثالث في تخريج الرفع في المضارع كما تقدَّم تحقيقه.
وقرأ عبد الله وابنُ أبي عبلة» وَدَّت «بلفظ الماضي، وعلى هذه القراءةِ يجوزُ في» ما «وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطية، وفي محلِّها حينئذٍ احتمالان: الأولُ النصبُ بالفعلِ بعدها، والتقدير: أيَّ شيء عَمِلَتْ من سوء وَدَّتْ، فودَّتْ جوابُ الشرط. والاحتمالُ الثاني: الرفعُ على الابتداء، والعائدُ على المبتدأ محذوفٌ تقديرُهُ: وما عملته، وهذا جائزٌ في اسم الشرط خاصةً عند الفراء في فصيحِ الكلام، أعني حَذْفَ عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعلٍ نحو:» أيُّهم تَضْرِبْ أُكْرمه «برفع أيهم، وإذا كان المبتدأ غيرَ ذلك ضَعُفَ نحو:» زيدٌ ضربْتُ «.
وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في موضعين من القرآن، أحدُهما قراءةُ مَنْ قرأ: ﴿أَفَحُكْمُ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. والثاني: ﴿وَكُلٌّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الآية: ١٠] في الحديد، واختلافُ الناس في ذلك.
فإن قلت لِمَ لَمْ يمتنع أن تكونَ «ما» شرطيةً على هذه القراءة كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة؟ فالجوابُ أنَّ العلة إنْ كانت رفعَ الفعل وعَدَمَ جزمِهِ كما قال به الزمخشري وابن عطية فهي مفقودةٌ في هذه القراءة لأن الماضي مبنيٌّ اللفظ/ لا يظهر فيه لأداةِ الشرط عملٌ، وإن كانت العلةُ أنَّ النيةَ به التقديمُ فليزمُ عودُ الضميرِ على متأخرٍ لفظاً ورتبة، فهي أيضاً مفقودةٌ فيها؛ إذ لا داعي يدعو لذلك.
و «لو» هنا على بابِها من كونِها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره، وعلى هذا ففي الكلام حَذْفان، أَحدهما: حذفُ مفعولِ «يود»، والثاني: حَذْفُ جواب «لو»، والتقدير فيهما: تود تباعدَ ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسُرَّتْ بذلك، أو لفرِحَتْ ونحوُهُ. والخلافُ في «لو» بعد فعل الوَدادة وما بمعناه أنها تكونَ مصدريةً كما تقدم تحريره في البقرة يَبْعُدُ مجيئُهُ هنا، لأنَّ بعدها حرفاً مصدرياً وهو أَنْ. قال الشيخ: «ولا يباشِر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلا قليلاً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] قلت: قوله» إلا قليلاً «يُشْعر بجوازه وهو لا يجوزُ البتة، فَأمَّا
وقد زعم بعضُهم أَنَّ» لو «هنا مصدريةٌ، هي وما في حَيِّزها في موضع المفعول ل» تود «، أي: تود تباعُدَ ما بينها وبينه، وفيه ذلك الإِشكالُ، وهو دُخول حرف مصدري على مثله، ولكنَّ المعنى على تسلُّطِ الوَدادة على» لو «وما في حيِّزها لولا المانعُ الصناعي.
والأَمَدُ: غايةُ الشيء ومنتهاه وجمعه آماد نحو: جَبَل وأَجْبال فَأُبْدِلَتْ الهمزة ألفاً لوقوعِها ساكنةً بعد همزة» أَفْعال «. وقال الراغب:» الأمدُ والأَبَدُ يتقاربان، لكنَّ الأَبَدَ عبارةٌ عن مدة الزمان التي ليس لها حَدٌّ محدودٌ، ولا يتقيَّد فلا يقال: أبدَ كذا، والأمدُ مدةٌ لها حَدٌّ مجهولٌ إذا أُطْلِقَ، وينحصِرُ إذا قيل: أمدَ كذا، كما يقال: زمانَ كذا، والفرق بين الأمد والزمان: أنَّ الأمدَ يُقال باعتبارِ الغاية، والزمانُ عام في المبدأ والغاية، ولذلك قال بعضُهم: المَدَى والأمد يتقاربان «.
وقرأ الجمهور: «فاتِّبعوني» بتخفيف النون وهي للوقاية، وقرأ الزهري بتشديدها، وخُرِّجَت على أنه أَلْحَقَ الفعلَ نونَ التوكيد وأدغمها في نونِ الوقاية، وكان ينبغي له أن يَحْذِفَ واو الضمير لالتقاء الساكنين، إلا أنه شَبَّه ذلك بقوله: ﴿أتحاجواني﴾ [الأنعام: ٨٠] وهو توجيهُ ضعيف، ولكنْ هو يصلح لتخريج هذا الشذوذ.
وقد طعن الزجاج على مَنْ روى عن ابي عمرو إدغامَ الراء من «يغفر» في لام «لكم» وقال: «هو خطأٌ وغلطٌ على أبي عمرو» وقد تقدَّم تحقيق ذلك وأنه لا خطأٌ ولا غلطٌ، بل هذه لغةٌ للعرب نقلَها الناس، وإن كان البصريون كما يقول الزجاج لا يُجيزون ذلك.
وادَّعى الفراء أن في الكلام حذفَ مضاف تقديرُهُ: «إن الله اصطفى دين آدم». قال التبريزي: «وهذا ليسَ بشيء، لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل:» ونوحٍ «إذ الأصل: دين آدمَ ودين نوحٍ، وهذه سَقْطَةٌ فاحشة من التبريزي، إذ لا يلزم أنه إذا حُذف المضافُ بقي المضاف إليه مجروراً حتى يَرُدَّ على الفراء بذلك، بل المشهورُ الذي لا تَعْرِفُ الفصحاء غيرَه إعرابُ المضاف إليه بإعرابِ المضاف حين حَذْفِه، ولا يجوز بقاؤُهُ على جَرِّه إلا في قليل من الكلام بشرطٍ ذُكِرَ في النحو، وسيأتي لك في الأنفال، وكان ينبغي على رأي التبريزي أن يكون قولُه تعالى: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] بجر» القرية «لأنَّ الكل هو وغيرُه يقولون: هذا على حَذْفٍ تقديرُه:» أهلَ القرية «.
قوله تعالى: ﴿عَلَى العالمين﴾ متعلقٌ باصطفى، فإن قيل: اصطفى يتعدَّى بمن نحو:» اصطفيتك مِنَ الناس «فالجواب أنه ضُمِّنَ معنى» فَضَّل «أي: فَضَّلهم بالاصطفاء.
الثاني: من أوجه البدل: أنها بدلٌ من» نوح «ومَنْ عُطِفَ عليه، وإليه نحا
الوجه الثاني من وجهي نصب» ذرية «: النَصْبُ على الحال، تقديره: اصطفاهم حالَ كونِهِم بعضَهم من بعض، والعاملُ فيها: اصطفى. وقد تقدَّم القول في اشتقاق هذه اللفظة ووزنِها ومدلولِها مشبعاً فأغنى عن إعادته.
قوله: ﴿بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ هذه الجملةُ في موضِع النصب نعتاً لذرية.
الرابع: أن تكونَ «إذ» زائدةً وهو قول أبي عبيدة، والتقدير: قالت امرأة، وهذا عند النحويين غلطٌ، وكان أبو عبيدة يُضَعَّف في النحو.
قوله: ﴿مُحَرَّراً﴾ في نصبه أوجه، أحدُها: أنه حالٌ من الموصول وهو «ما في بطني»، فالعاملُ فيها «نَذَرْتُ». الثاني: أنه حال من الضمير المرفوع بالجار لوقوعِهِ صلةً ل «ما»، وهو قريبٌ من الأول، فالعامل في هذه الحال الاستقرارُ الذي تضمَّنه الجارُّ والمجرور. الثالث: أن ينتصِبَ على المصدر؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعولِ من الفعل الزائدِ على ثلاثةِ أحرفٍ، وعلى هذا فيجوز أن يكونَ في الكلامِ حَذْفُ مضاف تقديرُهُ:
ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قولُه تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]، وقوله: ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرَمٍ﴾ [الحج: ١٨] في قراءة من فتح الراء، أي: كلَّ تمزيق، وفما له من إكرام، ومثله قول الشاعر:
١٢٤٠ - ألم تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القوافي | فلاعِيَّاً بهنَّ ولا اجْتِلاَبا |
ووقف أبو عمرو والكسائي على «امرأة» بالهاء دون التاء، وقد كتبوا امرأة بالتاء وقياسُها الهاء هنا وفي يوسف: ﴿امرأة العزيز﴾ [الآية: ٣٠] [في] موضعين،
١٢٤١ - اللهُ نَجَّاكَ بكَفَّيْ مَسْلَمَتْ | مِنْ بعدِما وبعدِما وبعدِمَتْ |
ألاَّ أنَّ الشيخَ ناقشه في الجواب الأول فقال:» وآل قَوْلُه يعني الزمخشري إلى أنها حال مؤكدة، ولا يُخْرِجُه تأنيثُه لتأنيث الحال عن أن تكون حالاً مؤكِّدة. وأمَّا تشبيهُه ذلك بقوله: «مَنْ كانت أمَّك» حيث عادَ الضميرُ على معنى «مَنْ» فليس ذلك نظيرَ «وضَعَتْها أنثى» لأن ذلك حُمِل على معنى «مَنْ» إذ المعنى: أيةُ امرأة كانَتْ أمَّك، أي: كانت هي أي أمَّك، فالتأنيثُ ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحَمْل على معنى مَنْ، ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظيرَ «وضَعَتْها أنثى» لأنَّ الخبرَ تخصَّص بالإِضافة إلى الضميرِ، فاستُفيد من الخبرِ ما لا يُسْتفاد من الاسم، بخلافِ «أنثى» فإنه لمجردِ التوكيدِ. وأمَّا تنظيرُه بقولِهِ: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ فيعني أنه ثَنَّى الاسم لتثنيةِ الخبرِ، والكلامُ عليه يأتي في مكانه، فإنه من
قلت: قوله» ليس نظيرَه، لأنَّ «مَنْ كانت أمَّك» حُمِل فيه على معنى [مَنْ]، وهذا أُنِّث لتأنيث الخبر «ليس كما قال، بل هو نظيرهُ، وذلك أنه في الآية الكريمةُ حُمِل على معنى» ما «كما حُمِل هناك على معنى» مَنْ «، وقول الزمخشري:» لتأنيث الخبرِ «أي: لأنَّ المراد ب» مَنْ «التأنيثُ بدليل تأنيثِ الخبرِ، فتأنيثُ الخبرَ بيَّن لنا أن المراد ب» مَنْ «المؤنث، كذلك تأنيثُ الحال وهي أنثى بَيَّن لنا أن المراد ب» ما «في قوله: ﴿ما في بطني﴾ أنه شيء مؤنث، وهذا واضح لا يَحتاج إلى فكر.
وأما قوله: «فقد استُفيد من الخبر ما لا يُسْتفاد من الاسم بخلاف» وضَعَتْها أنثى «فإنه لمجردِ التوكيد» فليس بظاهرٍ أيضاً؛ وذلك لأنَّ الزمخشري إنما أراد بكونه نظيرَه من حيث إنَّ التأنيث في كلٍّ من المثالَيْنِ مفهومٌ قبلَ مجيءِ الحال في الآية، وقبلَ مجيءِ الخبرِ في النظير المذكور. أمَّا كونُه يفارقه في شيء آخرَ لعارضٍ فلا يَضُرُّ ذلك في التنظيرِ، ولا يُخْرِجُه عن كونه يُشْبِهُه من هذه الجهة.
وقد تحصَّل لك في هذه الحال وجهان، أحدُهما: أنها مؤكدةٌ إنْ قلنا إنَّ الضمير في «وضعَتهْا» عائدٌ على معنى «ما». والثاني: أنها مبيِّنة إنْ قلنا: إنَّ الضميرَ عائدٌ على معنى الحَبْلة أو النَّسَمة أو النفس، لصِدْقِ كلٍّ من هذه الألفاظِ الثلاثةِ على الذكرِ والأنثى.
الوجه الثاني من وجهي «أنثى» : أنها بدلٌ من «ها» في «وضَعَتْها» بدلُ كلٍ من كلٍ، قاله أبو البقاء، ويكونُ في هذا البدلِ بيانُ ما المرادُ بهذا
١٢٤٢ - على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً | على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتمِ |
قوله: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر: «وَضَعْتُ» بتاء المتكلم، وهو من كلام أم مريم عليها السلام خاطَبَتْ بذلك نفسها تَسَلِّياً لها، واعتذاراً لله تعالى حيث أتَتْ بمولود لا يَصْلُح لمِا نَذَرَتْه من سِدانة بيتِ المقدس. قال الزمخشري وقد ذكر هذه القراءة: «تعني ولَعلَّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من الذكر تسليةً لنفسها». وفي قولهِا ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، إذ لو جَرَتْ على مقتضى قولِها: «ربِّ» لقالت: «وأنت أعلم».
وقرأ الباقون: «وضَعَتْ» بتاءُ التأنثي الساكنة على إسناد الفعل لضميرِ مريم عليها السلام، وهو من كلامِ الباري تبارك وتعالى، وفيه تنبيهٌ على عِظَمِ قَدْر هذا المولودِ، وأنَّ له شأْناً لم تعرفيه، ولم تَعْرفي إلا كونه أنثى لا غير، دونَ ما يَؤُول إليه من أمورٍ عظامٍ وآياتٍ واضحةٍ، قال الزمخشري: «
وقد رجَّح بعضُهم القراءةَ الثانية على الأولى بقوله: ﴿والله أَعْلَمُ﴾ قال: «لو كان من كلامِ أم مريم لكانَ التركيبُ: وأنت أعلمُ» وقد تقدَّم جوابُ هذا وأنه التفات.
وقرأ ابنُ عباس: «وضَعْتِ» بكسر التاء على أنها تاءُ المخاطبة، خاطبها الله تعالى بذلك بمعنى: أنك لا تعلمين قَدْر هذه المولودة، ولا قَدْر ما عَلِمه الله فيها من عظائم الأمور.
قوله: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ هذه الجملةُ تحتمل أن تكونَ معترضة، وأن يكونَ لها محلٌّ، وذلك بحسَبِ القراءات المذكورة في «وضعت»، كما سيمرُّ بك تفصيله. والألفُ واللام في «الذَّكَر» يُحْتمل أن تكونَ للعهد، والمعنى: ليس الذكرُ الذي طلبَتْ كالأنثى التي وُهِبَتْ لها. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: فما معنى قولِها:» وليس الذكر كالأنثى «؟ قلت: هو بيانٌ ل» ما «في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من التعظيم للموضوعِ والرفعِ منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طَلَبَتْ كالأنثى التي وُهِبت لها، والألفُ واللام فيهما للعهد» وأن تكون للجنس على أن مرادها أنَّ الذكر ليس كالأنثى في الفَضْلِ والمزيَّة؛ إذ هو صالح لخدمةِ المُتَعبِّدات وللتحرير ولمخالطةِ الأجانب بخلاف
وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ هذه الجملةُ معطوفةٌ على قولِه: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَآ﴾ على قراءةِ مَنْ ضَمَّ التاء في قوله «وضَعْتُ» فتكونُ هي وما قبلها من محلِّ نصب بالقول، والتقدير: قالت إني وضعتُها، وقالت: والله أعلم بما وضعتُ، وقالَتْ: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إني سميتها مريم. وأما على قراءة مَنْ سكن التاء أو كسرها فيكون «إني سَمَّيْتُها» أيضاً معطوفاً على «إني وضعتُها»، ويكون قد فَصَل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض كقوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] قاله الزمخشري.
قال الشيخ: «ولا يتعيَّن ما ذَكَر من كونِهما جملتين معترضتين، لأنه يُحْتمل أن يكون ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ في هذه القراءةِ مِنْ كلامِها، ويكون المعترضُ جملةً واحدة كما كان من كلامها في قراءة من قرأ:» وضعْتُ «بضم التاء، بل ينبغي أن يكونَ هذا المتعيِّن لثبوتِ كونه من كلامها في هذه القراءةِ، ولأنَّ في اعتراضِ جملتين خلافاً، مذهبُ أبي علي أنه لا تعْتَرِضُ جملتان،
و» سَمَّى «يتعدَّى لاثنين. أحدُهما بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر، ويجوزُ حَذْفُه، تقول: سمَّيت ابني زيداً والأصل: يزيد، قال الشاعر فجمع بين الأصل والفرع:
١٢٤٣ - وسُمِّيْتَ كَعْباً بشَرِّ العِظَامِ | وكان أبوكَ يُسَمَّى الجُعَلْ |
قوله: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ عطفٌ على» إني سَمَّيْتُها «، وأتى هنا بخبرِ»
وفَتَح نافع ياءَ المتكلم قبل هذه الهمزةِ المضمومةِ، وكذلك كلُّ ياء وقعَ بعدَها همزةٌ مضمومةً إلا موضعين، فإنَّ الكلَّ اتفقوا على سكونها فيهما: ﴿بعهدي أُوفِ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿آتوني أُفْرِغْ﴾ [الكهف: ٩٦]، والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه السورة أحدها.
والباءُ في قولِه: ﴿بِقَبُولٍ﴾ فيها وجهان، أحدُهما. أنها زائدة أي: قَبولاً، وعلى هذا فينتصب، «قبولاً» على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذ لو جاء على تقبُّل لقيل: تَقَبُّلا نحو: تكبَّر تكبُّرا. وقَبول من المصادر التي جَاءَتْ على فَعُول بفتح الفاء، وقد تقدَّم ذكرُها أول البقرة، يقال: قَبِلْتُ الشيء قَبولاً. وأجاز الفراء والزجاج ضمَّ القاف من «قبول»، وهو القياسُ كالدُّخول والخُروج، وحكاها ابن الأعرابي عن العرب: قبلته قَبولاً وقُبولاً فتح القاف وضمِّها سماعاً عن العرب، و «على وجهه قُبول» لا غيرُ، يعني لم يُقَلْ هنا إلا بالضم، وأنشدوا:
١٢٤٤ - وخيرُ الأمرِ ما استقبَلْتَ منه | وليس بأَنْ تَتَبَّعَه اتِّباعاً |
١٢٤٥ -............................... | ...... والوجه عليه القُبول |
وقال الزجاج: «إن» قبولاً هذا ليس منصوباً بهذا الفعل حتى يكون مصدراً على غير الصدر، بل هو منصوبٌ بفعل موافقٍ له أي: مجردٍ قال: «والتقدير: فتقبَّلَها يتقبُّل حسن وقَبِلها قَبولاً حسناً أي: رضيها وفيه بُعْدٌ.
وقوله: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً﴾ نبات أيضاً مصدرٌ على غير الصدر؛ إذ القياسُ: إنبات. وقيل: بل هو منصوبٌ بمضمرٍ موافقٍ له أيضاً تقديرُه: فنبتَتْ نباتاً حسناً.
وقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ قرأ الكوفيون:» وكَفَّلَها «بتشديد العين،» زكريا «بالقصر، إلا أبا بكر فإنه قرأه بالمدِّ كالباقين، ولكنه يَنْصِبُه، والباقون يرفعونه كما سيأتي.
وقرأ مجاهد:» فتقبَّلْها «بسكون اللام،» ربَّها «منصوباً، و» أنبِتها «بكسر الباء وسكون التاء، و» كَفِّلْها «بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٌّ:» وأَكْفَلَها «ك» أَكْرَمَها «فعلاً ماضياً.
وقرأ عبد الله المزني «وكَفِلَها» بكسر الفاء والتخفيف.
فأمَّا قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدَّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما «
وأمَّا قراءة بقية السبعة فَكَفَلَ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله «زكريا»، ولا مخالفةَ بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياه كَفَلها، وهو في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية.
وأمَّا قراءةُ «أَكْفَلَها» فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو: خَرَّجْته/ وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإِعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعولُ الأول هو ضمير مريم والثاني هو «زكريا».
وأمَّا قراءة: «وكَفِلها» بكسر الفاء فإنها لغةٌ في كَفَلَ، يقال: كَفَلَ يَكْفُل، كَقَتَل يقتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلَ كَعلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة، وإعرابُها كإعرابِ قراءةِ الجماعة في كون «زكريا» فاعلاً.
وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمِّ مريم لله تعالى بأَنْ يفعلَ لها ما سألته. و «ربَّها» منصوب على النداء أي: فتقبَّلْها يا ربَّها وأَنْبِتْها وكَفِّلْها يا ربَّها. و «زكريا» في هذه القراءةِ مفعولٌ ثانٍ أيضاً كقراءةِ الكوفيين.
وقرأ حفص والأخوان: «زكريا» بالقَصْرِ حيث وَرَدَ في القرآن، وباقي السبعة بالمدِّ، والمدُّ والقصرُ في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهلِ الحجاز. وهو اسمٌ أعجمي فكانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقولوا فيه: مُنِعَ من الصرفِ للعلَميَّة والعُجْمة كنظائره، وإنما قالوا: مُنع من الصرف لوجود ألف التأنيث فيه. إمَّا الممدودةِ كحَمْراء أو المقصورةِ كَحُبْلى، وكأن الذي اضطرهم إلى
وقال الفارسي فأَشْبع فيه القول: «لا يخلو من أن يكونَ الهمزة فيه: للتأنيث أو للإِلحاق أو منقلبةً، ولا يجوز أن تكونَ منقلبةً؛ لأنَّ الانقلاب لا يخلو من أن يكونَ من حرفٍ أصلي أو من حرفِ الإِلحاق، ولا يجوزُ أَنْ يكون من حرف أصلي لأنَّ الياء والواو لا يكونان أصلاً فيما كان على أربعة أحرف، ولا أَنْ يكونَ من حرف الإِلحاق لأنه ليس في الأصولِ شيءٌ يكونُ هذا ملحقاً به وإذا ثبت ذلك ثَبَتَ أنها للتأنيث، وكذلك القولُ في الألف المقصورة».
وهذا الذي قاله أبو علي صحيحٌ لو كان فيما يُعْرَفُ له اشتقاقٌ ويَدْخله تصريفٌ، ولكنهم يُجرون الأسماء الأعجمية مُجْرى العربية بمعنى أن هذا لو وَرَدَ في لسانِ العرب كيف يكون حكمُهُ؟
وفيه بعد ذلك لغتان أُخْرَيان، إحداهما: زَكَرِيٌّ بياء مشددة في آخره فقد دونَ ألف، وهو في هذه اللغة منصرف. ووجَّهَ أبو علي ذلك فقال: «القولُ فيه أنه حُذِفَ منه الياءان اللتانِ كانتا فيه ممدوداً ومقصوراً وما بعدهما وأَلْحَقَ ياءي النسب» قال: يَدُلُّ على ذلك صَرْفُ الاسم، ولو كانت الياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرفَ للعجمة والتعريف «، وهذه اللغةُ التي
والكَفالَةُ: الضمان في الأصلِ، ثم يستعار للضم والأخذ، يقال منه: كَفَل يكفُل، وكَفِلَ يكفَل كعَلِمَ يعلَم كَفالة وكَفْلاً فهو كافِلٌ وكفيل.
قوله: ﴿المحراب﴾ فيه وجهان مشهوران، أحدهما وهو مذهب سيبويه أنه منصوبٌ على الظرف، وشذَّ عن سائر إخوانه بعد «دخل» خاصة، يعني أن كلَّ ظرفِ مكان مختص لا يصل إليه الفعلُ إلا بواسطة «في» نحو: «صَلَّيْت في المحراب» ولا تقول: المحرابَ، ونمت في السوق، ولا تقول: السوقَ، إلا مع «دخل» خاصة، نحو: دَخَلْتُ السوقَ والبيت، وإلا ألفاظاً أُخَرَ ذكرْتُها في كتب النحو. والثاني: مذهب الأخفش، هو نصبُ ما بعد «دخل» على المفعول به لا على الظرف، فقولك: «دخلت البيت» كقولك: «هَدَمْتُ البيت» في نصب كلٍّ منهما على المفعول به. وهو قولٌ مرجوحٌ بدليل أنَّ «دخل» لو سُلِّط على غير الظرف المختص وجب وصولُه بوساطةِ «في» تقول: «دخلْتُ في الأمر» ولا تقول: دخلت الأمر، فدلَّ ذلك على عدم تعدِّيه للمفعول به بنفسه.
والمحراب: قال أبو عبيدة: «هو أشرف المجالس ومقدَّمُها، وهو كذلك من المسجدِ». وقال ابو عمرو بن العلاء: «هو القَصْرُ لعلوِّه وشَرَفِه». وقال الأصمعي: «هو الغرفةُ» وأنشد لامرىء القيس:
١٢٤٦ - وماذا عليه أَنْ ذكرتُ أوانساً | كغِزْلانِ رملٍ في محاريبِ أَقْيالِ |
١٢٤٧ - رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جئتُها | لم أدْنُ حتى أَرْتَقِي سُلَّما |
وأمال ابن ذكوان عن ابن عامر «المحراب» في هذه السورة موضعين بلا خلافٍ، لكونه قَوِيَ فيه سببُ الإِمالة، وذلك أن الألف تقدَّمَها كسرةٌ وتأخَّرت عنها كسرةٌ أخرى فقَوِيَ داعي الإِمالة، وهذا بخلاف/ «المحراب» غيرِ المجرور فإنه نُقِلَ عن ابن ذكوان فيه الوجهان: الإِمالةُ وعدمُها نحو قوله:
﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ [ص: ٢١]، فوجهُ الإِمالة تقدُّمُ الكسرة، ووجهُ التفخيمِ أنه الأصلُ، وقد تقدَّم لك الفرقُ بين كونِهِ مجروراً فلم يُخْبَرْ عنه فيه خلاف وبين كونِهِ غيرَ مجرورٍ فجرى فيه الخلافُ، وكذلك جرى عنه الخلاف أيضاً في «عمران» لِما ذكرْتُ لكل من تقدُّم الكسر.
قوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ هذه «وَجَدَ» بمعنى أصاب ولقي وصادف فتتعدَّى لواحدٍ وهو «رزقاً»، و «عندَها» الظاهرُ أنه ظرفٌ للوِجْدَان. وأجاز
قوله: «قال: يا مريم» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنف، قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من» وَجَدَ «لأنه ليس بمعناه». والثاني: أنه معطوفٌ بالفاء، فَحُذِفَ العاطِفُ، قال أبو البقاء: «كما حُذِفَتْ في جواب الشرط كقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وكذلك قولُ الشاعر:
١٢٤٨ - مَنْ يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكرها | ............................ |
قوله: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ أنَّى خبر مقدم، و «هذا» مبتدأ مؤخر، ومعنى «أنى» هنا: مِنْ أين، كذا فَسَّرها أبو عبيدة، وقيل: ويجوز أن يكون سؤالاً عن الكيفية أي: كيف تهيَّأ لك هذا، قال الكميت:
١٢٤٩ - أنَّى ومِنْ أين آبَكَ الطربُ | مِنْ حيثُ لا صبوةٌ ولا رِيَبُ |
﴿إنًّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ تقدَّم نظيرُه، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مستأنفاً [مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، وأن يكونَ من كلامِ مريم فيكونَ منصوباً].
١٢٥٠ - قد وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ | مِنْ ههنا ومِنْ هُنَهْ |
وقد زعم بعضُهم أنَّ «هناك» و «هنالك» و «هَنَّا» للزمان، فمِنْ ورودِ «هنالك» بمعنى الزمان عند بعضِهم هذه الآية أي: في ذلك الزمان، ومثلُه: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] ومنه قولُ زهير:
١٢٥١ - هنالك إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا | ....................... |
١٢٥٢ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشابَهَتْ | فهناك يعترفون أين المفزَعُ |
قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق ب «هَبْ» وتكونُ «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً أي: هَبْ لي من عندِك، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ على أنه في الأصل صفةٌ لذرية، فلما قُدِّم عليها انتصبَ حالاً. وقد تقدَّم الكلامُ على لدن وأحكامِها ولغاتِها. وقوله: ﴿سَمِيعُ الدعآء﴾ مثالُ مبالغة مُحَوَّل من «سامِع» وليس بمعنى «مُسْمِع» لفسادِ المعنى.
وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ نْ أرادَ ب «ذرية» الجنسَ فيكونُ التأنيثُ في «طيبة» باعتبارِ تأنيثِ الجماعة، وإنْ أرادَ به ذَكَراً واحداً فالتأنيث باعتبار اللفظ. قال: الفراء: «وأَنَّث» طيبة «لتأنيثِ لفظِ» الذرية «كما قال الشاعر:
١٢٥٣ - حَنَّتْ نَوارِ ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ | وبدا الذي كانت نوارِ أَجَنَّتِ |
١٢٥٤ - أبوكَ خليفةٌ وَلَدَتْهُ أخرى | وأنت خليفةٌ، ذاك الكمالُ |
١٢٥٥ - فما تَزْدَري من حَيَّةٍ جَبَلِيَّة | سُكاتٍ إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدَا |
وقد تَجَرَّأ بعضُهم على قراءة العامة فقال:» أكرهُ التأنيث لِمَا فيه من مو-افقة دعوى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث. وتجرَّأ/ أبو البقاء على قراءة الأخوين فقال: «وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية، فلذلك قرأ مَنْ قرأ:» فناداه «بغير تاءٍ، والقراءةُ به غيرُ جيدة لأنَّ الملائكةَ جمعٌ، وما اعتلُّوا به ليس بشيء، لأنَّ الإِجماع على إثبات التاء في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الملائكة﴾ [آل عمران: ٤٢]. وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيرِه ليسا بجيدين، لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن تُرَدَّ إحداهما البتة.
والجمهورُ على أنَّ الملائكةَ المرادُ بهم واحدٌ وهو جبريلُ. قال الزجاج:» أتاه النداء من هذا الجِنس الذين هم الملائكةُ كقولِك: «فلان يركب السفنَ» أي: هذا الجنسَ «ومثلُه: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهم نعيم بن مسعود. وقوله» إنَّ الناس «يعني أبا سفيان، ولَمَّا كان جبريل رئيسَ الملائكة أَخْبَرَ عنه إخبارَ الجماعة تعظيماً له. وقيل:» الرئيس لا بُدَّ له من أتباع، فلذلك أَخْبَر عنه وعنهم، وإنْ كان النداءُ إنما صدر منه «، ويؤيِّدُ كونَ المنادى جبريلَ وحدَه قراءةُ عبدِ الله، وكذا في مصحفه:» فناداه جبريل «، والعطفُ بالفاء في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ مُؤْذِنٌ بأنَّ الدعاء مُعْتَقِبٌ بالتبشير.
قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ جملةٌ حالية من مفعولِ النداء، و» يصلي «يحتمل أوجهاً، أحدها: أن يكونَ خبراً ثانياً عند مَنْ يرى تعدُّدَهُ مطلقاً نحو:» زيدٌ شاعرٌ فقيه «. الثاني: أنه حالٌ ثانية من مفعول النداء، وذلك أيضاً عند مَنْ يُجَوِّز تعدُّدَ الحال. الثالث: أنه حالٌ من الضمير المستتر في» قائم «فيكونُ حالاً من حال. الرابع: أن يكونَ صفةً لقائم.
قوله: ﴿فِي المحراب﴾ متعلقٌ بيُصَلِّي، ويجوزُ أنْ يتعلَّقَ بقائم إذا جَعَلْنا» يُصَلِّي «حالاً من الضمير في» قائم «؛ لأنَّ العامِلَ فيه حينئذٍ وفي الحالِ شيءٌ واحدٌ فلا يلزَمُ منه فصلٌ، أمَّا إذا جَعَلْناهُ خبراً ثانياً أو صفةً لقائم أو حالاً من المفعولِ لَزِمَ الفصلُ بين العامِلِ ومعمولِه بأجنبي، هذا معنى كلامِ
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ قرأ نافع وحمزة وابن عامر بكسر «إنَّ»، والباقون بفتحها. فالكسرُ عند الكوفيين لإِجراء النداء مُجْرى القول فلْيُكْسَرْ معه، وعند البصريين على إضمارِ القول، أي: فنادَتْهُ فقالت. والفتح على حَذْفِ حرف الجر تقديرُهُ: فنادَتْهُ بأن الله، فلمَّا حُذِفَ الخافض جرى الوجهان المشهوران في محلها.
وفي قراءة عبد الله «فنادَتْه الملائكة: يا زكريا» فقوله «يا زكريا» هو مفعولُ النداء، وعلى هذه القراءةِ يتعيَّنُ كسرُ «إنَّ» ولا يجوز فتحُها لاستيفاءِ الفعل معموليه، وهما: الضميرُ وما نُودِي به زكريا.
قوله: «نُبَشِّرُك» قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم الخمسة في هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ موضعان، وفي سورة الإِسراء: ﴿وَيُبَشِّرَ المؤمنين﴾ [الآية: ٩]، وفي سورة الكهف: ﴿وَيُبَشِّرَ المؤمنين﴾ [الآية: ٢] أيضاً بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددةً من: بَشَّره يُبَشِّره. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ثلاثتهم كذلك في سورة الشورى وهو {ذَلِكَ الذي
وإذا أردت معرفة ضبطِ هذا الفصل فاعلَمْ أنَّ المواضعَ التي وقع فيها الخلافُ المذكور تسعُ كلمات، والقرَّاءُ فيها على مراتبَ: فنافع وابن عامر وعاصم ثَقَّلوا الجميع وحمزة خَفَّف الجميع، وابن كثير وأبو عمرو ثَقَّلا الجميع إلا التي في سورة الشورى فإنهما وافقا فيها حمزة، والكسائي خَفَّف خمساً منها وثقَّل أربعاً، فخفَّف كلمتَيْ هذه السورة وكلماتِ الإِسراء والكهف والشورى.
وقد تقدَّم أن في هذا الفعل ثلاثَ لغات: «بَشَّر» بالتشديد، وبَشَر بالتخفيف، وعليه ما أنشده الفراء:
١٢٥٦ - بَشَرْتُ عيالي إذ رأيتُ صحيفةً | أَتَتْكَ من الحَجَّاجِ يُتْلَى كتابُها |
١٢٥٧ - يا بِشْرُ حُقَّ لوجهِك التَّبْشِيرُ | هَلاَّ غَضِبْت لنا وأنتَ أَميرُ |
قوله تعالى: ﴿بيحيى﴾ متعلق ب يُبَشِّرُكَ، ولا بد من حذف مضاف أي: بولادة يحيى، لأن الذواتِ ليست متعلقةً للبشارة ولا بد في الكلامِ من [شيء] عادَ إليه السياقُ تقديرهُ: بولادةِ يحيى منك ومن امرأتِك، دَلَّ على ذلك قرينةُ الحالِ وسياقُ الكلام.
و «يحيى فيه قولان أحدُهما: وهو المشهورُ عند أهل التفسير أنه منقولٌ من الفعلِ المضارع، وقد سَمُّوا بالأفعال كثيراً نحو: يعيش ويعمر ويَمُوت، قال قتادة:» سُمِّي يَحْيى لأنَّ الله أَحياه بالإِيمان «وقال الزجاج:» حَيِيَ بالعلم «وعلى هذا فهو ممنوعُ الصرف للعملية ووزن الفعل نحو:» يزيد ويشكر وتغلب «. والثاني: أنه أعجمي لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهرُ فامتناعُه للعمليةِ والعجمةِ الشخصية. وعلى كلا القولين فيُجْمع على يَحْيَوْن بحذف الألف نحو:» مُوسَوْن «بحذف الألف وبقاء الفتحة تدلُّ عليها. وقال الكوفيون:» إن كان عربياً منقولاً من الفعلِ فالأمرُ كذلك، وإنْ كان أعجمياً ضُمَّ ما قبل الواو وكُسِر ما قبل الياء إجراء له مُجْرى المنقوص نحو: جاء
١٢٥٨ - أيُّها العالم بالتصريفِ لا زلت تُحَيَّا... إنَّ يَحْيى إنْ يُصَغَّرْ فيُحَيَّا... وأبى قومٌ وقالوا ليسَ هذا الرأيُ حَيّا... إنما كان صواباً أَنْ يُجيبوا بيُحَيَّا... كيف قد رَدُّوا يُحَيَّا... والذي اختارُوا يُحَيَّا... أتراهم في ضلالٍ أم ترى وجهاً يُحَيَّا... قلت: هذا جارٍ مَجْرى الألغاز في تصغيرِ هذه اللفظةِ، وذلك يختلف بالتصريفِ والعمل، وهو أنه إذا اجتَمَع في آخر الاسم المصغَّر ثلاثُ ياءات
ويُنْسَبُ إلى يَحْيى: يَحْيِيُّ بحذف الألف تشبيهاً لها بالزائد نحو: حُبْلِيّ في: حُبْلى، ويَحْيَويّ بالقلب لأنها أصلٌ كألف مَلْهَويٌّ، أو شبيهة بالأصل إن كان أعجمياً، ويَحْياوي بزيادة ألف قبل قلب ألفه واواً.
والنداء: رفعُ الصوت، يقال: نادى نُداءً ونداء بضم النون وكسرها، والأكثر في الأصوات مجيئها على الضم نحو: البُكاء والصُّراخ والدُّعاء والرُّغاء. وقيل: المكسورُ مصدر والمضموم اسم، ولوعُكِسَ هذا لكان أَبْيَنَ لموافقتِه نظائرَه من المصادر. وقال يعقوب بن السكيت:» إذا ضَمَمْتَ نونَه قَصَرْتَه وإن كسرتها مددَته «وأصلُ المادةِ يَدُلُّ على الرفع.
ومنه المُنْتدى والنادي لاجتماع القوم فيهما وارتفاع أصواتهم. وقالت قريش: دار الندوة، لارتفاعِ أصواتِهم عند المشاورة والمحاورةِ فيها، وفلان أَنْدى صوتاً من فلان أي: أَرْفَع، هذا أصلُه في اللغةِ، وفي العُرْف صار ذلك لأحسنِهما نغماً وصوتاً، والنَّدى: المطرُ، ومنه: نَدِيَ يَنْدَى، ويُعَبَّر به عن الجود، كما يُعَبَّر بالمطرِ والغيثِ وأخواتهِما عنه استعارةً.
قوله: ﴿مُصَدِّقاً﴾ حالٌ من «يحيى» وهذه حالٌ مقدَّرة، وقال ابن عطية: «
١٢٥٩ - ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ | وكلُّ نعيمٍ لا مَحَالَةَ زائِلُ |
قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ في محلِّ جر صفة لكملة فيتعلَّقٌ بمحذوف أي: بكلمة كائنة من الله. و ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً﴾ أحوالٌ أيضاً كمصدِّقاً. السيِّد فَيْعِل. والأصلُ: سَيْوِد فَفُعِل [به] ما فُعِل بميت، وقد تقدَّم كيفية ذلك، واشتِقاقُه من سادَ يسود سِيادة وسُؤْدُدَاً أي: فاقَ نُظَراءَه في الشرف والسؤُدد، ومنه قولهم:
١٢٦٠ - نفسُ عصامٍ سَوَّدَتْ عِصَاما | وعَلَّمَتْه الكَرَّ والإِقداما |
والحَصور فَعُول للمبالغة مُحَوَّلٌ من «حاصِر» كضَرُوب في قوله:
١٢٦١ - ضَروبٌ بنصْلِ السيفِ سُوقَ سِمانِها | إذا عَدِموا زاداً فإنَّك عاقِرُ |
١٢٦٢ - ولقد تَسَقَّطَني الوشاةُ فصادَفوا | حَصِراً بسِرِّك يا أُمَيْمُ ضَنِيناً |
١٢٦٣ -............................ | لا بالحَصورِ ولا فيها بِسَآَّرِ |
وقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر﴾ جملةُ حاليةٌ، وفي موضع آخرَ ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر﴾ [مريم: ٨] لأنَّ ما بَلَغَكَ فقد بَلَغْتَه. وقيل: لأنَّ الحوادثَ تَطْلُب الإِنسانَ. وقيل: هو من المَقْلوب كقوله:
١٢٦٤ - مثلُ القنافِذِ هَدَّاجون قد بَلَغَتْ | نجرانُ أو بُلِّغَتْ سَوْءاتِهِمْ هَجَرُ |
وقدَّم في هذه السورة حالَ نفسه، وأخَّر حالَ امرأته، وفي مريم عَكَس، فقيل: صدرُ الآيات في مريم مطابِقٌ لهذا التركيبِ لأنه قَدَّمَ وَهْنَ عظمِه واشتعالَ شَيْبِه وخِيفَةَ مواليهِ من ورائه، وقال: ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ فلمَّا أعَاد ذِكْرهما في استفهامٍ آخر ذَكَر الكِبَر ليوافِق «عِتِيَّاً» رؤوسَ الآي، وهو باب مقصود في الفصاحة، والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيباً زمانياً، فلذلك لم يُبالَ بتقديم ولا تأخير.
١٢٦٥ - شَفاها من الداءِ العُضالِ الذي بها | غلامٌ إذا هَزَّ القناةَ شَفاها |
١٢٦٦ - وبالجَعْدِ حتى صارَ جَعْداً عَنَطْنَطاً | إذا قامَ ساوى غاربَ الفحلِ غارِبُهْ |
واشتقاق الغُلام من الغُلْمة والاغتِلام، وهو طَلَبُ النكاح، لَمَّا كان مسبَّباً عنه أُخِذَ منه لفظُه، ويقال: «اغتَلَم الفحلُ» أي: اشتدَّتْ شهوتُه إلى طَلَبِ النكاح، واغتلَم البحر أي: هاجَ وتلاطَمَتْ أمواجه مستعار منه، وقياسُه في القلةِ أَغْلِمة، وفي الكثرة: غِلْمان، وقد جُمع على غِلْمَة شذوذاً، وهل هذه الصيغةُ جمعُ تكسير أم اسم جمع؟ قال الفراء: «يقال غلامٌ بيِّنُ الغُلومَة والغُلومِيَّة والغُلامِيَّة» قال: «والعربُ تجعلُ مصدرَ كلِّ اسمٍ ليسَ له فعلٌ
والكِبَرُ: مصدرُ كَبِرَ يكبَر كِبَراً أي: طَعَن في السن، قال:
١٢٦٧ - صغيرَيْنِ نَرْعَى البَهْمَ يا ليتَ أَنَّنا | إلى اليومِ لم نَكْبَرْ ولم تَكْبَر البَهْمُ |
١٢٦٨ -....................... | عَقَرْتَ بعيري يا امرأ القيسِ فانْزِلِ |
والعُقر العَقْر بضم العين وفتحها: أصلُ الشيء، ومنه: عُقْر الدار وعُقْر الحوض، وفي الحديث: «ما غُزِي قومٌ قط في عُقر دارِهم إلا ذُلُّوا» وعَقَرْتُه: أَصَبْتُ عُقْره أي: أصلَه نحو: رَأَسْته أي: أصبتُ رأسَه، والعُقْر أيضاً: آخر الولد، وكذلك بيضةُ العُقْر، والعُقار: الخمرُ لأنها تَعْقِر العقلَ مجازاً وفي
١٢٦٩ - أرزامُ بابٍ عَقُرَتْ أَعْواما | فَعَلَّقَتْ بُنَيَّها تَسْماما |
١٢٧٠ - لَبِئْسَ الفتى إنْ كنُت أعوَر عاقِراً | جَباناً فما عُذْري لدى كلِّ مَحْضَرِ |
والثاني: من وجهي الكاف أنَّها في محلِّ رفعٍ على أنها خبر مقدم، والجلالةُ مبتدأٌ مؤخرٌ، فقدَّره الزمخشري «على نحوِ هذه الصفة اللهُ»، ويفعل ما يشاء بيانٌ له، وقدَّره ابن عطية: كهذه القدرة المستغرَبة هي قدرة الله، وقدَّره الشيخ فقال: «وذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: صُنْعُ اللهِ الغريبُ مثلُ ذلك الصنعِ، فيكون» يفعل ما يشاء «شرحاً للإِبهامِ الذي في اسم الإِشارة» فالكلامُ على الأول جملةٌ واحدةٌ وعلى الثاني جملتان.
وقال ابن عطية: «ويُحتمل أن تكونَ الإِشارةُ بذلك إلى حال زكريا وحالِ امرأته، كأنه قال: ربِّ على أيّ وجه يكونُ لنا غلامٌ ونحن بحالِ كذا؟ فقال له: كما أنتما يكون لكما الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويلِ في قوله:» كذلك «وقولُه: ﴿الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ جملةٌ مبينة مقرِّرةٌ في النفس وقوعَ هذ الأمر المستغرب» انتهى. وعلى هذا الذي ذكرَه يكون «كذلك» متعلقاً بمحذوفَ، و «الله يفعل» جملةٌ منعقدةٌ من مبتدأ وخبرٍ.
قوله: ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ﴾ أَنْ وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً لقوله: «آيتُك» أي: آيتُك عدمُ كلامِك للناس. والجمهورُ على نصبِ «تُكَلِّم» بأَنْ المصدريةِ. وقرأ ابن أبي عبلة برفعِه، وفيه وجهان، أحدهما: أن تكونَ «أَنْ» مخففةً من الثقيلةِ، واسمُها حينئذٍ ضميرُ شأنٍ محذوفٍ، والجملةُ المنفيَّةُ بعدَها في محلِّ رفع خبراً ل «أَنْ»، ومثلُه: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩] ﴿وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، ووقعَ الفاصلُ بين أَنْ والفعلِ الواقعِ خبَرَها بحرف نفي، ولكنْ يُضْعِفُ كونَها مخففةً عدمُ وقوعِها بعد فعلِ يقين. الثاني: أَنْ تكونَ الناصبَةُ حُمِلَتْ على «ما» أختِها، ومثلُه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأَنْ وما في حَيِّزها أيضاً في محلِّ رفعٍ خبراً ل «آيتُك».
قوله تعالى: ﴿ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ﴾ الصحيحُ أنَّ هذا النحوَ وهو ما كان من الأزمنة يستغرقُ جميعُه الحدثَ الواقعَ فيه منصوبٌ على الظرفِ خلافاً للكوفيين فإنَّهم يَنْصِبونه نصبَ المفعولِ به، وقيل: «وثَمَّ معطوفٌ محذوفٌ تقديرُه: ثلاثةَ أيام وليالِيها، فحُذِفَ كقولِه تعالى: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] ونظائِره،
قوله: ﴿إِلاَّ رَمْزاً﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطع لأنَّ الرمزَ ليس من جنسِ الكلام، إذ الرمز: الإِشارةُ بعينٍ أو حاجبٍ، أو نحوهما، ولم يَذْكُر أبو البقاء غيرَه، واختارَه ابنُ عطية بادِئاً به فإنه قال:» والكلامُ المرادُ في الآية إنما هو النطقُ باللسان لا الإِعلامُ بما في النفسِ، فحقيقةُ هذا الاستثناءِ أنه استثناءٌ منقطعٌ «ثم قال:» وذهب الفقهاءُ إلى أنَّ الإِشارةَ ونحوَها في حكمِ الكلامِ في الأَيْمان ونحوِها، فعلى هذا يَجِيءُ الاستثناءُ متصلاً «.
والوجه الثاني: أنه متصلٌ؛ لأنَّ الكلامَ لغةً يُطلقُ بإزاء معانٍ، الرمزُ والإِشارةُ من جملتها، وأنشدوا على ذلك:
١٢٧١ - إذا كَلَّمَتْني بالعيونِ الفواترِ | رَدَدْتُ عليها بالدموعِ البوادِرِ |
١٢٧٢ - أرادَتْ كلاماً فاتَّقَتْ من رقيبها | فلم يَكُ إلا وَمْؤُها بالحواجبِ |
١٢٧٣ - كَلَّمْتُه بجفونٍ غيرِ ناطقة | فكانَ مِنْ رَدِّهِ ما قالَ حاجِبُهْ |
والرَّمْزُ: الإِشارةُ والإِيماءُ بعينٍ أو حاجبٍ أو يَدٍ، ومنه قيلَ للفاجِرَةِ: الرامِزَة والرَّمَّازة، وفي الحديث: «نَهَى عن كَسْبٍ الرَّمَّازة» يقال فيه: رَمَزَت تَرْمُزُ وتَرْمِزِ بضم العين وكسرها في المضارع، وأصل الرَّمْز: التحرك يقال: رَمَزَ وارتَمَزَ أي: تحرَّك، ومنه قيل للبحر: الراموز لتحرُّكه واضطرابه. وقال الراغب: «الرَّمْز: إشارةُ بالشفة، والصوتُ الخفي والغمزُ بالحاجبِ، وما ارمازَّ أي: لم يتكلَّم رمزاً، وكتيبةَ رمَّازة: أي لم يُسْمَعْ منها إلا رمْزٌ لكثرتِها» قلت: ويؤيِّدُ كونَه الصوتَ الخفي كما قال الراغب ما جاء في التفسيرِ أنه كان ممنوعاً من رفعِ الصوتِ.
والعامَّةُ قرؤوا: رَمْزاً بفتحِ الراءِ وسكونِ الميم. وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة بن قيس: «رُمُزاً» بضمِّهما وفيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدر على فُعْل بتسكينِ العينِ في الأصلِ، ثم ضُمَّتِ العينُ إتباعاً كقولهم: اليُسْر والعُسْر في: اليُسُر والعُسُر، وقد تقدَّم في هذا كلامٌ لأهلِ التصريف. والثاني: أنه جمعُ رَمُوز كرُسُل في جمع رسول، ولم يَذْكر الزمخشري غيره. وقال أبو البقاء: «وقُرِىء بضمِّها أي الراء وهو جمع رُمُزَة بضمتين، وأُقِرَّ ذلك في الجمعِ، ويجوز أَن يكونَ سَكَّن الميمَ في الأصل، وإنما أَتْبَعَ الضَّمَّ
وانتصابُهُ على هذا على الحالِ من الفاعِلِ وهو ضميرُ زكريا، والمفعولِ معاً وهو الناس كأنه: إلا مترامزين كقوله:
١٢٧٤ - متى ما تَلْقَني فَرْدَيْن تَرْجُفْ | رَوانِفُ إليَتَيْكَ وتُسْتَطارا |
١٢٧٥ - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ | أيِّي وأيُّك فارسُ الأَحْزَابِ |
والباءُ في قوله: ﴿بالعشي﴾ بمعنى «في» أي: في العشي والإِبكار. والعَشِيُّ يُقال من وقت زوال الشمس إلى مَغِيبِها، كذا قال الزمخشري. وقال الراغب: «العَشِيُّ: من زوال الشمس إلى الصباح» والأولُ هو المعروفُ. وقال الواحدي: «العَشِيُّ: جمع عَشِيَّة وهي آخر النهار».
١٢٧٦ - أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ | .......................... |
١٢٧٧ - أيها الرائحُ المُجِدُّ ابتكاراً | .......................... |
١٢٧٨ - بَكَرْنَ بُكوراً واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ | فهنَّ ووادي الرَّسِّ كاليدِ في الفم |
ووقتُ الإِبكارِ من طلوعِ الفجرِ إلى وقتِ الضُّحى وقال الراغب: «
وقرأ عبدُ الله بن مسعود وابن عمر: «وإذ قال الملائكة» دونَ تاءِ تأنيث، وتوجيهُ ذلك تقدَّم في ﴿فَنَادَاهُ الملائكة﴾. ومعمولُ القولِ الجملةُ المؤكَّدَةُ بإنَّ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الله اصطفاك﴾، وكَرَّر الاصطفاءَ رفعاً مِنْ شأنِهِا.
قال الزمخشري: «اصطفاكِ أولاً حين تَقَبَّلَكِ مِنْ أُمِّك ورَبَّاك واخْتَصَّكِ بالكرامَةِ السَّنِيَّة، واصطفاكِ آخِراً على نساءِ العالمين بأَنْ وَهَبَ لكِ عيسى من غَيْرِ أَبٍ ولم يكنْ ذلك لأحدٍ من النساء»
واصْطَفَى: افْتَعَلَ من الصَّفْوَة، أُبْدِلَتْ التاءُ طاءً لأجلِ حرفِ الإِطْبَاقِ
الثاني: أن يكونَ «ذلك» مبتدأً، و «من أنباء الغيب» خبرَه والجملةُ من «نوحيه» مستأنفةً، والضميرُ في «نوحيه» عائدٌ على الغيب، أي: الأمرُ والشأنُ أنَّا نوحي إليك الغيبَ ونُعْلِمُك به ونُظْهِرُكَ على قصصِ مَنْ تقدَّمك مع عدمِ مدارستكِ لأهلِ العلمِ والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في «نُوحيه»، وهذا أحسنُ مِنْ عَوْدِهِ على «ذلك» ؛ لأنَّ عَوْدَهُ على الغيبِ يَشْمَلُ ما تقدَّم من القصص وما لَم يتقدَّمْ منها، ولو أَعَدْتَه على «ذلك» اختصَّ بما مضى وتقدَّم.
الثالث: أن يكونَ «نوحيه» هو الخبرَ، و «من أنباء الغيب» على وجهيه المتقدِّمين مِنْ كَوْنِهِ حالاً من «ذلك» أو متعلِّقاً بنوحيه، ويجوز في وجهُ ثالثٌ على هذا/ وهو أَنْ يُجْعَلَ حالاً من مفعول «نوحيه» أي: نوحيه حالَ كونِهِ بعضَ أنباءِ الغيبِ.
والضميرُ في «لديهم» عائدٌ على المتنازِعَيْنِ في مريم وإنْ لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ، لأنَّ السياقَ قَد دَلَّ عليهم، وهذا الكلامُ ونحوُه كقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور﴾ [القصص: ٤٦] ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] وإن كانَ معلوماً انتفاؤه بالضرورةِ جارٍ مَجْرى التهكم بمنكري الوَحْي، يعني أنه إذا عُلِمَ أنك لم تعاصِرْ أولئك ولم تُدَارِس أحداً في العلمِ فلم يَبْقَ اطلاعُك عليه إلا مِنْ جِهَةِ الوحي.
والأقلام جمع «قَلَم» وهو فَعَل بمعنى مفعول أي: مَقْلوم، والقَلْم القَطْع، ومثلُه القبض والنقص بمعنى المقبوض والمنقوص، وقيل له: قَلَم؛ لأنه يُقْلَمُ، ومنه «قَلَّمْتُ ظُفْرِي» أي: قَطَعْتُهُ وَسَوَّيْتُهُ، قال زهير:
١٢٧٩ - لدى أَسَدٍ شاكي السلاحِ مُقَذَّفٍ | له لِبَدٌ أضفارُهُ لمْ تُقَلَّمِ |
والوَحْيُ: الإِشارةُ السريعةُ، ولتضمُّنِ السرعةِ قيل: «أمرٌ وَحْيٌ»
١٢٨٠ - لأوْحَتْ إلينا والأنامِلُ رُسْلُها | ........................... |
١٢٨١ - أتى العُجْمَ والآفاقَ منه قصائدٌ | بَقَيْنَ بقاءَ الوَحْي في الحَجَر الأَصَمِّ |
١٢٨٢ - فَمَدافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّي رَسْمُها | خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها |
قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ في محلِّ جرٍ صفةً لكلمة، والمرادُ بالكلمة هنا عيسى، وسُمِّيَ كلمةً لوجودهِ بها وهو قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فهو من باب إطلاق السبب على المُسَبَّب. و «اسمه» مبتدأ، و «المسيح» خبرُهُ. و «عيسى» بدلٌ منه أو عطفُ بيان. قال أبو البقاء: «ولا يكونُ خبراً ثانياً لأنَّ تَعَدُّدُ الأخبارِ يُوجِبُ
والألفُ واللامُ في «المسيح» للغلبَةِ كهي في الصَّعِق والعَيُّوق وفيه وجهان، أحدُهما: أنه فَعِيل بمعنى فاعِل مُحَوّل منه مبالغة، فقيل: لأنه مَسَحَ الأرض بالسِّياحة، وقيل: لأنه يَمْسَح ذا العاهة فيبرأُ، وقيل: بمعنى مَفْعول لأنه مُسِحَ بالبركةِ أو لأنه مَسِيحُ القدمِ، قال:
١٢٨٣ - باتَ يُقاسيها غلامٌ كالزَلَمْ | خَدَلَّجُ الساقَيْنِ ممسوحُ القَدَمْ |
١٢٨٤ - على وَجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ من مَلاحة | ............................ |
وأتى بالضمير في قوله: «اسمُه» مذكَّراً وإنْ كان عائداً على الكلمة مراعاةً للمعنى، إذ المرادُ بها مذكر.
و «ابنُ مريم» يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً لعيسى، قال ابن عطية: «وعيسى خبرُ مبتدأٍ محذوف، ويَدْعُو إلى هذا كونُ قولِهِ» ابنُ مريم «صفةً لعيسى، إذ قد أَجْمَعَ الناسُ على كَتْبِه دونَ ألفٍ، وأمَّا على البدل أو عطفِ البيان فلا يجوزُ أن يكونَ» ابنُ مريم «صفةً لعيسى، لأنَّ الاسمَ هنا لم يُرَدْ به الشخصُ. هذه النزعةُ لأبي عليّ، وفي صدرِ الكلام نظَرٌ» انتهى. قلتُ: فقد حَتَّمَ كونَه صفةً لأجلِ كَتْبِهِ بدونِ ألف، ثم قال: «وأمَّا على البدلِ أو عطفِ البيان فلا يكونُ ابنُ مريم صفةً لعيسى» يعني بدلَ عيسى من المسيح، فَجَعَلَهُ غيرَ صفةٍ له مع وجودِ الدليلِ الذي ذكره وهو كَتْبُه بغير ألف.
وقد مَنَعَ أبو البقاء أن يكونَ «ابنُ مريم» بدلاً أو صفة لعيسى قال: «لأنَّ ابنَ مريم ليس باسمٍ، ألا ترى أنَّك لا تقولُ:» هذا الرجلُ ابنُ عمرو «إلا إذا كان قد عَلِقَ عليه علماً» قلت: وهذا التعليلُ الذي ذكره إنما ينهَضُ في عَدَمِ كَوْنِهِ بدلاً، وأمَّا كونُه صفةً فلا يمنعُ ذلك، بل إذا كان اسماً امتنع كونُه صفةً، إذ يصيرُ في حكمِ الأعلامِ، والأعلامُ لا تُوصَفُ به، ألا ترى أنك إذا سَمَّيْتَ رجلاً بابن عمرو امتنعَ أن يقَع «ابن عمرو» صفةً والحالةُ هذه.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ قيل: اسمُه المسيح عيسى ابن
١٢٨٥ - كيف أصبحْتَ كيف أمسَيْتَ مِمَّا | يزرعُ الوُدَّ في فؤادِ الكريمِ |
١٢٨٦ -.................. فهذا بَتِّي | مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي |
الأصل: وبالعمرِ الطويلِ، هذا في المعارف، وأمَّا في النكراتِ فينصِبون الصفةَ حالاً.
وقال الشيخ: «ولا يَصِحُّ أَنْ يكون» المسيح «في هذا التركيب صفةً لأن المُخْبَرَ به على هذا لُفِظَ، والمسيحُ من صفةِ المدلولِ لا من صفةِ الدالِّ، إذ لفظُ عيسى ليس المسيح، ومَنْ قال: إنهما اسمان قال: فَقُدِّمَ المسيحُ على عيسى لشهرتِهِ. قال ابن الأنباري:» وإِنَّما قُدِّمَ بُدِىء بلقبه لأن المسيحَ أشهرُ من عيسى لأنه قَلَّ أن يقعَ على سُمَىً يَشْتَبِهُ به، وعيسى قد يقع على عدد كثير فقدَّمه لشهرتِهِ، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهرُ من أسمائِهِم «، فهذا يَدُلُّ على أنَّ المسيحَ عند ابن الأنباري [لقبٌ] لا اسمٌ. وقال أبو إسحاق:» وعيسى مُعَرَّبٌ من أَيْسوع وإنْ جَعَلْتَه عربياً لم تَصْرِفْهُ في معرفةٍ ولا نكرةٍ، لأنَّ فيه ألفَ التأنيث، ويكون مشتقاً مِنْ عاسَه يَعُوسه إذا سَاسَه، وقام عليه «، وقال الزمخشري:» ومُشْتَقُّهُما يعني المسيح وعيسى من المَسْح والعَيْس كالراقمِ على الماء «. وقد تقدَّم الكلامُ على عيسى ومريم واشتقاقِهما وما ذَكَرَ الناسُ في ذلك في سورة البقرة فَأَغْنى عن إعادته.
قوله: ﴿وَجِيهاً﴾ حالٌ وكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ المقربين﴾.
١٢٨٨ - فأَلْفَيْتُه يوماً يُبيرُ عدوَّه | وبَحْرَ عطاءٍ يَسْتَخِفُّ المعابِرا |
١٢٨٩ - باتَ يُغَشِّيها بعَضْبٍ باتِرٍ | يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرُ |
قوله: ﴿فِي الدنيا﴾ متعلق بوجيهاً، لِما فيه من معنى الفعل. والوجيه: ذو الجاه وهو القوة والمَنَعَةُ والشرف، يقال: وَجُه الرجلُ يَوْجُه وَجَاهَةً، واشتقاقُهُ من الوجه لأنه أشرفُ الأعضاءِ، والجاه مقلوبٌ منه فوزنُه عَفَل.
وقوله تعالى: ﴿فِي المهد﴾ : يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الضميرِ في «يُكَلِّم» ِأي: يكلِّمُهم صغيراً وكهلاً، فَكَهْلاً على هذا نَسَقٌ على هذه الحالِ المؤولةِ. والثاني: أنه ظرفٌ للتكليم كسائرِ الفَضَلات، فَكَهْلاً على هذا نسق على وجيهاً فعلى هذا يكون خمسةُ أَحوالٍ.
والكَهْلُ: مَنْ بَلَغَ سنَّ الكهولةِ وأولُها ثلاثون، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثٌ وثلاثون. وقيل: أربعون، وآخرُها ستون، ثم يدخُلُ في سن الشيخوخة واشتقاقه مِنْ اكْتَهَلَ النبات: إذا علا وَأَرْبَعَ، ومنه: الكاهلُ، وقال صاحب
١٢٩٠ - يُضاحِكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ | مُؤَزَّرٌ بعميمِ النبتِ مُكْتَهِلُ |
وقال بعضُهم:» ما دَامَ في بَطْنِ أمه فهو جنينٌ، فإذا وُلِدَ فَولِيد، فإذا لم يَسْتَتِمَّ الأسبوع فصديعٌ، وما دام يَرْضَعُ فَهُوَ رضيع، ثم هو فطيم عند الفِطام، وإذا لم يَرْضَع فَمَحوش، فإذا دَبَّ فدارج، فإذا سقطت رواضعُه فَثَغُور، فإذا نَبَتَتْ بعد إسقاطِهِ فَمَثْغور ومَتْغور، فإذا جاوَزَ العشرَ فمترعرعٌ وناشِىء، فإذا لم يبلُغ الحُلُمَ فيافعٌ ومراهق، فإذا احتلَمَ فَحَزُوُّرٌ، والغلامُ يُطْلَقُ عليه في جميعِ أحوالِهِ بعد الولادة، فإذا اخضرَّ شاربُهُ وسالَ عِذارُهُ فباقِلٌ، فإذا صارَ ذا لحيةٍ ففَتِيٌّ وشارِخٌ، فإذا مَا كَمَلَتْ لحيته فمتَجَمِّع، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شاب، ومن الأربعين إلى ستين كهل «ولأهلِ اللغةِ عباراتٌ مختلفة/ في ذلك، هذا أشهرُها.
والمَهْدُ: ما يُهَيَّأُ للصبي أَنْ يُرَبَّى فيه، مِنْ مَهَّدْتُ له المكانَ أي: وَطَّأْته وَلَيَّنْتُه له، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ أصلُه المصدرَ، فَسُمِّيَ به المكانُ، وأن يكونَ بنفسِه اسمَ مكانٍ غيرَ مصدرٍ، وقد قُرِيءَ مَهْداً ومِهاداً في طه كما سيأتي.
والجملةُ من قولِهِ: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي﴾ حاليةٌ. [والبَشَرُ في الأصلِ مصدرٌ
الثالث: أَنْ يُعْطَفَ على» يُكَلِّمُ «فيكون منصوباً على الحالِ، والتقديرُ: يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ مُكَلِّماً ومُعَلِّماً الكتابَ، وهذا الوجهُ جَوَّزه ابنُ عطية وغيره.
الرابع: أن يكونَ معطوفاً على» وجيهاً «لأنه في تأويلِ اسمٍ منصوب على الحالِ، كما تقدَّم تقريرُهُ في قوله:» ويكلِّم «. وهذا الوجهُ جَوزَّه الزمخشري واستبعدَ الشيخُ هذين الوجهين الأخيرين أعني الثالث والرابع قال:» لطولِ الفصلِ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ومثلُه لا يُوجَدُ في لسانِ العرب «.
الخامس: أَنْ يَكُون معطوفاً على الجملةِ المحكية بالقولِ، وهي:» كذلك الله يخلق «قال الشيخ:» وعلى كلتا القراءتين هي معطوفةٌ على الجملةِ المَقُولَةِ، وذلك أنَّ الضميرَ في قوله: «قال كذلك» الله تعالى، والجملةُ بعدَه هي المقولةُ، وسواءً كانَ لفظُ «الله» مبتدأً خبرُهُ ما قبلَه أم مبتدأً وخبرُه «يَخلق» على ما مَرَّ إعرابُهُ في «قال: كذلك اللهُ يفعل ما يشاء» فيكونُ هذا من المقولِ لمريم على سبيلِ الاغتباطِ والتبشيرِ بهذا الولدِ الذي يُوجِدُهُ اللهُ منها.
قال الشيخ: «فإنْ عنى أنه استنئافُ إخبار من الله أو عن الله على اختلاف القراءتين، فمن حيث ثبوتُ الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداءَ كلام، إلا أن يُدَّعَى زيادةُ الواو في» ويُعَلِّمه «فحينئذٍ يَصِحُّ أن يكونَ ابتداءَ كلام، وإنْ عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر فكان ينبغي أن يبيِّن ما عُطِفَ عليه، وأن يكونَ الذي عُطِفَ عليه ابتداءَ كلامٍ حتى يكونَ المعطوفُ كذلك» قلت: وهذا الاعتراضُ غيرُ لازمٍ لأنه لا يلزم مِنْ جَعْلِهِ كلاماً مستأنفاً أَنْ يُدَّعَى زيادةُ الواو، ولا أنه لا بد من معطوف عليه، لأنَّ النحْويين وأهلَ البيان نَصُّوا على أن الواو تكون للاستئناف، بدليلِ أنَّ الشعراءَ يأتُونَ بها في أوائلِ أشعارهم من غير تقدُّم شيء يكون ما بعدَها معطوفاً عليه، والأشعارُ مشحونةٌ/ بذلك، ويُسَمُّونَها واوَ الاستئنافِ، ومَنْ مَنَع ذلكَ قَدَّر أنَّ الشاعِرَ عَطَفَ كلامه على شيء مَنْوِيٍّ في نفسهِ، ولكنَّ الأولَ أشهرُ القولين.
وقال الطبري: «قراءةُ الياءِ عَطْفٌ على قولِهِ» يَخْلُقُ ما يشاء «، وقراءةُ النونِ عطفٌ على قولِهِ» نُوحِيهِ إِلَيكَ «. قال ابن عطية:» وهذا القولُ الذي قاله في الوجهين مُفْسِدٌ للمعنى «ولم يبيِّن أو محمد جهةَ إفسادِ المعنى: قال الشيخ:» أمَّا قراءةُ النونِ فظاهِرٌ فسادٌ عطفِهِ على «نُوحيه» من حيثُ اللفظُ ومن حيثُ المعنى: أمَّا من حيث اللفظُ فمثلُه لا يَقْعُ في لسانِ العرب لبُعْدِ
انتهى.
وقال أبو البقاء: «ويُقْرَأُ بالنونِ حَمْلاً على قولِهِ: ﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾، ويُقْرَأُ بالياءِ حَمْلاً على» يُبَشِّرك «وموضعُهُ حالٌ معطوفَةٌ على» وجيهاً «. قال الشيخ:» وقالَ بعضُهم: ونُعَلِّمُه بالنون حَمْلاً على «نُوحيه». إنْ عنى بالحَمْلِ العطفَ فلا شيءَ أبعدُ من هذا التقديرِ، وإنْ عنى بالحَمْل أنه من بابِ الالتفاتِ فهو صحيح «. قلت: يتعيَّن أَنْ يَعني بقولِهِ» حَمْلاً «الالتفاتَ ليس إلا، ولا يجوز أنْ يَعْني به العطفَ لقوله:» وموضعُهُ حالٌ معطوفةٌ
١٢٩١ - لقد كَذَبَ الواشُون ما بُحْتُ عندَهم | بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهمْ برسولِ |
١٢٩٢ - أُبَلِّغْ أبا سلمى رسولاً تَرُوعه | ......................... |
فعلى الأولِ يكونُ في نصبهِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على «يُعَلِّمه» إذا أعربناه حالاً معطوفاً على «وجيهاً» إذ التقديرُ: وجيها ومُعَلِّماً ومُرْسَلاً، قاله الزمخشري وابن عطية. قال الشيخ: «وهو مَبْنِيٌّ على
الثاني: أن يكونَ نسقاً على «كَهْلاً» الذي هو حالٌ من الضميرِ المستتر في «ويُكَلِّم» أي: يُكَلِّم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيل، جَوَّز ذلك ابنُ عطية. واستبعده الشيخُ لطولِ الفصلِ بين المعطوف والمعطوف عليه. قلت: ويظهرُ أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ: يُكَلِّمُ الناسَ في حالِ كونِه رسولاً إليهم، وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ، فإن قيل: هي حالٌ مقدَّرة كقولهم: «مررت برجل معه صقرٌ صائداً به غداً» وقوله: ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، قيل: الأصلُ في الحالِ أن تكونَ مقارنةً، ولا تكونُ مقدرةً إلا حيث لا لَبْسَ.
الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديرُه: ونجعلُه رسولاً، لَمَّا رأَوه لا يَصِحُّ عَطْفُه على مفاعيلِ التعليم أضمروا له عاملاً يناسبه، وهذا كما قالوا في قوله تعالى: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] وقوله:
١٢٩٣ - يا ليتَ زوجَك قد غدا | متقلِّداً سيفاً ورمحا |
١٢٩٤ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً باردا | ....................... |
١٢٩٥ -.................... | وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا |
الرابع: أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ من لفظِ «رسول»، ويكون ذلك الفعلُ معمولاً لقولٍ مضمر أيضاً هو من قولِ عيسى.
الخامس: أنَّ الرسولَ فيه معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم. ويُوَضِّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري، قاله رحمه الله: «فإن قلت: علامَ تَحْمِلُ» ورسولاً ومصدقاً «من المنصوبات المتقدمة، وقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ و ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ يأبى حَمْلَه عليها؟ قلت: هو من المُضايِق، وفيه وجهان، أحدهما: أن تُضْمِرَ له» وأُرْسِلْتُ «على إرادة القول، تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ والحكمة ويقول: أُرْسِلْتُ رسولاً باني قد جئتكم ومُصَدِّقاً لِما بين يديَّ.
والثاني: أن الرسول والمُصَدِّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يديّ «انتهى. إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أنَّ ما قبله / من المنصوبات لا يَصِحُّ عطفُه عليه في الظاهر؛ لأنَّ الضمائر المتقدمة غيبٌ،
السادس: أن يكونَ حالاً من مفعولِ «ويُعَلِّمه» وذلك على زيادة الواو، كأنه قيل: ويُعَلِّمه الكتابَ حالَ كونِه رسولاً، قاله الأخفش، وهذا على أصلِ مذهبهِ من تجويزِه زيادةَ الواوِ، وهو مذهبُ مرجوحٌ.
وعلى الثاني في نصبِه وجهان، أنه مفعولٌ به عطفاً على المفعولِ الثاني ليُعَلِّمه أي: ويُعَلِّمه الكتابَ ورسالةً أي: يعلمه الرسالة أيضاً، والثاني: أنه مصدرٌ في موضع الحال، وفيه التأويلاتُ المشهورةُ في: رجلٌ عَدْلٌ.
وقرأ اليزيدي: «ورسولٍ» بالجر، وخَرَّجها الزمخشري على أنها منسوقةٌ على قوله: «بكلمة» أي: نبشِّرك بكلمة وبرسولٍ. وفيه بُعْدٌ لكثرةِ الفصلِ بين المتعاطِفَيْنِ، ولكن لا يَظْهَر لهذه القراءةِ الشاذة غيرُ هذا التخريجِ.
قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ قرأ العامة: «أني» بفتح الهمزة وفيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُهما: أنَّ موضعَها جر بعد إسقاطِ الخافض، إذ الأصل: بأني، ف «بأني» متعلِّقٌ برسولاً، وهذا مذهبُ الشيخين: الخليلِ والكسائي. والثاني: أن موضعَها نصبٌ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، الأول: أنه نصبٌ بعد إسقاط الخافض، وهو الباء، وهذا مذهب التلميذين: سيبويه والفراء. الثاني: أنه منصوبٌ بفعل مقدر أي: يذكر أني، فيذكرُ صفةٌ لرسولا، حُذِفَتِ الصفةُ وبقي معمولُها. الثالث: أنه منصوب على البدل من «رسولاً» أي: إذا جعلته مصدراً مفعولاً به، تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ ويعلِّمه أني قد جئتكم، جَوَّزه أبو البقاء وهو بعيد في المعنى.
الثالث: من الأوجِهِ الأُوَلِ: أنَّ موضعَه رفعٌ على خبرِ متبدأٍ محذوفٍ أي: هو أني قد جِئْتُكم.
وقرأ بعضُ القرَّاء بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان، أحدهما: أنها على إضمارِ القول أي: قائِلاً إني قد جئتكم، فَحَذَفَ القولَ الذي هو حالٌ في المعنى وأَبْقَى معمولَه.
والثاني: أن «رسولاً» بمعنى ناطِق، فهو مُضَمَّنٌ معنى
وقوله: ﴿بِآيَةٍ﴾ يُحتمل أن تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حالٌ من فاعل «جئتكم» أي: جِئْتُكم ملتبساً بآية. والثاني: أنها متعلقةُ بنفسِ المجيءِ ِأي: إجاءَتَكم الآية. وقوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ صفةٌ لآية فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: بآيةٍ من عند ربكم، ف «مِنْ» للابتداءِ مجازاً، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ «من ربكم» بنفسِ المجيء أيضاً. وقَدَّر أبو البقاء الحال في قولِه ﴿بِآيَةٍ﴾ بقوله: محتجَّاً بآية، إنْ عنى من جهةِ المعنى صَحَّ، وإن عَنَى من جهة الصناعةِ لم يَصِحَّ، إذ لم يُضْمَرْ في هذه الأماكنِ إلا الأكوان المطلقةُ.
وقرأ الجمهور: «بآيةٍ» بالإِفرادِ في الموضِعَيْن، وابن مسعود: «بآياتٍ» جمعاً في الموضعين.
قوله: ﴿أني أَخْلُقُ﴾ قرأ نافع بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. فالكسرُ من ثلاثة أوجه، الأول: على إضمارِ القولِ أي: فقلت: إني أخلق. الثاني: أنه على الاستئناف. الثالث: على التفسير، فَسَّر بهذه الجملةِ قولَه: «بآية» كأنَّ قائِلاً قال: وما الآيةُ؟ فقال هذا الكلامَ، ونظيرُه ما سيأتي: «إنَّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ» ثم قال: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فخلقه مفسرةٌ للمثل، ونظيرُه أيضاً قولُه تعالى: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ثم فَسَّر الوعدَ بقولِه: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، وهذا الوجهُ هو الوجه الصائرُ إلى الاستئنافِ، فإنَّ
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ ففيها أربعةُ أوجهٍ أحدُها: أنها بدلٌ من «أني قد جئتكم» فيجيءُ فيها ما تقدَّم في تلك لأنَّ حكمَها حكمُها. الثاني: أنها بدلٌ من «آية» فتكونُ محلَّها، أي: وجئتكم بأني أخلقُ لكم، وهذا نفسُه آيةٌ من الآيات، وهذا البدلُ يَحْتمل أن يكونَ كلاً مِنْ كل إنْ أُريد بالآية شيءٌ خاص، وأَنْ يكونَ بدلَ بعضٍ من كل إنْ أُريد بالآيةِ الجنس. الثالث: أنها خبرٌ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه: هي أني أخلق أي: الآيةُ التي جئت بها أني أخلُقُ، وهذه الجملةُ في الحقيقةِ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر كأن قائلاً قال: وما الآيةُ؟ فقال: ذلك. الرابعُ: أن تكونَ منصوبةً بإضمارِ فعلٍ، وهو أيضاً جوابٌ لذلك السؤالِ كأنه قال: أعني أنِّي أخلق، وهذان الوجهان يلاقيان في المعنى قراءةَ نافع على بعضِ الوجوهِ فإنهما استئناف.
و «لكم» متعلِّقٌ بأخلُقُ، واللامُ للعلة، أي: لأجلكم بمعنى: لتحصيل إيمانِكم ودَفْعِ تكذيبِكم إياي، وإلاَّ فالذواتُ لا تكونُ عِلَلاً بل أحداثُها.
و «من الطين» متعلقٌ به أيضاً، و «مِنْ» لابتداءِ الغاية، وقولُ مَنْ قال: إنها للبيان «تساهلٌ، إذ لم يَسْبِقْ منهم تبيُّنه.
قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطير﴾ في موضع هذه الكافِ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها نعتٌ لمفعول محذوف تقديره: أني أخلُق لكم هيئةً مثلَ هيئةِ الطير، والهيئةُ: إمَّا مصدرٌ في الأصل/ ثم أُطْلِقَتْ على المفعولِ أي المُهَيّأ كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإمَّا اسمٌ لحال الشيء، وليست مصدراً، والمصدرُ: التهَيُّؤُ والتَّهْيِيءُ والتَّهْيِئَةُ، ويُقال: [هاءَ الشيءُ يَهِيْءُ هَيْئَاً وهَيْئَِةً إذا تَرَتَّب واستقرّ على
الثاني: أنَّ الكافَ هي المفعولُ به لأنَّها اسمٌ كسائرِ الأسماءِ وهذا رأيُ الأخفشِ، يجعلُ الكافَ اسماً حيث وَقَعَتْ، وغيرُه من النحاة لا يقولُ بذلك إلا إذا اضْطُرَّ إليه كوقوعِها مجرورةً بحرفٍ أو بإضافةٍ أو تقع فاعلةً أو مبتدأ، وقد تقدَّمَ جميعُ أمثلةِ ذلك مسبوقاً فأغنى عن إعادتِه هنا.
والثالث: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، قاله الواحدي نَقْلاً عن أبي علي بعد كلامٍ طويلٍ، قال» وتكونُ الكافُ في موضعِ نصبٍ على أنه صفةٌ للمصدرِ المُرَادِ، تقديرُه: أني أخلُق لكم من الطين خلقاً مثلَ هيئة الطير «. وفيما قالَه نظرٌ من حيث المعنى؛ لأنَّ التحدِّي إنَما يقعُ في أثرِ الخَلْق، وهو ما يَنْشأ عنه من المخلوقاتِ لا في نفس الخَلْق، اللهم إلا أن تقولَ: المرادُ بهذا المصدرِ المفعولُ به فَيَؤُول إلى ما تقدَّم.
وقال الزمخشري:» إني أُقَدِّر لكم شيئاً مثلَ هيئةِ الطير «فهذا تصريحٌ منه بأنها صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، وقولُه» أُقَدِّر «تفسيرٌ للخلق، لأن الخَلْق هنا التقدير، كقول الشاعر:
قوله: ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ في هذا الضميرِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على الكافِ، لأنها اسمٌ عند مَنْ يَرى ذلك أي: أَنفُخ في مثلِ هيئةِ الطيرِ. الثاني: أنه عائدٌ على» هيئةِ «لأنها في معنى الشيءِ المُهَيَّأ، فلذلك عادَ الضميرُ عليها مذكَّراً، وإنْ كانَتْ مؤنثةً، اعتباراً بمعناها دونَ لفظِها، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة﴾ [النساء: ٨] ثم قال: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ فأعادَ الضمير في:» منه «على القسمةِ لمَّا كانَتْ بمعنى المقسومِ. الثالث: أنه عائدٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ أي: فَأَنْفُخُ في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطير.
الرابع: أنه عائدٌ على ما وَقَعَتِ الدلالةُ عليه في اللفظ وهو «أني أخلقُ» ويكونُ الخَلْقُ بمنزلةِ المخلوق. الخامس: أنه عائدٌ على ما دَلَّت عليه الكافُ مِنْ معنى المِثْل، لأنَّ المعنى: أخلُق من الطين مثلَ هيئةِ الطير، وتكونُ الكافُ في موضعِ نصبٍ على أنه صفةٌ للمصدرِ المرادِ تقديرُه: أني أخلُق لكم خلقاً مثلَ هيئةِ الطيرِ، قاله الفارسي وقد تقَدَّم الكلامُ معه في ذلك. السادس: أنه عائدٌ على الطينِ قاله أبو البقاء. وهذا الوجهُ قد أفسده الواحدي فإنه قال: «ولا يجوزُ أَنْ تعودَ الكناية على الطينِ لأنَّ النفخَ إنما يكونُ في طينٍ مخصوص، وهو ما كانَ مُهَيَّأً منه، والطينُ المتقدِّم ذكرُه عام فلا تعودُ إليه الكناية، ألا ترى أنه لا ينفخ جميعَ الطين، وفي هذا الردِّ نظرٌ، إذ لقائلٍ أن يقولَ: لا نُسَلِّم عمومَ الطينِ المتقدِّم، بل المرادُ بعضُه، ولذلك أدخلَ عليه» مِنْ «التي تقتضي التبعيضَ، وإذا صارَ المعنى:» أني أخلقُ بعض الطين «عاد الضميرُ عليه من
١٢٩٦ - وَلأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وَبعْ | ضُ القوم يَخْلُق ثم لا يَفْري |
١٢٩٧ - ما شُقَّ جيبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ | ولا بَكَتْكَ جيادٌ عند إسْلابِ |
١٢٩٨ -....................... | كالهِبْرِقيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفَحْما |
«كالهِبْرِقيِّ تَنَحَّى»... قوله: «فيكون» في «يكون» وجهان أحدُهما: أنها تامة أي: فيوجدُ
١٢٩٩ - بتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنَّها | قَطا الحَزْنِ قد كانَتْ فِراخاً بيوضُها |
قلت: لا حاجةَ إلى جَعْلِه إياها في حالِ تمامِها بمعنى «صار» التامة التي معناها معنى انتقل، بل النحويون إنما يُقَدِّرون التامةَ بمعنى حَدَثَ ووَجَدَ وحَصَل وشبهِها، وإذا جَعَلُوها بمعنى «صار» فإنما يَعْنُون صارَ الناقصةَ.
وقرأ نافع ويعقوب: «فيكون طائراً» هنا وفي المائدة، والباقون: «طَيْراً» في الموضعين. فأمَّا قراءةُ نافع فوجَّهَها بعضُهم بأنَّ المعنى على التوحِيد، والتقديرُ: فكيونُ ما أنفخ فيه طائراً، ولا يُعْتَرض عليه بأنَّ الرسمَ الكريمَ إنما هو «طير» دون ألفٍ، لأنَّ الرسمَ يُجَوِّزُ حَذْفَ مثلِ هذه الألفِ تخفيفاً، ويَدُلُّ على ذلك أنه رُسِمَ قولُه تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] :«
وقال بعضُهم كالشارح لِما قَدَّمْتُه: «ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يَخْلُق غيرَ الخفاش». وزعم آخرون أنَّ معنى قراءتِهِ: يكونُ كلُّ واحدٍ مما أنفخ فيه طائراً، قال: كقولِهِ تعالى: ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: اجلِدوا كلَّ واحدٍ منهم، وهو كثيرٌ في كلامهم.
وأما قراءةُ الباقين فمعناها يُحتمل أَنْ يُراد به اسمُ الجنس، أي: جنسِ الطير، فيُحتْمل أَنْ يُرادَ به الواحدُ فما فوقَه، ويُحتمل أن يُرادَ به الجمعُ، ولا سيما عند مَنْ يرى أنَّ «طيراً» صيغتُه جمعٌ نحو: / رَكْب وصَحْب وتَجْر جمعَ راكب وصاحب وتاجر وهو الأخفش، وأمَّا سيبويه فهي عنده أسماءُ جموعٍ لا جموعٌ صريحةٌ، وقد تقدَّم لنا الكلامُ على ذلك في البقرة. وحَسَّنَ قراءةَ الجماعةِ موافقتُه لِما قبله في قوله: «من الطيرِ» ولموافقةِ الرسم لفظاً ومعنى.
قوله: ﴿بِإِذْنِ الله﴾ يجوزُ أَنُ يتعلَّقَ ب «طائراً» وهذا على قراءةِ نافع، وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به، لأِنَّ طيراً اسمُ جنسٍ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لطير، أي: طيراً ملتبساً بإذن اللهِ ِأي: بتمكينهِ وإقرارِهِ. وقال أبو البقاء: «متعلِّقٌ بيكون»، وهذا إنَّما يَظْهَرُ إذا جَعَلَ «كان» تامةً، وأما إذا جَعَلها ناقصةً ففي تعلُّقِ الظرفِ بها الخلافُ المشهور.
قوله: ﴿وَأُبْرِىءُ الأكمه﴾ وأُبْرىء عطفٌ على «أَخْلُق» فهو داخلٌ في حَيِّز «أني»، ويقال: أَبْرَأْتُ زيداً من العاهةِ ومِن الدَّيْنِ، وبَرَّاتُكَ من الدَّين
والبراءَةُ: التغَصِّي من الشيء المكروهِ مجاوَزَتُه وكذلك: التبرِّي والبُرْء.
والأكمهُ: مَنْ وُلِدَ أَعْمَى يقال: كَمِه يَكْمَهُ كَمَهَاً فهو أكمه قال رؤبة:
١٣٠٠ - فارتدَّ عنها كارتدادِ الأكمهِ... ويُقال كَمِهْتُها أنا أي: أعميتها. وقال الزمخشري والراغب وغيرهما: «الأكمهُ مَنْ وُلِدَ مطموسَ العَيْن». قال الزمخشري: «ولم يُوجَدْ في هذه الأمةِ أكمَهُ غيرُ قتادةَ صاحبِ التفسير». وقال الراغب: «وقد يُقال لمَنْ ذَهَبَتْ عينُه: أكمهُ، قال سويد:
قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ يجوزُ في» ما «أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفةً، فعلى الأولى والثالثِ يَحْتاج إلى عائدٍ بخلافِ الثاني عند الجمهورِ، وكذلك» ما «في قولِهِ:» وما تَدَّخِرُون «محتملةٌ لِما ذُكِرَ.
وأَتَى بهذه الخوارِق الأربعِ بلفظِ المضارعِ دلالةً على تجدُّدِ ذلك كلَّ وقتٍ طُلِبَ منه، وقَيَّد قولَهُ:» أني أخلُق «إلى آخرِهِ» بإذن الله «لأنه خارقٌ عظيمٌ، فأتى به دَفْعاً لتوهُّمِ الإِلهيةِ، ولم يأتِ به فيما عُطِفَ عليه في قوله:» وأُبْرِىء «، ثم قَيَّدَ الخارِقَ الثالثَ أيضاً» بإذنِ الله «لأنه خارقٌ عظيمٌ أيضاً، وعَطَفَ عليه قولَهُ:» وأنبِّئكم «من غيرِ تقييدٍ له مَنْبَهَةً على عِظَمِ ما قبلَه ودَفْعاً لوَهْمِ مَنْ يَتَوهَّم فيه الإِلهية، أو يكون قد حَذَفَ القَيْدَ من المعطوفَيْنِ اكتفاءً به في الأولِ، وما قَدَّمْتُه أحسنُ.
وتَدَّخِرون: قراءةُ العامة بدالٍ مشددةٍ مهملةٍ، وأصلُه تَذْتَخِرُون تَفْتَعِلُون من الذُّخْر وهو التخبِئَةُ، يقال: ذَخَر الشيءَ يَذْخَرُه ذُخْراً فهو ذاخِر ومَذْخُور أي: خَبَّاه، قال الشاعر:
١٣٠١ - كَمِهَتْ عيناه حتى ابْيَضَّتا | ....................... |
١٣٠٢ - لها أَشَارِيرُ مِنْ لحمٍ تُتَمِّرُه | من الثَّعالِي وذُخْرٌ من أَرانيها |
وقد قرأ السوسي في رواية عن أبي عمرو: تَذْدَخِرون بقَلْبِ تاءِ الافتعالِ دالاً مهملةً من غيرِ إدغامٍ، وهو وإِنْ كانَ جائزاً إلاَّ أنَّ الإِدغامَ هو الفصيحُ.
وقرأ الزهري ومجاهد وأبو السَّمَّال وأيوب السختياني «تَذْخَرون» بسكونِ الذالِ المعجمةِ وفتحِ الخاءِ، جاؤوا به مجرداً على فَعَل، يقال: ذَخَرْتُه أي: خَبَّأْتُه، ومن العرب من يَقْلِبُ تاء الافتعال في هذا النحو ذالاً معجمة فيقول: اذَّخَر، يَذَّخِر بذالٍ معجمة مشددةٍ، ومثلُه اذَّكر فهو مُذَّكِر، وسيأتي إنْ شاء الله.
وقال أبو البقاء: «والأصلُ في تَدَّخِرون: تَذْتَخِرون، إلاَّ أنَّ الذالَ مهجورةٌ والتاءَ مهموسةٌ فلم يجتمعا، فأُبدلت التاءُ دالاً لأنها من مَخْرَجها لتقربَ من الذالِ، ثم أُبدلت الذالُ دالاً وأُدْغِمَتْ». و «في بيوتِكم» متعلِّقٌ بتدَّخرون.
و ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جوابُهُ محذوفٌ أي: إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيةِ وتدبَّرتموها. وقَدَّر بعضُهم صفةً محذوفة لآية، أي لآيةً نافعةً، قال الشيخ: «حتى يتَّجِه التعلُّقُ بهذا الشرط» وفيه نظرٌ، إذ يَصِحُّ التعلُّقُ بالشرطِ دونَ تقديرِ هذه الصفةِ.
قوله: ﴿مِنَ التوراة﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من «ما» الموصولةِ أي: الذين بين يديَّ حالَ كونِهِ من التوراةِ، فالعامِلُ فيه «مصدقاً» لأنه عاملٌ في صاحبِ الحال، والثاني: أنه حالٌ من الضمير المستترِ في الظرفِ الواقِعِ صلةً، والعامِلُ فيه الاستقرارُ المضمرُ في الظرفِ أو نفسُ الظرفِ لقيامِهِ مقامَ الفعلِ.
قوله: ﴿وَلأُحِلَّ﴾ فيه أوجه أحدها: أنه معطوفٌ على معنى «مصدقاً» إذ المعنى: جئتُكم لأصدِّقَ ما بين يديّ ولأُحِلَّ لكم، ومثلُه من الكلام: «جئتُه معتذراً إليه ولأجتلِبَ رضاه، أي: جئتُ لأعتذرَ ولأجتلبَ، كذا قال الواحدي وفيه نظرٌ، لأن المعطوفَ عليه حال، وهذا تعليلٌ. قال الشيخ بعد أَنْ ذَكَرَ هذا الوجهَ:» وهذا هو العطفُ على التوهُّمِ وليس هذا منه، لأن معقوليةَ الحالِ مخالفةٌ لمعقوليةِ التعليلِ، والعطفُ على التوهم لا بد أَنْ يكونَ المعنى مُتَّحِداً في المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن﴾ [المنافقون: ١٠] كيف اتَّحد المعنى من حيث الصلاحيةُ لجوابِ التخضيض، وكذلك قولُه:
قلت: ويمكن أَنْ يُريدَ هذا القائلُ أنه معطوفٌ على معنى «مصدقاً» أي: بسببِ دلالتِهِ على علةٍ محذوفةٍ هي موافقةٌ له في اللفظِ فَنَسَبَ العطفَ على معناه باعتبارِ دلالته على العلةِ المحذوفةِ لأنها تشاركه في أصلِ معناه، أعني مدلولَ المادةِ وإنْ كانت دلالةُ الحالِ غيرَ دلالةِ العلةِ.
الثاني: أنه معطوفٌ على علةٍ مقدرةٍ أي: جئتُكم بآيةٍ لأوسِّعَ عليكم ولأُِحِلَّ، أو لأِخَفِّفَ عنكم ولأُِحِلَّ ونحوُ ذلك.
الثالث: أنه معمولٌ لفعلٍ مضمرٍ لدلالةِ ما تقدَّم عليه أي: وجئتُكم لأُِحِلَّ، فحُذِفَ العاملُ بعد الواوِ.
الرابع: أنه متعلِّقٌ بقولِهِ: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ والمعنى: اتِّبعوني لأُِحِل لكم، وهذا بعيدٌ جداً أو ممتنعٌ.
الخامس: أن يكونَ «ولأِحِلَّ» ردَّاً على قولِهِ: «بآية»، قال الزمخشري: «ولأِحِلَّ» ردٌّ على قولِه: ﴿بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي «جئتكم بآيةٍ من ربكم ولأِحلَّ». قال الشيخ: «ولا يَسْتَقِيم أن يكونَ» ولإِحلَّ لكم «ردَّاً على» بآيةٍ «؛ لأنَّ» بآية «في موضِعِ حالٍ، و» لأِحِلَّ «تعليلٌ ولا يَصِحُّ عطفُ التعليلِ على الحالِ؛ لأنَّ العطفَ بالحرفِ المُشَرِّك في الحكم يُوجِبُ التشريكَ في جنسِ المعطوفِ عليه، فإنْ عَطَفْتَ على مصدرٍ أو مفعولٍ به أو ظرفٍ أو حالٍ أو تعَليلٍ أو غيرِ ذلك شارَكَهُ في ذلك المعطوفِ» قلت: ويُحتمل أن يكونَ جوابُه ما تقدَّم من أنه أرادَ رَدًّاً على «بآية» من حيث دلالتُها على عاملٍ مقدَّرٍ.
١٣٠٣ - تَقِيٌّ نَقِيٌّ لم يُكَثِّرْ غنيمةً | بنَهْكَةٍ ذي قُرْبى ولا بِحَقَلِّدِ |
١٣٠٤ - تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَها | أو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها |
١٣٠٥ - أبا منذرٍ أَفْنَيْتَ فاستَبِقْ بعضَنَا | حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ |
١٣٠٦ - إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها | دونَ الشيوخِ تَرى في بعضِها خَلَلا |
وقرأ إبراهيم النخعي: «حَرُمَ» بوزن شَرُف وظَرُف، نَسَبَ الفعل إليه/ مجازاً للعلمِ أنَّ المُحَرِّم هو الله تعالى.
قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ هذه الجملةُ يُحْتمل أن تكونَ تأكيداً للأولى لتقدُّم معناها ولفظِها قبلَ ذلك. قال أبو البقاء: «هذا تكريرٌ للتوكيد لأنه سَبَقَ هذا المعنى في الآيةِ التي قبلَها» ويُحْتَمل أَنْ تكونَ للتأسيس لاختلافِ متعلِّقِها ومتعلَّقِ ما قبلَها. قال الشيخ: «وجِئْتُكم بآيةٍ من ربكم للتأسيس لا للتوكيد لقوله:» قد جِئْتكم «، وتكون هذه الآيةُ قولَهُ: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ لأنَّ هذا القولَ شاهِدٌ على صحةِ رسالتِهِ؛ إذ جميعُ الرسلِ كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجَعَلَ هذا القولَ آيةً وعلامةً لأنه رسولٌ كسائِرِ الرسلِ حيث هَداه للنظرِ في أدلةِ العقلِ والاستدلالِ، قاله الزمخشري.
وقوله: ﴿هذا صِرَاطٌ﴾ هذا إشارةُ إلى التوحيدِ المَدْلُولِ عليه بقولِهِ: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أو إلى نفسِ «إنَّ الله» باعتبار هذا اللفظِ هو الصراطَ المستقيمَ.
١٣٠٧ - سِوى أنَّ العِتاقَ من المطايا | أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ |
قوله: ﴿مَنْ أنصاري﴾ أنصار جمع نصير نحو: شَريف وأَشْراف. وقال قوم: هو جمع «نَصْر» المرادُ به المصدر، ويَحتاج إلى حَذْف مضاف أي: مَنْ أصحابُ نُصْرَتي. و «إلى» على بابها، وتتعلَّق بمحذوف، لأنها حالٌ تقديرُه: مَنْ أنصاري مضافِين إلى الله، كذا قَدَّره أبو البقاء. وقال قوم: إنَّ «إلى» بمعنى مع أي: مع الله، قال الفراء: «وهو وجْهٌ حسن». وإنما يجوز أَنْ تَجْعَل «إلى» في موضع مع إذا ضَمَمْتَ الشيء إلى الشيء ما لم يكن معه
وقيل: «إلى» بمعنى اللام أي: مَنْ أنصاري لله، كقوله: ﴿يهدي إِلَى الحق﴾ [يونس: ٣٥] أي: للحقِّ، كذا قَدَّره الفارسي. وقيل: بل ضَمَّن «أنصاري» معنى الإِضافةِ أي: مَنْ يُضيف نفسَه إلى الله في نصرتي، فيكون «إلى الله» متعلقاً بنفسِ أنصاري، وقيل: متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حال من الياء في «أنصاري» أي: مَنْ أنصاري ذاهباً إلى الله متلجِئاً إليه، قاله الزمخشري.
قوله: ﴿الحواريون﴾ جمع حوارِيّ وهو الناصرُ، وهو مصروفٌ وإنْ ماثل مَفَاعل، لأنَّ ياءَ النسب فيه عارضةٌ، ومثله حَوالِيٌّ وهو المحتال، وهذان بخلافِ: قَمَارِيّ وبَخاتِيّ، فإنهما ممنوعانِ من الصرفِ، والفرق أن الياءَ في حوارِيّ وحواليّ عارضةٌ بخلافِها في: «قَماريّ وبَخاتِيّ» فإنها موجودَةٌ قبل جَمْعِها في قولك: قُمْرِيّ وبُخْتِيّ.
والحوارِيُّ: الناصِرُ كما تقدَّم، وذلك أنَّ عيسى عليه السلام مَرَّ بقومٍ فاستنصَرَهم ودَعاهم إلى الإِيمان فتبعوه وكانوا قَصَّارين للثيابِ، فَسُمِّيَ كلُّ مَنْ
١٣٠٨ - فقلتُ:
إنَّ الحواريَّاتِ مَعْطَبَةٌ | إذا تَفَتَّلْنَ من تحتِ الجلابيبِ |
١٣٠٩ - فَقُلْ للحوارِيَّاتِ يبكِينَ غيرَنا | ولا يَبْكِنا إلا الكلابُ النوابِحُ |
١٣١٠ - ونحنُ أناسٌ تملأ البيضَ هامُنَا | ونحن الحوارِيُّونَ يومَ نُزاحِفُ |
جماجِمُنَا يومَ اللقاء تَراسُنا | إلى الموت نَمْشي ليس فينا تَجانُفُ |
وقال الراغب:» حَوَّرْتُ الشيءَ بَيَّضْتُه ودَوَّرْتُه، ومنه: الخبز الحُوَّاري، والحواريون: أنصار عيسى، وقيل: اشتقاقُهم من حار يَحُور أي: رَجَع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ٤] أي: لن يرجِعَ، فكأنهم الراجعون إلى الله تعالى، يقال: حار يَحُور حَوْراً أي: رَجَعَ، وحار يحور حَوْراً إذا تَرَدَّد في مكانٍ، ومنه: حارَ الماءُ في الغَدير، وحار في أمره وتحيَّر فيه وأصلُه: تَحَيْوَر، فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً فوزنه تَفَيْعَل لا تَفَعَّل، إذ لو كان تَفَعَّل لقيل: تَحَوَّر نحو: تَجَوَّز، ومنه قيل للعُود الذي عليه البَكَرة: مِحْوَر لتردُّده، ومَحارة الأذنِ لظاهرِهِ المنقعر تشبيهاً بمَحَارة الماء لِتردُّد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء
وفيه تفسيران، أحدُهما: نعوذ بالله من التردد في الأمر بعد المُضَيَّ فيه، والثاني: نعوذُ بالله من نقصانِ وترددٍ في الحال بعد الزيادة فيها. ويقال: حارَ بعد ما كارَ، والمُحاورة: المُرادَّة في القول، وكذلك التحاورُ والحِوار، ومنه: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٤] ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ [المجادلة: ١] أي: ترادَّكما القولَ، ومنه أيضاً: كلَّمته فما رَجَع إلى حَوارٍ أو حَوِير أو مَحْوَرة وما يعيش بحَوْر أي: بعقل يرجع إليه، والحَوَرُ «: ظهورُ قليلِ بياضٍ في العينِ من السواد، وذلك نهايةُ الحسنِ في العَيْنِ يقال منه: أَحْوَرَتْ عينُه، والمذكرُ أحورُ، والمؤنثة حَوْراء، والجمعُ فيها حُور، نحو: حُمْر في جمع أحمر وحمراء، وقيل: سُمِّيت الحُور حُوراً لذلك وقيل: اشتقاقهم من نقاء القلب وخُلوصه وصِدْقه، قاله أبو البقاء، وهو راجع للمعنى الأول من خُلوصِ البياضِ، فهو مجازٌ عن التنظيفِ من الآثامِ وما يَشوب الدين.
والياء في حَوارِيّ وحَواليّ ليست للنسب بل زائدةٌ كزيادتها في كرسيّ.
وقراء العامة» الحواريُّون «بتشديد الياء في جميع القرآن، وقرأ الثقفي والنخعي بتخفيفِها في جميع القرآن، قالوا: لأن التشديدَ ثقيلٌ، وكان قياس هذه القراءةِ أَنْ يقالَ فيها: الحوارُون، وذلك أنه تستثقل الضمة على الياء المكسورة ما قبلها فَتُنْقَل ضمة الياء إلى ما قبلها فتسكُنُ الياءُ، فيلتقي ساكنان
والمَكْرُ في اللغةِ أصلُه السَّتْرُ. يُقال: مَكَر اللَّيلُ: أي أَظْلَمَ وسَتَر بظلمته ما فيه، وقالوا: واشتقاقُه من المَكْر وهو شجر ملتفٌّ، تخيَّلوا فيه أنَّ المكرَ يلتفُّ بالممكورِ به ويشتمل عليه، وامرأةُ ممكورةُ الخَلْقِ أي: ملتفَّةُ الجسم، وكذا مَمْكُورة البطن، ثم أُطْلِقَ المَكْرُ على الخُبْث والخِداع، ولذلك عَبَّر عنه بعضُ أهلِ اللغةِ بأنه السعيُ بالفساد/. قال الزجاج: «هو مِنْ مَكَر الليلُ وَأَمْكَرَ أي أظلم». وقد عَبَّر بعضُهم عنه فقال: هو صَرْفُ الغَيْرِ عَمَّا يَقْصِده بحيلةٍ، وذلك ضربان: محمودٌ وهو أَنْ يُتَحَرَّى به فِعْلٌ جميلَ، وعلى ذلك قولُه: ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾، ومذمومٌ وهو أَنْ يُتَحَرَّى به فعلٌ قبيحٌ نحو: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّ الكلامَ على حالهِ من غيرِ ادِّعاءِ تقديمٍ وتأخيرٍ فيه، بمعنى: إني مستوفي أجلِك ومؤخِّرُك وعاصِمُك مِنْ أَنْ يقتُلَكَ الكفار إلى أن تموتَ حَتْفَ أنفِكَ من غيرِ أَنْ تُقْتَلَ بأيدي الكفارِ ورافعُكَ إلى سمائي.
والثاني: أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصلُ: رافُعك إليّ ومتوفيك لأنه رُفِع إلى السماء ثم يُتَوَفَّى بعد ذلك، والواوُ للجمعِ فلا فَرْقَ بين التقديم والتأخيرِ، قاله أبو البقاء وبدأ به، ولا حاجةَ إلى ذلك مع إمكانِ إقرارِ كلِّ واحدٍ في مكانِهِ بما تقدَّم من المعنى، إلاَّ أنَّ أبا البقاءِ حَمَلَ التوفِّيَ على الموتِ، وذلك إنما هو بعدَ رَفْعِهِ ونزولِهِ إلى الأرض وحكمهِ بشريعةِ محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي قوله ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] إيقاعُ الظاهرِ موقعَ المضمرِ، إذ الأصلُ: ومكرُوا ومكرَ اللهُ وهو خير الماكرين.
قوله: ﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك﴾ فيه قولان، أظهرُهُما: أنه خطابٌ لعيسى عليه السلام، والثاني: أنه خطابٌ لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكونُ الوقفُ على قوله: ﴿مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ تاماً، والابتداءُ بما بعده، وجاز هذا لدلالةِ الحالِ عليه. و ﴿فَوْقَ الذين كَفَرُواْ﴾ ثاني مفعولَيْ جاعل لأنه بمعنى مُصَيِّر فقط.
وقد تقدَّم أن أبا عمرو يُسَكِّنُ ميم «أَحْكُمُ» ونحوِه قبلَ الباء.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ إلى ﴿كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ التفاتٌ من غيبة إلى خطاب، وذلك أنه قدَّم تعالى ذِكْرَ مَنْ كَذَّب بعيسى وافترى عليه وهم اليهود لُعنوا، وقَدَّم أيضاً ذِكْرَ مَنْ آمَنَ به وهم/ الحواريون رضي الله عنهم وقَضَى بعد ذلك بالإِخبار بأنه يجعلُ مُتَّبعي عيسى فوق مخالِفيه، فلو جاءَ النظمُ على السياقِ من غيرِ التفاتٍ لكانَ: ثم إليَّ مَرْجِعُهم فأَحْكُمُ بينهم فيما كانوا، ولكنه التفت إلى الخطاب لأنه أبلغُ في البِشارة وَأَزْجَرُ في النِّذارة.
والحكيمُ صيغةُ مبالغَةٍ مُحَوَّلٌ من فاعل كضريب من ضارب، ووُصِف الكتاب بذلك مجازاً، لأن هذه الصفة في الحقيقة لمُنْزِلِهِ والمتكلم به فَوُصِفَ بصفةِ مَنْ هو من سببِه وهو الباري تبارك وتعالى، أو لأنه ناطقٌ بالحكمةِ أو لأنه أَحْكَمُ في نظمه، وجَوَّزوا أن يكونَ بمعنى مُفْعِل أي: مُحْكِم لقوله تعالى: {
وفي قوله: ﴿نَتْلُوهُ﴾ التفاتٌ من غَيْبَة إلى تكلُّم، لأنه قد تقدَّمه اسمٌ ظاهرٌ، وهو قولُه: ﴿والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ، إذ يُحْتمل أن يكونَ ﴿والله لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ جِيء بها اعتراضاً بين أبعاضِ هذه القصةِ.
وقوله: ﴿نَتْلُوهُ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه وإنْ كان مضارعاً لفظاً فهو ماضٍ معنى أي: ذلكَ الذي قَدَّمْناه من قصةِ عيسى وما جَرَى له تَلَوْناه عليك كقولِه: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢]، والثاني: على بابِه لأنَّ الكلامَ بعدُ لم يَتِمَّ، ولم يفرغ من قصة عيسى عليه السلام إذ بقي منها بقية.
قوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها مفسرةٌ لوجهِ التشبيه بين المَثَلين، فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب. والثاني: أنها في محل نصب على الحال من آدمَ عليه السلام و «قد» معه مقدرةٌ، والعاملُ فيها معنى التشبيه، والهاءُ في «خَلَقه» عائدةٌ على آدم، ولا تعودُ على عيسى لفسادِ
وقوله: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ اختلفوا في المقولِ له: كن، فالأكثرون على أنه آدم عليه السلام، وعلى هذا يقعُ الإِشكال في لفظ الآية، لأنه إنما يقول له: «كن» قبل أن يخلقَه لا بعده، وههنا يقولُ: «خَلَقه» ثم قال له: كن،
﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] وقد خَلَقها بعد خَلْق زوجها، ولكن هذا على الخبر دون الخَلْق، لأنَّ التأويلَ: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حواء قد خُلقت من ضلعه، ثم أُخبركم أني خَلَقت زوجها منها، ومثلُ هذا مِمَّا جاء في الشعر قوله:
١٣١١ - إنَّ مَنْ ساد ثم ساد أبوه | ثم قد سادَ قبل ذلك جَدُّهُ |
وقوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ يجوز أَنْ يكونَ على بابِه مِنْ كونِه مستقبلاً، والمعنى: فيكونُ كما يأمرُ الله فيكونُ حكايةً للحال التي يكونُ عليها آدم، ويجوز أن
والمَثَلُ هنا: منهم مَنْ فَسَّره بمعنى الحال والشأن، قال الزمخشري: «أي: إنَّ شأنَ عيسى وحالَه الغريبة كشأنِ آدم»، وعلى هذا التفسير فالكافُ على بابها من كونِها حرفَ تشبيه، وفَسَّر بعضُهم المَثَلَ بمعنى الصفة، قال ابن عطية: «وهذا عندي خطأ وضعفٌ في فَهْمِ الكلام، وإنما المعنى: أن المثلَ الذي تتصوَّرُه النفوسُ والعقولُ مِنْ عيسى هو كالمُتَصَوَّرِ من آدم، إذ الناسُ كلُّهم مُجْمِعُون [على] أنَّ اللهَ خَلَقَه مِنْ تراب من غيرِ فحلٍ، وكذلك قولُه: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [الرعد: ٣٥] عبارةٌ عن المتصوَّر منها، والكافُ في» كمثل «اسمٌ على ما ذكرناه من المعنى». قال الشيخ: «ولا يَظْهَرُ لي فَرْقٌ بين كلامِه هذا وبين مَنْ جَعَلَ المَثَلَ بمعنى الشأن والحال وبمعنى الصفة». قلت: قد تقدَّم في أولِ البقرة أنَّ المَثَل قد يُعَبَّر به عن الصفة وقد لا يُعَبَّر به عنها، فدلَّ ذلك على تغايُرهما، وقد مَرَّ تفسيرُه وعبارةُ الناسِ فيه، ويَدُلُّ على ذلك ما قاله صاحب «ريّ الظمآن» عن الفارسي قال: «قيل: المَثَلُ بمعنى الصفة، وقولك: صفةُ عيسى كصفة آدم كلامٌ مُطَّرد، على هذا جُلُّ اللغويين والمفسرين، وخالف أبو علي الفارِسي الجميعَ، وقال: المَثَلُ بمعنى الصفة لا يُمْكِنُ تصحيحُه في اللغة، إنما المَثَلُ التشبيهُ، على هذا تدورُ تصاريفُ
وقال بعضُهم: إنَّ الكافَ زائدةٌ، وبعضُهم قال: إنَّ «مَثَلاً» زائد. فقد تحصَّل في الكاف ثلاثة أقوال، أظهرها: أنها على بابها من الحرفية وعدمِ الزيادة، وقد تقدَّم تحقيقه. وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف شُبِّه به وقد وُجِد هو بغير أب، ووُجِد آدمُ بغيرِ أب ولا أم؟ قلت: هو مثلُه في أحدٍ الطرفين، فلا يَمْنَعُ اختصاصُه دونَه بالطرفِ الآخرِ مِنْ تشبيهِه به، لأنَّ المماثلَة مشاركةٌ في بعضِ الأوصافِ، ولأنه شُبِّه به في أنه وُجِد وجوداً خارجاً عن العادةِ المستمرةِ وهما في ذلك نظيران، ولأنَّ الوجود من غير أب وأم أغربُ وأخرقُ للعادةِ من الوجود بغير أب، فَشَبَّه الغريبَ بالأغرب ليكون أقطعَ للخصمِ وأَحْسَمَ لمادة شُبْهته. وعن بعضِ العلماء أنه أُسِر بالروم فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له، قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له، قالوا: فإنه كان يحيي الموتى، قال: فحزقيل أَوْلى لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف. قالوا: كان يبرىء الأكمة والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طُبخ وأُحْرِقَ ثم خَرَج سالماً».
قوله: ﴿مِن تُرَابٍ﴾ في وجهان، أظهرُهما: أنه متعلِّقٌ ب «خلقه» أي: ابتداءُ خلقه من هذا الجنس، والثاني: أنه حالٌ من مفعول «خلقه» تقديره: خَلَقه كائناً مِنْ تراب، وهذا لا يساعِدُه المعنى.
قوله: «فيه» متعلق بحاجَّك أي: جادَلك في شأنه، والهاء فيه وجهان، أظهرهما: عَوْدُها على عيسى عليه السلام. والثاني عَوْدُها على الحق، وقد يتأيَّد هذا بأنه أقربُ مذكورٍ، إلاَّ أنَّ الأول أظهرُ لأن عيسى هو المُحَدَّث عنه وهو صاحب القصة.
قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ﴾ متعلِّقٌ بحاجِّك أيضاً، و «ما» يجوز أن تكون موصولة اسميةً، ففاعلُ «جاءك» ضميرٌ يعودُ عليها أي: من بعد الذي جاءك هو، و «من العلم» حالٌ/ من فاعل «جاءك»، ويجوز أن تكونَ موصولةً حرفية، وحينئذُ يقال: يلزم من ذلك خُلُوُّ الفعل من الفاعل، أو عَوْدُ الضمير على الحرف، لأن «جاءك» لا بُدَّ له من فاعل، وليس معنا شيءٌ يَصْلُحُ عَودُه عليه إلا «ما» وهي حرفيةٌ. والجوابُ: أنه يجوزُ أن يكون الفاعلُ قولَه «من العلم» و «من» مزيدةٌ، أي بعد ما جاءك العلم أي: بعد مجيء العلم، وهذا إنما يتخرَّج على قول الأخفش لأنه لا يَشْترط في زيادتها شيئاً. و «مِنْ» في «
قوله: ﴿تَعَالَوْاْ﴾ العامةُ على فتح اللام لأنه أمرق من تعالَى يَتَعالى، كترامى يترامى، وأصلُ ألفِه ياءٌ، وأصلُ هذه الياء واو، وذلك أنه مشتقٌ من العلوِّ وهو الارتقاعِ كما سيأتي بيانُه في الاشتقاق، والواوُ متى وقَعَتْ رابعةً فصاعداً قُلِبَتْ ياءً فصار تعالَوَ: تعالَيَ، فتحرَّك حرفُ العلة وانفتح ما قبلَه فَقُلِب ألفاً فصار: تعالَى كَترامى وتغازَى، فإذا أَمَرْتَ منه الواحدَ قلت: تعالَ يا زيدُ، بحَذْفِ الألف، وكذا إذا أَمَرْتَ الجمعَ المذكَّر قلت: تعالَوا؛ لأنك لمَّا حَذَفْتَ الألف لأجلِ الأمرِ أبقَيْتَ الفتحَة مُشْعرةً بها. وإن شئت قلت: الأصل: تعالَيُوا، وأصلُ هذه الياءِ واوٌ كما تقدَّم، ثم استُثْقِلت الضَّمةُ على الياءِ فَحُذِفَتْ ضمتُها فالتقى ساكنان، فحُذِف أولُهما وهو الياء لالتقاء الساكنين وتُرِكت الفتحةُ على حالِها. وإنْ شئت قلت: لَمَّا كان الأصلُ: تعالَيُوا تحرَّك حرف العلة وانفتح ما قبله وهو الياء فَقُلِب ألفاً فالتقى ساكنان، فحُذِف أولُهما وهو الألف وبقيت الفتحة دالة عليه.
والفرقُ بين هذا وبين الوجه الأول أن الألف في الوجه الأول حُذِفَت لأجل الأمر وإن لم تتصل به واو ضمير، وفي هذا حُذِفت لالتقائها مع واو الضمير.
وكذلك إذا أَمَرْتَ الواحدة تقول لها «تعالَيْ»، فهذه الياء هي ياء الفاعلة من جملة الضمائر، والتصريفُ كما تقدم، إلا أنك تقول هنا: الكسرة على الياءَ بَدَلٌ الضمة هناك، وأمَّا إذا أَمَرْتَ المثنى فإن الياء تثبت فتقول: يا زيدان تعالَيا، ويا هندان تعاليا أيضاً، يَسْتوي فيه المذكران والمؤنثان، وكذلك أمرُ جماعة الإِناث تَثْبُت فيه الياء تقول: يا نسوة تعالَيْن، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] إذ لا مقتضى للحذف ولا للقلبِ، وهو ظاهرٌ بما تمهَّد من القواعد.
١٣١٢ -.............................. | تعالِي أقاسمْك الهمومَ تعالِي |
١٣١٣ - هما أَظْلَمَا حالَيَّ ثَمَّتَ أَجْلَيا | .............................. |
والذي يَظْهَرُ في توجيهِ هذه القراءةُ أنهم تناسَوا الحرفَ المحذوف حتى كأنهم تَوَهَّمُوا أنَّ الكلمة بُنِيَتْ على ذلك، وأنَّ اللامَ هي الآخِرُ في الحقيقة فلذلكَ عُومِلَتْ معامَلَة الآخِر حقيقةً فَضُمَّت قبلَ واو الضميرِ وكُسِرَتْ قبل يائه كما ترى، ويَدُلُّ على ما قلتُه أنهم قالوا في «لَمْ أُبَلَهْ» : إنََّ الأصلَ: «أبالي» لأنه
وتعالَ: فعلٌ صريحٌ وليس باسمِ فعلٍ لاتصال الضمائر المرفوعة البارزة به. قيل: وأصلُهُ طَلَبُ الإِقبال من مكان مرتفع تفاؤلاً بذلك، وإدناءً للمدعوّ، لأنه من العلو والرفعة، ثم تُوُسِّع فيه فاستُعْمِلَ في مجرد طلب المجيء، حتى يُقالُ ذلك لمن يريدُ إهانَته كقولِك للعدوّ: تعالَ، ولمَنْ لا يَعْقِل كالبهائِمِ ونحوِها، وقيل: هو الدعاءُ لمكانٍ مرتفعٍ، ثم تُوُسِّع فيه حتى استُعْمِلَ في طَلَبِ الإِقبالِ إلى كل مكانٍ حتى المنخفضِ.
و ﴿نَدْعُ﴾ جزمٌ على جوابِ الأمرِ إذ يَصِحُّ أَنْ يقالَ: إنْ تتعالَوا نَدْعُ.
قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أتى بثم هنا تنبيهاً لهم على خطابِهم في مباهلته، كأنه يقولُ لهم: لا تعجلوا وَتَأنَّوا لعله أَنْ يظهر لكم الحق، فلذلك أتى بحرف/ التراخي.
والابتهال: افتعالٌ من البُهْلَة، والبهلة بفتح الباء وضمها، وهي اللعنة، قال الزمخشري: «ثم نتباهل بأن نقول: لعنةُ الله على الكاذب منا ومنكم، والبهلة بالفتح والضم: اللعنة، وبَهَله الله: لعنه الله وأبعده من رحمته، من
وقال الراغب: «أصل البَهْل: كونُ الشيءِ غيرَ مراعَ. والباهل: البعيرُ المُخَلَّى عن قَيْدِه أو عن سمةٍ، أو المُخَلَّى ضَرْعُها عن صِرار»، وأنشد لأمراة:
«أتيتُكَ باهِلاً غيرَ ذاتِ صِرار»... وأَبْهَلْتُ فلاناً: خَلَّيْتُه وإرادتَه، تشبيهاً بالبعير الباهل، والبَهْل والابتِهال في الدعاء: الاسترسالُ فيه والتضرع نحو: «ثم نبتهلْ فنجعلْ»، ومنْ فَسَّر الابتهالَ باللَّعْن فلأجلِ أنَّ الاسترسالَ في هذا المكانِ لأجل اللعنِ، قال الشاعر:
١٣١٤ -.............................. | نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ |
١٣١٥ - مِنْ قُرومٍ سادةٍ في قومِهم | نَظَرَ الدهرُ إليهمْ فابْتَهَلْ |
وظاهِرُ عبارةِ الزمخشري أنَّ أصلَهُ خصوصيتُه باللَّعْنِ، ثم تُجُوِّزَ فيه فاستُعْمِلَ في اجتهادٍ في دعاءٍ لَعْناً كانَ أو غيرَه، والظاهِرُ من أقوالِ اللغويين ما ذكرَهُ الراغِبُ. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورِته:
١٣١٦ - لم أَرَ كالمُزْنِ سَواماً بُهَّلا | تَحْسَبُهَا مَرْعِيَّةً وَهِي سُدى |
وقوله: ﴿فَنَجْعَل﴾ هي المتعديةُ لاثنين بمعنى: نُصَيِّر، و «على الكاذبين» هو المفعول الثاني.
والقَصَصُ: مصدرُ قولهم: قَصَّ فلان الحديثَ يَقُصَّه قَصَّاً وقَصَصَاً. وأصلُه: تتبُّعُ الأثرِ، يقال: «فلان خَرَجَ يَقُصُّ أثرَ فلان» أي: يَتْبعه ليعرفَ أين ذَهَبَ؟ ومنه قولُه تعالى: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أي: اتِّبعي أثره وكذلك القاصُّ في الكلام لأنه يتتَّبع خبراً بعد خبر. وقد تقدَّم التنبيه على قراءتَيْ: «لَهْو» بسكون الهاء وضمِّها، إجراءً له مُجْرَى عَضُد.
قال الزمخشري: «فإنْ قلت لِمَ جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر فدخولُها على الفصلِ أجوزُ، لأنها أقربُ إلى المبتدأ منه، وأصلُها أَنْ تدخُلَ على المبتدأ».
قوله: ﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن «من إله» مبتدأ، و «مِنْ» مزيدةٌ فيه، و «إلا اللهُ» خبره تقديره: ما إله إلا اللهُ، وزيدت «مِنْ» للاستغراق والعموم. قال الزمخشري: «ومِنْ في قوله ﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله﴾ بمنزلةِ البناءِ على الفتح في» لا إله إلا اللهَ «في إفادةِ معنى الاستغراقِ» قلت: الاستغراقُ في «لا إله إلا اللهُ» لم نَسْتفِدْه من البناء على الفتحِ بل استفدناه من «مِنْ» المقدرة الدالة على الاستغراق، نصَّ النَّحْويون على ذلك، واستدلَّوا عليه بظهورها في قول الشاعر:
١٣١٧ - فقام يذودُ الناسَ عنها بسيفِه | فقال ألا لا مِنْ سبيلٍ إلى هندِ |
وقوله: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم﴾ كقوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص﴾.
وقوله: ﴿بالمفسدين﴾ مِنْ وقوعِ الظاهرِ موقعَ المضمرِ تنبيهاً على العلة المقتضيةِ للجزاء، وكانَ الأصل: فإنَّ الله عليمٌ بكم، على الأول، وبهم، على الثاني.
وقرأ العامة «كَلِمة» بفتح الكاف وكسر اللام، وهو الأصل. وأبو السمَّال «كِلْمة» بزنة سِدْرة، وكَلْمة كضَرْبة، وتقدم هذا قريباً. و «كلمةٍ» مفسَّرةٌ بما بعدها من قوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ فالمرادُ بها كلامٌ كثير، وهذا مِنْ بابِ إطلاق الجزء، والمرادُ به الكل، ومنه تسميتُهم القصيدةَ جمعاً: قافية، والقافية جزءٌ منها، قال:
١٣١٨ - أُعَلِّمه الرمايةَ كلَّ يومٍ | فلمَّا اشْتَدَّ ساعِدُه رماني |
وكم عَلَّمْتُه نظمَ القوافي | فلمَّا قال قافيةً هجاني |
١٣١٩ - ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ | وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ |
١٣٢٠ - بها جِيَف الحَسْرى فأمَّا عِظامُها | فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ |
وقرأ العامة: «سواءٍ» بالجر نعتاً لكلمة بمعنى عدل، ويَدُلُّ عليه قراءةُ عبد الله: «ِإلى كلمة عدل» وهذا تفسيرٌ لا قراءة. و «سواء» في الأصل مصدر، ففي الوصف التأويلاتُ الثلاثة المعروفةَ، ولذلك لم يُؤَنَّث كما لم يُؤَنَّث ب «امرأة عدل».
وقرأ الحسن: «سواء» بالنصبِ وفيها وجهان، أحدهما: نصبُها على المصدر، قال الزمخشري: «بمعنى استوت استواءً»، وكذا الحوفي. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال، وجاءت الحالُ من النكرة، وقد نَصَّ سيبويه عليه واقتاسه، وكذا قال الشيخ، ولكنَّ المشهورَ غيرُه، والذي حَسَّن مجيئَها
قوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ فيه ستةُ أوجه، أحدُها: أنه بدلٌ من» كلمة «بدلُ كلٍ من كل، الثاني: أنه بدلٌ من» سواء «، جَوَّزه أبو البقاء، وليس بواضح، لأنَّ المقصودَ إنما هو الموصوفُ لا صفتُه، فنسبةُ البدلية إلى الموصوف أولى.
وعلى الوجهين فإنَّ وما حيزها في محل جر. الثالث: أنه في محل رفع خبراً لمبتدأ مضمر، والجملة استئنافُ جوابٍ لسؤال مقدر، لأنه لما قيل: تعالَوا إلى كلمة «قال قائل: ما هي؟ فقيل: هي أَنْ لا نعبد، وعلى هذه الأوجهِ الثلاثة ف» بين «منصوبٌ بسواء ظرفٌ له أي: يقع الاستواء في هذه الجهةِ، وقد صرَّح بذلك زهير حيث قال:
١٣٢١ - أرُونا خطةً لا غيبَ فيها | يُسَوِّي بيننا فيها السَّواءُ |
الخامس: جَوَّز أبو البقاء أن يكونَ فاعلاً بالظرفِ قبلَه، وهذا إنما
السادس: أن يكونَ» أن لا نعبد «مرفوعاً بالفاعلية بسواء، وإلى هذا ذهب الزماني فإنَّ التقدير عنده: إلى كلمةُ مُسْتَوفيها بيننا وبينكم عدمُ عبادة غير الله تعالى، قال الشيخ:» إلاَّ أنَّ فيه إضمارَ الرابط وهو «فيها» وهو ضعيف «.
قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ﴾ قال أبو البقاء:» هو ماض ولا يجوز أن يكون التقدير: «فإن تتولوا» لفسادِ المعنى لأن قوله: ﴿فَقُولُواْ اشهدوا﴾ خطابٌ للمؤمنين وتتولَّوا «للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جوابُ الشرط والتقديرُ: فقولوا: لهم. وهذا الذي قاله ظاهرٌ جداً.
وأمَّا المعنى: فقال قتادة والسدي والربيع وجماعة كثيرة: إن الذي لهم به علم هو دينُهم الذي وجدوه في كتبهم وثبتَتْ صحتُه لديهم، والذي ليس لهم به علمٌ هو شريعةُ إبراهيم وما كان عليه مِمَّا ليس في كتبهم، ولا جاءَتْ به إليهم رسلُهم، ولا كانوا معاصِريه فَيَعْلَمُون دينه، فجدالُهم فيه مجردُ عنادٍ ومكابرة. وقيل: الذي لهم به علم أمر نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه موجودٌ عندهم في كتبِهم بنَعْتِه، والذي ليس لهم به علم هو أمر إبراهيم عليه
واختلف الناسُ في هذه الهاءِ فمنهم مَنْ قال: إنها ها التي للتنبيه الداخلةِ على أسماء الإِشارة، وقد كَثُرَ الفصلُ بينها وبين أسماء الإِشارة بالضمائر المرفوعةِ المنفصلة نحو: ها أنت ذا قائماً، وها نحن وها هم هؤلاء قائمون، وقد تُعاد مع الإِشارة بعد دخولها على الضمائر توكيداً كهذه الآية، ويَقِلُّ الفصلُ بغير ذلك كقوله:
١٣٢٢ - تَعَلَّمَنْ هالعمرُ الله ذا قَسَماً | قاقدِرْ بذَرْعِك وانظرْ أينَ تنْسَلِكُ |
١٣٢٣ - ها إنَّ تا عِذْرَةٌ إن لا تكن نَفَعَتْ | فإنَّ صاحبَها قد تاهَ في البلد |
وهذا أعني كونَها همزةَ استفهام أُبدلت هاءَ ظاهرٌ على قراءة قنبل وورش لأنهما لا يُدْخِلان ألفاً بين الهاء وهمزة «أنتم» لأنَّ إِدخالَ الألف إنما كان لاستثقال توالي همزتين، فلمَّا أُبْدِلت الهمزةُ هاءً زال الثقل لفظاً، فلم يُحْتج إلى ألفٍ فاصلة، وقد جاءَ إبدالُ همزة الاستفهام هاءً قال:
١٣٢٤ - وأتَى صواحِبُها يَقُلْنَ: هذا الذي... مَنَحَ المودَة غيرَنا وجَفانا
يريد: أذا الذي. ويَضْعُفُ جَعْلُها على قراءتهما ها التي للتنبيه لأنه لم يُحْفظ حَذْفُ ألفها، لا يقال: «هذا زيد» بحذفِ ألف «ها» كذا قيل، قلت: وقد حَذَفَها ابن عامر في ثلاثة مواضع، إلا أنه ضم الهاء الباقية بعد حذف الألف، فقرأ في الوصل: ﴿ياأيه الساحر﴾ [الزخرف: ٤٩] و ﴿أَيُّهَ المؤمنون﴾ [الآية: ٣١] في النور و ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ [الآية: ٣١] في الرحمن، لكن إنما فَعَل ذلك إتباعاً للرسم لأنَّ الألف حُذِفَتْ في مرسوم مصحف الشام في هذه الثلاثة، وعلى الجملة فقد ثَبَت حَذْفُ ألف «ها» التي للتنبيه.
وأَمَّا مَنْ أثبت الألف بين الهاء وبين همزة «أنتم» فالظاهر أن «ها» للتنبيه،
ومَنْ عدا هؤلاء المذكورين وهم أبو عمرو وقالون وهشام يُحْتمل أَنْ تكونَ» ها «للتنبيه، وأَنْ تكونَ بدلاً من همزةِ الاستفهام، أمَّا الوجهُ الأول فلأن» ها «التنبيه دَخَلَتْ على» أنتم «، فحقق هشام الهمزةَ كما حَقَّقها في» هؤلاء «ونحوه، وخفَّفها قالون وأبو عمرو لتوسُّطها بدخول حرف التنبيه عليها، وتخفيفُ الهمزة المتوسطة قوي. وأمّا الوجهُ الثاني فأَنْ تكونَ الهاءُ بدلاً من همزةِ الاستفهام لأنهم يَفْصِلون بين الهمزتين بألف، فيكونُ أبو عمرو وقالون على أصلهما في إدخال الألف والتسهيل، وهشام على أصله في إدخال الألف والتحقيق، ولم يُقرأْ بالوجه الثاني وهو التسهيل، لأن إبدالَ الهمزة الأولى هاء مُغْنٍ عن ذلك.
وقال آخرون: «إنه يجوز أن تكون» ها «في قراءة الجميع مبدلةً من همزة، وأن تكون التي للتنبيه دخلت على» أنتم «، ذَكَرَ ذلك أبو علي الفارسي
١٣٢٥ -...................... | ........ أاأنت أَمْ أُمُّ سالمِ |
وقال أبو شامة:» قلت: «الأَوْلى في هذه الكلمة على جميع القراءات فيها أن تكونَ» ها «للتنبيه، لأنَّا إنْ جعلناها بدلاً من همزة كانت تلك الهمزةُ همزةَ استفهام، و» ها أنتم «أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر لا للاستفهام، ولا مانع من ذلك إلا تسهيلُ مَنْ سَهَّل وحَذْفُ من حذف، أمَّا التسهيل، فقد سبق تشبيه بقوله: ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وشبهِه، أمَّا الحذفُ فيقول:»
وذكر الفراء أيضاً هنا بحثاً بالنسبة إلى القصر والمد فقال: «مَنْ أثبتَ الألف في» ها «واعتقدها للتنبيه، وكانَ مِنْ مذهبه أن يَقْصُر في المنفصل فقياسُه هنا قَصْرُ الألف، حقق الهمزة أو سَهَّلها، وأمَّا مَنْ جعلها للتنبيه ومذهبهُ المدُّ في المنفصل أو جَعَلَ الهاءَ مبدلةً من همزة استفهام فقياسه أن يَمُدَّ، سواءً حقق الهمزة أو سَهََّلها». وأمَّا ورش فقد تقدَّم عنه وجهان: إبدالُ الهمزةِ من «أنتم» ألفاً وتسهيلُها بينَ بينَ، فإذا أَبْدل مدَّ، وإذا سَهَّل قَصَر. وهذا كافٍ فيما يتعلق بالقراءاتِ وتفريعاتِ مذاهب القرَّاء عليها، وقد تكلَّموا بأكثرَ من ذلك، ولكن ليس هذا موضعَه.
إذا عرفت جميع ما تقدم ففي إعراب هذه الآية أوجه، أحدها: أن «أنتم» مبتدأ و «هؤلاء» خبرُه، والجملةُ من قوله «حاججتم» جملةٌ مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيانُ حماقِتكم وقلةِ عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم بما نَطَقَ به التوراة والإِنجيل، فلِمَ تُحاجون فيما ليس لكم به علم؟ ذكر ذلك الزمخشري.
الثاني: أن يكونَ «أنتم هؤلاء» مبتدأً وخبراً. والجملةُ من «حاجَجْتم»
١٣٢٦ - إنَّ الأُولى وُصِفوا قومي لهم فبِهِمْ | هذا اعتصِمْ تَلْقَ مَنْ عاداكَ مَخذولا |
١٣٢٧ - لا يَغُرَّنْكُمُ أولاءِ من القو | مِ جُنوحٌ للسِّلْمِ فَهْو خِداعُ |
قوله: ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ :» ما «يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، ولا يجوزُ أَنْ تكنَ مصدرية لعَوْدِ الضمير عليها، وهي حرفٌ عند الجمهور،» ولكم «يجوز أن يكونَ خبراً مقدماً، و» علم «مبتدأ مؤخر، والجملة صلة ل» ما «أو صفة، ويجوز أن يكون» لكم «وحده صلةً أو صفة، و» علم «فاعلٌ به، لأنه قد اعتمد، و» به «متعلقٌ بمحذوف لأنه حال من» علم «، إذ لو تأخَّر عنه لصَحَّ جَعْلُه نعتاً له، ولا يجوز أَنْ يتعلق بعِلْم لأنه مصدر، والمصدر لا يتقدَّم معمولُه عليه، فإنْ جَعَلْته متعلِّقاً بمحذوفٍ يفسِّره المصدر جاز ذلك وسُمِّي بياناً.
وقوله: ﴿وَلَكِن﴾ استدراك لِما كان عليه، ووقعت هنا أحسنَ موقع، إذ هي بين نقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل، ولَمَّا كان الخطابُ مع اليهود والنصارى أتى بجملةِ نفي أخرى ليدُلَّ على أنه لم يكن على دينِ أحدٍ من المشركين كالعربِ عبدةِ الأوثان والمجوس عبدة الأوثان، والصابئة عبدةِ الكواكب، وبهذا يُطْرَحُ سؤالُ مَنْ قال: أيُّ فائدة في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ بعد قولِه «ما كان يهودياً ولا نصرانياً» ؟ وأتى بخبر «كان» مجموعاً فقال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ لكونِه فاصلة، ولولا مراعاةُ ذلك لكانت المطابقةُ مطلوبةً بينه وبين ما استدرك عنه في قولِه: ﴿يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً﴾ فيتناسبُ النفيان.
و» لَلَّذين اتَّبعوه «خبرُ» إنَّ «، و» هذا النبي «نَسَقٌ على الموصول، وكذلك و» الذين آمنوا «، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤمنون رضي الله عنهم وإنْ كانوا داخلين فيمَنْ اتَّبع إبراهيم، إلا أَنَّهم خُصُّوا بالذكر تشريفاً وتكريماً، فهو من باب ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨].
وحكى الزمخشري أنه قرىء:» وهذا النبيِّ «بالنصب والجر، فالنصبُ نسق على مفعول» اتبعوه «فيكون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد اتَّبعه غيرُه كما اتبع إبراهيم، والتقدير: للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيُّ: ويكون قوله:» والذين آمنوا «نسقاً على قوله:» للَّذين اتبعوه «. والجر نسقٌ على» إبراهيم «، أي: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوه، وفيه نظرٌ من حيث إنه كان ينبغي أَنْ يُثَنَّى الضمير في» اتبعوه «فيقال: اتبعوهما، اللهم إلا أن يقال: هو من باب ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وقال أبو مسلم الأصبهاني: «وَدَّ بمعنى تمنى، فيستعمل معها» لو «و» أن «وربما جُمِع بينهما، فيقال: وَدِدْت أن لو فعلت، ومصدره الوَدادة، والاسم منه وُدٌّ، وبمعنى أحَبَّ فيتعدى تعدِّيَ أَحَب، والمصدر: المَوَدَّة، والاسم منه وَدّ، وقد يتداخلان في المصدر والاسم». وقال الراغب: «إذا كان بمعنى» أَحَبَّ «لا يجوزُ إدخال» لو «فيه أبداً». وقال الرماني: «إذا كان وَدَّ بمعنى تمنى صَلَح للحال والاستقبال، وتجوز» لو «، وإذا كان بمعنى الماضي لم تجز» أَنْ «لأنْ» أَنْ «للاستقبال» وفيه نظر، لأنَّ «أنَّ» توصل بالماضي.
١٣٢٨ -............................ | وأَلْحَقُ بالحجازِ فاستريحا |
ولم يَشْتَرط غيرُهما من النحويين ذلك، بل إذا تعذَّر سَبْكُ المصدرِ مما قبله: إمَّا لعدم تقدُّمِ فعلٍ، وإمَّا لاستحالةِ سَبْكِ المصدرِ المرادِ به الاستقبالُ لأجلِ مُضِيٍِّ الفعل فإنما يُقَدَّر مصدرٌ مُقَدَّرٌ استقبالُه بما يَدُلُّ عليه المعنى، فإذا قلت: لِمَ ضربْتَ زيداً [فأضربك] فالتقديرُ: ليكنْ منك إعلامٌ بضرب زيد فمجازاةٌ منا. وأمَّا ما رَدَّ به أبو علي الفارسي على الزجاج والفراء فليس بلازم، لأنه قد منع أن يُراد بالفعل المضيُّ، إذ ليس نصاً في ذلك، إذ قد يمكن الاستقبال لتحقُّق صدورهِ لا سيَّما على الشخصِ الذي صَدَرَ منه أمثالُ ذلك، وعلى تقدير تحقُّق المُضِيّ فلا يَلْزَمُ الزجاجَ أيضاً، لأنه كما تقدَّم: إذا لم يمكن
ووراءَ هذا قراءةٌ مُشْكلةَ رَوَوها عن عبيد بن عمير وهي» لِمَ تَلْبِسوا وتكتُموا «بحذف النون من الفعلين، وهي قراءةٌ لا تبعد عن الغلط البَحْت، كأنه تَوَهَّمَ أنَّ» لِمَ «هي» لم «الجازمة فَجَزَمَ بها/ وقد نقل المفسرون عن بعض النحاة هنا أنهم يَجْزِمون ب» لِمَ «حملاً على لَمْ، نقل ذلك السجاوندي وغيرُه عنهم، ولا أظنُّ نحوياً يقول ذلك البتة، كيف يقول في جارٍ ومجرورٍ إنه يجزم!! هذا ما لا يتَفَوَّه به البتة ولا يَطيق سماعَه، فإن يَثْبُتْ هذا قراءةً ولا بد فليكُنْ مِمَّا حُذِفَ فيه نون الرفع تخفيفاً حيث لا مقتضى لحَذْفِها، ومن ذلك قِراءةُ بعضهم: ﴿قَالُواْ ساحران تَظَّاهَرَا﴾ [القصص: ٤٨] بتشديدِ الظاءِ، والأصلُ: تتظاهران، فَأَدْغَمَ التاءَ في الظاء وحَذَفَ النون تخفيفاً، وفي الحديث:» والذي نفسي بيده لا تَدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا «يريد عليه السلام:
١٣٢٩ - أَبِيتُ أَسْرِي وتبيتي تَدْلُكِي | وجَهكِ بالعنبرِ والمِسْكِ الذَّكي |
١٣٣٠ - فإن يَكُ قومٌ سَرَّهُمْ ما صَنَعْتُمُ | سَتَحْتَلِبُوها لاقِحاً غيرَ باهِلِ |
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حالية، ومتعلَّقُ العلمِ محذوفٍ: إمَّا اقتصاراً وإما اختصاراً، أي: وأنتم تعلمونَ الحقَّ من الباطل أو نبوَّة محمدٍ ونحوُ ذلك.
١٣٣١ - مَنْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ | فَلْيَأْتِ نسوتَنا بوجهِ نهارِ |
وفي هذا البيت الذي أنشدته فائدةُ رأيت ذِكْرَها، وذلك أنه من قصيدةٍ يرثي بها مالك بن زهير بن حريمة العبسي وبعده:
يَجِدَ النساءَ حواسراً يَنْدُبْنَهُ | يَلْطِمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسحارِ |
قَدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوجوهَ تَسَتُّراً | فاليومَ حين بَدَوْنَ للنُّظَّارِ |
ويُحْكَى أنَّ الشيباني سأل الأصمعيَّ: كيف تُنْشِدُ قولَ الربيع: حين بَدَأْنَ أو بَدَيْن؟ فردَّدَهُ بين الهمزة والياء. فقال الأصمعي: بَدَأْنَ، فقال: أخطأت، فقال: بَدَيْنَ، فقال: أخطأت فغضِبَ لها الأصمعي، وكان الصوابُ أن يقولَ: بَدَوْنَ بالواو، لأنه من بدا يبدو، أي: ظهر. فأتى الأصمعي يوماً للشيباني فقال له: كيف تُصَغِّرُ مختاراً؟ فقال: أقول مُخَيْتير، فضحك منه وصَفَّق بيديه وشَنَّع عليه في حَلَقته، وكان الصوابُ أن يقول: مُخَيِّر بتشديد الياء، وذلك أنه اجتمع زائدان: الميم والتاء، والميمُ أَوْلى بالبقاء لعلة ذكرها التصريفيون، فَأَبْقاها، وحَذَفَ التاءَ، وأتى بياءِ التصغير
ومفعول «يَرْجِعُون» محذوفٌ أيضاً اقتصاراً أي: لعلهم يكونون مِنْ أهلِ الرجوع، أو اختصاراً أي: يَرْجِعُونَ إلى دينكم وما أنتم عليه.
١٣٣٢ - فَلَمَّا أَنْ تواقَفْنَا قليلاً | أَنَخْنا للكلاكِلِ فارتَمَيْنَا |
١٣٣٣ - ما كنتُ أخدَعُ للخليلِ بخُلَّةٍ | حتى يكونَ لِيَ الخليلُ خَدُوعا |
١٣٣٤ - يَذُمُّونَ للدنيا وهم يَرْضِعُونَها | أَفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثَعْلُ |
والثاني: أنَّ «أَمِنَ» ضُمِّنَ معنى أَقَرَّ واعترَفَ، فَعُدِّي باللام أي: ولا تُقِرُّوا ولا تَعْتَرِفوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، ونحوُه: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى﴾ [يونس: ٨٣] ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ [يوسف: ١٧]. وقال أبو علي: «وقد تعدَّى» آمَن «باللام في قولِهِ: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى﴾ ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾ [طه: ٧١] ﴿يُؤْمِنُ بالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فذَكَرَ أنه يتعدَّى بها من غيرِ تضمين. / والصوابُ ما قَدَّمْتُه من التضمينِ، وقد حَقَقْتُ هذا أولَ البقرة.
وهذا اسثناءٌ مفرغ، وقال أبو البقاء:» إلاَّ لِمَنْ تَبع «فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ مِمَّا قبلَه، والتقديرُ: ولا تُقِرُّوا إلا لِمَنْ تَبع» فعلى هذا اللامُ غيرُ زائدةٍ، ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً، ويكون محمولاً على المعنى أي: اجْحَدُوا كلَّ أحدٍ مَنْ تَبعَ، والثاني: أنَّ النيةَ به التأخيرُ والتقديرُ: ولا تُصَدِّقوا أنْ يؤتَى أحَدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا مَنْ تَبع دينَكم، فاللامُ على هذا زائدَةٌ، و «مَنْ» في موضِعِ نصبٍ على الاستثناء من «أحد».
وقال الفارسي: «الإِيمانُ لا يتعدَّى إلى مفعولين فلا يتعلَّقُ أيضاً بجارَّيْن، وقد تُعَلَّق بالجارّ المحذوفِ مِنْ قولِهِ: ﴿أَن يؤتى﴾ فلا يتعلَّقُ باللامِ في قوله: ﴿لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إلا أَنْ يُحمل الإِيمانُ على معناه، فيتعدَّى إلى
قوله: ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ﴾ اعلم أنَّ في هذه الآية كلاماً كثيراً لا بد من إيرادِهِ عن قائليهِ ليتضحَ ذلك، فأقولُ وباللهِ العون: اختلفَ الناس في هذه الآيةِ على [وجوهٍ:] أحدُها: أنْ يكونَ ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ﴾ متعلِّقاً بقوله: ﴿وَلاَ تؤمنوا﴾ على حذف حرفِ الجر، والأصلُ: «ولاتؤمنوا بأَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لِمَنْ تَبعَ دينَكم» فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجَرِّ جرى الخلاف المشهورُ بين الخليل وسيبويه في محل «أَنْ»، ويكونُ قولُهُ: ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ جملةً اعتراضيةً، قال الزمخشري في تقريرِ هذا الوجهِ وبه بدأ: «ولا تُؤْمِنُوا متعلِّقٌ بقولِهِ:» أَنْ يُؤْتَى أحد «، وما بينهما اعتراضٌ أي:» ولا تُظْهِرُوا إيمانكم بأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دونَ غيرِهم، أرادوا: أسِرُّوا تصديقَكم بأنَّ المسلمين قد أُوتوا مثلَ ما أوتيتم ولا تُفْشُوه إلا لأشياعِكم وحدَهم دونَ المسلمين، لئلا يَزيدَهم ثباتاً، ودونَ المشركين لئلا يَدْعُوهم إلى الإِسلام، أو يُحاجُّوكم عطفٌ على «أَنْ يُؤْتَى».
والضميرُ في «يُحاجُّوكم» لأحد لأنه في معنى الجميع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، فإن المسلمين يُحاجُّوكم عند ربكم بالحق، ويغالِبونُكم عند الله. فإنْ قلت: ما معنى الاعتراض؟ قلت: معناه أن الهدى هدى الله، مَنْ شاءَ أَنْ يلطف به حتى يُسْلِمَ أو يَزيدَ ثباتاً كان ذلك، ولم ينفع كَيْدُكم وحِيَلُكُم
الثاني: أنَّ اللامَ زائدةٌ في» لِمَنْ تَبعَ «وهو مستثنى من أحد المتأخر، والتقديرُ: ولا تُصَدِّقوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، فَمَنْ تَبعَ منصوبٌ على الاستثناء من» أحد «، وعلى هذا الوجه جَوَّز أبو البقاء في محل» أن يؤتى «ثلاثة أوجهٍ: الأول والثاني مذهبُ الخليل وسيبويه وقد تقدَّما. الثالث: النصبُ على المفعولِ مِنْ أجله تقديرُهُ: مخافَةَ أَنْ يُؤْتَى.
وهذا الوجهُ الثاني لا يَصِحُّ من جهةِ المعنى ولا مِنْ جهةِ الصناعة: أمَّا المعنى فواضحٌ، وأَمَّا الصناعةُ فلأن فيه تقديمَ المستثنى على المستثنى منه وعلى عامله، وفيه أيضاً تقديمُ ما في صلةِ» أَنْ «عليها، وهو غيرُ جائز.
الثالث: أَنْ يكونَ» أَنْ يُؤْتَى «مجروراً بحرفِ العلة وهو اللام، والمُعَلَّلُ محذوفٌ تقديرُه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه، لا لشيء آخرَ، وعلى هذا يكونُ كلامُ الطائفةِ قد تَمَّ عند قوله ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ولنوضَّحْ هذا الوجه بما قاله الزمخشري. قال رحمه الله:» أو تمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، على معنى: ولا تُؤمِنُوا هذا الإِيمانَ الظاهرَ
الرابع: أن ينتصِبَ «أَنْ يُؤْتَى بفعلٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ كأنه قِيل: قل إنَّ الهدى هُدى الله فلا تُنْكروا أَنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم، فلا تُنْكِرُوا ناصبٌ لأنْ وما في حَيِّزها، لأنَّ قولَه ﴿وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ إنكار لأن يُؤْتَى أحد مثلَ ما أُوتوا. قال الشيخ:» وهذا بعيدٌ لأنَّ فيه حذفَ حرفِ النهي وحَذْفَ معمولِهِ، ولم يُحْفَظْ ذلك من لسانِهم «قلت: متى دَلَّ على العامل دليلٌ جاز حَذْفُه على أيِّ حالةٍ كان.
الخامس: أَنْ يكونَ» هدى الله «بدلاً من» الهدى «الذي هو اسمُ إنَّ، ويكون خبرُ إنَّ: ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ﴾، والتقديرُ: قل إنَّ هدى الله أَنْ يُؤْتى أحدٌ، أي: إنَّ هدَى اللهِ إيتاءُ أحدٍ مثلَ ما أوتيتم، وتكونَ» أو «بمعنى» حتى «، والمعنى: حتى يُحاجُّوكم عند ربكم فيغلبوكم ويَدْحَضُوا حُجَّتكم عند الله، ولا يكون» أَوْ يُحاجُّوكم «معطوفاً على أَنْ يُؤتى وداخلاً في حَيِّزِ أَنْ.
السادس: أَنْ يكونَ» أَنْ يُؤْتَى «بَدَلاً مِنْ هدى الله، ويكون المعنى: قل
السابع: أَنْ تكونَ» لا «النافيةُ مقدرةً قبل» أَنْ يؤتى «فَحُذِفَتْ لدلالةِ الكلام عليها وتكونُ» أو «بمعنى إلاَّ أَنْ، والتقديرُ: ولا تؤمنوا لأحدٍ بشيء إلاَّ لِمَنْ تَبع دينكم بانتفاءِ أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، وجاء بمثله وعاضداً له، فإنَّ ذلك لا يُؤْتاه غيرُكم إلاَّ أنْ يُحاجُّوكم كقولِك: لألْزَمنَّك أو تقضيَني حقي، وفيه ضعفٌ من حيث حَذْفُ» لا «النافية، وما ذكروه من دلالةِ الكلامِ عليها غيرُ ظاهرٍ.
الثامن: أَنْ يكونَ «أَنْ يُؤْتى» مفعولاً من أجله، وتحريرُ هذا القولِ أَنْ تجعلَ قولَه: ﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ ليس داخلاً تحتَ قولِه «قل» بل هو من تمامِ قول الطائفةِ متصلٌ بقولِه: ولا تُؤمِنُوا إلا لِمَنْ جاءَ بمثلِ دينِكم مخافَةَ أَنْ يُؤْتى أحدٌ من النبوةِ والكرامة مثلَ ما أوتيتم، ومخافَةَ أَنْ يُحاجُّوكُم بتصديقِكُم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه. وهذا القولُ منهم ثمرة حسدهم وكفرهم مع معرفتهم بنبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولَمَّا قَدَّر المبرد المفعولَ من أجله هنا قَدَّر المضاف: كراهَة أن يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أي: مِمَّن خالَفَ دينَ الإِسلام، لأن الله لا يَهْدِي مَنْ هو كاذب وكَفَّار، فهُدى الله بعيدٌ مِنْ غيرِ المؤمنين، والخطابُ في «أوتيتم» و «يُحاجُّوكم» لأمةِ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
واستضعف بعضُهم هذا وقال: كونُ مفعولاً من أجله على تقدير: «كراهةَ» يَحْتاج إلى تقديرِ عاملٍ فيه ويَصْعُبُ بتقديرُهُ، إذ قبلَه جملةٌ لا يظهرُ تعليلُ النسبةِ فيها بكراهةِ الإِيتاء المذكور.
واختلفوا في الجملةِ مِنْ قولِهِ: «ولا تُؤْمِنُوا» هل هي مِنْ مقولِ الطائفة أم من مقول الله تعالى، على معنى أن الله تعالى خاطب به المؤمنين تثبيتاً لقلوبِهم وتسكيناً لجَأْشهم؛ لئلا يَشُكُّوا عند تَلَبُّس اليهود عليهم وتزويرهم؟ وقد نَقَلَ ابنُ عطية الإِجماعَ من أهلِ التأويل على أنه من مقول الطائفة، وليس بسديدٍ لما نَقَلَهُ الناسُ من الخلاف.
و «أحد» يجوزُ أَنْ يكونَ في الآية الكريمة من الأسماء الملازمة للنفي وألاَّ يكون، بل يكون بمعنى واحد. وقد تقدَّم الفرق بينهما بأن الملازم للنفي همزتُهُ أصلية، والذي لا يلازم النفي همزته بدل من واو، فعلى جَعْلِهِ ملازماً للنفي يظهر عَوْدُ الضمير عليه جمعاً اعتباراً بمعناه، لأنَّ المراد به العموم، وعليه قوله: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] جَمَعَ الخَبَرَ لمَّا كان «أحد» في معنى الجميع، وعلى جَعْلِهِ غيرَ الملازم للنفي يكونُ جَمْعُ الضمير في «يُحاجُّوكُم» باعتبارِ الرسول عليه السلام وأتباعِهِ. وبعضُ الأوجهِ المتقدمة يَصِحُّ أَنْ يُجعل فيها «أحد» المذكورُ الملازمُ للنفي، وذلك إذا كان الكلامُ
وقرأ ابن كثير: «أأن يؤتى» بهمزة استفهام وهو على قاعدتِهِ في كونه يُسَهِّل الثانية بينَ بينَ من غير مدٍّ بينهما. وخُرِّجَتْ هذه القراءةُ على أوجه، أحدها: أن يكون «أن يُؤتى» على حَذْفِ حرف الجر وهو لام العلة والمُعَلَّلُ محذوف، تقديره: أَلأنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه. وقد قَدَّمَتْ تحقيقَ هذا فحينئذٍ يَسُوغُ في محلِّ «أَنْ» الوجهان: أعني النصبَ مذهبَ سيبويه، والجَرَّ مذهبَ الخليل.
الثاني: أَنَّ «أَنْ يُؤتَى» في محلِّ رفعب بالابتداءِ والخبر محذوف تقديره: أأن يؤتى أحد يا معشر اليهود مثلَ ما أوتيتم من الكتاب والعلم تُصَدِّقون به أو تعترفون به أو تَذْكُرونه لغيركم أو تُشيعونه في الناس ونحوُ ذلك مِمَّا يَحْسُن تقديرُه، وهذا على قولِ مَنْ يقول: «أزيد ضربته» وهو وجه مرجوح، كذا قَدَّرَهُ الواحدي تَبَعاً للفارسي، وأحسنُ من هذا التقدير لأنه الأصل: أإتيان أحدٍ مثلَ ما أُوتيتم ممكنٌ أو مُصَدَّقٌ به.
الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الفعلُ المضمرُ، وتكونُ المسألةُ من بابِ الاشتغالِ والتقدير: أَتَذْكُرون أَنْ يُؤْتَى أحد تذكرونه، فتذكرونه مفسِّرٌ لتذكرون الأول على حَدِّ: «أزيداً ضربته» ثم حُذِفَ الفعلُ الأخير المفسِّر لدلالةِ الكلام عليه، وكأنه منطوقٌ به، ولكونِهِ في قوة المنطوق
قال الواحدي: «فإنْ قيل: كيف وُجِدَ دخولُ» أحد «في هذه القراءةِ وقد انقطَع من النفي والاستفهام، وإذا انقطع الكلامُ إيجاباً وتقريراً فلا يجوز دُخولُ» أحد «؟ قيل: يجوزُ أَنْ يكونَ» أحد «في هذا الموضع» أحداً «الذي في نحو: أحد وعشرين وهذا يقع في الإِيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد. وقال أبو العباس:» إن أحداً ووحَدَاً وواحداً بمعنى «.
وقوله:» أو يُحاجُّوكم «» أو «في هذه القراءةِ بمعنى حتى، ومعنى الكلام: أَأن يُؤتى أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم حتى يحاجُّكم عند ربكم. قال الفراء:» ومثلُه في الكلام/: تَعَلَّقْ به أو يُعْطِيَكَ حقك، ومثلُه قولُ امرىء القيس:
١٣٣٥ - فَقُلْتُ له:
لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنما | نحاوِلُ مُلْكاً أو نموتَ فَنُعْذَرَا |
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ
الخامس: أَنْ يكونَ» أَنْ يؤتى «في قراءته مفعولاً من أجله على أن يكون داخلاً تحت القول لا من قولِ الطائفة. وهو أظهرُ مِنْ جَعْلِهِ من قول الطائفة.
وقد ضَعَّف الفارسي قراءةَ ابن كثير فقال:» وهذا موضِعٌ ينبغي أن تُرَجَّح فيه قراءةُ غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأنَّ الأسماءَ المفردة ليس بمستمرٍ فيها أن تَدُلَّ على الكثرة «. وقرأ الأعمش وشعيب بن أبي حمزة:» إنْ يؤتى «بكسر الهمزة، وخَرَّجها الزمخشري على أنها:» إنْ «النافية فقال:» على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع
وقال ابن عطية:» وهذه القراءةُ تحتمل أن يكونَ الكلامُ خطاباً من الطائفةِ القائلة، ويكونُ قولُها «أو يحاجُّوكم» بمعنى: أو فليحاجُّوكم وهذا على التصميمِ على أنه لا يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتي، أو تكون بمعنى: إلاَّ أَنْ يُحاجُّوكم، وهذا على تجويز أَنْ يؤتى أحدٌ ذلك إذا قامت الحجة له «فقد ظَهَرَ على ما ذَكَرَ ابن عطية أنه يجوزُ في» أو «في هذه القراءةِ أن تكونَ على بابِها مِنْ كونِها للتخيير والتنويع، وأَنْ تكونَ بمعنى» إلاَّ «، إلاَّ أنَّ فيه حَذْفَ حرفِ الجزم وإبقاءَ عمله، وهو لا يجوز، وعلى قولِ غيره تكونُ بمعنى حتى.
وقرأ الحسن:» أَنْ يُؤْتى أحدٌ «على بناءِ الفعل للفاعل. ولَمَّا نقل هذه القراءةَ بعضُهم لم يتعرَّض ل» ان «بفتحٍ ولا كسرٍ كأبي البقاء، وتعرَّض لها بعضُهم فقيَّدها بكسرِ» إنْ «وفسَّرها ب» إنْ «النافية، والظاهر في معناها أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطابٌ من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته، والمفعولُ محذوف تقديره: إنْ يؤتي أحدٌ أحداً مثلَ ما أوتيتم، فحُذِفَ المفعولُ الأولُ وهو» أحداً «لدلالة المعنى عليه، وأُبْقِيَ الثاني. وهذا ما تلخَّص مِنْ كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه ولله الحمد. قال الواحدي:» وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبهِ تفسيراً، ولقد تدبَّرْتُ أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أَجِدْ قولاً يَطَّرِدُ في هذه الآية من أولِها إلى آخِرها مع بيان المعنى وصحة النظم.
وقرأَ أُبَيّ: «تِئْمَنْهُ» في الحرفين، و ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب العقيلي، إلا أنهما أَبْدلا الهمزة ياء، وجَعَلَ ابن عطية ذلك لغةَ قريش، وغَلَّطه الشيخ. وقد تقدَّم لنا الكلامُ في كسرِ حرفِ المضارعة وشرطِ ذلك في سورة الفاتحة بكلامٍ مشبع فليُراجع ثمة.
والدينار أصله «دِنَّار» بنونين، فاسْتُثْقِلَ توالي مِثْلِين فأبدلوا أولهما حرفَ علة تخفيفاً لكثرة دَوْره في لسانهم، ويَدُلُّ على ذلك رَدُّه إلى النونين تكسيراً وتصغيراً في قولهِم: دَنانير ودُنَيْنِير، مثله: قيراط: أصله قِرَّاط بدليل قراريط وقُرَيْرِيط كما قالوا: تَظَنَّيْت وقَصَّيْت أظفاري، يريدون تَظَنَّنْت وقَصَّصت بثلاث نونات وثلاث صادات. والدينار مُعَرَّب، قالوا: ولم يختلف وزنه أصلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قيراط ثلاث شُعيرات معتدلة، فالمجموعُ اثنتان وسبعون شُعَيْرة.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم: «يُؤَدِّهْ» بسكون الهاء في الحرفين، وقرأ قالون: يُؤَدِّه بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء، وعن هشام وجهان، أحدهما: كقالون، والآخر كالجماعة.
١٣٣٦ - وأشربُ الماءَ ما بي نحوه عطشٌ | إلا لأنَّ عيونَه سيلُ وادِيها |
١٣٣٧ - فَظَلْتُ لدى البيتِ العتيقِ أُخيلُه | ومِطْواي مُشتاقان لَهُ أَرِقانِ |
وقد طعن بعضهم على هذه القراءة فقال الزجاج: «هذا الإِسكان الذي رُوِي عن هؤلاء غلطٌ بَيِّنٌ، لأن الهاء لا ينبغي أن تُجْزم، وإذا لم تجزم فلا تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فَغُلِط عليه كما غُلِطَ عليه في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقد حَكَى عنه سيبويه وهو ضابطٌ لمثل هذا أنه كان يكسِر كسراً خفياً، يعني يكسر في» بارئكم «كسراً خفياً فظنَّه
١٣٣٨ -....................... | ما حَجَّ ربَّه في الدنيا ولا اعتمرا |
ومنها: أنَّ هذه لغةٌ ثابتةٌ عن العرب حَفِظَها الأئمة الأعلام كالسكائي والفراء، وحكى الكسائي عن بني عُقيل وبني كلاب: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع، ويقولون: «لَهْ مال ولَهُ مال» بالإِسكان والاختلاس. وقال الفراء: «مِن العرب مَنْ يجزم الهاءَ إذا تحرَّك ما قبلها فيقولون: ضربتهْ ضرباَ شديداً، فيسكنون الهاء كما يُسكنون ميم» أنتم «و» فمنهم «وأصلُها الرفع، وأنشد:
١٣٣٩ - لمَّا رأى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ | مالَ إلى أرطاةِ حِقْفٍ فالطَجَعْ |
وزعم بعضهم أن الفعل لَمَّا كان مجزوماً وحَلَّتِ الهاءُ محلَّ لامه جرى عليها ما يجري على لام الفعل من السكون للجزم وهو غير سديد. وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها:
١٣٤٠ - لَهُ زَجَلٌ كأنه صوتُ حادٍ | .......................... |
١٣٤١ - أنا ابنُ كِلابٍ وابنُ أوسٍ فَمَنْ يَكُنْ | قناعهُ مَغْطِيَّاً فإنِّي لَمُجْتَلِي |
١٣٤٢ - وأغبرُ الظَّهْرِ يُنْبي عن وَلِيَّتِه | ما حَجَّ ربه في الدنيا ولا اعتمرا |
واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعلٍ مجزوم أو أمر معتل الآخر جرى فيها هذه الأوجه الثلاثة أعني السكونَ والاختلاس والإِشباع وذلك: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ [النساء: ١١٥] ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨]، وقد جاء ذلك في قراءة السبعة أعني الأوجه الثلاثة في بعض هذه الكلمات، وبعضها لم يأتِ فيه إلا وجهان، وسيأتي ذلك مفصَّلاً في سوره إن شاء الله تعالى، والسر فيه أن الهاء التي للكناية متى سَبَقها متحركٌ فالفصيحُ فيها الاشباعُ نحو: إنه، وبه، وله، وإنْ سَبَقها سكانٌ فالأشهرُ الاختلاسُ، وسواءً كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلاً نحو: فيه ومنه، وبعضُهم يُفَرِّق بين المعتل والصحيح، وقد أتقنت ذلك في أول الكتاب، إذا علم ذلك فنقول: هذه الكلماتُ المشارُ إليها إنْ نَظَرْنا إلى اللفظ فقد وَقَعتْ بعد متحركٍ فحقُّها أَنْ تُشْبَعَ حركتُها موصولةً بالياء أو الواو، وإن سَكَنَتْ فلِما تقدَّم من إجراءِ الوَصْلِ مُجْرى الوقف، وإنْ نظرنا إلى الأصلِ فقد سَبَقَها ساكنٌ وهو حرفُ
قوله: «بدينار» في هذه الباءِ أوجهٌ، أحدُها: أنها على أصلها من الإِلصاق وفيه قلقٌ، والثاني: أنها بمعنى في، ولا بُدَّ من حذف مضاف أي: في حفظِ دينارٍ وفي حفظ قنطار. والثالث: أن الباء بمعنى على، وقد عُدِّي بها كثيراً: ﴿لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٦٤] وكذلك هي في «بقنطار».
قوله: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ استثناءٌ مفرغ من الظرف العام، إذا التقدير: لا يُؤدِّه إليك في جميع المدد والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه متوكلاً به. ودُمْتَ هذه هي الناقصة/ ترفع وتنصب، وشرطُ إعمالها أَنْ يتقدمها «ما» الظرفيةُ كهذه الآية، إذ التقدير إلا مدةَ دوامك، ولا يتصرف، فأمَّا قولُهم، «يدومُ» فمضارع «دام» التامة بمعنى بقي، ولكونها صلةً ل «ما» الظرفية لَزِم أن تكونَ محتاجةً إلى كلام آخر لتعمل في الظرف نحو: «لا أصحبُك ما دمت باكياً»، ولو قلت: «ما دام زيد قائماً» من غير شيء لم يكن كلاماً.
وجَوَّز أبو البقاء في «ما» هذه أن تكونَ مصدرية فقط، وذلك المصدرُ المنسبك منها ومِنْ دام في محلِّ نصب على الحال، وهو استثناء مفرغٌ أيضاً من الأحوال المقدَّرة العامة، والتقدير: إلاَّ في حال ملازمتك له، وعلى هذا فتكون «دام» هنا تامةً لِما تقدم مِنْ أنَّ تقدُّم الظرفيةِ شرطٌ في إعمالها، وإذا كانت تامة انتصب «قائماً» على الحال.
ويقال: دامَ يدوم كقام يقوم، ودُمت قائماً بضم الفاء وهذه لغة الحجاز،
وأصلُ هذه المادة الدلالةُ على الثبوت والسكون، يقال: «دام الماء» أي سكن، وفي الحديث: «لا يبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ» وفي بعضه بزيادة «الذي لا يجرى» وهو تفسيرٌ له، وأَدَمْتُ القِدْرَ ودوَّمْتُها: سكَّنت غليانها بالماء، ومنه دام الشيء: إذا امتد عليه زمان، ودَوَّمَتِ الشمس: إذا وقفت في كبد السماء، قال ذو الرمة:
١٣٤٣ -.........................
هكذا أنشد الراغب هذا الشطرَ على هذا المعنى، وغيرُه يُنْشِده على معنى أنَّ الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حولَ الشيء، ومنه الدوامُ: وهو الدُّوار الذي يأخذ الإِنسان في دماغه فيرى الأشياءَ دائرة، وأنشد معه أيضاً قولَ علقمة بن عبدة:
١٣٤٤ - تَشْفي الصُّداع ولا يُؤْذِيك صالِبُها | ولا يُخالطُها في الرأسِ تدويم |
وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلِّقٌ بقائماً، والمعنى بالقيام: الملازمة لأن الأغلَب أنَّ المطالِب يقوم على رأس المطالَب، ثم جُعِل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام.
قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، و «ذلك» إشارة إلى الاستحلال وعدمِ المؤاخذة في زعمهم، أي: ذلك الاستحلالُ مستحق أو جائز بقولِهم: «ليس علينا في الأميين سبيل».
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ في «ليس» ضميرُ الشأن وهو اسمها، وحينئذ يجوز أن يكون «سبيل» مبتدأ و «علينا» الخبرُ، والجملةُ خبرُ «ليس» ويجوز أن يكونَ «علينا» وحده هو الخبرَ، و «سبيل» مرتفعٌ به على الفاعلية، ويجوز أن يكونَ «سبيل» اسمَ ليس، والخبرُ أحد الجارَّيْن أعني علينا أو في الأميين ويجوزُ أن يتعلق «في الأميين» بالاستقرار الذي تعلق به «علينا».
وقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ الكذب﴾ يجوز أن يتعلق «على الله» بالكذب وإن كان مصدراً؛ لأنه يُتَّسع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسع في غيرهما، ومن مَنَع علَّقه بيقولون متضمناً معنى يفترون فَعُدِّي تعديتَه، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «الكذب».
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حالية، ومفعولُ العلم محذوف اقتصاراً أي: وهم من ذوي العلم، أو اختصاراً أي: يعلمون كذبهم وافتراءهم وهو أقبحُ لهم.
و ﴿بِعَهْدِهِ﴾ يجوز أَنْ يكونَ المصدرُ مضافاً لفاعِله على أَنَّ الضمير يعودُ
والعامة على» يَلوون «بفتح الياء وسكون اللام وبعدها واوٌ مضمومة ثم أخرى ساكنةٌ، مضارع لَوَى أي: فَتَل. وقرأ أبو جعفر وشيبة بن نصاح، وأبو حاتم عن نافع: يُلَوُّون بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد الواو الأولى من لَوَّى مضعفاً، والتضعيفُ فيه للتكثير والمبالغة لا للتعدية، إذ لو كان لها لتعدَّى لآخرَ لأنه متعدٍّ لواحد قبلَ ذلك، ونسبها الزمخشري لأهل المدينة وهو كما قال: فإنَّ هؤلاء رؤساء قراء المدينة.
وقرأ حميد:» يَلُون «بفتح الياء وضم اللام بعدها واو مفردة ساكنة، ونسبها الزمخشري لمجاهد وابن كثير، ووجَّهها هو بأن الأصلَ:» يَلْوُون «كقراءة العامة، ثم أُبْدِلَتِ الواو المضمومة همزةً، وهو بدلٌ قياسيّ كأجوه وأُقِّتت، ثم خُفِّفت الهمزة بإلقاء حركتها على الساكنِ قبلها وهو اللامُ وحُذِفَت الهمزة فبقي وزنُ يَلُون: يَفُون بحذف اللام والعين، وذلك أن اللام وهي الياء حُذفت لالتقاء الساكنين لأن الأصل:» يَلْوِيُون «كيَضْربون فاستُثْقلت الضمة
وألسنتهم: جمعُ لِسان وهذا على لغةِ مَنْ ذكَّر، وأما على لغة من يؤنثه فيقول: هذه لسان فإنه يُجْمع على ألسن نحو: ذِراع وأَذْرُع وكِراع وأَكْرُع، وقال الفراء:» لم نَسْمعه من العربِ إلا مذكراً «ويُعَبِّر باللسانِ عن الكلام لأنه يَنشأ منه وفيه، والمرادُ به ذلك أيضاً التذكيرُ والتأنيث.
والَّليُّ: الفَتْلُ، يقال: لَوَيْتُ الثوبَ ولَوَيْتُ عنقه أي: فَتَلْتُه والمصدرُ الليُّ والليَّان، قال:
١٣٤٥ - قد كُنْت دايَنْتُ بها حَسَّانا | مخافةَ الإِفلاسِ واللَّيَّانا |
و ﴿بالكتاب﴾ متعلِّق بيَلْوُون وهو تعلُّقٌ واضح، وجَعَله أبو البقاء حالاً من الألسنة قال:» تقديرُه ملتبسةً بالكتاب أو ناطقة بالكتاب «، والضمير في ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ يجوزُ أَنْ يعودَ على ما دَلَّ عليه ما تقدم من ذِكْر الليِّ والتحريف أي: لتحسَبوا المحرَّف من التوراة، ويجوز أن يعودَ على مضافٍ محذوف دَلَّ
قوله: ﴿عِبَاداً﴾ قال ابن عطية: «ومِنْ جموعه عبيد وعِبِدَّى. قال بعض اللغويين: هذه الجموعُ كلها بمعنى، وقال بعضُهم: العِباد لله، والعبيد والعِبِدّى للبشر، وقال بعضهم: العِبِدَّى إنما يقال في العبد من العبيد كأنه مبالغةٌ تقتضي الإِغراق في العبودية، والذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع» عبد «متى سيقت اللفظة في مضمار الترفُّع والدلالة على الطاعة دونَ أَنْ يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن، وانظر قوله: ﴿والله رَؤُوفٌ بالعباد﴾ [البقرة: ٢٠٧] و ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] و ﴿ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، وقولَ عيسى في معنى الشفاعة والتعريض: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وأمَّا العبيد فيستعمل في تحقيره، ومنه قول امرىء القيس:
١٣٤٦ - قولا لدودانَ عبيدِ العَصا | ما غَرَّكم بالأسدِ الباسلِ |
﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] «فهذا النوعُ من النظر يَسْلُك بك سبيلَ العجائب في فصاحة القرآن العزيز على الطريقةِ العربية» قال الشيخ: «وفيه بعضُ مناقشة أمَّا قولُه: ومِنْ جموعِه عبيد وعِبدَّى» فأمَّا «عبيد» فالأصحُّ أنه جمع. وقيل: اسم جمع، «وأَما عِبِدَّى فاسم جمع، وألفه للتأنيث» قلت: لا مناقشة، فإنه إنما يعني جمعاً معنوياً ولا شك أنَّ اسمَ الجمعِ جمعٌ معنوي. ثم قال: «وأمَّا ما استقراه من أنَّ» عباداً «يُساقُ في معنى الترفع والدلالة على الطاعة دونَ أن يقترِنَ بها معنى التحقير والتصغير وإيرادُهُ ألفاظاً في القرآن بلفظ العباد، وأَمَّا قوله:» وأمَّا العبيد فَيُستعمل في تحقير وأنشد بيتَ امرىء القيس وقولَ حمزة «وهل أنتم إلا عبيدُ أبي» وقوله تعالى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فاستقراءُ ليس بصحيح، وإنما كَثُرَ استعمال «عباد» دون «عبيد» لأنَّ فِعالاً في جمع فَعْل غير اليائي العين قياسيٌّ مطرد، وجمع فَعْل على فَعيل لا يَطِّرد. قال سيبويه: «وربما جاء فَعِيلاً وهو قليل نحو: الكليب والعبيد» فلما كان فِعال مقيساً في جمع «عبد» جاء «عباد» كثيراً. وأما ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فَحَسَّن مجيئه هنا وإن لم يكن مقيساً أنه جاء لتواخي الفواصل، ألا ترى أنَّ قبله {أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ
وقوله:» لي «صفةٌ لعباد، و» مِنْ دون «متعلِّقٌ بلفظِ» عباد «لِما فيه من معنى الفعل، يجوزُ أَنْ يَكونَ صفةً ثانيةً وأَنْ يكونَ حالاً لتخصُّص النكرة بالوصف.
قوله: ﴿ولكن كُونُواْ﴾ أي: ولكن يقول كونوا، فلا بُدَّ من إضمار القول هنا. والرَّبَّانِيُّون جمع ربَّانِيّ، وفيه قولان، أحدهما أنه منسوب إلى الرَّبِّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة كرقبَاني وشَعْراني ولِحْياني للغليظ الرقبة والكثير الشعر والطويل اللحية، ولا تُفْرد هذه الزيادة عن النسب، أَمَّا إذا نَسَبوا إلى الرقبة والشعر واللحية من غير مبالغة قالوا: رَقَبي وشَعْري ولَحَوي، هذا معنى قول سيبويه.
والثاني: أنه منسوب إلى
١٣٤٧ - أطَرباً وأنت قِنَّسْرِيُّ | والدهرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ |
قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ الباء سببية أي: كونوا/ علما بسبب كونكم. وفي متعلَّق هذه الباءِ حينئذٍ أقوال أحدها: أنه متعلقة بكونوا، كذا ذكره أبو البقاء والخلاف مشهور. الثاني: أن تتعلق بربانيين، لأنَّ فيه معنى الفعل. الثالث: أن تتعلَّق بمحذوف على أنها صفة لربانيين ذكره أبو البقاء وليس بواضح المعنى.
و «ما» مصدريةٌ، وظاهرُ كلام الشيخ أنه يجوز أن تكون غير ذلك، فإنه قال: «وما الظاهر أنها مصدريةٌ» فهذا يجوِّزُ غير ذلك، وجوازه فيه بُعْدٌ،
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «تَعْلَمُون» مفتوحٌ حرفُ المضارعة، ساكنُ العينِ مفتوحُ اللام من: عَلِمَ يَعْلَم، أي: تعرفون فيتعدى لواحد، وباقي السبعة بضم حرف المضارعة وفتح العين وتشديد اللام مكسورةً، فيتعدى لاثنين أولهما محذوف، تقديره: تُعَلِّمون الناس والطالبين الكتابَ، ويجوز ألاَّ يُرادَ مفعول أي: كنتم من أهلِ تعليم الكتاب، وهو نظيرُ: «أطعم الخبز» المقصودُ الأهمُّ إطعامُ الخبزِ من غيرِ نظر إلى مَنْ يُطْعِمُه، فالتضعيف فيه للتعدية.
وقد رَجَّح جماعة هذه القراءةَ على قراءة نافع بأنها أَبْلَغُ؛ وذلك أَنَّ كلَّ مُعَلِّمٍ عالمٌ، وليس كلُّ عالمٍ مُعَلماً، فالوصفُ بالتعليم أبلغُ، وبأن قبله ذِكْرَ الربانيين، والربَّانيُّ يقتضي أَنْ يَعْلَمَ ويُعَلِّمَ غيره، لا أن يَقْتَصَر بالعلم على نفسه.
ورجَّح بعضُهم الأولى بأنه لم يُذْكَر إلا مفعولٌ واحدٌ والأصل عدم الحذف، والتخفيف مُسَوِّغٌ لذلك بخلاف التشديد، فإنه لا بد من تقدير مفعول، وأيضاً فهو أوفقُ لتدرُسون. والقراءتان متواترتان فلا ينبغي ترجيحُ إحداهما على الأخرى، وقد قَدَّمت ذلك في أوائل هذا الموضوع.
والعامة على «تَدْرُسون» بفتح التاء وضم الراء من الدَّرْس وهو مناسب لَتَعْلَمون من علم ثلاثياً، قال بعضهم: «كان حقُّ مَنْ قرأ» تُعَلِّمون «بالتشديد أن يقرأ:» تُدَرِّسون «بالتشديد» وليس بلازم، إذ المعنى: كنتم تُعَلِّمون غيركم ثم صرتم تدرسُون، وبما كنتم تدرسونه عليهم أي: تتلونه عليهم كقوله تعالى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس﴾ [الإسراء: ١٠٦].
وقرأ ابو حيوة في إحدى الروايتين عنه «تَدْرِسُون» بكسر الراء وهي لغة ضعيفة، يقال: دَرَسَ العلم يَدْرِسه بكسر العين في المضارع وهما لغتان في مضارع دَرَسَ، وقرأ هو أيضاً في رواية: «تُدَرِّسون» مِنْ دَرَّس بالتشديد، وفيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ التضعيف فيه للتكثير، فيكون موافقاً لقراءة تَعْلَمون بالتخفيف. والثاني: أن التضعيف للتعدية ويكون المفعولان محذوفين لفهم المعنى، والتقديرُ: تُدَرِّسون غيرَكم العلمَ أي: تَحْمِلُونهم على الدَّرْسِ. وقُرىء «تُدْرِسون» من أَدْرَسَ، كتُكْرِمُون مِنْ أَكْرَمَ على أنَّ أفعل بمعنى فَعَّل بالتشديد، فأَدْرَس ودَرَّس واحدٌ كأكرم وكرَّم وأَنْزَلَ ونَزَّل.
والدَّرْس: التَّكرارُ والإِمانُ على الشيء ومنه: دَرَسَ زيدٌ الكتاب والقرآن يَدْرُسه ويدرِسه أي كرَّر عليه، ويقال: دَرَسْتُ الكتاب أي: تناوَلْتُ أثرَه بالحفظ.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها [أوجه،] أحدُها: قول أبي علي وغيره، وهو أن يكونَ المعنى: ولا له أن يأمرَكم، فقدَّروا «أَنْ» تُضْمر بعد «لا» وتكون «لا» مؤكِّدةً لمعنى النفي السابق كما تقول: «ما كان من زيد إتيانٌ ولا قيام» وأنت تريدُ انتفاءَ كلِّ واحدٍ منهما عن زيد، فلا للتوكيد لمعنى النفي السابق/، وبقي معنى الكلام: ما كانَ من زيدٍ إتيانٌ ولا منه قيام.
الثاني: أن يكونَ نصبُه لنسقِهِ على «يُؤْتِيَه» قال سيبويه: «والمعنى: وما كان لبشرٍ أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة». قال الواحدي: «ويُقَوِّي هذا
الثالث: أن يكونَ معطوفاً على «يقول» في قراءة العامة قاله الطبري. قال ابن عطية: «وهذا خطأٌ لا يلتئم به المعنى» ولم ييبِّنْ أبو محمد وجهَ الخطأ ولا عدمَ التئام المعنى. قال الشيخ: «وجهة الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على» يقول «وجَعَل» لا «للنفي على سبيل التأسيس لا على سبيل التأكيد فلا يمكن أن يقدِّر الناصبَ وهو» أنْ «إلا قبل» لا «النافية، وإذا قَدَّرها قبلها انسبك منها ومن الفعل المنفي ب» لا «مصدر منفيٌّ، فيصير المعنى: ما كان لبشرٍ موصوفٍ بما وُصف به انتفاءُ أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، وإذا لم يكن له انتفاءُ الأمر بذلك كان له ثبوت الأمر بذلك، وهو خطأٌ بيِّن. أمَّا إذا جَعَل» لا «لتأكيد النفي لا لتأسيسه فلا يلزم خطأ ولا عدم التئام المعنى، وذلك أنه يصير النفي منسحباً على المصدرين المُقَدَّرِ ثبوتُهما فينتفي قولُه ﴿كُونُواْ عِبَاداً لِّي﴾ وينتفي أيضاً أمرُه باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، ويوضِّح هذا المعنى وضعُ» غير «موضعَ» لا «فإذا قلت:» ما لزيد فقهُ ولا نحوٌ «كانت» لا «لتأكيد النفي وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت» لا «لتأسيس النفي كانت بمعنى غير، فيصير المعنى انتفاء الفقه عن وثبوتَ النحو له، إذ لو قلت:» ما لزيد فقه وغيرُ نحو «كانَ في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلت: ما له غيرُ نحو، ألا ترى أنك إذا قلت:» جئتُ بلا زادٍ «كان المعنى جئت بغير زادٍ، وإذا قلت:» ما جئت بغير زادٍ «معناه أنك جِئت بزاد، لأنَّ» لا «هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدمَ التئام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن تكون» لا «لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي
وتابع الزمخشريُّ الطبريَّ في عطف «يَأْمركم» على «يقول» وجَوَّز في «لا» الداخلةِ عليه وجهين، أحدُهما: أَنْ تكونَ لتأسيس النفي، والثاني: أنها مزيدةٌ لتأكيده، فقال: «وقُرىء» ولا يأمركم «بالنصب عطفاً على» ثم يقول «، وفيه وجهان، أحدهما: أَنْ تَجْعَلَ» لا «مزيدةً لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصِّبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وتركِ الأندادِ، ثم يأمرَ الناسَ بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً كقولك: ما كان لزيدٍ أن أكرمه ثم يهينَني ولا يستَخِفَّ بي. والثاني: أن تَجْعَلَ» لا «غيرَ مزيدة، والمعنى: أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينهى قريشاً على عبادةِ الملائكة، واليهودَ والنصارى عن عبادةِ عُزير والمسيح، فلمَّا قالوا له: أَنتخذك رَبّاً قيل لهم: ما كان لبشَر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء». قلت: وهذا الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ «لا» لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر والحمد لله صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردَّ ابن عطيةَ عليه مردود.
وقد رَجَّحَ الناسُ قراءةَ الرفع على النصب قال سيبويه: «ولا يأمُركم منقطعة مما قبلهما؛ لان المعنى ولا يأمركم الله»، قال الواحدي: «ومما يدلُّ على الانقطاع من الأول قراءةُ عبد الله:» ولَنْ يأمركم «.
قالوا الفراء: «فهذا
وقد تقدَّم أنَّ الضميرَ في «يأمركم» يجوز أن يعود على «الله» وأن يعود على البشر الموصوف بما تقدم، والمرادُ به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أعلمُّ من ذلك، سواءً قُرىء برفع «ولا يأمركم» أو بنصبه إذا جعلناه معطوفاً على «يؤتيه»، وأما إذا جعلناه معطوفاً على «يقول» فإنَّ الضمير يعود لبشر ليس إلا، ويؤيد ما قلته ما قال بعضُهم: «ووجهُ القراءةِ بالنصب أن يكونَ معطوفاً على الفعلِ المنصوب قبله، فيكونُ الضميرُ المرفوع لبشر لا غير» يعني بما قبله «ثم يقولَ». ولمَّا ذكر سيبويه قراءة الرفع جعل الضميرَ عائداً على الله تعالى، ولم يذكر غيرَ ذلك، فيُحتمل أَنْ يكونَ هو الأَظهرَ عنده، ويُحتمل أنه لا يجوز غيرُه، والأولى أَوْلى.
قال بعضهم: «في الضمير المنصوب في» يأمركم «على كلتا القراءتين خروجٌ من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفاتِ» قلت: كأنه تَوَهَّم أنه لمَّا [توهم] تقدَّم ذِكْرُ الناسِ في قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ كان ينبغي أن يكون النظم «ولا يأمرهم» جَرْياً على ما تقدم، وليس كذلك، بل هذا ابتداءُ خطابٍ لا التفاتَ فيه.
قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ «بعد» متعلِّقٌ بيأمركم، و «بعد» ظرفُ زمانٍ
و ﴿مِيثَاقَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله أو لمفعوله. وفي مصحف أُبي وعبد الله وقراءاتِهما: «ميثاقَ الذين أوتوا الكتاب» مثلَ ما آخر السورة، وعن مجاهد بن جبر كذلك، وقال: «أخطأ الكاتب» وهذا خطأٌ من قائله كائناً مَنْ كان، ولا أظنُّه يصِحُّ عن مجاهد، وفإنه قرأ عليه مثلُ ابنِ كثير وأبي عمرو ابن العلاء، ولم ينقلْ واحدٌ منهما عنه شيئاً من ذلك.
والمعنى على القراءةِ الشهيرة صحيحٌ، وقد ذَكَر الناسُ فيها أوجهاً، أحدُها: أنَّ الكلامَ على ظاهره وأن الله تعالى أخذ الأنبياء مواثيق أنهم يُصَدِّقون بعضَهم بعضاً وينصرُ بعضُهم بعضاً، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيَّ الذي بعدَه ولا يَخْذُلوه، وهذا مَرْوِيٌّ عن جماعة. الثاني: أن الميثاق مضاف لفاعله والموثَقُ عليه غيرُ مذكورٍ لفَهْمِ المعنى، والتقدير: ميثاقَ النبيين على أممهم، ويؤيده قراءةُ أُبيّ وعبد الله، ويؤيدُه أيضاً قولُه: ﴿فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك﴾. الثالث: أنه على حذف مضاف تقديرُه: ميثاقُ أمم الأنبياء أو أتباعِ، ويؤيده ما أيَّد ما قبله أيضاً وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾.
قوله: ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ العامةُ: «لَما» بفتح اللام وتخفيف الميم، وحمزةُ وحده على كسر اللام، وسعيد بن جبير والحسن: لَمَّا بالفتح والتشديد.
فأمَّا قراءة العامة ففيها خمسة أوجه: أحدُها: أن تكون «ما» موصولةً بمعنى الذي وهي مفعولةٌ بفعل محذوف، وذلك الفعلُ هو جوابُ القسم، والتقدير: والله لَتُبَلِّغُنَّ ما آتيناكم من كتابٍ، قال هذا القائل: لأنَّ لام القسم إنما تقع على الفعل، فلما دَلَّت هذه اللامُ على الفعل حُذِف، ثم قال تعالى: «ثم جاءكم رسول وهو محمد صلى الله عليه سلم» قال: «وعلى هذا التقدير يستقيم النظم». قلت: «وهذا الوجه لا ينبغي أن يجوزَ البتة، إذ يمتنع أن تقولَ في نظيرِه من الكلام:» واللهِ لزيداً «تريد: والله لتضرِبَنَّ زيداً.
الوجه الثاني: وهو قول أبي عليّ وغيره أن تكونَ اللامُ في «لَما» جوابَ قوله: ﴿مِيثَاقَ النبيين﴾ لأنه جارٍ مَجْرَى القسم، فهي لامُ الابتداء المُتَلَقَّى بها القسمُ، و «ما» مبتدأةٌ موصولة و «آتيناكم» صلتُها، والعائد محذوف تقديره: آتيناكموه، فَحُذِفَ لاستكمال شروطه، و «من كتاب» حال: إمَّا من الموصول وإمَّا من عائده، وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الصلة، وحينئذ فلا بُدَّ من رابطٍ يربطُ هذه الجملةَ بما قبلَها فإنَّ المعطوفَ على الصلة صلةٌ، واختلفوا في ذلك: فذهب بعضهم إلى أنه محذوفٌ تقديره: «ثم
١٣٤٨ - فيا رَبَّ ليلى أَنْتَ في كلِّ موطن | وأنت الذي في رحمةِ اللهِ أَطْمَعُ |
الثالث: كما تقدم إلا أن اللام في «لما» لامُ التوطئة، لأنَّ أَخْذَ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي «لتؤمِنُنَّ به» لامٌ جوابِ القسم، هذا كلام الزمخشري ثم قال: «وما» تحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و «لتؤمِنُنَّ» سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط جميعاً، وأن تكون بمعنى «الذي». وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنَّ لام التوطئة إنما تكون مع أدوات الشرط،
الرابع: أن اللامَ هي الموطئة و «ما» بعدَها شرطيةٌ، ومحلها النصب على المفعول به بالفعل الذي بعدها وهو «آتيتكم»، وهذا الفعلُ مستقبلٌ معنًى لكونِه في حَيِّز الشرط، ومَحلُّه الجزم والتقدير: والله لأَيَّ شيء آتيتُكم مِنْ كذا وكذا لتكونن كذا.
وقوله: ﴿مِّن كِتَابٍ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] وقد تقدَّم تقريرُه. وقوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ عطفٌ على الفعلِ قبلَه فيلزُم أَنْ يكون فيه رابطٌ يربطُه بما عُطِف عليه. و «لتؤمِنُنَّ» جوابٌ لقوله: ﴿أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾، وجوابُ الشرط محذوفٌ سَدَّ جوابُ القسم مَسَدَّه، والضميرُ في «به» عائدٌ على «رسول»، كذا قال الشيخ، وفيه نظر لأنه عَوْدُه على اسمِ الشرط، ويَسْتَغني حينئذ عن تقديره رابطاً، وهذا كما تقدَّم في الوجهِ الثاني، ونظيرهُ هذا من الكلام أن تقول: «أَحْلِفُ باللهِ لأَيَّهم رأيتُ ثم ذهب إليه رجلٌ قُرَشي لأُحْسِنَنَّ إليه» تريدُ إلى الرجل، وهذا الوجهُ هو مذهبُ الكسائي.
وقال سأل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية فأجابَ بأنَّ «ما» بمنزلة الذي، ودَخَلَتِ اللامُ على «ما» كما دخلت على «إنْ» حين قلت: واللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لأفعلنَّ، فاللامُ التي في «ما» كهذه التي في إنْ، واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا «هذا نصٌّ الخليل. قال أبو علي:» لم يُرِد الخليل بقوله «
وإلى كونِها شرطيةً ذهب جماعةٌ كالمازني والزجَّاج والزمخشري والفارسي، قال الشيخ: «وفيه حَدْسٌ لطيف، وحاصلُ ما ذكر أنهم إن أرادوا تفسيرَ المعنى فيمكن أن يُقال، وإنْ أرادوا تفسير الإِعراب فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلاً منهما أعني الشرط والقسم يطلُب جواباً على حِدة، ولا يمكن أن يكونَ هذا محمولاً عليهما؛ لأنَّ الشرطَ يقتضيه على جهة العملِ فيكونُ في موضع جزم، والقسمُ يطلبُه من جهة التعلق المعنوي به من غير عمل فلا موضع له من الإِعراب، ومُحالٌ أن يكونَ الشيء له موضعٌ من الإِعراب ولا موضع له من الإِعراب» قلت: تقدَّم هذا الإِشكالُ والجوابُ عنه.
الخامس: أنَّ أصلَها «لَمَّا» بتشديدِ الميم فخففت، وهذا قول ابن أبي إسحاق، وسيأتي توجيهُ قراءة التشديد فَتُعْرَفُ مِنْ ثَمَّة.
وقرأ حمزة: «لِما» بكسرِ اللامِ خفيفةَ الميم أيضاً، وفيها أربعةُ أوجه، أحدهما: وهو أغربُها أن تكونَ اللام بمعنى «بعد» كقوله النابعة:
يريد: فَعَرَفْتُها بعد ستة أعوام، وهذا منقولٌ عن صاحب النظم، ولا أدري ما حَمَله على ذلك؟ وكيف يَنْتظم هذا كلاماً، إذ يصير تقديرُه: وإذ أخذ اللهُ ميثاقَ النبيين بعدَما آتيناكم، ومَنِ المخاطبُ بذلك؟
الثاني: أن اللامَ للتعليل، وهذا الذي ينبغي ألاَّ يُحادَ عنه وهي متعلقة ب «لتؤمِنُنَّ»، و «ما» حينئذٍ مصدريةٌ، قال الزمخشري: «ومعناه لأجلِ إيتائي إياكم بعضَ الكتابِ والحكمة، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لتؤمِنُنَّ به، على أنَّ» ما «مصدريةٌ، والفعلان معها أعني:» آتيناكم «و» جاءكم «في معنى المصدرين، واللامُ داخلةٌ للتعليل، والمعنى: أخَذَ الله ميثاقَهم لتؤمِنُنَّ بالرسول ولتنصُرُنَّه لأجل أن آتيتكم الحكمة، وأنَّ الرسول الذي أمركم بالإِيمان ونصرتِه موافقٌ لكم غيرُ مخالِفٍ. قال الشيخ:» ظاهر هذه التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليلٌ للفعلِ المُقْسَم عليه، فإنْ عَنَى هذا الظاهرَ فهو مُخالِفٌ لظاهر الآية، لأنَّ ظاهرَ الآيةِ يقتضي أن يكونَ تعليلاً لأخْذِ الميثاق لا لمتعلَّقه وهو الإِيمان، فاللامُ متعلقةٌ بأخذ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقةً بقوله: لتؤمِنُنَّ به «، ويمتنع ذلك من حيث إنَّ اللام المتلقَّى بها القسمُ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلها، تقول: والله لأضربَنَّ زيداً، ولا يجوزُ: والله زيداً لأضربنَّ، فعلى هذا لا يجوزُ أن تتعلق اللام في» لِما «بقوله:» لتؤمِننَّ «. وقد أجاز بعضُ النحويين في معمول الجواب إذا كان ظرفاً أو مجروراً تقدُّمَه، وجَعَلَ من ذلك:
١٣٥٠ -..................................
وقولَه تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] فعلى هذا يجوز أن تتعلق بقوله:» لَتُؤْمِنُنَّ «وفي هذ المسألةِ تفصيلٌ يُذْكَرُ في علم النحو، قلت: أمَّا تعلُّق اللامِ بلتؤمِنُنَّ من حيث المعنى فإنَّه أظهرُ مِنْ تعلُّقِها بأخذ، وهو واضحٌ فلم يَبْقَ إلاَّ ما ذَكَر مِنْ مَنْع تقديمِ معمولِ الجواب المقترنِ باللام عليه وقد عُرف، وقد يكون الزمخشري مِمَّن يرى جوازه.
والثالث: أن تتعلَّقَ اللام بأخذ أي: لأجل إيتائي إياكم كيتَ وكيتَ أخذْتُ عليكم الميثاق، وفي الكلامِ حذفُ مضافٍ تقديرُه: لرعاية ما أتيتكم.
الرابع: أن تتعلَّقَ بالميثاق لأنه مصدر، أي توثَّقْنا عليهم لذلك. هذه الأوجهُ بالنسبة إلى اللام، وأمَّا [ما] ففيها ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أَنْ تكونَ مصدرية وقد تقدَّم تحريرُه عند الزمخشري. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي وعائدُها محذوفٌ و» ثم جاءكم «عطف على الصلة، والرابط لها بالموصول: إمَّا محذوفٌ تقديره:» به «وهو رأيُ سيبويه، وإمَّا لقيامِ الظاهر مقامَ المضمرِ وهو رأيُ الأخفش، وإِمَّا ضميرُ الاستقرار الذي تضمَّنه» معكم «وقد تقدَّم تحقيق ذلك. والثالث: أنها نكرةٌ موصوفة، والجملةٌ بعدها صفتُها وعائدُها محذوف، و» ثم جاءكم «عطفٌ على الصفة، والكلامُ في الرابطِ كما تقدَّم فيها وهي صلة، إلا أنَّ إقامة الظاهر مُقام الضمير في الصفة ممتنع، لو قلت:» مررت برجلٍ قام أبو عبد الله «على أن يكون» قام أبو عبد الله «صفة
وجوابُ قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ﴾ قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كما تقدم، والضمير فيه «به» عائدٌ على «رسول»، ويجوز الفصلُ بين القسم والمقسم عليه بمثلِ هذا الجار والمجرور لو قلت «أقسمتُ للخير الذي بلغني عن عمرٍو لأحْسِنَنَّ إليه» جاز.
وقوله: ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ : إمَّا حالٌ من الموصول أو من عائده، وإمَّا بيانٌ له فامتنع في قراءةِ حمزة أن تكونَ «ما» شرطيةً كما امتنع في قراءة الجمهورِ أن تكونَ مصدريةً.
وأمَّا قراءةُ سعيد والحسن ففيها أوجه، أحدها: أَنَّ «لَمَّا» هنا ظرفيةٌ بمعنى حين فتكونُ ظرفية. ثم القائلُ بظرفيتها اختلف تقديرُه في جوابها، فذهب الزمخشري إلى أن الجوابَ مقدرٌ من جنس جواب القسم فقال: «لَمَّا» بالتشديد بمعنى حين، أي: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسولٌ مصدِّق وَجَبَ عليكم الإِيمانُ به ونصرتُه «. وقال ابن عطية:» ويظهر أن «لمَّا» هذه الظرفيةُ أي: لَمَّا كنتم بهذه الحالِ رؤساءَ الناس وأماثِلَهم أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يُؤْخَذ، فيجيء على هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة «فقدَّر ابن عطية جوابَها من جنس ما سبقها، وهذا الذي ذهبا إليه مذهب مرجوح قال به الفارسي، والجمهور: سيبويه وأتباعُه على خلافه، وقد تقدم تحقيق هذا الخلاف فلا حاجة لذكره. وقال
الثاني: أن» لَمَّا «حرفُ وجوبٍ لوجوبٍ، وقد تقدَّم دليله وأنه مذهب سيبويه، وجوابُها كما تقدَّم مِنْ تقديري ابن عطية والزمخشري. وفي قول ابن عطية:» فيجيء على المعنى كالمعنى في قراءة حمزة «نظر؛ إذ قراءة حمزة فيها تعليل وهذه القراءةُ لا تعليل فيها، اللهم إلا أن يقال: لَمَّا كانت» لَمَّا «تحتاجُ إلى جوابٍ أشبه ذلك العلةَ ومعلولَها، لأنك إذا قلت:» لَمَّا جِئْتَني أكرمتُك «في قوةِ: أكرمتُك لأجلِ مجيئي إليك، فهي من هذه الجهةِ كقراءة حمزة.
والثالث: أنَّ الأصلَ: لَمِنْ ما فأدغمت النون في الميم لأنها تقاربُها، والإِدغامُ هنا واجب، / ولما اجتمع ثلاثُ ميمات، ميمِ مِنْ، وميمِ» ما «والميمِ التي انقلبت من نون» من «لأجل الإِدغام فحصل ثقل في اللفظ.
قال الزمخشري: «فحذفوا إحداها». قال الشيخ: «وفيه إبهامٌ»، وقد عَيَّنها ابن عطية بأن المحذوفة هي الأولى، قلت: وفيه نظر، لأنَّ الثقلَ إنما حصل بما بعد الأولى، ولذلك كان الصحيح في نظائره إنما هو حَذْفُ الثواني نحو: «تَنَزَّل» و «تَذَكَّرون»، وقد ذكر أبو البقاء أنّ المحذوفة هي الثانية، قال: «لضَعْفها بكونِها بدلاً وحصولِ التكرير بها».
الرابع: أنَّ الأصل أيضاً: لَمِنْ ما، فَفُعِل به ما تقدم من القلب والإِدغام ثم الحذفِ، إلا أن «مِنْ» ليست زائدةً بل هي تعليليَّةٌ، قال الزمخشري: «ومعناه لمِنْ أجل ما أتيتكم لتؤمنُنَّ به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى» قلت: وهذا الوجه أوجهُ ممَّا تقدَّمه لسلامته من ادِّعاء زيادة «مِنْ» ولوضوح معناه. قال الشيخ: «وهذا التوجيهُ في غاية البُعْد ويُنَزَّه كلامُ العرب أن يَأْتيَ فيه مثلُه فكيف في كتاب اللهِ عز وجل! وكان ابن جني كثيرَ التمحُّلِ في كلام العرب، ويلزم في» لَمّا «هذه على ما قرره الزمخشري أن تكونَ اللامُ في» لِمنْ ما آتيناكم «زائدةً، ولا تكونُ اللامَ الموطئة، لأنَّ الموطئةَ إنما تدخل على أدوات الشرط لا على حرف الجر، لو قلت:» أٌقسم بالله لمِنْ أجلك لأضربن زيداً «لم يَجُزْ، وإنما سُمِّيت موطئةً لأنها تُوَطِّىء ما يَصْلُح أن يكونَ جواباً للشرط للقسم، فيصيرُ جوابُ الشرط إذ ذاك محذوفاً لدلالةِ جواب القسم عليه» قلت: قد تقدَّم له هو أنَّ «ما» في هذه القراءة يجوز أن تكونَ موصولة بمعنى الذي، وأن اللام معها موطئةٌ للقسمِ، وقد حصر هنا أنها لا تدخل إلا على أدوات الشرط فأحدُ الأمرين لازمٌ له، وقد قَدَّمْتُ أنَّ هذه هو الإِشكالُ على مَنْ جَعَلَ «ما» موصولةً وجَعَلَ اللامَ موطئةً.
وقرأ نافع: «آتيناكم» بضميرِ المعظِّم نفسَه، والباقون: «آتيتكم»
وفي قوله «آتيتكم» أو «آتيناكم» على كلا القراءتين التفاتان أحدُهما: الخروجُ من الغيبة إلى التكلم في قوله آتينا أو آتيتُ، لأنَّ قبله ذِكْرَ الجلالة المعظمة في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله﴾، والثاني: الخروجُ من الغَيْبَة إلى الخطاب في قوله: «آتيناكم» لأنه قد تقدَّمه اسم ظاهر وهو «النبيين»، إذ لو جرى على مقتضى تقدُّم الجلالة والنبيين لكان التركيب: وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لما آتاهم من كتاب كذا، قال بعضهم: «وفيهِ نظرٌ لأنَّ مثلَ هذا لا يسمى التفاتاً في اصطلاحِهم، وإنما يسمى حكايةً الحال، ونظيرُه قولُك: حلف زيد ليفعلنَّ ولأفعلن، فالغَيْبَةُ مراعاةً لتقدُّم الاسم الظاهر، والتكلُم حكايةً لكلامِ الحالفِ، والآية الكريمة من هذا».
وأصل لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنَّه: لتؤمنونَنّ ولتنصرونَنّ، فالنون الأولى علامة الرفع، والمشددة بعدها للتوكيد، فاستُثْقِلَ توالي ثلاثةِ أمثال فحذفوا نونَ الرفع لأنها ليست في القوة كالتي للتوكيد، فالتقى بحذفها ساكنان، فَحُذِفَت الواوُ لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله: «مُصَدِّقاً» نصبٌ على الحال من النكرة، وقد قاسه سيبويه وإنْ كان المشهورُ عنه خلاَفهُ، وحَسَّن ذلك هنا كونُ النكرةِ في قوة المعرفة من حيث إنه أُريد بها شخصٌ معين وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. واللام في «لَما» زائدةٌ لأنَّ العاملَ فرع وهو مُصَدِّق والأصل: مُصَدِّقٌ ما معكم.
قوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ : فاعلٌ «قال» يجوز أن يكونَ ضميرَ الله تعالى وهو الظاهر، وأن يكون ضَميرَ النبي الذي هو واحد النبيين، خاطب بذلك
وقرأ العامة «إصري» بكسر الهمزة وهي الفصحى، وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية: «أُصْري» بضمها، ثم المضمومُ يُحتمل أن يكون لغةً في المكسور وهو الظاهر، ويحتمل أن يكونَ جمع إصار، ومثله أُزُر في جمع إزار، وقد تَقَدَّم في أواخر البقرة الكلامُ عليه مشبعاً.
وقوله: ﴿أَقْرَرْنَا﴾ أي: بالإِيمان به وتبصرتِه. وفي الكلام حذفُ جملةٍ أيضاً، حُذِفَتْ لدلالةِ ما تقدَّم عليها، إذا التقديرُ: قالوا: أقررنا وأخذنا إصْرَكَ على ذلك كله.
وقوله: ﴿فاشهدوا﴾ هذه الفاءُ عاطفة على جملة مقدرةٍ تقديره: قال: أأقررتم فاشهدوا، ونظيرُ ذلك: «أَلقِيتَ زيداً» ؟ قال: «لَقِيتُه»، قال: «فَأَحسِنْ إِليه»، والتقدير: أَلَقِيتَ زيداً فأحسن إليه، فما فيه الفاءُ بعضُ المقول، ولا جائز أن يكونَ كلَّ المقولِ لأجل الفاء، ألا ترى قولَه: «قال: أأقررتم» وقوله: «قالوا: أقررنا» لَمَّا كان كلَّ المقول لم يُدْخِلِ الفاء، قاله الشيخ، والمعنى واضح بدونه.
قوله: ﴿مِّنَ الشاهدين﴾ هذا هو/ الخبرُ لأنَّه مَحَطُّ الفائدة، وأمَّا قوله: «معكم» فيجوزُ أن يكون حالاً أي: وأنا من الشاهدين مصاحباً لكم، ويجوز
وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم: «يَبْغون» بالياءِ من تحت نَسَقاً على قوله: ﴿هم الفاسقون﴾ والباقون بياءِ الخطاب التفاتاً.
قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات﴾ جملةٌ حالية أي: كيف يَبْغُون غيرَ دينه والحالُ هذه؟
قوله: ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ فيهما وجهان أحدُهما: أنهما مصدران في موضع الحال والتقدير: طائعين وكارهين. والثاني: أنهما مصدران على غير الصدر، قال أبو البقاء: «لأنَّ أسلم بمعنى انقاد وأطاع»، وتابع الشيخ على هذا، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ هذا ماشٍ في «طوعاً» لموافقته لمعنى الفعل قبله، وأمَّا «كَرْهاً» فكيف يقال فيه ذلك، والقول بأنه يُغتفر في الثواني ما لا يُغْتفر في الأوائل غيرُ نافعٍ هنا. ويقال: طاع يَطُوع، وأطاع يُطيع بمعنى. وقيل: طاعة يَطُوعه انقادَ له، وأطاعه أي: رَضِي لأمره، وطاوَعَهُ أي: وافقه.
وقرأ الأعمش: «كُرْهاً» بالضم، وسيأتي أنها قراءة للأَخوين في سورة النساء، وللكوفيين وابن ذكوان في الأحقاف، وهناك تكلَّمْنا عليها، وتقدم لنا أيضاً ذِكْرُ هذه المادة في البقرة.
وقرأ حفص عن عاصم: «يُرْجَعُون» بياء الغيبة ويَحْتَمِل ذلك وجوهاً. أحدها: أَنْ يعودَ الضميرُ على مَنْ أسلم وهو واضح. الثاني: أن يعود على مَنْ عاد عليه ضميرُ «يَبْغَون» في قراءة مَنْ قرأه بالغيبة، وهو أيضاً واضحٌ، ولا التفاتَ في هذين الوجهين. والثالث: أن يعودَ على مَنْ عاد إليه الضمير في «تَبْغَون» في قراءة الخطاب فيكون التفاتاً حينئذٍ. وقرأ الباقون: «تَبْغُون» بالخطاب، فَمَن قرأ «تبغون» بالخطاب فهو واضح، ومَنْ قرأه بالغيبة فيكون هذا التفاتاً منه، ويجوز أن يكون التفاتاً من قوله: ﴿مَنْ فِي السماوات والأرض﴾.
وهذه الآية شبيهةٌ بالتي في البقرة، إلاَّ أنَّ هنا تعديةَ أنزل بعلى، وهناك بإلى. فقال الزمخشري: «لوجودِ المعنيين جميعاً لأنَّ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل، فجاء تارةً بأحد المعنيين وأخرى بالآخر» وقال ابن عطية: «الإِنزالُ على نبي الأمة إنزالٌ عليها»، وهذا لا طائل فيه بالنسبة إلى طلب الفرق. وقال الراغب: «إنَّما قال هنا» على «لأن ذلك لَمَّا كان خطاباً للنبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطةٍ بشريةٍ كان لفظُ» على «المختصُّ بالعلو أَوْلى به، وهناك لَمَّا كان خطاباً للأمة، وقد وصل إليهم بواسطة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لفظُ» إلى «المختصُّ بالإِيصال أَوْلى، ويجوزُ أَنْ يقال:» أَنْزَلَ عليه «إنما يُحمل على ما أُمِرَ المُنَزَّلُ عليه أَنْ يُبَلِّغه غيرَه، و» أَنْزَل إليه «على ما خُصَّ به في نفسِه وإليه نهايةُ الإِنزال، وعلى ذلك قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] خُصََّ هنا بإلى لَمَّا كان مخصوصاً بالذكر [الذي] هو بيانُ المُنَزَّل، وهذا كلامٌ في الأَوْلى لا في الوجوب».
وفي البقرة: ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون﴾ [الآية: ١٣٦] وهنا» والنبيون «لأنَّ التي في البقرةِ لفظُ الخطابِ فيها عامٌّ، ومِنْ حُكْمِ خطابِ العام البسطُ دونَ الإِيجاز بخلافِ الخطاب هنا فإنه خاصٌّ فلذلك اكتفى فيه بالإِيجاز دون الإِطناب. وباقي كلماتِ جملِ الآية تقدََّم الكلام عليها في البقرة.
قوله: ﴿دِيناً﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدُهما: أنه مفعولُ يَبْتَغِ، و ﴿غَيْرَ الإسلام﴾ حالٌ لأنها في الأصل صفةٌ له، فلمَّا قُدِّمت عليه نُصِبَت حالاً.
الثاني: أن يكونَ تمييزاً لغير لإِبهامها، فَمُيِّزَت كما مُيِّزَت «مثل» و «شبه» وأخواتهما، وسُمع من العرب: «إنَّ لنا غيرَها إبلاً وشاء». والثالث: أن يكونَ بدلاً مِنْ «غير»، وعلى هذين الوجهين فغيرَ الإِسلامِ هو المفعولُ به ليبتَغِ.
وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ كقولِهِ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ [البقرة: ١٣٠] في الإِعراب وسيأتي ما بينَهما في المعنى. وقيل: «أل» معرفةٌ لا موصولةٌ فلم يمنعْ من تعلُّق ما قبلها. بما بعدها، وهذه الجملة يجوزُ أَنْ لا يكونَ لها محلٌّ لاستئنافها، ويجوزُ أن تكونَ في محل جزم نسقاً على جواب الشرط وهو «فلن يُقْبل»، ويكون قد ترتَّب على ابتغاء غير الإسلام ديناً عدمُ القبول والخسران.
١٣٥١ - كيفَ نومي على الفراشِ وَلمَّا | تَشْمَلِ الشامَ غارةٌ شَعْواءُ |
١٣٥٢ - فهذي سيوفٌ يا صُدَّيُّ بنُ مالكٍ | كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضارِبُ |
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من واو «كفروا»، والعاملُ فيها الرافعُ لصاحبِها، و «قد» مضمرةٌ معها على رأي، أي: كفروا وقد وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما، قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون العامل» يَهْدي «لأنه يهدي مَنْ شَهِدَ أن الرسول حق، يعني أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من» قوماً «، والعاملُ في الحال» يَهْدِي «لِما ذَكَر من فساد المعنى/.
١٣٥٣ - مشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً | ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها |
وقال الواحدي: «عُطِف الفعلُ على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعلَ تقديرُه: كفروا بالله بعد أَنْ آمنوا، فهوعطفٌ على المعنى كما قال:
١٣٥٤ - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني | أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشفوفِ |
انتهى، يعني أنه على تأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المصدرِ الصريح المجرور بالظرف، وكلام الجرجاني فيه ما يَشْهد لهذا ويَشْهَدُ لتقدير الزمخشري فإنه قال: قوله «وشَهِدوا» منسوقٌ على ما يُمكنُ في التقدير، وذلك أنَّ قولَه «بعد إيمانهم» يمكن أن يكونَ بعد «أن آمنوا» وأَنْ الخفيفة مع الفعلِ بمنزلةِ المصدرِ كقولهِ: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: والصوم، ومثلُه مِمَّا حُمِل فيه على المعنى قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ﴾ [الشورى: ٥١] فهو عطفٌ على قوله: ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾، ويمكن فيه: إلا أن يُوحى إليه، فلما كان قوله ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ بمعنى: إلا أنْ يُوحَى إليه حَمَله على ذلك، ومثله من الشعر قوله:
ولم يُؤْتَ هنا بالفاء داخلةً على «لن» وأتى بها في «لن» الثانيةِ. قيل: لأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بالاستحقاق بالوصفِ السابق، لأنه قد صَرَّح بقيدِ موتهم على الكفر/ بخلافِ «لن» الأولى فإنه لم يُصَرِّح معها به، فلذلك لم يُؤْتَ بالفاء.
وقرأ عكرمة: «لن نقبل» بنونِ العظمة، «توبتَهم» بالنصب، فلذلك قرأ: «فلن نقبل مِنْ أحدِهم ملء» بالنصب.
قوله: ﴿وأولئك هُمُ الضآلون﴾ في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ في محلِّ رفعٍ عطفاً على خبر إنَّ، أي: إنَّ الذين كفروا لن تُقْبل توبتُهم وإنهم أولئك هم الضالون. الثاني: أن تُجْعَلَ معطوفة على الجملة المؤكدة بإن، وحينئذٍ فلا محلَّ لها من الإِعرابِ لعطفِها على ما لا محلَّ له. الثالث: وهو أغربُها أن تكونَ الواو للحال، فالجملة بعدها نصب على الحال، والمعنى: لن تُقْبَل توبتُهم من الذنوب والحالُ أنهم ضالون، فالتوبةُ والضلال متنافيان لا يَجْتمعان، قاله الراغب، وهو بعيد في التركيب، وإنْ كانَ قريبَ المعنى. قال الشيخ: «ويَنْبو عن هذا المعنى هذا التركيبُ، إذ لو أُريد هذا المعنى لم يُؤْتَ باسم الإِشارة».
والملءُ مقدارُ ما يملأ الوعاءَ، والمَلْءُ بفتح الميم هو المصدر. يقال: «مَلأتُ القِرْبة أملؤها مَلْئَاً»، والمُلاءة المِلْحَفة بضم الميم والمد.
و «ذَهَبا» العامة على نصبه تمييزاً، وقال الكسائي: «على إسقاط الخافض» وهذا كالأول، لأنَّ التمييزَ مقدَّرٌ ب «مِنْ» واحتاجت «ملء» إلى تفسير لإِبهامها، لأنها دالةٌ على مقدار. كالقَفِيز والصَّاع. وقرأ الأعمش «ذهبٌ» بالرفع، قال الزمخشري: «رَدّاً على مِلْءُ» كما يقال: «عندي عشرون نفساً رجالٌ» يعني بالرد البدل، ويكون بدلَ نكرة من معرفة، قال الشيخ: «ولذلك ضَبَط الحُذَّاق قوله» لك الحمدُ ملءُّ السماوات «بالرفع، على أنه نعتٌ للحمد، واستضعفوا نصبه على الحال لكونه معرفة» قلت: ولا يتعيََّنُ نصبُه على الحال حتى يلزَم ما ذكره من الضعف، بل هو منصوبٌ على الظرف، أي: إنَّ الحمد يقع مِلئاً للسماوات وللأرض.
قوله: ﴿وَلَوِ افتدى﴾ الجمهورُ على ثبوتِ الواو وهي واو الحال، قال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف موقعُ قولِه: ﴿وَلَوِ افتدى بِهِ﴾ ؟ قلت: هو كلامٌ
قال الشيخ: «وقد قَرَّرنا من نحوِ هذا التركيب أنَّ» لو «تأتي مَنْبَهَةً على أَنَّ ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يُظَّنُّ أنها لا تندَرجُ فيما قبلها، كقوله عليه السلام:» اعطُوا السائل ولو جاء على فرس «و» رُدُّوا السائل ولو بِظِلْفٍ مُحْرَق «، كأنَّ هذه الأشياء كان ممَّا ينبغي أن لا يُؤْتى بها، لأنَّ كونَ السائلِ على فرسٍ يُشْعر بغناه فلا يناسبُ أَنْ يُعْطى، وكذلك الظِّلْفُ المُحرَقُ لا غناءَ فيه، فكان يناسِبُ ألاَّ يُرَدَّ به السائل».
وقيل: الواو هنا زائدةٌ، وقد يتأيَّد هذا بقراءة ابن أبي عبلة «لو افتدى به» دون واوٍ، ومعناها أنه جُعِل الافتداءُ شرطاً في عدم القبول فلم يتَعمَّمْ نَفْيُ وجود القبولِ. و «لو» قيل: هي هنا شرطية بمعنى إنْ، لا التي معناها لِما كان سيقع لوقوع غيره، لأنها مُعَلَّقة بمستقبل، وهو قوله: ﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ وتلك مُعَلَّقَةٌ بالماضي.
وافتدى: افْتَعَلَ من لفظِ الفِدْيَة وهو متعدٍّ لواحدٍ لأنه بمعنى فَدَى، فيكونُ افْتَعَل فيه وفَعَل بمعنىً نحو: شَوَى واشتوى، ومفعولُه محذوف تقديره: افتدى نفسَه.
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [المائدة: ٣٦] والمِثلُ يُحذف في كلامهم كثيراً، كقولك «ضَرَبْتُ ضربَ زيدٍ» تريد مثلَ ضربه، أبو يوسف أو حنيفة «أي مثلُه، و:
١٣٥٦ - لا هيثمَ الليلةَ للمَطيّ... و» قضية ولا أبا حسنٍ لها «تريد: لا مثلَ هيثم ولا مثل أبي حسن، كما أنه يزاد في قولهم:» مثلُك لا يفعل كذا «يريدون: أنت لا تفعل، وذلك أن المثلين يَسُدُّ أحدهما مَسَدَّ الآخر، فكانا في حكم شيء واحد». قال الشيخ: «ولا حاجةَ إلى تقدير» مثل «في قوله: ﴿وَلَوِ افتدى بِهِ﴾، وكأن الزمخشري تَخَيَّل أنَّ ما نُفِي أَنْ يُقْبَلَ لا يمكن أن يُفْتَدَى به فاحتاج إلى إضمار» مثل «حتى يُغايِرَ بين ما نُفِيَ قَبُوله وبين ما يُفْتَدَى به، وليس كذلك؛ لأن ذلك كما ذكرناه على سبيل الفَرَض والتقدير، إذ لا يمكن عادةً أنَّ أحداً يملك مِلْءَ الأرض ذهباً، بحيث إنه لو بَذَله علىأي جهة بَذَله لم يُقْبَلْ منه، بل لو كان ذلك مُمْكِناً لم يَحْتَجْ
قوله: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يجوزُ أنْ يكونَ «لهم» خبراً لاسم الإِشارة، و «عذابٌ» فاعلٌ به، وعَمِل لاعتمادِه على ذي خبر، أي: أولئك استقر لهم عذاب، وأن يكونَ «لهم» خبراً مقدماً، و «عذاب» مبتدأ مؤخراً، والجملةُ خبر عن اسم الإِشارة، والأولُ أحسنُ، لأنَّ الإِخبار بالمفرد أقربُ من الإِخبار بالجملة، والأول من قَبيلِ الإِخبار بالمفرد.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ «من ناصرين» فاعلاً، وجاز
وقوله: ﴿حتى تُنْفِقُواْ﴾ بمعنى إلى أن، و «مِنْ» في ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيةٌ، يدلُّ عليه قراءةُ عبد الله: «بعضَ ما تحبون»، وهذه عندي ليست قراءةً بل تفسيرُ معنى. «ما» موصولةٌ وعائدها محذوف، والقولُ بكونها نكرةً موصوفة لا معنى له، وقد جَوَّز ذلك أبو البقاء فقال: [ «أو نكرةٌ موصوفة، ولا تكون مصدريةً لأنَّ المحبةَ لا تُنْفَقُ، فإنْ جُعِلَتِ المحبة بمعنى المفعول جاز على رأي عليّ» ] يعني يبقى التقدير: من الشيء المحبوب، وهذان الوجهان ضعيفان، والأول أضعف.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ﴾ تقدم نظيره في البقرة.
قوله: ﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ﴾ مستثنى/ من اسمِ كان. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ مستثنى من ضميرِ مستتر في «حِلاً» فقال: «لأنه استثناء من اسم كان، والعاملُ فيه» كان «، ويجوزُ أن يعملَ فيه» حِلاً «ويكون فيه ضميرٌ يكون الاستثناء منه؛ لأن حِلاً وحَلالاً في موضعِ اسم الفاعل بمعنى الجائز والمباح».
وفي هذا الاستثناءِ قولان، أحدُهما: أنه متصل، والتقدير: إلا ما حَرَّم إسرائيلُ على نفسه، فَحُرِّم عليهم في التوراة، فليس فيها ما زادوه من محرمات وادعوا صِحَّة ذلك. والثاني: أنه منقطع، والتقدير: لكنْ حَرَّم إسرائيلُ على نفسِه خاصةً ولم يُحَرِّمْه عليهم، والأول هو الصحيح.
قوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلقَ بحَرّم أي: إلا ما حَرَّم مِنْ قبلِ، قاله أبو البقاء. قال الشيخ: «ويَبْعُد ذلك، إذ هو من
وهذه الجملةُ أعني قولَه ﴿فَمَنِ افترى﴾ يجوز أن تكون استئنافية فلا محلَّ لها من الإِعراب، ويجوز أن تكونَ منصوبةَ المحلِّ نسقاً على قوله: «فَأْتوا بالتوراة» فتندرجَ في المقول. و «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية أو موصولة،
قال أبو الفتح: «علةُ ذلك فُشُوُّ هذين الحرفين في الفَمِ وانتشارُ الصوتِ المنَبثِّ عنهما فقارَبَتا بذلك مَخْرَجَ اللامِ فجازَ إدغامُها فيهما وهو مأخوذٌ من كلامِ سيبويه، فإنَّ سيبويه قال:» والإِدغامُ يعني إدغامَ اللام مع الطاء والصاد وأخواتِهما جائزٌ وليس ككثرتِه مع الراء، لأنَّ هذه الحروفَ تراخَيْن عنها وهي من الثنايا «قال:» وجوازُ الإِدغام لأن آخرَ مخرجِ الام قريبٌ من مَخْرجها. انتهى «. وقال أبو البقاء عبارةً توضِّح ما تقدَّم وهي:» لأن الصاد فيها انبساطٌ وفي اللام انبساطٌ، بحيث يتلاقى طرفاهما فصارا متقاربين «وقد تقدَّم إعراب قولِه: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [البقرة: ١٣٥] فأغنى عن أعادته.
١٣٥٥ - فَظَلَّ طُهاةٌ اللحم من بين مُنْضِجٍ | صَفيفَ شِواءٍ أو قديرٍ مُعَجَّلٍ |
١٣٥٧ - وإنَّ حَراماً أَنْ أَسُبَّ مجاشعاً | بآبائيَ الشُمِّ الكرامِ الخَضَارمِ |
ثم في تسميتها بذلك أوجهٌ، فقال ابن الأنباري: «سُمِّيَتْ بذلك لقلة مائها وزرعها وقلة خِصْبها، فهي مأخوذةٌ من» مَكَكْتُ العظمَ «إذا لم تترك فيه شيئاً. وقيل: لأنَّ مَنْ ظلم فيها مَكَّه الله أي استقصاه بالهلاك. وقيل: لأنها وسط الأرضِ كالمخ وسطَ العظم، وهذا قولُ الخليل بن أحمد، وهو حسن. والمَكُّوك كأس يُشْرب به ويُكال به كالصُّواع.
قوله: ﴿مُبَارَكاً وَهُدًى﴾ حالان: إمَّا من المضمرِ في» وُضِع «كذا أعربه أبو البقاء وغيرُه، وفيه نظرٌ، مِنْ حيث إنه يَلْزَمُ الفصلُ بين الحال وبين العامل فيها بأجنبي، وهو خبر إنَّ، وذلك غير جائز لأنَّ الخبرَ معمولٌ لإِنَّ، فإنْ أضْمَرْتَ عاملاً وهو» وُضِع «بعد» للذي ببكة «أي و» وُضِع «جاز، والذي حَمل على ذلك ما يعطيه تفسير أمير المؤمنين من أنه وُضع بهذا القيد.
والبركة: الزيادةُ، يقال: باركَ الله لك أي: زادَك خيراً، وهو متعدٍّ، ويَدُلُّ عليه: ﴿أَن بُورِكَ مَن﴾ [النمل: ٨] ويُضَمَّنُ معنى [ما يتعدى] بعلى كقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ [الصافات: ١١٣]. و «تبارَكَ» لا يَتَصَرَّف ولا يُسْتعمل مسنداً إلا الله تعالى، ومعناه في حَقِّه تعالى: تزايَدَ خيرُه وإحسانه، وقيل: البَرَكَةُ ثبوتُ الخيرِ، مأخوذٌ من مَبْرَك البعير. وإمَّا من الضميرِ المستكنِّ في الجار، وهو «ببكة» لوقوعِه صلةً، والعاملُ فيها الجارُّ بما تضمَّنه من الاستقرارِ أو العاملُ في الجار، ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على إضمارِ فعلِ المدح أو على الاختصاصِ، ولا يَضُرُّ كونُه نكرةً، وقد تقدَّم دلائل ذلك. و «للعالمين» كقوله: ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: ٢] أولَ البقرة.
قوله: ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ فيه أوجه، أحدها أنَّ «مقام» بدلٌ من «آيات»، وعلى هذا يُقال: إنَّ النحويين نَصُّوا على أنه متى ذُكِرَ جمعٌ لا يُبْدَلُ منه إلا ما يُوَفِّي بالجمع فتقول: «مررت/ برجالٍ زيدٍ وعمرٍو وبكر» لأنَّ أقلَّ الجَمْعِ الصحيح ثلاثةٌ، فإن لم يُوفِّ قالوا: وَجَبَ القطعُ عن البدلية: إمَّا إلى النصب بإضمارِ فعلٍ، وإمّا إلى الرفعِ على مبتدأٍ محذوفٍ الخبر، كما تقولُ في المثال المتقدم: «زيداً وعمراً» أي أعني زيداً وعمراً، أو «زيد وعمرو» أي: منهم زيد وعمرو، ولذلك أعربوا قولَ النابغة الذبياني:
١٣٥٨ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها | لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ |
رَمادٌ ككحلِ العَيْن لأْياً أُبينه | ونُؤْيٌ كجِذْم الحَوْضِ أَثْلَمُ خاشعُ |
وفيه أجوبةٌ، أحدُها: أنَّ أقلَّ الجمع اثنان كما ذهب إليه بعضهم، قال الزمخشري: «ويجوزُ أن يُراد: فيه آيات: مقامُ إبراهيم وأمنُ مَنْ دخله، لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة». الثاني: أن «مقام إبراهيم» وإن كان مفرداً لفظاً إلا أنه يَشْتمل على آياتٍ كثيرة، لأنَّ القدمين في الصخرةِ الصَمَّاءِ آيةٌ، وغَوْصُهُمَا فيها إلى الكعبين آية، وإلانَةُ بعضِ الصخرةِ دونَ بعض آية، وإبقاؤه على مَرّ الزمان، وحفظُه من الأعداء آية، واستمرارُه دون آيات سائر الأنبياء خلا نبيِّنا صلى الله عليه وعلى سائرهم آيةٌ، قال معناه الزمخشري. الثالث: أن يكونَ هذا من باب الطَيّ، وهو أن يُذْكَرَ جمعٌ ثم يُؤْتَى ببعضِه ويُسْكَتَ على ذِكْر باقيه لغرضٍ للمتكلم ويسمى طَيَّاً، وأنشد الزمخشري عليه قول جرير:
١٣٥٩ - كانَتْ حُنَيْفَةُ أثلاثاً فثُلْثُهُمُ | مِنَ العبيدِ وثُلْثٌ مِنْ مَواليها |
الوجه الثاني: أن يكونَ «مقامُ إبراهيم» عطفَ بيان، قاله الزمخشري وردَّ عليه الشيخ هذا مِنْ جهةِ تَخَالُفِهما تَعْريفاً وتنكيراً فقال: «قوله مخالف لإِجماع البصريين والكوفيين فلا يُلتفت إليه، وحكمُ عطفِ البيان عند الكوفيين حكمُ النعتِ فَيُتْبِعون النكرةَ النكرةَ والمعرفةَ المعرفةَ، وتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي، وأمّا البصريون فلا يجوز عندهم إلا أن يكونا معرفتين، ولا يجوزُ أن يكونا نكرتين، وكلُّ شيء أورده الكوفيون مِمَّا يُوهم جوازَ كونِه عطفاً جعلَه البصريونَ بدلاً، ولم يَقُمْ دليلٌ للكوفيين». قلت: وهذه المسألةُ ستأتي إنْ شاءَ
ولَمّا أعرب الزمخشري مقامَ إبراهيم وأَمْنَ داخِله بالتأويل المذكور اعتَرَضَ على نفسِه بما ذكرْتُه مِنْ إبدال غيرِ الجمع من الجمعِ، وأجاب بما تقدَّم، واعترض أيضاً على نفسه، بأنه كيف تكون الجملةُ عطفَ بيان للأسماء المفردة؟ فقال: «فإنْ قلت: كيف أَجَزْتَ أن يكونَ مقامُ إبراهيم والأمنُ عطفَ بيان، وقولُه ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ جملةٌ مستأنفةٌ: إمَّا ابتدائيةٌ وإمَّا شرطيةٌ.
قلت: أَجَزْتُ ذلك من حيث المعنى، لأن قوله ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ دلَّ على أَمْنِ مَنْ دخله، فكأنه قيل: «فيه آياتٌ بينات: مقامُ إبراهيم وأَمْنُ مَنْ دخله» ألا ترى أنك لو قلت: «فيه آيةٌ بَيِّنَةٌ: مَنْ دَخَله كان آمناً» صَحَّ، لأن المعنى: فيه آيةٌ بينةٌ أَمْنُ مَنْ دَخَلَه «. قال الشيخ:» وليس بواضحٍ لأنَّ تقديرَه وأَمْنُ الداخل هو مرفوعٌ عطفاً على/ «مقام إبراهيم» وفَسَّر بهما الآياتِ، والجملةُ من قوله: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ لا موضعَ لها من الإِعراب فَتدافَعا، إلاَّ إن اعتقد أن ذلك معطوفٌ محذوفٌ يَدُلُّ عليه ما بعده، فيمكن التوجيهُ، فلا يُجْعَلُ قولُه ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ في معنى «وأَمْنُ داخِلِه» إلا من حيثُ تفسيرُ المعنى لا تفسيرُ الإِعراب «وهي مُشاحَّةٌ لا طائلَ تحتها، ولا تدافُعَ فيما ذَكَر، لأنَّ الجملة متى كانَتْ في تأويلِ المفردِ صَحَّ عطفُها عليه، ثم المختارُ أن يكونَ قولُه» مقام إبراهيم «خبرَ مبتدأ مضمرٍ، لا كما قَدَّروه حتى يلزمَ الإِشكالُ المتقدم، بل تقدِّرُه: أحدها مقام إبراهيم، وهذا هو الوجه
وقرأ أُبَيٌ وعمرُ وابن عباس وأبو جعفر ومجاهد:» آيةٌ بينة «بالتوحيد، وتخريجُ» مقام «على الأوجه المتقدمة سهلٌ: مِنْ كونها بدلاً أو بياناً عند الزمخشري، أو خبرَ مبتدأ محذوف، وهذا البدل متفق عليه؛ لأن البصريين يُبْدِلون من النكرةِ مطلقاً، والكوفيون لا يُبْدِلون منها إلا بشرطِ وصفِها وقد وُصِفَتْ.
قوله: ﴿مَنِ استطاع﴾ فيه ستة أوجه، أحدها أنَّ» مَنْ «بدلٌ من» الناس «بدلُ بعضٍ من كل، وبدلُ البعضِ وبدلُ الاشتمالِ لا بد في كلٍّ منهما مِنْ ضميرٍ يعودُ على المُبْدَلِ منه نحو: أَكْلْتُ الرغيفَ ثلثَه، وسُلِب زيدٌ ثوبُه، وهنا ليس ضميرٌ، فقيل: هو محذوفٌ تقديره: مَنْ استطاع منهم. الثاني: أنه بدلُ كلٍ مِنْ كل، إذ المرادُ بالناس المذكورين خاصٌّ، والفرقُ بين هذا الوجهِ والذي قبله أنَّ الذي قبلَه يُقال فيه: عامٌّ مخصوصٌ، وهذا يُقالُ فيه: عامٌّ أُريد به الخاصُّ، وهو فرقٌ واضح، وهاتان العبارتان مأخوذتان مِنْ عبارة الإِمام الشافعي رضي الله عنه. الثالث: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو مَنْ استطاع. الرابعُ: أنَّها مصدريةٌ بإضمارِ فعلٍ أي: أعني مَن استطاع، وهذان الوجهان في الحقيقة مأخوذان من وجهِ البدل، فإنَّ كلَّ ما جاز إبدالُه ممَّا قبله جاز قَطْعُه إلى الرفع أو النصب المذكورين آنفاً. الخامس: أنَّ» مَنْ «فاعلٌ بالمصدرِ وهو» حَجٌّ «والمصدرُ مضاف لمفعوله، والتقدير: ولله على الناس أن
١٣٦٠ - أَفْنَى تِلادي وما جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ | قَرْعُ القواقيزِ أفواهُ الأباريقِ |
وقوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر وهو قوله «لله»، و «على الناس» متعلقٌ بما تَعَلَّق [به] الخبر/ أو متعلق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في الجار، والعامل فيه أيضاً ذلك الاستقرار المحذوف، ويجوز أن يكونَ «على الناس» هو الخبرَ، و «لله» متعلقٌ بما تعلَّق به الخبرُ، ويمتنع فيه أن يكونَ حالاً من الضمير في «على الناس» وإن كان العكسُ جائزاً كما تقدم، والفرقُ أنه يلزم هنا تقديمُ الحالِ على العاملِ المعنوي، والحالُ لا تتقدَّم على العامل المعنوي بخلافِ الظرف وحرفِ الجر فإنهما يتقدَّمان على عامِلهما المعنوي للاتساع فيهما، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك يُجَوِّزُ تقديمها على العامل المعنوي إذا كانت هي ظرفاً أو حرف جر والعاملُ كذلك، ومسألتنا في الآيةِ الكريمةِ من هذا القبيل.
وقرأ الأخوان وحفص عن عاصم: «حِج» بكسر الحاء، والباقون بفتحها، فقيل: لغتان بمعنى، والكسرُ لغة نجد والفتح لغة أهل العالية، وفَرَّق سيبويه فَجَعَلَ المكسور مصدراً أو اسماً للعمل، وأما المفتوحُ فمصدرٌ فقط.
وقد تقدَّم في البقرة أنه قرىء في الشاذ بكسر الحاء، وتكلَّمْتُ هناك على هاتين اللفظتين وما ذَكَرَ الناسُ فيهما واشتقاقِ المادة فأغنى عن إعادتِهِ ولله الحمد والمِنَّةُ.
وقد جِيء في هذه الآية بمبالغاتٍ كثيرة منها قوله: {وَللَّهِ عَلَى الناس
والألفُ واللام في «البيت» للعهدِ لتقدُّم ذِكْرِه، وهو عَلَمٌ بالغلَبَة كالثريا والصَّعِق، فإذا قيل «زار البيت» لم يتبادرِ الذهنُ إلا إلى الكعبة شَرَّفها الله تعالى، وقال الشاعر:
١٣٦١ - لَعَمْرِي لأنت البيتُ أُكْرِمُ أهلَه | وأَقْعُدُ في أَفْنَائِهِ بالأَصائلِ |
قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ الشرطيةَ وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ تكونَ الموصولةَ، ودَخَلَتِ الفاءُ شَبهاً للموصولِ باسمِ الشرطِ وقد تقدَّم تقريرهُ غيرَ مرةٍ، ولا يَخْفَى حالُ الجملتين بعدَها بالاعتبارين المذكورين. ولا بُدَّ من رابطٍ بين
والعامة على «تَصُدُّون» بفتح التاء من صَدَّ يَصُدُّ ثلاثياً، ويستعمل لازماً ومتعدياً. وقرأ الحسن: «تُصِدُّون» بضمِّ التاء من أَصَدَّ مثل أَعَدَّ، ووجهُه أَنَّ يكونَ عَدَّى «صَدَّ» اللازم بالهمزة، قال ذو الرمة:
١٣٦٢ - أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيفِ عنهمُ | ........................... |
١٣٦٣ - فَتَولَّى غلامُهمْ ثم نادى | أَظَلِيماً أَصِيدُكم أَمْ حِمارا |
والثاني: أنه حالٌ من فاعل» يَبْغُونَها «وذلك أَنْ يُرادَ ب» تَبْغُون «معنى تتعَدَّوْن، والبَغْيُ التعدِّي، والمعنى: تَبْغُون عليها أو فيها. قال الزجاج:» كأنه قال: تَبْغُونها ضالِّين «.
والعِوَج بالكسر والعَوَج بالفتح المَيْلُ، ولكنَّ العرب فَرَّقوا بينهما، فَخَصُّوا المكسورَ بالمعاني والمفتوحَ بالأعيانِ، تقول: في دينه وكلامِه عِوَجٌ بالكسر، وفي الجِدارِ عِوَجٌ بالفتح. قال أبو عبيدة:» العِوَج بالكسر المَيْلُ في الدين والكلام والعمل، وبالفتح في الحائط والجذع «وقال أبو إسحاق:» بالكسر فيما لا ترى له شخصاً، وبالفتح فيما له شخصٌ وقال صاحب «المجمل» :
وقد سأل الزمخشري في سورة طه عند قوله ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٧] حاصلُه يرجع إلى أنه كيف قيل: عِوَج بالكسر في الأعيان، وإنما يقال في المعاني؟ وأجاب هناك بجواب حسن سيأتي بيانه إن شاء الله، والسؤال إنما يجيء على قول أبي عبيدة والزجاج المتقدم، وأمَّا على قول ابن فارس والراغب فلا يَرِدُ.
ومِنْ مجيءِ العِوَج بمعنى الميل من حيث الجملةُ قولُه:
١٣٦٤ - تَمُرُّون الديارَ ولم تَعُوجوا | كلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرامُ |
١٣٦٥ - عُوجا على الطَّلَلِ المُحيل لأننا | نبكي الديارَ كما بكى ابنُ حِذَامِ |
١٣٦٦ - فجاءَتْ كخاصِي العَيْر لم تَحْلَ جاجةً | ولا عاجةً منها تلوحُ على وَشْمِ |
ويقال: عاجَ بالمكانِ وعَوَج به أي: أقام وقطن وفي حديث اسماعيل عليه السلام: «ها أنتم عَائجون» أي مقيمون، وأنشدوا لجرير:
١٣٦٧ - هَلَ انتم عائِجُونَ بِنَا لَغَنَّا | نَرَى العَرَصاتِ أو أثرِ الخيامِ |
١٣٦٨ - فلا تَبْعَدْ فكلُّ فتى أُناسٍ | سيصبحُ سالكاً تلك السَّبيلا |
١٣٦٩ - رَمَى الحَِدْثانُ نسوةَ آلِ حرب | بمِقْدَارٍ سَمَدْن له سُمودا |
فَرَدَّ شعورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً | ورَدَّ وجوهَهن البِيضَ سُودا |
١٣٧٠ - لو أَنَّ عُصْمَ عَمايتين ويَذْبُلٍ | سمعا حديثك................. |
وقوله: ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ جوابُ الشرطِ، وجِيء في الجواب ب «قد» دلالةً على التوقُّعِ لأنَّ المعتصِمَ متوقعُ الهداية.
قوله: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ هو نَهْيٌ في الصورة عن مَوْتهم إلاَّ على هذه الحالة، والمرادُ دوامُهم على الإِسلام، وذلك أن الموتَ لا بُدَّ منه، فكأنه قيل: دُوموا على الإِسلام إلى الموت، وقريبٌ منه ما حكى سيوبيه:» لا أُرَيَنَّك ههنا «أي لا تكنْ بالحضرةِ فتقَعَ عليك رؤيتي. والجملةُ مِنْ قولِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ في محل نصب على الحال والاستثناءُ مفرغٌ من الأحوالِ العامة أي: لا تموتُنَّ على حالةٍ من سائر الأحوال إلا على هذه الحال الحسنة، وجاء بها جملةً اسميةً لانها أبلغُ وآكد، إذ فيها ضميرٌ متكررٌ، ولو قيل:» إلاَّ مسلمين «لم يُفِدْ هذا التأكيدَ، وتقدَّم إيضاحُ هذا التركيب في البقرة عند قولِه
١٣٧١ - وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةً | أَخَذَتْ من الأخرى إليكَ حِبالَها |
١٣٧٢ - ما زِلْتُ معتصِماً بحبلٍ منكُم | .......................... |
وقوله: ﴿نِعْمَةَ الله﴾ مصدرٌ مضاف لفاعله إذ هو المُنْعِم، و «عليكم» يجوز أَنْ يكونَ متعلقاً بنفس «نعمة» لأنَّ هذه المادَة تتعدَّى ب «على» [نحو:] ﴿للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ويجوز أَن يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حال من «نعمة» فيتعلَّقُ بمحذوفٍِ أي: مستقرة وكائنة عليكم.
قوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ﴾ «إذ» منصوبةٌ بنعمة ظرفاً لها، ويجوزُ أَنْ يكون متعلقاً بالاستقرارِ الذي تضمَّنه «عليكم» إذا قلنا: إنَّ «عليكم» حالٌ من النعمة، وأمَّا إذا عَلَّقْنا «عليكم» بنعمة تَعَيَّن الوجُه الأول. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ منصوباً باذكروا، يعني مفعولاً به لا أنه ظرفٌ له لفسادِ المعنى، إذ «اذكروا» مستقبلٌ، و «إذ» ماضٍ.
قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أصبحَ من أخواتِ «كان» فإذا كانَتْ ناقصة كانت مثلَ «كان» في رفعِ الاسمِ ونَصْبِ الخبر، وإذا كانَتْ تامةً رفَعَتْ فاعلاً واستغنَتْ به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح تقول: «أصبحَ زيد» أي دخل في الصباح، ومثلُها في ذلك «أمسى»، قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] وفي أمثالهم: «إذا سَمِعْتُ بسُرى القَيْن فاعلَمْ
١٣٧٣ - فَأَصْبحوا كأنَّهم ورقٌ جَفْ | فَ فَأَلْوَتْ به الصَّبا والدَّبُورُ |
و «بنعمته» متعلِّقٌ ب «إخْواناً»، لِما فيه مِنْ معنى الفعلِ أي: تآخيتم بنعمتِه، والباءُ للسببيةِ. وجَوَّز الشيخُ أَنْ يتعلَّق بأصبحتم، وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف، وجوَّز غيرُه أَنْ يَتَعلَّق بمحذوف على أنه حال من فاعل «أصبحتم» أي: فأصبحتم إخواناً ملتبسين بنعمته، أو حال من «إخواناً» لأنه في الأصل صفةٌ له. وجَوَّزوا أَنْ يكونَ «بنعمته» هو الخبرَ، و «إخواناً» حالٌ، والباءُ بمعنى الظرفية، وإذا كانت بمعنى «صار» جَرَى فيها ما تقدَّم من جميع هذه الأوجه، وإذا كانت تامةً فإخواناً حالٌ، و «بنعمتِه» فيه ما تقدَّم من الأوجهُ خلا الخبريةِ.
١٣٧٤ - أَصْبَحْتُ لا أَحْمِلُ السِّلاح ولا | أَمْلِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نفرا |
والإِخْوان: جمع أَخٍ، وإخوة اسمُ جمعٍ عند سيبويه وعند غيرِه هي جمع. وقال بعضُهم: «إنَّ الأَخَ في النسَب يُجْمع على» إخوة «، وفي الدِّين على» إخْوان «، هذا أَغلبُ استعمالِهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ونفسُ هذه الآية تؤيد ما قاله لأن المراد هنا ليس إخوة النسب إنما المرادُ إخوةُ الدين والصداقة، قال أبو حاتم:» ثم قال أهلُ البصرة: الإِخوةُ في النسبِ والإِخْوان في الصداقة «قال:» وهذا غَلَط، يقال للأصدقاء والأنسباء
قوله: ﴿على شَفَا﴾ شفا الشيء: طرفُه وحَرْفُه، وهو مقصورٌ من ذواتِ الواو، يُثَنَّى بالواو نحو: شَفَوَيْن، ويُكتب بالألف، ويُجْمع على أَشْفاء، ويُستعمل مضافاً إلى أعلى الشيء وإلى أسفله، فمِن الأول: ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] ومن الثاني هذه الآية، وأشفى على كذا أي: قَارَبه، ومنه أَشْفى المريضُ على الموت، قال يعقوب: «يُقال للرجلِ عند موتهِ، وللقمر عند محاقِه، وللشمسِ عن غروبها:» ما بَقي منه أو منها إلا شفا «أي: إلا قليلٌ». وقال بعضهم: يُقال لِما بين الليلِ والنهارِ عند غروبِ الشمسِ إذا غاب بعضُها: شفا، وأنشد:
١٣٧٥ - أَدْرَكْتُه بلا شَفا أو بشَفا | والشمسُ قد كادَتْ تكونُ دَنِفا |
وأمَّا عَوْدُ الضميرِ في «منها» ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنه عائدٌ على «حفرة».
١٣٧٦ - أرى مَرَّ السنين أَخَذْنَ مني | كما أخَذَ السِّرارُ مِن الهلال |
قال الواحدي: «على أنه يجوزُ أَنْ يَذْكُرَ المضافُ والمضافُ إليه ثم تعودَ الكنايةُ إلى المضافِ إليه دونَ المضاف، كقول جرير:» أرى مرَّ السنين أخَذْنَ «البيت. فَذَكَر مَرَّ السنين، ثم أخبر عن السنين، وكذلك قول العَجَّاج:
١٣٧٧ - طولُ الليالي أَسْرَعَتْ في نَقْضِِي | طَوَيْنَ طولي وَطَوَيْنَ عَرْضي |
والإِنقاذُ: التخليصُ والتنحية، قال الأزهري:» يقال أَنْقَذْتُه ونَقَذْتُه واستنقَذْتُه وتَنَقَّذْتُه بمعنىً، ويقال: «فرسٌ نقيذٌ» إذا كان مأخوذاً من قومٍ آخرين لأنه استُنْقِذَ منهم، والحُفْرة: فُعْلَة بمعنى مَفْعُولة كغُرْفَة بمعنى مَغْروفة.
وقوله: ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوف أو حالٌ من ضميره أي:
وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ من باب ذكر الخاص بعد العلم اعتناءً به كقوله: ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] لأن اسم الخير يقعُ عليهما بل هما أعظمُ الخيور. وقوله: ﴿جَآءَهُمُ البينات﴾ لم يؤنِّثِ الفعلَ للفصلِ ولكونِه غيرَ حقيقي بمعنى الدلائل.
وقرأ يحيى بن وثاب وأبو نُهَيْك وأبو رزين العقيلي: «تِبْيَضُّ وتِسْوَدُّ» بكسر التاء وهي لغةُ تميم، وقرأ الحسن والزهري وابن محيصنِ وأبو الجوزاء: «تَبياضُّ وتَسوادُّ» بألف فيهما، وهي أبلغ فإنَّ «ابياضَّ» أدلُّ على اتصافِ الشيء بالبياضِ من ابيضَّ، ويجوز كسرُ حرفِ المضارعة أيضاً مع/ الألفِ، إلا أنِّي لا أَنْقُلُه قراءةً لأحد.
قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ بقولٍ مضمر، وذلك القولُ المضمرُ مع فاءٍ مضمرةٍ أيضاً هو جوابُ أمّا، وحَذْفُ الفاءِ مع القول مُطَّردٌ، وذلك أنَّ القولَ يُضمر كثيراً كقوله تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ﴾ [الزمر: ٣] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: ١٢٧] وأمَّا حذْفُها دونَ إضمار القول فلا يجوز إلا في ضرورةٍ كقوله:
١٣٧٨ - فأمَّا القتالُ لا قِتالَ لديكُمُ | ولكنَّ سيراً في عِراضِ المواكبِ |
قال الشيخ: «وهو كلامُ أديبٍ لا كلامُ نحوي، أمَّا قولُه:» قد اعتُرِض على النحاة «فيكفي في بُطْلان هذا الاعتراضِ أنه اعتراضٌ على جميع النحاة، لأنه ما من نحوي إلاَّ ويَخْرِّج الآيةَ على إضمارِ فيقال لهم: أكفرتم، وقالوا: هذا هو فحوى الخطاب: وهو أن يكون في الكلام شيءٌ مقدرٌ لا يَسْتَغني المعنى عنه، فالقولُ بخلافِه مُخالِفٌ للإِجماع فلا التفاتَ إليه.
فأمَّا ما اعترض به من قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾ وأنه قَدَّروه: فيقال لهم: أفلم تكن آياتي، فَحَذَف «فيقال» ولم يَحْذِف الفاءَ فَدَلَّ على بُطْلان هذه التقدير «فليس بصحيحٍ، بل هذه الفاءُ التي بعد الهمزة في» أفلم «ليست فاءَ» فيقال «التي هي جوابُ» أمَّا «حتى يُقَالَ حَذَف» يقال «وبقيت الفاءُ، بل الفاءُ التي هي
١٣٧٩ - يموتُ أُناسُ أو يَشيبُ فتاهُمُ | ويَحْدُثُ ناسٌ والصغيرُ فكيبُرُ |
١٣٨٠ - لَمَّا اتَّقى بيدٍ عظيمٍ جِرْمُها | فَتركْتُ ضاحِي كَفِّه يَتَذَبْذَبُ |
١٣٨١ - أراني إذا ما بِتُّ بِتُّ على هوى | فَثُمَّ إذا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ غادِيا |
وقولُ هذا الرجلِ:» فَلَمَّا بَطَلَ هذا تعيَّن أن يكون الجوابُ: فذوقوا «أي تعيَّن بطلانُ حَذْف ما قدَّره النحويون من قوله» فيقال لهم «لوجودِ هذه الفاء في» أفلم تكن «وقد بيَّنَّا أن ذلك التقدير لم يبطل وأنه سواء في الآيتين، وإذا كان كذلك فجواب» أمَّا «هو:» فيقال «في الموضعين ومعنى الكلام عليه. وأمْا تقديره:» أأهملتكم فلم تكن آياتي تُتْلَى «فهذه بدعة زمخشرية، وذلك أن الزمخشري يُقَدِّر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلاً يَصِح عطفُ ما بعدها عليه، ولا يَعْتقد أنَّ الفاء والواو وثم إذا دَخَلَتْ عليها الهمزةُ أَصلُهُنَّ التقديمُ على الهمزة، لكن اعتُنِيَ بالاستفهامِ فَقُدِّم على حرف العطف، كما ذهب إليه سيبويه وغيرُه من النحويين. وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة/ في ذلك، وبُطْلانُ قولِه الأول مذكورٌ في النحو، وقد تقدم في هذا الكتاب حكايةُ مذهبِ الجماعة في ذلك، وعلى تقدير قول هذا الرجل» أهملتكم «فلا بد من إضمارِ القولِ وتقديرِه: فيقال أأهملتكم، لأنَّ هذا المقدَّرَ هو خبر المبتدأ، والفاءُ جوابُ أمَّا، وهو الذي يدل عليه الكلامُ ويقتضيه ضرورةً، وقولُ هذا الرجل:» فوقع ذلك جواباً له ولقولِهِ: أكفرتم «يعني أنَّ» فذوقوا العذاب «جوابٌ ل» أمَّا «ولقولِهِ» أكفرتم «والاستفهامُ هنا لا جوابَ له إنما هو استفهام على طريق التوبيخ والإِرذال بهم.
وأمَّا قولُ هذا الرجل: «ومِنْ نظم العرب إلى آخره» فليس كلامُ العرب على ما زعم بل يُجْعل لكلٍّ جوابٌ، إن لا يكن ظاهراً فمقدرٌ، ولا يجعلون لهما جواباً واحداً. وأما دعواه ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ الآية وزعمُه أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾
وقوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ الهمزةُ فيه للإِنكارِ عليهم والتوبيخِ لهم والتعجيب من حالهم، وفي قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ نوعٌ من الالتفاتِ وهو المُسَمَّى عند علماء البيان بتلوينِ الخطاب، وذلك أنَّ قولَه: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾ في حكم الغيبة، وقولُه بعد ذلك: ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ خطابُ مواجهة.
١٣٨٢ - حَتَّى [تراها] وكأنَّ وكأنْ | أعناقَها مُشَدَّدَاتٌ بِقَرَنْ |
١٣٨٣ - فلا واللهِ لا يُلْفَى لِما بي | ولا لَلِما بهمْ أبداً دواءُ |
١٣٨٤ - فَأَصْبَحْنَ لاَ يَسْأَلْنَنِي عن بما به | ....................... |
والثاني: أنَّ قولَه: ﴿فَفِي رَحْمَةِ﴾ خبرٌ لمبتدأٍ مضمرٍ، والجملة بأسرها جوابُ «أمَّا» والتقديرُ: فهم مستقرون في رحمةِ الله، وتكون الجملَةُ بعدَه مِنْ قولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ جملةً مستقلةً من مبتدأ وخبرٍ دَلَّتْ على أنَّ الاستقرارَ في الرحمةِ على سبيلِ الخلود، فلا تَعَلُّقَ لها بالجملةِ قبلَها من حيثُ الإِعرابُ.
قال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيفَ موقعُ قولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ بعد قولِهِ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ الله﴾ ؟ قلت: موقعُ الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يَظْعَنُون عنها ولا يموتون».
وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر «اسوادَّتْ وابياضَّتْ» بألف، وقد تقدَّم أن قراءتَهما: تَبياضُّ وتَسْوَادُّ وهذا قياسُها. وأصلُ افْعَلَّ هذا أن يكون دالاً على لون أو عيب حسي كاعْوَرَّ واسْوَدَّ واحْمَرَّ، وألاَّ يكون من مضعفٍ كأُحِمَّ، ولا معتلِّ اللام كَأَلْهى، وألاَّ يكونَ للمطاوعة، ونَدَر «أنهارَّ الليل» و «اشْعارَّ الرجل» أي تفرَّق شعره، إذ لا دلالة فيهما على عيب ولا لون، ونَدَرَ أيضاً «ارعَوَّى» فإنه معتلُّ اللام مطاوعٌ ل «رَعَوْتُه» بمعنى كففته، وليس دالاًّ على عيبٍ
وقوله: ﴿فَذُوقُواْ﴾ من بابِ الاستعارة، جَعَلَ العذابَ شيئاً يُدْرَكُ بحاسة الأكل والذوق تصويراً له بصورةِ ما يُذاق. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباءُ سببيةٌ، و «ما» مصدريةٌ ولا تكونُ بمعنى الذي لاحتياجِها إلى العائد، / وتقديرُهُ غيرُ جائزٍ لعدمِ الشروطِ المجوِّزَةِ لحَذْفِهِ.
وقال الزجاج: «في الكلام حذفٌ تقديرُه: تلك آياتُ القرآن حُجَجُ اللهِ ودلائلُه». قال الشيخ: «فعلى هذا الذي قَدَّره يكون خبرُ المبتدأ محذوفاً
وقرأ العامة: «نَتْلوها» بنونِ العظمة وفيه التفاتٌ من الغَيْبة إلى التكلم. وقرأ أبو نُهَيك «يتلوها» بالياءِ من تحتُ، وفيه احتمالان، أحدهما: أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ الباري تعالى لتقدُّم ذِكْرِه قي قوله: ﴿آيَاتُ الله﴾ ولا التفاتَ في هذا التقديرِ بخلافِ قراءةِ العامة. والثاني: أن يكونَ الفاعل ضميرَ جبريل.
قوله: ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ اللامُ زائدةٌ لا تعلَّق لها بشيءٍ، زِيدت في مفعولِ المصدرِ وهو ظلم. والفاعلُ محذوفٌ، وهو في التقدير ضميرُ الباري تعالى، والتقدير: وما اللهُ يريد أن يَظْلِمَ العالمين، فزيدت اللامُ تقويةً للعامل لكونِه فرعاً كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وقيل: معنى الكلام: وما اللهُ يريدُ ظلمَ العالمين بعضَهم لبعض. ورُدَّ هذا بأنه لو كان المرادُ هذا لكان التركيبُ ب «مِنْ» أولى منه باللام، فكان يقال «ظُلماً من العالمين» فهذا معنى يَنْبُو عنه اللفظُ. ونَكَّرَ «ظلماً» لأنه سياقِ النفي، فهو يَعُمُّ كلَّ نوعٍ من الظلمِ.
الثاني: أنها بمعنى «صِرْتُم» و «كان» تأتي بمعنى «صار» كثيراً كقوله:
١٣٨٥ - بتيهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها | قَطَا الحَزْنِ قد كانَتْ فِراخا بيوضُها |
الثالث: أنها تامةٌ بمعنى وُجِدْتُم، و «خيرَ أمة» على هذا منصوبٌ على الحال أي: وُجدتم في هذه الحال.
الخامس: أنها على بابِها، والمرادُ: كنتم في علمِ الله، أو في اللوح المحفوظ.
السادس: أن هذه الجملةَ متصلةٌ بقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ الله﴾ أي: فيُقال: لهم في القيامة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، وهو بعيدٌ جداً.
قوله: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ يجوزُ في هذه الجملة أن تكونَ في محلِّ جر نعتاً ل «أمة» وهو الظاهرُ، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ نعتاً ل «خير»، وحينئذٍ يكونُ قد رُوعي لفظُ الاسمِ الظاهر بعد ورودِهِ بعد ضمير الخطاب، ولو رُوعي ضميرُ الخطاب لكان جائزاً أيضاً، وذلك أنه إذا تقدَّم ضميرُ حاضرٍ متكلماً كان أو غائباً، ثم جاء بعده خبرُه اسماً ظاهراً، ثم جاء بعد ذلك الاسمِ الظاهرِ ما يصلُح أن يكونَ وصفاً له كان للعرب فيه طريقان، إحداهما: مراعاةُ ذلك الضميرِ السابق فيطابقهُ بما في تلك الجملةِ الواقعةِ صفةً للاسم/ الظاهر، والثانية: مراعاةُ ذلك الاسمِ الظاهر فيعيدُ الضميرَ عليه منها غائباً، وذلك [نحو] قولك: «أنتَ رجلٌ تأمرُ بمعروفٍ» بالخطابِ مراعاةً ل «أنت»، و «يأمر» بالغَيْبَةِ مراعاةَ ل «رجل»، «وأنا امرؤ أقولُ الحق» بالمتكلم مراعاةً ل «أنا» و «يقولُ الحقَّ» مراعاةً لامرىء. ومن مراعاةِ الضمير قولُه تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧]، وقوله «وإنك امرؤٌ فيك جاهلية»
١٣٨٦ - وأنت امرؤٌ قد كَثَّأَتْ لك لِحْيَةٌ | كأنك منها قاعدٌ في جُوالِقِ |
قوله: «للناسٍ» فيه أوجه، أحدُها: أَنْ يتعلَّقَ ب «أُخْرجت»، والثاني: أن يتعلَّق ب «خير» والفرقُ بينهما من حيث المعنى أنه لا يلزَمُ أن يكونوا أفضلَ الأمم في الوجهِ الثاني من هذا اللفظ، بل من موضعٍ أخر. والثالث: أنه متعلقٌ من حيثُ المعنى لا من حيث الإِعراب ب «تأمرون» على أنَّ مجرورَها مفعولٌ به، فلمَّا قُدِّمَ ضَعُفَ العاملُ فَقَوِيَ بزيادةِ اللام كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أي: تَعْبُرون الرويا.
قوله: «تأمرون» في هذه الجملةِ أوجهُ أحدُها: أنها خبرٌ ثان ل «كنتم»، ويكون قد راعى الضميرَ المتقدم في «كنتم»، ولو راعى الخبرَ لقال: «يأمرون» بالغيبةِ، وقد تقدَّم تحقيقُهُ. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، قاله الراغب وابن عطية. الثالث: أنها في محلِّ نصب نعتاً لخير أمة، وأتى بالخطابِ لِما تقدَّم، قاله الحوفي. الرابع: أنها مستأنفةٌ بَيَّنَ بها كونَهم خيرَ أمة، كأنه قيل: السببُ في كونِكم خيرَ الأممِ هذه الخصالُ الحميدة، وهذا أغربُ الأوجه.
١٣٨٧ - إذا نُهِي السَّفيهُ جَرَى إليه | وخالفَ والسَّفِيهُ إلى خلافِ |
والمُفَضَّلُ عليه محذوفٌ أي: خيراً لهم مِنْ كفرهم وبقائِهم على جهلهم. والمرادُ بالخيرية في زعمهِم: وقال ابن عطية: «ولفظةٌ» خير «صيغةُ تفضيل ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخيرِ، وإنما جاز ذلك لِما في لفظ» خير «من الشِّياع وتشعُّبِ الوجوهِ، وكذلك هي لفظة» أفضل «و» أحب «وما جرى مجراهما». قال الشيخ: «وإبقاؤها على موضوعِها الأصلي أَوْلى إذا أَمْكَنَ ذلك، وقد أَمْكَنَ ذلك إذ الخيريةُ مطلقةٌ فتحصُلُ بأدنى مشاركة».
قوله: ﴿مِّنْهُمُ المؤمنون﴾ إلى آخره: جعل مستأنفة سِيقت للإِخبار بذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ مستأنفٌ، ولم يُجْزَمْ عطفاً على جواب الشرط، لأنه كان يتغير المعنى، وذلك أن الله تعالى أخبر بعدمِ نصرتهم مطلقاً، ولو عطفناه على جواب الشرط للزِم تقييدُه بمقاتلتِهم لنا، وهم غيرُ منصورين مطلقاً: قاتَلوا أَوْ لم يقاتلوا. وزعم بعضُ مَنْ لا تحصيلَ له أن المعطوف على جوابِ الشرط ب «ثم» لا يجوزُ جَزْمُه البتةَ، قال: «لأنَّ المعطوفَ على الجوابِ جوابٌ، وجوابُ الشرطِ يقع بعدَه وعقيبَه، و» ثم «تقتضي التراخيَ فكيف يُتَصَوَّرُ وقوعُه عقيبَ الشرط؟ فلذلك لم يُجْزَم مع» ثم «. وهذا فاسدٌ جداً لقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] ف» لا يكونوا «مجزومٌ نسقاً على» يستبدل «الواقعِ جواباً للشرط والعاطفُ» ثم «. و» الأدبارَ «مفعولٌ ثاني ليولُّوكم، لأنه تعدَّى بالتضعيف إلى مفعول آخرَ.
قوله: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ﴾ هذا الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو استثناءٌ مفرغٌ من الأحوال العامة. قال الزمخشري: «وهو استثناءٌ من عامِّ أعمِّ الأحوال، والمعنى:» ضُرِبَتْ عليهم الذِّلَّةُ في عامة الأحوال إلاَّ في حال
١٣٨٨ - رَأَتْني بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مخافةً | وفي الحبلِ رَوْعاءُ الفؤادِ فَروقُ |
وقال أبو عبيدة: «الواو في» ليسوا «علامةٌ جمعٍ وليست ضميراً، واسمُ» ليس «على هذا» أمةٌ «و» قائمةٌ «صفتها، وكذا» يَتْلُون «، وهذا على لغة» أكلوني البراغيث «كقوله الآخر:
١٣٨٩ - يَلُومونني في اشتراءِ النخي | لِ أَهْلي فكلُّهمُ أَلْوَمُ |
وقال الفراء: «إنَّ الوقف لا يَتِمُّ على» سواء «، فجعل الواوَ اسمَ» ليس «و» سواءً «خبرها، كما قال الجمهور، و» أمة «مرتفعة ب» سواء «ارتفاعَ الفاعل، أي: ليس أهلُ الكتاب مستوياً منهم أمةٌ قائمةٌ موصوفةٌ بما ذُكِر وأمةٌ كافرة، فَحُذِفَتِ الجملةُ المعادِلة لدلالةِ القسمِ الأولِ عليها كقولِ الشاعر:
١٣٩٠ - دعاني إليها القلبُ إني لأَِمْرِها | سميعٌ فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها |
١٣٩١ - أراكَ فما أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتَه | وذو الهَمِّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضائِلُ |
والوجه أن يكونَ «ليسوا سواءً» جملةً تامة، وقولُه: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ﴾ جملةٌ برأسها، وقولُه: ﴿يَتْلُونَ﴾ جملةً أخرى مبيِّنَةً لعدم استوائِهم، كما جاءَتِ الجملةُ مِنْ قولِه:
﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ [آل عمران: ١١٠] إلخ مبيِّنَةً للخيرية. ويجوزُ أن يكونَ «يتلون» في محلِّ رفعٍ صفةً لأمة.
ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من «أمة» لتخصُّصِها بالنعتِ، وأن يكونَ حالاً من الضميرِ في «قائمة»، وعلى كونِها حالاً من «أمة» يكونُ العامل فيها الاستقرارَ الذي تَضَمَّنه الجارُّ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في هذا الجارِّ لوقوعهِ خبراً لأمة.
قوله: ﴿آنَآءَ الليل﴾ ظرفٌ ل «يتلون». والآناء: الساعات، واحدها: «أنَى» بفتح الهمزة والنون بزنة «عَصَا» او «إنَى» بكسر الهمزة وفتح النون بزنة «مِعَى»، أو «أَنْيٌ» بالفتح والسكون بزنة «ظَبْي» أو: إنْيٌ «بالكسر والسكون بزنة» نِحْي «، أو» إنْوٌ «بالكسر والسكون مع الواو بزنة» جِرْو «، فالهمزة في» آناء «منقلبةٌ عن ياء على الأقوالِ الأربعةِ كرِداء، وعن واوٍ على القولِ الأخير، نحو:» كِساء «وستأتي بقيةُ هذه المادةِ في مواضع.
ولا يجوز ُ أن يكونَ» آناء الليل «ظرفاً ل» قائمة «قال أبو البقاء:» لأنَّ «قائمة» قد وُصِفَتْ فلا تعملُ فيهما بعد الصفة «وهذا على التقدير أن يكونَ»
قوله: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يجوزُ أن تكونَ حالاً من فاعلِ» يَتْلُون «أي: يَتْلُون القرآن وهم ساجِدون، وهذا قد يكونُ في شريعتِهم مشروعيةُ التلاوة في السجودِ بخلافِ شريعتنا، وبهذا يُرَجَّح قولُ مَنْ يقول: إنهم غيرُ أمةِ محمد. ويجوز أن تكونَ/ حالاً من الضمير في» قائمة «قاله أبو البقاء. وفيه ضعفٌ للاستئناف المذكور، ويجوز أن تكون مستأنفة.
و «كَفَر» يتعدَّى لواحد، فكيف تعدَّى هنا لاثنين، أولُهما قام مقامَ الفاعل، والثاني: الهاءُ في «يُكْفروه» ؟ فقيل: إنه ضُمِّنَ معنى فعلٍ يتعدَّى لاثنين وهو «حَرَم» فكأنه قِيل: فَلَنْ تُحْرَمُوه، و «حَرَم» يتعدَّى لاثنين.
وقوله: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ خبرُ المبتدأ، وعلى هذا الظاهِر أعني تشبيهَ الشيء المنفَق بالريحِ استُشْكِل التشبيهُ لأنَّ المعنى على تشبيهه بالحَرْث أي الزرعِ لا بالريح. وقد أُجيب عن ذلك بأحد أوجه: الأول: أنه من باب التشبيه المركب، بمعنى أنه يقابِلُ الهيئة الاجتماعية بالهيئة الاجتماعية، ولا يقابلُ الأفراد بالأفراد، وهذا قد مر تحقيقه أول البقرة عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ﴾ [الآية: ١٧]، وهذا اختيار الزمخشري.
الثاني: أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين، فذَكَر أحدَ المُشَبَّهين
واختار هذا ابن عطية، وقال «هذه غايةُ البلاغةِ والإِعجازِ». الثالث: أنه على حَذْف مضاف: إمَّا من الأول تقديرُه: «مَثَلُ مَهْلِكِ ما ينفقونه»، وإمَّا من الثاني تقديرُه: كمثل مَهْلِك ريح. وهذا الثاني أظهرُ؛ لأنه يؤدِّي في الأول إلى تشبيه الشيء المُنْفَقِ المُهْلَكِ بالريح، وليس المعنى عليه أيضاً، ففيه عَوْدٌ لِما فُرَّ منه.
وقد ذكر الشيخ التقديرَ المشارَ إليه، ولم ينبِّه عليه، اللهم إلا أن يريد ب «مَهْلِك» اسمَ مصدر أي: مثلَ إهلاك ما ينفقون، ولكن يُحتاج إلى تقديرِ مثل هذا المضاف أيضاً قبل «ريح» تقديره: مَثَلٌ إهلاك ما ينفقون كمثلِ إهلاك ريح. ويجوزُ أَنْ تكونَ «ما» مصدريةٌ، وحينئذ يكونُ قد شَبَّه إنفاقَهم في عدمِ نفعِه بالريحِ الموصوفةِ بهذه الصفة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.
قوله: ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ في محل جر نعتاً ل «ريح»، ويجوز أن يكونَ «فيها صِرٌّ» جملةً من مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون «فيها» وحدَه هو الصفةَ، و «صِرُّ» فاعلٌ به، وجاز ذلك لاعتماد الجار على الموصوف، وهذا أحسنُ؛ لأنَّ الأصلَ في الأوصافِ الإِفرادُ، وهذا قريبٌ منه.
والصِرُّ «قيل: البردُ الشديد المحرق، قال:
١٣٩٢ - لا يَعْدِلَنَّ أتاوِيُّونَ تضرِبُهم | نكباءُ صِرٌّ بأصحابِ المُحِلاَّتِ |
١٣٩٣ - ولم يَغْلِبِ الخَصْمَ الأَلَدَّ ويَمْلأ ال | جِفانَ سَدِيفاً يومَ نكباءَ صرصرِ |
قوله: «أصابَتْ» هذه الجملة في محل جر أيضاً صفةً ل «ريح»، ولا يجوز أن تكونَ صفةً ل «صِرّ» لأنه مذكر. وبدأ أولاً بالوصف بالجار لأنه قريب من المفرد ثم بالجملة. هذا إنْ أعربنا «فيها» وحده صفةً، ورَفَعْنا به «صِر» أمَّا إذا أعربناه خبراً مقدماً و «صِرٌّ» مبتدأ فهما جملة أيضاً.
قوله: «ظلموا» صفة ل «قوم»، والضمير في «ظلمهم» يعود على القوم ذوي الحرث، أي: ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصيَ التي كانت سبباً في إهلاكه. وجَوَّز الزمخشري وغيره أن يعودَ على المنفقين، وإليه نحا ابنُ عطية، ورجَّحه بأنَّ أصحاب الحرث لم يُذْكَروا للردِّ عليهم ولا للتبيين ظلمهِم، بل لمجردِ التشبيه بهم.
قوله: ﴿ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ العامةُ على تخفيف «لكن» وهي استدراكيةٌ، و «أنفسَهم» مفعولٌ مقدم، قُدِّم للاختصاص أي: لم يقع وبالُ ظلمهم إلا بأنفسهم خاصةً لا يتخطَّاهم، ولأجلِ الفواصل أيضاً. وقرأها بعضهم مشددة، ووَجْهُها أن يكونَ «أنفسَهم» اسمها، و «يظلمون» الخبرُ، والعائدُ من الجملة الخبرية على الاسم محذوفٌ تقديرُه: ولكنَّ ِأنفسَهم يظلمونها، فحُذِف، وحَسَّن حذفَه كونُ الفعلِ فاصلة، فلو ذُكِرَ مفعولُه لفات هذا الغرضُ. وقد خَرَّجه بعضُهم على أن يكون اسمُها ضميرَ الأمر والقصة حُذِف للعلم به، و «أنفسَهم» مفعولٌ مقدَّمٌ ليظلمون كما تقدَّم، والجملةُ خبرٌ
١٣٩٤ -.......................... | وفي الرحمنِ للضُّعفاء كافِي |
١٣٩٥ - إنَّ مَنْ يدخلِ الكنيسةَ يوماً | يَلْقَ فيها جآذراً وظباءَ |
وبِطانة الرجل: خاصَّتُه الذين يُباطِنُهم في الأمور، ولا يُظْهر غيرَهم عليها مشتقةً من البَطْن، والباطنُ: دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك. قال عليه السلام: «الناسُ دِثار والأنصارُ شِعار» والشِّعار
١٣٩٦ - أولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانتي | وهم عَيْبَتي مِنْ دونِ كلِّ قريب |
واختُلِف في نصب «خَبالا» على أوجهٍ. أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ. والضميرُ هو الأول، وإنما تَعَدَّى لاثنين للتضمين. قال الزمخشري: «يقال: ألا في الأمر يَأْلُو فيه أي: قَصَّر، ثم استُعْمِل مُعَدَّىً إلى مفعولين في قولهم:» لا آلوك نُصْحاً ولا ألوك جُهْداً «على التضمين، والمعنى: لا أمنعُك نُصْحاً ولا أَنْقُصُكه».
الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاط حرفِ الجر، والأصل: لا يألونكم في خَبال أي: في تخبيلكم وهذا غيرُ منقاسٍ، بخلافِ التضمين فإنه منقاسٌ، وإنْ كان فيه خلافٌ واهٍ.
الثالث: أن ينتصبَ على التمييز، وهو حينئذٍ تمييز منقول من المفعولية، والأصلُ: لا يَألون خبالكم أي: في خبالكم: ثم جُعِل الضميرُ المضاف إليه مفعولاً بعد إسقاط الخافض، فنُصِب «الخبال» الذي كان مضافاً تمييزاً، ومثله قولُه تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: ١٢] أي: «عيون الأرضِ» فَفُعلِ به
الخامس: أنه/ مصدرٌ في موضع الحال أي: مُتَخَبِّلين. السادس: قال ابن عطية: معناه: لا يُقَصِّرون لكم فيما فيه من الفسادِ عليكم «، فعلى هذا الذي قَدَّره يكونُ المضمر و» خبالاً «منصوبين على إسقاطِ الخافض وهو اللام و» في «.
وهذه الجملةُ فيها ثلاثةُ أوجه. أحدُها: أنها استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، وإنما جيء بها وبالجملِ التي بعدَها لبيانِ حالِ الطائفةِ الكافرة حتى يَنْفِروا منها فلا يتخذوها بِطانةً، وهو وجه حسن.
والثاني: أنها حالٌ من الضمير المستكنِّ في «مِنْ دونكم» على أنَّ الجارَّ صفةٌ ل «بطانة». والثالث: أنها في محلِّ نصبٍ نعتاً ل «بطانة» أيضاً.
والأَلْوُ بزنة «الغَزْو» التقصيرُ كما تقدَّم، قال زهير:
١٣٩٧ - سَعَى بعدَهم قومٌ لكي يُدْرِكوهمُ | فلم يَفْعَلوا ولم يُلِيموا ولم يَأْلُوا |
١٣٩٨ - وما المرءُ ما دَامَتْ حُشاشَةُ نفسِه | بمُدْرِكِ أَطْرافِ الخطوبِ ولا آلِ |
١٣٩٩ -....................... | فما آلَى بَنِيَّ ولا أساؤوا |
١٤٠٠ - ألا رُبَّ خصمٍ فيكِ أَلْوى رَدَدْتُه | نصيحٍ على تَعْذالِه غيرُ مُؤْتَلِ |
وقال الراغب: «وأَلَوْتُ فلاناً أي: أوْلَيْتُه تقصيراً نحو: كسبته أي: أوليته كَسْباً وما أَلَوْتُه جُهْداً أي: ما أَوْلَيْتُه تقصيراً بحسَبِ الجُهْد، فقولُك:» جُهْداً «تمييز. وقوله: ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ منه، أي: لا يُقَصِّرون في طلبِ الخَبَال. وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل﴾ [النور: ٢٢] قيل: هو يفتعل من أَلَوْت، وقيل: هو من آليت أي: حَلَفْتُ.
١٤٠١ - هنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخْبِلوا | وإنْ يَسْأَلوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِروا يُغْلُوا |
قوله: ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أَوْجَهُها: أن تكونَ مستأنفةً كما هو الظاهرُ فيما قبلها. والثاني: أنها نعتٌ ل» بِطانة «فمحَلُّها نصبٌ. والثالث: أنها حالٌ من الضمير في» يأْلونكم «. و» ما «مصدريةٌ، و» عَنِتُّم «صِلَتُها، وهي وصلتُها مفعولُ الوَدادة أي: عَنَتُكم أي: مَقْتكُم. وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ في البقرةِ عند [قوله] ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقال الراغب هنا:» المعاندَةُ والمعانَتَهُ يتقاربان، لكنَّ المعاندة هي الممانعة، والمعانتةُ أَنْ يَتَحَرَّى مع الممانَعَةِ المَشَقَّةُ.
قوله: ﴿قَدْ بَدَتِ البغضآء﴾ هذه الجملةُ كالتي قبلها، وقرأ عبد الله: «بدا» من غيرتاء، لأنَّ الفاعلَ مؤنثٌ مجازي ولأنَّها في معنى البغض. والبغضاء
وقوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلِّقٌ ب «بَدَتْ» و «مِنْ» لابتداء الغاية. وجَوَّز أبو البقاء أن تكونَ حالاً أي: خارجةً من أفواههم. والأَفْواه: جمعُ فم، وأصلُه: فوه، فلامُه هاء، يَدُلُّ على ذلك جَمْعُه على «أفواه»، وتصغيرُه على «فُوَيْه»، والنسبُ إليه على فَوْهِيّ، وهل وزنُه فَعْل بسكون العين أو فعَل بفتحِها؟. خلافٌ للنحويين، وإذا عَرَفْتَ ذلك فاعلَمْ أنهم حَذَفوا لامَه تخفيفاً فبقي آخرُه حرف علة فأَبْدَلوها ميماً لقُربها منها لأنهما من الشَّفَة، وفي الميم هَوِيٌّ في الفم يضارع المدَّ الذي في الواو، هذا كلُّه إذا أفردوه عن الإِضافةِ، فإنْ أضافوه لم يُبْدِلوا حرفَ العلة كقوله:
١٤٠٢ - فُوهٌ كشَقِّ العَصا لأْياً تَبَيَّنُهُ | .......................... |
١٤٠٤ - خالَطَ مِنْ سَلْمى خياشيمَ وفَا... أي: «وفاها»، وإنما جاز ذلك لأنَّ الإِضافةَ كالمنطوق بها، وقالت العرب: «رجلٌ مُفَوَّه» إذا كان يجيد القول، وهو أَفْوَهُ منه أي: أوسع فماً، وقال لبيد:
١٤٠٣ - يُصْبحُ ظمآنَ وفي البحرِ فَمُهْ | وخَصَّه الفارسي وجماعةٌ بالضرورةِ، وغيرُهم جَوَّزه سَعَةً، وجَعَل منه |
١٤٠٥ -........................ | وما فاهوا به أبداً مُقميمُ |
قوله: ﴿وَمَا تُخْفِي﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ أي: تُخْفيه، فَحُذِف، وأَنْ تكونَ المصدريةَ أي: وإخفاءُ صدروهم، وعلى كِلا التقديرين ف «ما» مبتدأٌ، و «أكبرُ» خبرُه، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ أي: أكبرُ من الذي أَبْدَوه بأفواهِهم.
وقوله: «عليكم». متعلِّقٌ ب «عَضُّوا»، وكذلك: «من الغيظِ». و «مِنْ» فيه لابتداءِ الغاية، ويجوز أَنْ تكونَ بمعنى اللام فتفيدَ العلة أي: من أجلِ الغَيْظِ. وجَوَّز أبو البقاء في «عليكم» وفي «من الغيظ» أن يكونا حالَيْن، فقال: «ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي: حَنِقين عليكم،» من الغيظِ «متعلِّقٌ ب» عَضُّوا «أيضاً، و» مِنْ «لابتداء الغايةِ أي: من أجلِ الغيظِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً أي:» مغتاظين «انتهى. وقولُه:» ومِنْ لابتداء الغاية أي: من أجل الغيظ «كلامٌ متنافر، لأنَّ التي للابتداء لا تُفَسَّر بمعنى» من أجل «فإنه معنى العلة، والعلةُ والابتداء متغايران، وعلى الجملةِ فالحاليةُ فيها لا يَظْهَرُ معناها، وتقديرُه الحالَ ليس تقديراً صناعياً، لأنَّ التقديرُ الصناعِيَّ إنما يكون بالأكوان المطلقةِ.
والعَضُّ: الأَزْمُ بالأسنانِ وهو تحامُلُ الأسنانِ بعضِها على بعضٍ. يقال: عَضِضْتُ بكسر العين في الماضي أعَضُّ بالفتحِ عَضَّاً وعَضيضاً. قال
١٤٠٦ -...................... | كفَحْلِ الهجانِ يَنْتَحي للعضيضِ |
١٤٠٧ - وقد صالَحُوا قوماً علينا أَشِحَّةً | يَعَضُّون غيظاً خَلْفَنا بالأنامِلِ |
١٤٠٨ - قدَ افنى أنامِلَه أزْمُهُ | فَأَمْسَى يَعَضُّ عليَّ الوَظِيفا |
١٤٠٩ - وأقتلُ أقواماً لِئاماً أذِلَّةً | يَعَضَّون مِنْ غيظٍ رؤوسَ الأباهِمِ |
١٤١٠ - إذا رَأَوْني أطالَ اللهُ غيظَهُمُ | عَضُّوا من الغيظِ أَطْرَافَ الأباهيم |
١٤١١ - وعَظَّ زمانٍ يا بنَ مروانَ لم يَدَعْ | من المالِ إلاَّ مُسْحتاً أو مُجَلَّفُ |
والعَضُّ: بضمِّ الفاء عَلَف من نوىً مرضوضٍ وغيرِه، ومنه: بعير عُضاضِيٌّ أي: سمينٌ كأنه منسوبٌ إليه، وأَعَضَّ القومُ: إذا أكلَتْ إبلُهم ذلك والعِضُّ بكسر الفاء الداهية من الرجال كأنهم تَصَوَّروا عَضَّه وشدته. وزمنٌ عضوضٌ أي: جَدْب، والتَّعْضُوضُ: نوعٌ من التمرِ سُمِّي بذلك لشدة مَضْغِه وصعوبتِه.
والأناملُ: جمع أَنْمُلة وهي رؤوس الأصابع، قال الرماني: «واشتقاقُها من النملِ هذا الحيوانُ المعروف، شُبِّهَتْ به لدِقَّتها وسرعةِ تصرُّفها وحركتها ومنه قالوا للنمَّام: نَمِل ومُنْمِل لذلك قال:
١٤١٢ - ولستُ بذي نَيْرَبٍ فيهمُ | ولا مُنْمِشٍ منهمُ مُنْمِلُ |
والغَيْظُ: مصدر غاظَه يَغْيظه أي: أغضبه، وفَسَّره الراغب بأنه أشدُّ
والجملةُ من قولِه:» وتؤمنون «معطوفةٌ على:» تُحِبُّونهم «ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة. / وقال الزمخشري:» والواو في «وتؤمنون» للحالِ وانتصابُها من «لا يُحِبُّونكم» أي: لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم فما بالُكم تُحِبُّونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم «قال الشيخ:» وهو حسنٌ، إلاَّ أنَّ فيه من الصناعة النحوية ما يَخْدِشُه، وهو أنه جعل الواوَ في «وتؤمنون» للحال وانتصابها من «لا يحبونكم»، والمضارعُ المثبتُ إذا وَقَع حالاً لا تدخُلُ عليه واو الحال تقول: «جاء زيدٌ يضحك» ولا يجوز: «ويضحك». فأمَّا قولُهم: «قمتُ وأَصُكُّ عينَه» ففي غاية الشذوذِ، وقد أُوَّلَ على إضمارِ مبتدأ أي: «وأنا أصُكُّ عينه» فتصيرُ الجملةُ اسميةً ويُحتمل هذا التأويلُ هنا أي: ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتابِ كله، لكنَّ الأَوْلى ما ذكرناه من كونها للعطف «يعني فإنه لا يُحْوِج إالى حَذْفٍ بخلافِ تقدير مبتدأ فإنه على خلاف الأصل. وثَمَّ جملةٌ محذوفةٌ يَدُلُّ عليها السياقُ، والتقدير: وتُؤمْنون بالكتاب كله ولا يُؤمنون هم به كلِّه، بل يقولون: نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض.
قوله: ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ يجوز أَنْ تكونَ الباءُ للحالِ أي: موتوا ملتبسين بغيظِكم لا يُزايلكم، وهو كنايةٌ عن كثرةِ الإِسلام وفُشُوِّه، لأنه كلما ازداد الإِيمان زاد غيظُهم. ويجوز أن تكونَ للسببية أي: بسبب غيظكم.
قوله: ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ يُحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفةً، أخبر تعالى بذلك؛ لأنهم كانوا يُخْفُون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن تكون جملة المقول أي: قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول. ومعنى قوله «بذات» أي: بالمضمرات ذواتِ الصدور، ف «ذات» هنا تأنيث «ذي» بمعنى صاحب، فَحُذِف الموصوف وأقيمت صفتُه مُقامه أي: عليم بالمضمراتِ صاحبةِ الصدور، وجُعِلَتْ صاحبةً للصدور لملازمتها لها وعدمِ انفكاكها عنها نحو: أصحاب الجنة، أصحاب النار.
فقال الأخفش والفراء وابن كيسان: «الوقفُ عليها بالتاء إتباعاً لرسم المصحف». وقال الكسائيّ والجرميّ: «يُوقَفُ عليها بالهاء لأنها تاء تأنيث، كهي في» صاحبه «. وموافقةُ الرسم أَوْلى، فإنه قد ثَبَتَ لنا الوقفُ على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا هنا بالتاء وافقنا تلك اللغة والرسم، بخلاف عكسِه.
قوله: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو:» يَضِرْكم «بكسر الضاد وجَزْم الراء على جواب الشرط من ضاره يَضيره، ويقال أيضاً: ضاره يَضوره، ففي العين لغتان. ويقال: ضاره يضيرُه ضَيْراً فهو ضائر وهو مَضِير، وضاره يَضُوره ضَوْراً فهو ضائرٌ وهو مَضُور، نحو: قلتُه أقوله فأنا قائل وهو مقول.
وقرأ الباقون:» يَضُرُّكم «بضم الضاد وتشديد الراء مرفوعة. وفي هذه القراءة أوجه، أحدها: أن الفعل مرتفع وليس بجواب للشرط، وإنما هو دالٌّ على جواب الشرط، وذلك أنه على نية التقديم، إذ التقدير: لا يَضُرُّكم أنْ تصبروا وتتقوا فلا يَضُرُّكم»، فَحُذِف «فلا يضركم» الذي هو الجواب لدلالةِ ما تقدم عليه، ثم أُخِّر ما هو دليل على الجواب، وهذا الذي ذكرته هو تخريج سيبويه وأتباعِه. وإنما احتاجوا إلى ارتكاب هذه الشطط لِما رأوا من عدم الجزم في فعل/ مضارع لا مانعَ من إعمال الجازم فيه، ومثلُ هذا قولُ الآخر:
١٤١٣ - يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ | إنَّك إنْ يَصْرَعْ أخوك تُصْرعُ |
١٤١٤ - وإنْ أتاهُ خليلٌ يومَ مسألةٍ | يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ |
الوجه الثاني: أنَّ الفعلَ ارتفعَ لوقوعه بعد فاء مقدرة هي وما بعدها الجواب في الحقيقة، والفعل متى وقع بعد الفاء رُفع ليس إلا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] والتقدير: فلا يَضُرُّكم، والفاء حُذِفت في غير محل النزاع كقوله:
١٤١٥ - مَنْ يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكُرها | والشرُّ بالشر عند الله سِيَّانِ |
منْ يفعلِ الخيرَ فالرحمنُ يَشْكُرُه...
الوجه الثالث: أن الحركَة حركةُ إتباع، وذلك أن الأصل: لا يَضْرِرْكم بالفك لسكونِ الثاني جزماً، وسيأتي أنه إذا التقى مِثْلان في آخرِ فعلٍ سَكَن ثانيهما جزماً أو وفقاً فللعرب فيه مذهبان: الإِدغامُ وهو لغة تميم والفكُّ وهو لغة الحجاز، لكن لا سبيل إلى الإدغام إلا في متحرك، فاضطُررنا إلى تحريك المثلِ الثاني فَحَرَّكناه بأقرب الحركات إليه وهي الضمةُ التي على الحرفِ قبلَه، فحرَّكناه بها وأدغمنا ما قبله فيه فهو مجزوم تقديراً، وهذه الحركةُ في الحقيقة حركةُ إتباعٍ لا حركةُ إعراب بخلافها في الوجهين السابقين قبل هذا فإنها حركة إعراب.
واعلم أنه متى أُدْغِم هذا النوع: فإمَّا أن تكونَ فاؤه مضمومةً أو مفتوحة أو مكسورة، فإن كانت مضمومة كالآية الكريمة وقولهم» مُدَّ «ففيه ثلاثة أوجه حالةَ الإِدغام: الضمُّ للإِتباع، والفتح للتخفيف، والكسر على أصل التقاء الساكنين فتقول: مُدُّ ومُدَّ ومُدِّ، ورُدُّ ورُدَّ ورُدِّ. ويُنشْدون على ذلك قولَ جرير:
١٤١٦ - فَغُضِّ الطرفَ إنَّك من نُمَيْرٍ | فلا كعباً بَلَغْتَ ولا كِلابا |
وقرأ عاصم فيما رواه عنه المفضَّل بضم الضاد وتشديد الراء مفتوحة على ما ذكرت لك من التخفيف/، وهي عندهم أَوْجَهُ من ضم الراء.
وقرأ الضحاك بن مزاحم: «لا يَضُرِّكم» بضمِّ الضاد وتشديدِ الراء مكسورة على ما ذكرْتُه لك مِن التقاء الساكنين، وكأنَّ ابن عطية لم يحفَظْها قراءةً فإنه قال: «وأمَّا الكسرُ فلا أعرفُها قراءةً». وعبارةٌ الزجاجِ في ذلك مُتَجَوَّزٌ فيها إذ يظهر من دَرْج كلامِه أنها قراءة. قلت: قد بَيَّنْتُ أنها قراءة كما قال الزجاج ولله الحمد.
والكَيْدُ: المَكْرُ والاحتيالُ. وقال الراغب: «وهو نوع من الاحتيال، وقد يكونُ ممدوحاً، وقد يكون مذموماً، وإن كان يستعمل في المذموم أكثرَ». قال ابن قتيبة: «وأصلهُ من المشقةِ مِنْ قَوْلِهِم:» فلان يكيدُ بنفسِه «أي يَجُوز بها غمرات الموت ومشتقاته». ويقال: كِدْتُ فلاناً أَكِيده كبِعْتُه أَبيعهُ. قال:
وقوله: «شيئاً» منصوبٌ نصبَ المصادر أي: شيئاً من الضرر، وقد تقدم نظيره، وقرأ العامة: «بما يعملون محيطٌ» بالغَيْبة وهي واضحة. وقرأ الحسن بالخطاب: إمَّا على الالتفاتِ وإمَّا على إضمارِ «قل لهم يا محمد».
والغدوُّ: الخروجُ أولَ النهار يقال: غَدا يَغْدُو أي: خَرَجَ غُدْوَةً، ويُسْتعمل بمعنى صار عند بعضهم، فيكونُ ناقصاً يرفع الاسم وينصبُ الخبر، وعليه قولُه [عليه] السلام: «لو توكلتم على الله حَقَّ توكُّلهِ لرزقكم كما يَرزق الطيرَ تَغْدُو خِماصاً وتروُح بِطاناً».
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ متعلق ب «غَدَوْتَ» وفي «من» وجهان، أظهرهما: أنها لابتداء الغاية أي: من بين أهلك، قال أبو البقاء: «وموضعُه نصب تقديره: فارقْتَ أهلك» وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب ولا تفسير معنى، فإن المعنى على غير ما ذكر. والثاني: أنها بمعنى مع أي: مع أهلك، وهذا لا يساعده لا لفظٌ ولا معنى.
قوله: ﴿تُبَوِّىءُ﴾ الجملة يجوز أن تكون حالاً من فاعل «غدوت»، وهي
وتُبَوِّىءُ أي: تُنَزِّلُ فهو يتعدى لمفعولين إلى أحدهما نفسه وإلى آخر بحرف الجر، وقد يُحْذف كهذه الآية. ومِنْ عدم الحذف قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ [الحج: ٢٦] وأصله من المَبَاءة وهي المَرْجِعُ. قال:
١٤١٧ - مَنْ يَكِدْني بسيِّءٍ كنتُ منه | كالشَّجا بين حَلْقِه والوَرِيد |
١٤١٨ - وما بَوَّأ الرحمنُ بَيْتَك منزلاً | بشرقيِّ أجيادِ الصَّفا والمُحَرَّمِ |
١٤١٩ - كم مِن أخٍ لي صَالحٍ | بَوَّأْتُه بيدَيَّ لَحْدا |
ومقاعد جمع «مَقْعَد». والمراد به هنا مكانُ القُعودِ. وقعد قد يكون بمعنى صار في المَثَل خاصة. وقال الزمخشري: «وقد اتُّسِع في قعد وقام حتى أُجْريا مُجرى صار». قال الشيخ: «أمَّا إجراء» قَعَد «مُجْرى» صار «
ثم قال الشيخ: «وأمَّا إجراء» قام «مجرى» صار «فلا أعلم أحداً عَدَّها في أخوات» كان «، ولا جعلها بمعنى صار، إلا ابن هشام الخضرواي فإنه ذَكَر في قول الشاعر: /
١٤٢٠ - على ما قام يَشْتِمُني لئيمٌ | كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رماد |
وقرأ العامة:» تُبَوِّىءُ «عَدَّوْه بالتضعيف. وعبد الله:» تُبْوِىءُ «بسكون الباء عَدَّاه بالهمزة، فهو مضارع أَبْوأَ كأكرم، وقرأ يحيى بن وثاب» تُبْوي «كقراءة عبد الله، إلا أنه سَهَّل الهمزة بإبدالها ياء فصار لفظه كلفظ» تُحْيي «كقولهم: تُقْري في تُقْرىء. وقرأ عبد الله:» للمؤمنين «بلام الجر كقوله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا
وقرأ الأشهب:» مقاعدَ القتالِ «بإضافتها للقتال. واللام في» للقتال «في قراءة الجمهور فيها وجهان، أظهرهما: أنها متعلقة ب» تُبَوِّىء «على أنها لام العلة، والثاني: أنها متعلقة بمحذوف لأنها صفة ل مقاعد أي: مقاعد كائنة ومهيئة للقتال، ولا يجوز تعلقها ب» مقاعد «وإن كانت مشتقةً، لأنها مكانٌ والأمكنة لا تعمل.
وقال الزمخشري: «أو عمل فيه معنى» سميع عليم «. قال الشيخ» وهذا غيرُ مُحَرَّرٍ، لأنَّ العامل لا يكون مركباً من وصفين، فتحريره أن يقال: عمل فيه معنى سميع أو عليم، وتكونُ المسألة من التنازع «. قلت: لم يُرِدِ
والهمُّ: العَزْم. وقيل: بل هو دونَه، وذلك أن أوَّل ما يرم بقلبِ الإِنسان يسمى خاطراً، فإذا قَوِيَ سُمِّي حديثَ نفس، فإذا قوي سُمِّي هَمَّاً، فإذا قوي سُمِّي عزماً، ثم بعده إما قول أو فعل، وبعضهم يُعَبِّر عن الهَمِّ بالإِرادة، تقول العرب: هَمَمْت بكذا أهُمُّ به بضم الهاء، ويقال:» هَمْتُ «بميم واحدة، حذفوا إحدى الميمين تخفيفاً كما قالوا: مَسْتُ وظَلْت وحَسْت في مَسَسْتُ وظَلَلْتُ وحَسَسْت، وهو غير مقيس. والهمُّ أيضاً: الحُزْن الذي يذيب صاحبه وهو مأخوذٌ من قولهم:» هَمَمْتُ الشحم «أي: أذبته. والهمُّ الذي في النفس قريب منه؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإِنسان كما يُؤَثِّر الحزن، ولذلك قال الشاعر:
١٤٢١ - وَهمُّك ما لم تُمْضِه لك مُنْصِبٌ | ......................... |
قوله: ﴿أَن تَفْشَلاَ﴾ متعلق ب» هَمَّتْ «لأنه يتعدَّى بالباء، والأصل: بأن تفشلا، فيجري في محل» أَنْ «الوجهان المشهوران. والفَشَل: الجُبْن والخَوَر. وقال بعضهم:» الفشل في الرأي: العجز، وفي البدن: الإِعياء وعدم
وقوله: ﴿وَعَلَى الله﴾ متعلق بقوله:» فَلْيتوكل «قُدِّم للاختصاص ولتناسِب رؤوس الآي. وقد تقدَّم القولُ في نحو هذه الفاء. وقال أبو البقاء:» ودخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إنْ فَشِلوا فتوكلوا أنتم، أو إن صَعُب الأمُر فتوكلوا.
والتوكُّل: / تفعُّل: إمَّا من الوَكالة وهي تفويضُ الأمر إلى مَنْ تَثِق بحسن تدبيره ومعرفته في التصرف، وإمَّا مِنْ وَكَلَ أمره إلى فلان إذا عَجِز عنه. قال ابن فارس: «هو إظهارُ العَجْزِ والاعتمادُ على غيرك، يقال: فلانُ وَكَلَهٌ تُكَلَةٌ أي: عاجز يَكِل أمره إلى غيره». والتاء في «تُكَلة» بدلٌ من الواو كتُخَمة وتُجاه.
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في محلِّ نصب على الحال من مفعول «نصركم». و «أَذِلَّة» جمع ذليل، وجُمِع جَمْعَ قلة إشعاراً بقلتهم مع هذه الصفة، وفعيل الوصفُ قياسُ جمعِه على فُعَلاء كظريف وظرفاء وشريف وشرفاء، إلا أنه تُرِك في المضعف تخفيفاً، أَلا ترى إلى ما يُؤدِّي إليه قولُك ذُلَلاء وخُلَلاء من الثقل من جمع ذليل وخليل.
قوله: ﴿أَن يُمِدَّكُمْ﴾ فاعلُ «ألن يكفيكم» أي: ألن يكفيَكم إمدادُ ربكم. والهمزةُ لَمَّا دَخَلَتْ على النفي قَرَّرَتْه على سبيل الإِنكار، وجيء ب «لن» دونَ «لا» لأنها أبلغُ في النفي. وفي مصحف أُبَيّ: «ألا» ب «لا» دون «لن» كأنه قَصَدَ تفسير المعنى.
و «بثلاثة» متعلق ب «يُمِدَّكم». وقرأ الحسن البصري: «ثلاثَهْ آلاف» بهاء في الوصل ساكنة. وكذلك «بخسمهْ آلاف» كأنه أَجرى الوصل مُجرى الوقف، وهي ضعيفةٌ لكونها في متضايفين يقتضيان الاتصال. قال ابن عطية: «ووجهُ هذه القرءاة ضعيف، لأنَّ المضافَ والمضافَ إليه كالشيء الواحد فيقتضيان الاتصالَ والثاني كمالُ الأول، والهاء إنما هي أَمارةُ وقفٍ فيقلقُ الوقفُ في موضع إنما هو للاتصال، لكن جاء نحو هذا في مواضعَ للعرب، فمن ذلك ما حكاه الفراء من قولهم:» أكلت لحما شاة «يريدون:» لحمَ شاة «فَمَطلوا الفتحةَ حتى نشأت عنها ألفٌ كما قالوا في الوقفِ:» قالا «يريدون» قالَ «، ثم يَمْطُلون الفتحة في القوافي ونحوِها من مواضعِ الرويَّة والتثبُّت، ومن ذلك في الشعر قوله:
١٤٢٢ - يَنْباع من ذِفْرى غضوبٍ جَسْرَةٍ | زَيَّافَةٍ مثلِ الفنيق المُكْدَمِ |
١٤٢٣ - أقول إذ خَرَّتْ على الكَلْكال | يا ناقتي ما جُلْت مِنْ مَجَال |
١٤٢٤ - فأنتَ من الغوائلِ حين تُرْمَى | ومن ذمِّ الرجال بمُنْتزاحِ |
وقُرىء شاذاً أيضاً: «بثلاثةْ» بتاءٍ ساكنة وهي أيضاً من إجراء الوصل مُجرى الوقف من حيث السكونُ. واختُلف في هذه التاء الموقوف عليها الآن: أهي تاءُ التأنيث التي كانت فسكنت فقط، أو هي بدلٌ من هاء التأنيث المبدلة من التاء؟ وهو خلاف لا طائل تحته.
وقوله: ﴿مِّنَ الملائكة﴾ يجوز أن تكون «مِنْ» للبيان، وأَنْ تكونَ «من» ومجرورُها في موضعِ الجر صفةً ل «ثلاثة» أو ل «آلاف».
قوله: ﴿مُنزَلِينَ﴾ صفةٌ لثلاثة آلاف، ويجوزُ أن تكونَ حالاً من «الملائكة» والأولُ أَظهرُ. وقرأ ابن عامر: «مُنَزَّلين» بالتضعيف، وكذلك شَدَّد قوله في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية﴾ [الآية: ٣٤]، إلا أنه هنا اسم مفعول وهناك اسم فاعل. والباقون خففوهما. وقرأ ابن أبي عبلة هنا: «مُنَزِّلين» بالتشديد مكسور الزاي مبنياً للفاعل. وبعضهم قرأه كذلك إلا أنه خَفَّف الزاي، جَعَلَه من أنزل كأكرم، والتضعيف والهمزةُ كلاهما للتعدية، فَفَعَّل وأَفْعل بمعنى، وقد تقدَّم أن الزمخشري يجعل التشديد دالاً على التنجيم، وتقدَّم البحث معه في ذلك. وفي القراءتين الآخيرتين يكون المفعول/ محذوفاً أي: مُنْزِلين النصرَ على المؤمنين والعذاب على الكافرين.
قوله: «بلى» حرفُ جواب وهو إيجاب للنفي في قوله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ﴾ وقد تقدم الكلام عليه مشبعاً. وجواب الشرط قوله: «يُمْدِدْكُم».
وأما القراءة الثانية فواضحةٌ بالمعنيين المذكورين فمعنى السَّوْم فيها: أنَّ الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مُرْسَلين مِنْ عندِ الله لنصرةِ نبيِّه والمؤمنين. حكى أبو زيد: سَوَّم الرجل خيلَه: أي أرسلها، وحكى بعضهم:» سَوَّمْتُ غُلامي «أي: أرسلْتُه، ولهذا قال أبو الحسن الأخفش:» معنى مُسَوَّمين: مُرْسَلين «. ومعنى السَّومةِ فيها أنَّ الله تعالى سَوَّمَهم أي: جَعَل عليهم علامَةً وهي العمائم، أو الملائكةُ جَعَلوا خيلَهم نوعاً خاصاً وهي البُلْق، فقد سَوَّموا خيلَهم.
قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوفٌ على «بشرى» هذا إذا جعلناها مفعولاً من أجله، وإنما جُرَّت باللام لاختلالِ شرطٍ من شروطِ النصب وهو عَدَمُ اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ الجَعْل هو الله تعالى وفاعلَ الاطمئان القلوبُ، فلذلك نُصِب المعطوفُ عليه لاستكمال الشروط، وجُرَّ المعطوفُ باللام لاختلالِ شرطه، وقد تقدَّم، والتقدير: وما جعله إلا للبشرى وللطمأنينة. والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوف ِأي: ولتطمئن قلوبُكم فَعَلَ ذلك، أو كانَ كيتَ وكَيتَ.
وقال الشيخ: «وتطمئنَّ منصوبٌ بإضمار» أَنْ «بعد لام» كي «فهو من عطفِ الاسم على تَوَهُّم موضِع اسم آخر». ثم نَقَل عن ابن عطية أنه قال: «واللام في» ولتطمئن «متعلقةٌ بفعلٍ مضمر يَدُلُّ عليه» جعله «»، ومعنى الآية: «وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئنَّ به قلوبكم». قال الشيخ: «وكأنه رأى أنه لا يمكن عنده أَنْ يُعْطَف» ولتطمئن «على» بشرى «على الموضع؛ لأنَّ مِنْ شرطِ العطف على الموضع عند أصحابنا أن يكون ثَمَّ مُحْرِزٌ للموضع، ولا مُحْرزَ هنا، لأنَّ عاملَ الجر مفقود، ومَنْ لم يشترطِ المُحْرز فيجوِّز ذلك، ويكونُ من باب العطف على التوهم». قلت: وقد جعل بعضُهم
وقال الفخر الرازي: «في ذِكْر الإِمدادِ مطلوبان، أحدهما: إدخالُ السرور في قلوبِهم وهو المرادُ بقوله ﴿إِلاَّ بشرى﴾ والثاني: حصولُ الطمأنينة بالنصرِ فلا يَجْبُنوا، وهذا هو المقصود الأصلي ففرَّق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين الأمرين، فعَطَفَ الفعلَ على الاسم، ولَمَّا كان الأقوى حصولَ الطمأنينة أَدْخَلَ حرفَ التعليل». قال الشيخ: «ويناقَشُ في قوله» عَطْفُ الفعلِ على الاسم «إذ ليس من عطف الفعل/ على الاسم، وفي قوله:» أدخلَ حرفَ التعليل «وليس ذلك كما ذكر». انتهى. قلت: إنْ عنى الشيخ أنه لم يُدْخِلْ حرفَ التعليل البتة فهوغيرُ مُسَلَّم ولا يمكنُ إنكارُه، وإنْ عَنَى أنه لم يُدْخِلْه بالمعنى الذي قصده الإِمام فيسهُلُ.
وقال الجرجاني في «نَظْمه» :«هذا على تأويل: وما جعله الله إلا ليبشِّركم ولتطمئِنَّ، وَمَنْ أجازَ إقحامَ الواو وهو مذهب الكوفيين جعلها مقحمةً في» ولتطمئِنَّ «فيكونُ التقدير: وما جعله الله إلاَّ بُشْرى لكم لتطمئن قلوبكم به.
والضميران في قوله:» وما «جعله» و «به» يعودان على الإِمداد المفهومِ من الفعل المتقدم وهو قوله: «يُمْدِدْكم» وقيل: يعودان على النصر، وقيل:
وفي هذه الآية قال: «لكم» وتركها في سورة الأنفال لأن تيك مختصرُ هذه، وكأنَّ الإِطناب هنا أَوْلى، لأن القصة مُكَمِّلةٌ هنا فناسب إيناسُهم بالخطابِ المواجَهِ. وأخَّر هنا «به» وقَدَّم في سورة الأنفال؛ لأنَّ الخطابَ هنا موجودٌ في «لكم» فَأَتْبَعَ الخطابَ الخطابَ. وهنا جاء بالصفتين تابعتين في قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾ وجاء بهما في جملةٍ مستأنفةٍ في الأنفال في قوله: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الآية: ١٠] لأنه لمَّا خاطبهم هنا حَسُن تعجيلُ بِشارتهم بأنه عزيزٌ حكيم أي: لا يغالَبُ وأنَّ أفعالَه كلها متقنةٌ حكمةٌ وصوابٌ.
قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ عطفٌ على «لِيقطعَ». و «أو» قيل: على بابها من التفصيلِ أي: ليقطعَ طرفاً من البعضِ ويكبِتَ بعضاً آخرين. وقيل: بل هي بمعنى الواو أي: يجمع عليهم الشيئين.
والكَبْتُ: الإِصابة بمكروهٍ. وقيل: هو الصَّرْعُ للوجهِ واليدين، وعلى هذين فالتاءُ أصليةٌ، وليست بدلاً من شيء بل هي مادةٌ مستقلة. وقيل: أصلُه مِنْ كَبَده إذا أصابه بمكروهٍ، أثَّر في كَبدِه وَجَعاً كقولك: رَأَسْتُه أي: أصبتُ رأسَه ويدل على ذلك قراءة لاحق بن حميد: «أو يكبِدَهم» بالدال، والعربُ تُبْدِلُ التاءَ من الدال قالوا: هَرَتَ الثوبَ وهَرَده، وسَبَتَ رأسَه وسَبَدَه. وقد قيل: «إنَّ قراءةَ لاحِق أصلُها التاء، وإنما أُبْدِلَتْ دالاً كقولِهم: سَبَدَ رأسه وهَرَدَ الثوب، والأصلُ فيهما: التاء».
وقوله: ﴿فَيَنقَلِبُواْ﴾ مُرَتَّبٌ على ما تقدَّم. والخَيْبَةُ: عَدَمُ الظفر بالمطلوب، خاب يَخيب خَيْبَة. و «خائبين» نصب على الحال.
والثاني: أن «أو» هنا بمعنى «إلاَّ أَنْ» كقولِهم: «لألزَمَنَّك أو تقضِيَني حقي» أي: إلاَّ أَنْ تقضيني.
الثالث: [أنّ] «أو» بمعنى «حتى» أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوبَ. وعلى هذين القولين فالكلامُ متصلٌ بقولِه: «ليس لك من الأمر شيء» والمعنى: / ليس لك من الأمر شيء إلاَّ أَنْ يتوب عليهم بالإِسلامِ فيحصُل لك سرورٌ بهدايتِهم إليه أو يعذبهم بقتلٍ أو نارٍ في الآخرةِ. فيتَشَفَّى بهم. ومِمَّنْ ذهب إلى ذلك الفراء وأبو بكر ابن الأنباري. قال الفراء: «ومثلُ هذا الكلامِ:» لأُذَمَّنَّك أو تعطيَني «على معنى: إلا أَنْ تعطيَني، وحتى تعطيني. وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول امرىء القيس:
١٤٢٥ - فقلتُ له لاَ تبْكِ عينُك إنَّما | تحاولُ مُلْكَاً أو تموتَ فَتُعْذَرا |
١٤٢٦ - ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعِزَّةً | وآلُ سُبَيْعٍ أو أَسُوْءَكَ علقما |
١٤٢٧ - لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني | أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوف |
وقرأ أُبَيّ: «أو يتوبُ، أو يعذِّبُهم» برفعهما على الاستئناف في جملةٍ اسميةٍ أضمر مبتدَؤُها أي: أو هو يتوبُ ويعذِّبُهم.
قوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ صفةً ل «مغفرة» و «مِنْ» للابتداء مجازاً. وقوله: ﴿عَرْضُهَا السماوات﴾ لا بد من حذف أي: مثلُ عرض السماوات، يدل عليه قوله: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ﴾ والجملةٌ في محلِّ جرِّ صفةً ل «جنة».
قوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ محلُّها الجرَّ صِفةً ثانية ل «جنة»، ويجوز أن يكونَ محلُّها النَصبَ على الحال من «جنة» ؛ لأنها لَمَّا وُصِفَتْ تَخَصَّصَتْ فَقَرُبت من المعارف. قال أبو البقاء: «ويجوز أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكونَ حالاً من المضاف إليه لثلاثة أشياء، أحدها: أنه لا عامل، وما جاء من ذلك متأولٌ على ضعفه. والثاني: العَرْضُ هنا لاَ يُراد به المصدرُ الحقيقي بل
قوله: ﴿والكاظمين﴾ يجوزُ فيه الجَرُّ والنصبُ على ما تقدَّم فيما قبله. والكَظْمُ: الحَبْسُ. كَظَمَ غيظَه أي: حَبَسَه وكَظَم القِرْبة والسِّقاء: إذا شَدَّ فَمَوَيْهِما مانعاً من خروجِ ما فيهما، ومنه: الكِظامُ لِسَيْرٍ تُشَدُّ به القِرْبَةُ والسِّقاء كذلكَ. والكَظْمُ في الأصلِ: مَخْرَجُ النفس، يُقال: أخَذَ بَكَظْمِه أي: مَخْرَج نَفَسه. الكُظُوم: احتباسُ النَّفَس، ويُعَبَّر به عن السكون كقولهم: «فلان لا يتنفَّس». والمَكْظُوم: الممتلِىءُ غيظاً وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلَّمَ ولا يُخْرِجَ نَفَسه، والكَظِيمُ: الممتلِىءُ أَسَفاً، قال أبو طالب:
١٤٢٨ - فَحَضَضْتُ قومي واحتَسَبْتُ قتالَهم | والقومُ من خوفِ المَنايا كُظَّمُ |
١٤٢٩ - وأفَضْنَ بعدَ كُظومِهِنَّ بِجِرَّةٍ | مِنْ ذي الأباطِحِ إذ رَعَيْنَ حَقِيلا |
١٤٣٠ - قد تَكْظِمُ البُزْلُ منه حين تُبْصِرُه | حتى تَقَطَّع في أَجْوافِها الجِرَرُ |
قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ يجوز أن تكونَ جملةً حاليةً من فاعلِ» استغفروا «أي: استغفروا غيرَ مُصِرِّين، ويجوزُ أن تكونَ هذه الجملةُ منسوقَةً على» فاستغفروا «أي: ترتَّب على فِعْلهم الفاحشةَ ذِكْرُ اللهِ تعالى والاستغفارُ لذنوبهم وعدمُ إصرارِهم عليها، وتكونُ الجملةُ مِنْ قوله: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله﴾ على هذين الوجهين معترضةً بين المتعاطفين على الوجه الثانَي، وبين الحالِ وذي الحالِ على الأول.
قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يجوز أن تكونَ حالاً ثانيةً من فاعل» استغفروا «وأن تكونَ حالاً من فاعل» يُصِرُّوا «، ومفعولٌ» يَعْلَمُون «محذوفٌ للعلمِ به، فقيل: تقديرُه: يعلمونَ أنَّ الله يتوبُ على مَنْ تَابَ، قاله مجاهد. وقيل: يعلمون أنَّ تَرْكَه أَوْلى، قاله ابن عباس والحسن. وقيل: يَعْلَمُون المؤاخذةَ بها أو عَفْوَ اللهِ عنها. و» ما «في قوله: ﴿على مَا فَعَلُواْ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ اسميةً بمعنى الذي، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً.
١٤٣١ - عوابِسُ بالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا | عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ |
والسُّنَنُ: جمع «سُنَّة» وهي الطريقةُ التي يكونُ عليها الإِنسانُ ويلازِمُها، ومنه «سنة الأنبياء» عليهم السلام. قال خالد الهذلي لخاله أبي ذؤيب:
١٤٣٢ - يُصِرُّ بالليلِ ما تُخْفِي شواكِلُه | يا ويحَ كلِّ مُصِرِّ القلبِ خَتَّارِ |
١٤٣٣ - فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت سِرْتَها | فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها |
١٤٣٤ - وإنَّ الأُلَى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ | تَأَسَّوا فَسَنُّوا للكرامِ التآسِيا |
١٤٣٥ - مِنْ أمةٍ سَنَّتْ لهم آباؤُهم | ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامُها |
١٤٣٦ - ما عايَنَ الناسُ مِنْ فضلٍ كفضلكمُ | ولا رُئِيْ مثلُه في سائِرِ السُّنَنِ |
١٤٣٧ - نُعَوِّدها الطِّرادَ فكلَّ يومٍ | تُسَنُّ على سنابِكها القُرونُ |
وقوله: ﴿فَسِيرُواْ﴾ جملةٌ معطوفةٌ على ما قبلَها. والتسبيبُ في هذه الألفاظِ ظاهرٌ أي: سَبَبُ الأمرِ بالسير لينظُروا نَظَرَ اعتبارٍ خُلُوُّ مَنْ قبلكم من الأمم وطرائقهم. وقال أَبو البقاء:» ودَخَلَتِ الفاء في «فسيروا» / لأنَّ المعنى على الشرطِ أي: إن شَكَكْتُم فسيروا.
قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ «كيف» خبرٌ مقدم واجبُ التقديم؛ لتضمُّنِه معنى الاستفهامِ وهو مُعَلِّقٌ ل «انظروا» قبلَه، فالجملةُ في محل نصبٍ بعد إسقاطِ
١٤٣٨ -..................... | فأصبحَ الحبلُ مِنْها واهِناً خَلَقَا |
قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ جملةٌ حاليةٌ من فاعل «تَهِنوا» أو «تحزنوا» والاستئنافُ فيها غيرُ ظاهرٍ. والأَعْلَوْن: جمعُ أَعْلى والأصل: أَعْلَيُون فتحرَّكت
١٤٣٩ - وبُدِّلْتُ قَرْحاً دامياً بعد صحةٍ | لعلَّ منايانا تَحَوَّلنَ أَبْؤُسَا |
وقرأ ابنُ السَّمَيْفَع بفتح القاف والراء وهي لغةٌ كالطَّرْد والطَّرَد. وقال أبو البقاء: هو مصدرُ قَرُحَ يَقْرُح إذا صار له قُرْحَة، وهو بمعنى دَمِي. وقرىء «قُرُح» بضمِّهما. قيل: وذلك على الإِتباع كاليُسْر واليُسُر والطُّنْب والطُّنُبِ.
١٤٤٠ - فساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلاً | أَكادُ أَغَصُّ بالماءِ القَراحِ |
١٤٤١ - لا يُسْلِمُون قريحاً حَلَّ وسطُهُمُ | يومَ اللِّقاءِ ولا يُشْوُون مَنْ قَرَحُوا |
قوله: ﴿وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا﴾ يجوزُ في» الأيام «أَنْ تكونَ خيراً ل» تلك «. و» نُداوِلُها «جملةً حاليةٌ العاملُ فيها معنى اسم الإِشارة أي: أُشير إليها حالَ كونِها متداولةً.
ويجوزُ أن تكونَ «الأيام» بدلاً أو عطفَ بيانٍ أو نعتاً لاسم الإِشارة، والخبرُ هو الجملةُ من قوله: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾، وقد مَرَّ نحوُه في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ١٠٨] إلا أَنَّ هناك لا يجيءُ القولُ بالنعتِ لِما عَرَفْتَ أنَّ اسمَ الإِشارة لا يُنْعَتُ إلا بذِي أل.
و «بين» متعلقٌ ب «نُداوِلُها». وجَوَّز أبو البقاء أن يكون حالاً من مفعولِ «نُداولها» وليس بشيءٍ. والمُدَاوَلَةُ: المناوَبَةُ على الشيء والمعاوَدَةُ وتَعَهُّدُه مرةً بعد أخرى. يقال: داوَلْتُ بينَهم الشيءَ فتداولوه، كأن «فاعَل» بمعنى «فَعَل». قال الشاعر:
١٤٤٢ - يَرِِدُ المياهَ فلا يزالُ مُداوِلاً | في الناسِ بين تَمَثُّلٍ وسَمَاعِ |
واختلف الناس: هل اللفظتان بمعنًى أم بينهما فرقٌ؟ فذهب بعضُهم كالراغب وغيرِه إلى أنهما سيَّان، فيكونُ في المصدر لغتان. وقال غيرُ هؤلاء: «بينهما فرقٌ» واختلفت أقوالُ هؤلاء فقال بعضُهم: «الدَّوْلة» بالفتح في الحربِ والجاهِ، وبالضمِّ في المالِ، وهذا تَرُدُّه القراءاتان في سورة الحشر. وقيل: بالضمِّ اسمُ الشيء المتداوَلِ، وبالفتح نفس المصدر وهذا قريب. وقيل: الدُّولة بالضم هي المصدر، وبالفتح الفِعْلَةُ الواحدة فلذلك يُقال «في دَوْلة فلان» لأنها مرة في الدهر. والدَّوْرُ والدول متقاربان في المعنى ولكن بينهما عموم وخصوص فإن الدور أعمُّ من الدَّوْل؛ لأن الدَّوْل باللام لا يكون إلا في الحظوظ الدنيوية. والدَّوَلْوَل: الداهيةُ، والجمعُ: دَأَليل.
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله﴾ ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلُّق هذه اللام وجهين، قال: «أحدُهما: أنَّ اللامَ صلةٌ لفعلٍ مضمرٍ يَدُلُّ عليه أولُ الكلامِ بتقدير: ولِيعلمَ اللهُ الذين آمنوا نُداولها. والثاني: أنَّ العامل فيه» نُدَاولها «المذكورُ بتقديرِ: نُداوِلها بين الناسِ لنُظْهِرَ أمرَهم ولنبيِّن أعمالَهم، وليعلَم اللهُ الذين آمنوا، فلمَّا ظهرَ معنى اللام المضمرةِ في» ليُظْهِرَ «و» ليبيِّن «جَرَتْ مَجْرى الظاهرة فجاز العطفُ عليها.
وجَوَّز أبو البقاء وجهاً وهو أن تكونَ الواوُ زائدةً، وعلى هذا فاللامُ
والعلمُ هنا يجوزُ أن يتعدَّى لواحدٍ قالوا: لأنه بمعنى عرف، وهو مُشْكِلٌ لأنه لا يجوزُ وصفُ الله تعالى بذلك لِما تقدَّم من أن المعرفة تستدعي جهلاً بالشيء، أو أنها متعلقة بالذوات دون الأحوال، ويجوز أن يكونَ متعدياً لاثنين، فالثاني محذوفٌ تقديرُه: وليعلم الذين آمنوا مميَّّزين بالإِيمان مِنْ غيرهم.
وقُرِىء شاذاً: «يُداوِلُها» بياء الغَيْبة وهو موافِقٌ لِما قبله ولِما بعده. وقراءةُ العامةِ على الالتفاتِ المفيدِ للتعظيمِ. قوله: «منكم» الظاهرُ أنَّ «منكم» متعلقٌ بالاتخاذِ، وجَوَّزوا فيه أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «شهداء» لأنه في الأصلِ صفةٌ له.
وقال الخليل: «التمحيص: التخليصُ من الشيء المَعِيب. وقيل: هو الابتلاءُ والاختبارُ» وأنشد:
١٤٤٣ - رأيْتُ فُضَيْلاً كان شيئاً مُلَفَّفَاً | فكشَّفَه التمحيصُ حتى بداليا |
١٤٤٤ - صُمِّ النُّسورِ صِحاحٍ غيرِ عاثِرَةٍ | رُكِّبْنَ في مَحِصاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ |
١٤٤٥ - وشَقُّوا بمَمْحوص السِّنانِ فؤادَه | ........................... |
١٤٤٦ - شديدُ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ السَّوَى... والسَّواء: الظهر، قَصَره ضرورةً، سُمِع: «فَعَلْتُه حتى انقطع سَواي» أي ظهري. وقد تقدَّمت مادة «مَحَق» في البقرة.
قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ جملةٌ حالية. وقال الزمخشري:» ولَمَّا بمعنى «لم» إلاَّ أنَّ فيه ضَرْباً من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يُستقبل. وتقول: «وعدني أن يفعل كذا ولَمَّا» تريد: «ولَمْ يَفْعَلُ وأنا أتوقع فِعْلَه». قال الشيخ: «وهذا الذي قاله في» لَمَّا «: أنها تَدُلُّ على توقُّع الفعلِ المنفيِّ بها فيما يُستقبل لا أَعْلَمُ أحداً من النحويين ذَكَره، بل ذكروا أنك إذا قلتَ:» لَمَّا يخرج زيد «دَلَّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نَفْيُه إلى وقت الإِخبار، أمَّا أنَّها تدلُّ على توقُّعِهِ في المستقبل فلا، لكنني وجدت في كلام الفراء شيئاً يقارب ما قاله الزمخشري، قال:» لَمَّا «لتعريضِ الوجودِ بخلافِ» لم «». قلت: «والنَّحْويون إنما فَرَّقوا بينهما مِنْ جهة أنَّ المنفيَّ ب لَمْ» هو فعلٌ غيرُ مقرونٍ ب «قد» و «لَمَّا» نفيٌ له مقروناً بها، وقد تَدُلُّ على التوقع، فيكونُ كلامُ الزمخشري صحيحاً من هذه الجهةِ، ويَدُلُّ على
وقوله: «منكم» حالٌ من «الذين». و ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله﴾ بكسرِ الميمِ على أصلِ التقاء الساكنين. وقرأ النخعي وابن وثاب بفتحها. وفيها وجهان. أحدهما: أنَّ الفتحةَ فتحةُ إتباعٍ، أتبعَ الميمَ للام قبلها والثاني: أنه على إرادةِ النونِ الخفيفةِ، والأصلُ: «ولَمَّا يَعْلَمَنْ» والمنفيُّ ب لَمَّا قد جاء مؤكداً بها كقوله:
١٤٤٧ - يَحْسَبُه الجاهلُ ما لم يَعْلما | شيخاً على كُرْسِيِّه مُعَمَّماً |
١٤٤٨ - لا تُهِينَ الفقيرَ عَلَّك أَنْ تَرْ | كَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ |
١٤٤٩ - في أيِّ يَوميَّ من الموتِ أفِرْ | أيومَ لم يُقْدَرَ أم يومَ قُدِرْ |
والثاني: أنَّ الفتحةَ فتحةُ التاء ساكنين والفعلُ مجزومٌ، فلمَّا وقع بعده ساكنٌ آخرُ احتيج إلى تحريك آخره فكانت الفتحةُ أَوْلَى لأنها أخف وللإِتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحدِ التخريجين لقراءةِ: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله﴾ بفتح الميم، والأولُ هو الوجه.
وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو حيوة بكسرِ الميم عطفاً على» يَعْلَمِ «المجزوم ب» لم «.
وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء:» وَيَعْلَمُ «بالرفع، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه مستأنفٌ، أخبر تعالى/ بذلك. وقال الزمخشري:» على أن الواو للحال، كأنه [قال] : ولَمَّا يُجاهِدوا وأنتم صابرون. قال الشيخ: «ولا يَصِحُّ ما قال، لأنَّ واوَ الحال لا تدخل على المضارعِ،
١٤٥٠ -.......................... | نَجَوْتُ وَأَرْهُنُهمْ مالِكا |
والضميرُ في «تَلْقَوه» فيه وجهان، أظهرُهما: عَوْدُه على الموت، والثاني: عَوْدُه على العدوِّ، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ لدلالةِ الحالِ عليه.
والجمهور على كسر اللام من «قبل» ؛ لأنها معربةٌ لإِضافتِها إلى أَنْ وما في حَيِّزها أي: مِنْ قبل لقائِه. وقرأ مجاهد بن جبر: «من قبلُ» بضم اللام وقطعها عن الإِضافة كقوله: ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، وعلى هذا ف «أَنْ» وما في حَيِّزها في محلِّ نصب على أنها بدلُ اشتمال من الموت أي:
قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ الظاهرُ أن الرؤيةَ بصريةٌ فتكفي بمفعول واحد، وجَوَّزوا أن تكونَ عِلْمية فتحتاجَ إلى مفعول ثان هو محذوف أي: فقد علمتموه حاضراً أي: الموت، إلاَّ أنَّ حَذْفَ أحد المفعولين في باب «ظن» ليس بالسهل، حتى إنَّ بعضَهم يَخُصُّه بالضرورة كقول عنترة:
١٤٥١ - وَلَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَه | مِنِّي بمنزلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ |
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ حاليةً، وهي حالٌ مؤكدة رَفَعَتْ ما تحتملُه الرؤيةُ من المجاز أو الاشتراك، أي: بينهما وبين رؤية القلب، ويجوزُ أن تكونَ مستأنفةً، بمعنى: وأنتم تنظرون في فِعْلِكم الآن بعد انقضاءِ الحرب هل وَفَّيْتُم أو خالَفتم؟ وقال ابن الأنباري: «رأيتموه» أي: قابَلْتُموه وأنتم تنظُرون بعيونكم، ولهذه العلةِ ذَكَرَ النظرَ بعد الرؤية حين اختلف معناهما، لأنَّ الأولَ بمعنى المقابلة والمواجهة، والثاني: بمعنى رؤيةِ العين «وهذا غيرُ معروفٍ عند أهل اللسان، أعني إطلاقَ الرؤيةِ على المقابلة والمواجهة، وعلى تقدير صحتِه فتكونُ الجملةُ من قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ جملةً حاليةً مبينِّة لا مؤكدةً؛ لأنها أفادَتْ معنىً زائداً على معنى عاملها، ويجوز أن يُقَدَّر
١٤٥٢ - وما الدهرُ إلا منجَنوناً بأهلِه | وما صاحبُ الحاجات إلا مُعَذَّبا |
١٥٤٣ - وما حَقُّ الذي يَعْتُو نهاراً | ويَسْرِقُ ليلَه إلاَّ نَكالا |
قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أظهرهما: أنها في محلِّ رفعٍ صفةً ل «رسولِ». والثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكنِّ في «رسول»، وفيه نظرٌ لجريانِ هذه الصفةِ مَجْرى الجوامد فلا تتحمَّل ضميراً.
و «من قبله» : فيه وجهان أيضاً، أحدهما: أنه متعلِّقٌ ب «خَلَتْ». والثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنه حال من «الرسل» مُقَّدَماً عليها، وهي حينئذٍ حالٌ مؤكدة، لأنَّ ذِكْرَ الخلوِّ يُشْعِرُ بالقبلية. وقرأ ابن عباس: «رسُل» بالتنكير. قال أبو الفتح: «ووجهُها أنه موضعُ تبشيرٍ لامر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر الحياة ومكانُ تسوية بينه وبين البشر في ذلك، وهكذا يُفْعل في أماكن الاقتصاد نحو: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: ١٣] ﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] وقال أبو البقاء:» وهو قريب من معنى المعرفة «كأنه يُريدُ أنَّ المرادَ بالرسلِ الجنسُ، فالنكرةُ قريبةٌ منه بهذه الحيِثِيَّةِ، وقراءةُ الجمهور أَوْلى لأنَّها تَدُلُّ على تفخيمِ الرسل وتعظيمِهم.
وقال ابن خطيب زَمَلَّكى: «الأوْجَهُ أَنْ يُقَدَّرَ محذوفٌ بعد الهمزة وقيل الفاء تكونُ الفاءُ عاطفةً عليه، ولو صرح به لقيل: أتؤمنون به مدةَ حياته فإنْ مات ارتدَدْتم فتخالِفوا سُنَنَ اتِّباع الأنبياءِ قبلَكم في ثباتِهم على مِلَلِ أنبيائِهم بعد مَوْتِهم» وهذا هو مذهب الزمخشري، إلاَّ أنَّ الزمخشري هنا عَبَّر بعبارةٍ لا تقتضي مذهبَه الذي هو حَذْفُ جملةٍ بعد الهمزةِ فإنه قال: «الفاءُ مُعَلَّقةٌ للجملةِ الشرطيةِ بالجملةِ قبلَها على معنى التسبيبِ، والهمزةُ لإِنكار أَنْ يَجْعَلُوا خُلُوَّ الرسلِ قبلَه سبباً لانقلابِهم على أَعْقابِهم بعدَ هلاكِه بموتٍ أو قَتْلٍ، مع عِلْمِهِم أَنَّ خُلُوَّ الرسلِ قبله وبقاءَ ديِنهم مُتَمَسَّكاً به يجبُ أَنْ يُجْعَلَ سبباً للتمسك بدين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا للانقلابِ عنه» فظاهرُ هذا الكلام أنَّ الفاءَ عَطَفَتْ هذه الجملةَ المشتملة على الإِنكارِ على ما قبلها من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مِنْ غير تقديرِ جملةٍ أخرى.
وقال أبو البقاء قريباً من هذا فإنَّه قال: «الهمزةُ عند سيبويه في موضِعها، والفاء تدلُّ على تعلُّقِ الشرطِ بما قبله». انتهى. لا يقال: إنه جَعَل الهمزةَ في موضعِها فيُوهِمُ هذا أنَّ الفاءَ ليست مُقَدَّمَةً عليها لأنه جَعَلَ هذا مقابلاً لمذهبِ يونس، فإنَّ يونس يزعم أنَّ هذه الهمزةَ في مِثْلِ هذا التركيبِ داخلةٌ على جوابِ الشرط، فهي في مَذْهَبِه [في] غيرِ موضِعها. وسيأتي تحريرُ هذا كلِّه.
وبقولِ يونس قال كثيرٌ من المفسرين، فإنَّهم يقولون: ألفُ الاستفهامِ دَخَلَتْ في غير موضعها، لأنَّ الغرضَ إنما هو: أتنقلبون إنْ ماتَ محمد «. وقال أبو البقاء:» وقال يونُس: الهمزةُ في مثلِ هذا حَقُّها أَنْ تَدْخُلِ على جوابِ الشرطِ تقديرُه: «أتنقلبون إنْ مات» ؛ لأنَّ الغرضَ التنبيهُ أو التوبيخُ على هذا الفعلِ المشروط.
ومذهبُ سيبويه الحقُّ لوجهينِ، أحدهما: أنك لو قَدَّمْتَ الجوابَ لم يكن للفاءِ وجهٌ إذ لا يَصِحُّ أَنْ تقولَ: «أتزورُوني فإنْ زُرْتُكِ»، ومنه قولُه تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]، والثاني: أنَّ الهمزةَ لها صدرٌ الكلام، و «إنْ» لها صدرُ الكلامِ، فقد وقعا في موضِعِهما، والمعنى يَتِمُّ بدخولِ الهمزةِ على جملةِ الشرط والجواب، لأنهما كالشيءِ
قوله: ﴿على أَعْقَابِكُمْ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه متعلِّقٌ ب» انقلبتم «. والثاني: أنه حالٌ من فاعلِ» انقلبتم «كأنه قيل: انقلبتم راجعين. وقرأ ابن أبي إسحاق:» ومَنْ ينقلِبْ علىعَقِبه «بالإِفراد. و» شيئاً «نُصِبَ على المصدرِ أي: شيئاً مِنَ الضررِ لا قليلاً ولا كثيراً. وقد تقدَّم نظيرُه.
وقال أبو البقاء: و ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ الخبر، واللامُ للتبيينِ متعلقةٌ ب «كان». وقيل: هي متعلقةٌ بمحذوفٍ تقديرُه: الموتُ لنفس، و «أن تموت» تبيينٌ للمحذوفِ، ولا يجوز أَنْ تتعلَّقَ اللامُ ب «تموت» لِما فيه من تقديمِ الصلةِ على الموصولِ «. وقال بعضُهم:» إنَّ «كان» زائدةٌ فيكونُ «أَنْ تموتَ» مبتدأ، و «لنفسٍ» خبره «. وقال الزجاج:» تقديرُه: وما كانت نفسٌ لتموتَ، ثم قُدِّمَتِ اللامُ «فجُعِل ما كان اسماً ل» كان «وهو» أن تموتَ «خبراً لها، وما كان خبراً وهو» لنفسٍ «اسماً لها. فهذه خمسةُ أقوالٍ، أظهرُها الأول.
وأمَّا مَنْ جَعَل» لنفسٍ «متعلقةً بمحذوفٍ تقديرُه:» الموتُ لنفسٍ «ففاسِدٌ لأنه ادَّعى حَذْفَ شيءٍ لا يجوزُ، لأنه إنْ جَعَل» كان «تامةً أو ناقصةً امتنع حَذْفُ مرفوعِها لأنَّ الفاعلَ لا يُحْذَفُ، وأيضاً فإنَّ فيه حَذْفَ المصدر وإبقاءَ معمولِه وهو لا يجوزُ. وكذلك قولُ مَنْ جَعَلَ» كان «زائدةً. وأمَّا قولُ الزجاجِ فإنَّه تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ فتعودُ الأقوالُ أربعةً/.
قوله: ﴿كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مصدرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجملة التي قبلَه، فعاملُه مضمرٌ تقديرُه:» كَتَب الله ذلك كتاباً «، نحو: ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨] ﴿وَعْدَ الله﴾ [النساء: ١٢٢]، و ﴿كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والثاني: أنه منصوبٌ على التمييزِ. ذكره ابنُ عطية، وهذا غيرُ مستقيمٍ؛ لأنَّ التمييزَ منقولٌ وغيرُ منقولٍ، وأقسامُه محصورةٌ وليس هذا شيئاً منها. وأيضاً فأين الذاتُ المبهمةُ التي تحتاج إلى تفسير. والثالثُ: أنه منصوب على الإِغراءِ، والتقديرُ: الزَموا كتاباً مؤجلاً وآمِنوا بالقدر، وليس المعنى على ذلك.
وقرأ ورش:» مُوَجَّلاً «بالواوِ بدلَ الهمزةِ وهو قياسُ تخفيفِها.
قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ﴾ » مَنْ «مبتدأُ وهي شرطيةٌ. وفي خبرِ هذا المبتدأِ
وقرأ أبو عمرو بالإِسكانِ في هاء «نؤتيه» في الموضعين وَصْلاً ووقفاً، وقالون وهشام بخلاف عنه بالاختلاسِ وَصْلاً، والباقون بالإِشباعِ وصلاً. فامَّا السكونُ فقالوا: إنَّ الهاء لَمَّا حَلَّتْ مَحَلَّ ذلك المحذوفِ أُعْطيت ما كان يَسْتَحِقُّه من السكون. وأمَّا الاختلاسُ فلاستصحابِ ما كانَتْ عليه الهاءُ قبلَ حذفِ لامِ الكلمة، فإنَّ الأصل: نُؤتيه، فَحُذِفَتْ الياءُ للجزم، ولم يُعْتَدَّ بهذا العارِض فبقيتِ الهاءُ على ما كانت عليه. وأمَّا الإِشباعُ فنظراً إلى اللفظِ لأنَّ الهاءَ بعد متحرِّكٍ في اللفظِ، وإنْ كانت في الأصلِ بعد ساكن وهو الياء التي حُذِفَتْ للجزم. والأَوْلى أَنْ يُقال: إن الاختلاسَ والإِسكانَ بعد المتحرك لغةٌ ثابتةٌ عن بني عُقَيْل وبني كلاب، حكى الكسائي: «لَهْ مالٌ وبِهْ داءٌ» بسكونِ الهاء، واختلاسِ حركتها، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ قولَ مَنْ قال: «إسكانُ الهاءِ واختلاسُها في هذا النحو لا يجوزُ إلا ضرورةً» ليس بشيءٍ، أمَّا غيرُ بني عُقَيْل وبني كلاب فنعم لا يوجد ذلك عندهم إلا في ضرورةٍ كقولِه:
١٤٥٤ - لَهُ زَجَلٌ كأنَّهُ صَوْتُ حادٍ | إذا طَلَبَ الوسيقَةَ أو زميرُ |
١٤٥٥ - وأشربُ الماءَ ما بي نحوه عَطَشٌ | إلاَّ لأنَّ عيونَهْ سَيْلُ وادِيها |
١٤٥٦ - كَأَيِّنْ في المعاشِر من أُناسٍ | أخوهُمْ فوقَهم وهمُ كِرامُ |
١٤٥٧ - وكائن بالأباطحِ مِنْ صديقٍ | يَراني لو أُصِبْتُ هو المُصَابا |
١٤٥٨ - وكائِنْ رَدَدْنا عنكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ | ........................... |
واختلفوا في تصييرها بالقلبِ كذلك على أربعةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه قُدِّمت الياءُ المشددة على الهمزةِ فصار وزنُها كَعْلَف لأنك قَدَّمْتَ العينَ واللامَ وهما الياءُ المشددة، ثم حُذِفَتِ الياءُ الثانية لثِقَلِها بالحركة والتضعيف كما قالوا في» أيُّهما «: أيْهُما، ثم قُلِبت الياءُ الساكنة ألفاً كما قَلَبُوها في نحو:» آية «والأصل: أَيَّة، وكما قالوا: طائي، والأصل: طَيْئِي، فصارَ اللفظُ: كائِن كجاعِن كما ترى، ووزنُه» كَعْفٍ «؛ لأنَّ الفاءَ أُخِّرت إلى موضعِ اللامِ، واللامُ قد حُذِفَتْ.
الوجه الثاني: أنه حُذِفَتِ الياءُ الساكنةُ التي هي عينٌ وقُدِّمَتِ المتحركةُ التي هي لامٌ، فتأخَّرتِ الهمزةُ التي هي فاءٌ، وقُلِبَت الياءُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلَها فصارَ «كائِن» ووزنُه: كَلْفٍ.
الوجه الثالث: ويُعْزى للخليل أنه قُدِّمَتْ إحدى الياءَين في موضع الهمزةِ فَحُرِّكت بحركة الهمزة وهي الفتحةُ، وصارَت الهمزةُ ساكنةً في موضعِ الياء، فتَحَرَّكتِ الياءُ وانفتح اما قبلَها فَقُلِبَتْ ألفاً، فالتقى ساكنان: الألفُ المنقبلةُ
الوجه الرابع: أنه قُدِّمَتِ الياءُ المتحركةُ فانقلبت ألفاً، وبقيت الأخرى ساكنةً فحذفها التنوينُ مثل قاضٍ، ووزنُه على هذين الوجهين أيضاً كَلْفٍ لِما تقدَّم مِنْ حَذْفِ العينِ وتأخيرِ الفاء، وإنما الأعمالُ تختلف.
اللغة الثالثة: «كَأْيِن» بياء خفيفةٍ بعد الهمزة على مثالِ: كَعْيِن، وبها قرأ ابن محيصن والأشهب العقيلي، ووجْهُها أنَّ الأصلَ: كَأَيِّن كقراءة الجماعة: فَحُذِفَتْ الياء الثانيةٌ استثقالاً فالتقى ساكنان: الياءُ والتنوينُ، فكُسِرت الياءُ لالتقاءِ الساكنين ثم سَكَنَتِ الهمزةُ تخفيفاً لثقلِ الكلمةِ بالتركيبِ فصارَتْ كالكلمةِ الواحدةِ كما سَكَّنوا: «فهو» و «فهي».
اللغة الرابعة: «كَيْئِن» بياء ساكنةٍ بعدَها همزةٌ مكسورةٌ، وهذه مقلوبُ القراءةِ التي قبلَها، وقرأ بها بعضُهم.
واللغةُ الخامسةُ: «كَئِنْ» على مثال كَعٍ، ونَقَلها الداني قراءةً عن ابن محيصن أيضاً. وقال الشاعر:
١٤٥٩ - كَئِنْ مِنْ صديقٍ خِلْتُه صادقَ الإِخا | أبانَ اختباري أنَّه لي مُداهِنُ |
وذهب ابن جني أنها في الأصل مصدر «أَوَى يَأْوي» إذا انضمَّ واجتمع، والأصلُ: أَوْيٌ نحو: طَوَى يَطْوي طَيَّاً، الأصلُ: طَوْي، فاجتمعت الياءُ والواو وسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ فَقُلِبَت الواوُ ياءً وأُدْمت في الياء، وكأنَّ ابن جني ينظر إلى معنى المادة من الاجتماعِ الذي يدل عليه «أيّ» فإنها للعمومِ، والعمومُ يستلزمُ الاجتماع.
وهل هذه الكافُ الداخلةُ على «أي» تتعلَّق بشيء كغيرها من حروف الجرِّ أم لا؟ والصحيحُ أنها لا تتعلَّقُ بشيء أصلاً لأنَّها مع «أي» صارتا بمنزلةِ كلمةٍ واحدةٍ وهي «كم»، فلم تتعلَّقْ بشيءٍ؛ ولذلك هُجِر معناها الأصلي وهو التشبيه.
وزعم الحوفي أنها تتعلَّق بعاملٍ، ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لتقفَ عليه فإنه كلام غريب. قال: أما العاملُ في الكاف فإن جَعَلْنَاها على حكمِ الأصل فمحمولُ على المعنى، والمعنى: أصابَتْكم كإصابةِ مَنْ تقدَّم مِن الأنبياء وأصحابِهم، وإنْ حَمَلْنا الحكمَ على الانتقالِ إلى معنى «كم» كان العاملُ بتقديرِ الابتداء وكانت في موضعِ رفع، و «قُتِل» الخبر، و «مِنْ» متعلقة بمعنى
واختار الشيخ أَنَّ» كأيِّنْ «كلمةٌ بسيطةٌ غيرُ مركبةٍ وأنَّ آخرَها نون هي من نفس الكلمة لا تنوينٌ، لأنَّ هذه الدَّعاوي المتقدمة لا يقومُ عليها دليل، والشيخُ سَلَكَ في ذلك الطريقَ الأسهلَ، والنحويون ذَكَروا هذه الأشياءَ محافظةً على أصولِهم، مع ما ينضَمُّ إلى ذلك مِنَ الفوائِدِ وتشحيذِ الذهن وتمرينِه. هذا ما يتعلَّق ب» كأيِّن «من حيث الإِفرادُ.
أمَّا ما يتعلق بها من حيث التركيب فموضعُها رفعٌ بالابتداء وفي خبرِها أربعةُ أوجه، أحدُها: أنه» قُتِل «فإنَّ فيه ضميراً مرفوعاً به يعودَ على المبتدأ والتقدير: كثيرٌ من الأنبياء قتل. قال أبو البقاء:» والجيدُ أَنْ يعودَ الضميرُ على لفظِ «كأيِّنْ» كما تقولُ: «مئة نبي قُتِل» فالضميرُ للمئة، إذ هي المبتدأ. فإنْ قلت: لو كان كذلك لأنَّثْتَ فقلت: «قُتِلَتْ. قيل: هذا محمولٌ على المعنى، لأنَّ التقديرَ: كثير من الرجال قُتِل. انتهى» كأنه يعني بغير الجيد عَوْدَه على لفظ «نبي»، فعلى هذا يكون «معه ربِّيُّون» جملةً في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير في «قُتِل» [وهو أَوْلَى لأنه من قبيلِ المفردات، وأصلُ الحالِ والخبرِ والصفة أن تكونَ مفردةً]. ويجوزُ أَنْ يكونَ «معه» وحده هو الحالَ و «رِبِّيُّون» فاعلٌ به، ولا يَحْتاج هنا إلى واوِ الحال لأنَّ الضمير هو الرابطُ، أعني الضمير في «معه»، ويجوز أن يكونَ حالاً من «نبي» وإن كان نكرة لتخصيصه بالصفةِ حينئذ، ذكره مكي، وعَمِل الظرفُ هنا لاعتمادِه على ذي
قال الشيخ: «هي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ فلذلك ارتفع» ربِّيُّون «بالظرف وإن كان العاملُ ماضياً لأنه حكى الحال الماضية كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] وهذا على رأي البصريين، وأما الكسائي فيُعْمِل اسمَ الفاعلِ العاري من أل مطلقاً». وفيه نظرٌ لأنَّا لا نسلِّم أنَّ الظرفَ يتعلق باسم فاعل حتى يَلزمَ عليه ما قال من تأويله اسمَ الفاعل بحال ماضية، بل نَدَّعي تعلقَه بفعل تقديره: استقر معه ربيون.
الوجه الثاني: أن يكون «قُتِل» جملةً في محل جر صفةً ل «نبي» و «معه ربيون» هو الخبر، ولك الوجهان المتقدمان في جعله حالاً، أعني إن شئت أن تجعل «معه» خبراً مقدماً و «ربيون» مبتدأً مؤخراً، والجملةُ خبر «كأين»، وإن شئت أن تجعلَ «معه» وحدَه هو الخبرَ، و «ربيون» فاعلٌ به، لاعتمادِ الظرف على ذي خبر.
الوجه الثالث: أن يكونَ الخبرُ محذوفاً تقديره: «في الدنيا» أو «مضى» او «صائر» ونحوه، وعلى هذا فقولُه: «قتل» في محلِّ جر صفة ل «نبي»، و «معه ربيون» حال من الضمير في «قتل» على ما تقدم تقريره، ويجوز أن يكون «معه ربيون» صفةً ثانية ل «نبي» وُصِفَ بصفتين: بكونه «قتل» وبكونه «معه ربيون».
الوجه الرابع: أن يكون «قُتِل» فارغاً من الضمير مسنداً إلى «ربيون»، وفي هذه الجملة حينئذ احتمالان، أَحدُهما: أن تكونَ خبراً ل «كائن»، والثاني: أن تكونَ في محلِّ جر صفة ل «نبي»، والخبر محذوف على ما تقدَّم، وادِّعاءُ حذفِ الخبرِ ضعيفٌ لاستقلال الكلام بدونه. وقال
فإنْ قلت: إنَّما يزعم هذا لأنهُ يُقَدِّر خبراً محذوفاً. قلت: قد ذَكَر هذا وجهاً آخرَ حيث قال: «ويجوزُ أَنْ يكونَ صفةً ل» نبي «والخبرُ محذوفٌ على ما ذكرنا».
ورَجَّح كونَ «قُتِل» مسنداً إلى ضميرِ النبي أنَّ القصةَ بسبب غزوة أحد وتجادل المؤمنين حين قيل: إنَّ محمداً قد مات مقتولاً، ويؤيِّدهُ قولُه: ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وإليه ذهب ابن عباسِ والطبري وجماعةٌ، وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] :«النبي يُقْتل فكيف لا يُخان. وذهب الحسن وابن جبير وجماعة إلى أنَّ القَتْلَ للربّيّين قالوا: لأنه لم يُقْتَل نبيٌّ في حربٍ قط. ونَصَر الزمخشري هذا بقراءة» قُتِّل «بالتشديد، يعني أن التكثير لا يتأتَّى في الواحد وهو النبي. وهذا الذي ذَكَره الزمخشري سَبَقَهُ إليه ابن جني، وسيأتي تأويل هذا.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو:» قُتِل «مبنياً للمفعول، وقتادة كذلك
قال الشيخ: «وليس بظاهر لأنَّ» كأين «مثلُ» كم «، وأنت إذا قلت:» كم مِنْ عانٍ فككتُه « [فأفرَدْتَ] راعَيْت لفظَها، ومعناها جَمعٌ، فإذا قلت:» فَكَكْتُهم «راعيتَ المعنى، فلا فرق بين» قُتل معه ربيون «و» قُتِل معهم رِبِّيُّون «، وإنما جاز مراعاةُ اللفظِ تارةً والمعنى أخرى في» كم «و» كأين «لأنَّ معناهما» جَمْعٌ «، و» جَمْعٌ «يجوزُ فيه ذلك، قال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٤-٤٥] فراعى اللفظَ في قولِه «منتصِرٌ» والمعنى في قوله: «يُوَلُّون».
وقوله: ﴿مِّن نَّبِيٍّ﴾ تمييز ل «كأيِّن» لأنها مثل «كم» الخبرية. وزعم بعضُهم أنه يلزمُ جَرُّه ب «مِن»، ولهذا لم يَجِيءْ في التنزيل إلا كذا، وهذا هو الأكثرُ الغالِبُ كما قال، وقد جاء تمييزها منصوباً قال:
١٤٦٠ - اطرُدِ اليأسَ بالرجاء فكائِنْ | آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بعدَ عُسْرِ |
١٤٦١ - وكائِنْ لنا فَضْلاً عليكم ورحمةً | قديماً ولا تَدْرُون ما مَنُّ مُنْعِمِ |
والربيُّون: جمعُ «رِبِّي» وهو العالمُ منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وإنما كُسرت راؤه تغييراً في النسب نحو: «إمْسِيّ» بالكسرِ منسوبٌ إلى «أَمْس». وقيل: كُسِر للإِتباع، وقيل: لا تغييرَ فيه وهو منسوبٌ إلى الرُّبَّة وهي الجماعةُ. وهذه
قوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ الضميرُ في» وَهَنوا «يعودُ على الرِّبِّيين بجملتهم إنْ كان» قُتِل «مسنداً إلى ضمير النبي، وكذا في قراءة» قاتل «سواء كان مسنداً إلى ضمير النبي أو إلى الربِّيِّين، وإنْ كان مسنداً إلى الربيين فالضميرُ يعودُ على بعضِهم، وقد تقدَّم ذلك عند الكلام في ترجيح قراءة» قاتل «.
والجمهورُ على «وَهَنوا» بفتحِ الهاء، والأعمش وأبو السَّمَّال بكسرِها، وهما لغتان: وَهَن يَهِنُ، كوعَد يَعِدُ، ووَهِنَ يَوْهَن كوَجِل يَوْجَل، ورُوِي عن أبي السَّمَّال أيضاً وعكرمة: «وَهْنوا» بكسونِ الهاء، وهو من تخفيفِ فَعِل لأنه حرفُ حلق نحو: نَعْم وشَهْد في: نَعِم وشَهِد.
و «لَمَّا» متعلِّقٌ ب «وَهَنوا»، و «وما» يجوزُ أَنْ تَكونَ موصولةً اسميةً أو مصدريةً أو نكرةً موصوفةً. والجمهورُ قرؤوا: «ضَعُفوا» بضمِّ العَيْن،
وقوله: ﴿وَمَا استكانوا﴾ فيه ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُها: أنه استَفعل من الكونِ، والكونُ: الذُّلُّ، وأصلُه: اسْتَكْوَن، فَنُقِلَتْ حركةُ الواو على الكاف، ثم قُلِبَتِ الواوُ ألفاً. وقال الأزهري وأبو عليّ: «هو من قول العرب:» بات فلان بِكَيْنَةِ سوءٍ «على وزِن» جَفْنة «أي: بحالةِ سوءٍ» فألفُه على هذا من ياءِ، والأصلُ: اسْتَكْيَنَ، ففُعِل بالياء ما فُعِل بأختها.
الثالث: قال الفراء: «وزنُه افْتَعَل من السكون، وإنما أُشْبعت الفتحةُ فتولدُ منها ألفٌ كقوله:
١٤٦٢ - أعوذُ باللهِ من العَقْرابِ | الشَّائِلاتِ عُقَدَ الأَذْنَابِ |
ورَجَّح أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين، أحدهما هذا، والآخر: أنَّ ما بعد «إلاَّ» مُثْبَتٌ، والمعنى: كان قولُهم: ربنا اغفر لنا دَأْبَهم في الدعاء وهو حسن، والمعنى: وما كان قولُهم شيئاً من الأقوال إلا هذا القولَ الخاص.
و ﴿في أَمْرِنَا﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بالمصدر قبله يقال: أَسْرَفْت في كذا. والثاني: أنه يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حال منه أي: حالَ كونِه مستقراً في أمرنا، والأولُ أَوْجَهُ.
١٤٦٣ - هما نَفَثا في فِيِّ مِنْ فَمَوَيْهِما | على النابحِ العاوي أشدُّ رِجامِ |
[والرعبُ: الخَوْفُ. يقال: رَعَبْتُه فهو مَرْعُوب، وأصلُه من الامتلاء، يقال: رَعَبْتُ الحوض أي: ملأتُه، وسيل راعِب، أي: ملأ الوادي. والسلطان: الحُجَّة والبرهان، واشتقاقُه: إمَّا مِنْ سَلِيط السِّراج الذي يُوقَدُ به...... ، لإِنارتِه ووضوحه، وإمَّا من السَّلاطة وهي الحِدَّةُ والقَهْر].
و ﴿فِي قُلُوبِ﴾ متعلِّقٌ بالإِلقاءِ. وكذلك ﴿بِمَآ أَشْرَكُواْ﴾، ولا يَضُرُّ تعلُّق الحرفين لاختلافِ معناهما، فإنَّ «في» للظرفية والباءَ للسببية. و «ما» مصدريةٌ. و «ما» الثانيةٌ مفعولٌ به ل «أشْركوا»، وهي موصولةٌ بمعنى الذي، أو نكرةٌ موصوفة. والراجعُ الهاءُ في «به»، ولا يجوز أن تكونَ مصدريةً عند الجمهور لعَوْد الضمير عليها. وتَسَلَّط النفيُ على الإِنزال لفظاً والمقصودُ نفيُ السلطان، أي: الحُجَّة، كأنه قيل: لا سلطانَ على الإِشراكِ فَيُنَزَّلَ كقوله:
١٤٦٤ -....................... | ولا تَرَى الضَبَّ بها يَنْجَحِرْ |
١٤٦٥ - على لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمَنارِه | ........................ |
قوله: ﴿حتى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ في «حتى» هذه قولان، أحدهما: أنها حرف جر بمعنى «إلى» وفي متعلَّقها حينئذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنها متعلقةٌ ب «تَحُسُّونهم» أي: تقتلونهم إلى هذا الوقت. والثاني: أنها متعلقةٌ ب «صدقكم»، وهو ظاهرُ قول الزمخشري قال: «ويجوز أن يكونَ المعنى: صَدَقَكم اللهُ وعدَه إلى وقت فشلكم». والثالث: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ دَلَّ عليه السياق، قال أبو البقاء: «تقديره: دامَ لكم ذلك إلى وقتِ فشلكم».
واختلفوا في» إذا «هذه، هل هي على بابها أم بمعنى» إذ «؟ والصحيح الأول سواءً قلنا إنها شرطيةً أم لا.
قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ عطفٌ على ما قبله، والجملتان من قوله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة﴾ اعتراضٌ بين المتعاطفين. وقال أبو البقاء:» ثم صرفكم «معطوفٌ على الفعل المحذوف» يعني الذي قَدَّره جواباً للشرط، ولا حاجة إليه. «وليبتليَكم» متعلِّقٌ ب «صرفكم» و «أََنْ» مضمرةٌ بعد اللام.
والجمهور على» تُصْعدون «بضم التاء وكسر العين من أصْعد في الأرض إذا ذهب فيها، والهمزة فيه للدخول نحو:» أصْبح زيدٌ «أي: دخل في الصباح، فالمعنى: إذ تَدْخُلون في الصُّعود، ويبيِّن ذلك قراءةُ أُبيّ:» تُصْعِدون في الوادي «. والحسن والسلمي:» تَصْعَدون «من صَعِد في الجبل أي رَقِي، والجمع بين القراءتين: أنهم أولاً أَصْعَدوا في الوادي، ثم لَمَّا حَزَبهم العدوُّ صَعِدوا في الجبل، وهذا على رأي مَنْ يفرِّقُ بين: أَصْعَدَ وصَعِد. وأبو حيوة:» تَصَعَّدُون «بالتشديد، وأصلها: تَتصَعَّدون، فحُذفت إحدى التاءين: إمَّا تاءُ المضارعة أو تاء تَفَعَّل، والجمع بين قراءته وقراءة غيره كما تقدم. والجمهور» تُصْعِدون «بتاء الخطاب، وابن محيصن ويروى عن ابن كثير بياء الغَيْبة على الالتفات وهو حسن، ويجوز أن يعود الضمير على المؤمنين أي: والله ذو فضل على المؤمنين إذ يُصْعِدون، فالعامل في إذ:» فَضْل «.
١٤٦٦ - ألا أيُّهذا السائلي أينَ أَصْعَدَتْ | فإنَّ لَها في أهل يَثْربَ مَوْعدا |
١٤٦٧ - قد كُنْتِ تبكين على الإِصعادِ | فاليومَ سُرِّحْتِ وصاح الحادي |
﴿وَلاَ تَلْوُونَ﴾ الجمهورُ على» تلْوون «بواوين. وقُرىء بإبدال الأولى همزة كراهيةَ اجتماعِ واوين، وليس بقياس لكونِ الضمَّةِ عارضةً، والواوُ المضمومةُ تُبْدَلُ همزةً بشروط تقدَّم ذكرها في البقرة: ألاَّ تكونَ الضمةُ عارضةً كهذه الكلمة، وألاَّ تكونَ مزيدة نحو:» تَرَهْوَك «، وألاَّ يمكنَ تخفيفُها نحو:» سُوُر «و» نُوُر «جمعُ سِوار ونُوار لأنه يمكن تسكينها فتقول: سُوْر ونُوْر
ومعنى لا تَلْوون: لا تَرْجعون، يقال: «لَوَى به» [أي] : ذهب به، ولَوَى عليه: عَطَف. قال:
١٤٦٨ -.......................... | أخو الجَهْد لا يَلْوي على مَنْ تَعَذَّرا |
وقرأ الأعمش: ورُوِيَتْ عن عاصم «تُلْوون» بضم التاء. من أَلْوى وهي لغةٌ في «لَوَى» ففَعَل وأفْعَلَ بمعنىً. وقرأ الحسن: «تَلُون» بواو واحدة، وخَرَّجوها على أنه أَبدلَ الواوَ همزةً، ثم نَقَل حركةَ الهمزةَ على اللام ثم حَذَف الهمزةَ على القاعدة، فلم يَبْقَ من الكلمة إلا الفاءُ وهي اللامُ. وقال ابن عطية: «وحُذِفَتْ إحدى الواوين للساكنين»، وكان قد قَدَّم أن هذه القراءةَ مركبةٌ على لغة مَنْ يهمزُ الواو وينقل الحركة، وهذا عجيبٌ بعد أَنْ يجعلَها من باب نَقْل حركة الهمزة كيف يعود يقول: حُذفت إحدى الواوين؟
وقرأ حميد بن قيس: «على أُحُد» بضمتين، يريد الجبل، والمعنى على مَنْ في جبل أحد، وهو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن عطية: «والقراءةُ الشهيرة أقوى لأنه لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرَّ الناس عنه، وإصعادُهم إنما كان وهو يَدْعوهم».
قوله: ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ مبتدأٌ وخبر في محلِّ نصب على الحال، العامل فيها: «تَلْوُون».
قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوفٌ على «تُصْعِدون» و «تَلْوون»، ولا يَضُرُّكونُهما مضارعين، لأنهما ماضيان في المعنى، لأنَّ «إذ» المضافة إليهما صَيِّرتهما ماضيين، فكأن المعنى: إذا صَعِدتم وأَلْويتم. والثاني: أنه معطوفٌ على «صَرَفكم». قال الزمخشري: «فأثابكم» عطفٌ على «صَرَفَكم». وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصلِ. وفي فاعِله قولان، أحدُهما: أنه الباري تعالى، والثاني: أنه النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الزمخشري: «ويجوز أَنْ يكونَ الضميرُ في» فأثابكم «للرسولِ، أي: فآساكم في الاغتمامِ، وكما غَمَّكم ما نَزَل به من كسرِ رباعيته غَمَّه ما نَزَل بكم من فَوْتِ الغنيمة.
وقيل: «متعلَّقُ الغمِّ الرسولُ، والمعنى: أذاقكم الله غَمَّاً بسبب الغَمِّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشَلِكم، أو فأثابكم الرسولُ، أي: آساكم غَمَّاً بسبب غمٍ اغتممتموه لأجله. والثاني: أن تكونَ الباءُ للمصاحبة أي: غَمَّاً مصاحباً لغَمٍّ، ويكون الغَمَّان للصحابة، فالغَمُّ الأول الهزيمة والقتل. والثاني: إشرافُ خالد بخيل الكفار، أو بإرجاف قتل الرسول عليه السلام، فعلى الأول تتعلَّق الباء ب» أَثَابكم «. قال أبو البقاء:» وقيل: المعنى بسبب غَمٍّ، فيكونُ مفعولاً به «. وعلى الثاني تتعلَّقُ بمحذوفٍ، لأنه صفةٌ لغَمّ، أي: غَمَّاً مصاحِباً لغَمٍّ، أو مُلْتَبِساً بغَمٍّ. وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ الباءُ بمعنى» بعد «أو بمعنى» بَدَل «، وجَعَلَها في هذين الوجهين صفةً ل غَمَّا»، وكونُها بمعنى «بعد» و «بدل» بعيدٌ، وكأنه يريد تفسيرَ المعنى، وكذا قال الزمخشري: «غَمَّاً بعد غم».
وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ هل هو حقيقةٌ أو مجاز؟ فقيل: مجاز، كأنه جَعَلَ الغَمَّ قائماً مقام الثواب/ الذي كان يحصُل لولا الفِرارُ، فهو كقوله:
١٤٦٩ - أخافُ زياداً أَنْ يكونَ عَطاؤُه | أداهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا |
١٤٧٠ -....................... | تحيةُ بيْنِهم ضَرْبٌ وَجِيعُ |
قوله: ﴿لِّكَيْلاَ﴾ هذه لامُ «كي»، وهي لام جر، والنصبُ هنا ب «كي» لئلا يلزمَ دخولَ حرفِ جر على مثله. وفي متعلَّق هذه اللامِ قولان، أحدُهما: أنه «فأثابكم»، وفي «لا» على هذا وجهان، أحدهما: أنها زائدةٌ، لأنه لا يترتَّبُ على الاغتمام انتفاءُ الحزنِ، والمعنى: أنه غَمَّهم ليُحْزِنَهم عقوبةً لهم على تركِهم مواقعَهم، قاله أبو البقاء. الوجه الثاني: أنها ليست زائدةً، فقال الزمخشري: «معناه: لكي لا تحزنوا لتتمرَّنوا على تَجَرُّعِ الغُموم، وتَضْرَوا باحتمالِ الشدائدِ فلا تحزنوا فيما بعدُ على فائتٍ من المنافع، ولا على مصيبٍ في المضارِّ» وقال ابن عطية: «المعنى: أنَّ ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم وَرَّطْتُم أنفسَكم، وعادةُ البشرِ أن يصبرَ للعقوبة إذا جنى، وإنما يكثُرُ قَلَقُه إذا ظَنَّ البراءةَ من نفسه.
والثاني: أنَّ اللامَ تتعلَّق ب» عَفا «لأنَّ عَفْوَه أذْهَبَ كلَّ حزنٍ. وفيه بُعْدٌ من جهةِ طولِ الفصلِ.
وأَمَّا «نُعاساً» فإنْ أَعْربنا «أمنةً» مفعولاً به كان بدلاً، وهو بدلُ اشتمال، لأنَّ كلاًّ مِنْ الأمنةِ والنعاس يشتمل على الآخر، أو عطفَ بيانٍ عند غيرِ الجمهور، فإنهم لا يشترطون جريانَه في المعارف، أو مفعولاً من أجلِه وهو فاسدٌ بما تقدَّم، وإنْ أَعْرَبْنا «أمنةً» حالاً كان مفعولاً ب «أَنْزل» عطفٌ على قولِه: «فأثابكم»، وفاعلُه ضميرُ اللهِ تعالى، وأل في «الغمّ» للعهدِ، لتقدُّم ذِكْرِه.
ورَدَّ الشيخ على الزمخشري كونَ «أمنةً» مفعولاً له بما تقدَّم، وفيه نظرٌ، فإنَّ الزمخشري قال: «أو مفعولاً له بمعنى: نَعِسْتُمْ أَمَنَةً» فقدَّر له عاملاً يتَّحِدُ فاعلُه مع فاعل «أمنةً» فكأنه استشعر السؤالَ، فلذلك قَدَّر عاملاً، على أنه قد يُقال: إنَّ الأمَنة من الله تعالى، بمعنى أنه أَوْقَعها بهم، كأنه قيل: أنزل عليكم النُّعاس ليُؤْمِنَكم به، و «أمنة» كما تكون مصدراً لمِنْ وَقَع به الأمن تكونُ مصدراً لِمَنْ أَوْقعه.
وقرأ [الجمهور: «أَمَنَةً» بفتح الميم: إمَّا مصدراً بمعنى الأمن، أو جمع «آمِن» على ما تقدَّم تفصيله. والنخعي وابن محيصن] بسكون الميم، وهو مصدرٌ فقط، وكلاهما للمَرَّة.
١٤٧١ - فكأنه لَهِقُ السَّراةِ كأنه | ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ |
١٤٧٢ - إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها | تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْن الأعْضَبِ |
وإنْ أَعربوا «نُعاساً» مفعولاً من أجلِه لَزِم الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالمفعولِ له، وكذا إنْ أَعْربوا «نعاساً» مفعولاً به، و «أَمَنَةً» حالاً يلزم الفصلُ أيضاً، وفي جوازه نظرٌ. والأحسنُ حينئذٍ أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما حكمُ هذه الأمَنَة؟ فأخبرَ بقوله «تَغْشى»، ومَنْ قرأ بالياء أعاد الضمير على «نُعاساً» وتكون الجملةُ صفةً له. و «منكم» صفة ل «طائفة» فيتعلق بمحذوف.
قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ في هذه الواو ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها واوُ الحالِ، وما بعدها في محلِّ نصب على الحالِ، والعاملُ فيها «يغشى» والثاني: أنها واوُ الاستئنافِ، وهي التي عَبَّر عنها مكي بواوِ الابتداءِ، والثالث: أنها بمعنى «إذ» ذكره مكي وأبو البقاء وهو ضعيفٌ. و «طائفةٌ» مبتدأ، والخبرُ «قد أَهَمَّتْهُمْ أنفسُهم»، وجاز الابتداءُ بالنكرةِ لأحد شيئين: إمَّا للاعتماد على واوِ الحال، وقد عَدَّه بعضُهم مُسَوِّغاً، وإنْ كان الأكثرُ لم يذكروه، وأنشد:
١٤٧٣ - سَرَيْنا ونجمٌ قد أضاءَ فمذْ بدا | مُحيِّاكِ أَخْفَى ضَوْءُه كلَّ شارِقِ |
١٤٧٤ - إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انصرَفَتْ له | بشِقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّلِ |
وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجه، أحدها: أنه «قد أَهَمَّتْهُم» كما تقدم، الثاني: أنه «يظنون» والجملةُ قبلَه صفةٌ ل «طائفة». الثالث: أنه محذوفٌ، أي ومنكم طائفة وهذا يُقَوِّي أنَّ معناه التفصيل، والجملتان صفتان ل «طائفة»، أو يكونُ «يظنون» حالاً من مفعول «أهمَّتْهم» أو مِنْ «طائفة» لتخصُّصه بالوصف، أو خبراً بعد خبر إنْ قلنا إنَّ «قد أهمتهم» خبرٌ أولُ، وفيه من الخلافِ ما مَضَى غيرَ مرة.
الرابع: أنَّ الخبر «يقولون»، والجملتان قبلَه على ما تقدَّم من كونهما صفتين أو خبرين، أو إحداهما خبرٌ والأخرى حالٌ، ويجوزُ أَنْ يكون «يقولون» صفةً، أو حالاً أيضاً إنْ قلنا: إنَّ الخبرَ الجملة التي قبله، أو قلنا إنَّ الخبرَ مضمر.
وقوله: ﴿يَظُنُّونَ﴾ له مفعولان، فقال أبو البقاء: «غيرَ الحق» مفعولٌ أولُ أي: أمراً غير الحق، و «بالله» هو المفعول الثاني. وقال الزمخشري: «غير الحق» في حكم المصدر، ومعناه: يَظُنُّون باللهِ غيرَ الحق الذي يجب أن يُظَّنَّ به، و «ظنَّ الجاهلِية»، بدلٌ منه، ويجوز أن يكونَ المعنى: «يظنون باللهِ ظَنَّ الجاهلِية»، و «غيرَ الحق» تأكيدٌ ل «يظنون» كقولِك: «هذا القولُ غيرُ ما تقول»، فَعَلى ما قال لا يتعدَّى «ظنَّ» إلى مفعولين، بل تكونُ الباءُ ظرفيةً للظن، كقولك: «ظننت بزيد» أي: جعلْتُه مكانَ ظنِّي «، وعلى هذا المعنى حَمَل النحويين قوله:
١٤٧٥ - فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ | سَراتُهمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ |
وفي نصب» ظنَّ الجاهليةَ «وجهان أيضاً: البدلُ من» غيرَ الحق «، أو أنه مصدرٌ مؤكد ل» يظنون «، و» بالله «: إمَّا متعلق بمحذوف على جَعْله/ مفعولاً ثانياً، وإمَّا بفعل الظن على ما تقدم وإضافةُ» الظن «إلى» الجاهلية «قال الزمخشري:» كقولك: «حاتمُ الجودِ، ورجلُ صدقٍ» يريد الظنَّ المختصَّ بالملةِ الجاهلية، ويجوز أن يراد: ظنَّ أهلِ الجاهلية «وقال غيرُه:» المعنى: المدة الجاهلية أي: القديمة قبل الإِسلام نحو: حَمِيَّة الجاهلية «.
قوله: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ﴾ :» مِنْ «في» من شيء «زائدةٌ في المبتدأ، وفي الخبر وجهان، وأصحُّهما أنه» لنا «، فيكون» من الأمر «في محلِّ نصب على الحال من» شيء «لأنه نعت نكرةٍ قُدِّم عليها فينتصبُ حالاً. ويتعلق بمحذوف. والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكون» من الأمر «هو الخبر، و» لنا «تبيين، وبه تتِمُّ الفائدةُ كقولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وهذا ليس بشىء لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذ يتعلَّق بمحذوف، وإذا كان كذلك فيصير» لنا «من جملةٍ أخرى، فتبقى الجملة من المبتدأ أو الخبر غيرَ مستقلة بالفائدة، وليس نظيراً لقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فإن» له «فيها متعلِّق بنفس» كفواً «لا بمحذوفٍ، وهو نظيرُ:» لم يكن أحد قائلاً لبكر «ف» لبكر «متعلق بنفس الخبر.
وهذه الجملةُ الجوابيةُ اعتراضٌ بين الجمل التي جاءت بعد قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ﴾ فإنَّ قولَه: ﴿يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم﴾ وكذا «يقولون» الثانية: إمَّا خبرٌ عن «طائفة» أو حال مِمَّا قبلها.
وقرأ الجماعة «كلَّه» بالنصب، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه تأكيدٌ لاسم «إن». والثاني حكاه مكي عن الأخفش أنه بدلٌ منه، وليس بواضحٍ. و «لله» خبرُ «إنْ». وقرأ أبو عمرو: «كلُّه» رفعاً وفيه وجهان، أشهرُهما: أنه رفع بالابتداء، و «لله» خبرُه، والجملةُ خبرُ «إنَّ» نحو: «إنَّ مالَ زيد كلُّه عنده». والثاني: أنه توكيدٌ على المحلِّ، ف «إنَّ» اسمُها في الأصل مرفوعٌ بالابتداء، وهذا مذهبُ الزجاج والجرميّ، يُجْرون التوابع كلها مُجْرى عطفِ النسق، فيكونُ «لله» خبراً ل «إنَّ» أيضاً. و «يُخْفون» : إمَّا خبرُ ل «طائفة» أو حالٌ مِمَّا قبله كما تقدم. وأما «يقولون» فيحتمل هذين الوجهين، ويحتمل أَنْ يكون تفسيراً لقوله «يُخْفون» فلا محلَّ له حينئذ.
وقوله: ﴿مَّا قُتِلْنَا﴾ جوابُ «لو»، وجاء على الأفصحِ: فإنَّ جوابَها إذا كان
وقد أَعْرَب الزمخشري هذه الجملَ الواقعة بعد قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ﴾ إعراباً أفضى إلى خروجِ المبتدأ بلا خبر، ولا بد من إيراد نَصِّه ليتبيَّنَ ذلك، قال رحمه الله: «فإنْ قلت كيف مواقعُ هذه الجمل التي بعد قوله:» وطائفة «؟ قلت:» قد أهَمَّتْهُمْ «صفةٌ ل» طائفة «و» يظنون «صفةٌ أخرى أو حال، بمعنى: قد أهمَّتْهم أنفسهم ظانِّين، أو استئناف على وجه البيان للجملةِ قبلها، و» يقولون «بدلٌ من» يظنون «.
فإن قلت: كيف صَحَّ أن يقع ما هو مسألةٌ عن الأمر بدلاً من الإِخبار بالظن؟ قلت: كانت مسألتهم صادرةً عن الظن فلذلك جاز إبدالُه منه، و «يُخفون» حال من «يقولون»، و ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ اعتراضٌ بين الحال وذي الحال، و «يقولون» بدلٌ من «يُخْفون»، والأجودُ أَنْ يكون استئنافاً «انتهى كلامه. وهذا من أبي القاسم بناءً على أن الخبر محذوف كما قَدَّمْتُ لك تقريرَه [في] :» ومنكم طائفةٌ «لأنه موضعُ تفصيل.
قوله: ﴿لَبَرَزَ﴾ جاء على الأفصح، وهو ثبوت اللام في جوابها مثبتاً، والجمهورُ» لبرز «مخففاً مبيناً للفاعل، وأبو حيوة:» لبُرِّز «مشدداً مبنياً للمفعول، عدَّاه بالتضعيف. وقرىء» كَتَب «مبنياً للفاعل وهو الله تعالى،» القتلَ «مفعولاً به، والحسن:» القتالُ «رفعاً.
قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بفعلٍ قبله، تقديرُه: فَرَض اللهُ عليكم القتالَ ولم ينصُرْكم يومَ أُحد ليبتلي ما في صدوركم وقيل: بفعلٍ بعده، أي: ليبتلي فَعَلَ هذه الأشياء. وقيل: الواوُ زائدةٌ واللام متعلقة بما قبلها، وقيل:» وليبتلي «عطفٌ على» ليبتلي «الأولى، وإنما كُرِّرت لطولِ الكلام، فعُطِف عليه» وليمحِّص «قاله ابن بحر. وقيل: هو عطفٌ على علةٍ محذوفةٍ تقديرُه: ليقضي اللهُ أمرَه وليبتلي، وجَعَلَ متعلَّقَ الابتلاءِ ما انطوى عليه الصدورُ، والذي انطوى عليه الصدر هو القلب، لقوله: ﴿القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦]، وجَعَل متعلَّقَ التمحيص وهو التصفية ما في
١٤٧٦ - وكلُّ رفيقَيْ كلِّ رحلٍ وإنْ هما | تعاطَى القَنا قوماً هما أخَوان |
وقيل:» إذا «بمعنى» إذْ «وليس بشيء. وقَدَّرَ الشيخ مضافاً محذوفاً هو عاملٌ في» إذا «تقديرُه:» وقالوا لهلاكِ إخوانهم «أي مخافةَ أن يَهْلَكَ إخوانُهم إذا سافروا أو غزَوا، فقدَّر العاملَ مصدراً مُنْحَلاًّ ل» أَنْ «والمضارع حتى يكونَ مستقبلاً قال:» ولكنْ يصيرُ الضميرُ في قوله: ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا﴾ عائداً على «إخوانهم» في اللفظ وهو لغيرهم في المعنى أي: يعودُ على إخوانٍ آخرين وهم الذي تقدَّمَ موتُهم بسببِ سفرٍ أو غزو، وقَصْدُهم بذلك تثبيطُ الباقين، وهو نظيرُ: «درهمٌ ونصفه»، ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقول النابغة:
ألا ليتما هذا الحمامُ لنا | إلى حمامتِنا ونصفُه فَقَدِ |
واللامُ في» لإِخوانهم «للعلةِ، وليسَتْ هنا للتبليغ كالتي في قولِك:» قلت لزيدٍ: افعل كذا «.
والجمهورُ على» غُزَّى «بالتشديد جمع» غازٍ «وقياسُه: غُزَاة كرام ورُماة، ولكنهم حَمَلوا المعتلَّ على الصحيح في نحو: ضارِب وضُرَّب، وصائم وصُوَّم. والزهري والحسن:» غُزَى «بتخفيفها، وفيه وجهان: أنه خَفَّف الزايَ كراهيةَ التثقيلِ في الجمعِ. والثاني: أنَّ أصلَه» غُزاة «كقُضاة ورُماة، ولكنه حَذَفَ تاءَ التأنيث، لأنَّ نفسَ الصيغةِ دالَّة على الجمعِ، فالتاءُ مستغنىً عنها.
وقال ابن عطية: وهذا الحذف كثيرٌ في كلامهم، ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي:
١٤٧٨ - أبى الذَّمُّ أخلاقَ الكسائي وانْتَحى | به المجدُ أخلاقَ الأُبُوِّ السَّوابقِ |
ويُقال: غُزَّاء بالمدِّ أيضاً وهو شاذٌّ، وتَحَصَّل في «غازٍ» ثلاثةُ جموعٍ في التكسير: غُزاة كقُضاة، وغُزَّى كصُوَّم، وغُزَّاء كصُوّام، وجمعٌ رابع جمعُ سلامة، والجملةُ كلها في محل نصب بالقول.
قوله: ﴿لِيَجْعَلَ الله﴾ في هذه اللام قولان، أحدهما: أنها لام «كي» والثاني: أنها لام العاقبة والصيرورة، وعلى القول الأول فبِمَ تتعلَّق هذه اللام؟ وفيه وجهان، فقيل: التقدير: أَوْقَعَ ذلك أي القول أو المُعْتَقَد ليجعلَه حسرةً، أو نَدَمُهم، كذا قَدَّره أبو البقاء، وأجاز الزمخشري: أن تتعلَّقَ بجملة النهي، وذلك على معنيين باعتبارِ ما يرُاد باسمِ الإِشارة على ما سيأتي بيانُه في كلامِه: أمَّا الاعتبارُ الأول فإنه قال: «يعني: لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القول واعتقادِه ليجعله اللهُ حسرةً في قلوبِهم خاصة، ويصونَ منها قلوبَكم» فجعل «ذلك» إشارةً إلى القولِ والاعتقادِ. وأمَّا الاعتبارُ الثاني فإنه قال: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» ذلك «إشارةً إلى ما دَلَّ عليه النهيُ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعلَ اللهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم، لأنَّ مخالَفَتهم فيما يقولون، ويعتقدون مِمَّا يَغُمُّهُمْ ويَغيظهم».
ولا أدري ما وجهُ تثبيجِ كلام أبي القاسم، وكيفَ ردَّ عليه على زعمه بكلامه؟
وقال الشيخ أيضاً: «وقال ابنُ عيسى يعني الرماني وغيرُه اللامُ متعلقةٌ بالكون، أي لا تكونوا كهؤلاءِ ليجعلَ اللهُ ذلك حسرة في قلوبهم دونَكم، ومنه أخَذَ الزمخشري في قولِه، لكنَّ ابن عيسى نَصَّ على ما تتعلق به اللام، وذاك لم ينص، وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا القول». انتهى. وقوله: «وذلك لم ينصَّ» بل قد نَصَّ، وقال: «فإنْ قلت ما متعلَّقُ ليجعلَ؟ قلت:» قالوا «إلى آخره، أو بقوله:» لا تكونوا «، وأيُّ نصٍ أظهرُ من هذا؟ ولا يجوزُ تَعَلُّق هذه اللامِ ومعناها التعليل ب» قالوا «لفساد المعنى، لأنهم لم يقولوه لذلك بل لتثبيطِ المؤمنينِ عن الجهاد.
وعلى القولِ الثاني أعني كونَها للعاقبةِ تتعلَّقُ ب» قالوا «والمعنى: أنَّهم قالوا ذلك لغرضٍ من أغراضِهم، فكانَ عاقبةُ قولِهم ومصيرُه إلى الحسرةِ والنَّدامَةِ كقولِه: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨]، لم يلتِقطوه
واختُلف في المُشار إليه بذلك: فعن الزجاج: هو الظن، ظنوا أنهم لو لم يَحْضُروا لم يُقْتَلوا. وقال الزمخشري:» هو النطق بالقول والاعتقاد «. وقريبٌ منه قول ابن عطية، وأجاز ابن عطية أيضاً أن يكونَ للنهي والانتهاء معاً. وقيل هو مصدرُ» قال «المدلولِ عليه به.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي:» يَعْملون «بالغيبةَ ردَّاً على الذين كفروا، والباقون بالخطابَ ردَّاً على قوله: ﴿لاَ تَكُونُواْ﴾ فهو خطابٌ للمؤمنين. وجاء هنا بصفة البصر، قال الراغب:» عَلَّق ذلك بالبصر لا بالسمعِ، وإنْ كان الصادرُ منهم قولاً مسموعاً لا فعلاً مرئياً، لمَّا كان ذلك القولُ من الكافر قصداً منه إلى عمل يُحاوِلُه، فَخَصَّ البصرَ بذلك، كقولك لمَنْ يقولُ شيئاً وهو يَقْصِدُ فِعْلاً يُحاوله: أنا أرى ما تفعله «.
و «مغفرةٌ» فيها وجهان، أظهرهُما: أنها مرفوعةٌ بالابتداء، والمسوِّغات هنا كثيرة: لام الابتداء والعطف عليها في قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ ووصفُها، فإنَّ قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ صفةٌ لها، ويتعلق حينئذٍ بمحذوف، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبرٌ عنها. والثاني: أن تكونَ مرفوعة على خبر ابتداء مضمر، إذا أُريد بالمغفرةِ والرحمةِ القتلُ أو الموتُ في سبيل الله، لأنهما مقترنان بالموتِ في سبيلِ الله، فيكونُ التقدير: فذلك أي الموتُ أو القتلُ في سبيلِ الله مغفرةٌ ورحمةٌ خير، ويكون «خير» صفةً لا خبراً، وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال: «وتحتمل الآية أن يكونَ قولُه: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ إشارةً إلى الموت أو القتل في سبيل الله، فَسَمَّى ذلك مغفرةً ورحمة، إذ هما مقترنان به، ويجيء التقدير: فذلك مغفرةٌ ورحمة، وترتفعُ المغفرةُ على خبر الابتداء المقدر، وقوله:» خير «صفةٌ لا خبرٌ ابتداء» انتهى. ولكنَّ الوجهَ الأولَ أظهرُ، و «خير» هنا على بابِها من كونِها للتفضيلِ، وعن ابن عباس: «خيرٌ من طِلاع الأرض ذهبةً حمراءَ».
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ورحمةٌ من الله، فَحُذِفَتْ صفتُها لدلالة الأولى عليها، ولا بُدَّ من حَذْفٍ آخر مُصَحِّحٍ للمعنى، تقديرُه: لمغفرة من الله لكم ورحمةً منه لكم. وجاء بالمغفرةِ والرحمةِ نكرتين إيذاناً بأنَّ أَدنى خيرٍ وأقلَّ
١٤٧٩ - بُنَيَّتي سيدةَ البنات | عِيشي ولا يُؤْمَنُ أَنْ تَماتي |
وقرأ الجماعة: «تَجْمَعُون» بالخطاب جرياً على قوله: «ولئن قُتِلتم»، وحفص بالغيبة: إمَّا على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين.
وهذه ثلاثة مواضع: تقدَّم الموتُ على القتل في الأول منها وفي الأخير، والقتلُ على الموت في المتوسط، وذلك أنَّ الأول لمناسبةِ ما قبله من قوله: ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ فرجعَ الموتُ لِمَنْ ضَرَب في الأرض، والقتلُ لِمَنْ غزا، وأما الثاني فلأنه مَحَلُّ تحريضٍ على الجهاد فَقَدَّم الأهمَّ الأعرفَ، وأمَّا الآخرُ فلأنَّ الموتَ أغلبُ.
وقوله: ﴿لإِلَى الله﴾ اللامُ جوابُ القسم فهي داخلةٌ على ﴿تُحْشَرُونَ﴾، و «إلى الله» متعلقٌ به، وإنما قُدِّم للاختصاصِ أي: إلى الله لا إلى غيره يكونُ حشرُكُم، أو للاهتمام، وحَسَّنَه كونُه فاصلةً، ولولا الفصلُ لوجب توكيدُ الفعل بنونٍ، لأنَّ المضارعَ المثبت إذا كانَ مستقبلاً وَجَبَ توكيدُه مع اللام خلافاً للكوفيين، حيثُ يجيزون التعاقبَ بينهما، كقوله:
١٤٨٠ - وقتيلِ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ فإنه | ......................... |
١٤٨١ - لِئَنْ تكُ قد ضَاقَتْ عليكم بيوتُكم | لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بيتيَ واسِعُ |
١٤٨٢ - كَذَبْتِ لقد أُصْبي على المَرْء عِرْسَه | ......................... |
وليس لقائلٍ أن يقولَ له: أَنْ يجعلَها غيرَ مضافةٍ ولا يجعلَ «رحمة» بدلاً
وقال مكي: «ويجوز أن ترتفعَ» رحمةٍ «على أَنْ تَجْعَلَ» ما «بمعنى الذي، وتُضْمِرَ» هو «في الصلة وتَحْذِفَها كما قرىء: ﴿تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنُ﴾.
وقولُه: «ويجوزُ» يعني من حيث الصناعةُ، وأمَّا كونُها قراءةً فلا أحفظها.
والفَظَاظَة: الجَفْوَةَ في المُعاشرة قولاً وفعلاً. قال:
١٤٨٣ - أَخْشَى فَظاظَة عَمٍّ أو جفاءَ أخٍ | وكنتُ أَخْشَى عليها مِنْ أَذَى الكَلِمِ |
١٤٨٤ - يُبْكَى علينا ولا نَبْكي على أحدٍ | لنحنُ أغلظُ أكباداً من الإِبلِ |
والانفضاضُ: التفرُّق في الأجزاءِ وانتشارُها ومنه:» فُضَّ خَتْمُ الكتابِ «ثم استُعير عنه» انفضاضُ الناسِ «ونحوِهم.
وقوله: ﴿فاعف عَنْهُمْ﴾ إلى أخره جاء على أحسنِ النسق، وذلك أنه أَمَر أولاً بالعفوِ عنهم فيما يتعلَّقُ بخاصةِ نفسِه، فإذا انتهَوا إلى هذا المقام أُمِرَ أن يَسْتغفِرَ لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاحَ عنهم التَّبِعَتان، فلمَّا صاروا إلى هذا أُمِر بأنْ يُشاوِرَهم في الأمر إذا صاروا خالصين من التَّبِعَتَيْن مُصَفَّيْن منهما، والأمرُ هنا وإنْ كان عاماً فالمرادُ به الخصوص، قال أبو البقاء:» إذ لم يُؤْمَرْ بمشاورتِهم في الفرائضِ، ولذلك قرأ ابن عباس: «في بعضِ الأمر». وهذا تفسيرٌ لا تلاوة.
وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ الجمهورُ على فتح التاء خطاباً له عليه السلام. وقرأ عكرمة وجعفر الصادق بضمها، على أنها لله تعالى على معنى: فإذا
وقوله: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ جارٍ مَجْرى العلةِ الباعثةِ على التوكيلِ عند الأخْذِ في كلِّ الأمر/.
وقوله: ﴿فَمَن ذَا الذي﴾ قد تقدَّم مثلُه في البقرة وأقوالُ الناس فيه. والهاءُ في «مِنْ بعدِه» فيها وجهان، أحدُهما وهو الأظهر أنها تعودُ على اللهِ تعالى، وفيه احتمالان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ بعدِ خِذْلانِه. والثاني: أنه لا يُحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلام: إنكم إذا جَوَّزْتموه إلى غيرِه وقد خَذَلكم فَمَنْ تجاوزون إليه وينصُركم؟ والوجه
وقوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ إنَّما قَدَّم الجارَّ ليؤذن بالاختصاص أي: ليخُصَّ المؤمنون ربَّهم بالتوكُّل عليه والتفويضِ لعلمهم أنه لا ناصرَ لهم سواه، وهو معنىً حسن ذكره الزمخشري. وقرأ الجمهور: «ويَخْذُلْكم» بفتح الياء مِنْ «خَذَله» ثلاثياً، وقرأ عبيد بن عمير: «يُخْذِلْكم» بضمها مِنْ أخذل رباعياً، والهمزةُ فيه لجَعْل الشيءِ، أي: يَجْعَلْكم مخذولين.
واختار أبو عبيد والفارسي قراءةَ البناء للفاعل قالا: لأنَّ الفعلَ الواردَ بعدُ «ما كان لكذا أن يفعل» أكثرُ ما يَجِيءُ منسوباً إلى الفاعل نحو: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وبابه ورجَّحها بعضُهم بقولِه: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ فهذا يُوافِقُ هذه القراءةَ، ولا حُجَّة في ذلك لأنها موافقةٌ للأخرى.
والخَذْلِ والخِذْلاَنِ ضد النصر، وهو تَرْكُ مَنْ تَظُنُّ به النُّصْرة. وأصلُه منْ «خَذَلَتِ الظَّبْيَةُ ولدَها» أي: تركَتْه منفرداً، ولهذا قيل لها: خاذِل. ويقال للولدِ المتروك أيضاً: خاذِل، وهذا على النسب، والمعنى أنها مخذولةٌ، قال بُجَيْر:
١٤٨٥ - بجيدِ مُغْزِلَةٍ أَدْماءَ خاذِلَةٍ | من الظِّباءِ تُراعي منزلاً زِيَمَا |
١٤٨٦ - خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَباً بخميلةٍ | تَنَاولُ أطرافَ البَريرِ وترْتَدي |
١٤٨٧ - بينَ مَغْلوبٍ تليلٍ خَدُّهُ | وخذولِ الرِّجْلِ من غيرِ كَسَحْ |
والغُلول في الأصلِ: تَدَرُّع الخِيانَةِ وتوسُّطها، والغَلَلُ: تَدَرُّعُ الشيء وتوسُّطه، ومنه:» الغَلَلُ «للماءِ الجاري بين الشجرِ، والغِلُّ: الحِقْدُ لكُمونه في الصدر، وتَغَلْغَلَ في كذا: إذا دخَل فيه وتوسَّط، قال:
١٤٨٨ - تَغَلْغَلَ حيث لم يَبْلُغْ شَرابٌ | ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ |
وقولُه: ﴿ثُمَّ توفى﴾ هذه الجملةُ معطوفةٌ على الجملة الشرطية، وفيها إعلامٌ أنَّ الغالَّ وغيرَه مِنْ جميعِ الكاسبين لا بُدَّ وأن يُجازوا فيندرجَ الغالُّ تحت هذا العموم أيضاً فكأنه ذُكِر مرتين. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هَلاَّ قيل:» ثم يُوَفَّى ما كسَب «ليتصلَ به. قلت: جِيء بعامٍّ دخَل تحتَه كلُّ كاسبٍ من الغالِّ وغيرِه فاتَّصل به من حيثُ المعنى، وهو أثبتُ وأبلغُ».
و «بسَخَطٍ» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ الفعلِ أي: رَجَع بسَخَطِه، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً فيتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: رجَع مصاحباً لسَخَطه أو ملتبساً به. و «مِنَ الله» صفتُه. والسَّخَط: الغضبُ الشديد، ويقال: «سَخَط» بفتحتين وهو مصدرٌ قياسي، ويقال: «سُخط» بضمِّ السين وسكونِ الخاء، وهو غيرُ مقيسٍ، ويقال: «هو في سُخْطَةِ المَلِك» بالتاءِ أي: في كراهةٍ منه له.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ في هذه الجملةِ احتمالان: أن تكون مستأنفةً، أخبر أنَّ مَنْ باءَ بسَخَطِه أَوَى إلى جهنَّم. ويُفْهَمُ منه مقابله وهو: أنَّ مَنِ اتَّبع الرضوانَ كان مأواه الجنة، وإنما سَكَتَ عن هذا ونَصَّ على ذلك ليكونَ أبلغَ في الزجر، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ في هذه الجمل تقديرُه: أفَمَنْ اتبع ما يؤولُ به إلى رضا الله فباء برِضاه كَمَنِ اتَّبع ما يَؤُول به إلى سَخَطه.
والثاني: أنها داخلةٌ في حَيِّز الموصولِ، فتكونُ معطوفةً على «باء بسخط»، فيكونُ قد وَصَل الموصولَ بجملتين اسميةٍ وفعلية، وعلى كلا الاحتمالَيْن لا محلَّ لها من الإِعراب. والمخصوصُ بالذمِّ محذوف أي: وبئس المصيرُ جهنمُ. واشتملت هذه الآياتُ على الطباق في قوله: «يَنْصُرْكم ويَخْذُلْكم»، وفي قولِه: «رضوان الله وسخطه»، والتجنيسُ المماثِلُ في قولِه: «يَغْلُلْ» و «بما غلَّ».
أنَصْبٌ للمنيَّةِ تَعْتَرِيهمْ | رجالي أم هُمُ دَرَجُ السُّيولِ |
وأجاز ابن الخطيب أن يكونَ الأصلُ :" لهم درجات " فحُذفت اللام، وعلى هذا يكونُ " درجاتٌ " مبتدأ ما قبلَها الخبرُ. وقد رَدَّ عليه بعضُ الناس، وجَعَل هذا مِنْ جَهْلِهِ وجهلِ متبوعيه من المُفَسِّرين بلسانِ العربِ وقال :" لا مساغَ لحذفِ اللامِ البتة، لأنها إنما تُحْذَفُ في مواضعَ يُضْطَرُّ إليها، وهنا المعنى واضحٌ مستقيمٌ مِنْ غيرِ تقديرِ حَذْفٍ "، ولعَمْري إنَّ ادِّعاء حذفِ اللامِ خطأٌ، والمخطيءُ معذورٌ، ولكن قد نُقِل عن المفسرين هذا، ونُقل عن ابن عباس والحسن :" لكلٍّ درجاتٌ من الجنةِ والنار "، فإنْ كان هذا القائل أَخَذَ من هذا الكلامِ أنَّ اللامَ محذوفةٌ فهو مخطىء، لأنَّ هؤلاء رضي الله عنهم يُفَسِّرون المعنى لا الإِعرابَ اللفظي. وقرأ النخعي :" درجةٌ " بالإِفراد عل الجنس.
و " عند الله " فيه وجهان، أحدُهما : أَنْ يتعلَّق ب " درجات " على المعنى لِما تضمَّنت من معنى الفعل، كأنه قيل : هم متفاضلون عند الله، وأَنْ يتعلق بمحذوفٍ صفةً لدرجات، فيكونَ في محل رفع.
إلاَّ أنَّ الشيخَ قد رَدَّ عليه الوجَه الثاني بأنَّ» إذ «غيرُ متصرفةٍ، لا تكونُ إلا ظرفاً، أو مضافاً إليها اسمُ زمان، أو مفعولةً باذكر على قولٍ. ونَقَل قولَ أبي علي فيها وفي» إذا «أنهما لا تكونان فاعلين ولا مفعولين ولا مبتدأين. قال:» ولا يُحْفَظُ مِنْ كلامِهم: «إذ قام زيدٌ طويلٌ» يريد: وقتُ قيامِه طويلٌ، وبأنَّ تنظيرَه القراءةَ بقولِهم: «أخطبُ» إلى آخره خطأ، من حيث إنَّ المشبه مبتدأٌ والمُشَبَّه [به] ظرفٌ في موضعِ الخبرِ عند مَنْ يُعْرِبُ هذا الإِعرابَ، ومِنْ حيث إنَّ هذا الخبرَ الذي قد أبْرزه ظاهراً واجبُ الحذفِ لسدِّ الحالِ مسدَّه، نصَّ عليه النحويون الذين يُعْرِبونه هكذا فكيف يُبْرِزُه في اللفظِ «. وجوابُ هذا الردِّ واضحٌ، وليت أبا القاسم لم يَذْكُرْ تخريجَ هذه القراءةِ حتى كنا نسمع.
والجمهورُ على ضَمِّ السين من» أنفسهم «أي: مِنْ جملتهم وجنسهم. وقرأت عائشة وفاطمة والضحاك ورواها أنس عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وهذا الجارُّ يَحْتمل وجهين أحدُهما: أَنْ يتعلَّق بنفس» بعث «. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه وصفٌ ل» رسولاً «فيكونُ منصوبَ المحلِّ، ويَقْوى هذا الوجهُ على قراءةِ فتح الفاء وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ في محل حال أو مستأنف، وقد تقدَّم نظيرُها في البقرة.
وقوله: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي﴾ هي» إنْ «المخففةُ واللام فارقة، وقد تقدَّم الكلامُ على تحقيق هذا والخلافِ فيه. إلاَّ أنَّ الزمخشري ومكيّاً هنا حين جعلاها مخففةً قدَّرا لها اسماً محذوفاً، فقال الزمخشري:» تقديرُه: وإنَّ الشأنَ والحديثَ كانوا من قبل «. وقال مكي:» وأمَّا سيبويهِ فإنه يقول إنَّها محففةٌ واسمُها مضمرٌ «، والتقديرُ: على قولِه:» وإنهم كانوا «. وهذا ليس بجيد، لأنَّ» إنْ «المخففةَ إنما تعمل في الظاهرِ على غير الأفصحِ، ولا عمل لها في المضمر، ولا يُقَدَّرُ لها اسمٌ محذوفٌ البتَّةَ، بل تُهْمَلُ أو تعمل على ما تقدَّم، مع أنَّ الزمخشري لم يُصَرِّحْ بأنَّ اسمَها محذوفٌ، بل قال:» إنْ هي المخففةُ واللامُ فارقةٌ، وتقديرُه: وإنَّ الشأن والحديثَ كانوا «فقد يكونُ هذه تفسيرَ معنىً لا إعرابٍ.
وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ والثاني: في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المفعولِ في» يُعَلِّمُهم «وهو الأظهرُ.
أمَّا جَعْلُه» لَمَّا «بمعنى» حين «أي ظرفاً فهو مذهبُ الفارسي، وقد تقدَّم تقريرُ المذهبين، وأمَّا قولُه:» عَطْفٌ على قصةِ أُحُد «؛ فهذا غيرُ مذهبِه؛ لأنَّ الجاريَ من مذهبه إنما هو تقديرُ جملةٍ يُعْطَفُ ما بعد الواوِ عليها أو الفاءِ أو ثم كما قَرَّره هو في الوجه الثاني.
و» أنى هذا «أنَّى: بمعنى» مِنْ أين «كما تقدَّم في قولِه ﴿أنى لَكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ويَدُلُّ عليه قولُه: ﴿مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ و ﴿مِنْ عِندِ الله﴾ قاله الزمخشري. ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ الظرفَ إذا وقَعَ خبراً لا يُقَدَّر داخلاً عليه حرفُ جر غيرُ» في «،» أمَّا أَنْ يُقَدَّرَ دَاخلاً عليه «مِنْ» فلا، لأنه إنما انتصبَ على إسقاطِ «في» ولذلك إذا أُضْمِر الظرفُ تعدَّى إليه [الفعلُ] ب «في» إلاَّ أَنْ يُتََّسَعَ فيه. قال: «فتقديرُه غيرُ سائغٍ واستدلاله بقولِه: ﴿مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ {مِنْ
أمَّا قولُه: «لا يُقَدَّر الظرفُ بحرفِ جرٍ غير» في «فالزمخشري لم يُقَدِّر» في «مع» أنَّى «حتى يلزَمَه ما قال، إنما جَعَل» أنَّى «بمنزلةِ» من أين «في المعنى. وأمَّا عدوله عن الجوابِ المطابقِ لفظاً فالعكسُ أولى.
وقوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ﴾ في محلِّ رفعٍ صفةً ل» مصيبة «. و» قلتم «على مذهبِ سيبويه جوابُ ل» لَمَّا «، وعلى مذهبِ الفارسي ناصبٌ لها، على حَسَبِ ما تقدَّم من مذهبيهما. والضميرُ في قوله» قل «هو راجع على المصيبة من حيث المعنى. ويجوز/ أن يكون على حذف مضاف مُرَاعَىً أي: سببُها، وكذلك الإِشارةُ بقولِه:» أنّى هذا «لأنَّ المرادَ المصيبةُ.
وأجابوا عنه بأنه يُحْمَلُ على التبيين أي: «وما تبَيَّن إصابته إياكم» كما تأوَّلوا: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧] أي: إنْ تَبَيَّن، وهذا شرطٌ صريح. قلت: وإذا صح هذا التأويل فَلتُجْعل «ما» هنا شرطاً صريحاً، وتكونُ الفاء داخلةً وجوباً لكونِها واقعة جواباً للشرط. وقال ابنُ عطية: «يَحْسُن دخولُ الفاءِ إذ١اكان سببَ الإِعطاءِ، وكذلك ترتيبُ هذه، فالمعنى إنما هو: وما أَذِن اللهُ فيه فهو الذي أصابكم، لكنْ قَدَّم الأهَمَّ في نفوسِهم والأقربَ إلى حِسِّهم. والإِذْنُ: التمكين من الشيء مع العلم به» وهذا حسنٌ مِِنْ حيث المعنى، فإنَّ الإِصابةَ مترتبةٌ على الإِذْن من حيث المعنى. وأشارَ بقولِه «الأهَمَّ والأَقربَ» إلى ما أصابَهم يوم التقى الجَمْعان.
قوله: «وَلِيعٍلَمَ» في هذه اللامِ قَوْلان: أحدُهما: أنها معطوفةٌ على معنى قوله: ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ عطفَ سببٍ على سببٍ، فتتعلَّقُ بما تتعلَّق به الباءُ. والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: ولِيَعْلَمَ فَعَلَ ذلك، أي: أصابكم والأول
قوله: ﴿أَوِ ادفعوا﴾ «أو» هنا على بابِها من التخييرِ والإِباحة. وقيل: بمعنى الواو لأنه طَلَبَ منهم القتالَ والدفعَ، والأولُ هو الصحيح. وقوله: «قالوا: لو نعلمُ» إنما لم يأتِ في هذه الجملةِ بحرفِ عطفٍ لأنها جوابٌ لسؤالِ سائلٍ: كأنه قيل: فما قالوا لَمَّا قيل لهم ذلك؟ فأُجيب بأنهم قالوا ذلك. و «نعلمُ» وإنْ كان مضارعاً فمعناه المُضِيُّ لأن «لو» تُخَلِّص المضارع إذ كانت لِما سيقع لوقوع غيره [للمضيّ]. ونكَّر «قتالاً» أي: لو عَلِمْنا بعضَ قتالٍ ما.
ولا حاجة إلى تشبيه الجارَّيْنِ بالظرفين، لأن ظاهره أن المسوِّغَ لتعلُّقِهما بعاملٍ واحدٍ شِبْهُهُما بالظرفين، وليس كذلك، وقولُه: «الظرفين المقدرين» يعني أنَّ المعنى: هذا في أوانِ بُسْرِيَّتِه أطيبُ منه أوانَ رُطَبِيَّتِه.
و «أقربُ» هنا من القُرْب الذي هو ضد البُعْد، ويتعدَّى بثلاثةِ حروفٍ: اللام و «إلى» و «مِنْ»، تقولُ: قَرُبْتُ لك وإليك ومنك، فإذا قلت: «زيدٌ أقربُ من العلمِ من عمروٍ» ف «مِنْ» الأولى المُعَدِّيةُ لأصلِ معنى القرب، والثانيةٌ هي الجارة للمفضولِ. وإذا تقرَّر هذا فلا حاجةَ إلى ادِّعاء أنَّ اللامَ بمعنى إلى.
و «يومئذ» متعلِّقٌ ب «أقربُ»، وكذا «منهم»، و «مِنْ» هذه هي الجارَّةُ للمفضولِ بعد أَفْعل، وليسَتْ هي المُعَدِّيةَ لأصلِ الفعل. ومعنى ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ أنهم كانوا قبلَ هذا الوقتِ كاتمين للنفاق، فكانوا
و «إذ» مضافَةٌ لجملةٍ محذوفةٍ عُوِّضَ منها التنوينُ كما تَقَدَّم تقريرُه، وتقديرُ هذه الجملةِ، «هم للكفرِ يومَ إذ قالوا: لو نعلمُ قتالاً لاتَّبعناكم» وقيل: المعنى على حَذْفِ مضافٍ أي: هم لأهلِ الكفر أقربُ لأهلِ الإِيمان. وفُضِّلوا هنا على أنفسِهم باعتبارِ حالين ووقتين. ولولا ذلك لم يَجُزَ. تقولُ: «زيدٌ قاعداً أفضلُ منه قائماً» أو: «زيدٌ قاعداً اليومَ أفضلُ منه قاعداً غداً» ولو قلت: «زيدٌ اليومَ قاعداً أفضلُ منه اليومَ قاعداً» لم يجز.
وحكى النقاش عن بعض المفسرين أنَّ «أقرب» هنا ليست من معنى القرب الذي هو ضد البعد، وإنما هي من القَرَب بفتح القاف والراء، وهو طَلَب الماء، ومنه «قاربَ الماء»، ليلةُ القَرَب: ليلةُ الورود، فالمعنى: هم أطلبُ للكفر، وعلى هذا فتتعيَّن التعديةُ باللام، على حَدِّ قولك: «زيدٌ أضربُ لعمروٍ».
قوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها. والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير في: «أقرب» أي: قَرُبوا للكفر قائلين هذه المقالة. وقوله: «بأفواهِهم» قيل: تأكيدٌ كقوله: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. والظاهرُ أنَّ القولَ يُطلق على اللسانيّ والنفسانيّ فتقييدُه بأفواههم تقييدُ لأحدِ محتملين، اللهم إلا أَنْ يُقال: إنَّ إطلاقَه على النفساني مجازٌ. قال الزمخشري: «وذِكْرُ القلوبِ مع الأفواه تصويرٌ لنفاقِهم، وأنَّ إيمانهم موجود في أفواههم فقط» وبهذا الذي قاله الزمخشري ينتفي كونُه للتأكيد لتحصيله هذه الفائدة.
١٤٩٠ - على حالةٍ لو أنَّ في القومِ حاتماً | على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتمِ |
وقال الشيخ: وجَوَّزوا في إعرابِ «الذين» وجوهاً: الرفع على النعت ل «الذين نافقوا»، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو على أنه بدل من الواو في «يكتمون»، والنصبُ فذكره إلى أخره. وهذا عجيبٌ منه لأنَّ «الذين نافقوا» منصوبٌ بقوله «وليعلَم»، وهم في الحقيقة عَطْفٌ على «المؤمنين»، وإنما كَرَّر العاملَ توكيداً، والشيخُ لا يَخْفى عليه ما هو أشكلُ من هذا، فيُحتمل أن يكونَ تبع غيره في هذا السهو، وهو الظاهر في كلامه، ولم يَنْظُر في الآية اتكالاً على ما رآه منقولاً، وكثيراً ما يقع الناس فيه، وأَنْ يُعْتَقَدَ أنَّ «الذين» فاعلٌ
قوله: ﴿وَقَعَدُواْ﴾ يجوز في هذه الجملة وجهان أحدهما: أن تكون حالية من فاعل «قالوا» و «قد» مرادةٌ، أي: وقد قعدوا، ومجيء الماضي حالاً بالواو وقد، أو بأحدهما، أو بدونهما ثابتٌ من لسان العرب. والثاني: أنها معطوفةٌ على الصلةِ فتكونُ معترضةً بين «قالوا» ومعمولِها وهو «لو أطاعونا».
وقرأ حميد بن قيس وهشام بخلاف عنه «يَحْسَبَنَّ» بياء الغيبة. وفي الفاعلِ وجهان، أحدهما: أنه مضمرٌ: إمَّا ضميرُ الرسول، أو ضمير مَنْ يَصْلُح للحُسْبان أَيِّ حاسبٍ. والثاني: قاله الزمخشري وهو أن يكون «الذين قُتِلوا» قالِ: «ويجوزُ أَنْ يكون» الذين قُتِلوا «فاعلاً، والتقدير: ولا يَحْسَبَنَّهم الذين قتلوا أمواتاً أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإنْ قلت: كيف جاز حَذْفُ المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فَحُذِف كما حُذِف المبتدأ في قوله:» بل أحياءٌ «أي: هم أحياءٌ، لدلالة الكلام عليهما.
ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديمِ الضميرِ على مفسَّره، وذلك لا يجوزُ إلا في أبوابٍ محصورةٍ، وعدَّ باب: رُبَّه رجلاً، ونِعْم
وهذا من تَحَمُّلاته عليه. أمَّا قولُه» يؤدي إلى تقديم المضمر إلى آخره «فالزمخشري لم يقدِّرْه صناعةً بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمَّا أراد أن يُقَدَّر الصناعة النحويةَ قَدَّره بلفظ» أنفسهم «المنصوبةِ وهي المفعول الأول، وأظنُ أنَّ الشيخَ تَوَهَّم أنها مرفوعةٌ تأكيدٌ للضمير في» قُتلوا «، ولم ينتبه أنه إنما قَدَّرها مفعولاً أولَ منصوبةً. وأمَّا تمشيتُه قولَه على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك، وما عليه من ابنِ مَلْكون؟ وستأتي مواضع يَضْطَرُّ هو وغيرُه إلى حَذْفِ أحد المفعولين كما ستقف عليه قريباً. وتقدَّم الكلام على مادة» حَسِب «ولغاتِها وقراءاتها.
وقرأ ابن عامر:» قُتِّلوا «بالتشديد، وهشام وحده في» لو أطاعونا ما قُتِّلوا «، والباقون بالتخفيف. فالتشديد للتكثير، والتخفيف صالح لذلك.
وهذا تحاملٌ من أبي عليّ. أمَّا قوله: «إنَّ الأمر تعيَّن» يعني أنَّ كونَهم أحياءً أمرٌ متيقن، فكيف يُقال فيه: «أَحْسَبُهم» بفعل يقتضي الشك؟ وهذا غيرُ لازم لأنَّ «حَسِبَ» قد تأتي لليقين. قال:
١٤٩١ - حَسِبْتُ التُّقَى والجودَ خيرَ تجارةٍ | رَباحاً إذا ما المرءُ أَصبح ثاقِلا |
١٤٩٢ - شهدْتِ وفاتوني وكنتُ حَسِبْتُني | فقيراً إلى أَنْ يَشْهدوا وتَغِيبي |
قوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُهما: أَنْ يكونَ خبراً ثانياً ل» أحياءٌ «على قراءة الجمهور. الثاني: أن يكونَ ظرفاً ل» أحياء «لأنَّ المعنى: يَحْيَوْن عند ربِّهم. الثالث: أن يكونَ ظرفاً ل» يُرْزقون «أي: يقعُ رِزْقُهم في هذا المكانِ الشريف. الرابع: أن يكون صفةً ل» أحياء «، فيكونَ في محلِّ رفعٍ على قراءةِ الجمهورِ ونصبٍ على قراءة ابن أبي عبلة. الخامس: أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في» أحياء «والمرادُ بالعندية المجازُ عن قربهم بالتكرمة. قال ابن عطية:» هو على حَذْفِ مضاف إي: عند كرامةِ ربهم «ولا حاجةَ إليه، لأنَّ الأولَ أليق.
قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ خبراً ثالثاً لأحياء، أو ثانياً إذا لم تَجْعَلِ الظرفَ خبراً. الثاني: أنه صفةٌ ل» أحياء «بالاعتبارين المتقدمين، فإِنْ أعربنا الظرفَ وصفاً أيضاً فيكونُ هذا جاءَ على الأحسنِ، وهو أنه إذا وُصِف بظرفٍ وجملةٍ فالأحسنُ تقديمُ الظرفِ وعديلِه لأنه أقربُ إلى المفرد. الثالث: أنه حالٌ من الضمير في» أحياء «أي: يَحْيَون مرزوقين. والرابع: أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في الظرف، والعاملُ فيه في الحقيقة العاملُ في الظرف. قال أبو البقاء في هذا الوجه:» ويجوزُ أن يكونَ حالاً من الظرفِ إذا جَعَلْتَه صفةً «أي: إذا جَعَلْت الظرف، وليس ذلك مختصاً بجَعْلِه صفةً فقط، بل لو جَعَلْتَه حالاً جاز ذلك أيضاً، وهذه تُسَمَّى الحالَ
قوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ في «مِنْ» وجهان، أحدُهما: أنَّ معناها السببيّة أي: بسبب فضله أي: الذي آتاهم الله متسبِّبٌ عن فضله. الثاني: أنها لابتداءِ الغاية، وعلى هذين الوجهين تتعلق بآتاهم. الثالث: أنها للتعبيضِ أي: بعضَ فضله، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف على أنها حال من الضمير العائد على الموصول، ولكنه حُذِف والتقدير: بما آتاهموه كائناً من فضله.
قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أن يكونَ من باب عطفِ الفعلِ على الاسم لكونِ الفعلِ في تأويلهِ، فيكونُ عطفاً على «فرحين» كأنه قيل: فَرِحين ومستبشرين، ونَظَّروه بقوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]. والثاني: أنه أيضاً/ يكونُ من باب عطف الفعل على الاسم، لكنْ لأنَّ الاسم في تأويل الفعل. قال أبو البقاء: «هو معطوفٌ على» فرحين «؛ لأنَّ اسم الفاعل هنا يُشْبه الفعل المضارع» يعني أنَّ «فرحين» بمنزلة «يفرحون»، وكأنه جعله من باب قوله: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: ١٨]، والتقديرُ الأولُ أَوْلى، لأنَّ الاسمَ وهو «فرحين» لا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نجعلَه في مَحلِّ فعلٍ مضارعٍ حتى نتأَوَّل الاسمَ به، والفعلُ فرعٌ عليه، فينبغي أن يُرَدَّ إليه،
الثالث: أَنْ يكونَ مستأنفاً، الواو للعطف عَطَفْت فعليةً على اسمية.
الرابع: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي: وهم يستبشرون، وحينئذ يجوز وجهان، أحدُهما: أن تكونَ الجملةُ حاليةً من الضمير المستكِنِّ في «فرحين» أو من العائد المحذوف من «آتاهم»، وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جَعْلِنا إياها حالاً لأنَّ المضارع المثبت لا يجوز اقترانُه بواو الحال لِما تقدَّم غيرَ مرة. والثاني من هذين الوجهين: أن تكونَ استئنافية عَطَفَتْ جملةً اسميةً على مثلها.
واستفعل هنا ليست للطلب، بل تكون بمعنى المجردِ نحو: «استغنى الله، واستمجد المَرْخ والعَفار» بمعنى غَنِي ومَجُد. وقد سمع «بَشِر الرجل» بكسر العين فيكون استبشر بمعناه، قاله ابن عطية. ويجوز أن يكونَ مطاوعَ أبشر نحو: «أكأنه فاستكان، وأراحه فاستراح، وأشلاه فاستشلى، وأَحْكمه فاستحكم» وهو كثير.
وجَعَله الشيخ أظهرَ مِنْ حيث إنَّ المطاوعة تدلُّ على الانفعال عن الغير، فحصلت لهم البشرى بإبشار الله تعالى، وهذا لا يلزمُ إذا كان بمعنى المجرد.
قوله: ﴿مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ في هذا الجارِّ وجهان، أحدهما: أنه متعلق
قوله: ﴿أَلاَّ خَوْفٌ﴾ فيه وجهان أحدُهما: أنَّ «أَنْ» وما في حَيِّزها في محل جر بدلاً من «بالذين» بدلَ اشتمال أي: يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم فهم المُسْتَبْشَرُ به في الحقيقة لأنَّ الذواتِ لا يُسْتَبْشَر بها. والثاني: أنها في محل نصب على أنها مفعولٌ من أجله أي: لأنهم لا خوف. و «أَنْ» هذه هي المخففةُ، واسمها ضمير الشأن، وجملةُ النفي بعدها في محلِّ الخبر، والذواتُ لا يُسْتبشر بها كما تقدَّم فلا بد من حذف مضاف مناسبٍ، والتقدير: ويستبشرون بسلامةِ الذين، أو لُحوقهم بهم في الدرجة.
وقال مكيّ بعد أَنْ حَكَى أنها بدلُ اشتمال: «ويجوز أن تكون» أَنْ «في موضع نصب على معنى» بأن لا «. وهذا هو بعينِه هو وجه البدلِ المتقدم، غايةُ ما في الباب أنه أعاد مع البدلِ العاملَ في تقديره، اللهم أَنْ يعني أنها وإنْ كانت بدلاً من» الذين «فليست في محلِّ جر بل في محلِّ نصب، لأنها سقطت منها الباءُ فإنَّ الأصل» بأَنْ لا «و» أَنْ «إذا حُذِف منها حرفُ الجر كانت في محلِّ نصب على رأي سيبويه والفراء. وهو بعيد.
وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ من غيرِ حرف عطف فيه أوجه، أحدها: أنه استئنافٌ متعلِّق بهم أنفسِهم دونَ» الذين لم يلحقوا بهم «لاختلاف متعلَّق البشارتين. والثاني: أنه تأكيدٌ للأول لأنه قَصَد بالنعمة والفضل بيانَ متعلَّق الاستبشار الأول، وإليه ذهب الزمخشري. الثالث: أنه بدل من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلاً أنه لَمَّا كان متعلَّقُه بياناً لمتعلَّق الأول حَسُن أن يقال: بدلٌ منه، وإلاَّ فكيف يُبْدَلُ فِعْلٌ مِنْ فعلٍ موافقٍ له لفظاً ومعنى؟ وهذا في المعنى يََؤُول إلى وجه التأكيد. والرابع: أنه حال من فاعل» يحزنون «، ويحزنون عامل فيه أي: ولاهم يحزنون حالَ كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيدٌ لوجهين، أحدهما: أنَّ الظاهرَ اختلافُ مَنْ نَفَى عنه الحزن ومن استَبْشَر. والثاني: أنَّ نَفْيَ الحزن ليس مقيداً ليكون أبلغَ في البشارة، والحالُ قيدٌ فيه فيفوتُ هذا المعنى.
و «منهم» فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من الضمير في «أحسنوا» وعلى هذا ف «مِنْ» تكون تبعيضيةً. والثاني: أنها لبيان الجنس. قال الزمخشري: «مثلُها في قوله: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم﴾ [الفتح: ٢٩] لأنَّ الذين استجابوا قد أحسنوا كلُّهم واتقوا لا بعضُهم». و «أجرٌ» مبتدأ مؤخر، والجملة من هذا المبتدأ وخبره: إمَّا مستأنفة أو حالٌ إن لم نُعْرِبْ الذين استجابوا مبتدأ، وإمَّا خبرٌ إنْ أعربناه مبتدأ كما تقدَّم تقريره.
قوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ في فاعلِ «زاد» ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه ضمير يعود على المصدر المفهوم من «قال» أي: فزادهم القولُ بكيت وكيت إيماناً نحو: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. والثاني: أنه يعودُ على المقولِ الذي
وفيما قاله الشيخ نظرٌ، لأنَّ المقولَ هو الذي في الحقيقة حَصَل به زيادةُ الإِيمان. وأمَّا قوله: «تَجرْي على الجمع لا على المفرد» فغير مُسَلَّم. ويَعْضُده أنهم نَصُّوا على أنه يجوزُ اعتبارُ لفظِ الجمعِ الواقعِ موقعَ المثنى تارةَ ومعناه أخرى فأجازوا: «رؤوس الكبشين قطعتُهُنَّ وقطعتهما» وإذا ثَبَتَ ذلك في الجمع الواقعِ موقعَ المثنى فليَجُزْ في الواقعِ موقع المفرد. ولقائلٍ أَنْ يُفَرِّق بينهما وهو أنه إنما جازَ أَنْ يُراعَى معنى التثنيةِ المُعَبَّرِ عنها بلفظ الجمع لقَرْبها منه، من حيث إنَّ كلاً منهما فيه ضَمُّ شيء إلى مثلِه بخلافِ المفردِ فإنه بعيدٌ من الجمعِ لعدَمِ الضمِّ فلا يَلْزَمُ مِنْ مراعاة معنى التثنية في ذلك مراعاةُ معنى المفرد.
وقوله: ﴿وَنِعْمَ الوكيل﴾ / المخصوصُ بالمَدْحِ محذوفٌ أي الله.
قوله: ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ هذه الجملةٌ في محل نصب على الحال أيضاً، وفي ذي الحال وجهان أحدهما: أنه فاعلُ «انقلبوا» أي: انقلبوا سالمين من السوء. والثاني: أنه الضميرُ المستكنُّ في «بنعمة» إذا كانت حلاً، والتقديرُ: فانقلبوا مُنَعَّمين بريئين من السوء، والعامل فيها العاملُ في «بنعمة» فهما حالان متداخلتان، والحال إذا وقعت مضارعاً منفياً ب «لم» وفيها ضميرُ ذي الحال جاز دخولُ الواو وعدمُه، فمِن الأول قولُه تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقولُ كعب:
١٤٩٣ - لا تَأْخُذَنِّي بأقوالِ الوشاةِ ولم | أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاويلُ |
١٤٩٤ - وأضرِبُ القَوْنَسَ يوم الوغى | بالسيفِ لم يَقْصُرْ به باعِي |
قوله: ﴿واتبعوا﴾ يجوز في ِهذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها عطف على «انقلبوا». والثاني: أنها حال من فاعل «انقلبوا» أيضاً، ويكونُ على إضمار «قد» أي: وقد اتبعوا.
الثاني: أن يكونَ «الشيطانُ» بدلاً أو عطف بيان، و «يُخَوِّفُ» الخبر ذكره أبو البقاء. الثالث: أن كونَ «الشيطان» نعتاً لاسمِ الإِشارة، و «يُخَوِّفُ» الخبر، على أن يُراد بالشيطان نعيم أو أبو سفيان. ذكره الزمخشري. قال
وَردَّ عليه الشيخ هذا الإِعرابَ إنْ كان الضمير في» أولياءه «عائداً على الشيطان؛ لخلوِّ الجملة الواقعة خبراً مِنْ رابط يربطها بالمبتدأ وليست نفسَ المبتدأ في المعنى نحو:» هِجِّيرى أبي بكر: لا إله إلا الله «، وإن عاد على» ذلكم «ويُراد بذلكم غيرُ الشيطان جاز، ويصير نظيرَ:» إنما هند زيدٌ يضربُ عبدها «والمعنى: إنما ذلكم الركب أو أبو سفيان الشيطانُ يخوفكم أنتم أولياءَه أي: أولياءَ الركب أو أولياء أبي سفيان.
والمشار إليه ب» ذلكم «هل هو عينٌ أو معنى؟ فيه احتمالان، أحدهما: أنه إشارة إلى ناس مخصوصين كنعيم وأبي سفيان وأشياعهما على ما تقدم. والثاني: أنه إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الركب وإرسال أبي سفيان وجَزَعِ مَنْ جَزَعَ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف مضاف أي: فِعْلَ
قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ قد تقدَّم ما محلُّه من الإِعراب، والتضعيفُ فيه للتعدية، فإنه قبل التضعيف متعدٍّ إلى واحدٍ وبالتضعيفِ يكتسب ثانياً، وهو من باب أعطى، فجوزُ حَذْفُ مفعوليه أو أحدهما اقتصاراً واختصاراً، وهو في الآية الكريمة يَحْتمل أوجهاً، أحدها: أن يكون المفعولُ الأول محذوفاً تقديره: يُخَوِّفكم أولياءه، ويُقَوِّي هذا التقديرَ قراءةُ ابن عباس وابن مسعود هذه الآيةَ كذلك، والمراد بأوليائه هنا الكفارُ، ولا بد من حذف مضاف أي: شَرَّ أوليائه، لأنَّ الذواتِ لا يُخاف منها. والثاني: أن يكونَ المفعول الثاني هو المحذوف، و «أولياءه» هو الأول، والتقدير: يُخَوِّف أولياءه شر الكفار، ويكون المرادَ بأوليائه على هذا الوجه المنافقون ومَنْ [في] قلبه مرض مِمَّن تخلَّف عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخروج، والمعنى: أنَّ تخويفه بالكفار إنما يَحْصُل للمنافقين الذي هم أولياؤه، وأما أنتم فلا يَصِل إليكم تخويفُه. والثالث ذكره بعضهم أن المفعولين محذوفان، و «أولياءه» نصب على إسقاطِ حرف الجر، والتقدير: يُخوِّفكم الشرَّ بأوليائه، والباء للسبب أي: بسبب أوليائه، فيكونون هم آلة التخويف، وكأن هذا القائل رأى قراءة أُبيّ والنخعي: «يُخَوِّف بأوليائه» فظنَّ أن قراءة الجمهور مثلُها في الأصل، ثم
١٤٩٥ -........................ | سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ |
قوله: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ﴾ في الضمير المنصوبِ ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه يعودُ على أوليائِه أي: فلا تَخافوا أَولياءَ الشيطان، هذا إنْ أُريد بالأولياء كفارُ قريش. والثاني: أن يعود على «الناس» من قوله: ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ إنْ كان المرادَ بأوليائه المنافقون. والثالث: أن يعودَ على الشيطان على المعنى. قال أبو البقاء: «إنما جُمِع الضميرُ لأنَّ الشيطانَ جنس». والياءُ في قوله: «وخافونِ» من الزوائد، فأثبتها أبو عمرو وصلاً، وحذفَها وقفاً على قاعدتِه، والباقون يحذفونها مطلقاً.
وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ جوابُه محذوفٌ أو متقدِّم عند مَنْ يرى ذلك، وهذا من بابِ الإِلهاب والتهييج، وإلاَّ فهم متلبِّسون بالإِيمان.
ومِنْ عجيبِ ما اتفق أن نافعاً رحمه الله يقرأ هذه المادة من «أحزن» إلا التي في الأنبياء كما تقدم، وأن شيخه أبا جعفر يزيد بن القعقاع يقرؤها من «حَزَنه» ثلاثياً إلا التي في الأنبياء، وهذا من الجمع بين اللغتين، والقراءةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعةٌ.
ويُقْرأ: «يُسارعون» بالفتحِ والإِمالةِ. وقرأ النحوي: «يُسْرعون» من أَسْرع في جميع القرآن. قال ابن عطية: «وقرءاةُ الجماعةِ أبلغُ، لأنَّ الذي
وقوله:» شيئاً «فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ أي: لا يَضُرُّونه شيئاً من الضرر. والثاني: أنه منصوب على إسقاط الخافض أي: لن يضروه بشيء، وهكذا كلُّ موضعٍ أشبهه ففيه الوجهان.
فأمَّا قراءةُ الجمهور فتخريجُها واضحٌ، وهو أنه يجوز أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى «الذين»، و «أنَّ» وما اتصل بها سادٌّ مسدَّ المفعولين عند سيبويه ومَسَدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش حَسْبما تقدم غير مرة. ويجوز أن يكون مسنداً إلى ضمير غائب يُراد به النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي: ولا يحسبن النبيُّ عليه السلام، فعلى هذا يكون «الذين كفروا» مفعولاً أول، وأما الثاني فسيأتي الكلام عليه في قراءة حمزة، فتتَّحِدُ هذه القراءةُ على هذا الوجه مع قراءة حمزة رحمه الله، وسيأتي تخريجها. و «ما» يجوز أَنْ
وأمَّا قراءة حمزة فاضطربت فيها أقوالُ الناس وتخاريجُهم حتى إنه نُقِل عن أبي حاتم أنها لحن. قال النحاس: «وتابعه على ذلك خلقٌ كثير» وهذا لا يُلْتفت إليه لتواتُرها. وفي تخريجها ستةٌ أوجهٍ، أحدها: أن يكون فاعلُ «تحسَبَنَّ» ضميرَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، و ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ مفعولٌ أولُ، و ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ مفعولٌ ثانٍ. ولا بد على هذا التخريجِ مِنْ حَذْفِ مضافٍ: أمَّا من الأولِ تقديرُه: «ولا تَحْسَبَنَّ شأنَ الذين كفروا»، وإمَّا من الثاني تقديرُه: «أصحابَ أنَّ إملاءنا خيرٌ لهم»، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ «أنما نُمْلي» بتأويلِ مصدرٍ، والمصدرُ معنىً من المعاني لا يَصْدُق على الذين كفروا، والمفعولُ الثاني في هذا البابِ هو الأولُ في المعنى.
الثاني: أن يكونُ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ وإلى هذا ذهب الكسائي والفراء وتَبِعهما جماعةٌ منهم الزمخشري والزجاج وابن الباذش.
قال الكسائي والفراء: «وجهُ هذه القراءةِ التكريرُ والتأكيدُ، والتقدير: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا ولا تحْسَبَنَّ أنما نُمْلي». قال الفراء: «ومثلُه: {هَلْ
وقال الزمخشري:» فإنْ قلت: كيف صَحَّ مجيءُ البدلِ ولم يُذْكَرْ إلا أحدُ المفعولين، ولا يجوزُ الاقتصارُ مِنْ فعلِ الحُسْبان على مفعولٍ واحدٍ؟ قلت: صَحَّ ذلك من حيث إنَّ التعويلَ على البدلِ، والمبدلُ منه في حُكمِ المُنَحَّى، ألا تراك تقول: «جعلت متاعك بعضه فوق بعضٍ» مع امتناعِ سكوتِك على «متاع».
وهل البدلُ بدلُ اشتمالٍ وهو الظاهرُ أو بدلُ كلٍ من كل فيكونُ على حذفٍ مضافٍ تقديرُه: «ولا تَحْسَبَنَّ إملاء الذين» فَحَذَف «إملاء» وأبدلَ منه «أنما نملي» ؟ قولان مشهوران.
الثالث: وهو أغربُها أن يكونَ «الذين» فاعلاً ب «تَحْسَبَنَّ» على تأويلِ أَنْ تكونَ التاءُ في الفعلِ للتأنيثِ كقولِه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أي: «ولا تَحْسَبَنَّ القومَ الذين كفروا» و «الذين» وصفُ «القوم» كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧] فعلى هذا تَتَّحد هذه القراءةُ مع قراءة الغَيْبة، وتخريجُها كتخريجِها، ذكر ذلك أبو القاسم الكرماني في تفسيرِه المسمى:
الرابع: أن يكونَ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بدلاً من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ بدلَ الاشتمالِ أي: إملاءَنا، و «خيرٌ» بالرفعِ خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو خيرٌ لأنفسهم، والجملةُ هي المفعولُ الثاني. نقل ذلك الشيخ شهاب الدين أبو شامة عن بعضهم، قال: قلت: ومثلُ هذه القراءة بيتُ الحماسة:
١٤٩٦ - مِنَّا الأَناةُ وبعضُ القوم يَحْسَبُنا | أنَّا بِطاءٌ وفي إبطائنا سَرَعُ |
[السادس: قال المهدوي: «وقال قوم] قدَّم ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ توكيداً، ثم حالَهم مِنْ قولِه: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ ردَّاً عليهم، والتقدير: ولا تحسبنُ أنَّ إملاءَنا للذين كفروا خيرٌ لأنفسهم» انتهى.
وأمَّا قراءة يحيى بكسر «إنما» مع الغيبة فلا يخلو: إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ مسنداً إلى «الذين» أو إلى ضمير غائب، فإن كان الأولُ كانت «إنما» وما في حيزها معلِّقَةً ل «يحسبن» وإنْ لم تكن اللام في خبرها لفظاً فهي مقدرةٌ، فتكون «إنما» بالكسر في موضع نصب؛ لأنها معلقةٌ لفعلِ الحسبان مع نية اللام،
١٤٩٧ - كذاك أُدِّبْتُ حتى صار مِنْ خُلُقي | إني رأيتُ مِلاكُ الشيمةِ الأَدَبُ |
وإن كان الثاني كان «الذين» مفعولاً أول، و «إنما نملي» في موضع الثاني.
وأما قراءته التي حكاها عنه الزمخشري فقد خَرَّجها هو فقال: «على معنى: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنَّ إملاءَنا لازدياد الإِثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويَدْخلوا في الإِيمان، وقوله ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ اعتراضٌ بين الفعلِ ومعمولِه، معناه: أنَّ إملاءَنا خيرٌ لأنفسِهم إنْ عَمِلوا فيه وَعَرَفوا إنعام الله عليهم بتفسيح المُدَّة وتَرْكِ المعاجَلَة بالعقوبة» انتهى. فعلى هذا يكون «الذين» فاعلاً، و «أنما» المفتوحة سادةٌ مَسَدَّ المفعولين أو أحدِهما على الخلاف، واعتُرِض بهذه الجملة بين الفعل ومعموله. قال النحاس: «وقراءةُ يحيى بن وثاب بكسر إنَّ» حسنةٌ، كما تقول: «حسبت عمراً أبو هـ خارجٌ».
١٤٩٨ - فما كانَ قَيْسٌ هُلْكُه هلكَ واحدٍ | ولكنه بنيانُ قومٍ تَهَدَّما |
إلاَّ أنَّ الفارسي قد رَدَّ هذا على أبي إسحاق بأنَّ هذه القراءةَ لم يَقرأ بها أحدٌ أعني نصبَ «خيراً» قال أبو عليّ الفارسي: «لا يَصِحُّ البدلُ
وقال في «الحجة» له: «الذين كفروا في موضعِ نصبٍ بأنَّها المفعول الأول، والمفعولُ الثاني هو الأولُ في هذا الباب في المعنى، فلا يجوزُ إذاً فَتْحُ» أنَّ «في قولِه: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ لأنَّ إملاءَهم لا يكون إياهم» قال: «فإنْ قلت: لِمَ لا يجوزُ الفتحُ في» أنَّ «وتجعلُها بدلاً من ﴿الذين كَفَرُواْ﴾ كقوله: ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] وكما كان» أنَّ «من قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. قيل: لا يجوزُ ذلك، وإلا لزمك أَنْ تَنْصِبَ» خيراً «على تقدير: لا تَحْسَبَنَّ إملاءَ الذين كفروا خيراً لأنفسهم، حيث كان المفعول الثاني ل» تحسبنَّ «، وقيل: إنه لم يقرأ به أحد، فإذا لم يُنْصَبْ عُلِم أنَّ البدلَ فيه لا يَصِحُّ وإذا لم يَصِحَّ البدلُ لم يَجُزْ إلا كسرُ» إنَّ «على أن تكون» إنَّ «وخبرُها في موضع المفعول الثاني من» تحسبن «انتهى ما رد به عليه، فلم يبقَ إلا الترجيحُ بين نقل هذين الرجلين، أعني الزجاج وابن مجاهد، ولا شك أن ابن مجاهد أَعْنى بالقراءات، إلا أن الزجاج ثقةٌ، ويقول:» قرأ بها خلق كثير «، وهذا يُبْعِدُ غَلَطه فيه، والإِثباتُ مقدَّمٌ على النفي. وما ذكره أبو علي من قولِه:» وإذا لم يَجُزْ البدلُ لم يَجُزْ إلا كسرُ إنَّ «إلى آخره، هذا أيضاً مِمَّا لم يقرأ به أحدٌ. قال مكي:» وجهُ القراءةِ لِمَنْ قَرَأ بالتاء يعني بتاءِ الخطاب أنْ يكسر «إنما» فتكونُ الجملةُ في موضعِ المفعول الثاني ولم يَقْرأ به أحدٌ عَلِمْتُه «.
والإِملاء: الإِمهالُ والمَدُّ في العمر، ومنه: «مَلاَوَةُ الدهر» للمدة الطويلة، والمَلَوان: الليل والنهار، وقولهم «مَلاَك اللهُ بنعمةٍ» أي: مَنَحَكها عمراً طويلاً. وقيل: المَلَوان: تكرُّر الليل والنهار وامتدادُهما، بدليلِ إضافتهما إليهما في قول الشاعر:
١٤٩٩ - نهارٌ وليلٌ دائمٌ مَلَواهُما | على كلِّ حالِ المرءِ يَخْتلفان |
قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا﴾ قد تقدَّم أن يحيى بن وثاب قرأ بكسر الأولى وفتح هذه، فيما نقله عنه الزمخشري، وتقدَّم تخريجُها، إلا أنَّ الشيخَ
وأما على قراءة كسرها ففيها وجهان، أحدهما: أنها جملة مستأنفة تعليلٌ للجملةِ قبلَها كأنه قيل: ما بالُهم يَحْسَبون الإِملاءَ خيراً؟ فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً. و «إنَّ» هنا مكفوفةٌ ب «ما»، ولذلك كُتِبَتْ متصلةً على الأصل، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً ولا حرفيةً؛ لأنَّ لام كي لا يَصِحُّ وقوعُها خبراً للمبتدأ ولا لنواسِخِه.
والوجه الثاني: أنَّ هذه الجملةَ تكريرٌ للأولى. قال أبو البقاء: «وقيل» أنما «تكريرٌ للأولِ، و» ليزدادوا «هو المفعولُ الثاني ل» تَحْسَبَنَّ «هذا على قراءةِ التاء، والتقديرُ: لا تَحْسَبَنَّ يا محمد إملاءَ الذين كفروا خيراً ليزدادوا إثماً، بل ليزدادوا إيماناً، ويُرْوى أنَّ بعض الصحابة قرأه كذلك» انتهى. قلت: وفي هذا نظرٌ من حيث إنه جَعَل «ليزدادوا» هو المفعولَ الثاني، وقد تقدَّم أنَّ لامَ «كي» لا تقعُ خبراً للمبتدأ ولا لنواسخه، ولأنَّ هذا إنما يَتِمُّ له على تقديرِ فتح الثانية، وقد تقدَّم أن أحداً لم ينقُلْها إلا الزمخشري عن يحيى، والذي يقرأ «تحسبن» بتاء الخطاب لا يفتحها البتة.
واللامُ في «ليزدادوا» فيها وجهان: أحدُهما: أنها لامُ كي، والثانيةُ أنها لامُ الصيرورة.
وقوله: ﴿وَلَهْمُ عَذَابٌ﴾ في هذه الواوِ قولان، أحدُهما: أنها للعطف، والثاني: أنها للحالِ. وظاهرُ قولِ الزمخشري أنها للحال في قراءة يحيى ابن
وأصل «ليزدادوا» : ليزتادوا بالتاء، لأنه افتعالٌ من الزيادة ولكنَّ تاء الافتعالِ تُقْلَبُ دالاً بعد ثلاثةِ أحرف: الزاي والذال والدال نحو: ادَّكر وادَّان. والفعلُ هنا متعدٍّ لواحدٍ وكانَ في الأصلِ متعدياً لاثنين نحو: ﴿فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً﴾ [البقرة: ١٠]، ولكنه بالافتعالِ ينقُص أبداً مفعولاً، فإنْ كان الفعلُ قبل بنائِه على افتعل للمطاوعةِ متعدياً لواحدٍ صار قاصراً بعد المطاوعةِ نحو «مدَدْتُ الحبل فامتدَّ»، وإنْ كان متعدياً لاثنين صار بعد الافتعالِ متعدياً لواحدٍ كهذه الآيةِ.
وخُتِمَتْ كلُّ واحدةٍ من هذه الآياتِ الثلاثِ بصفةٍ للعذاب غيرِ ما خُتمت به الأخرى لمعنى مناسب، وهو أنَّ الأولى تضمَّنَتْ الإِخبارَ عنهم بالمسارعةِ في الكفر، والمسارعةُ في الشيء والمبادرةُ إلى تحصيلِه تقتضي جلالته وعظمته، فجُعِل جزاءُهم «عذابٌ عظيمٌ» مقابلةً لهم، ويَدُلُّ ذلك على خساسةِ ما سارَعُوا فيه. وأمَّا الثانيةُ فتضمَّنَتْ اشتراءَهم الكفرَ بالإِيمان، والعادةُ سرورُ المشتري واغتباطُه بما اشتراه، فإذا خَسِرَ تألم، فخُتِمت هذه الآيةُ بألمِ العذابِ
وفي خبر «كان» في هذا الموضع وما أشبهه قولان، أحدهما: وهو قول البصريين أنه محذوفٌ وأنَّ اللامَ مقويةٌ لتعديةِ ذلك الخبر المقدر لضعفِه، والتقدير: ما كان اللهُ مريداً لأنْ يَذَر، ف «أن يذر» هو مفعول «مُريداً»، والتقديرُ: ما كانَ اللهُ مريداً تَرْكَ المؤمنين. والثاني قول الكوفيين: أنَّ اللامَ زائدةٌ لتأكيدِ النفي وأنَّ الفعلَ بعدها هو خبر «كان»، واللامُ عندهم هي العاملةُ النصبَ في الفعلِ بنفسِها لا بإضمار «أَنْ»، والتقديرُ عندهم: ما كان الله يَذَرُ المؤمنين.
وضَعَّف أبو البقاء مذهبَ الكوفيين بأنَّ النصبَ قد وُجِد بعد هذه اللامِ، فإنْ كان النصبُ بها نفسِها فليست زائدةً، وإن كان النصب بإضمار «أَنْ» فَسَدَ من جهة المعنى لأنَّ «أَنْ» وما في حَيِّزها بتأويل مصدر، والخبرُ في باب «كان» هو الاسمُ في المعنى فيلزم أن يكونَ المصدرُ الذي هو معنىً من المعاني صادقاً على اسمِها وهو مُحال «.
١٥٠٠ -.......................... | وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ |
و» يَذَرُ «فعلٌ لا يَتَصرَّف ك» يَدَعُ «استغناءً عنه بتصرُّف مُرادفِه وهو» ترك «، وحُذِفَتِ الواوُ من» يَذَرُ «من غير موجبٍ تصريفي، وإنما حُمِلت على» يَدَعُ «لأنها بمعناها، و» يَدَعُ «حُذِفَتْ منه الواو لموجبٍ وهو وقوعُ الواوِ بين ياءٍ وكسرةٍ مقدرة، وأمَّا الواوُ في» يَذَرُ «فوقعت بين ياءٍ وفتحة أصلية، وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيه عند قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا﴾ [البقرة: ٢٧٨].
قوله: ﴿حتى يَمِيزَ﴾ » حتى «هنا قيل: للغاية المجردة بمعنى» إلى «، والفعلُ بعدَها منصوبٌ بإضمار» أَنْ «، وقد تقدَّم تحقيقه في البقرة. والغايةُ هنا مشكلةٌ على ظاهرِ اللفظِ؛ لأنه يصيرُ المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية وهي التمييزُ بين الخبيث والطيب، ومفهومُه أنه إذا وُجِدت الغايةُ تَرَك المؤمنين على ما أنتم عليه.
وهذا ظاهرُ ما قالوه من كونها للغاية، وليس المعنى على ذلك قطعاً، ويصيرُ هذا نظيرَ قولِك: «لا أُكَلِّم زيداً حتى يَقْدُمَ عمروٌ» فالكلامُ منتفٍ إلى قدومِ عمرو. والجوابُ عنه: أن «حتى» غايةٌ لما يُفْهَمُ من معنى هذا الكلامِ، ومعناه أنه تعالى يُخَلِّص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أَنْ يَميزَ الخبيثَ من الطيب.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ الله﴾ هذا استدراك من معنى الكلام المتقدم، لأنه لَمَّا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ﴾ تُوُهِّم أنه لا يُطْلِعَ أحداً على غيبِه لعمومِ الخطابِ فاستدرك الرسلَ، والمعنى: ولكنَّ اللهَ يجتبي أي يصطفي مِنْ رسلِه من يشاء فيُطْلِعُه على الغيب، فهو ضدُّ لما قبلَه في المعنى، وقد تقدَّم أنها تقعُ بني ضِدِّيْنِ ونقيضين، وفي الخلافين خلافٌ.
و «يَجْتَبي» : يَصْطَفي ويَخْتار، يَفْتَعل من جَبَوْتُ المالَ والماءَ وجَبَتْهُما لغتان، فالياءُ في «يَجْتَبي» يُحْتَمَلُ أَنْ تكونَ عَلى أصلِها، وأَنْ تكونَ منقلبةً من واوٍ لانكسارِ ما قبلَها.
و «هو» فيه وجهان، أحدُهما: أنه فَصْلٌ بين مفعولي «تحسبن». والثاني قاله أبو البقاء: أنه توكيدٌ، وهو خطأ، لأنَّ المضمر لا يُؤكِّد المُظْهَر، والمفعول الأول اسمٌ مظهر ولكنه حُذِف كما تقدم، وبعضُهم يُعَبِّر عنه فيقول: «أُضمر المفعولُ الأولُ» يعني حُذِفَ فلا يُغْتَرَّ بهذه العبارةِ، و «هو» في هذه المسألةِ يتعيَّن فَصْلِيَّتُه لأنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يكونَ مبتدأً أو بدلاً أو توكيداً، والأولُ منتفٍ لنصبِ ما بعده وهو خيراً وكذا الثاني لأنه كان يلزمُ أَنْ يوافِقَ ما قبلَه في الإِعرابِ فكان ينبغي أَنْ يُقالَ إياه لا «هو»، وكذا الثالثُ لِما تقدَّم.
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فيجوزُ فيها أَنْ يكونَ الفعلُ مسنداً إلى ضمير غائب:
١٥٠١ - إذا نُهِي السَّفيهُ جرى إليه | وخالَفَ والسفيهُ إلى خلافِ |
الوجه الثاني: أنَّ المفعولَ نفس» هو «، وهو ضميرُ البخل الذي دَلَّّ عليه» يبخلون «كقولِه:
﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: ٨]، قاله أبو البقاء، وهو غلطٌ أيضاً؛ لأنه ينبغي أَنْ يأتِيَ به بصيغةِ المنصوب فيقول: «إياه» لكونِه منصوباً ب «يَحْسَبَنَّ»، ولا ضرورةَ بنا إلى أَنْ نَدَّعي أنه من بابِ استعارةِ ضميرِ الرفع
وفي الآية وجهٌ آخرُ غريبٌ خَرَّجه الشيخ قال: «وهو أَنْ تكونَ المسألةُ من بابِ الإِعمال إذا جَعَلْنا الفعلَ مسنداً ل» الذين «، وذلك أنَّ» يَحْسَبَنَّ «يطلب مفعولين و» يَبْخلون «يطلبُ مفعولاً بحرفِ جر، فقولُه: ﴿مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ يطلبه» يحسبن «مفعولاً أولَ ويكون» هو «فَصْلاً، و» خيراً «المفعولُ الثاني، ويطلبه» يبخلون «بتوسُّطِ حرفِ الجر، فأعملَ الثانيَ على الأفصحِ وعلى ما جاء في القرآن وهو» يبخلون «فَعُدِّي بحرف الجر، وأخذ معموله، وحَذَفَ معمول» يحسبن «الأولَ وبقي معمولُه الثاني، لأنه لم يُتنازع فيه، وإنما جاء التنازعُ في الأول، وساغ حذفُه وحدَه كما ساغ حَذْفُ المفعولين في مسألة سيبويه:» متى رأيت أو قلت: زيد منطلق «ف» رأيت «و» قلت «تنازعا في» زيدُ منطلقٌ «وفي الآيةِ لم يتنازعا إلا في الأولِ، وتقديرُ المعنى:» ولا يَحْسَبَنَّ ما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم الناسُ الذي يَبْخلون به «فعلى هذا التقديرِ يكونُ» هو «فَصْلاً ل» ما آتاهم «المحذوفِ لا لبخلِهم المقدَّرِ في قول الجماعة، ونظيرُ هذا التركيب:» ظنَّ الذي مَرَّ بِهندٍ هي المنطلقةَ «المعنى: ظَنَّ هنداً الشخصُ الذي مَرَّ بها هي المنطلقةَ» فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأول، فاعمل الفعل الثاني فيه، وبقي الأولُ يطلبُه محذوفاً ويطلبُ الثانيَ مثبتاً إذ لم يقع فيه التنازعُ. انتهى «.
ومع غرابة هذا التخريجِ وتطويلِه بالنظيرِ والتقدير فيه نظرٌ، وذلك أنَّ النحويينَ نَصُّوا على أنه إذا أعملنا الثانيَ، واحتاج الأولُ إلى ضمير المتنازع
وذكر مكي ترجيحَ كلٍّ مِن القراءتين فقال:
وميراث مصدرٌ كالمِيعاد، وياؤُه من واوٍ، قُلِبَتْ لانكسارِ ما قبلها وهي ساكنةٌ لأنَّها من الوارثةِ كالميقاتِ والميزانِ من الوقتِ والوزن.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير:» يَعْمَلُون «بالغَيْبة جرياً على قوله: ﴿الذين يَبْخَلُونَ﴾، والباقون بالخطاب، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه التفاتُ، فالمرادُ الذي يبخلون. والثاني: رَدّاً على قوله: ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾.
قوله: ﴿سَنَكْتُبُ﴾ قرأ حمزة بالياء مبنياً لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، و «ما» وصلتُها قائمٌ مقامَ الفاعلِ. و «قَتْلُهم» بالرفعِ عطفاً على الموصولِ، و «يقول» بياء الغيبة. والباقون بالنون للمتكلم العظيم، ف «ما» منصوبةٌ المحلِّ، و «قتلَهم» بالنصبِ عطفاً عليها، و «نقولُ» بالنون أيضاً. وقرأ طلحة ابن مصرف: «سَتُكْتب» بتاءِ التأنيث على تأويلِ «ما قالوا» بمقالتهم. وقرأ ابن مسعود وكذلك هي في مصحفه: «سنكتب ما يقولون ويُقال». والحسن والأعرج: «سَيَكْتب» بالغيبة مبنياً للفاعل أي: الله تعالى أو الملك، و «ما» في جميع ذلك يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً وهو الظاهر وحُذِفَ العائِدُ لاستكمالِ شروطِ الحذفِ تقديرُه: سنكتب الذي يقولونه. ويجوز أن تكونَ مصدريةً أي: قولَهم، ويُراد به إذ ذاك المفعولُ به أي: مقولَهم، كقولهم: «ضَرْب الأمير».
قوله: ﴿وَأَنَّ الله﴾ عطفٌ على «ما» المجرورةِ بالباءِ أي: ذلك العقابُ حاصلٌ بسببِ كَسْبكم وعدمِ ظلمهِ لكم. وهنا سؤال: وهو أن «ظَلاَّماً» صيغةُ مبالغةٍ تقتضي التكثيرَ، فهي أخصُّ من «ظالمِ»، ولا يَلْزَمُ من نفي الأخصِّ نفيُ الأعَمِّ، فإذا قلت: «زيدٌ ليس بظلاَّم» أي: ليس يُكْثِرُ الظلم، مع جوازِ أَنْ يكونَ ظالماً، وإذا قلت: «ليس بظالم» انتفى الظلمُ مِنْ أصلِه، فكيف قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؟ وفي ذلك خمسَةُ أوجهٍ، ذكر أبو البقاء منها أربعة.
الأول: أن «فَعَّالاً» قد لا يُراد به التكثيرُ كقوله طرفة:
١٥٠٢ - ولَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاعِ لبيته | ولكنْ متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أَرْفِدِ |
وقال الراغب بعد تفرقَتِه بين جَمْعَي «عَبْد» على عبيد وعِباد: فالعبيدُ إذا أُضيف إلى الله تعالى أَعَمُّ من العباد، ولهذا قال: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ فنبَّه على أنه لا يَظْلِمُ مَنْ تخصَّص بعبادتِه ومَنِ انتسَبَ إلى غيرِه مِن الذين تَسَمَّوْا بعبدِ الشمس وعبدِ اللات «، وكان الراغبَ قد قَدَّم الفرقَ بين» عبيد «و» عِباد «فقال:» وجَمْعُ العبدِ الذي هو مسترقٌّ «:» عبيد «، وقيل:» عِبِدَّى «، وجمعُ العبد الذي هو العابد» عِباد «. وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ وجموعُها وما قيل فيها.
والرفعُ: على القطع بإضمار مبتدأ أي: هم الذين. وكذلك النصبُ على القطعِ أيضاً بإضمارِ فعلٍ لائقٍ أي «اَذُمُّ الذين».
و «أَنْ» تُكتب متصلةً ومنفصلةً اعتباراً بالأصلِ أو بالإِدغام. ونَقَل أبو البقاء أنَّ منهم مَنْ يَحْذِفُها في الخطِّ اكتفاءً بالتشديد. وحكى مكيّ عن المبرد أنها إنْ أُدْغِمَتْ بغنةٍ كُتِبت متصلةً وإلاَّ فمنفصلةً، ونُقِل عن بعضِهم أنها إنْ كانت مخففةً كُتِبَتْ منفصلةً، وإنْ كانَتْ ناصبةً كُتِبَتْ متصلةً، والفرقُ أنَّ المخففةَ معها ضمير مقدرٌ، فكأنه فاصلٌ بينهما بخلافِ الناصبة، وقولُ أهل الخطِّ في مثل هذا: «تُكْتب متصلة» عبارةٌ عن حَذْفِها في الخطِّ بالكلية اعتباراً بلفظ الإِدغام لا أنَّهم يكتبونها متصلةً، ويُثْبتون لها بعضَ صورتِها فيكتبون: أَنْلا، والدليلُ على ذلك أنهم لَمَّا قالوا في «أم من» و «أم ما» ونحوِه بالاتصال إنما يعنون به كتابةَ حرفٍ واحد فيكتبون: أمّن وأمَّا. وفهم أبو البقاء أنَّ الاتصال في ذلك عبارةٌ عن كتابتهم لها بعضَ صورتها ملصقةً ب «لا»، والدليلُ على أنه فَهِم ذلك أنه قال: «ومنهم مَنْ يَحْذِفُها في الخط اكتفاءً بالتشديد» فَجَعَلَ الحذف قسيماً للوصلِ والفصلِ، ولا يقولُ أحدٌ بهذا.
وتَعَدَّى «نُؤْمِنُ» باللامِ لتضمُّنِه معنى الاعترافِ، وقد تقدَّم في أولِ البقرة.
قلت: أمَّا ابنُ عطية فَمُسَلَّمٌ أنه وَهِمَ في النقل عن سيبويه في «سُلُطان» خاصةً، ولكنَّ قولَه في «قُرُبان» صحيحٌ لأِنَّ أهلَ التصريفِ لم يَسْتَثْنُوا إلا السُّلُطان.
والقُرْبان في الأصل مصدرٌ ثم سُمِّي به المفعول كالرَّهْنِ فإنه في الأصلِ مصدرٌ ولا حاجةَ إلى حذْفٍ مضاف. وزعم أبو البقاء أنه على حَذْفِ مضافٍ أي: بتقريبِ قُرْبانٍ، قال: «أي يُشَرِّع لنا ذلك». و «تأكلُه النارُ» صفةٌ لقُرْبان، وإسنادُ الأكلِ إليها مجازٌ عَبَّر عن إفنائها الأشياءَ بالأكل.
و «من قبلي» و «بالبينات» كلاهما متعلِّقٌ ب «جاءكم»، والباء تحتملُ المعيةَ والتعديةَ أي: مصاحبين للآيات.
وقرأ جمهورُ الناس:» والزبرِ والكتابِ «مِنْ غيرِ ذكرِ باء الجر، وقرأ ابنُ عامر:» وبالزبرِ «بإعادتها، وهشامٌ وحدَه عنه:» وبالكتاب «بإعادتها أيضاً، وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابن عامر رحمه الله. والخَطْبُ فيه سهلٌ، فَمَنْ لم يأتِ بها اكتفى بالعطف، ومَنْ أتى بها كان ذلك تأكيداً/.
والزُّبُر: جمع زَبُور بالفتح، ويقال: زُبور بالضم أيضاً، وهل هما بمعنىً واحد أو مختلفان؟ سيأتي الكلامُ عليهما في قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ [الآية: ١٦٣] في النساء.
واشتقاقُ اللفظةِ من» زَبَرْتُ «أي: كَتَبْتُ، وزَبَرْتُه قرأتُه، وزَبَرْتُه: حَسَّنْتُ كتابتَه، وزَبَرْتُه: زجرته، فَزَبور بالفتح فَعُول بمعنى مَفْعول كالرَّكوب بمعنى المركوبِ، والحَلوب بمعنى المَحْلوب، قال امرؤ القيس:
١٥٠٣ - لِمَنْ طَلَلٌ أبصرْتُه فشَجاني | كخَطِّ زَبورٍ في عَسيبِ يماني |
١٥٠٤ - فألفَيْتُه غيرَ مُسْتَغْتِبٍ | ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا |
ونقل أبو البقاء فيها قراءةً غريبةً وتخريجاً غريباً قال: «ويُقْرأ أيضاً شاذاً: ﴿ذَآئِقَةُ الموت﴾ على جعل الهاء ضمير» كل «على اللفظ، وهو مبتدأ أو خبر». انتهى. وإذا صَحَّتْ هذه قراءةً فيكونُ «كل» مبتدأً، و «ذائقُةُ» خبرٌ مقدمٌ، و «الموتُ» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «كل»، وأضيف «ذائق» إلى ضمير «كل» باعتبار لفظها، ويكون هذا من باب القلب في الكلام؛ لأنَّ النفسَ هي التي تذوقُ الموتَ وليس الموتُ يذوقُها، وهنا جَعَلَ الموتَ هو الذي يذوق النفس قلباً للكلام لفهم المعنى، كقولهم: «عَرَضْتُ الناقة على الحوض»، ومنه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار﴾ [الأحقاف: ٢٠] و «أَدْخَلْت القَلنسوة في رأسي». وقوله:
١٥٠٥ - مثلُ القنافِذِ هَدَّاجون قد بلغَتْ | نجرانُ أو بُلِّغَتْ سواءِتهمْ هَجَرُ |
قوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ﴾ «ما» كافةٌ ل «إنَّ» عن العمل وقد تقدَّم مثلُها. وقال مكي: «ولا يجوزُ أَنْ تكونَ» ما «بمعنى الذي لأنه يلزم رفعُ» أجوركم «، ولم يَقْرأ به أحدٌ؛ لأنَّه يصير التقديرُ:» وإنَّ الذي تُوَفَّوْنه أجورُكم، كقولك: «إنَّ الذي أكرمتموه عمروٌ» وأيضاً فإنك تفرِّق بين الصلةِ والموصولِ بخبر الابتداء «يعني لو كانت» ما «موصولةً لكانت اسمَ» إنَّ «فيلزمُ حينئذٍ رفعُ» أجوركم «على خبرها كقولِه تعالى:
﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]، ف «ما» هنا يجوزُ أن تكونَ بمعنى الذي أو مصدريةً تقديرُه: إنَّ الذي صَنَعوه أو: إنَّ صُنْعَهم، ولذلك رُفِع «كيد» خبراً لها. وقولُه: «وأيضاً فإنَّك تفرِّقُ» يعني أن «يوم القيامة» متعلِّقٌ ب «تُوَفَّوْن» فهو من تمامِ الصلة، فلو كانت «ما» موصولةً لفَصَلْتَ بالخبرِ الذي هو «أجوركم» بين أبعاضِ الصلةِ التي هي الفعلُ ومعموله، ولا يُخْبَر عن موصولٍ إلا بعد تمام صلتِه، وهذا وإنْ كانَ من الواضحاتِ إلا أنَّ فيه تنبيهاً على أصولِ العلمِ.
والغُرور: [يجوزُ أَنْ يكون مصدراً وأَنْ يكونَ] جمعاً. وقرأ عبد الله بفتح الغين، وفُسِّر بالشيطان، ويجوزُ أَنْ يكونَ فَعولاً بمعنى مَفْعول أي: متاع المغرور، أي: المَخْدوع، وأصل الغَرَر: الخَدْع.
وأصلُ لَتَسْمَعُنَّ: تسمعونَنَّ، ففُعِل فيه ما تقدَّم، إلا أن. هنا حُذِفَتْ واوُ الضمير لأنَّ قبلَها حرفاً صحيحاً.
وقوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ يَحتمل وجهين، أحدهما: واو الحال، والجملةُ بعدَها نصبٌ على الحال أي: لتُبَيِّنُنَّه غيرَ كاتمين. والثاني: أنها للعطف، وأنَّ الفعلَ بعدها مقسمٌ عليه أيضاً، وإنما لم يُؤكَّد بالنون لأنه منفيٌّ، تقول: «واللهِ لا يقومُ زيد» من غيرِ نونٍ. وقال أبو البقاء: «ولم يأتِ بها في» تكتمونه «اكتفاءً بالتوكيدِ في الأول لأنَّ» تكتمونَه «توكيدٌ»، وظاهرُ عبارتِه أنه لو لم يكن بعدَ مؤكَّدٍ بالنونِ لزم توكيدُه، وليس كذلك لِما تقدَّم. وقوله: «لأنه توكيدٌ» يعني أنَّ نَفْيَ الكتمان عنهم من قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾، فجاءَ قولُه: ﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ توكيداً في المعنى.
واستحسن الشيخ هذا الوجهَ أعني جَعْلَ الواوِ عاطفةً لا حاليةً قال: «لأن هذا الوجه الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ بعد الواو حتى تصيرَ
وقرأ عبد الله» لَتُبَيِّنُونه «من غير توكيد. قال ابن عطية:» وقد لا تلزم هذه النونُ لامَ التوكيد، قال سيبويه «انتهى. والمعروف من مذهب البصريين لزومُهما معاً، والكوفيون يجيزون تعاقبهما في سَعة الكلام، وأنشدوا:
١٥٠٦ - وعَيْشِك يا سلمى لأُوقِنُ أنني | لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولو أنَّه القتلُ |
١٥٠٧ - يميناً لأَبْغَضُ كلَّ امرىءٍ | يُزَخْرِفُ قولاً ولا يفعلُ |
وقرأ ابن عباس:» ميثاقَ النبيين «. والضميرِ في قوله:» فنبذوه «يعود على الناس المبيَّن لهم، لاستحالةِ عوْدِه على النبيين، وكان قد تقدَّم لك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: ٨١] أنه في أحد الأوجه على
فأمَّا قراءةُ ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة أوجه، وذلك أنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ الأولُ مسنداً إلى ضميرِ غائبٍ أو إلى الموصولِ، فإنْ جَعَلْناه مسنداً إلى ضميرِ غائب: إمَّا الرسولِ عليه السلام أو غيرِه ففي المسألة وجهان، أحدُهما: أنَّ/ «الذين» مفعولٌ أولُ، والثاني محذوفٌ لدلالةِ المفعولِ الثاني للفعلِ الذي بعده عليه وهو «بمفازة»، والتقدير: لا يَحْسَبَنَّ الرسول أو حاسبٌ الذين يفرحون بمفازة، فلا يَحْسَبُنَّهم بمفازة، فأسند الفعلَ الثاني لضميرِ «الذين»، ومفعولاه: الضميرُ المنصوبُ و «بمفازةٍ».
الوجه الثاني: أنَّ «الذين» مفعولٌ أولُ أيضاً، ومفعولهُ الثاني هو «بمفازة» الملفوظِ به بعد الفعل الثاني، ومفعول الفعل الثاني محذوفٌ لدلالةِ مفعولِ الأولِ عليه، والتقديرُ: لا يَحْسَبَنَّ الرسول الذين يفرحون بمفازةٍ فلا يَحْسَبُنَّهم كذلك، والعمل كما تقدم. وهذا بعيدٌ جداً للفصل بين المفعول الثاني للفعل
وإن جعلناه مسنداً إلى الموصولِ ففيه ثلاثة أوجه، أولها: أَنَّ الفعل الأول حُذِف مفعولاه اختصاراً لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما تقديره: لا يَحْسَبَنَّ الفارحون أنفسَهم فائزين فلا يَحْسَبُنَّهم فائزين كقول الآخر:
١٥٠٨ - بأيَّ كتابٍ أم بأيةِ سُنَّةٍ | ترى حُبَّهم عاراً علي وتَحْسَبُ |
الوجه الثاني: أنَّ الفعلَ الأول لم يَحْتَجْ إلى مفعولين هنا. قال أبو علي: «يَحْسَبَنَّ» لم يقع على شيء، و «الذين» رفع به، وقد تجيء هذه الأفعالُ لغواً في حكم الجمل المفيدة كقوله:
١٥٠٩ - وما خِلْتُ أَبْقَى بيننا من مودةٍ | عِراضُ المَذَاكي المُسْنِفِاتِ القلائِصا |
قال الشيخ: «وتقدَّم لنا الردُّ على الزمخشري في تقديره:» لا يَحْسَبَنَّهم الذين «في قوله: ﴿لاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي﴾ [آل عمران: ١٧٨] وأن هذا التقدير لا يَصِحُّ». قلت: قد تقدم ذلك والجواب عنه بكلام طويل، لكن ليس هو في قوله: ﴿لاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي﴾ بل في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [آل عمران: ١٦٩] في قراءةِ مَنْ قرأه بياء الغيبة، فهناك ردَّ عليه بما قال، وقد أَجَبْتُ عنه والحمد لله، وإنما نَبَّهْتُ على الموضع لئلا يُطْلَبَ هذا البحثُ من المكان الذي ذكره فلم يوجد.
ويجوز أن يقال في تقرير هذا الوجه الثالث: إنه حَذَف من أحد الفعلين ما أثبتَ نظيرَه في الآخر، وذلك أن «بمفازة» مفعولٌ ثان للفعل الأول حُذِفَتْ من الفعل الثاني، و «هم» في: «فلا يَحْسَبُنَّهم» مفعولٌ أول للفعل الثاني، وهو محذوفٌ من الأول. وإذا عَرَفْتَ ذلك فالفعل الثاني على هذه الأوجه الثلاثة تأكيدٌ للأول.
وقال مكي: «إن الفعل الثاني بدلٌ من الأول»، وتسمية مثلِ هذا بدلاً
وقوله: «فَلاَ يَحْسَبُنَّهُمْ» أصله: يَحْسَبُونَنَّهم بنونين، الأولى نون الرفع والثانية للتأكيد، وتصريفُه لا يَخْفى من القواعد المتقدمة. وتعدَّى هنا فعلُ المضمرِ المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل، وهو خاصٌّ بباب الظن وب «عَدِمَ وفَقَد دونَ سائر الأفعالِ لو قلت:» أكرمتُني «أي:» أكرمت أنا نفسي «لم يَجُزْ، وموضعُ تقريرِه غير هذا.
وأما قراءة الكوفيين فالفعلان فيها مسندان إلى ضمير المخاطب: إمَّا الرسولِ عليه السلام، أو كلِّ مَنْ يصلح للخطاب، والكلام في المفعولين للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا: إن الفعل الأول مسندٌ لضمير غائب. والفعل الثاني تأكيدٌ للأول أو بدلٌ منه، والفاءُ زائدة كما تقدَّم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير على قولنا إن الفعلين مسندان للموصول لأن الفاعل فيها واحد. واستدلوا على أن الفاء زائدة بقوله:
١٥١٠ - لا تَجْزَعي إنْ مُنْفِساً أهلكتُه | وإذا هَلَكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي |
١٥١١ - لَمَّا اتَّقى بيدٍ عظيم جِرْمُها | فتركْتُ ضاحي كَفِّه يَتَذَبْذَبُ |
١٥١٢ - حتى تَرَكْتُ العائداتِ يَعُدْنَه... فيقلن: لا يَبْعَدْ وقلت له: ابعَدِ
إلا أن زيادةَ الفاء ليس رأيَ الجمهور، إنما قال به الأخفش.
وأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر بالغيبة في الأول والخطاب في الثاني فوجْهُها أنهما غايرا بين الفاعلين، والكلام فيها يُؤْخَذُ مِمَّا تقدم، فيؤخذ الكلامُ في الفعل الأول من الكلام على قراءةِ أبي عمرو وابن كثير، وفي الثاني من الكلام على قراءة الكوفيين بما يَليق به، إلا أنه يَمْتنع هنا أن يكونَ الفعلُ الثاني تأكيداً للأول أو بدلاً منه لاختلافِ فاعليهما، فتكون الفاءُ هنا عاطفةً ليس إلا. وقال أبو علي في «الحجة» :«إنَّ الفاء زائدةٌ والثاني بدل من الأول»، قال: «ليس هذا موضعَ العطفِ لأنَّ الكلامَ لم يتِمَّ، ألا ترى أنَّ المفعول الثاني لم يُذْكَر بعدُ». وفيه نظر لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما.
وأمَّا قراءةُ الخطاب فيهما مع ضَمِّ الباء فيهما فالفعلان مسندان لضميرِ المؤمنين المخاطبين، والكلامُ في المفعولين كالكلامِ فيهما في قراءة الكوفيين.
وأمَّا قراءةُ الغيبة وفتحِ الباء فيهما فالفعلان مسندان إلى ضمير غائب أي: لا يَحْسَبَنَّ الرسولُ أو حاسِبٌ، والكلامُ في المفعولين للفعلين كالكلامِ
وقرأ النخعي ومروان بن الحكم: «بما آتَوا» ممدوداً أي: أعطَوا. وقرأ أُبيّ «أُوتوا» مبنياً للمفعول.
قوله: ﴿مِّنَ العذاب﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مفازة» أي: بمفازةٍ كائنةٍ من العذاب على جَعْلِنا «مفازة» مكاناً أي: بموضع فوز. قال أبو البقاء «لأنَّ المفازة مكانٌ، والمكانُ لا يعمل»، يعني فلا يكونُ متعلقاً بها، بل بمحذوف على أنه صفةٌ لها، إلاَّ أنَّ جَعْلَه صفةً مشكلٌ، لأنَّ المفازة لا تتصف بكونِها من العذاب، اللهم إلا أن يُقَدَّر ذلك المحذوفُ الذي يتعلق به الجار شيئاً خاصاً [حتى يصح] المعنى، تقديرُه: بمفازةٍ منجيةٍ من العذاب، وفيه الإِشكالُ المعروفُ وهو أنه لا يُقَدَّر المحذوفُ في مثلِه إلا كوناً مطلقاً.
الوجه الثاني: أنه يتعلَّق/ بنفس «مفازة» على أنها مصدر بمعنى الفوز تقول: «فزت منه» أي: نَجَوْتُ، ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء لأنها مبنيةٌ عليها، وليست الدالَّةَ على التوحيد فهو كقوله:
و ﴿قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ حالان من فاعل «يَذْكُرون». و ﴿وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ أيضاً فيتعلَّقُ بمحذوف، والمعنى: يذكرونه قياماً وقعوداً ومضطجعين، فَعَطَفَ الحالَ المؤولة على الصريحة، عكسَ الآية الأخرى وهي قوله: ﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً﴾ [يونس: ١٢]، حيث عطف الصريحةَ على المؤولة. و «قياماً» و «قعوداً» جمعان ل «قائم» و «قاعد». وأُجيز أن يكونا مصدرين، وحينئذ يتأوَّلان على معنى ذوي قيام وقعود، ولا حاجةَ إلى هذا.
قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه وجهان، أظهرُها: أنها عطف على الصلةِ فلا محلَّ لها. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال عطفاً على «قياماً» أي: يذكرونه متفكرين. فإنْ قيل: هذا مضارعٌ مثبت فكيف دخلت عليه الواوُ؟ فالجوابُ أن هذه واوُ العطف، والممنوعُ إنما هو واو الحال.
قوله: «ربَّنا» هذه الجملة في محلِّ نصب بقول محذوف تقديره: يقولون. والجملةُ القولية فيها وجهان، أظهرهما: أنها حال من فاعل «يتفكرون» أي: يتفكرون قائلين: ربنا، وإذا أعربنا «يتفكرون» حالاً كما تقدم فتكونُ الحالان متداخلتين. والوجه الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً ل «الذين» على قولِنا بأنه مبتدأ، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء.
و «هذا» في قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا﴾ إشارةٌ إلى الخَلْق إن أريد به المخلوق. وأجاز أبو البقاء حالَ الإِشارة إليه ب «هذا» أن يكون مصدراً على حالِه لا بمعنى المخلوق. وفيه نظرٌ، أو إلى السماوات والأرض، وإنْ كانا شيئين كلٌّ منهما جَمْعٌ، لأنهما بتأويل: هذا المخلوق العجيب، أو لأنهما في معنى الجمع فأُشير إليهما كما يشار إلى لفظ الجمع.
قوله: ﴿بَاطِلاً﴾ في نصبه خمسةُ أوجه، أحدها: نعت لمصدر محذوف أي: خلقاً باطلاً، وقد تقدم أن سيبويه يجعل مثلَ هذا حالاً من ضميرِ ذلك المصدر. الثاني: أنه حالٌ من المفعول به وهو «هذا». الثالث: أنه على
و ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تقدم إعرابه وهو معترضٌ بين قوله: «ربنا» وبين قوله: «فَقِنا»، وقال أبو البقاء: «دخلت الفاء لمعنى الجزاء، والتقدير: إذا نَزَّهناك أو وحَّدْناك فَقِنا». وهذا لا حاجةَ إليه، بل التسبُّبُ فيها ظاهر، تسبَّب عن قولهم: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ طَلَبُهُمْ وقايةَ النار. وقيل: هي لترتيب السؤال على ما تضمَّنه «سبحان» من معنى الفعل أي: سبحانك فقِنا، وأبعدَ مَنْ ذَهَب إلى أنها للترتيبِ على ما تضمَّنه النداء.
ويُقال: خَزَيْتُه وأَخْزَيْتُه ثلاثياً ورباعياً، والأكثرُ الرباعي، وخَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْياً إذا افتضح، وخَزاية إذا استحيا فالفعلُ واحد، وإنما يتميز بالمصدر كما تقدم.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ » مِنْ «زائدة لوجود الشرطين، وفي مجرورها وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ وخبرُه الجارِّ قبله، وتقديمُه هنا جائزٌ لا واجبٌ لأنَّ النَّفْيَ مُسَوِّغ، وحَسَّنَ تقديمَه كونُ مبتدئِه فاصلةً. الثاني: أنه فاعلٌ بالجارِّ قبله لاعتمادِه على النفي، وهذا جائزٌ عند الجميع.
وللنحويين في هذه المسألة قولان، أحدُهما: أنها تتعدى فيه أيضاً إلى مفعولٍ واحد، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفةٌ إنْ كان قبلَها نكرةٌ، وحالاً إنْ كان معرفة. والثاني: قول الفارسي وجماعة تتعدَّى لاثنين الجملةُ في محلِّ الثاني منهما. فعلى قولِ الجمهور يكون «يُنادي» في محلِّ نصب لأنه صفةٌ لمنصوبٍ قبلَه، وعلى قول الفارسي يكونُ في محلِّ نصبٍ على أنه مفعول ثان.
وأجاز أبو البقاء في» يُنادي «أن يكونَ في محلِّ نصب على الحالِ من الضميرِ المستكن في» مناديا «.
فإن قيل: فما الفائدة في الجَمْع بين» منادٍ «و» ينادي «؟ فأجاب الزمخشري بأنه ذَكَر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإِيمان تفخيماً لشأن المنادي لأنه لا مناديَ أعظمُ من منادٍ للإِيمان، وذلك أنَّ المنادِيَ إذا أطلق ذَهَب الوهمُ إلى منادٍ للحرب أو لإِطفاء الثائرة أو لإِغاثة المكروب أو لكفاية بعضِ النوازِل أو لبعضِ المنافعِ، فإذا قلت:» ينادِي للإِيمان «فقد رَفَعْتَ من شأن المنادي وفَخَّمته.
وأجاب أبو البقاء عنه بثلاثة أجوبة/ أحدها: التوكيد نحو: قم قائماً. الثاني: أنه وُصِل به ما حَسَّن التكريرَ وهو» للإِيمان «. الثالث: أنه لو اقْتُصِر
ومفعولُ» ينادي «محذوف أي: ينادي الناس. ويجوزُ ألاَّ يرادَ مفعول نحو: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤]. و» نادى «و» دعا «يتعدَّيان باللام تارة وب» إلى «أخرى، وكذلك» ندب «.
قال الزمخشري: «وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً» فاللامُ في موضِعها، ولا حاجةَ إلى أَنْ يقال: إنها بمعنى «إلى» ولا إنها بمعنى الباء، ولا إنها لام العلة أي: لأجل الإِيمان كما ذهب إلى ذلك بعضهم.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُواْ﴾ في «أَنْ» قولان، أحدهما: أنها تفسيرية لأنها وَقَعتْ بعد فعلٍ بمعنى القول لا حروفِه، وعلى هذا فلا موضعَ لها من الإِعراب. والثاني: أنها المصدريةُ وُصِلَتْ بفعل الأمر، وفي وصلها به نظرٌ من حيث إنها إذا انسبك منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ تفوتُ الدلالة على الأمرية، واستدلُّوا على وَصْلِها بالأمر بقولهم: «كَتَبْتُ إليه بأنْ قم» فهي هنا مصرية ليس إلا، وإلاَّ يلزمْ تعليقُ حرف الجر. ولهذا موضعُ هو أليقُ به، وإذ قيل بأنها مصدرية فالأصل التعدِّي إليها بالباء أي: بأن آمنوا، فيكون فيها المذهبان المشهوران: الجر والنصب.
وقوله: ﴿فَآمَنَّا﴾ عطف على «سمعنا»، والعطفُ بالفاءِ مؤذنٌ بتعجيل القبول وتسبُّبِ الإِيمان عن السماع من غير مُهْلة، والمعنى: فآمَنَّا بربنا.
قوله: ﴿مَعَ الأبرار﴾ ظرفٌ متعلِّق بما قبله أي: تَوَفَّنا معدودين في صحبتهم. وقيل: تُجُوَّز به هنا عن الزمان. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول
١٥١٣ - فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ | عقابَك قد كانوا لنا كالمَوارِدِ |
١٥١٤ - كأنَّك مِنْ جِمالِ بني أُقَيْشٍ | يُقَعْقَعُ خلفَ رِجْلَيْه بشَنِّ |
والميعاد: اسمُ مصدرٍ بمعنى الوعد. و» يوم القيامة «فيه وجهان، أحدهما: أنه مصوبٌ ب» لا تُخْزِنا «، والثاني: أجازه الشيخ أن يكون من باب الإِعمال؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً ب» لا تُخْزِنا «وب» آتِنا ما وعدتنا «إذا كان الموعودُ به الجنةَ. وقرأ الأعمش:» رُسْلِك «بسكون السين.
و «استجاب» بمعنى أجاب، ويتعدَّى بنفسه وباللام، وتقدَّم تحقيق ذلك في قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ [البقرة: ١٨٦]. ونقل تاج القُرَّاء أن «أجاب» عام، و «استجاب» خاص في حصول المطلوب.
والجمهورُ: «أُضيع» من أضاع وقرىء بالتشديد والتضعيف، والهمزةُ فيه للنقل كقوله:
١٥١٥ - كمُرْضِعَة أولادَ أُخرى وضَيَّعَتْ | بني بَطْنِها، هذا الضلالُ عن القصدِ |
وأمَّا «مِنْ ذَكَرٍ» ففيه خمسة أوجه، أحدُها: أنها لبيان الجنس، بَيَّنَ جنس العامل، والتقدير: الذي هو ذكر أو أنثى، وإن كان بعضُهم قد اشترط في البيانية أن تدخل على مُعَرَّف بلام الجنس، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك. الثاني: أنها زائدة لتقدُّم النفي في الكلام، وعلى هذا فيكون «مِنْ ذَكَر» بدلاً من نفسِ «عامل» كأنه قيل: عاملٍ ذَكَرٍ أو أنثى، ولكنْ فيه نظرٌ من حيث إنَّ البدلَ لا يُزاد فيه «مِنْ». الثالث: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها حالٌ من الضمير المستكنِّ في «منكم»، لأنه لَمَّا وقع صفة تَحَمَّل ضميراً، والعاملُ في الحالِ العاملُ في «منكم» أي: عاملٍ كائن منكم كائناً من ذكر. الرابع: أَنْ يكونَ «مِنْ ذكرٍ» بدلاً مِنْ «منكم»، قال أبو البقاء «وهو بدلُ الشيء من الشيء وهما لعينٍ واحدةٍ» يعني فيكونُ بدلاً تفصيلياً بإعادةِ العاملِ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣]. وفيه إشكالٌ من وجهين، أحدهما: أنه بدلٌ ظاهرٍ من حاضر في بدلِ كلٍّ من كل وهو لا يجوزُ إلا عند الأخفش. وقَيَّد بعضُهم جوازَه بأَنْ يفيدَ إحاطةَ كقوله:
١٥١٦ - فما بَرِحَتْ أقدامُنا في مَقامِنا | ثلاثتُنا حتى أُزيروا المنائيا |
١٥١٧ - بكمْ قريشٍ كُفِينا كلَّ مُعْضِلَةٍ | وأمَّ نهَجَ الهدى مَنْ كان ضِلِّيلا |
١٥١٨ - وشَوْهاءَ تَعْدُو بي إلى صارخِ الوغَى | بمُسْتَلْئِمٍ مثلِ الفَنيق المُدَجَّل |
الثاني: أنَّ البدل التفصيلي لا يكون ب «أو»، وإنما يكون بالواو لأنها للجمع كقوله:
١٥١٩ - وكنت كذي رِجْلَيْن رِجْلٍ صحيحةٍ | ورِجْلٍ رَمَى منها الزمانُ فَشَلَّتِ |
١٥٢٠ - قومٌ إذا سمعوا الصَّريخَ رأيتَهُمْ | ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرِه أو سافِعِ |
قوله: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبرٌ، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنَّ هذه الجملة استئنافيةٌ جيء بها لتبيين شِرْكَةِ النساء مع الرجال في الثواب الذي وَعَد الله به عبادَه العاملين، لأنه يُروى في الأسباب أنَّ أم سلمة رضي الله عنها سألَتْه عليه السلام عن ذلك فنزلت، والمعنى: كما أنكم من أصل واحد، وأنَّ بعضكم مأخوذٌ من بعض فكذلك أنتم في ثواب العملِ لا يُثاب رجلٌ عاملٌ دونَ امرأة عاملة.
وعَبَّر الزمخشري عن هذا بأنها جملةٌ معترضةٌ. قال: «وهذه جلمةٌ معترضةٌ بُيِّنَتْ بها شِرْكةُ النساء من الرجالِ فيما وعَدَ اللهُ العاملين» ويعني بالاعتراضِ أنها جِيءَ بها بين قولِه ﴿عَمَلَ عَامِلٍ﴾ وبينَ ما فُصِّلَ به عملُ العاملِ مِنْ قولِه: ﴿فالذين هَاجَرُواْ﴾، ولذلك قال الزمخشري: «فالذين هاجروا تفصيلٌ لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم.
والثاني: أن هذه الجملة صفة. الثالث: أنها حالٌ، ذكرهما أبو البقاء، ولم يعيِّن الموصوفَ ولا ذا الحال، وفيه نظر.
قوله: ﴿فالذين هَاجَرُواْ﴾ مبتدأٌ، وقوله: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ
١٥٢١ - جَشَأَتْ فقلتُ اللَّذْ خَشِيْتِ ليأتِيَنْ | وإذا أتاكِ فلاتَ حين مَناصِ |
والظاهرُ أنَّ هذه الجمل التي بعد الموصول كلُّها صلاتٌ له، فلا يكون الخبر إلا لِمَنْ جمع بين هذه الصفات: المهاجرة والقتل والقتال، ويجوز أن يكون ذلك على التنويع، ويكون قد حَذَف الموصولاتِ لفَهْم المعنى، وهو مذهب الكوفيين، وقد تقدَّم القول فيه، والتقدير: فالذين هاجروا، والذين أُخرجوا، والذين قاتلوا، فيكون الخبر بقوله: لأكفرنَّ عَمَّن اتصف بواحدة من هذه/.
وقرأ جمهور السبعة:» وقاتَلوا وقُتِلوا «ببناء الأول للفاعل من المفاعلة، والثاني للمفعول، وهي قراءةُ واضحة. وابن عامر وابن كثير كذلك، إلا أنهما شَدَّدا التاء من» قُتِّلوا «للتكثير، وحمزة والكسائي بعكس هذا، ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل.
وتوجيهُ هذه القراءةِ بأحدِ معنيين: إما أنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيب فلذلك قُدِّم معها ما هو متأخرٌ في المعنى، هذا إن حملنا ذلك على اتِّحاد الأشخاص الذين صَدَر منهم هذان الفعلان. الثاني: أن
وقرأ عمر بن عبد العزيز: «وقَتَلوا وقُتِلوا» ببناء الأول للفاعل من «فَعَل» ثلاثياً، والثاني للمفعول، وهي كقراءة الجماعة.
وقرأ محارب بن دثار: «قَتَلوا وقاتلوا» ببنائهما للفاعل. وقرأ طلحة ابن مصرف: «وقُتِّلوا وقاتَلوا» كقراءةِ حمزة والكسائي، إلاَّ أنَّه شدَّد التاءَ، والتخريجُ كتخريج قراءتهما. ونقل الشيخ عن الحسن وأبي رجاء: «قاتلوا وقُتِّلوا» بتشديد التاء من «قُتِّلوا»، وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر كما تقدَّم، وكأنه لم يَعْرف أنها قراءتُهما.
قوله: «ثواباً» في نصبه ثمانيةُ أوجه، أحدها: أنه نصب على المصدرِ المؤكَّدِ، لأنَّ معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير: لأُثيبَنَّهم إثابة أو تثويباً، فوضع «ثواباً» موضعَ أحدِ هذين المصدرين، لأنَّ الثواب في الأصل اسمٌ لِما يُثاب به كالعَطاء: اسمٌ لما يُعْطى، ثم قد يقعان موقع المصدر، وهو نظيرُ قولهِ: ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨]، و ﴿وَعْدَ الله﴾ [النساء: ١٢٢] في كونهما مؤكِّدين. الثاني: أن يكونَ حالاً من «جنات» أي: مُثاباً بها، وجاز ذلك وإنْ كنت نكرةً لتخصُّصها بالصفة.
و ﴿مِّن عِندِ الله﴾ صفةٌ له.
وقوله: ﴿والله عِندَهُ حُسْنُ﴾ الأحسنُ أن يرتفعَ «حسن الثواب» على الفاعلية بالظرفِ قبله، لاعتماده على المبتدأ قبله، والتقدير: والله استقر عنده حسنُ الثواب، ويجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ والظرفُ قبلَه خبرُه، والجملة خبرُ الأول، وإنما كان الوجهُ الأولُ أحسنَ لأنَّ فيه الإِخبارَ بمفرد وهو الأصلُ، بخلافِ الثاني فإنَّ الإِخبار فيه بجملة.
قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ هذه الجملة أجاز مكي فيها وجهين، أحدهما: الرفع على النعت ل «جنات». والثاني: النصب على الحالِ من الضمير المُسْتكنِّ في «لهم» قال: «وإنْ شِئْتَ في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في» لهم «؛ إذ هو كالفعل المتأخر بعد الفاعل إنْ رَفَعْتَ» جنات «بالابتداء، فإنْ رَفَعْتَها بالاستقرار لم يكن في» لهم «ضميرٌ
قوله: «نُزُلاً» النُّزْلُ: ما يُهيَّأ للنزيل وهو الضيف. قال أبو الشعراء الضبي:
١٥٢٢ - وكنا إذا الجبارُ بالجيشِ ضافَنا | جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ له نُزْلا |
١٥٢٣ -............................
إذا عَرَفْتَ هذا ففي نصبه ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوب على المصدر المؤكِّد؛ لأنَّ معنى «لهم جنات» نُنْزلُهم جناتٍ نُزُلاً. وقَدَّره الزمخشري بقوله: «رزقاً وعطاءً من عند الله». الثاني: نصبُه بفعل مضمر أي: جَعَلهم لهم نُزُلاً. الثالث: نصبُه على الحال من «جنات» لأنها تخصصت بالوصف.
الرابع: أن يكون حالاً من الضمير في «فيها» أي: مُنَزَّلةً إذا قيل: بأن «نُزُلاً» مصدر بمعنى المفعول نقله أبو البقاء. الخامس: أنه حال من الضمير المستكنِّ في «خالدين» إذا قلنا إنه جمع نازل، قاله الفارسي في «التذكرة». السادس وهو قول الفراء: نصبه على التفسير أي: التمييز، كما تقول: «هو لك هبةً أو صدقة»، وهذا هو القول بكونه حالاً.
والجهورُ على ضم الزاي. وقرأ الحسن والأعمش/ والنخعي بسكونها وهي لغة، وعليها البيت المتقدم، وقد تقدم لك أن مثل هذا يكون فيه المسكَّنُ مخففاً من المثقل أو بالعكس، والحق: الأول.
قوله: ﴿مِّنْ عِندِ الله﴾ فيه ثلاثة أوجه، لأنك إنْ جَعَلْتَ «نُزُلاً» مصدراً كان الظرف صفةً له، فيتعلق بمحذوف أي: نزلاً كائناً من عند الله على سبيل التكريم، وإنْ جَعَلْتَه جمعاً كان في الظرفِ وجهان، أحدهما: جَعْلُه حالاً من الضمير المحذوف تقديره: نُزُلاً إياها. والثاني: أنه خبر محذوف أي: ذلك من عند الله، نقل ذلك أبو البقاء.
ونقل أبو البقاء عن بعضِهم أنه جَعَل «للأبرار» حالاً من الضمير في الظرف، و «خير» خبر المبتدأ، قال: «وهذا بعيدٌ، لأنَّ فيه الفصلَ بين المبتدأ وخبره بحالٍ هي لغيره، والفصلَ بين الحال وصاحبها بخبر المبتدأ، وذلك لا يَجُوز في الاختيار.
وقال الشيخ:» وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: الذي عند الله للأبرارِ خيرٌ، قال: «وهذا ذهولٌ عن قاعدِة العربية: من أنَّ المجرورَ إذ ذاك يتعلق بما تعلَّق به الظرفُ الواقعُ صلةً للموصول، فيكون المجرور داخلاً في حيز الصلة، ولا يُخْبر عن الموصول إلا بعد استيفائه صلته ومتعلقاتها».
فإنْ عنى الشيخُ بالتقديمِ والتأخيرِ هذا الوجهَ أعني جَعْلَ «للأبرار» حالاً من الضمير
و «خير» هنا يجوز أن تكون للتفضيل وأن لا تكون فإنْ كانت للتفضيل كان المعنى: وما عند الله خيرٌ للأبرار مِمَّا لهم في الدنيا، ويحتمل: خير لهم مما يَتَقَلَّب فيه الكفارُ من المتاعِ القليلِ الزائلِ.
قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه حالٌ من الضمير في «يؤمنُ»، وجَمَعَه حَمْلاً على معنى «مَنْ» كما جَمَع في قوله: «إليهم»، وبدأ بالحمل على اللفظ في «يُؤمِنُ» على الحمل على المعنى لأنه الأَوْلى. الثاني: أنه حالٌ من الضمير في «إليهم»، فالعامل فيه «أنزل». الثالث: أنه حالٌ من الضمير في «يَشْترون»، وتقديمُ ما في حَيِّز «لا» عليها جائزٌ على الصحيح، وتقدَّم شيء من ذلك في الفاتحة. الرابع: أنه صفةٌ ل «مَنْ» إذ قيل بأنها نكرةٌ موصوفةٌ، وأمَّا الأوجهُ فجائزةٌ سواءً كانت موصولةً أو نكرةً موصوفة.
قوله: «لله» فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ ب «خاشعين» أي لأجلِ
قوله: ﴿لاَ يَشْتَرُونَ﴾ كقولِه: «خاشعين» إلا في الوجه الثالث لتعذُّرِه، ونزيد عليه وجهاً آخرَ: وهو أن يكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في «خاشعين» أي: غيرَ مشترين. وتقدَّم معنى الخشوع والاشتراء وما قيل فيه وفي الباء في البقرة.
قوله: ﴿أولائك لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ «أولئك» مبتدأ. وأمَّا ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ففيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون «لهم» خبراًً مقدماً، و «أجرهم» مبتدأ مؤخرٌ، والجملةُ خبر الأول، وعلى هذا فالظرف فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلقٌ ب «أجرهم»، والثاني: أنه حالٌ من الضمير في «لهم» وهو ضميرُ الأجرِ لأنه واقعٌ خبراً.
الوجه الثاني: أن يرتفعَ «أجرُهم» بالجارِّ قبله، وفي الظرف الوجهان، إلاَّ أنَّ الحالَ من «أجرهم» الظاهرُ، لأنَّ «لهم» لا ضميرَ فيه حينئذٍ. الثالث: أنَّ الظرفَ هو خبرُ «أجرهم» و «لهم» متعلق بما تعلَّقَ به هذا الظرفُ من الثبوتِ والاستقرار. ومن هنا إلى آخر السورة تقدَّم إعراب نظائره.