تفسير سورة سورة الأعراف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ وهي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى:" وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ" إِلَى قَوْلِهِ:" وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ «١» ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ. صححه أبو محمد عبد الحق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ الى ٢]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)قَوْلُهُ تَعَالَى: (المص) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ «٢» وموضعه رفع بالابتداء. و" كِتابٌ" خَبَرُهُ. كَأَنَّهُ قَالَ:" المص" حُرُوفُ" كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ" وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَيْ هَذَا كِتَابٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) فيه مسألتان: الْأَوْلَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" حَرَجٌ" أَيْ ضِيقٌ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَثْلَغُوا «٣» (رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً) الْحَدِيثَ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ إِلْكِيَا: فَظَاهِرُهُ النَّهْيُ، وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُ، أَيْ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ سِوَى الإنذار به من شي من إيمانهم
(٢). راجع ج ١ ص ١٥٤.
(٣). كذا في الأصول. والذي في صحيح مسلم: إذا يثلغوا رأسي. راجع صحيح مسلم. كتاب الجنة، باب الصفات التي يصرف بها أهل الجنه وأهل النار. والثلغ: الشدخ. وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. وفى النهاية: إذن يثلغوا رأسي كما تثلغ الخبزة.
[سورة الأعراف (٧): آية ٣]
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٣)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٥» ". وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هَذَا أَمْرٌ يَعُمُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ دُونَهُ. أَيِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنَ، وَأَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ، وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِ الْآرَاءِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ.
(٢). راجع ج ١٣ ص ٨٩.
(٣). راجع ج ١٠ ص ٣٥٣ وص ٦٣. [..... ]
(٤). كذا في الأصول. وفى السمين: إنها حال من الضمير في أنزل. وقال: هذا سهو.
(٥). راجع ج ١٨ ص ١٧.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤ الى ٥]
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) " كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، كَمَا أَنَّ" رُبَّ" لِلتَّقْلِيلِ. وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ" أَهْلَكْنَا" الْخَبَرُ. أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْقُرَى- وَهِيَ مَوَاضِعُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ- أَهْلَكْنَاهَا. وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا، وَلَا يُقَدَّرُ قَبْلَهَا، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ. وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْلُهُ:" وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ «١» " وَلَوْلَا اشْتِغَالُ" أَهْلَكْنا" بِالضَّمِيرِ لَانْتَصَبَ بِهِ مَوْضِعُ" كَمْ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" أَهْلَكْنَا" صِفَةً لِلْقَرْيَةِ، وَ" كَمْ" فِي الْمَعْنَى هِيَ الْقَرْيَةُ، فَإِذَا وَصَفْتَ الْقَرْيَةَ فَكَأَنَّكَ قَدْ وَصَفْتَ كَمْ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لَا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً" فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَى" كَمْ". عَلَى الْمَعْنَى، إِذْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي الْمَعْنَى. فَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ" كَمْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ بَعْدَهَا." فَجاءَها بَأْسُنا" فِيهِ إِشْكَالٌ لِلْعَطْفِ بِالْفَاءِ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ. وَقِيلَ: أَيْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا، كَقَوْلِهِ:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٢» ". وَقِيلَ: إن
(٢). راجع ج ١٧ ص ١٠٣.
(٢). راجع ج ٨ ص ٣١٣.
(٣). راجع ج ١٣ ص ٢١٩.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦ الى ٧]
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)
قوله تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ يُحَاسَبُونَ. وَفِي التَّنْزِيلِ" ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا «٣» حِسابَهُمْ". وفي سورة القصص" وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ «٤» " يَعْنِي إِذَا اسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَابِ. وَالْآخِرَةُ مَوَاطِنُ: مَوْطِنٌ يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ. وَمَوْطِنٌ لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ. وَسُؤَالُهُمْ تَقْرِيرٌ وَتَوْبِيخٌ وَإِفْضَاحٌ. وَسُؤَالُ الرُّسُلِ سُؤَالُ اسْتِشْهَادٍ بِهِمْ وَإِفْصَاحٍ، أَيْ عَنْ جَوَابِ الْقَوْمِ لَهُمْ. وَهُوَ مَعْنَى قوله:" لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ «٥» " عَلَى مَا يَأْتِي. وَقِيلَ: المعنى" فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ" أي الأنبياء" وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ" أَيِ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ. وَاللَّامُ في" فَلَنَسْئَلَنَّ" لام القسم وحقيقتها التوكيد. كذا (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ «٦». (وَما كُنَّا غائِبِينَ) أَيْ كُنَّا شَاهِدِينَ لِأَعْمَالِهِمْ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عالم بعلم.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨ الى ٩]
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ" الْحَقُّ" نَعْتَهُ، وَالْخَبَرُ" يَوْمَئِذٍ". وَيَجُوزُ نَصْبُ" الْحَقِّ" عَلَى الْمَصْدَرِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَزْنِ وَزْنُ أعمال العباد
(٢). راجع ج ١٤ ص ٩ وص ١٢٩.
(٣). راجع ج ٢٠ ص ٣٧.
(٤). راجع ج ١٣ ص ٣١٥.
(٥). راجع ج ١٤ ص ٩ وص ١٢٩.
(٦). عبارة الطبري:" ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم.
(٢). يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة.
(٢). راجع ج ١٣ ص ١١٨ وص ١٢٢.
(٣). راجع ج ١٣ ص ١١٨ وص ١٢٢.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٠]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (١٠)
أَيْ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ قَرَارًا وَمِهَادًا، وَهَيَّأْنَا لَكُمْ فِيهَا أَسْبَابَ الْمَعِيشَةِ. وَالْمَعَايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، أَيْ مَا يُتَعَيَّشُ بِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَمَا تَكُونُ بِهِ الْحَيَاةُ. يُقَالُ: عَاشَ يَعِيشُ عَيْشًا وَمَعَاشًا وَمَعِيشًا وَمَعِيشَةً وَعِيشَةً. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعِيشَةُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْعَيْشِ. وَمَعِيشَةٌ فِي قَوْلِ الْأَخْفَشِ وَكَثِيرٍ من النحويين مفعلة. وقرا الأعرج:" معايش" بِالْهَمْزِ. وَكَذَا رَوَى خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نَافِعٍ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْهَمْزُ لَحْنٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ مَعِيشَةٌ، أَصْلُهَا مَعِيشَةٌ، فَزِيدَتْ أَلِفُ الْوَصْلِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ وَالْيَاءُ سَاكِنَةٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيكٍ إِذْ لَا سَبِيلَ
| وَإِنِّي لَقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لَمْ يَكُنْ | جَرِيرٌ وَلَا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا |
[سورة الأعراف (٧): آية ١١]
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) لَمَّا ذَكَرَ نِعَمَهُ ذَكَرَ ابْتِدَاءَ خَلْقِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْخَلْقِ «١» فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ." ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" أَيْ خَلَقْنَاكُمْ نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، ثُمَّ إِنَّا نُخْبِرُكُمْ أَنَّا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمَا: الْمَعْنَى خَلَقْنَا آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِهِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ:" ثُمَّ" بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى" وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَقِيلَ:" وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" يَعْنِي آدَمَ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ." ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيْضًا. كَمَا يُقَالُ: نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ، أَيْ قَتَلْنَا سَيِّدَكُمْ." ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ" وَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيمَ وَلَا تَأْخِيرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ، يُرِيدُ آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَآدَمُ مِنَ التُّرَابِ وَحَوَّاءُ مِنْ ضِلَعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، ثُمَّ وَقَعَ التَّصْوِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَالْمَعْنَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَوَيْكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاهُمَا، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَلَقْنَاكُمْ في ظهر آدم
«٣» ". ثُمَّ قَالَ:" جَعَلْناهُ" أَيْ جَعَلْنَا نَسْلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ" نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ" الْآيَةَ «٤». فَآدَمُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ ثم صور وأكوم بِالسُّجُودِ، وَذُرِّيَّتُهُ صُوِّرُوا فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ بَعْدَ أَنْ خُلِقُوا فِيهَا وَفِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ «٥» أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مَخْلُوقٌ مِنْ نُطْفَةٍ وَتُرْبَةٍ، فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ هُنَا:" خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَشْرِ:" هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ «٦» ". فَذَكَرَ التَّصْوِيرَ بَعْدَ الْبَرْءِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: مَعْنَى" وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ" أَيْ خَلْقنَا الْأَرْوَاحَ أَوَّلًا ثُمَّ صَوَّرْنَا الْأَشْبَاحَ آخِرًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: مِنَ الْجِنْسِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْ لَا. كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ في البقرة «٧».
[سورة الأعراف (٧): آية ١٢]
قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)
(٢). راجع ج ١٢ ص ١٠٨.
(٣). راجع ج د ص ١.
(٤). راجع ج ١٢ ص ١٠٨.
(٥). راجع ج ٦ ص ٣٨٨.
(٦). راجع ج ١٨ ص ٤٨.
(٧). راجع ج ١ ص ٢٩.
| أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلُ فَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ | نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ نَائِلُهُ |
(٢). راجع ج ١٥ ص ٢٢٨ وص ٢٢٧. [..... ]
(٢). موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك.
(٣). راجع الموطأ:" باب ما جاء في الطاعون".
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣]
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ فَاهْبِطْ مِنْها) أَيْ مِنَ السَّمَاءِ. (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا لِأَنَّ أَهْلَهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُتَوَاضِعُونَ.) فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) أَيْ مِنَ الْأَذَلِّينَ. وَدَلَّ هَذَا أَنَّ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ فَهُوَ ذَلِيلٌ. وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ وَالْبَجَلِيُّ:" فَاهْبِطْ مِنْها" أَيْ مِنْ صُورَتِكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، لِأَنَّهُ افْتَخَرَ بِأَنَّهُ مِنَ النَّارِ فَشُوِّهَتْ صُورَتُهُ بِالْإِظْلَامِ وَزَوَالِ إِشْرَاقِهِ. وَقِيلَ:" فَاهْبِطْ مِنْها" أَيِ انْتَقِلْ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ، كَمَا يُقَالُ: هَبَطْنَا أَرْضَ كَذَا أَيِ انْتَقَلْنَا إِلَيْهَا مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، فَكَأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ فَسُلْطَانُهُ فِيهَا، فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ إِلَّا كَهَيْئَةِ السَّارِقِ «٤» يَخَافُ فِيهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وقد تقدم في البقرة «٥».
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤ الى ١٥]
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
سَأَلَ النَّظِرَةَ وَالْإِمْهَالَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ. طَلَبَ أَلَّا يَمُوتَ لِأَنَّ يَوْمَ الْبَعْثِ لَا مَوْتَ بَعْدَهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وغيرها:
(٢). في ع: وغرور. وفى ب: نغز. وهو الإغراء.
(٣). راجع ج ١٠ ص ٢٥٧.
(٤). في ب: الساري بالياء.
(٥). راجع ج ١ ص ٣٢٧.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦ الى ١٧]
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَبِما أَغْوَيْتَنِي) الْإِغْوَاءُ إِيقَاعُ الْغَيِّ فِي الْقَلْبِ، أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْتَ فِي قَلْبِي مِنَ الْغَيِّ وَالْعِنَادِ وَالِاسْتِكْبَارِ. وَهَذَا لِأَنَّ كُفْرَ إِبْلِيسَ لَيْسَ كُفْرَ جَهْلٍ، بَلْ هُوَ كُفْرُ عِنَادٍ وَاسْتِكْبَارٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «١». قِيلَ: مَعْنَى الْكَلَامِ الْقَسَمُ، أَيْ فَبِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِكَ، أَوْ فِي صِرَاطِكَ، فَحُذِفَ. دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ فِي (ص):" فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ «٢» " كأن إِبْلِيسَ أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَى الْعِبَادِ، فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْدَهُ. وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَلِإِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى مَعَ، وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ. وَقِيلَ: هُوَ استفهام، كأنه سأل بأي شي أَغْوَاهُ؟. وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ: فَبِمَ أَغْوَيْتِنِي؟. وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتِنِي بِلَعْنِكَ إِيَّايَ. وَالْإِغْوَاءُ الْإِهْلَاكُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا «٣» " أَيْ هَلَاكًا. وَقِيلَ: فَبِمَا أَضْلَلْتَنِي. وَالْإِغْوَاءُ: الْإِضْلَالُ وَالْإِبْعَادُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: خَيَّبْتَنِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ «٤»:
وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمُ عَلَى الْغَيِّ لَائِمًا
(٢). راجع ج ١٥ ص ٢٢٨.
(٣). راجع ج ١١ ص ١٢٥.
(٤). هذا عجز بيت للرقش، وصدره كما في اللسان مادة غوى:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
| لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ | فِيهِ كَمَا عسل الطريق الثعلب «٤» |
(٢). راجع ج ١١ ص ٢٥٥.
(٣). راجع ج ٩ ص ٢٨.
(٤). البيت لساعدة بن جوية. يريد في الطريق. وصف في البيت رمحا لين الهز فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والعسل العسلان (بالتحريك): سير سريع في اضطراب. واللدن: الناعم اللين. (عن شرح الشواهد).
" مِنْ دُنْيَاهُمْ، حَتَّى يُكَذِّبُوا بِمَا فِيهَا «٣» مِنَ الْآيَاتِ وَأَخْبَارُ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ" وَمِنْ خَلْفِهِمْ" مِنْ آخِرَتِهِمْ حَتَّى يُكَذِّبُوا بِهَا." وَعَنْ أَيْمانِهِمْ" مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَأُمُورِ دِينِهِمْ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ:" إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ"." وَعَنْ شَمائِلِهِمْ" يَعْنِي سَيِّئَاتِهِمْ، أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، لِأَنَّهُ يُزَيِّنُهَا لَهُمْ. (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) أَيْ مُوَحِّدِينَ طَائِعِينَ مظهرين الشكر.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨]
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ اخْرُجْ مِنْها) أَيْ من الجنة. (مَذْؤُماً مَدْحُوراً) " مَذْؤُماً" أَيْ مَذْمُومًا. وَالذَّأْمُ: الْعَيْبُ، بِتَخْفِيفِ «٤» الْمِيمِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَذْءُومًا وَمَذْمُومًا سَوَاءٌ، يُقَالُ: ذَأَمْتُهُ وذممته وذمته بمعنى واحد. وقرا الأعمش" مَذْؤُماً". وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ «٥». وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَذْءُومُ الْمَنْفِيُّ. وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَالْمَدْحُورُ: الْمُبْعَدُ الْمَطْرُودُ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ. وَأَصْلُهُ الدَّفْعُ. (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، وَالْجَوَابُ" لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ". وَقِيلَ:" لَمَنْ تَبِعَكَ" لَامُ تَوْكِيدٍ." لَأَمْلَأَنَّ" لَامُ قَسَمٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ حذف اللام الأولى، ولا يجوز
(٢). راجع ج ٥ ص ٣٨٩.
(٣). راجع ج ١٥ ص ٧٣.
(٤). في ج: مما قبلها.
(٥). لا حاجة لهذا القيد: فإن الهمز كاف للفرق بيته وبين الذم.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٩]
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)
قَالَ لِآدَمَ بَعْدَ إِخْرَاجِ إِبْلِيسَ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنَ السَّمَاءِ: اسْكُنْ أَنْتَ وَحَوَّاءُ الْجَنَّةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «١» مَعْنَى الْإِسْكَانِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ هُنَاكَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠]
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ) أَيْ إِلَيْهِمَا. قِيلَ: دَاخِلَ الْجَنَّةِ بِإِدْخَالِ الْحَيَّةِ إِيَّاهُ وَقِيلَ: مِنْ خَارِجٍ بِالسَّلْطَنَةِ «٢» الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي الْبَقَرَةِ. وَالْوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ. وَالْوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ يُقَالُ: وَسْوَسَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَسْوَسَةً وَوِسْوَاسًا (بِكَسْرِ الْوَاوِ). وَالْوَسْوَاسُ (بِالْفَتْحِ): اسْمٌ مِثْلُ الزَّلْزَالِ. وَيُقَالُ لِهَمْسِ الصَّائِدِ وَالْكِلَابِ وَأَصْوَاتِ الْحَلْيِ: وَسْوَاسٌ. قَالَ الأعشى:
(٢). في ج: بالشيطة.
| تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وَسْوَاسًا إِذَا انْصَرَفَتْ | كَمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ «١» |
«٨» وَقَالَ الْحَسَنُ: فَضَّلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالصُّوَرِ. وَالْأَجْنِحَةِ وَالْكَرَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَضَّلَهُمْ جَلَّ وَعَزَّ بِالطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، فَلِهَذَا يَقَعُ التَّفْضِيلُ في كل شي. وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ. لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ فِي أَلَّا يَكُونَ لَهُمَا شَهْوَةٌ فِي طَعَامٍ. وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالزَّجَّاجِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَفْضِيلُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَةِ «٩». وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ، غَيْرَ طَائِفَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ، لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ رُسُلِ اللَّهِ. وَتَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِظَوَاهِرَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَالْفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ" مَلِكَيْنِ" بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي «١٠» كَثِيرٍ وَالضَّحَّاكِ. وأنكر
(٢). راجع ج ٢٠ ص ٢٦١.
(٣). راجع ج ١٣ ص ٢٥٢.
(٤). من ج وك وى. [..... ]
(٥). النور بفتح النون: الزهر.
(٦). تهافت: تساقط.
(٧). راجع ج ٩ ص ٢٥.
(٨). راجع ج ٦ ص ٢٦.
(٩). راجع ج ١ ص ٢٨٩.
(١٠). من ب وع وز.
| تَسْمَعُ للحَلْيِ وسواسًا إذا انصرفَتْ | كما اسْتَعَان بريحٍ عِشْرَقٌ زَجِلُ٢ |
٢ العشرق (كزيرج) شجر قدر ذراع له حب صغار إذا جف صوت بمر الريح..
٣ راجع ج ٢٠ ص ٢٦١..
٤ راجع ج ١٣ ص ٢٥٢.
٥ من ج وك وى.
٦ النور (بفتح النون): الزهر..
٧ تهافت: تساقط.
٨ راجع ج ٩ ص ٢٥..
٩ راجع ج ٦ ص ٢٦.
١٠ راجع ج ١ ص ٢٨٩.
١١ من ب وع وز..
١٢ راجع ج ١١ ص ٢٥٤.
[سورة الأعراف (٧): آية ٢١]
وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقاسَمَهُما) أَيْ حَلَفَ لَهُمَا. يُقَالُ: أَقْسَمَ إِقْسَامًا، أَيْ حَلَفَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
| وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمْ | أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا «٢» |
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٢ الى ٢٤]
فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)
(٢). السلوى: العسل. وشار العسل: اجتناه واخذه من موضعه.
| إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا تَشَاءُ خَدَعْتَهُ | وَتَرَى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لَا يُخْدَعُ |
(٢). راجع ج ١ ص ٣٠٤.
(٣). راجع ج ١ ص ٣٠٤.
(٤). كذا في الأصول. والمتبادر أنه يريد المصدر على لغة ضرب ضربا لأن طفق كفرح.
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٥]
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
الضَّمَائِرُ كُلُّهَا لِلْأَرْضِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ فِي" قالَ"، وَلَوْ ذَكَرَهَا لَجَازَ «٥» أَيْضًا. وَهُوَ كَقَوْلِكَ: قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو كَذَا قَالَ لَهُ كَذَا.
(٢). في ع وز وك: الثالثة قوله تعالى:" وَناداهُما" الآية. [..... ]
(٣). من ع.
(٤). راجع ج ١ ص ٣٢٤. وص ٣١٩.
(٥). أي في مثل هذا التركيب في غير القرآن.
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٦]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ) قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ:" يُوارِي سَوْآتِكُمْ". وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، بَلْ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْإِنْعَامِ فَقَطْ. قُلْتُ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِنْعَامِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى «١») جَعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتِهِمْ، وَدَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بِالسَّتْرِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْرَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: هِيَ مِنَ الرَّجُلِ الْفَرْجُ نَفْسُهُ، الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ أَبِي عَبْلَةَ «٢» وَالطَّبَرِيِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ"،" بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما"،" لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما". وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ:" فَأَجْرَى «٣» رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ- وَفِيهِ- ثُمَّ حَسِرَ «٤» الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وَقَالَ مَالِكٌ: السُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِفَ فَخِذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَتِ السُّرَّةُ وَلَا الرُّكْبَتَانِ مِنَ الْعَوْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي السُّرَّةِ قَوْلَيْنِ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِجَرْهَدٍ: (غَطِّ فَخِذكَ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ). خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَقَالَ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ «٥»، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ اختلافهم. وحديث جرهد هذا
(٢). في وز: وابن عطية.
(٣). أي أجرى دابته.
(٤). أي أقوى وأحسن سندا من حديث جرهد.
(٥). أي أقوى وأحسن سندا من حديث جرهد
(٢). في ب: عن أبيه. وقد روى عن أبيه وأمه.
| فَرِيشِي مِنْكُمْ وَهَوَايَ مَعْكُمْ | وإن كانت زياتكم لِمَامًا |
| إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيَابًا مِنَ التُّقَى | تقلب عيانا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا |
| وَخَيْرُ لِبَاسِ الْمَرْءِ طَاعَةُ رَبِّهِ | وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا |
(٢). راجع ج ١٥ ص ٢٣٤.
(٣). من ك.
(٤). في ك: أبو عبد الرحمن. [..... ]
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٧]
يا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٨]
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)
الفاحشة هنا في قول كثر الْمُفَسِّرِينَ طَوَافُهُمْ بِالْبَيْتِ عُرَاةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ. وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِتَقْلِيدِهِمْ أَسْلَافَهُمْ، وَبِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ:" وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها" قَالُوا: لَوْ كَرِهَ اللَّهُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَنَقَلَنَا عَنْهُ. (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) بَيَّنَ أَنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِمَا ادَّعَوْا. وَقَدْ مَضَى ذَمُّ التَّقْلِيدِ وَذَمُّ كَثِيرٍ من جهالاتهم. وهذا منها.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٩ الى ٣٠]
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
(٢). أي تعرض بغتة.
(٣). في قوله تعالى:" قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي... " ج ١٥ ص ٢٠٤.
| أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا | أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا |
| وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ | وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا «٣» |
[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)
(٢). من البحر.
(٣). البيتان للربيع بن ضبع الفزاري. وصف فيهما انتهاء شبيبته وذهاب قوته.
(٤). أي في مثل هذا التركيب في غير كلام الله.
| الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ | وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ |
| كَفَى حَزَنًا كَرَيٍّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ | لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ |
(٢). الحمس سموا بهذا لأنهم تحمسوا في دينهم أي تشددوا والخامسة الشجاعة.
(٣). في صحيح مسلم: يبلغون عرفات.
(٤). من ع.
(٢). القباء (بالفتح): ثوب يلبس فوق الثياب. وقيل: يلبس فوق القميص ويتنطق عليه. [..... ]
(٣). التبان (بضم المثناة وتشديد الموحدة) سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط.
(٤). المخيلة: الكبر.
(٢). في ع: المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء. هكذا في الرواية المشهورة وليس بحديث بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب راجع كشف الخلفاء ج ٢ ص ٢١٤. ففيه قيم في هذا الحديث.
| تَكْفِيهِ فِلْذَةُ كَبِدٍ إِنْ أَلَمَّ بِهَا | مِنَ الشِّوَاءِ وَيُرْوِي شُرْبَهُ الْغُمَرُ «١» |
| فَإِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ | وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أجمعا «٤» |
(٢). في ع: ابنة. تشبعها
(٣). الجفرة: الصغيرة من ولد المعزى إذا بلغ أربعة أشهر.
(٤). الذي في ديوانه:
وإنك مهما تعط...
إلخ.
(٥). من ع.
(٦). الثلط: الرقيق من الروث.
(٧). يريد شهوة الأذن.
(٨). في ع: استتعاما.
(٢). التجشؤ: تنفس المعدة عند الامتلاء في ى وع وز: ثريد بر. [..... ]
[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) بَيَّنَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَالزِّينَةُ هُنَا الْمَلْبَسُ الْحَسَنُ، إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. وَقِيلَ: جَمِيعُ الثِّيَابِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا. وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ شَيْخِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ كِسَاءَ خَزٍّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، يَلْبَسُهُ فِي الشِّتَاءِ، فَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وكان يلبس في الصيف
| أَمَّا الْخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ | وَأَرَى نِسَاءَ الْحَيِّ غير نسائه |
(٢). سيراء بسين مهملة مكسورة ثم ياء مثناة مفتوحة ثم ألف ممدودة: نوع من البرود فيه خطوط صفر، أو يخالطه. حرير. وضبطوا الحلة هنا بالتنوين، على أن سيراء صفة. وبغير تنوين على الإضافة. وهما وجهان مشهوران.
(٣). في ج وع وك وه: بشار.
(٤). القوهي: ضرب من الثياب بيض فارسي منسوبة إلى قهستان.
(٢). الجرادق: جمع جردقة، وهى الرغيف.
(٢). راجع ج ٦ ص ٢٦٠.
[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)
فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم الْمُشْرِكُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَالْفَوَاحِشُ: الْأَعْمَالُ الْمُفْرِطَةُ فِي الْقُبْحِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وَرَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:" مَا ظَهَرَ مِنْها" نِكَاحُ الْأُمَّهَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ." وَما بَطَنَ" الزِّنَى. وَقَالَ قَتَادَةُ: سِرُّهَا وَعَلَانِيَتُهَا. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْإِثْمَ وَالْبَغْيَ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوَاحِشِ. بَعْضُهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِرُ مِنَ الْفَوَاحِشِ الزِّنَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَالْإِثْمَ) قَالَ الْحَسَنُ: الْخَمْرُ. قَالَ الشَّاعِرِ:
| شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي | كَذَاكَ الْإِثْمُ تذهب بالعقول |
| نَشْرَبُ الْإِثْمَ بِالصُّوَاعِ جِهَارًا | وَتَرَى الْمِسْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا «١» |
| إِنِّي وَجَدْتُ الْأَمْرَ أَرْشَدُهُ | تَقْوَى الْإِلَهِ وَشَرُّهُ الْإِثْمُ |
شَرِبْتُ الْإِثْمَ....
الْبَيْتَ وَأَنْشَدَهُ الْهَرَوِيُّ فِي غَرِيبَيْهِ، عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ الْإِثْمُ. فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْإِثْمُ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَعَلَى الْخَمْرِ أَيْضًا لُغَةً، فَلَا تَنَاقُضَ. وَالْبَغْيُ: التَّجَاوُزُ في الظلم، وقيل: الفساد.
[سورة الأعراف (٧): آية ٣٤]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ:
(٢). يريد به البيت الأول.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٥ الى ٣٦]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) شَرْطٌ. وَدَخَلَتِ النُّونُ تَوْكِيدًا لِدُخُولِ" مَا". وَقِيلَ: مَا صِلَةٌ، أَيْ إِنْ يَأْتِكُمْ. أَخْبَرَ أَنَّهُ يُرْسِلُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنْهُمْ لِتَكُونَ إِجَابَتُهُمْ أَقْرَبَ. وَالْقَصَصُ إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ بَعْضَهُ بَعْضًا. (آياتِي) أَيْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي. فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ شَرْطٌ، وَمَا بَعْدَهُ جَوَابُهُ، وَهُوَ جَوَابُ الْأَوَّلِ. أَيْ وَأَصْلَحَ مِنْكُمْ مَا بيني وبينه. فلا خوف عليهم ولاهم يَحْزَنُونَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَخَافُونَ وَلَا يَحْزَنُونَ، وَلَا يَلْحَقُهُمْ رُعْبٌ وَلَا فَزَعٌ. وَقِيلَ: قَدْ يَلْحَقُهُمْ أَهْوَالُ يَوْمِ القيامة، ولكن
[سورة الأعراف (٧): آية ٣٧]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) الْمَعْنَى أَيُّ ظُلْمٍ أَشْنَعُ مِنَ الِافْتِرَاءِ عَلَى الله تعالى والتكذيب بآياته. ثم قال: (أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) أَيْ مَا كُتِبَ لَهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَعُمُرٍ وَعَمَلٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. ابْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ شَقَاءٍ وَسَعَادَةٍ. ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. الْحَسَنُ وَأَبُو صَالِحٍ: مِنَ الْعَذَابِ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ. وَاخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مَا كُتِبَ لَهُمْ، أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَرِزْقٍ وَعَمَلٍ وَأَجَلٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ) يَعْنِي رُسُلَ مَلَكِ الْمَوْتِ. وَقِيلَ:" الْكِتابِ" هُنَا الْقُرْآنُ، لِأَنَّ عَذَابَ الْكُفَّارِ مَذْكُورٌ فِيهِ. وَقِيلَ:" الْكِتابِ" اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ. ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ لِي: كُلُّ شي بِقَدَرٍ، وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ بِقَدَرٍ، وَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرٍ. قَالَ عَلِيٌّ وَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: الْعِلْمُ وَالْقَدَرُ وَالْكِتَابُ سَوَاءٌ. ثُمَّ عَرَضْتُ كَلَامَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُمَيْعٍ عَنْ بُكَيْرٍ الطَّوِيلِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ" أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ" قَالَ: قَوْمٌ يعملون أعمالا لأبد لَهُمْ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا. وَ" حَتَّى" لَيْسَتْ غَايَةً، بَلْ هِيَ ابْتِدَاءُ خَبَرٍ عَنْهُمْ. قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ: حَتَّى وَإِمَّا وَإِلَّا
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٨ الى ٣٩]
قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) أَيْ مَعَ أُمَمٍ، فَ" فِي" بِمَعْنَى مَعَ. وَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ فِي الْقَوْمِ، أَيْ مَعَ الْقَوْمِ. وَقِيلَ: هِيَ عَلَى بَابِهَا، أَيِ ادْخُلُوا فِي جُمْلَتِهِمْ. وَالْقَائِلُ قِيلَ: هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ قَالَ اللَّهُ ادْخُلُوا. وَقِيلَ: هُوَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ." (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها) " أَيِ الَّتِي سَبَقَتْهَا إِلَى النَّارِ، وَهِيَ أُخْتُهَا فِي، الدِّينِ وَالْمِلَّةِ. حَتَّى إذا أدركوا فِيهَا جَمِيعًا أَيِ اجْتَمَعُوا. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ" تَدَارَكُوا" وَهُوَ الْأَصْلُ، ثُمَّ وَقَعَ الْإِدْغَامُ فَاحْتِيجَ إِلَى أَلِفِ الْوَصْلِ. وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. النَّحَّاسُ: وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ" حَتَّى إِذَا ادَّرَكُوا" أَيْ أَدْرَكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَعِصْمَةُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو" حَتَّى إِذَا ادَّارْكُوا" بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ عَلَى الجمع بين الساكنين. وحكى: هذان عبد اللَّهِ. وَلَهُ ثُلُثَا الْمَالِ. وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو أَيْضًا:" إِذَا إِدَّارَكُوا" بِقَطْعِ أَلِفِ
| يَا نَفْسُ صَبْرًا كُلُّ حَيٍّ لَاقِي | وَكُلُّ اثْنَيْنِ إِلَى إِفْتِرَاقِ |
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
[سورة الأعراف (٧): آية ٤٢]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ، أَيْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَمَعْنَى" لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها" أَيْ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا مِنْ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ إِلَّا مَا وَجَدَ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ، دُونَ مَا لَا تَنَالُهُ يَدُهُ، وَلَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ الِاسْتِطَاعَةِ قبل الفعل، قال ابْنُ الطَّيِّبِ. نَظِيرُهُ" لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا «١» ".
[سورة الأعراف (٧): آية ٤٣]
وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ نَزْعَ الْغِلِّ مِنْ صُدُورِهِمْ. وَالنَّزْعُ: الِاسْتِخْرَاجُ وَالْغِلُّ: الْحِقْدُ الْكَامِنُ فِي الصَّدْرِ. وَالْجَمْعُ غِلَالٌ. أَيْ أَذْهَبْنَا فِي الْجَنَّةِ مَا كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِلِّ فِي الدُّنْيَا. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْغِلُّ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَبَارِكِ الْإِبِلِ قَدْ نَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ:" وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ". وَقِيلَ: نَزْعُ الْغِلِّ فِي الْجَنَّةِ أَلَّا يَحْسُدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي تَفَاضُلِ مَنَازِلِهِمْ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ:" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «١» " أَيْ يُطَهِّرُ الْأَوْضَارَ مِنَ الصُّدُورِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" الْإِنْسَانِ" وَ" الزُّمَرِ «٢» " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) (أَيْ لِهَذَا «٣») الثَّوَابِ، بِأَنْ أَرْشَدَنَا وَخَلَقَ لَنَا الْهِدَايَةَ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. (وَما كُنَّا) قِرَاءَةُ ابْنُ عَامِرٍ بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ. وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِهَا. (لِنَهْتَدِيَ) لام كي. (لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. (وَنُودُوا) أَصْلُهُ. نُودِيُوا (أَنْ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أَيْ بِأَنَّهُ (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ). وَقَدْ تَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا نُودُوا بِهِ، لِأَنَّ النِّدَاءَ قَوْلٌ، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ. أَيْ قِيلَ لَهُمْ:" تِلْكُمُ الْجَنَّةُ" لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا، أَيْ قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا، أَوْ يُقَالُ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ حِينَ عَايَنُوهَا مِنْ بُعْدٍ. وَقِيلَ:" تِلْكُمُ" بمعنى هذه. ومعنى (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ وَرِثْتُمْ مَنَازِلَهَا بِعَمَلِكُمْ، وَدُخُولُكُمْ إِيَّاهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ. كَمَا قال:" ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ «٤» ".
(٢). راجع ج ١٥ ص ٢٨٤.
(٣). من ع.
(٤). راجع ج ٥ ص ٢٧١.
[سورة الأعراف (٧): آية ٤٤]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)
قوله تعالى: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) هَذَا سُؤَالُ تَقْرِيعٍ وَتَعْيِيرٍ. (أَنْ قَدْ وَجَدْنا) مِثْلَ" أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ" أَيْ أَنَّهُ قَدْ وَجَدْنَا. وَقِيلَ: هُوَ نَفْسُ النِّدَاءِ. (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) أَيْ نَادَى وَصَوَّتَ، يَعْنِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ." بَيْنَهُمْ" ظَرْفٌ، كَمَا تَقُولُ: أَعْلَمُ وَسَطَهُمْ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَالْكِسَائِيُّ:" نَعِمَ" بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَجُوزُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ. قَالَ مَكِّيٌّ: مَنْ قَالَ" نَعِمَ" بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ" نَعَمْ" الَّتِي هِيَ جَوَابٌ وَبَيْنَ" نَعَمٌ" الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ إِنْكَارَ" نَعَمْ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ في الجواب، وقال: قل
(٢). في ك: فينظرون.
[سورة الأعراف (٧): آية ٤٥]
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لِ" ظالمين" على النعت. ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أَوْ أَعْنِي. أَيِ الَّذِينَ كَانُوا يَصُدُّونَ فِي الدُّنْيَا النَّاسَ عَنِ الْإِسْلَامِ. فَهُوَ مِنَ الصَّدِّ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ. أَوْ يَصُدُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ يُعْرِضُونَ. وَهَذَا مِنَ الصُّدُودِ. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) يَطْلُبُونَ اعْوِجَاجَهَا وَيَذُمُّونَهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا «٣» الْمَعْنَى.- (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) أَيْ وَكَانُوا بِهَا كَافِرِينَ، فَحُذِفَ وَهُوَ كثير في الكلام.
(٢). كذا في الأصول. وتقدم في ج ٤ ص ٧٤ أنها قراءة حمزة والكسائي فيكون الصواب: الكوفيان. وفى الشواذ قراءة ابن مسعود.
(٣). راجع ج ٤ ص ١٥٤.
[سورة الأعراف (٧): آية ٤٦]
وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)أَيْ بَيْنَ النَّارِ وَالْجَنَّةِ- لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُهُمَا- حاجز، أسور. وَهُوَ السُّورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ:" فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ «١» ". (وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ) أَيْ عَلَى أَعْرَافِ السُّورِ، وَهِيَ شُرَفُهُ. وَمِنْهُ عُرْفُ الْفَرَسِ وَعُرْفُ الدِّيكِ. رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي «٢» يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْرَافُ الشَّيْءُ الْمُشْرِفُ. وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. وَالْأَعْرَافُ فِي اللُّغَةِ: الْمَكَانُ الْمُشْرِفُ، جَمْعُ عُرْفٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: سَأَلْتُ الْكِسَائِيَّ عَنْ وَاحِدِ الْأَعْرَافِ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَعْرَافُ سُورٌ لَهُ عُرْفٌ كَعُرْفِ الدِّيكِ. فَقَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، وَاحِدُهُ يَعْنِي، وَجَمَاعَتُهُ أَعْرَافٌ، يَا غُلَامُ، هَاتِ الْقِرْطَاسَ، فَكَتَبَهُ. وَهَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ. الْمَدْحِ، كَمَا قَالَ فِيهِ:" رِجالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ «٣» " وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُبَيْرٍ: هُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي مُسْنَدِ خَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ (فِي آخِرِ الْجُزْءِ الْخَامِسَ عَشَرَ) حَدِيثٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تُوضَعُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُوزَنُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ صوابه «٤» دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مثقال صوابه دخل النار). قيل: يا وسول اللَّهِ، فَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؟ قَالَ: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ) (لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقِيلَ هُمْ فُضَلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاءِ، فَرَغُوا مِنْ شَغْلِ أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس، فإذا
(٢). كذا في أو ج وك. وفى ز: ابن أبى زيد. والظاهر: ابن زيد. راجع ج ١٢ ص ٢٦٤.
(٣). كذا في أو ج وك. وفى ز: ابن أبى زيد. والظاهر: ابن زيد. راجع ج ١٢ ص ٢٦٤. [..... ]
(٤). الصؤابة: بيضة القملة.
(٢). راجع ج ١٩ ص ٨.
[سورة الأعراف (٧): آية ٤٧]
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لَا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. (قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) أَيْ لِلدُّنْيَا وَاسْتِكْبَارُكُمْ عَنِ الْإِيمَانِ. (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَرَاءِ، كَبِلَالٍ وَسَلْمَانَ وَخَبَّابٍ وَغَيْرِهِمْ. (أَقْسَمْتُمْ) فِي الدُّنْيَا. (لَا يَنالُهُمُ اللَّهُ) فِي الْآخِرَةِ. (بِرَحْمَةٍ) يُوَبِّخُونَهُمْ بِذَلِكَ. وَزِيدُوا غَمًّا وَحَسْرَةً بِأَنْ قَالُوا لَهُمْ (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ" دَخَلُوا الْجَنَّةَ" بِغَيْرِ أَلِفٍ وَالدَّالُ مَفْتُوحَةٌ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ" أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ" بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ «٣». وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ مَلَائِكَةٌ أَوْ أَنْبِيَاءُ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ جَعَلَ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الْمُذْنِبِينَ كَانَ آخِرَ قَوْلِهِمْ لِأَصْحَابِ النَّارِ" وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" وَيَكُونُ" أَهؤُلاءِ الَّذِينَ" إِلَى آخِرِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ النَّارِ تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَوَّلُ عَنِ الحسن. وقيل: هو من كلام الملائكة
(٢). راجع ج ١٨ ص ١٩٧.
(٣). فعل ماض مبنى للمجهول كما في أبى حيان.
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٠]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَنادى) قِيلَ: إِذَا صَارَ أَهْلُ الْأَعْرَافِ إِلَى الْجَنَّةِ طَمِعَ أَهْلُ النَّارِ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا إِنَّ لَنَا قَرَابَاتٍ فِي الْجَنَّةِ فَأْذَنْ لَنَا حَتَّى نَرَاهُمْ وَنُكَلِّمَهُمْ. وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَعْرِفُونَهُمْ لسواد وجوههم. فيقولون: (أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فَبَيَّنَ أَنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَذَابِ. (قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) يَعْنِي طَعَامَ الْجَنَّةِ وَشَرَابَهَا. وَالْإِفَاضَةُ التَّوْسِعَةُ، يُقَالُ: أَفَاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ. الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْمَاءُ، أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَهْلِ النَّارِ حِينَ اسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّةِ" أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ «١» أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (الْمَاءُ). وَفِي رِوَايَةٍ: فَحَفَرَ بِئْرًا فَقَالَ: (هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ). وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ). وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَسْقِيَ عَنْهَا الْمَاءَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ فَعَلَيْهِ بِسَقْيِ الْمَاءِ. وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ، فَكَيْفَ بِمَنْ سَقَى رَجُلًا مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا وَأَحْيَاهُ. روى
[سورة الأعراف (٧): آية ٥١]
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)
الَّذِينَ" فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتٌ لِلْكَافِرِينَ. وَقَدْ يَكُونُ رَفْعًا وَنَصْبًا بِإِضْمَارِ. قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ أَيْ نَتْرُكُهُمْ فِي النَّارِ. كما نسوا لقاء يومهم
(٢). روايه البخاري وأحمد وابن ماجة" في كل ذات كبد حراء أجر".
(٣). خشاش الأرض (مثلثة الخاء): هوامها وحشراتها.
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٢]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ) يَعْنِي الْقُرْآنَ." فَصَّلْناهُ" أَيْ بَيَّنَّاهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ مَنْ تَدَبَّرَهُ وَقِيلَ:" فَصَّلْناهُ" أَنْزَلْنَاهُ مُتَفَرِّقًا. (عَلى عِلْمٍ) مِنَّا بِهِ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ سَهْوٌ وَلَا غَلَطٌ. (هُدىً وَرَحْمَةً) قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ هَادِيًا وَذَا رَحْمَةٍ، فَجَعَلَهُ حَالًا مِنَ الهاء التي في" فَصَّلْناهُ". قال وَيَجُوزُ هُدًى وَرَحْمَةٌ، بِمَعْنَى هُوَ هُدًى وَرَحْمَةٌ. وقيل: يجوز هدى ورحمة بالخفض على المن كِتَابٍ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ: وَيَجُوزُ هُدًى وَرَحْمَةٍ بِالْخَفْضِ عَلَى النَّعْتِ لِكِتَابٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ: مِثْلُ" وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ «١» ". (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) خُصَّ المؤمنون لأنهم المنتفعون به.
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٣]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) بِالْهَمْزِ، مِنْ آلَ. وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُخَفِّفُونَ الْهَمْزَةَ. وَالنَّظَرُ: الِانْتِظَارُ، أَيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِقَابِ وَالْحِسَابِ. وَقِيلَ:" يَنْظُرُونَ" مِنَ النَّظَرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَالْكِنَايَةُ فِي" تَأْوِيلَهُ" تَرْجِعُ إِلَى الْكِتَابِ. وَعَاقِبَةُ «٢» الْكِتَابِ مَا وَعَدَ اللَّهُ فِيهِ من البعث والحساب. وقال مجاهد:" تَأْوِيلَهُ"
(٢). كذا في الأصول ولعله بعد قول قتادة الآتي.
| فقلتُ له لا تبك عينُك إنما | نحاولُ ملكا أو نموتَ فَنُعْذَرَا |
٢ هو امرؤ القيس..
| فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا | نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتُ فَنُعْذَرَا |
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٤]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِقُدْرَةِ الْإِيجَادِ، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَأَصْلُ" سِتَّةِ" سِدْسَةٌ، فَأَرَادُوا إِدْغَامَ الدَّالِ فِي السِّينِ فَالْتَقَيَا عِنْدَ مَخْرَجِ التَّاءِ فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: أُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى السِّينَيْنِ تَاءٌ وَأُدْغِمَ فِي الدَّالِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي تَصْغِيرِهَا: سُدَيْسَةٌ، وَفِي الْجَمْعِ أَسْدَاسٌ، وَالْجَمْعُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدَّانِ الْأَسْمَاءَ إِلَى أُصُولِهَا. وَيَقُولُونَ: جَاءَ فُلَانٌ سَادِسًا وَسَادِتًا وساتا، فمن قال:
| قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ | مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ |
| فَأَوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ | وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى |
| تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا | وَذُبْيَانُ إِذْ ذَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ |
(٢). راجع ج ١٣ ص ٢٠٧.
(٣). راجع ج ٩ ص ٤٦٢.
(٤). العواء: خمسة كواكب على خط معقف. وقال ابن سيده. العواء منزل من منازل القمر، يمد ويقصر والألف في آخره للتأنيث.
(٢). راجع ج ١٧ ص ١٢١.
(٣). راجع ج ١٥ ص ٩.
(٤). راجع ج ١٠ ص ١٥٩.
(٥). راجع ج ٤ ص ٥١.
(٢). راجع ج ١٤ ص ١٩ وص ٩٦٥ ١٨٨.
(٣). راجع ج ١٠ ص ٨٣ وص ٥٣.
(٤). راجع ج ١٠ ص ٨٣ وص ٥٣.
(٥). راجع ج ١١ ص ٣٤٥ وص ٢٦٦. [..... ]
(٦). راجع ج ١٤ ص ١٩ وص ٩٦٥ ١٨٨.
(٧). في ج: القديم.
(٨). راجع ج ١٤ ص ١٩ وص ٩٦٥ ١٨٨.
(٩). راجع ج ١٤ ص ١٩ وص ٩٦٥ ١٨٨.
(١٠). راجع ج ١١ ص ٣٤٥ وص ٢٦٦.
(١١) راجع ج ٢٠ ص ٣٧.
| لَهَا أَمْرُهَا حَتَّى إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ | بِأَخْفَافِهَا مَرْعًى تَبَوَّأَ مَضْجَعَا |
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٥]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ) هَذَا أَمْرٌ بِالدُّعَاءِ وَتَعَبُّدٌ بِهِ. ثُمَّ قَرَنَ جَلَّ وَعَزَّ بِالْأَمْرِ صِفَاتٍ تَحْسُنُ مَعَهُ، وَهِيَ الْخُشُوعُ وَالِاسْتِكَانَةُ وَالتَّضَرُّعُ. وَمَعْنَى" خُفْيَةً" أَيْ سِرًّا فِي النَّفْسِ لِيَبْعُدَ عَنِ الرِّيَاءِ، وَبِذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُ:" إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا «٤» ". وَنَحْوَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي). وَالشَّرِيعَةُ مُقَرِّرَةٌ أَنَّ السِّرَّ فِيمَا لَمْ يَعْتَرِضْ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ أَعْظَمُ أَجْرًا من الجهر.
(٢). راجع ج ٤ ص ٢١٨.
(٣). راجع ج ١ ص ١٣٦.
(٤). راجع ج ١١ ص ٧٦.
(٢). راجع ج ١ ص ١٢٧.
(٣). أي ارفقوا بها ولا تبالغوا في الجهد.
(٤). هو خالد بن الوليد، بعثه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي جذيمة داعيا إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. فنقم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خالد استعجاله في شأنهم وترك التثبت في أمرهم. راجع كتاب المغازي في صحيح البخاري. [..... ]
(٢). الزيادة عن سنن ابن ماجة.
(٣). من ج.
(٤). في ع: ولم ترد صفة.
(٥). راجع ج ٤ ص ٣٠٥.
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٦]
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَهَى عَنْ كُلِّ فَسَادٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْدَ صَلَاحٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ عَلَى الصَّحِيحِ من الأقوال. وقال الضحاك: معناه لا تعوروا «٤» الْمَاءَ الْمَعِينَ، وَلَا تَقْطَعُوا الشَّجَرَ الْمُثْمِرَ ضِرَارًا. وَقَدْ وَرَدَ: قَطْعُ الدَّنَانِيرِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ قِيلَ: تِجَارَةُ الْحُكَّامِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْمُرَادُ وَلَا تُشْرِكُوا، فَهُوَ نَهْيٌ عَنِ الشِّرْكِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَالْهَرْجِ فِي الْأَرْضِ، وَأَمْرٌ بِلُزُومِ الشَّرَائِعِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، بَعْدَ أَنْ أَصْلَحَهَا اللَّهُ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ، وَتَقْرِيرِ «٥»
(٢). في ع: مقفاه.
(٣). راجع ج ٢ ص ٣٠٨.
(٤). عورت عيون المياه: إذا دفنها وسددتها.
(٥). في ز: تقدير.
(٢). راجع ج ٩ ص ٨٤.
(٣). راجع ج ١٠ ص ٣٤.
(٤). راجع ج ١١ ص ٣٣٦. [..... ]
(٥). هذا يخالف ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام لو وزن خوف المؤمن ورجاءه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر، وفى رواية" لاعتدلا". وورد عن حذيفة رضى الله عنه حين احتضر: اللهم إنك أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرجاء والآن الرجاء فيك أمثل.
(٦). راجع ج ٣ ص ٣٤٧.
| فَلَا مُزْنَةَ وَدَقَتْ وَدْقَهَا | وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا «١» |
| لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمَّ هَاشِمِ | قَرِيبٌ وَلَا الْبَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا |
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٧]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ:" يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ". ذَكَرَ شَيْئًا آخَرَ مِنْ نِعَمِهِ، وَدَلَّ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَثُبُوتِ إِلَهِيَّتِهِ. وَقَدْ مضى الكلام
(٢). راجع ج ١٤ ص ٢٤٨.
(٢). راجع ج ١٤ ص ٤٣.
مِنْ بَعْدِ مَا شَمِلَ الْبِلَى أَبْلَادَهَا «١»
وَالْبَلَدُ: أُدْحِيُّ «٢» النَّعَامِ. يُقَالُ: هُوَ أَذَلُّ مِنْ بَيْضَةِ الْبَلَدِ، أَيْ مِنْ بَيْضَةِ النَّعَامِ الَّتِي يَتْرُكُهَا. وَالْبَلْدَةُ الْأَرْضُ، يُقَالُ: هَذِهِ بَلْدَتُنَا كَمَا يُقَالُ بَحْرَتُنَا. وَالْبَلْدَةُ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَنْجُمٍ مِنَ الْقَوْسِ تَنْزِلُهَا الشَّمْسُ فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ. وَالْبَلْدَةُ الصَّدْرُ، يُقَالُ: فُلَانٌ وَاسِعُ الْبَلْدَةِ أَيْ وَاسِعُ قَالَ الشَّاعِرُ:
| أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ «٣» بَلْدَةٍ | قَلِيلٌ بِهَا الْأَصْوَاتُ إِلَّا بُغَامَهَا |
عرف الديار توهما فاعتادها
(٢). الأدحي (بضم الهمزة وكسرها: مبيض النعام في الرمل، لأن النعام تبيض فيه وليس للنعام عش.
(٣). في الأصول:" بعد". والتصويب عن اللسان وديوان ذى الرمة. أراد بالبلدة الأولى ما يقع على الأرض من صدرها. وبالثانية الفلاة التي أناخ ناقته فيها. والبغام: صوت الناقة وأصله للظبي فاستعاره للناقة.
(٤). راجع ج ١٩ ص ١٢٢.
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٨]
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) أَيِ التُّرْبَةُ الطَّيِّبَةُ. وَالْخَبِيثُ الَّذِي فِي تُرْبَتِهِ حِجَارَةٌ أَوْ شَوْكٌ، عَنِ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ التَّشْبِيهُ، شَبَّهَ تَعَالَى السَّرِيعَ الْفَهْمَ بِالْبَلَدِ الطَّيِّبِ، وَالْبَلِيدَ بِالَّذِي خَبُثَ، عَنِ النَّحَّاسِ. وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ، فَقَلْبٌ يَقْبَلُ الْوَعْظَ وَالذِّكْرَى، وَقَلْبٌ فَاسِقٌ يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ، قال الْحَسَنُ أَيْضًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ يَعْمَلُ مُحْتَسِبًا مُتَطَوِّعًا، وَالْمُنَافِقُ غَيْرُ مُحْتَسِبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ «١» حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ)." نَكِداً" نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَهُوَ الْعَسِرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ إِعْطَاءِ الْخَيْرِ. وَهَذَا تَمْثِيلٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي أَنَّ فِي بَنِي آدَمَ الطَّيِّبَ وَالْخَبِيثَ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ" إِلَّا نَكِداً" حَذَفَ الْكَسْرَةِ لِثِقَلِهَا. وَقَرَأَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ" نَكَدًا" بِفَتْحِ الْكَافِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى ذَا نَكَدٍ. كَمَا قَالَ:
فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ «٢»
وَقِيلَ:" نَكِدًا" بِنَصْبِ الْكَافِ وَخَفْضِهَا بِمَعْنًى، كَالدَّنِفِ وَالدَّنَفِ، لُغَتَانِ. (كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أَيْ كَمَا صَرَّفْنَا مِنَ الْآيَاتِ، وَهِيَ الْحُجَجُ وَالدَّلَالَاتُ، فِي إِبْطَالِ الشِّرْكِ، كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ. (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك.
(٢). البيت للخنساء. وصدره: ترقع ما رتعت حتى إذا أدركت. الخزانة ج ١ ص ٢٠٧.
[سورة الأعراف (٧): آية ٥٩]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْخَالِقُ الْقَادِرُ عَلَى الْكَمَالِ ذَكَرَ أَقَاصِيصَ الْأُمَمِ وَمَا فِيهَا مِنْ تَحْذِيرِ الْكُفَّارِ. وَاللَّامُ فِي" لَقَدْ" لِلتَّأْكِيدِ الْمُنَبِّهِ عَلَى الْقَسَمِ. وَالْفَاءُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ." يَا قَوْمِ" نِدَاءٌ مُضَافٌ. وَيَجُوزُ" يَا قَوْمِي" عَلَى الْأَصْلِ. وَنُوحٌ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِتَحْرِيمِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَانْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ نَاحَ ينوح، وقد تقدم إن فِي" آلِ عِمْرَانَ «١» " هَذَا الْمَعْنَى وَغَيْرُهُ فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ إِدْرِيسَ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ وَهْمِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي الْإِسْرَاءِ حِينَ لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدَمَ وَإِدْرِيسَ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ). وَقَالَ لَهُ إِدْرِيسُ: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ). فَلَوْ كَانَ إِدْرِيسُ أَبًا لِنُوحٍ لَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ وَالْأَخُ الصَّالِحُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي نُوحٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَا كَلَامَ لِمُنْصِفٍ بَعْدَ هَذَا. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وجاء جواب الآباء ها هنا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَآدَمَ (مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ). وَقَالَ عَنْ إِدْرِيسَ (بِالْأَخِ الصَّالِحِ) كَمَا ذُكِرَ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى وَيُوسُفَ وَهَارُونَ وَيَحْيَى مِمَّنْ لَيْسَ بِأَبٍ بِاتِّفَاقٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إِدْرِيسَ بُعِثَ أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُ النَّسَّابِينَ إِنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ، لِمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِ آدَمَ إِنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ جَازَ مَا قَالُوا: وَصَحَّ أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ إِدْرِيسَ كَانَ نَبِيًّا غَيْرَ مُرْسَلٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: اخْتَصَّ بَعْثُ نُوحٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ- كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ- كَافَّةً كَنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَيَكُونُ إِدْرِيسُ لِقَوْمِهِ كَمُوسَى وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَغَيْرِهِمْ. وقد استدل
| لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ هَتَفَتْ | حَمَامَةٌ فِي سَحُوقٍ ذَاتِ أَوْقَالِ «١» |
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٠ الى ٦٢]
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)
" الْمَلَأُ" أشرف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدم بيانه في البقرة «٢». الضلال وَالضَّلَالَةُ: الْعُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَالذَّهَابُ عَنْهُ. أَيْ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي دُعَائِنَا إِلَى إِلَهٍ وَاحِدٍ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ. (أُبَلِّغُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّبْلِيغِ، وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِبْلَاغِ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لُغَتَانِ، مِثْلُ كَرَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ. (وَأَنْصَحُ لَكُمُ) النُّصْحُ: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ مِنْ شَوَائِبَ الْفَسَادِ فِي الْمُعَامَلَةِ، بِخِلَافِ الْغَشِّ. يُقَالُ: نَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ نَصِيحَةً وَنَصَاحَةً وَنُصْحًا. وَهُوَ بِاللَّامِ أَفْصَحُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَأَنْصَحُ لَكُمْ" وَالِاسْمُ النَّصِيحَةُ. وَالنَّصِيحُ النَّاصِحُ، وَقَوْمٌ نُصَحَاءُ. وَرَجُلٌ نَاصِحُ الْجَيْبِ أَيْ نَقِيُّ الْقَلْبِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: النَّاصِحُ الْخَالِصُ من العسل وغيره. مثل الناصع. وكل شي خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ. وَانْتَصَحَ فُلَانٌ أَقْبَلَ عَلَى النَّصِيحَةِ. يُقَالُ: انْتَصِحْنِي إِنَّنِي لَكَ نَاصِحٌ. وَالنَّاصِحُ الْخَيَّاطُ. وَالنِّصَاحُ السِّلْكُ يُخَاطُ بِهِ. وَالنَّصَاحَاتُ أَيْضًا الْجُلُودُ. قَالَ الْأَعْشَى:
| فَتَرَى الشُّرْبَ نَشَاوَى كُلُّهُمْ | مِثْلَ مَا مُدَّتْ نِصَاحَاتُ الرُّبَحِ |
(٢). راجع ج ٣ ص ٢٤٣.
(٣). راجع ج ٨ ص ٢٢٦.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٣ الى ٦٤]
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ. فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) قوله تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ) فُتِحَتِ الْوَاوُ لِأَنَّهَا وَاوُ عَطْفٍ، دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ لِلتَّقْرِيرِ. وَسَبِيلُ الْوَاوِ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ إِلَّا الْأَلِفَ لِقُوَّتِهَا." (أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ) " أَيْ وَعْظٌ مِنْ رَبِّكُمْ. (عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أَيْ عَلَى لِسَانِ رَجُلٍ. وَقِيلَ:" عَلى " بِمَعْنَى" مَعَ"، أَيْ مَعَ رَجُلٍ وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ مُنَزَّلٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، أَيْ تَعْرِفُونَ نَسَبَهُ. أَيْ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جِنْسِكُمْ. وَلَوْ كَانَ مَلَكًا فَرُبَّمَا كَانَ فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ تَنَافُرُ الطبع." الْفُلْكِ" يَكُونُ وَاحِدًا وَيَكُونُ جَمْعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «١». وَ" عَمِينَ" أَيْ عَنِ الْحَقِّ، قَالَ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَمٍ بِكَذَا، أَيْ جَاهِلٌ.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ الى ٦٩]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيِ ابْنُ أَبِيهِمْ. وَقِيلَ: أَخَاهُمْ فِي الْقَبِيلَةِ. وَقِيلَ: أي بشرا من بني أبيهم آدم.
" بِغَيْرِ أَلِفٍ. وَ" هُودٌ" أَعْجَمِيٌّ، وَانْصَرَفَ لِخِفَّتِهِ، لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا مِنْ هَادَ يَهُودُ. وَالنَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِ. وَكَانَ بَيْنَ هُودٍ وَنُوحٍ فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ سَبْعَةُ آبَاءٍ. وَكَانَتْ عَادٌ فِيمَا رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، يَنْزِلُونَ الرِّمَالَ، رَمْلَ عَالِجَ. وَكَانُوا أَهْلَ بَسَاتِينَ وَزُرُوعٍ وَعِمَارَةٍ، وَكَانَتْ بِلَادُهُمْ أَخْصَبَ الْبِلَادِ، فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهَا مَفَاوِزَ. وَكَانَتْ فِيمَا رُوِيَ بِنَوَاحِي حَضْرَمَوْتَ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ. وَلَحِقَ هُودٌ حِينَ أُهْلِكَ قَوْمُهُ بِمَنْ آمَنَ مَعَهُ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا. (إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) أَيْ فِي حُمْقِ وَخِفَّةِ عَقْلٍ. قَالَ «٢»:
| مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ | أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ |
(٢). هو ذو الرمة. بصف نسوة.
(٣). هو ذو الرمة. بصف نسوة.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٠ الى ٧٢]
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
طَلَبُوا الْعَذَابَ الَّذِي خَوَّفَهُمْ بِهِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُمْ: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ). وَمَعْنَى وَقَعَ أَيْ وَجَبَ. يُقَالُ: وَقَعَ الْقَوْلُ وَالْحُكْمُ أَيْ وَجَبَ! وَمِثْلُهُ:" وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ «٢» ". أَيْ نَزَلَ بِهِمْ." وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ «٣» ". وَالرِّجْسُ الْعَذَابُ وَقِيلَ: عُنِيَ بِالرِّجْسِ الرَّيْنُ عَلَى الْقَلْبِ بِزِيَادَةِ الْكُفْرِ. (أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ) يَعْنِي الْأَصْنَامَ الَّتِي عَبَدُوهَا، وَكَانَ لَهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ. مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ أَيْ مِنْ حُجَّةٍ لَكُمْ فِي عبادتها. فالاسم هنا بمعنى المسمى. نظيره" إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها «٤» " وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِثْلُ الْعُزَّى مِنَ الْعِزِّ وَالْأَعَزِّ وَاللَّاتَ، وَلَيْسَ لَهَا مِنَ العز والإلهية شي. دَابِرُ آخِرُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٥». أَيْ لَمْ يَبْقَ لهم بقية.
(٢). راجع ص ٢٧١ من هذا الجزء.
(٣). راجع ج ١٣ ص ٢٣٣.
(٤). راجع ج ٩ ص ١٩٢.
(٥). راجع ج ٦ ص ٤٢٥.
[سورة الأعراف (٧): آية ٧٣]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)وَهُوَ ثَمُودُ بْنُ عَادِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ. وَهُوَ أَخُو جَدِيسَ، وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ، فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ. فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ صَالِحًا نَبِيًّا، وَهُوَ صَالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ آسِفِ بْنِ كَاشِحَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَاذِرِ بْنِ ثَمُودَ. وَكَانُوا قَوْمًا عَرَبًا. وَكَانَ صَالِحٌ مِنْ أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا وَأَفْضَلِهِمْ حَسَبًا فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى شَمِطَ «١» وَلَا يَتَّبِعُهُ. مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ. وَلَمْ يَنْصَرِفْ" ثَمُودَ" لِأَنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَمْ يَنْصَرِفْ، لِأَنَّهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّمَدِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ. وَقَدْ قَرَأَ الْقُرَّاءُ" أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ «٢» " عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ. وَكَانَتْ مَسَاكِنُ ثَمُودَ الْحِجْرَ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى وَادِي الْقُرَى وَهُمْ مِنْ وَلَدِ سَامَ بْنِ نُوحٍ. وَسُمِّيَتْ ثَمُودُ لِقِلَّةِ مَائِهَا. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي" الْحِجْرِ «٣» " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) أَخْرَجَ لَهُمُ النَّاقَةَ حِينَ سَأَلُوهُ مِنْ حَجَرٍ صَلْدٍ، فَكَانَ لَهَا يَوْمٌ تَشْرَبُ فِيهِ مَاءَ الْوَادِي كُلَّهُ، وَتَسْقِيهِمْ مِثْلَهُ لَبَنًا لَمْ يُشْرَبْ قَطُّ أَلَذَّ وأحلى منه. وكان بقدر حاجتهم على كرتهم، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «٤» ". وَأُضِيفَتِ النَّاقَةُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى جِهَةِ إِضَافَةِ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ. وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْرِيفِ وَالتَّخْصِيصِ. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقُهَا وَمَئُونَتُهَا.
(٢). راجع ج ٩ ص ٥٩. [..... ]
(٣). راجع ج ١٠ ص ٤٥ فما بعد.
(٤). راجع ج ١٣ ص ١٢٧.
[سورة الأعراف (٧): آية ٧٤]
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) فِيهِ مَحْذُوفٌ، أَيْ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ مَنَازِلَ. (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) أَيْ تَبْنُونَ الْقُصُورَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ. (وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) اتَّخَذُوا الْبُيُوتَ فِي الْجِبَالِ لِطُولِ أَعْمَارِهِمْ، فَإِنَّ السُّقُوفَ وَالْأَبْنِيَةَ كَانَتْ تَبْلَى قَبْلَ فَنَاءِ أَعْمَارِهِمْ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهِيَ لُغَةٌ. وَفِيهِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ فَلِذَلِكَ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَلُ. الثَّانِيَةُ- اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ أَجَازَ «١» الْبِنَاءَ الرَّفِيعَ كَالْقُصُورِ وَنَحْوِهَا، وَبِقَوْلِهِ:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «٢» ". ذُكِرَ أَنَّ ابْنًا لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بَنَى دَارًا وَأَنْفَقَ فِيهَا مَالًا كَثِيرًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ بِنَاءً يَنْفَعُهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ). وَمِنْ آثَارِ النِّعْمَةِ الْبِنَاءُ الْحَسَنُ، وَالثِّيَابُ الْحَسَنَةُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً جَمِيلَةً بِمَالٍ عَظِيمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَقَدْ يَكْفِيهِ دُونَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْبِنَاءُ. وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا أَهْلَكَ مَالَهُ فِي الطِّينِ وَاللَّبِنِ). وَفِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ على عنقه). قلت: بهذا أقول، لقول عَلَيْهِ السَّلَامُ: (وَمَا أَنْفَقَ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّ خَلَفَهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مَا كَانَ فِي بُنْيَانٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ (. رَوَاهُ جابر بن عبد الله وخرجه الدارقطني.
(٢). راجع ص ١٩٥ من هذ الجزء.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٥ الى ٧٦]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) الثَّانِي بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ. وَهُوَ بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الكل.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٧ الى ٧٩]
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) الْعَقْرُ الْجَرْحُ. وَقِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ. وَعَقَرْتُ الْفَرَسَ: إِذَا ضَرَبْتُ قَوَائِمَهُ بِالسَّيْفِ. وَخَيْلٌ عَقْرَى. وَعَقَرْتُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ: إِذَا أَدْبَرْتُهُ.
(٢). راجع ج ٤ ص ٣٣٠.
(٣). راجع ج ١ ص ٤٢١.
| تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا | عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ |
(٢). عارم: أي خبيث شرير.
(٣). في ج: أهله.
(٤). راجع ج ١٣ ص ٣٣٤. وص ٢١٥.
(٥). كذا في الأصول.
(٦). انتظم الصيد: إذا طعنه أو رماه حتى ينفذه.
(٧). راجع ج ١٣ ص ٣٣٤. وص ٢١٥. [..... ]
(٨). راجع ج ١٧ ص ١٤٠.
| وَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَجَّ قَدْ آنَ وَقْتُهُ | وَظَلَّتْ مَطَايَا الْقَوْمِ بِالْقَوْمِ تَرْجُفُ |
| بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً | وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثِمِ «٥» |
[سورة الأعراف (٧): آية ٨٠]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠)
فِيهِ أربع مسائل:
(٢). من ج وز وك وى.
(٣). راجع ج ٩ ص ٥٩.
(٤). راجع ج ١٩ ص ١٨٨.
(٥). العين بكسر أوله: البقر واحدها أعين وعيناه. والآرام. الظباء والأطلاء: أولادها، الواحد طلا. وخلفة: فوج بعد فوج. وقيل: مختلفة، هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة وهذه نازلة. (عن شرح المعلقات).
(٢). راجع ج ١٠ ص ٢٥٣ وص ٤٢ وج ٩ ص ٨١.
) مِنْ الْحَرَمِ فَرُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتُوا، وَحَدَّ الثَّلَاثَةَ، وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرَا عَلَيْهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ أَحَقُّ، فَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا وَأَقْوَى مُعْتَمَدًا. وَتَعَلَّقَ الْحَنَفِيُّونَ بِأَنْ قَالُوا: عُقُوبَةُ الزِّنَى مَعْلُومَةٌ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ غَيْرَهَا وَجَبَ أَلَّا يُشَارِكَهَا فِي حَدِّهَا. وَيَأْثِرُونَ «٢» فِي هَذَا حَدِيثًا: (مَنْ وَضَعَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ). وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِحْلَالٌ وَلَا إِحْصَانٌ، وَلَا وُجُوبَ مَهْرٍ وَلَا ثُبُوتَ نَسَبٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَدٌّ. الثَّالِثَةُ- فَإِنْ أَتَى بَهِيمَةً فَقَدْ قِيلَ: لَا يُقْتَلُ هُوَ وَلَا الْبَهِيمَةُ. وَقِيلَ: يُقْتَلَانِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ مَعَهُ). فَقُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ قَالَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا وَقَدْ عُمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَلُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنْ يَكُ الْحَدِيثُ ثابتا فالقول «٣» به
(٢). في ز: يرون.
(٣). في ج وز: فالعمل.
[سورة الأعراف (٧): آية ٨١]
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ) قَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَلَى الْخَبَرِ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ، تَفْسِيرًا لِلْفَاحِشَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمْ يَحْسُنْ إِدْخَالُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ مَا بَعْدَهُ مِمَّا قَبْلَهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى لَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ وَحَسُنَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا قبله وبعده «٣» كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ. وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالنَّسَائِيُّ وغيرهما، واحتجوا بقوله عز وجل:
(٢). في ج: غير.
(٣). كذا في الأصول والعبارة غير واضحة. [..... ]
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٢ الى ٨٣]
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ) أَيْ لُوطًا وَأَتْبَاعَهُ. وَمَعْنَى (يَتَطَهَّرُونَ) عَنِ الْإِتْيَانِ فِي هَذَا الْمَأْتَى. يُقَالُ: تَطَهَّرَ الرَّجُلُ أَيْ تَنَزَّهَ عَنِ الْإِثْمِ. قَالَ قَتَادَةُ: عَابُوهُمْ وَاللَّهِ بِغَيْرِ عَيْبٍ. (مِنَ الْغابِرِينَ) أَيِ الباقين في عذاب الله، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ. غَبَرَ الشَّيْءُ إِذَا مَضَى، وَغَبَرَ إِذَا بَقِيَ. وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَاضِي عَابِرٌ بِالْعَيْنِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ. وَالْبَاقِي غَابِرٌ بَالْغَيْنِ مُعْجَمَةٍ. حَكَاهُ ابْنُ فَارِسٍ فِي «٤» الْمُجْمَلِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ:" مِنَ الْغابِرِينَ" أَيْ مِنَ الْغَائِبِينَ عَنِ النَّجَاةِ وَقِيلَ: لِطُولِ عُمْرِهَا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَأَبُو عُبَيْدَةَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى مِنَ الْمُعَمِّرِينَ، أَيْ إِنَّهَا قَدْ هَرِمَتْ. وَالْأَكْثَرُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ الْغَابِرُ الْبَاقِيَ، قَالَ الرَّاجِزُ:
| فَمَا وَنَى مُحَمَّدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ | لَهُ الإله ما مضى وما غبر |
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
(٢). راجع ج ٤ ص ٢٢٦.
(٣). راجع ج ١٣ ص ١٣٢.
(٤). من ب وج وز وك.
| فما وَنَى محمدٌ مذ أن غَفَرْ | له الإلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ |
٢ راجع ج ٩ ص ٨٤ فما بعد..
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلى مَدْيَنَ) قِيلَ فِي مَدْيَنَ: اسْمُ بَلَدٍ وَقُطْرٍ. وَقِيلَ: اسْمُ قَبِيلَةٍ كَمَا يُقَالُ: بَكْرٍ وَتَمِيمٍ. وَقِيلَ: هُمْ مِنْ وَلَدِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَدْيَنَ اسْمُ رَجُلٍ لَمْ يَصْرِفْهُ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ أَعْجَمِيٌّ. وَمَنْ رَآهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ أَوِ الْأَرْضِ فَهُوَ أَحْرَى بِأَلَّا يَصْرِفَهُ. قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ ابْنَ بِنْتِ لُوطٍ. وَقَالَ مَكِّيٌّ: كَانَ زَوْجَ بِنْتِ لُوطٍ. وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا: وَشُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ ميكيل بن يشجر
(٢). راجع ج ٩ ص ٨٤. فما بعد.
(٢). في ع: ثويب.
(٣). وردت هذه الأسماء مضطربة في نسخ الأصل وفى المصادر التي بين أيدينا. ولم نوفق لضبطها.
(٤). ليس رسول من الله أعمى وإنما شعيب الرجل الصالح صاحب موسى هو فيما قيل أعمى وبينهما ثلاثمائة سنة إذ عصمة الأنبياء تنافى ما ينفر من الصفات. مصححة.
(٥). راجع ج ٩ ص ٨٤.
(٦). من ع.
(٢). راجع ج ٦ ص ١٤٧ فما بعد. [..... ]
(٣). الأولى: روعي لقيل.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٨ الى ٨٩]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. وَمَعْنَى" أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا" أَيْ لَتَصِيرُنَّ إِلَى مِلَّتِنَا وَقِيلَ: كَانَ أَتْبَاعُ شُعَيْبٍ قَبْلَ الْإِيمَانِ بِهِ عَلَى الْكُفْرِ أَيْ لَتَعُودُنَّ إِلَيْنَا كَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَوْدُ بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ، يُقَالُ: عَادَ إِلَيَّ مِنْ فُلَانٍ مَكْرُوهٌ، أَيْ صَارَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ، أَيْ لَحِقَنِي ذَلِكَ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: (أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) أَيْ وَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ تَجْبُرُونَنَا عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْوَطَنِ أَوِ الْعَوْدِ فِي مِلَّتِكُمْ. أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا أَتَيْتُمْ عَظِيمًا. (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها) إِيَاسٌ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى مِلَّتِهِمْ. (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: أَيْ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَيْ وَمَا يَقَعُ مِنَّا الْعَوْدُ إِلَى الْكُفْرِ إِلَّا أَنْ يَشَاءُ اللَّهُ ذَلِكَ. فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ هُنَا عَلَى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا قَالَ:" وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ «١» ". وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ بَعْدَهُ" وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا". وقيل: هو كقولك ألا أُكَلِّمُكَ حَتَّى يَبْيَضَّ الْغُرَابُ، وَحَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. وَالْغُرَابُ لَا يَبْيَضُّ أَبَدًا، والجمل لا يلج (فِي سَمِّ الْخِياطِ «٢»).
(٢). من ز.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٠ الى ٩٣]
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أَيْ قَالُوا لِمَنْ دُونَهُمْ. (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) أَيْ هَالِكُونَ. (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أَيِ الزَّلْزَلَةُ. وَقِيلَ: الصَّيْحَةُ. وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ «٥»، عَلَى مَا يَأْتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: قِيلَ هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أَيِ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى." يَغْنَوْا" يقيموا، يقال:
(٢). الأيكة: الشجر الكثير الملتف.
(٣). من ب وج وك.
(٤). قال الفراء: فتح بمعنى حكم بلغة أهل عمان: الطبري.
(٥). الظلة: سحابة فيها نار أمطرتهم بها. وقيل: سموم. راجع ج ١٣ ص ١٣٥.
| وعنيت سِتًّا قَبْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ | لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللجوج خلود |
| غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى | (كَمَا الدَّهْرُ فِي أَيَّامِهِ الْعُسْرُ وَالْيُسْرُ) «١» |
| (كَسَبْنَا صُرُوفَ الدَّهْرِ لِينًا وَغِلْظَةً «٢») | وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَأْسِهِمَا الدَّهْرُ |
| فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ | غِنَانَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْرُ |
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ الى ٩٥]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) فِيهِ إِضْمَارٌ، وَهُوَ فَكَذَّبَ أَهْلُهَا. إِلَّا أَخَذْنَاهُمْ. (بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ «٤». (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أَيْ أَبْدَلْنَاهُمْ بِالْجَدْبِ خِصْبًا. حَتَّى عَفَوْا أَيْ كَثُرُوا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ. وَعَفَا: مِنَ الْأَضْدَادِ: عَفَا: كَثُرَ. وَعَفَا: دَرَسَ. أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَهُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ فَلَمْ يَزْدَجِرُوا وَلَمْ يَشْكُرُوا. وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَنَحْنُ مِثْلُهُمْ. فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً أَيْ فَجْأَةً ليكون أكثر حسرة.
(٢). من ب وج وك.
(٣). من ب وج وك.
(٤). راجع ج ٢ ص ٢٤٣.
[سورة الأعراف (٧): آية ٩٦]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى) يُقَالُ لِلْمَدِينَةِ قَرْيَةٌ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا. مِنْ قَرَيْتُ الْمَاءَ إِذَا جَمَعْتُهُ. وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" مُسْتَوْفًى»
. (آمَنُوا) أَيْ صَدَّقُوا. (وَاتَّقَوْا) أَيِ الشِّرْكَ. (لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) يَعْنِي الْمَطَرَ وَالنَّبَاتَ. وَهَذَا فِي أَقْوَامٍ عَلَى الْخُصُوصِ جَرَى ذِكْرُهُمْ. إِذْ قَدْ يُمْتَحَنُ الْمُؤْمِنُونَ بِضِيقِ الْعَيْشِ وَيَكُونُ تَكْفِيرًا لِذُنُوبِهِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ" اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً «٢» " وَعَنْ هُودٍ" ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً «٣» ". فَوَعَدَهُمُ الْمَطَرَ وَالْخِصْبَ عَلَى التَّخْصِيصِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) أَيْ كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٧ الى ٩٨]
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، وَالْفَاءِ لِلْعَطْفِ. نَظِيرُهُ:" أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ «٤» ". وَالْمُرَادُ بِالْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْقُرَى. (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا) أَيْ عَذَابُنَا. (بَياتاً) أَيْ لَيْلًا (وَهُمْ نائِمُونَ) (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا) قَرَأَهُ الْحَرَمِيَّانِ وَابْنُ عَامِرٍ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ، عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ، مِثْلَ" وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً «٥» ". جَالِسْ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ. وَالْمَعْنَى: أَوْ أَمِنُوا هَذِهِ الضُّرُوبَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ. أَيْ إِنْ أَمِنْتُمْ ضَرْبًا مِنْهَا لَمْ تأمنوا الآخر.
(٢). راجع ج ١٨ ص ٣٠١. [..... ]
(٣). راجع ج ٩ ص ٥٠.
(٤). راجع ج ٦ ص ٢١٤.
(٥). راجع ١٩ ص ١٤٦.
[سورة الأعراف (٧): آية ٩٩]
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) أَيْ عَذَابَهُ وَجَزَاءَهُ عَلَى مَكْرِهِمْ. وَقِيلَ: مكره استدراجه بالنعمة والصحة.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٠]
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَهْدِ) أَيْ يُبَيَّنْ. (لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ) يريد كفار مكة ومن حولهم. (أَصَبْناهُمْ) أي أخذناهم (بذنبهم) أَيْ بِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ. (وَنَطْبَعُ) أَيْ وَنَحْنُ نَطْبَعُ، فَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى أَصَبْنَا، نصيبهم ونطبع، فوقع الماضي موقع المستقبل.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٠١]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)
(٢). زيادة عن كتب اللغة.
(٣). في ب: تلعابة.
٢ راجع ج ٦ ص ٤١٠..
٣ في ب و ج و ك : المعجزات..
٤ راجع ص ٦٥. من هذا الجزء..
[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٢]
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ)." مِنْ" زَائِدَةٌ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْجِنْسِ، وَلَوْلَا" مِنْ" لَجَازَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الْعَهْدَ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِمْ وَقْتَ الذَّرِّ، وَمَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ، أَيْ كَأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْعَهْدُ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِمْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُنْقَسِمُونَ، فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا وَفَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَمَانَةٌ مَعَ كُفْرِهِ وَإِنْ قَلُّوا، رُوِيَ عَنْ أبي عبيدة.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٠٣]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)
(٢). راجع ج ٦ ص ٤١٠.
(٣). في ب وج وك: المعجزات.
(٤). راجع ص ٦٥ من هذا الجزء.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٤ الى ١١٢]
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
حَقِيقٌ عَلى «٢» أَيْ وَاجِبٌ. وَمَنْ قَرَأَ" عَلَى أَلَّا" فَالْمَعْنَى حَرِيصٌ عَلَى أَلَّا أَقُولَ. وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ" حَقِيقٌ أَلَّا أَقُولَ" بِإِسْقَاطِ" عَلَى". وَقِيلَ:" عَلى " بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ حَقِيقٌ بِأَلَّا أَقُولَ. وَكَذَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ وَالْأَعْمَشِ" بِأَلَّا أَقُولَ". كَمَا تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالْقَوْسِ وَعَلَى الْقَوْسِ. فَ" حَقِيقٌ" على هذا بمعنى محقوق. ومعنى" فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ" أَيْ خَلِّهِمْ. وَكَانَ يَسْتَعْمِلُهُمْ «٣» فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ. (فَأَلْقى عَصاهُ) يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَجْسَامِ وَالْمَعَانِي. وَقَدْ تَقَدَّمَ «٤». وَالثُّعْبَانُ: الْحَيَّةُ الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. (مبين)
(٢). قراءة نافع.
(٣). في ع: يشغلهم.
(٤). راجع ج ٤ ص ٢٣٢. [..... ]
(٢). كذا في الأصول وإعراب القرآن للنحاس. ويلاحظ أنها قراءة أهل الكوفة.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٣ الى ١١٤]
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ) وَحُذِفَ ذِكْرُ الْإِرْسَالِ لِعِلْمِ السَّامِعِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، مَعَ كُلِّ نَقِيبٍ عِشْرُونَ عَرِيفًا، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ عَرِيفٍ أَلْفُ سَاحِرٍ. وَكَانَ رَئِيسَهُمْ شَمْعُونُ فِي قَوْلِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ مِنَ الْعَرِيشِ وَالْفَيُّومِ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَثْلَاثًا. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَاحِرٍ، وَرُوِيَ عَنْ وَهْبٍ. وَقِيلَ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: ثَمَانِينَ أَلْفًا. وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: كَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ سَاحِرٍ مِنَ الرِّيفِ، وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ سَاحِرٍ مِنَ الصَّعِيدِ، وَثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ سَاحِرٍ مِنَ الْفَيُّومِ وَمَا وَالَاهَا. وَقِيلَ: كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا. وَقِيلَ: ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ مَعَهُمْ فِيمَا رُوِيَ حِبَالٌ وَعِصِيٌّ يَحْمِلُهَا ثَلَاثُمِائَةِ بَعِيرٍ. فَالْتَقَمَتِ الْحَيَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: كَانَتْ إِذَا فَتَحَتْ فَاهَا صَارَ شِدْقُهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَاضِعَةً فَكَّهَا الْأَسْفَلَ عَلَى الْأَرْضِ، وَفَكَّهَا الْأَعْلَى عَلَى سُورِ الْقَصْرِ. وَقِيلَ: كَانَ سِعَةُ فَمِهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَقَصَدَتْ فِرْعَوْنَ لِتَبْتَلِعَهُ، فَوَثَبَ مِنْ سَرِيرِهِ فَهَرَبَ مِنْهَا وَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى، فَأَخَذَهَا فَإِذَا هِيَ عَصًا كَمَا كَانَتْ. قَالَ وَهْبٌ: مَاتَ مِنْ خَوْفِ الْعَصَا خَمْسَةٌ وعشرون ألفا. (قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً) أَيْ جَائِزَةً وَمَالًا. وَلَمْ يَقُلْ فَقَالُوا بِالْفَاءِ، لِأَنَّهُ أَرَادَ لَمَّا جَاءُوا قَالُوا. وقرى" إِنَّ لَنَا" عَلَى الْخَبَرِ. وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ. أَلْزَمُوا فِرْعَوْنَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مالا إن غلبوا. فقال لهم فرعون: (نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أَيْ لَمِنْ أَهْلِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ لَدَيْنَا، فَزَادَهُمْ عَلَى مَا طَلَبُوا. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا قَطَعُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي حُكْمِهِمْ إِنْ غَلَبُوا. أَيْ قَالُوا: يَجِبُ لَنَا الْأَجْرُ إِنْ غَلَبْنَا. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِخْبَارِ. اسْتَخْبَرُوا فِرْعَوْنَ: هَلْ يَجْعَلُ لَهُمْ أَجْرًا إِنْ غَلَبُوا أَوْ لَا، فَلَمْ يَقْطَعُوا عَلَى فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ، إِنَّمَا اسْتَخْبَرُوهُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ" نَعَمْ" لَكُمُ الْأَجْرُ وَالْقُرْبُ إن غلبتم.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٥ الى ١١٧]
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)تَأَدَّبُوا مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ إِيمَانِهِمْ. وَ" أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عِنْدَ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ، عَلَى مَعْنَى إِمَّا أَنْ تَفْعَلَ الْإِلْقَاءَ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
قَالُوا الرُّكُوبَ فَقُلْنَا تِلْكَ عَادَتُنَا «١»
قَالَ أَلْقُوا قَالَ الْفَرَّاءُ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ. وَالْمَعْنَى: قَالَ لَهُمْ مُوسَى إِنَّكُمْ لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكُمْ وَلَنْ تُبْطِلُوا آيَاتِهِ. وَهَذَا مِنْ مُعْجِزِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يَأْتِي مِثْلُهُ فِي كَلَامِ النَّاسِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. يَأْتِي اللَّفْظُ الْيَسِيرُ بِجَمْعِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ. وَقِيلَ: هُوَ تهديد. أي ابتدءوا بِالْإِلْقَاءِ، فَسَتَرَوْنَ مَا يَحِلُّ بِكُمْ مِنَ الِافْتِضَاحِ، إذا لَا يَجُوزُ عَلَى مُوسَى أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالسِّحْرِ. وَقِيلَ: أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِيُبَيِّنَ كَذِبَهُمْ وَتَمْوِيهَهُمْ. (فَلَمَّا أَلْقَوْا) أَيِ الْحِبَالَ وَالْعِصِيَّ (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) أَيْ خَيَّلُوا لَهُمْ وَقَلَبُوهَا عَنْ صِحَّةِ إِدْرَاكِهَا، بِمَا يُتَخَيَّلُ مِنَ التَّمْوِيهِ الَّذِي جَرَى مَجْرَى الشَّعْوَذَةِ وَخِفَّةِ الْيَدِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «٢» بَيَانُهُ. وَمَعْنَى (عَظِيمٍ) أَيْ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا وَلَيْسَ بِعَظِيمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الِاجْتِمَاعُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَبَلَغَ ذَنَبُ الْحَيَّةِ وَرَاءَ الْبُحَيْرَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَفَتَحَتْ فَاهَا فَجَعَلَتْ تَلْقَفُ- أَيْ تَلْتَقِمُ- مَا أَلْقَوْا مِنْ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ مَا أَلْقَوْا حِبَالًا مِنْ أَدَمٍ فِيهَا زِئْبَقٌ فَتَحَرَّكَتْ وَقَالُوا هَذِهِ حَيَّاتٌ. وَقَرَأَ حَفْصٌ" تَلْقَفُ" بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَالتَّخْفِيفِ. جَعَلَهُ مُسْتَقْبَلَ لَقِفَ يَلْقَفُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ" تِلْقَفُ" لِأَنَّهُ مِنْ لَقِفَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَجَعَلُوهُ مُسْتَقْبَلَ تَلَقَّفُ، فَهِيَ تَتَلَقَّفُ. يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وَتَلَقَّفْتُهُ إِذَا أخذته أو بلعته. تلقف وتلقم
(٢). راجع ج ٢ ص ٤٣.
| أَنْتَ عَصَا مُوسَى الَّتِي لَمْ تَزَلْ | تَلْقَمُ مَا يَأْفِكُهُ السَّاحِرُ |
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٨ الى ١٢٢]
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَقَعَ الْحَقُّ) قَالَ مُجَاهِدٌ: فَظَهَرَ الْحَقُّ. (وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ) نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. وَالْفِعْلُ مِنْهُ صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وَصِغَرًا وَصَغَارًا «١». أَيِ انْقَلَبَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وَفِرْعَوْنُ مَعَهُمْ أَذِلَّاءُ مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ. فأما السحرة فقد آمنوا.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) إِنْكَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ. (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها) أَيْ جَرَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مُوَاطَأَةٌ فِي هَذَا لِتَسْتَوْلُوا عَلَى مِصْرَ، أَيْ كَانَ هَذَا مِنْكُمْ فِي مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ تَبْرُزُوا إِلَى هذه الصحراء
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٢٧ الى ١٢٨]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) أَيْ بِإِيقَاعِ الْفُرْقَةِ وَتَشْتِيتِ الشَّمْلِ. (وَيَذَرَكَ) بِنَصْبِ الرَّاءِ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنِ الْفَاءِ. (وَآلِهَتَكَ) قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَكَانَ يَعْبُدُ وَيُعْبَدُ. قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَعْبُدُ الْبَقَرَ قَالَ التَّيْمِيُّ: فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ هَلْ كَانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ شَيْئًا؟ قَالَ نَعَمْ، إِنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ «١» شَيْئًا كان قد جعل فِي عُنُقِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَى" وَآلِهَتَكَ" أَيْ وَطَاعَتَكَ، كما قيل في قول: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ «٢» " إِنَّهُمْ مَا عَبَدُوهُمْ وَلَكِنْ أَطَاعُوهُمْ، فَصَارَ تَمْثِيلًا. وَقَرَأَ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ" وَيَذَرُكَ" بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ وَهُوَ يَذَرُكَ. وَقَرَأَ الْأَشْهَبُ الْعُقَيْلِيُّ" وَيَذَرْكَ" مَجْزُومًا مُخَفَّفَ يَذَرُكَ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ. وَقَرَأَ أَنَسُ
(٢). راجع ج ٨ ص ١٩٩.
وَأَعْجَلْنَا الْإِلَاهَةَ أن تؤبا
ثُمَّ آنَسَ قَوْمَهُ فَقَالَ (سَنَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ) بِالتَّخْفِيفِ، قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ. وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ. (وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ) أَيْ لَا تَخَافُوا جَانِبَهُمْ. (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) آنَسَهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ. وَلَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسَى لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ فِرْعَوْنُ قَدْ مُلِئَ مِنْ مُوسَى رُعْبًا، فَكَانَ إذا رآه بال كما يبول الحمار. ولما بلغ قوم
(٢). راجع ج ١٤ ص ٢٨٨.
(٣). راجع ج ٨ ص ٣٣٧.
(٤). من ب وج وز وك.
(٥). من ب وج وز وك.
(٦). راجع ج ١١ ص ٢٣٢. يلاحظ أن الآية في السامري.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٢٩]
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ وِلَادَتِكَ بِقَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَاسْتِرْقَاقِ النِّسَاءِ. (وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا) أَيْ وَالْآنَ أُعِيدَ عَلَيْنَا ذَلِكَ، يَعْنُونَ الْوَعِيدَ الَّذِي كَانَ مِنْ فِرْعَوْنَ. وَقِيلَ: الْأَذَى مِنْ قَبْلُ تَسْخِيرُهُمْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَعْمَالِهِمْ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَإِرْسَالُهُمْ بَقِيَّتَهُ لِيَكْتَسِبُوا لِأَنْفُسِهِمْ. وَالْأَذَى مِنْ بَعْدُ: تَسْخِيرُهُمْ جَمِيعَ النَّهَارِ كُلِّهِ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، قَالَهُ جُوَيْبِرٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْأَذَى مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ. (قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجب، جدد «١» لهم الوعد وحققه. وقد استحلفوا فِي مِصْرَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَفَتَحُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ بِهِمْ مُوسَى وَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ فَكَانَ وَرَاءَهُمْ وَالْبَحْرُ أَمَامَهُمْ، فَحَقَّقَ اللَّهُ الْوَعِيدَ بِأَنْ غَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ وَأَنْجَاهُمْ. (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) تقدم نظائره. أَيْ يَرَى ذَلِكَ الْعَمَلَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ، إِنَّمَا يُجَازِيهِمْ عَلَى مَا يَقَعُ منهم.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٠]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) يَعْنِي الْجَدُوبَ. وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ، أَيْ جَدْبٌ. وتقديره جدب سنة. وفي الحديث: (اللهم
| أرى مرَّ السنينِ أخذن منِّي | كما أَخَذَ السِّرَارُ١ من الهِلاَلِ |
وقد جاوزت رأس الأربعين
وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون : أقمت عنده سنينا يا هذا، مصروفا. قال : وبنو تميم لا يصرفون ويقولون : مضت له سنين يا هذا. وسنين جمع سنة، والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه أسنت القوم أي أجدبوا. قال عبد الله بن الزبعرى :
| عمرُو العُلاَ هَشَمَ الثريد لقومه | ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ٣ |
٢ في ع: أنشدوا..
٣ يريد به هاشم بن عبد مناف أبا عبد المطلب جد النبي ﷺ وكان يسمى عمرا..
| أَرَى مَرَّ السِّنِينِ أَخَذْنَ مِنِّي | كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ «١» مِنَ الْهِلَالِ |
وَقَدْ جَاوَزْتُ رَأْسَ الْأَرْبَعِينِ
وَحَكَى الْفَرَّاءُ عَنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَقَمْتُ عِنْدَهُ سَنِينًا يَا هَذَا، مَصْرُوفًا. قَالَ: وَبَنُو تَمِيمٍ لَا يَصْرِفُونَ وَيَقُولُونَ: مَضَتْ لَهُ سِنِينَ يَا هَذَا. وَسِنِينُ جَمْعُ سَنَةٍ، وَالسَّنَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْجَدْبِ لَا بِمَعْنَى الْحَوْلِ. وَمِنْهُ أَسْنَتَ الْقَوْمُ أَيْ أَجْدَبُوا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى:
| عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ | وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ» |
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣١]
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) أَيِ الْخِصْبُ وَالسَّعَةُ. (قالُوا لَنا هذِهِ) أَيْ أُعْطِينَاهَا بِاسْتِحْقَاقٍ. (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أَيْ قَحْطٌ وَمَرَضٌ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ:- الثَّانِيَةُ- (يَطَّيَّرُوا بِمُوسى) أَيْ يَتَشَاءَمُوا بِهِ. نَظِيرُهُ" وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ «٤» ". وَالْأَصْلُ" يَتَطَيَّرُوا" أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ:" تَطَيَّرُوا" عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مِنَ الطِّيَرَةِ وَزَجْرِ الطَّيْرِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ حتى قيل لكل
(٢). في ع: أنشدوا.
(٣). يريد به هاشم بن عبد مناف أبا عبد المطلب جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يسمى عمرا.
(٤). راجع ج ٥ ص ٢٨٢.
وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكُنَاتِهَا
وَالْوُكْنَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ وَكْرٍ وَعُشٍّ. وَالْوَكْنُ: مَوْضِعُ الطَّائِرِ الَّذِي يَبِيضُ فِيهِ وَيُفْرِخُ، وَهُوَ الْخِرَقُ فِي الْحِيطَانِ وَالشَّجَرِ. وَيُقَالُ: وَكَنَ الطَّائِرُ يَكِنُّ وُكُونًا إِذَا حِضْنَ بَيْضَهُ. وَكَانَ أَيْضًا مِنَ الْعَرَبِ مَنْ لَا يَرَى التَّطَيُّرَ شَيْئًا، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ به. قال المرقش:
(٢). من ع.
(٣). الدابة الموقرة: التي أصابتها الوقرة وهى صدع في الساق.
(٤). مكناتها بكسر الكاف وقد تفتح: أي بيضها. وهى في الأصل بيض الضباب. وقيل على أمكنتها ومساكنها. قال شمر: والصحيح في قوله على مكناتها أنها جمع المكنة والملكة: التمكن. وقال الزمخشري: ويروى: مكناتها جمع مكن ومكن جمع مكان.
| وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا | أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمٍ «١» |
| فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا | مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمِ |
(٢). تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذبا.
(٣). كذا في مسند أبى داود وبعض نسخ الأصل. قال ابن الأثير:" هكذا جاء في الحديث مقطوعا ولم يذكر المستثنى. أي إلا وقد يعتريه التطير، وتسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصار واعتمادا على فهم السامع... وقوله:" ولكن الله يذهبه بالتوكل" معناه أنه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله وسلم إليه ولم يعمل بذلك الخاطر غفره الله له ولم يؤاخذه به". وفى ب:".. وما منا إلا من تطير.. " إلخ.
(٤). راجع ج ٦ ص ٥٩.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٢]
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ) أَيْ قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى" مَهْما". قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَصْلُ مَا، مَا، الْأُولَى لِلشَّرْطِ، وَالثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ تَوْكِيدٌ لِلْجَزَاءِ، كَمَا تُزَادُ فِي سَائِرِ الْحُرُوفِ، مِثْلَ إِمَّا وَحَيْثُمَا وَأَيْنَمَا وَكَيْفَمَا. فَكَرِهُوا حَرْفَيْنِ لَفْظُهُمَا وَاحِدٌ، فَأَبْدَلُوا مِنَ الْأَلِفِ الْأُولَى هَاءً فَقَالُوا مَهْمَا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: أَصْلُهُ مَهْ، أَيِ اكْفُفْ، مَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ. وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ، يُجَازَى بِهَا لِيُجْزَمَ مَا بَعْدَهَا عَلَى تَقْدِيرِ إِنْ. وَالْجَوَابُ" فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" (لِتَسْحَرَنا) لِتَصْرِفَنَا عَمَّا نَحْنُ عَلَيْهِ. وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَةِ بَيَانُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ «١». قِيلَ: بَقِيَ مُوسَى فِي الْقِبْطِ بَعْدَ إِلْقَاءِ السَّحَرَةِ سُجَّدًا عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الْآيَاتِ إِلَى أَنْ أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، فَكَانَ هَذَا قَوْلَهُمْ.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٣]
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣)
فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- رَوَى إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ نَوْفٍ الشَّامِيِّ قَالَ: مَكَثَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آل فرعون بعد ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أَرْبَعِينَ عَامًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مِنْجَابٍ: عِشْرِينَ سَنَةً، يُرِيهِمُ الْآيَاتِ: الْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (الطُّوفانَ) أَيِ الْمَطَرُ الشَّدِيدُ حَتَّى عَامُوا فِيهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: الطُّوفَانُ الْمَوْتُ قَالَ الْأَخْفَشُ: وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ. وَقِيلَ: هُوَ مصدر كالرجحان
(٢). النثره: شبه العطسة.
(٢). الجعلان (بكسر الجيم جمع جعل كصرد) وهو دابة سوداء من دواب الأرض.
(٣). عاصمة مصر يومئذ.
(٤). الضفدع: بفتح الضاد والدال وبكسرهما وسكون الفاء.
(٥). من ج وك.
(٦). السكينة: ريح خجوج، أي سريعة الممر.
(٧). من ع.
الأولى - روى إسرائيل عن سماك عن نوف الشامي قال : مكث موسى ﷺ في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين عاما. وقال محمد بن عمان بن أبي شيبة عن منجاب : عشرين سنة، يريهم الآيات : الجراد والقمل والضفادع والدم.
الثانية - قوله تعالى :" الطوفان " أي المطر الشديد حتى عاموا فيه. وقال مجاهد وعطاء : الطوفان الموت قال الأخفش : واحدته طوفانة. وقيل : هو مصدر كالرجحان والنقصان، فلا يطلب له واحد. قال النحاس : الطوفان في اللغة ما كان مهلكا من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وقال السدي : ولم يصب بني إسرائيل قطرة من ماء، بل دخل بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم١، ودام عليهم سبعة أيام. وقيل : أربعين يوما. فقالوا : ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا. فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع. فقالوا : كان ذلك الماء نعمة، فبعث الله عليهم الجراد وهو الحيوان المعروف، جمع جرادة في المذكر والمؤنث. فإن أردت الفصل نعت فقلت رأيت جرادة ذكرا - فأكل زروعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدم ديارهم. ولم يدخل دور بني إسرائيل منها شيء.
الثالثة - واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد، فقيل : لا يقتل. وقال أهل الفقه كلهم : يقتل. احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم. وبما روي ( لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم ). واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي ﷺ بقتال المسلم إذا أراد أخذ مال، فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب ؟ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد. روى ابن ماجة عن جابر وأنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا دعا على الجراد قال :( اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء ). قال رجل : يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره ؟ قال :( إن الجراد نثرة٢ الحوت في البحر ).
الرابعة - ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة، وأنه إذا أخذ حيا وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق. وإن ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه. وإنما اختلفوا هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صيد أم لا ؟ فعامتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمه عندهم حكم الحيتان، وإليه ذهب ابن نافع ومطرف وذهب مالك إلى أنه لا بد له من سبب يموت به، كقطع رؤوسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يصلق أو يطرح في النار ؛ لأنه عنده من حيوان البر فميتته محرمة. وكان الليث يكره أكل ميت الجراد، إلا ما أخذ حيا ثم مات فإن أخذه ذكاه. وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وروى الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال :( أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال ). وقال ابن ماجة : حدثنا أحمد بن منيع حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد سمع أنس بن مالك يقول : كن أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد على الأطباق. ذكره ابن المنذر أيضا.
الخامسة - روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول :( إن الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر، وإن أول هلاك هذه الأمم الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت الأمم مثل نظام السلك إذا انقطع ). ذكره الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ) وقال : وإنما صار الجراد أول هذه الأمم هلاكا لأنه خلق من الطينة التي فضلت من طينة آدم. وإنما تهلك الأمم لهلاك الآدمين لأنها مسخرة لهم.
رجعنا إلى قصة القبط - فعاهدوا موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وكان قد بقي من زروعهم شيء فقالوا : يكفينا ما بقي، ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم القمل، وهو صغار الدبى، قاله قتادة. والدبى : الجراد قبل أن يطير، الواحدة دباة. وأرض مدبية إذا أكل الدبى نباتها. وقال ابن عباس : القمل السوس الذي في الحنطة. وقال ابن زيد : البراغيث. وقال الحسن : دواب سود صغار. وقال أبو عبيدة : الحمنان، وهو ضرب من القراد، واحدها حمنانة. فأكلت دوابهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم، ومنعهم النوم والقرار. وقال حبيب بن أبي٣ ثابت : القمل الجعلان٤. والقمل عند أهل اللغة ضرب من القردان. قال أبو الحسن الأعرابي العدوي : القمل دواب صغار من جنس القردان، إلا أنها أصغر منها، واحدتها قملة. قال النحاس : وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير ؛ لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم، وهي أنها كلها تجتمع في أنها تؤذيهم. وذكر بعض المفسرين أنه كان " بعين شمس٥ " كثيب من رمل فضربه موسى بعصاه فصار قملا. وواحد القمل قملة. وقيل : القُمَّل القَمْل، قاله عطاء الخراساني. وفي قراءة الحسن " والقمل " بفتح القاف وإسكان الميم، فتضرعوا فلما كشف عنهم لم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، جمع ضفدع٦ وهي المعروفة التي تكون في الماء، وفيه مسألة٧ واحدة هي أن النهي ورد عن قتلها. أخرجه أبو داود وابن ماجة بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ماجة عن محمد بن يحيى النيسابوري الذهلي عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله ﷺ عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد. وخرج النسائي عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبي ﷺ فنهاه النبي ﷺ عن قتله. صححه أبو محمد عبد الحق. وعن أبي هريرة قال : الصرد أول طير صام. ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشأم إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة٨ معه والصرد، فكان الصرد دليله إلى الموضع، والسكينة مقداره. فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت : ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي، فنهى النبي ﷺ عن قتل الصرد لأنه كان دليل إبراهيم على البيت، وعن الضفدع لأنها كانت تصب الماء على نار إبراهيم. ولما تسلطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التنور وثبت فيها وهي نار تسعر، طاعة لله. فجعل الله٩ نقيقها تسبيحا. يقال : إنها أكثر الدواب تسبيحا. قال عبد الله بن عمرو : لا تقتلوا الضفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح. فروي أنها ملأت فرشهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم، فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، وإذا تكلم وثب الضفدع في فيه. فشكوا إلى موسى وقالوا : نتوب، فكشف الله عنهم ذلك فعادوا إلى كفرهم، فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم١٠ دما. وكان الإسرائيلي يغترف منه الماء، والقبطي الدم. وكان الإسرائيلي يصب الماء في فم القبطي فيصير دما، والقبطي يصب الدم في فم الإسرائيلي فيصير ماء زلالا.
" آيات مفصلات " أي مبينات ظاهرات ؛ عن مجاهد. قال الزجاج :" آيات مفصلات " نصب على الحال. ويروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل : أربعون يوما. وقيل : شهر ؛ فلهذا قال " مفصلات ". " فاستكبروا " أي ترفعوا عن الإيمان بالله تعالى.
٢ النثرة : شبه العطسة.
٣ من ب و ج و ك : والتهذيب..
٤ الجعلان (بكسر الجيم جمع جعل كصرد) وهو دابة من دواب الأرض..
٥ عاصمة مصر يومئذ.
٦ الضفدع: بفتح الضاد والدال وبكسرهما وسكون الفاء..
٧ من ج و ك..
٨ السكينة: ريح خجوج: أي سريعة الممر..
٩ من ع.
١٠ من ب وج و ك و ى..
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٤ الى ١٣٦]
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) أي العذاب. وقرى بِضَمِّ الرَّاءِ، لُغَتَانِ. قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ طَاعُونًا مَاتَ بِهِ مِنَ الْقِبْطِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعُونَ «٢» أَلْفًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالرِّجْزِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْآيَاتِ. (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) " مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، أَيْ بِمَا اسْتَوْدَعَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أَوْ بِمَا اخْتَصَّكَ بِهِ فَنَبَّأَكَ. وَقِيلَ: هَذَا قَسَمٌ، أَيْ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ إِلَّا مَا دَعَوْتَ لَنَا، فَ" مَا" صِلَةٌ «٣». (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) أَيْ بِدُعَائِكَ لِإِلَهِكَ حَتَّى يَكْشِفَ عَنَّا. (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) أَيْ نُصَدِّقُكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ. (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ) وَكَانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُمْ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ (إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ) يَعْنِي أَجَلَهُمُ الَّذِي ضُرِبَ لَهُمْ فِي التَّغْرِيقِ. (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) أَيْ يَنْقُضُونَ مَا عَقَدُوهُ
(٢). في ع: تسمعون.
(٣). كذا في جميع نسخ الأصل، وظاهر أنها مصدرية.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٧]
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ) يُرِيدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. (الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) أَيْ يُسْتَذَلُّونَ بِالْخِدْمَةِ. (مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) زَعَمَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ أَنَّ الْأَصْلَ" فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبهَا" ثُمَّ حُذِفَ" فِي" فَنُصِبَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ وَرِثُوا أَرْضَ الْقِبْطِ. فَهُمَا نَصْبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الصَّرِيحِ، يُقَالُ: وَرِثْتُ الْمَالَ وَأَوْرَثْتُهُ الْمَالَ، فَلَمَّا تَعَدَّى الْفِعْلُ بِالْهَمْزَةِ نَصَبَ مَفْعُولَيْنِ. وَالْأَرْضُ هِيَ أَرْضُ الشَّأْمِ وَمِصْرَ. وَمَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا جِهَاتُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بِهَا، فَالْأَرْضُ مَخْصُوصَةٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: أراد جميع الأرض، لأن بن بَنِي إِسْرَائِيلَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَقَدْ مَلَكَا الْأَرْضَ. (الَّتِي بارَكْنا فِيها) أَيْ بِإِخْرَاجِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ والأنهار. (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ هِيَ قَوْلُهُ:" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «١» ". (بِما صَبَرُوا) أَيْ بِصَبْرِهِمْ عَلَى أَذَى فِرْعَوْنَ، وَعَلَى أَمْرِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ آمَنُوا بِمُوسَى. (وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) يُقَالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ إِذَا بَنَى. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ مَا كَانُوا يَبْنُونَ مِنَ الْقُصُورِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ تَعْرِيشُ الْكَرْمِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ" يَعْرُشُونَ" بِضَمِّ الرَّاءِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ" يُعَرِّشُونَ" بتشديد الراء وضم الياء.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٣٨]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْكَافِ، وَالْبَاقُونَ بِضَمِّهَا. يُقَالُ: عَكَفَ يَعْكِفُ وَيَعْكُفُ بِمَعْنَى أَقَامَ عَلَى الشَّيْءِ وَلَزِمَهُ. وَالْمَصْدَرُ مِنْهُمَا عَلَى فُعُولٍ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مِنْ لَخْمٍ، وَكَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ وَقِيلَ: كَانَتْ أَصْنَامُهُمْ تَمَاثِيلَ بَقَرٍ، وَلِهَذَا أَخْرَجَ لَهُمْ السَّامِرِيُّ عِجْلًا. (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) نَظِيرُهُ قَوْلُ جُهَّالِ الْأَعْرَابِ وَقَدْ رَأَوْا شَجَرَةً خَضْرَاءَ لِلْكُفَّارِ تُسَمَّى ذَاتَ أَنْوَاطٍ «١» يُعَظِّمُونَهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ. قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قوم مُوسَى" اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ في قبلكم حذو القذة «٢» بالقذة حتى إنهم لو دخلوا حجر ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ (. وَكَانَ هَذَا فِي مَخْرَجِهِ إِلَى حُنَيْنٍ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي" بَرَاءَةٌ «٣» " إِنْ شَاءَ الله تعالى.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٩ الى ١٤٠]
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى:) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ) أَيْ مُهْلَكٌ، وَالتَّبَارُ: الْهَلَاكُ. وَكُلُّ إِنَاءٍ مُكَسَّرٍ مُتَبَّرٌ. وَأَمْرٌ مُتَبَّرٌ. أَيْ إِنَّ الْعَابِدَ وَالْمَعْبُودَ مُهْلَكَانِ. وقوله: (وَباطِلٌ) أي ذاهب
(٢). القذة ريش الهم. قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. [..... ]
(٣). راجع ج ٨ ص ٩٧.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤١]
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)
ذَكَّرَهُمْ مِنَّتَهُ. وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِيَهُودِ عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَيْ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْجَيْنَا أَسْلَافَكُمْ. حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ «١»).
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٢]
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) " فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً) " ذَكَرَ أَنَّ مِمَّا كَرَّمَ اللَّهُ «٢» بِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا فَكَانَ وَعَدَهُ الْمُنَاجَاةَ إِكْرَامًا لَهُ. (وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمَسْرُوقٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. أَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ الشَّهْرَ وَيَنْفَرِدَ فِيهِ بِالْعِبَادَةِ، فَلَمَّا صَامَهُ أَنْكَرَ خَلُوفَ فَمِهِ فَاسْتَاكَ. قِيلَ: بِعُودِ خَرْنُوبٍ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْشِقُ مِنْ فِيكَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ فَأَفْسَدْتَهُ بِالسِّوَاكِ. فَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ لَمَّا اسْتَاكَ: (يَا مُوسَى لَا أُكَلِّمُكَ حتى يعود)
(٢). من ع.
" عَشْرٌ وَأَرْبَعٌ... "
يَعْنِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، لَيْلَةَ الْبَدْرِ. وَهَذَا جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. الثَّانِيَةُ- قَالَ عُلَمَاؤُنَا: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الْأَجَلِ لِلْمُوَاعَدَةِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَمَعْنًى قديم أَسَّسَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَضَايَا، وَحَكَمَ بِهِ لِلْأُمَمِ، وَعَرَّفَهُمْ بِهِ مَقَادِيرَ التَّأَنِّي فِي الْأَعْمَالِ. وَأَوَّلُ أَجَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَيَّامُ السِّتَّةُ الَّتِي خَلَقَ فِيهَا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ،" وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ «٢» ٥٠: ٣٨". وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ:" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «٣» ". قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِذَا ضَرَبَ الْأَجَلَ لِمَعْنًى يُحَاوِلُ فِيهِ تَحْصِيلَ الْمُؤَجَّلِ فَجَاءَ الْأَجَلُ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ زِيدَ فِيهِ تَبْصِرَةً وَمَعْذِرَةً. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا ثَلَاثِينَ ثُمَّ زَادَهُ عَشْرًا تَتِمَّةَ أَرْبَعِينَ. وَأَبْطَأَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ عَلَى قَوْمِهِ، فَمَا عَقَلُوا جَوَازَ التَّأَنِّي وَالتَّأَخُّرِ حَتَّى قَالُوا: إِنَّ مُوسَى ضَلَّ أَوْ نَسِيَ، وَنَكَثُوا عَهْدَهُ وَبَدَّلُوا بَعْدَهُ، وَعَبَدُوا إِلَهًا غَيْرَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُوسَى قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي ثَلَاثِينَ لَيْلَةً أَنْ أَلْقَاهُ، وَأَخْلُفُ فِيكُمْ
(٢). راجع ج ١٧ ص ٢٣.
(٣). راجع ص ٢١٨ من هذا الجزء.
مُوسَى إِلَى رَبِّهِ زَادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ فِي الْعَشْرِ الَّتِي زَادَهُ اللَّهُ بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. ثُمَّ الزِّيَادَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الْأَجَلِ تَكُونُ مُقَدَّرَةً، كَمَا أَنَّ الْأَجَلَ مُقَدَّرٌ. وَلَا يَكُونُ إِلَّا بِاجْتِهَادٍ مِنَ الْحَاكِمِ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْرِ: مِنْ وَقْتٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ، فَيَكُونُ مِثْلَ ثُلُثِ الْمُدَّةِ السَّالِفَةِ، كَمَا أَجَّلَ اللَّهُ لِمُوسَى. فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ الْأَصْلَ فِي الْأَجَلِ وَالزِّيَادَةَ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ التَّرَبُّصِ بَعْدَهَا لِمَا يَطْرَأُ مِنَ الْعُذْرِ عَلَى الْبَشَرِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. رَوَى الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً «٢». قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا أَصْلٌ لِإِعْذَارِ الْحُكَّامِ إِلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. وَكَانَ هَذَا لُطْفًا بِالْخَلْقِ، وَلِيَنْفُذَ الْقِيَامُ عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ. يُقَالُ: أَعْذَرَ فِي الْأَمْرِ أَيْ بَالَغَ فِيهِ، أَيْ أَعْذَرَ غَايَةَ الْإِعْذَارِ الَّذِي لَا إِعْذَارَ بَعْدَهُ. وَأَكْبَرُ الْإِعْذَارِ إِلَى بَنِي آدَمَ بَعْثَةُ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ لِتَتِمَّ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ،" وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٣» ". وَقَالَ" وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ «٤» " قِيلَ: هُمُ الرُّسُلُ. ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الشَّيْبُ. فَإِنَّهُ يَأْتِي فِي سِنِّ الِاكْتِهَالِ، فَهُوَ عَلَامَةٌ لِمُفَارَقَةِ سِنِّ الصِّبَا. وَجَعَلَ السِّتِّينَ غَايَةَ الْإِعْذَارِ لِأَنَّ السِّتِّينَ قَرِيبٌ مِنْ مُعْتَرَكِ الْعِبَادِ، وَهُوَ سِنُّ الْإِنَابَةِ وَالْخُشُوعِ وَالِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ، وَتَرَقُّبِ الْمَنِيَّةِ وَلِقَاءِ اللَّهِ، فَفِيهِ إِعْذَارٌ بَعْدَ إِعْذَارٍ «٥». الْأَوَّلُ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالثَّانِي بِالشَّيْبِ، وَذَلِكَ عِنْدَ كَمَالِ الْأَرْبَعِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ «٦» ". فَذَكَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مَنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ فَقَدْ آنَ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَيْهِ وَيَشْكُرَهَا «٧». قَالَ مَالِكٌ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، وَهُمْ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا وَيُخَالِطُونَ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ لِأَحَدِهِمْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَإِذَا أَتَتْ عَلَيْهِمُ اعْتَزَلُوا النَّاسَ. الثَّالِثَةُ- وَدَلَّتِ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّارِيخَ يَكُونُ بِاللَّيَالِي دُونَ الْأَيَّامِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:" ثَلاثِينَ لَيْلَةً" لِأَنَّ اللَّيَالِيَ أَوَائِلُ الشُّهُورِ. وَبِهَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ الله عنهم تخبر عن
(٢). أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر.
(٣). راجع ج ١٠ ص ٢٣١.
(٤). راجع ج ١٤ ص ٣٥١.
(٥). في ب: وإنذار بعد إنذار.
(٦). راجع ج ١٦ ص ١٩٤.
(٧). كذا في ج وك وهو الصواب. وفى أوب وز وى يشكرهما.
الأولى - قوله تعالى :" وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " ذكر أن مما كرم الله١ به موسى ﷺ هذا فكان وعده المناجاة إكراما له. " وأتممناها بعشر " قال ابن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم : هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة، فلما صامه أنكر خلوف فمه فاستاك. قيل : بعود خرنوب، فقالت الملائكة : إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فزيد عليه عشر ليال من ذي الحجة. وقيل : إن الله تعالى أوحى إليه لما استاك :( يا موسى لا أكلمك حتى يعود فوك إلى ما كان عليه قبل، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك ). وأمره بصيام عشرة أيام. وكان كلام الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم٢ غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد ﷺ الحج. وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث. والفائدة في قوله :" فتم ميقات ربه أربعين ليلة " وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن العشر سوى الثلاثين. فإن قيل : فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين، فيكون ذلك من البداء. قيل : ليس كذلك، فقد قال :" وأتممناها بعشر " والأربعون، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف. وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف، قال أربعين في قول مؤلف، وقال ثلاثين، يعني شهرا متتابعا وعشرا. وكل ذلك أربعون، كما قال الشاعر :
( عشر وأربع.... )
يعني أربع عشرة، ليلة البدر. وهذا جائز في كلام العرب.
الثانية - قال علماؤنا : دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية، ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا، وحكم به للأمم، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال. وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات، " ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب٣ " [ ق : ٣٨ ]. وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله :" إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام٤ " [ الأعراف : ٥٤ ]. قال ابن العربي : فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة. وقد بين الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين. وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه، فما عقلوا جواز التأني والتأخر حتى قالوا : إن موسى ضل أو نسي، ونكثوا عهده وبدلوا بعده، وعبدوا إلها غير الله. قال ابن عباس : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف فيكم هارون، فلما فصل٥ موسى إلى ربه زاده الله عشرا، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل، على ما يأتي بيانه. ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة، كما أن الأجل مقدر. ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر : من وقت وحال وعمل، فيكون مثل ثلث المدة السالفة، كما أجل الله لموسى. فإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر، قال ابن العربي. روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال :( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة٦ ). قلت : وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى. وكان هذا لطفا بالخلق، ولينفذ القيام عليهم بالحق. يقال : أعذر في الأمر أي بالغ فيه، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا٧ " [ الإسراء : ١٥ ]. وقال " وجاءكم النذير٨ " [ فاطر : ٣٧ ] قيل : هم الرسل. ابن عباس : هو الشيب. فإنه يأتي في سن الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سن الصبا. وجعل الستين غاية الإعذار ؛ لأن الستين قريب من معترك العباد، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله، ففيه إعذار بعد إعذار٩. الأول بالنبي عليه السلام، والثاني بالشيب، وذلك عند كمال الأربعين، قال الله تعالى :" وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك١٠ " [ الأحقاف : ١٥ ]. فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها١١. قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.
الثالثة - ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام ؛ لقوله تعالى :" ثلاثين ليلة " لأن الليالي أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام، حتى روي عنها أنها كانت تقول : صمنا خمسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام ؛ لأن معولها على الشمس. ابن العربي : وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك ؛ ولهذا قال :" وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ". فيقال : أرخت تاريخا، وورخت توريخا. لغتان.
قوله تعالى :" وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح " المعنى : وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون : كن خليفتي، فدل على النيابة. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي حين خلفه في بعض مغازيه :( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ). فاستدل بهذا الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة على أن النبي ﷺ استخلف عليا على جميع الأمة، حتى كفر الصحابة الإمامية - قبحهم الله - لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على استخلاف علي واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم. ومنهم من كفر عليا إذ لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم، ولم يعلموا أن هذا استخلاف في حياةٍ كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو بموته، لا يقتضي أنه متماد بعد وفاته، فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم. وقد استخلف النبي ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم وغيره، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائما بالاتفاق. على أنه قد كان هارون شرك مع موسى في أصل الرسالة، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دلالة. والله الموفق للهداية. " وأصلح " أمر بالإصلاح. قال ابن جريج : كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه. وقيل : أي ارفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك ؛ أي كن مصلحا. " ولا تتبع سبيل المفسدين " أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عونا للظالمين.
٢ من ع.
٣ راجع ج ١٧ ص ٢٣..
٤ راجع ص ٢١٨ من هذا الجزء..
٥ فصل: خرج.
٦ أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر.
٧ راجع ج ١٠ ص ٢٣١..
٨ راجع ج ١٤ ص ٣٥١..
٩ في ب: وإنذار بعد إنذار..
١٠ راجع ج ١٦ ص ١٩٤..
١١ كذا في ج و ك وهو الصواب. وفي ا و ب و ز و ى يشكرهما..
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٣]
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) أَيْ فِي الْوَقْتِ الْمَوْعُودِ. (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) أَيْ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ. (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) سَأَلَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَاشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ لما أسمعه كلامه. ف (قالَ لَنْ تَرانِي) أَيْ فِي الدُّنْيَا. وَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: أَرِنِي آيَةً عَظِيمَةً لِأَنْظُرَ إِلَى قُدْرَتِكَ، لِأَنَّهُ قَالَ" إِلَيْكَ" وَ" قالَ لَنْ تَرانِي". وَلَوْ سَأَلَ آيَةً لَأَعْطَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ، كَمَا أَعْطَاهُ سَائِرَ الْآيَاتِ. وَقَدْ كَانَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهَا مَقْنَعٌ عَنْ طَلَبِ آيَةٍ أُخْرَى، فَبَطَلَ هَذَا التَّأْوِيلُ. (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) ضَرَبَ لَهُ مِثَالًا مِمَّا هُوَ أَقْوَى مِنْ بِنْيَتِهِ وَأَثْبَتُ. أَيْ فَإِنْ ثَبَتَ الْجَبَلُ وَسَكَنَ فَسَوْفَ تَرَانِي، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ فَإِنَّكَ لَا تُطِيقُ رُؤْيَتِي، كَمَا أَنَّ الْجَبَلَ لَا يُطِيقُ رُؤْيَتِي. وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى اللَّهَ فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا، وَأَنَّ الْجَبَلَ رَأَى رَبَّهُ فَصَارَ دَكًّا بِإِدْرَاكٍ خَلْقَهُ اللَّهُ لَهُ. وَاسْتَنْبَطَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ:" وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي". ثُمَّ قَالَ (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) وَتَجَلَّى مَعْنَاهُ ظَهَرَ، مِنْ قَوْلِكَ: جَلَوْتُ الْعَرُوسَ أَيْ أَبْرَزْتُهَا. وَجَلَوْتُ السَّيْفَ أَبْرَزْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، جِلَاءً فِيهِمَا. وَتَجَلَّى الشَّيْءُ انْكَشَفَ. وَقِيلَ: تَجَلَّى أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ، قَالَهُ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ. وَقِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ" دَكًّا"، يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا" دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا" «١» وَأَنَّ الْجَبَلَ مُذَكَّرٌ «٢». وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ" دَكَّاءَ" أَيْ جَعَلَهُ مِثْلَ أَرْضٍ دَكَّاءَ، وَهِيَ النَّاتِئَةُ «٣» لَا تَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ جَبَلًا. وَالْمُذَكَّرُ أَدَكُّ، وَجَمْعُ دَكَّاءَ دكاوات
(٢). في ب وج: قراءة.
(٣). الذي في مفردات الراغب: أرض دكاء مسواة.
(٢). راجع ج ١٩ ص ١٠٥.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٤]
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي) الِاصْطِفَاءُ: الِاجْتِبَاءُ، أَيْ فَضَّلْتُكَ. وَلَمْ يَقُلْ عَلَى الْخَلْقِ، لِأَنَّ مِنْ هَذَا الِاصْطِفَاءِ أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَقَدْ كَلَّمَ الْمَلَائِكَةَ وَأَرْسَلَهُ وَأَرْسَلَ غَيْرَهُ. فَالْمُرَادُ" عَلَى النَّاسِ" الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ. وَقَرَأَ" بِرِسَالَتِي" عَلَى الْإِفْرَادِ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ. وَالْبَاقُونَ بِالْجَمْعِ. وَالرِّسَالَةُ مَصْدَرٌ، فَيَجُوزُ إِفْرَادُهَا. وَمَنْ جَمَعَ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ بِضُرُوبٍ مِنَ الرِّسَالَةِ فَاخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا، فَجُمِعَ الْمَصْدَرُ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، كَمَا قَالَ:" إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ «١» ". فَجَمَعَ لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْأَصْوَاتِ وَاخْتِلَافِ المصوتين. ووحد في قوله" الصوت" لَمَّا أَرَادَ بِهِ جِنْسًا وَاحِدًا مِنَ الْأَصْوَاتِ. وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ قَوْمَهُ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي التَّكْلِيمِ وَلَا وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعِينَ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي" الْبَقَرَةِ «٢» ". قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) إِشَارَةٌ إِلَى الْقَنَاعَةِ، أَيِ اقْنَعْ بِمَا أَعْطَيْتُكَ. (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أَيْ مِنَ الْمُظْهِرِينَ لِإِحْسَانِي إِلَيْكَ وَفَضْلِي عَلَيْكَ، يُقَالُ: دَابَّةٌ شَكُورٌ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ مَا تُعْطَى مِنَ الْعَلَفِ. وَالشَّاكِرُ مُعَرَّضٌ لِلْمَزِيدِ كَمَا قَالَ:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٣» ". وَيُرْوَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَثَ بَعْدَ أَنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا مات من نور الله عز وجل.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٥]
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥)
(٢). راجع ج ١ ص ٤٠٣.
(٣). راجع ج ٩ ص ٣٤٢.
(٢). الوقر (بكسر الواو): الحمل الثقيل. وعم بعضهم به الثقيل والخفيف وما بينهما.
(٣). من ع. وهو الصواب. والذي في ب ى اك: اللمع. وليست بشيء. بدليل الآية الشاهد.
(٤). راجع ج ١٩ ص ٢٦٩.
(٥). راجع ج ١٦ ص ٢٠٦.
(٦). راجع ج ١٣ ص ١٨٤.
٢ الوقر (بكسر الواو) : الحمل الثقيل: وعم بعضهم به الثقيل والخفيف وما بينهما..
٣ من ع: والصواب والذي فب ب، ى، ا، ك، اللمع. وليست بشيء بدليل الآية الشاهد..
٤ راجع ج ١٩ ص ٢٩٦..
٥ راجع ج ١٦ ص ٢٠٦..
٦ راجع ج ١٣ ص ١٨٤..
٧ راجع ج ١ ص ٤٣٧..
٨ راجع ج ١٥ ص ٢٧٠، ٢٤٣..
٩ راجع ج ١٥ ص ٢٧٠، ٢٤٣..
١٠ في ج و ك: الذين..
١١ راجع ص ٢٧٢ من هذا الجزء..
١٢ راجع ج ١٣ ص ٢٤٧..
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)
(٢). راجع ج ١٥ ص ٢٧٠، ص ٢٤٣.
(٣). راجع ج ١٥ ص ٢٧٠، ص ٢٤٣.
(٤). في ج وك: الذين.
(٥). راجع ص ٢٧٢. من هذا الجزء.
(٦). راجع ج ١٣ ص ٢٤٧.
(٢). راجع ج ١٠ ص ٣٥٨.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٨]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ مِنْ بَعْدِ خُرُوجِهِ إِلَى الطُّورِ. (مِنْ حُلِيِّهِمْ) هَذِهِ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ البصرة. وقرا أهل الكوفة عَاصِمًا" مِنْ حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الْحَاءِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ" مِنْ حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالتَّخْفِيفِ. قَالَ النَّحَّاسُ: جمع حلي وحلي وَحِلِيٌّ، مِثْلَ ثَدْيٍ وَثُدِيٍّ وَثِدِيٍّ. وَالْأَصْلُ" حُلُوِيٌّ" ثُمَّ أُدْغِمَتِ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ فَانْكَسَرَتِ اللَّامُ لِمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ، وَتُكْسَرُ الْحَاءُ لِكَسْرَةِ اللَّامِ. وَضَمُّهَا عَلَى الْأَصْلِ. (عِجْلًا) مَفْعُولٌ. (جَسَدًا) نَعْتٌ أَوْ بَدَلٌ. (لَهُ خُوَارٌ) رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ. يُقَالُ: خَارَ يَخُورُ خُوَارًا إِذَا صَاحَ. وَكَذَلِكَ جَأَرَ يَجْأَرُ جُؤَارًا. وَيُقَالُ: خَوِرَ يَخْوَرُ خَوَرًا إِذَا جَبُنَ وَضَعُفَ. وَرُوِيَ فِي قَصَصِ الْعِجْلِ: أَنَّ السَّامِرِيَّ، وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ ظَفَرَ، يُنْسَبُ إِلَى قَرْيَةٍ تُدْعَى سَامِرَةَ. وُلِدَ عَامَ قَتْلِ الْأَبْنَاءِ، وَأَخْفَتْهُ أُمُّهُ فِي كَهْفِ جَبَلٍ فَغَذَّاهُ جِبْرِيلُ فَعَرَفَهُ لِذَلِكَ، فَأَخَذَ حِينَ عَبَرَ الْبَحْرَ عَلَى فَرَسٍ وَدِيقٍ «١» لِيَتَقَدَّمَ فِرْعَوْنَ فِي الْبَحْرِ- قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ حَافِرِ الْفَرَسِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ:" فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ «٢» ٢٠: ٩٦". وَكَانَ مُوسَى وَعَدَ قَوْمَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا أَبْطَأَ فِي الْعَشْرِ الزَّائِدِ وَمَضَتْ ثَلَاثُونَ لَيْلَةً قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ: إِنَّ مَعَكُمْ حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ وَيَسْتَعِيرُونَ مِنَ الْقِبْطِ الْحُلِيَّ فَاسْتَعَارُوا لِذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَمَّا أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْ مِصْرَ وَغَرِقَ الْقِبْطُ بَقِيَ ذَلِكَ الْحُلِيُّ فِي أَيْدِيهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ السَّامِرِيُّ: إِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ فَنُحَرِّقُهُ. وَقِيلَ: هَذَا الْحُلِيُّ مَا أَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ الْغَرَقِ، وَأَنَّ هَارُونَ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْحُلِيَّ غَنِيمَةٌ، وَهِيَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، فَجَمَعَهَا فِي حُفْرَةٍ حَفَرَهَا فَأَخَذَهَا السَّامِرِيُّ. وَقِيلَ: اسْتَعَارُوا الْحُلِيَّ لَيْلَةَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ مِصْرَ، وَأَوْهَمُوا الْقِبْطَ أَنَّ لهم عرسا أو مجتمعا،
(٢). راجع ج ١١ ص ٢٣٨.
٢٠: ٨٨". يَقُولُ: نسيه هاهنا وَذَهَبَ يَطْلُبُهُ فَضَلَّ عَنْهُ- فَتَعَالَوْا نَعْبُدُ هَذَا الْعِجْلَ. فَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى وَهُوَ يُنَاجِيهِ:" فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ٢٠: ٨٥". فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، هَذَا السَّامِرِيُّ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا مِنْ حُلِيِّهِمْ، فَمَنْ جَعَلَ لَهُ جَسَدًا؟ - يُرِيدُ اللَّحْمَ وَالدَّمَ- وَمَنْ جَعَلَ لَهُ خُوَارًا؟ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَا فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَضَلَّهُمْ غَيْرُكَ. قَالَ صَدَقْتَ يَا حَكِيمَ الْحُكَمَاءِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ:" إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ «٣» ". وَقَالَ الْقَفَّالُ: كَانَ السَّامِرِيُّ احْتَالَ بِأَنْ جَوَّفَ الْعِجْلَ، وَكَانَ قَابَلَ بِهِ الرِّيحَ، حَتَّى جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَاكِي الْخُوَارَ، وَأَوْهَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا صَارَ كَذَلِكَ لِمَا طُرِحَ فِي الْجَسَدِ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي كَانَ أَخَذَهُ مِنْ تُرَابِ قَوَائِمِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وَهَذَا كلام فيه تهافت «٤»، قال القشيري. قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ) بَيَّنَ أَنَّ الْمَعْبُودَ يَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْكَلَامِ. (وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا) أَيْ طَرِيقًا إِلَى حُجَّةٍ. (اتَّخَذُوهُ) أَيْ إِلَهًا. (وَكَانُوا ظَالِمِينَ) أَيْ لِأَنْفُسِهِمْ فِيمَا فَعَلُوا مِنِ اتِّخَاذِهِ «٥». وَقِيلَ: وَصَارُوا ظَالِمِينَ أَيْ مُشْرِكِينَ لجعلهم العجل إلها.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٤٩]
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) أَيْ بَعْدَ عَوْدِ مُوسَى مِنَ الْمِيقَاتِ. يُقَالُ لِلنَّادِمِ الْمُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: يُقَالُ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَأُسْقِطَ. وَمَنْ قَالَ: سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، فَالْمَعْنَى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ، قال الأزهري والنحاس وغيرهما.
(٢). راجع ج ١١ ص ٢٣٢ وص ٢٩٤ من هذا الجزء.
(٣). راجع ج ١١ ص ٢٣٢ وص ٢٩٤ من هذا الجزء.
(٤). في ب وى: متهافت.
(٥). في ز: اتخاذهم. [..... ]
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٠ الى ١٥١]
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً) ١٥٠ لَمْ يَنْصَرِفْ" غَضْبَانَ" لِأَنَّ مُؤَنَّثَهُ غَضْبَى، وَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَالنُّونَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ أَلِفَيِ التَّأْنِيثِ فِي قَوْلِكَ حَمْرَاءُ. وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ. وَ" أَسِفًا" شَدِيدُ الْغَضَبِ. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: الْأَسَفُ مَنْزِلَةٌ وَرَاءَ الْغَضَبِ أَشَدُّ من ذلك. وهو أسف وأسف وَأَسْفَانٌ وَأَسُوفٌ. وَالْأَسِيفُ أَيْضًا الْحَزِينُ. ابْنُ عَبَّاسٍ
(٢). راجع ج ١٠ ص ٤٠٩.
(٣). راجع ج ١٣ ص ٢٥.
(٤). في ب وى: ابتلوا.
(٢). راجع ج ٦ ص ١٢٢.
(٣). في ج: به.
(٤). في ب: عملكم.
" بالفتح، تقديره يا بن أُمَّاهُ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: هَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ، لِأَنَّ الْأَلِفَ خَفِيفَةٌ لَا تُحْذَفُ، وَلَكِنْ جَعَلَ الِاسْمَيْنِ اسما واحدا. وقال الأخفش وأبو حاتم:"ابْنَ أُمَّ ٢٠: ٩٤
" بِالْكَسْرِ كَمَا تَقُولُ: يَا غُلَامُ غُلَامِ أَقْبِلْ، وَهِيَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ وَالْقِرَاءَةُ بِهَا بَعِيدَةٌ. وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا يَكُونُ مُضَافًا إِلَيْكَ، فَأَمَّا الْمُضَافُ إِلَى مُضَافٍ إِلَيْكَ فَالْوَجْهُ أَنْ تقول: يا غلام غلامي، ويا بن أخي. وجوزوا يا بن أُمَّ، يَا بْنَ عَمَّ، لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَامِ. قَالَ الزَّجَّاجُ وَالنَّحَّاسُ: وَلَكِنْ لَهَا وَجْهٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ، يُجْعَلُ الِابْنُ مَعَ الْأُمِّ وَمَعَ الْعَمِّ اسْمًا وَاحِدًا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: يَا خَمْسَةَ عَشَرَ أَقْبِلُوا، فَحُذِفَتِ الْيَاءُ كَمَا حُذِفَتْ مِنْ يَا غُلَامِ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي اسْتَذَلُّونِي وَعَدُّونِي ضَعِيفًا. وَكَادُوا أَيْ قَارَبُوا. يَقْتُلُونَنِي بِنُونَيْنِ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ. وَيَجُوزُ الْإِدْغَامُ فِي غَيْرِ «٤» الْقُرْآنِ. فَلَا تشمت بى الأعداء
(٢). راجع ج ٤ ص ٤٧.
(٣). راجع ج ١٥ ص ٢٤٣.
(٤). راجع ج ١٥ ص ٢٧٦ ففيه خلاف هذا.
| إِذَا مَا الدَّهْرُ جَرَّ عَلَى أُنَاسٍ | كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا |
| فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا | سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِيَنَا |
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٢ الى ١٥٣]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ). الْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ الْعُقُوبَةُ. وذلة في الحيوة الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَقِيلَ: الذلة الجزية.
(٢). راجع ج ٣ ص ٤٣١.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٤]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) أَيْ سَكَنَ. وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ" سَكَنَ" بِالنُّونِ وَأَصْلُ السُّكُوتِ السُّكُونُ وَالْإِمْسَاكُ، يقال: جرى الوادي ثلاثا
(٢). في ك: وشربه. ولعل أصل العبارة: اشربه وظهر. إلخ. راجع ج ٢ ص ٣١.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٥]
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥)
| مِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً | وَبِرًّا إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ «١» |
| اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذْ رَثَّتْ خَلَائِقُهُمْ | وَاخْتَلَّ «٢» مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ |
(٢). اختل: افتقر.
(٣). راجع ج ٦ ص ٢٨.
(٤). في ك: حسدا.
| أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا | وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ «٤» |
". وَإِنَّمَا اسْتَفَادَ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قوله تعالى له:
(٢). ع: يتردون.
(٣). راجع ج ١ ص ٤٠٣.
(٤). الراح: جمع راحة، وهى الكف.
(٥). راجع ج ٦ ص ٣٧٧.
(٦). راجع ج ١٣ ص ١١٠. [..... ]
(٧). راجع ج ١١ ص ١٢.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٦]
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) أَيْ وَفِّقْنَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَكْتُبُ لَنَا بِهَا الْحَسَنَاتِ. (وَفِي الْآخِرَةِ) ٢٠ أَيْ جَزَاءً عَلَيْهَا. (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) أَيْ تُبْنَا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ. وَالْهَوْدُ: التوبة، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «٢». قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) أَيِ الْمُسْتَحَقِّينَ لَهُ، أَيْ هَذِهِ الرَّجْفَةُ وَالصَّاعِقَةُ عَذَابٌ مِنِّي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى" مَنْ أَشاءُ" أَيْ مَنْ أَشَاءُ أَنْ أُضِلَّهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) عُمُومٌ، أَيْ لَا نِهَايَةَ لَهَا أَيْ مَنْ دَخَلَ فِيهَا لم تعجز عنه. وقيل: وسعت كل شي مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى إِنَّ الْبَهِيمَةَ لَهَا رَحْمَةٌ وَعَطْفٌ عَلَى وَلَدِهَا. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: طَمِعَ في هذه الآية كل شي حتى إبليس فقال: أنا شي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: نَحْنُ مُتَّقُونَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ" الْآيَةَ. فَخَرَجَتِ الْآيَةُ عَنِ الْعُمُومِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كتبها الله عز وجل لهذه الأمة.
(٢). راجع ج ١ ص ٤٢٣.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٧]
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- رَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ الْحِمْيَرِيِّ: لَمَّا اخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ ربه قال الله تعالى لموسى: أن أَجْعَلُ لَكُمُ الْأَرْضَ مَسْجِدًا وَطَهُورًا تُصَلُّونَ حَيْثُ أَدْرَكَتْكُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا عِنْدَ مِرْحَاضٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ قَبْرٍ، وَأَجْعَلُ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تقرءون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرأها الرَّجُلُ مِنْكُمْ وَالْمَرْأَةُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ. فَقَالَ ذَلِكَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقَالُوا: لَا نُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ، وَلَا نَسْتَطِيعُ حَمْلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِنَا، وَنُرِيدُ أَنْ تَكُونَ كَمَا كَانَتْ فِي التَّابُوتِ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ونريد أَنْ نَقْرَأَهَا إِلَّا نَظَرًا. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ"- إِلَى قَوْلِهِ-" الْمُفْلِحُونَ". فَجَعَلَهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، اجْعَلْنِي نَبِيَّهُمْ. فَقَالَ: نَبِيُّهُمْ مِنْهُمْ. قَالَ: رَبِّ اجْعَلْنِي «١» مِنْهُمْ. قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُدْرِكَهُمْ. فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، أَتَيْتُكَ بِوَفْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَجَعَلْتَ وِفَادَتَنَا لِغَيْرِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ «٢» ". فَرَضِيَ مُوسَى. قَالَ نَوْفٌ: فَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي جَعَلَ وِفَادَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَكُمْ. وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ قال: حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني «٣» قَالَ حَدَّثَنِي نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ «٤» إِذَا افْتَتَحَ مَوْعِظَةً قَالَ: أَلَا تَحْمَدُونَ رَبَّكُمُ الَّذِي حَفِظَ غَيْبَتَكُمْ وَأَخَذَ لَكُمْ بَعْدَ سَهْمِكُمْ وَجَعَلَ وِفَادَةَ الْقَوْمِ لكم. وذلك أن موسى عليه السلام
(٢). راجع ص ٣٠٢ من هذا الجزء.
(٣). السيبانى في التقريب: بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، وسيبان بطن من حمير. التهذيب.
(٤). في ج وز وك وى: قال كان أبو عمرو البكالي إذا افتتح. إلخ وأبو عمرو كنية نوف ولعله يحدث عن نفسه.
(٢). من ك.
(٣). من اوب وج وح وز وى. وابن عزيز أو عزير من علماء المالكية. وفى ل: ابن جرير. وفى ك: ابن العربي.
(٤). راجع ج ١٣ ص ٣٥١.
(٢). في ع، هـ: سخاب. بمهملة لغة في صخاب.
(٣). من ب وج وك وى. [..... ]
(٤). طابة: طيبة وهى المدينة المنورة.
(٥). كذا في كل الأصول. والكناسة: القمامة ومكانها. والصلاة لا تجوز على المزبلة. فتأمل.
(٦). في ج. كصفهم.
(٧). راجع ج ١٨ ص ٨١.
(٢). من ع.
| فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أُمَّ مَالِكٍ | وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ |
| وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ لَيْسَ بِقَائِلٍ | سِوَى الْعَدْلِ شَيْئًا فَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ |
| اذْهَبْ بِهَا اذْهَبْ بِهَا | طُوِّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ |
[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٨]
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)
(٢). راجع ج ٣ ص ٤٣٠ وج ١ ص ١٨٥ و١٨١.
(٣). راجع ج ٩ ص ٣٧٧.
(٤). راجع ج ١٦ ص ٤٥.
(٥). راجع ج ٦ ص ١١٤.
(٦). من ج وك.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٥٩]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
أَيْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْهِدَايَةِ. وَ (يَعْدِلُونَ) مَعْنَاهُ فِي الْحُكْمِ. وَفِي التَّفْسِيرِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ وَرَاءِ الصِّينِ، مِنْ وَرَاءِ نَهَرِ الرَّمْلِ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَتَرَكُوا السَّبْتَ، يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنَا، لَا يَصِلُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا مِنَّا إِلَيْهِمْ أَحَدٌ. فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُوسَى كَانَتْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَكُونُوا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ أَرْضِهِ فِي عُزْلَةٍ مِنَ الْخَلْقِ، فَصَارَ لَهُمْ سَرَبٌ فِي الْأَرْضِ، فَمَشَوْا فِيهِ سَنَةً وَنِصْفَ سَنَةٍ حَتَّى خَرَجُوا وَرَاءَ الصِّينِ، فَهُمْ عَلَى الْحَقِّ إِلَى الْآنِ. وَبَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُمْ بَحْرٌ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ. ذَهَبَ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَآمَنُوا بِهِ وَعَلَّمَهُمْ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ وَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ مِكْيَالٌ وَمِيزَانٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ مَعَاشُكُمْ؟ قَالُوا: نَخْرُجُ إِلَى الْبَرِيَّةِ فَنَزْرَعُ، فَإِذَا حَصَدْنَا وَضَعْنَاهُ هُنَاكَ، فَإِذَا احْتَاجَ أَحَدُنَا إِلَيْهِ يَأْخُذُ حَاجَتَهُ. قَالَ: فَأَيْنَ نِسَاؤُكُمْ؟ قَالُوا: فِي نَاحِيَةٍ مِنَّا، فَإِذَا احْتَاجَ أَحَدُنَا لِزَوْجَتِهِ صَارَ إِلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. قَالَ: فَيَكْذِبُ أَحَدُكُمْ فِي حَدِيثِهِ؟ قَالُوا: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُنَا أَخَذَتْهُ لَظًى، إِنَّ النَّارَ تَنْزِلُ فَتَحْرِقُهُ. قَالَ: فَمَا بَالُ بُيُوتِكُمْ مُسْتَوِيَةٌ؟ قَالُوا لِئَلَّا يَعْلُوَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. قَالَ: فَمَا بَالُ قُبُورِكُمْ عَلَى أَبْوَابِكُمْ؟ قَالُوا: لِئَلَّا نَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ. ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الدُّنْيَا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ:" وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ «١» " يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. يُعْلِمُهُ أَنَّ الَّذِي أَعْطَيْتُ مُوسَى فِي قَوْمِهِ أَعْطَيْتُكَ فِي أُمَّتِكَ. وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَمَسَّكُوا بِشَرْعِ مُوسَى قَبْلَ نَسْخِهِ، وَلَمْ يُبَدِّلُوا ولم يقتلوا الأنبياء.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) ١٦٠ عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلَهُمْ أَسْبَاطًا لِيَكُونَ أَمْرُ كُلِّ سِبْطٍ مَعْرُوفًا مِنْ جِهَةِ رَئِيسِهِمْ، فَيَخِفُّ الْأَمْرُ عَلَى مُوسَى. وَفِي التَّنْزِيلِ" وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً" وَقَدْ تَقَدَّمَ «١». وَقَوْلُهُ:" اثْنَتَيْ عَشْرَةَ" وَالسِّبْطُ مُذَكَّرٌ لِأَنَّ بَعْدَهُ" أُمَماً ١٦٠"" فَذَهَبَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ. وَلَوْ قَالَ: اثْنَيْ عَشَرَ لِتَذْكِيرِ السِّبْطِ جَازَ، عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَسْبَاطِ الْقَبَائِلَ وَالْفِرَقَ، فَلِذَلِكَ أَنَّثَ الْعَدَدَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
| وَإِنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا عَشْرُ أَبْطُنٍ | وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ |
(٢). راجع ج ٢ ص ١٤٠.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٣ الى ١٦٤]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
قوله تعالى: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) أَيْ عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِهَا لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ أَوْ سبب اجتماعهم. نظيره" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها «٢» ". وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) يَعْنِي أَهْلَ الْعَرْشِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا «٣» بِقُدُومِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أَيْ وَاسْأَلِ الْيَهُودَ الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُكَ عَنْ أَخْبَارِ أَسْلَافِهِمْ وَمَا مَسَخَ الله منهم قردة وخنازير. هذا سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبِيخٍ. وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً لِصِدْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ. وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، لِأَنَّا مِنْ سِبْطِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْ سِبْطِ إِسْرَائِيلَ وَهُمْ بِكْرُ»
اللَّهِ، وَمِنْ سِبْطِ مُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ، وَمِنْ سِبْطِ وَلَدِهِ عُزَيْرٍ، فَنَحْنُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ: سَلْهُمْ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْقَرْيَةِ، أَمَا عَذَّبْتُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة.
(٢). راجع ج ٩ ص ٢٤٥.
(٣). في ج وك وع وهـ: استبشارا به أي بقدومه.
(٤). زَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إلى إسرائيل أن ولدك بكرى من الولد. راجع ج ٦ ص ١٢٠.
(٢). أي طوائف يقال: جاء القوم عنقا عنقا، أي قطيعا قطيعا.
(٢). في ب وج وع وى: ويقال.
(٣). من ب وج وك وى.
(٢). راجع ج ٤ ص ٤٦ وج ٦ ص ٢٥٣.
(٣). راجع ج ٥ ص ٤١٧ فما بعد.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٥]
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)وَالنِّسْيَانُ يُطْلَقُ عَلَى السَّاهِي. وَالْعَامِدُ: التَّارِكُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أَيْ تَرَكُوهُ عَنْ قَصْدٍ، وَمِنْهُ" نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ «١» ". وَمَعْنَى (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) أَيْ شَدِيدٍ. وَفِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ قِرَاءَةً: الْأُولَى- قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ" بَئِيسٍ" عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ. الثَّانِيَةُ- قِرَاءَةُ أَهْلِ مَكَّةَ" بِئِيسٍ" بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالْوَزْنِ وَاحِدٌ. وَالثَّالِثَةُ- قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ" بِيسٍ" الْبَاءُ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا سِينٌ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وَفِيهَا «٢» قَوْلَانِ. قَالَ الكسائي: الأصل فيه" بئيس" خَفِيفَةُ الْهَمْزَةِ، فَالْتَقَتْ يَاءَانِ فَحُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا وَكُسِرَ أَوَّلُهُ: كَمَا يُقَالُ: رَغِيفٌ وَشَهِيدٌ. وَقِيلَ: أَرَادَ" بَئِسَ" عَلَى وَزْنِ فَعِلَ، فَكَسَرَ أَوَّلَهُ وَخَفَّفَ الْهَمْزَةَ وَحَذَفَ الْكَسْرَةَ، كَمَا يُقَالُ: رَحِمَ وَرِحْمَ. الرَّابِعَةُ- قِرَاءَةُ الْحَسَنِ، الْبَاءُ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا سِينٌ مَفْتُوحَةٌ. الْخَامِسَةُ- قَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ" بَئِسٍ" الْبَاءُ مَفْتُوحَةٌ وَالْهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ وَالسِّينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ. السَّادِسَةُ- قَالَ يَعْقُوبُ الْقَارِئُ: وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ" بِعَذَابٍ بَئِسَ" الْبَاءُ مَفْتُوحَةٌ وَالْهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ وَالسِّينُ مَفْتُوحَةٌ. السَّابِعَةُ- قراءة الأعمش" بئيس" عَلَى وَزْنِ فَيْعَلٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ" بَيْأَسٍ" عَلَى وَزْنٍ فَيْعَلٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ" بَئِّسٍ" بِبَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَمْزَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ، وَالسِّينُ فِي كُلِّهِ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، أَعْنِي قِرَاءَةَ الْأَعْمَشِ. الْعَاشِرَةُ- قِرَاءَةُ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ «٣» " بِعَذَابٍ بَيِّسٍ" الْبَاءُ مَفْتُوحَةٌ وَالْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ. قَالَ يَعْقُوبُ الْقَارِئُ: وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ" بِئْيَسٍ" الْبَاءُ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا يَاءٌ مَفْتُوحَةٌ. فَهَذِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ قِرَاءَةً ذَكَرَهَا النَّحَّاسُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ: الْعَرَبُ تَقُولُ جَاءَ بِبَنَاتٍ بِيسٍ أَيْ بشيء ردئ. فمعنى" بعذاب بيس" بعذاب ردئ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْحَسَنِ فَزَعَمَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهَا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ بِئْسَ، حَتَّى يُقَالَ: بِئْسَ الرَّجُلُ، أَوْ بِئْسَ رَجُلًا. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا مَرْدُودٌ من
(٢). في ج: وقيل فيها قولان.
(٣). نصر بن عاصم الليثي البصري.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٦]
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ) أَيْ فَلَمَّا تَجَاوَزُوا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) يُقَالُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأَ، أَيْ بَاعَدْتُهُ وَطَرَدْتُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ «١». وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ «٢» النِّقْمَةِ: وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ. فَقِيلَ: قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ بِكَلَامٍ يُسْمَعُ، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوناهم قردة.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٧]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)
أَيْ أَعْلَمَ أَسْلَافَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ غَيَّرُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُعَذِّبُهُمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ:" آذَنَ" بِالْمَدِّ، أَعْلَمَ. وَ" أَذَّنَ" بِالتَّشْدِيدِ، نَادَى. وَقَالَ قَوْمٌ: آذَنَ وَأَذَّنَ بِمَعْنَى أَعْلَمَ، كَمَا يُقَالُ: أَيْقَنَ وَتَيَقَّنَ. قَالَ زُهَيْرٌ:
| فقلت تعلم إن للصيد غرة | فإلا تضعيها فَإِنَّكَ قَاتِلُهُ |
| تَعَلَّمْ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ حَيٌّ | يُنَادَى فِي شِعَارِهِمْ يَسَارُ |
(٢). في ع: تسبب.
(٣). قال أبو حيان في البحر: أجرى مجرى فعل القسم ولذلك أجيب بما يجاب به القسم. وكذا قال الزمخشري.
(٤). راجع ج ١ ص ٣٨٤.
| فقلت تَعَلَّمْ إن للصيد غِرَّةً | فإلا تُضَيِّعها فإنك قاتلُهْ |
وقال آخر :
| تَعَلَّمْ إن شر الناس حَيٌّ | ينادَى في شعارهم يسارُ |
٢ راجع ج ١ ص ٣٨٤.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٨]
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً) أَيْ فَرَّقْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ. أَرَادَ بِهِ تَشْتِيتَ أَمْرِهِمْ، فَلَمْ تُجْمَعْ لَهُمْ كَلِمَةٌ. (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَالْمُرَادُ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السلام. ومن لم يبدل منهم ومات نَسْخِ شَرْعِ مُوسَى. أَوْ هُمُ الَّذِينَ وَرَاءَ الصِّينِ، كَمَا سَبَقَ. (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ. وَالْمُرَادُ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ. (وَبَلَوْناهُمْ) أَيِ اخْتَبَرْنَاهُمْ. (بِالْحَسَناتِ) أَيْ بِالْخِصْبِ وَالْعَافِيَةِ. (وَالسَّيِّئاتِ) أَيِ الْجَدْبُ والشدائد. (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ليرجعوا عن كفرهم.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٦٩]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) يَعْنِي أَوْلَادَ الَّذِينَ فَرَّقَهُمْ فِي الْأَرْضِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ:" الْخَلْفُ" بِسُكُونِ اللَّامِ: الْأَوْلَادُ الْوَاحِدُ وَالْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ. وَ" الْخَلَفُ" بِفَتْحِ اللَّامِ الْبَدَلُ، وَلَدًا كَانَ أَوْ غَرِيبًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:" الْخَلَفُ" بِالْفَتْحِ الصَّالِحُ، وَبِالْجَزْمِ الطَّالِحُ. قَالَ لَبِيدٍ:
| ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ | وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجرب |
| لَنَا القدم الأولى إليك وخلقنا | لِأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَابِعُ |
| إِنَّا وَجَدْنَا خَلَفًا بِئْسَ الْخَلَفْ | أَغْلَقَ عَنَّا بَابَهُ ثُمَّ حَلَفْ «١» |
| لَا يُدْخِلُ الْبَوَّابُ إِلَّا مَنْ عَرَفْ | عَبْدًا إِذَا مَا نَاءَ بِالْحَمْلِ وَقَفْ |
| إِنَّا وَجَدْنَا خَلَفًا بِئْسَ الْخَلَفْ | عَبْدًا إِذَا ما ناء بالحمل خضف |
| أَغْلَقَ عَنَّا بَابَهُ ثُمَّ حَلَفْ | لَا يُدْخِلُ البواب إلا من عرف |
(٢). كذا في الأصول، والعبارة كما في البحر: أصله تدارسوا، أي فأدغم.
| ذهب الذين يعاش في أكنافهم | وبقيت في خلف كجلد الأجرب |
| لنا القدم الأولى إليك وخَلْفُنَا | لأوَّلنا في طاعة الله تابع |
| إنا وجدنا خَلَفًا بئسَ الخَلَفْ | أغلق عنا بابَهُ ثم حَلَفْ١ |
| لا يدخل البواب إلا من عرف | عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف |
قوله تعالى :" وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه " والعرض : متاع الدنيا، بفتح الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمهم باغترارهم في قولهم وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم.
قلت : وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند الدارمي أبو محمد : حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا. وقيل : إن الضمير في " يأتهم " ليهود المدينة، أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي ﷺ عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم.
قوله تعالى : ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون فيه مسألتان.
الأولى - قوله تعالى :" ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب " يريد التوراة. وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل.
قلت : وهذا الذي لزم هؤلاء وأخذ عليهم به الميثاق في قول الحق، لازم لنا على لسان نبينا ﷺ وكتاب ربنا، على ما تقدم بيانه في " النساء٣ " ولا خلاف فيه في جميع الشرائع، والحمد لله.
الثانية - قوله تعالى :" ودرسوا ما فيه " أي قرؤوه، وهم قريبو عهد به. وقرأ أبو عبدالرحمن " وادارسوا ما فيه " فأدغم٤ التاء في الدال. قال ابن زيد : كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له. وقال ابن عباس :" ألا يقولوا على الله إلا الحق " وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به. وقال ابن زيد : يعني في الأحكام التي يحكمون بها، كما ذكرنا. وقال بعض العلماء : إن معنى " ودرسوا ما فيه " أي محوه بترك العمل به والفهم له، من قولك : درست الريح الآثار، إذا محتها. وخط دارس وربع دارس، إذا امحى وعفا أثره. وهذا المعنى مواطئ - أي موافق - لقوله تعالى :" نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم٥ " [ البقرة : ١٠١ ] الآية. وقوله :" فنبذوه وراء ظهورهم٦ " [ آل عمران : ١٨٧ ]. حسب ما تقدم بيانه.
إنا وجدنا خلفا بئس الخلف***عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف.
أغلق عنا بابه ثم حلف***لا يدخل البواب إلا من عرف.
٢ الردم: الضراط.
٣ راجع ج ٦ ص ٧ فما بعدها..
٤ كذا في الأصول: والعبارة كما في البحر أصله تدارسوا أي فأدغم..
٥ راجع ج ٢ ص ٤١..
٦ راجع ج ٤ ص ٣٠٤.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٠]
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ ١٧٠" أَيْ بِالتَّوْرَاةِ، أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا، يُقَالُ: مَسَّكَ بِهِ وَتَمَسَّكَ بِهِ أَيِ اسْتَمْسَكَ بِهِ. وَقَرَأَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ" يُمْسِكُونَ" بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَمْسَكَ يُمْسِكُ. وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّكْرِيرِ وَالتَّكْثِيرِ لِلتَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِدِينِهِ فَبِذَلِكَ يُمْدَحُونَ. فَالتَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالدِّينِ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُلَازَمَةِ وَالتَّكْرِيرُ لِفِعْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
| فَمَا تَمَسَّكَ بِالْعَهْدِ الَّذِي زَعَمْتَ | إِلَّا كَمَا تُمْسِكُ الْمَاءَ الْغَرَابِيلُ |
[سورة الأعراف (٧): آية ١٧١]
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ) " نَتَقْنَا" مَعْنَاهُ رَفَعْنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَقَرَةِ." كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ" أَيْ كَأَنَّهُ لِارْتِفَاعِهِ سَحَابَةٌ تُظِلُّ." خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ" أَيْ بِجِدٍّ. وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَةِ «٣» إلى آخر الآية.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ الى ١٧٤]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
(٢). راجع ج ٤ ص ٣٠٤.
(٣). راجع ج ١ ص ٤٣٦.
(٢). الزيادة عن صحيح الترمذي.
(٣). من ج.
(٤). من ج.
(٢). من ع.
(٣). في ى: وحكيم فيهم كما أراد.
(٤). من ج.
". ثم مكنه من الصيطرة، وَأَتَاهُ السَّلْطَنَةَ، وَمَكَّنَ لَهُ دِينَهُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ «٢»: إِنَّ هَذَا الْعَهْدَ يَلْزَمُ الْبَشَرَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، كَمَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ وَقَدْ نَسِيَهُ". الرَّابِعَةُ- وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ مَاتَ صَغِيرًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لِإِقْرَارِهِ فِي، الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ. وَمَنْ بَلَغَ الْعَقْلَ لَمْ يُغْنِهِ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ. وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ: أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْبَابِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتُلِفَ فِيهَا لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي" الرُّومِ «٣» " إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي كِتَابِ" التَّذْكِرَةِ" وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" مِنْ ظُهُورِهِمْ" بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ قَوْلِهِ" مِنْ بَنِي آدَمَ". وَأَلْفَاظُ الْآيَةِ تَقْتَضِي أَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَلَيْسَ لِآدَمَ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ. وَوَجْهُ النَّظْمِ عَلَى هَذَا: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ ذُرِّيَّتَهُمْ. وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ ظَهْرَ آدَمَ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ بَنُوهُ. وَأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا يَوْمَ الْمِيثَاقِ مِنْ ظَهْرِهِ. فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ لِقَوْلِهِ:" مِنْ بَنِي آدَمَ". (ذُرِّيَّتَهُمْ) قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّوْحِيدِ وَفَتْحِ التَّاءِ، وَهِيَ تَقَعُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً «٤» " فَهَذَا لِلْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ هِبَةَ وَلَدٍ فَبُشِّرَ بِيَحْيَى. وَأَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى التَّوْحِيدِ في قوله:" مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ «٥» " ولا شي أَكْثَرَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ. وَقَالَ:" وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ" فهذا للجمع. وقرا الباقون
(٢). في ى" الطرلوسى" بالسين المهملة.
(٣). راجع ج ١٤ ص ٢٤ فما بعد.
(٤). راجع ج ٤ ص ٦٩ فما بعد.
(٥). راجع ج ١١ ص ١٢٠.
(٢). في ع: عن مجاهد.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٥]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)
ذَكَّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ قِصَّةً عَرَفُوهَا فِي التَّوْرَاةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الَّذِي أُوتِيَ الْآيَاتِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاءَ، وَيُقَالُ نَاعِمٌ «١»، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ بِحَيْثُ إِذَا نَظَرَ رَأَى الْعَرْشَ. وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا" وَلَمْ يَقُلْ آيَةً، وَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَلْفَ مِحْبَرَةٍ لِلْمُتَعَلِّمِينَ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ عَنْهُ. ثُمَّ صَارَ بِحَيْثُ (إِنَّهُ «٢») كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ كِتَابًا (فِي «٣») أن" ليس للعالم صانع". قال مالك ابن دِينَارٍ: بُعِثَ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاءَ إِلَى مَلِكِ مَدْيَنَ لِيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَأَعْطَاهُ وَأَقْطَعَهُ فَاتَّبَعَ دِينَهُ وَتَرَكَ دِينَ مُوسَى، فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ. (رَوَى «٤») الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ بَلْعَامُ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، «٥» وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ مُوسَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرِيدُ قِتَالَ الْجَبَّارِينَ، سَأَلَ الْجَبَّارُونَ بَلْعَامَ بن باعوراء أن يدعوا عَلَى مُوسَى فَقَامَ لِيَدْعُوَ فَتَحَوَّلَ لِسَانُهُ بِالدُّعَاءِ على أصحابه. فقيل له في ذلك، لَا أَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا تَسْمَعُونَ، وَانْدَلَعَ لِسَانُهُ عَلَى صَدْرِهِ. فَقَالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْآنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْحِيلَةُ، وَسَأَمْكُرُ لَكُمْ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ تُخْرِجُوا إِلَيْهِمْ فَتَيَاتِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الزِّنَى، فَإِنْ وَقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَفَعَلُوا فَوَقَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الزِّنَى، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا. وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ بِكَمَالِهِ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ. وَرُوِيَ أَنَّ بَلْعَامَ بْنَ بَاعُورَاءَ دَعَا أَلَّا يَدْخُلَ مُوسَى مَدِينَةَ الْجَبَّارِينَ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ وَبَقِيَ فِي التِّيهِ «٦». فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، بِأَيِ ذَنْبٍ بَقِينَا فِي التِّيهِ. فَقَالَ: بِدُعَاءِ بَلْعَامَ. قَالَ: فَكَمَا سَمِعْتَ دُعَاءَهُ عَلَيَّ فَاسْمَعْ دُعَائِي عَلَيْهِ. فَدَعَا مُوسَى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم،
(٢). من ع.
(٣). من ع.
(٤). من ع.
(٥). قوله: أوتى النبوة. فليتأمل كيف يؤتى النبوة ثم يضل فإنه مناف لعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
(٦). التيه: موضع بين مصر والعقبة.
(٢). راجع ج ٨ ص ٢٥٢ فما بعد.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٦ الى ١٧٧]
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ) يُرِيدُ بَلْعَامَ. أَيْ لَوْ شِئْنَا لَأَمَتْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْنَاهُ إِلَى الْجَنَّةِ. (بِها) أَيْ بِالْعَمَلِ بِهَا. (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ رَكَنَ إِلَيْهَا، عَنِ
| لِمَنِ الدِّيَارُ غَشِيَتْهَا بِالْغَرْقَدِ | كَالْوَحْيِ فِي حَجَرِ الْمَسِيلِ الْمُخْلَدِ «١» |
(٢). راجع ص ٣٤١ من هذا الجزء.
(٣). من ز.
(٢). من ع، ى. [..... ]
(٣). في ع: وصار ذا أدب وعلم.
(٤). راجع ج ٦ ص ٦٥ وص ١٨٣.
(٥). في ع: غرض.
(٦). راجع ج ٦ ص ٦٥ وص ١٨٣.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٨]
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)
تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي غَيْرِ هذه مَوْضِعٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرُدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَتَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَدَى جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يضل أحدا.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٧٩]
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا بِعَدْلِهِ. ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ:" لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِها" بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَفْقَهُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، وَلَا يَعْقِلُونَ ثَوَابًا وَلَا يَخَافُونَ عقابا. (أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ) بها الهدى. (وَلَهُمْ آذانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِها) الْمَوَاعِظَ. وَلَيْسَ الْغَرَضُ نَفْيَ الْإِدْرَاكَاتِ عَنْ حَوَاسِّهِمْ جُمْلَةً. كَمَا بَيَّنَاهُ فِي (الْبَقَرَةِ «١»). (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لِأَنَّهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى ثَوَابٍ، فَهُمْ كَالْأَنْعَامِ، أَيْ هِمَّتُهُمُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَهُمْ أَضَلُّ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ تبصر منافعها
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٠]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) ١٨٠ فيه ست مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) ١٨٠ أَمْرٌ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ، وَمُجَانَبَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُلْحِدِينَ. قَالَ مُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ يَقُولُ فِي صلاته: يا رحمان يَا رَحِيمُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ: أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبًّا وَاحِدًا، فَمَا بَالُ هَذَا يَدْعُو رَبَّيْنِ اثْنَيْنِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:" وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ١٨٠". الثَّانِيَةُ- جَاءَ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ ابْنَ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَ فِيهِ (إِنَّ لِلَّهِ) تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، فِي أَحَدِهِمَا مَا لَيْسَ فِي الْآخَرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي (الْكِتَابِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى). قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ- وَذَكَرَ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ- وَذَلِكَ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَإِنَّمَا الْمُتَوَاتِرُ مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ". وَمَعْنَى" أَحْصاها" عَدَّهَا وَحَفِظَهَا. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا مِمَّا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِنَا. وَذَكَرْنَا هُنَاكَ تَصْحِيحَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وَذَكَرْنَا مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ وَمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي كُتُبِ أَئِمَّتِنَا مَا يُنَيِّفُ عَلَى مِائَتَيِ اسْمٍ. وَذَكَرْنَا قَبْلَ تَعْيِينِهَا فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَصْلًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِهَا، فَمَنْ أَرَادَهُ وَقَفَ عَلَيْهِ هُنَاكَ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَوْضُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ (للصواب «١»)، لا رب سواه.
(٢). راجع ج ١٤ ص ٢٦٤.
(٣). راجع ج ٢ ص ٣٠٨.
(٤). راجع ص ٢٢٣ من هذا الجزء.
(٥). برجان (بفتح الياء وتشديد الراء): هو عبد السلام ابن عبد الرحمن بن أبى الرحال محمد بن عبد الرحمن أبو الحكم اللخمي الإفريقي ثم الإشبيلي الصوفي المفسر. مات بمراكش سنة ٥٣٦ (عن طبقات المفسرين).
" وَقَوْلُهُ:" ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا «٢» ". وَهُوَ الظَّاهِرُ من الآية، لقول تَعَالَى: سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ ١٨٠. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨١]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
فِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (هُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ). وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: (هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ قَوْمَ مُوسَى مِثْلَهَا) وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ:" إِنَّ مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عيسى ابن مَرْيَمَ". فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخَلِّي الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مِنَ الأوقات من داع يدعو إلى الحق.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٢]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)
أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أَنَّهُ سَيَسْتَدْرِجُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ. وَالِاسْتِدْرَاجُ هُوَ الْأَخْذُ بِالتَّدْرِيجِ، مَنْزِلَةً بَعْدَ مَنْزِلَةٍ. وَالدَّرَجُ: لَفُّ الشَّيْءِ، يُقَالُ: أَدْرَجْتُهُ وَدَرَّجْتُهُ. وَمِنْهُ أُدْرِجَ الْمَيِّتُ فِي أَكْفَانِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الدَّرَجَةِ، فَالِاسْتِدْرَاجُ أَنْ يَحُطَّ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ إِلَى الْمَقْصُودِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: كُلَّمَا جَدَّدُوا لَنَا مَعْصِيَةً جَدَّدْنَا لَهُمْ نِعْمَةً. وَقِيلَ لِذِي النُّونِ: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قَالَ: بِالْأَلْطَافِ وَالْكَرَامَاتِ، لِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:" سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ" نُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وَنُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ، وَأَنْشَدُوا:
| أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ | وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ |
| وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا | وَعِنْدَ صفو الليالي يحدث الكدر |
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأُمْلِي لَهُمْ) أَيْ أُطِيلُ لَهُمُ الْمُدَّةَ وَأُمْهِلُهُمْ وَأُؤَخِّرُ عُقُوبَتَهُمْ. (إِنَّ كَيْدِي) أَيْ مَكْرِي. (مَتِينٌ) أَيْ شَدِيدٌ قَوِيٌّ. وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَتْنِ، وَهُوَ اللحم الغليظ الذي عن جانب
(٢). راجع ج ١٠ ص ٢. [..... ]
| أحسنتَ ظنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ | ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ |
| وسالمتك الليالي فاغتررتَ بها | وعند صَفْوِ الليالي يحدثُ الكَدَرُ |
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٤]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) أَيْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْوَقْفُ عَلَى" يَتَفَكَّرُوا" حَسَنٌ. ثُمَّ قَالَ:" مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ" رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ:" يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «٢» ". وَقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً عَلَى الصَّفَا يَدْعُو قُرَيْشًا، فَخْذًا فَخْذًا، فَيَقُولُ:" يَا بَنِي فُلَانٍ". يُحَذِّرُهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ. فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إِنَّ صَاحِبَهُمْ هَذَا لَمَجْنُونٌ، بَاتَ يُصَوِّتُ حتى الصباح.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٥]
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)
فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) عَجَبٌ مِنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِهِ، لِيَعْرِفُوا كَمَالَ قُدْرَتِهِ، حَسَبَ مَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ «٣»). وَالْمَلَكُوتُ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ ومعناه الملك العظيم. وقد تقدم «٤». الثَّانِيَةُ- اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ- وَمَا كَانَ مِثْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:" قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٥» ١٠: ١٠١" وَقَوْلِهِ تَعَالَى:" أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها «٦» ٥٠: ٦" وقوله:
(٢). راجع ج ١٠ ص ٤.
(٣). راجع ج ١ ص ١٨٥.
(٤). راجع ص ٢٣ من هذا الجزء.
(٥). راجع ج ٨ ص ٣٨٦.
(٦). راجع ج ١٧ ص ٥.
(٢). راجع ج ١٧ ص ٤٠.
(٣). راجع ج ١٦ ص ٢٤١.
و (لا «٩») يخشى الناس
(٢). راجع ج ٢٠ ص ١١٣.
(٣). راجع ج ١٧ ص ٤٠.
(٤). راجع ج ٦ ص ٣٨٧.
(٥). راجع ج ١٢ ص ١٠٨. [..... ]
(٦). من ز. وفى ى: فرحا.
(٧). في ع: إن شمر.
(٨). من ع
(٩). في ع: إن شمر.
الأولى - قوله تعالى :" أو لم ينظروا " عجب من إعراضهم عن النظر في آياته ؛ ليعرفوا كمال قدرته، حسب ما بيناه في سورة " البقرة١ ". والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم. وقد تقدم٢.
الثانية - استدل بهذه الآية - وما كان مثلها من قوله تعالى :" قل انظروا ماذا في السماوات والأرض٣ " [ يونس : ١٠١ ] وقوله تعالى :" أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها٤ " [ ق : ٦ ] وقوله :" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت٥ " [ الغاشية : ١٧ ] الآية. وقوله :" وفي أنفسكم أفلا تبصرون٦ " [ الذاريات : ٢١ ] - من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته. قالوا : وقد ذم الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال :" لهم قلوب لا يفقهون بها " [ الأعراف : ١٧٩ ] الآية. وقد اختلف العلماء في أول الواجبات، هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة. فذهب القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والاستدلال ؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه " باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل :" فاعلم أنه لا إله إلا الله٧ " [ محمد : ١٩ ] ). قال القاضي : من لم يكن عالما بالله فهو جاهل، والجاهل به كافر. قال ابن رشد في مقدماته : وليس هذا بالبين ؛ لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية. قال : وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين. قال : فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال : وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم : لا يحل لكم قتلنا ؛ لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل. قال : وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم، وألا يقتلوا حتى ينظروا يستدلوا.
قلت : هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله ﷺ :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ". وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف ( ذكر صفة كمال الإيمان ) أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح العقل - أنه مسلم. وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد. وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول : أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى، فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله. قال : وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق ؛ لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال. فلو قلنا : إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس، وذلك بعيد ؛ لأن الرسول ﷺ قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته، وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا. وهذا بين لا إشكال فيه. والحمد لله.
الثالثة - ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر، فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال : لا تشنع علي بكثرة أهل النار. أو كما قال.
قلت : وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه ؛ لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين. أي هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وانتهره أصحاب النبي ﷺ : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي ﷺ :" لقد حجرت واسعا ". خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة. أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان ؟ وأن رحمته وسعت كل شيء، وكم من مثله محكوم له بالإيمان. بل اكتفى ﷺ من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك. ألا تراه لما قال للسوداء :" أين الله " ؟ قالت : في السماء. قال :" من أنا " ؟ قالت : أنت رسول الله. قال :" أعتقها فإنها مؤمنة ". ولم يكن هناك نظر ولا استدلال، بل حكم بإيمانهم من أول وهلة، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة. والله أعلم.
الرابعة - ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان. قال أبو الفرج الجوزي : قال أبو الطيب طاهر بن عبدالله الطبري بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع. وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم. قال أبو الفرج : وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل : لم يحل الله النظر إلا على صور لا ميل للنفس إليها، ولا حظ للهوى فيها، بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا يقارنها لذة. ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة، ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا، كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة. فمن قال : أنا أجد٨ من الصور المستحسنة عبرا كذبناه. وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين. وقال بعض الحكماء : كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى :" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم٩ " [ التين : ٤ ] وقال :" وفي أنفسكم أفلا تبصرون١٠ " [ الذاريات : ٢١ ]. وقد بينا وجه التمثيل في أول " الأنعام١١ ". فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ومتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا، يعان بالأغذية ويربى بالرفق، ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى، ويبلغ الأشد. وإذا هو قد قال : أنا، وأنا، ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وسيعود مقبورا، فيا ويحه إن كان محسورا. قال الله تعالى :" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين " إلى قول " تبعثون١٢ " [ المؤمنون : ١٢، ١٦ ] فينظر أنه عبد مربوب مكلف، مخوف بالعذاب إن قصر، مرتجيا١٣ بالثواب إن ائتمر١٤، فيقبل على عبادة مولاه فإنه١٥ وإن كان لا يراه يراه ولا١٦ يخشى الناس والله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد من عباد الله، فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار١٧، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار. وقال ابن العربي : وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية :
كيف يزهُو من رَجِيعُهُ١٨ *** أبدَ الدَّهْرِ ضَجِيعُهْ
فهو منه وإليه *** وأخوه ورضيعُهْ
وهو يدعوه إلى الحُشِّ١٩ ***بصُغْرٍ فيُطِيعُهْ
قوله تعالى :" وما خلق الله من شيء " معطوف على ما قبله، أي وفيما خلق الله من الأشياء. " وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم " أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت، فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله. وقال ابن عباس : أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد. " فبأي حديث بعده يؤمنون " أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم٢٠ يصدقون. وقيل : الهاء للأجل، على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان ؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف.
٢ راجع ج ٢٣ من هذا الجزء..
٣ راجع ج ٨ ص ٣٨٦..
٤ راجع ج ١٧ ص ٥.
٥ راجع ج ٢٠ ص ٣٤..
٦ راجع ج ١٧ ص ٤٠.
٧ راجع ج ١٦ ص ٢٤١..
٨ في ى: آخذ..
٩ راجع ج ٢٠ ص ١١٣..
١٠ راجع ج ١٧ ص ٤٠..
١١ راجع ج ٦ ص ٣٨٧..
١٢ راجع ج ١٢ ص ١٠٨.
١٣ من ز، وفي ى، فرحا..
١٤ في ع: إن شمر..
١٥ من ع..
١٦ في ع: إن شمر..
١٧ الزيادة عن ابن العربي/ والأوضار: الأوساخ..
١٨ الرجيع: العذرة والروث..
١٩ الحش (التثليث): النخل المجتمع، ويكنى به عن بيت الخلاء، لما كان من عادتهم التغوط في البساتين. في ع: بعلم وفي ى: بحصر..
٢٠ من ع.
كَيْفَ يَزْهُو مَنْ رَجِيعُهُ «٢»... أَبَدَ الدَّهْرِ ضَجِيعُهُ
فَهُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ... وَأَخُوهُ وَرَضِيعُهُ
وَهْوَ يَدْعُوهُ إلى الحش... «٣» بصغر فيعطيه
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ وَفِيمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ. (وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) أَيْ وَفِي آجَالِهِمُ الَّتِي عَسَى أَنْ تَكُونَ قَدْ قَرُبَتْ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِاقْتِرَابِ الْأَجَلِ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ. (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أَيْ بِأَيِّ قُرْآنٍ غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «٤») يُصَدِّقُونَ. وَقِيلَ: الْهَاءُ لِلْأَجَلِ، عَلَى مَعْنَى بِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الْأَجَلِ يُؤْمِنُونَ حِينَ لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ، لِأَنَّ الْآخِرَةَ ليست بدار تكليف.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٦]
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
بَيَّنَ أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ أَضَلَّهُمْ. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ) بالرفع على الاستئناف. وقرى بِالْجَزْمِ حَمْلًا عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ وَمَا بَعْدَهَا. (يَعْمَهُونَ) أَيْ يَتَحَيَّرُونَ. وَقِيلَ: يَتَرَدَّدُونَ. وَقَدْ مَضَى في أول البقرة «٥» مستوفى.
(٢). الرجيع: العذرة والروث.
(٣). الحش بالتثليث: النخل المجتمع، ويكنى به عن بيت الخلاء، لما كان من عادتهم التغوط في البساتين. في ع: بعلم. وفى ى: بحصر.
(٤). من ع.
(٥). راجع ج ١ ص ٢٠٩.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٧]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) " أَيَّانَ" سُؤَالٌ عَنِ الزَّمَانِ، مِثْلَ مَتَى. قَالَ الرَّاجِزُ:
| أَيَّانَ تَقْضِي حَاجَتِي أَيَّانَا | أَمَا تَرَى لِنَجْحِهَا أَوَانَا |
(٢). في ع: وقعها.
(٣). في ز: غم.
فَإِنْ تَسْأَلِي عني فيأرب سائل... خفي عَنِ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا
يُقَالُ: أَحْفَى فِي الْمَسْأَلَةِ وَفِي الطَّلَبِ، فَهُوَ مُحْفٍ وَحَفِيٌّ عَلَى التَّكْثِيرِ، مِثْلَ مُخْصِبٍ وَخَصِيبٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: الْمَعْنَى يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهَا، أَيْ مُلِحٌّ. يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْمَعْنَى: يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ أَيْ حَفِيٌّ بِبِرِّهِمْ وَفَرِحٌ بِسُؤَالِهِمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ قَرَابَةٌ فَأَسِرَّ إِلَيْنَا بِوَقْتِ السَّاعَةِ. (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ليس هذا تكريرا، ولكن أحد المسلمين لوقوعها والآخر لكنهها.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٨٨]
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا) أَيْ لَا أَمْلِكُ أَنْ أَجْلِبَ إِلَى نَفْسِي خَيْرًا وَلَا أَدْفَعَ عَنْهَا شَرًّا، فَكَيْفَ أَمْلِكُ عِلْمَ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي الْهُدَى وَالضَّلَالَ. (إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ. وَالْمَعْنَى: إِلَّا مَا شاء الله أن يملكني يمكنني مِنْهُ. وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلُ «١»
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) الْمَعْنَى لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنِّي مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعَرِّفَنِيهِ لَفَعَلْتُهُ. وَقِيلَ: لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ مَتَى يَكُونُ لِيَ النَّصْرُ فِي الْحَرْبِ لَقَاتَلْتُ فَلَمْ أُغْلَبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ سَنَةَ الْجَدْبِ لَهَيَّأْتُ لَهَا فِي زَمَنِ الْخَصْبِ مَا يَكْفِينِي. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ التِّجَارَةَ التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها. وقيل:
ألا هل لهذا الدهر من متعلل... عن الناس مهما
. إلخ.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٩ الى ١٩٠]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)
فِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ آدَمُ. (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) يَعْنِي حَوَّاءَ. (لِيَسْكُنَ إِلَيْها) لِيَأْنَسَ بِهَا وَيَطْمَئِنَّ، وكان هذا كله في الجنة. ثُمَّ ابْتَدَأَ بِحَالَةٍ أُخْرَى هِيَ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ هُبُوطِهِمَا فَقَالَ: (فَلَمَّا تَغَشَّاها) كِنَايَةً عَنِ الْوِقَاعِ. (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً) كُلُّ مَا كَانَ فِي بَطْنٍ أَوْ عَلَى رَأْسِ شَجَرَةٍ فَهُوَ حَمْلٌ بِالْفَتْحِ. وَإِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرٍ أَوْ عَلَى رَأْسٍ فَهُوَ حِمْلٌ بِالْكَسْرِ. وَقَدْ حَكَى يَعْقُوبُ فِي حَمْلِ النَّخْلَةِ الْكَسْرَ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ: يُقَالُ فِي حَمْلِ الْمَرْأَةِ حَمْلٌ وجمل، يُشَبَّهُ مَرَّةً لِاسْتِبْطَانِهِ بِحَمْلِ الْمَرْأَةِ، وَمَرَّةً لِبُرُوزِهِ وَظُهُورِهِ بِحِمْلِ الدَّابَّةِ. وَالْحَمْلُ أَيْضًا مَصْدَرُ حَمَلَ عَلَيْهِ يَحْمِلُ حَمْلًا إِذَا صَالَ. (فَمَرَّتْ بِهِ) يَعْنِي الْمَنِيَّ، أَيِ اسْتَمَرَّتْ بِذَلِكَ الْحَمْلِ الْخَفِيفِ. يَقُولُ: تَقُومُ وَتَقْعُدُ وَتَقَلَّبُ، وَلَا تَكْتَرِثُ بِحَمْلِهِ إِلَى أَنْ ثَقُلَ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا. وقيل:
| وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًا | وَمَا فِيَّ إِلَّا تِيكَ مِنْ شِيمَةِ الْعَبْدِ |
وَسُرُورٌ، وَآخِرُهُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ:" إِنَّهُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ" يُعْطِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ:" دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما" وَهَذِهِ الْحَالَةُ مُشَاهَدَةٌ فِي الْحُمَّالِ، وَلِأَجْلِ عِظَمِ الْأَمْرِ وَشِدَّةِ الْخَطْبِ جُعِلَ مَوْتُهَا شَهَادَةً، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «٣».
(٢). في ج وا ول وز: بشر.
(٣). في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطلون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت يجمع شهيدة" أي تموت وفى بطنها ولد. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حيان والحكم.
| يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ | سَائِلٌ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ «١» |
| وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا | قَوْلًا يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْتُ |
(٢). راجع ج ١٤ ص ١٤٤.
(٣). في ج: مقاربة.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩١ الى ١٩٢]
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً) أَيْ أَيَعْبُدُونَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ. (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أَيِ الْأَصْنَامُ مَخْلُوقَةٌ. وَقَالَ:" يُخْلَقُونَ" بِالْوَاوِ وَالنُّونِ لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ تَضُرُّ وَتَنْفَعُ، فَأُجْرِيَتْ مَجْرَى النَّاسِ، كَقَوْلِهِ:" فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «١» ". وقوله:" يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا «٢» مَساكِنَكُمْ". (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) أَيْ إِنَّ الأصنام، لا تنصر ولا تنتصر.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٣]
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لَا يَتَّبِعُوكُمْ) قَالَ الْأَخْفَشُ: أي وإن تدعو الْأَصْنَامَ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ. (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) قال أحمد
(٢). راجع ج ١٣ ص ١٦٩.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٤ الى ١٩٦]
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) حَاجَّهُمْ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ." تَدْعُونَ" تَعْبُدُونَ. وَقِيلَ: تَدْعُونَهَا آلِهَةً." مِنْ دُونِ اللَّهِ" أَيْ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ. وَسُمِّيَتِ الْأَوْثَانُ عباد الأنها مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ مُسَخَّرَةٌ. الْحَسَنُ: الْمَعْنَى أَنَّ الْأَصْنَامَ مخلوقة أمثالكم. وَلَمَّا اعْتَقَدَ الْمُشْرِكُونَ أَنَّ الْأَصْنَامَ تَضُرُّ وَتَنْفَعُ أَجْرَاهَا مَجْرَى النَّاسِ فَقَالَ: (فَادْعُوهُمْ)
وَلَمْ يَقُلْ فَادْعُوهُنَّ. وَقَالَ:" عِبَادٌ"، وَقَالَ:" إِنَّ الَّذِينَ" وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الَّتِي. وَمَعْنَى" فَادْعُوهُمْ" أَيْ «١» فَاطْلُبُوا منهم النفع والضر. أن عبادة الأصنام تنفع. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَى فَادْعُوهُمْ فَاعْبُدُوهُمْ. ثُمَّ وَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَسَفَّهَ عُقُولَهُمْ فَقَالَ:" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها" الْآيَةَ. أَيْ أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهُمْ. وَالْغَرَضُ بَيَانُ جَهْلِهِمْ، لِأَنَّ الْمَعْبُودَ يَتَّصِفُ بِالْجَوَارِحِ. وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:" إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ اأمثالكم" بتخفيف" إن" وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب" عباد ا" بِالتَّنْوِينِ،" أَمْثَالَكُمْ" بِالنَّصْبِ. وَالْمَعْنَى: مَا الَّذِينَ تَدْعُونَ من دون الله عباد اأمثالكم، أَيْ هِيَ حِجَارَةٌ وَخَشَبٌ، فَأَنْتُمْ تَعْبُدُونَ مَا أنتم أشرف منه.
(٢). في شرح النوري على صحيح مسلم:" هذه الكناية بقوله: يعنى فلانا، هي من بعض الرواة خشي أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة، إما في حق نفسه، وإما في حقه وحق غيره فكنى عنه... قال القاضي عياض رضى الله عنه قيل: إن المكنى عنه ها هنا هو الحكم بن أبى العاص والله أعلم".
[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٧ الى ١٩٨]
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لَا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) كَرَّرَهُ لَيُبَيِّنُ أَنَّ مَا يَعْبُدُونَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ. (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى) شَرْطٌ، والجواب (لا يَسْمَعُوا). (وَتَراهُمْ) مستأنف. (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. يَعْنِي الْأَصْنَامَ. وَمَعْنَى النَّظَرِ فتح العينين الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، وَتَرَاهُمْ كَالنَّاظِرِينَ إِلَيْكَ. وَخَبَّرَ عَنْهُمْ بِالْوَاوِ وَهِيَ جَمَادٌ لَا تُبْصِرُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ جَرَى عَلَى فِعْلِ مَنْ يَعْقِلُ. وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُمْ أَعْيُنٌ مِنْ جَوَاهِرَ مَصْنُوعَةٍ فَلِذَلِكَ قَالَ" وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ" وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَ حِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بأبصارهم.
[سورة الأعراف (٧): آية ١٩٩]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ، تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. فَقَوْلُهُ: (خُذِ الْعَفْوَ) دَخَلَ فِيهِ صِلَةُ الْقَاطِعِينَ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، وَالرِّفْقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُطِيعِينَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) صِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَتَقْوَى اللَّهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَغَضُّ الْأَبْصَارِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِدَارِ الْقَرَارِ. وَفِي قَوْلِهِ (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) الْحَضُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ أَهْلِ الظُّلْمِ، وَالتَّنَزُّهُ عَنْ مُنَازَعَةِ السُّفَهَاءِ، وَمُسَاوَاةِ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّشِيدَةِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْخِصَالُ تَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ. قَالَ جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو جُرَيٍّ: رَكِبْتُ قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْتُ إِلَى مَكَّةَ فَطَلَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ
| مَكَارِمُ الأخلاق في ثلاثة | وممن كَمُلَتْ فِيهِ فَذَلِكَ الْفَتَى «١» |
| إِعْطَاءُ مَنْ تَحْرِمُهُ وَوَصْلُ مَنْ | تَقْطَعُهُ وَالْعَفْوُ عَمَّنِ اعْتَدَى |
| كُلُّ الْأُمُورِ تَزُولُ عَنْكَ وَتَنْقَضِي | إِلَّا الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ لَكَ بَاقِي |
| وَلَوْ أَنَّنِي خُيِّرْتُ كُلَّ فَضِيلَةٍ | مَا اخْتَرْتُ غَيْرَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ |
| مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لَا يَعْدَمْ جَوَازِيَهُ | لَا يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ وَالنَّاسِ |
الأولى - هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله :" خذ العفو " دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله :" وأمر بالعرف " صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله :" وأعرض عن الجاهلين " الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة.
قلت : هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله ﷺ لجابر بن سليم. قال جابر بن سليم أبو جري : ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت : السلام عليك يا رسول الله. فقال :" وعليك السلام ". فقلت : إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال :" ادن " ثلاثا، فدنوت فقال :" أعد علي " فأعدت عليه فقال :( اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى ). قال أبو جري : فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه. وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال :" إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ". وقال ابن الزبير : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله :" خذ العفو وأمر بالعرف " قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال : إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي ﷺ :" ما هذا يا جبريل " ؟ فقال :" لا أدري حتى أسأل العالم " في رواية " لا أدري حتى أسأل ربي " فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال :" إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك ". فنظمه بعض الشعراء فقال :
| مكارم الأخلاقِ في ثَلاَثَةٍ | مَنْ كملتْ فيه فذلك الفَتَى١ |
| إعطاءُ من تحرِمه ووصلُ من | تَقْطَعُه والعفوُ عَمَّنِ اعْتَدَى |
| كل الأمور تزول عنك وتنقضي | إلا الثناء فإنه لك باقي |
| ولو أنني خُيِّرْتُ كلَّ فضيلة | ما اخترت غير مكارم الأخلاق |
قلت : وقد روي عن نبينا محمد أنه قال، ( أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة ). وقيل : المراد بقوله :" خذ العفو " أي الزكاة ؛ لأنها يسير من كثير. وفيه بعد ؛ لأنه من عفا إذا درس. وقد يقال : خذ العفو منه، أي لا تنقص عليه وسامحه. وسبب النزول يرده، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان. أي اقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر، تقول : أخذت حقي عفوا صفوا، أي سهلا.
الثانية - قوله تعالى :" وأمر بالعرف " أي بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر " العرف " بضمتين، مثل الحلم، وهما لغتان. والعرف والمعروف والعارفة : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر :
| من يفعل الخير لا يعدم جوازيه | لا يذهب العرف بين الله والناس |
الثالثة - قوله تعالى :" وأعرض عن الجاهلين " أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم، صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. وقال ابن زيد وعطاء : هي منسوخة بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة : هي محكمة، وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال : سأستأذن لك عليه، فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال : يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل ! قال : فغضب عمر حتى هم بأن يقع به. فقال الحر : يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا٢ عند كتاب الله عز وجل.
قلت : فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو، كما فعل الخليفة العدل.
٢ أي لا يتجاوز حكمه..
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٠]
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (خُذِ الْعَفْوَ) قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" كَيْفَ يَا رَبِّ وَالْغَضَبُ" فَنَزَلَتْ:" وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ٢٠٠" وَنَزْغُ الشَّيْطَانِ: وَسَاوِسُهُ. وَفِيهِ لُغَتَانِ: نَزْغٌ وَنَغْزٌ، يُقَالُ: إِيَّاكَ وَالنَّزَّاغَ وَالنَّغَّازَ، وَهُمُ الْمُوَرِّشُونَ «٢». الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون، ومن
(٢). التوريش: التحريش، يقال: ورش بين القوم وأرش.
(٢). راجع ج ٢٠ ص ٢٦١.
(٣). راجع ج ٩ ص ٢٦٤.
[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠١ الى ٢٠٢]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا) ٢٠ يُرِيدُ الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِيَ. (إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ) هَذِهِ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ. وَقِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ" طَائِفٌ". وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ" طَيِّفٌ" بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ النَّحَّاسُ: كَلَامُ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ هَذَا" طَيْفٌ" بِالتَّخْفِيفِ، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ طَافَ يَطِيفُ. قال الكسائي:
(٢). راجع ج ٣ ص ٤٢٨. ، فما بعد.
| فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفٍ | يُؤَرِّقُنِي إِذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ |
(٢). الله الخطرة بالقلب.
شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ «٢»
حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ، وَعَافَاكَ، وَآدَاكَ «٣»، انْبَسِطْ «٤» إِلَيْنَا فِي حَوَائِجِكَ وَمَا يَعْرِضُ لَكَ، تَجِدْنَا عِنْدَ أَفْضَلِ ظَنِّكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ عِصَامٌ: فَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَوَدِدْتُ أَنَّهَا سَاخَتْ بِي، ثُمَّ تَسَلَّلْتُ مِنْهُ لِوَاذًا «٥»، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) ٢٠ قِيلَ: الْمَعْنَى وَإِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ وَهُمُ الْفُجَّارُ مِنْ ضُلَّالِ الْإِنْسِ تَمُدُّهُمُ الشَّيَاطِينُ فِي الْغَيِّ. وَقِيلَ لِلْفُجَّارِ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ لِأَنَّهُمْ يَقْبَلُونَ مِنْهُمْ. وَقَدْ سبق فهذه الْآيَةِ ذِكْرُ الشَّيْطَانِ. هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمَعْنَى" لَا يُقْصِرُونَ ٢٠" أَيْ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْمَعْنَى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ لَكُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَسَّهُ طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَنَبَّهَ عَنْ قُرْبٍ، فَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَيَمُدُّهُمُ الشَّيْطَانُ. وَ" لَا يُقْصِرُونَ ٢٠" قِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الْكُفَّارِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الشَّيْطَانِ. قَالَ قَتَادَةُ: الْمَعْنَى ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ عَنْهُمْ وَلَا يَرْحَمُونَهُمْ. وَالْإِقْصَارُ: الِانْتِهَاءُ عَنِ الشَّيْءِ، أَيْ لَا تُقْصِرُ الشَّيَاطِينُ فِي مَدِّهِمُ الْكُفَّارَ بِالْغَيِّ. وَقَوْلُهُ:" فِي الغَيِّ ٢٠" يَجُوزُ أَنْ يكون متصلا بقوله:
(٢). الشنشة (بكسر الشين): العادة والطبيعة. قال الأصمعي: وهذا بيت رجز تمثل به لأبى أخزم الطائي وهو:
| إن بنى زملوني بالدم | شنشة أعرفها من أخزم |
قال ابن برى: وكان أخزم عاقا لأبيه، فمات وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال ذلك، أي إنهم أشبهوا أباهم في العقوق.
(٣). قوله: حباك الله وبياك، أي ملك واعتمدك بالتحية. وبياك: معناه وبواك منزلا، إلا أنها لما جاءت مع حياك تركت همزتها وقلبت واوها ياء... وآداك: فواك وأعانك.
(٤). الانبساط: ترك الاحتشام.
(٥). اللواذ: الاستتار.
سَمَا لَكَ شوق بعد ما كان أقصرا
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٣]
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ مَا يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ) ٢٠ أي تقرؤها عليهم. (قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها) ٢٠ لَوْلَا بِمَعْنَى هَلَّا، وَلَا يَلِيهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا الْفِعْلُ ظَاهِرًا أَوْ مُضْمَرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي الْبَقَرَةِ مُسْتَوْفًى «٤». وَمَعْنَى" اجْتَبَيْتَها ٢٠" اخْتَلَقْتَهَا مِنْ نَفْسِكَ. فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الآيات من قبل الله
(٢). راجع ج ٤ ص ١٦٠.
(٣). راجع ج ١ ص ٢٠٧.
(٤). راجع ج ٢ ص ٩١.
| رَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ | وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتِد وَأَيَّ «١» |
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٤]
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) ٢٠ قِيلَ: إِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الصَّلَاةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَالزَّهْرِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صَلَّى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِمَكَّةَ:" لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ «٢» ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ جَوَابًا لَهُمْ" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ٢٠". وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ فِيهَا قَلِيلٌ، وَالْإِنْصَاتُ يَجِبُ فِي جَمِيعِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. النَّقَّاشُ: وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ خُطْبَةٌ وَلَا جُمُعَةٌ. وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا أَنَّ هَذَا فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِيمَا يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ فَهُوَ عَامٌّ. وهو الصحيح
(٢). راجع ج ١٥ ص ٣٥٥.
| قَالَ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ أَمْرُ سَيِّدِكُمْ | فَلَمْ نُخَالِفْ وَأَنْصَتْنَا كَمَا قَالَا |
| إِذَا قَالَتْ حَذَامُ فَأَنْصِتُوهَا | فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامُ |
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٥]
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً) ٢٠ نَظِيرُهُ" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً «٢» " وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَعْنَى" وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ٢٠" أَنَّهُ فِي الدُّعَاءِ. قُلْتُ: قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَعْنِي بِالذِّكْرِ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى اقْرَأِ الْقُرْآنَ بِتَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ." تَضَرُّعاً" مَصْدَرٌ، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ." وَخِيفَةً" مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. وَجَمْعُ خِيفَةٍ خِوَفٌ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَأَصْلُ خِيفَةٍ خِوْفَةٌ، قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. خَافَ الرَّجُلُ يَخَافُ خَوْفًا وَخِيفَةً وَمَخَافَةً، فَهُوَ خَائِفٌ، وَقَوْمٌ خُوَّفٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَخُيَّفٌ عَلَى اللَّفْظِ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا فِي جمع خيفة خيف. قال الجوهري: والجيفة الْخَوْفُ، وَالْجَمْعُ خِيَفٌ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ. (وَدُونَ الْجَهْرِ) ٢٠ أَيْ دُونَ الرَّفْعِ فِي الْقَوْلِ. أَيْ أَسْمِعْ نَفْسَكَ، كَمَا قَالَ:" وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٣» ١١٠" أَيْ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ. وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ مَمْنُوعٌ. عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. (بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) ٢٠ قَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: الْآصَالُ الْعَشِيَّاتُ. وَالْغُدُوُّ جَمْعُ غدوة. وقرا أبو مجلز" بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ٢٠" وَهُوَ مَصْدَرُ آصَلْنَا، أَيْ دَخَلْنَا فِي الْعَشِيِّ. وَالْآصَالُ جَمْعُ أُصُلٍ، مِثْلَ طُنُبٍ وَأَطْنَابٍ، فَهُوَ جمع الجمع، والواحد أصيل، جميع على أصل، عن الزجاج.
(٢). راجع ص ٢٢٣ من هذا الجزء.
(٣). راجع ج ١٠ ص ٣٤٢ فما بعد.
وَلَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا إِذْ دَنَا الْأُصُلُ
الْجَوْهَرِيُّ: الْأَصِيلُ الْوَقْتُ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَجَمْعُهُ أُصُلٌ وَآصَالٌ وَأَصَائِلُ، كَأَنَّهُ جَمْعُ أَصِيلَةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
| لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ | وَأَقْعُدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ |
| وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا | عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ |
[سورة الأعراف (٧): آية ٢٠٦]
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
فِيهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ: الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) ٢٠ يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ بِإِجْمَاعٍ. وَقَالَ:" عِنْدَ رَبِّكَ ٢٠" وَاللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ مَكَانٍ لِأَنَّهُمْ قَرِيبُونَ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَكُلُّ قَرِيبٍ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ عِنْدَهُ، عَنِ الزَّجَّاجِ. وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْفُذُ فِيهِ إِلَّا حُكْمُ اللَّهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ، كَمَا يُقَالُ: عِنْدَ الْخَلِيفَةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ. وَقِيلَ: هَذَا عَلَى جِهَةِ التَّشْرِيفِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ بِالْمَكَانِ الْمُكَرَّمِ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قُرْبِهِمْ فِي الْكَرَامَةِ لَا فِي الْمَسَافَةِ." وَيُسَبِّحُونَهُ ٢٠" أَيْ وَيُعَظِّمُونَهُ وَيُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ." وَلَهُ يَسْجُدُونَ ٢٠" قِيلَ: يُصَلُّونَ. وَقِيلَ: يَذِلُّونَ، خِلَافَ أَهْلِ الْمَعَاصِي.
(٢). من ك.
(٣). من ك وع وفى هـ: بعد الصبح. وهو خطأ ناسخ.
(٢). في ك:" عمر"
(٣). القاص (بتشديد الصاد المهملة): الذي يقرأ القصص والأخبار والمواعظ، لكونه ليس قاصدا لتلاوة القرآن. وفي ع: القصاص.
تم عرض جميع الآيات
127 مقطع من التفسير