تفسير سورة سورة الناس

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني
سامي القدومي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
التقييد الكبير للبسيلي
البسيلي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ابن باديس
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير المنار

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (ت 1354 هـ)

الناشر

1990 م

نبذة عن الكتاب

للسيِّد محمد رشيد رضا (ت: 1354)، كانتبداية هذا التفسير اقتراحاً قدَّمه محمد رشيد رضا لأستاذه محمد عبده بإلقاء دروس في التفسير، فوافق على ذلك، وكان يدِّون ما يسمعه من التفسير ويرتِّبه، ثم ينشره في مجلة المنار، ولهذا عرف هذا التفسير بتفسير المنار، وقد فسَّر الشيخ محمد عبده إلى الآية (125) من سورة النساء ثم توفي، فواصل الأستاذ رشيد التفسير حتى وصل إلى الآية (101) من سورة يوسف، ثم توفي، وطبع هذا التفسير في اثني عشر مجلداً.
وهذا التفسير يلاحظ عليه تغير في منهج رشيد رضا بعد وفاة شيخه، فقد ظهرت فيه عناية أكثر بالتفسير بالمأثور، مع كثرة الاستشهاد والاستدلال بالأحاديث، ولهذا قال تعالى: (هذا وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السُّنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها أو في حكمها).
ويتميز (تفسير المنار) بأمور منها:
  • العناية بالتحقيقات اللغويَّة: البلاغيَّة والإعرابيَّة وغيرهما.
  • ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات.
  • سهولة عبارته، وجمال أسلوبه.
  • بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع.
  • دفاعه عن الإسلام، والرد على المتكلمين.
  • بيانه لحكمة التشريع.
يقول الشيخ مناع القطان في كتابه «مباحث في علوم القرآن» ، ببعض تصرف واختصار:
« وهو تفسير غني بالمأثور عن سالف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وبأساليب اللغة العربية، وبسنن الله الاجتماعية، يشرح الآيات بأسلوب رائع، ويكشف عن المعاني بعبارة سهلة، ويوضح كثيرا من المشكلات، ويرد على ما أثير حول الإسلام من شبهات خصومه، ويعالج أمراض المجتمع بهدي القرآن ... » ا. هـ كلام الشيخ مناع القطان
وطريقته أنه يبدأ فيذكر ما يخُصُّ السورة من بيان المكِّي والمدني وعدد الآيات، إلى غير ذلك، ثم يفسر الآيات.
لكن الذي أضافه الشيخ أنه يأتي بخلاصة للسورة في آخرها، باستثناء سورة البقرة.
و يؤخذ عليه:
  • وقع في إنكار بعض علامات الساعة: كنزول عيسى عليه السلام، وخروج الدجال، والمعجزات الحسية للنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله والملائكة والجن وقتال الملائكه مع المؤمنين.
  • في الأسماء والصفات: أثبت معظم الصفات على طريقه السلف، ووقع منه شئ من التأويل والتردد في بعض الصفات، والخلط بين مذهب السلف والتفويض.
  • يعطي لنفسه حرية واسعة في استنباط الأحكام الشرعية من القرآن مما جعله يخالف جمهور الفقهاء في عده مسائل مثل: تجويز التيمم للمسافر ولو كان الماء بين يديه.
وقد صدر الكتاب عن دار المعرفة ببيروت.

آية رقم ١
فَاتِحَةُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) سُورَةُ الْكَهْفِ
(الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) سُورَةُ الْبَقَرَةِ
(الم اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ... (الْآيَةَ). سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
— 3 —
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سُورَةُ هُودٍ
(الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) سُورَةُ يُوسُفَ
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ)
— 4 —
سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ.) سُورَةُ ص
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) سُورَةُ النِّسَاءِ
(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ
هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) سُورَةُ الزُّمَرِ
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) سُورَةُ الْحَشْرِ
(إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) سُورَةُ الْأَحْزَابِ
— 5 —
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ هُدًى وَنُورًا، لِيُعَلِّمَكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيَكُمْ، وَيُعِدَّكُمْ لِمَا يَعِدُكُمْ بِهِ مِنْ سَعَادَتَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَمْ يُنْزِلْهُ قَانُونًا دُنْيَوِيًّا جَافًّا كَقَوَانِينِ الْحُكَّامِ، وَلَا كِتَابًا طِبِّيًّا لِمُدَاوَاةِ الْأَجْسَامِ، وَلَا تَارِيخًا بَشَرِيًّا لِبَيَانِ الْأَحْدَاثِ وَالْوَقَائِعِ، وَلَا سِفْرًا فَنِّيًّا لِوُجُوهِ الْكَسْبِ وَالْمَنَافِعِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ تَعَالَى بِاسْتِطَاعَتِكُمْ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَحْيٍ مِنْ رَبِّكُمْ، وَهَذَا بَعْضٌ مِمَّا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهِ كِتَابَهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ تَدَبَّرَهَا سَلَفُكُمُ الصَّالِحُ وَاهْتَدَوْا بِهَا، فَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا قَبْلَ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٢٤: ٥٥) وَفِي قَوْلِهِ: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٣٠: ٤٧)، وَقَوْلِهِ: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (٤: ١٤١)، وَقَوْلِهِ: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (٦٣: ٨)، وَقَوْلِهِ: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣: ١٣٩).
وَعَدَهُمُ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الْوُعُودَ فِي حَالِ قِلَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، وَبُعْدِهِمْ عَنِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ، وَأَنْجَزَ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ بِمَا قَضَاهُ وَجَعَلَهُ أَثَرًا لِلِاهْتِدَاءِ بِالْقُرْآنِ.
هَدَى اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبَ، وَهَدَى بِدَعْوَتِهِمْ إِلَيْهِ أَعْظَمَ شُعُوبِ الْعَجَمِ، فَكَانُوا بِهِ أَئِمَّةَ الْأُمَمِ، فَبِالِاهْتِدَاءِ بِهِ قَهَرُوا أَعْظَمَ دُوَلِ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ. دَوْلَةَ الرُّومِ (الرُّومَانِ) وَدَوْلَةَ الْفُرْسِ، فَهَذِهِ مَحَوْهَا مِنْ لَوْحِ الْوُجُودِ بِهَدْمِ سُلْطَانِهَا وَإِسْلَامِ شَعْبِهَا، وَتِلْكَ سَلَبُوهَا مَا كَانَ خَاضِعًا لِسُلْطَانِهَا مِنْ مَمَالِكِ الشَّرْقِ وَشُعُوبِهِ الْكَثِيرَةِ، ثُمَّ فَتَحُوا الْكَثِيرَ مِنْ مَمَالِكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ حَتَّى اسْتَوْلَوْا عَلَى بَعْضِ بِلَادِ أُورُبَّةَ، وَأَلَّفُوا فِيهَا دَوْلَةً عَرَبِيَّةً كَانَتْ زِينَةَ الْأَرْضِ فِي الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْحَضَارَةِ وَالْعُمْرَانِ.
حَارَبُوا شُعُوبًا كَثِيرَةً كَانَتْ أَقْوَى مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقِتَالُ مِنْ عَدَدٍ وَعُدَدٍ، وَسِلَاحٍ وَكُرَاعٍ، وَحُصُونٍ وَقِلَاعٍ، وَقَاتَلُوهَا فِي عُقْرِ دَارِهَا، وَمُسْتَقِرِّ قُوَّتِهَا، وَهُمْ بُعَدَاءُ عَنْ بِلَادِهِمْ، نَاءُونَ عَنْ مَقَرِّ خِلَافَتِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْضُلُونَ أَعْدَاءَهُمْ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَلَاحُ أَرْوَاحِهِمُ الَّذِي تَبِعَهُ صَلَاحُ أَعْمَالِهِمْ، وَالرَّوْحُ الْبَشَرِيُّ أَعْظَمُ قُوَى هَذِهِ الْأَرْضِ، سَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ سَائِرَ قُوَاهَا وَمَادَّتِهَا كَمَا قَالَ: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (٢: ٢٩) (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٥: ١٣).
— 6 —
كَانَ أَرْقَى حُكَّامِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ عِلْمًا وَفَنًّا وَأَدَبًا وَسِيَاسَةً يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ، وَيَعْبَثُ بِالْمَالِ وَالْعِرْضِ، أَوْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (٢: ٢٠٥) وَكَانَ الْمُسْلِمُ الْعَرَبِيُّ يَتَوَلَّى حُكْمَ بَلَدٍ أَوْ وِلَايَةٍ، وَهُوَ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ بِشَيْءٍ مِنْ فُنُونِ الدَّوْلَةِ، وَلَا مِنْ قَوَانِينِ الْحُكُومَةِ، وَلَمْ يُمَارِسْ أَسَالِيبَ السِّيَاسَةِ وَلَا طُرُقَ الْإِدَارَةِ، وَإِنَّمَا كُلُّ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ بَعْضُ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيُصْلِحُ مِنْ تِلْكَ الْوِلَايَةِ فَسَادَهَا، وَيَحْفَظُ أَنْفُسَهَا وَأَمْوَالَهَا وَأَعْرَاضَهَا، وَلَا يَسْتَأْثِرُ بِشَيْءٍ مِنْ حُقُوقِهَا، هَذَا وَهُوَ فِي حَالِ حَرْبٍ، وَسِيَاسَةِ فَتْحٍ، مُضْطَرٌّ لِمُرَاعَاةِ تَأْمِينِ الْمُوَاصَلَاتِ مَعَ جُيُوشِ أُمَّتِهِ وَحُكُومَتِهَا،
وَسَدِّ الذَّرَائِعِ لِانْتِقَاضِ أَهْلِهَا. وَإِذَا صَلُحَتِ النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ أَصْلَحَتْ كُلَّ شَيْءٍ تَأْخُذُ بِهِ، وَتَتَوَلَّى أَمْرَهُ، فَالْإِنْسَانُ سَيِّدُ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَصَلَاحُهَا وَفَسَادُهَا مَنُوطٌ بِصَلَاحِهِ وَفَسَادِهِ، وَلَيْسَتِ الثَّرْوَةُ وَلَا وَسَائِلُهَا مِنْ صِنَاعَةٍ وَزِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ هِيَ الْمِعْيَارَ لِصَلَاحِ الْبَشَرِ، وَلَا الْمُلْكُ وَوَسَائِلُهُ، مِنَ الْقُوَّةِ وَالسِّيَاسَةِ، فَإِنَّ الْبَشَرَ قَدْ أَوْجَدُوا كُلَّ وَسَائِلِ الْمُلْكِ وَالْحَضَارَةِ مِنْ عُلُومٍ وَفُنُونٍ وَأَعْمَالٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَهِيَ إِذًا نَابِعَةٌ مِنْ مَعِينِ الِاسْتِعْدَادِ الْإِنْسَانِيِّ، تَابِعَةٌ لَهُ دُونَ الْعَكْسِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ فِي الْعَكْسِ كَدَلِيلِهِ فِي الطَّرْدِ، فَإِنَّنَا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ وَكَثِيرًا مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي وَرِثَتِ الْمُلْكَ وَالْحَضَارَةَ عَنْ سَلَفٍ أَوْجَدَهُمَا مِنَ الْعَدَمِ: مِمَّنْ أَضَاعُوهُمَا بَعْدَ وُجُودِهِمَا بِفَسَادِ أَنْفُسِهِمْ.
صَلُحَتْ أَنْفُسُ الْعَرَبِ بِالْقُرْآنِ إِذْ كَانُوا يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ فِي صَلَوَاتِهِمُ الْمَفْرُوضَةِ، وَفِي تَهَجُّدِهِمْ وَسَائِرِ أَوْقَاتِهِمْ فَرَفَعَ أَنْفُسَهُمْ وَطَهَّرَهَا مِنْ خُرَافَاتِ الْوَثَنِيَّةِ الْمُذِلَّةِ لِلنُّفُوسِ الْمُسْتَعْبِدَةِ لَهَا، وَهَذَّبَ أَخْلَاقَهَا وَأَعْلَى هِمَمِهَا، وَأَرْشَدَهَا إِلَى تَسْخِيرِ هَذَا الْكَوْنِ الْأَرْضِيِّ كُلِّهِ لَهَا، فَطَلَبَتْ ذَلِكَ فَأَرْشَدَهَا طَلَبُهُ إِلَى الْعِلْمِ بِسُنُّتِهِ تَعَالَى فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ، فَهَدَاهَا ذَلِكَ إِلَى الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالصِّنَاعَاتِ، فَأَحْيَتْ مَوَاتَهَا، وَأَبْدَعَتْ فِيهَا مَا لَمْ يَسْبِقْهَا إِلَيْهِ غَيْرُهَا، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ تَطَوُّرِ الْأُمَمِ مِنْ حُكَمَاءِ الْغَرْبِ: " إِنَّ مَلَكَةَ الْفُنُونِ لَا تَسْتَحْكِمُ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ: جِيلِ التَّقْلِيدِ، وَجِيلِ الْخَضْرَمَةِ، وَجِيلِ الِاسْتِقْلَالِ، وَشَذَّ الْعَرَبُ وَحْدَهُمْ فَاسْتَحْكَمَتْ فِيهِمْ مَلَكَةُ الْفُنُونِ فِي جِيلٍ وَاحِدٍ ".
قَدْ شَاهَدْنَا وَلَا نَزَالُ نُشَاهِدُ فِي بِلَادِنَا أَنَّ طَلَبَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ مَعَ إِهْمَالِ التَّرْبِيَةِ الْمُصْلِحَةِ لِلنَّفْسِ لَمْ تَحُلْ دُونَ اسْتِعْبَادِ الْأَجَانِبِ لَنَا، كَمَا جَرَى فِي دَوْلَتَيِ الْأَسِتَانَةِ وَالْقَاهِرَةِ وَغَيْرِهِمَا. تَرَى الرَّجُلَ الْمُتَعَلِّمَ الْمُتَفَنِّنَ يَتَوَلَّى وِلَايَةً أَوْ وِزَارَةً فَيَكُونُ أَوَّلَ هَمِّهِ مِنْهَا تَأْسِيسُ ثَرْوَةٍ وَاسِعَةٍ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، لِأَجْلِ التَّمَتُّعِ بِالشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَالزِّينَةِ، وَهَكَذَا تَفْعَلُ كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْ رِجَالِ الدَّوْلَةِ، يَسْتَنْزِفُونَ ثَرْوَةَ الْأُمَّةِ بِالرُّشَى وَالْحِيَلِ وَأَكْلِ السُّحْتِ، وَيَكُونُ كُلُّ مَا فَضَلَ عَنْ شَهَوَاتِهِمْ بَلْ جُلُّ مَا يُنْفِقُونَهُ عَلَيْهَا نَصِيبَ الْأَجَانِبِ، وَقَدْ شَرَحْنَا هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ مِنْ قَبْلُ فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ الْمَنَارِ وَالتَّفْسِيرِ فَلَا نُطِيلُ فِيهَا هُنَا. وَإِنَّمَا طَرَقْنَا هَذَا الْبَابَ لِنُذَكِّرَكُمْ
— 7 —
أَيُّهَا الْقَارِئُونَ لِهَذِهِ
الْفَاتِحَةِ بِوُجُوبِ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ، وَبِأَنَّ فِقْهَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفْسِيرِهِ لِمَنْ لَمْ يُؤْتَ مِنْ مَلَكَةِ لُغَتِهِ وَذَوْقِ أَسَالِيبِهَا وَرَوْحِ بَلَاغَتِهَا، وَمِنْ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ وَسِيرَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَا يُمَكِّنُهُ مِنْ فِقْهِهِ بِنَفْسِهِ.
إِنَّمَا يَفْهَمُ الْقُرْآنَ وَيَتَفَقَّهُ فِيهِ مَنْ كَانَ نُصْبَ عَيْنِهِ وَوِجْهَةَ قَلْبِهِ فِي تِلَاوَتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مَا بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ مَوْضُوعِ تَنْزِيلِهِ، وَفَائِدَةِ تَرْتِيلِهِ، وَحِكْمَةِ تَدَبُّرِهِ، مِنْ عَلَمٍ وَنُورٍ، وَهُدًى وَرَحْمَةٍ، وَمَوْعِظَةٍ وَعِبْرَةٍ، وَخُشُوعٍ وَخَشْيَةٍ، وَسُنَنٍ فِي الْعَالَمِ مُطَّرِدَةٍ. فَتِلْكَ غَايَةُ إِنْذَارِهِ وَتَبْشِيرِهِ، وَيَلْزَمُهَا عَقْلًا وَفِطْرَةً تَقْوَى اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ).
كَانَ مِنْ سُوءِ حَظِّ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا كُتِبَ فِي التَّفْسِيرِ يَشْغَلُ قَارِئَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْعَالِيَةِ، وَالْهِدَايَةِ السَّامِيَةِ، فَمِنْهَا مَا يَشْغَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ بِمَبَاحِثِ الْإِعْرَابِ وَقَوَاعِدِ النَّحْوِ، وَنُكَتِ الْمَعَانِي وَمُصْطَلَحَاتِ الْبَيَانِ، وَمِنْهَا مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ بِجَدَلِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَتَخْرِيجَاتِ الْأُصُولِيِّينَ، وَاسْتِنْبَاطَاتِ الْفُقَهَاءِ الْمُقَلِّدِينَ، وَتَأْوِيلَاتِ الْمُتَصَوِّفِينَ، وَتَعَصُّبِ الْفِرَقِ وَالْمَذَاهِبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا يَلْفِتُهُ عَنْهُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ، وَمَا مُزِجَتْ بِهِ مِنْ خُرَافَاتِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَقَدْ زَادَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ صَارِفًا آخَرَ عَنِ الْقُرْآنِ هُوَ مَا يُورِدُهُ فِي تَفْسِيرِهِ مِنَ الْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُلُومِ الْحَادِثَةِ فِي الْمِلَّةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِهِ، كَالْهَيْئَةِ الْفَلَكِيَّةِ الْيُونَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَقَلَّدَهُ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ بِإِيرَادِ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ هَذَا الْعَصْرِ وَفُنُونِهِ الْكَثِيرَةِ الْوَاسِعَةِ، فَهُوَ يَذْكُرُ فِيمَا يُسَمِّيهِ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فُصُولًا طَوِيلَةً بِمُنَاسَبَةِ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ عُلُومِ الْفَلَكِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، تَصُدُّ قَارِئَهَا عَمَّا أَنْزَلَ اللهُ لِأَجْلِهِ الْقُرْآنَ:
نَعَمْ إِنَّ أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ مِنْ وَسَائِلِ فَهْمِ الْقُرْآنِ، فُنُونُ الْعَرَبِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَاصْطِلَاحَاتُ الْأُصُولِ وَقَوَاعِدُهُ الْخَاصَّةُ بِالْقُرْآنِ ضَرُورِيَّةٌ أَيْضًا، كَقَوَاعِدِ النَّحْوِ وَالْمَعَانِي، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْكَوْنِ وَسُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِيهِ - كُلُّ ذَلِكَ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمَأْثُورَةُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ فِي التَّفْسِيرِ فَمِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ أَيْضًا لِأَنَّ مَا صَحَّ مِنَ الْمَرْفُوعِ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَلِيهِ مَا صَحَّ عَنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ أَوْ عَمَلِ عَصْرِهِمْ، وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا
وَذَاكَ قَلِيلٌ.
وَأَكْثَرُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ قَدْ سَرَى إِلَى الرُّوَاةِ مِنْ زَنَادِقَةِ الْيَهُودِ وَالْفُرْسِ وَمُسْلِمَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَجُلُّ ذَلِكَ فِي قَصَصِ الرُّسُلِ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُتُبِهِمْ وَمُعْجِزَاتِهِمْ، وَفِي تَارِيخِ غَيْرِهِمْ كَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَمَدِينَةِ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، وَسِحْرِ بَابِلَ وَعُوجِ ابْنِ عُنُقَ، وَفِي أُمُورِ الْغَيْبِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَقِيَامَتِهَا وَمَا يَكُونُ فِيهَا وَبَعْدَهَا، وَجُلُّ ذَلِكَ خُرَافَاتٌ وَمُفْتَرَيَاتٌ صَدَّقَهُمْ فِيهَا الرُّوَاةُ حَتَّى بَعْضُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ -، وَلِذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ
— 8 —
أَحْمَدُ: ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَّفْسِيرُ، وَالْمَلَاحِمُ، وَالْمَغَازِي، وَكَانَ الْوَاجِبَ جَمْعُ الرِّوَايَاتِ الْمُفِيدَةِ فِي كُتُبٍ مُسْتَقِلَّةٍ، كَبَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَبَيَانِ قِيمَةِ أَسَانِيدِهَا، ثُمَّ يُذْكَرُ فِي التَّفْسِيرِ مَا يَصِحُّ مِنْهَا بِدُونِ سَنَدٍ، كَمَا يُذْكَرُ الْحَدِيثُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، لَكِنْ يُعْزَى إِلَى مُخْرِجِهِ كَمَا نَفْعَلُ فِي تَفْسِيرِنَا هَذَا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: " وَالِاخْتِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ، وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَنْقُولُ إِمَّا عَنِ الْمَعْصُومِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقِسْمُ - الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ - عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي لَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَاسْمِهِ، وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي قَدْرِ سَفِينَةِ نُوحٍ وَخَشَبِهَا، وَفِي اسْمِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ الْأُمُورُ طَرِيقَةُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْلُ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مَنْقُولًا نَقْلًا صَحِيحًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبِلَ، وَمَا لَا - بِأَنْ نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَكَعْبٍ وَوَهَبٍ - وُقِفَ عَنْ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَمَتَى اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إِلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ التَّابِعَيْنِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى، وَلِأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مَنْ نَقْلِ التَّابِعِينَ، وَمَعَ جَزْمِ الصَّحَابِيِّ بِمَا يَقُولُهُ كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؟ "
" وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرٌ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ. وَأَمَّا مَا يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ جِهَتَيْنِ حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ ".
ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا مَثَارُ الْخَطَأِ.
(إِحْدَاهُمَا) حَمْلُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى مَعَانٍ اعْتَقَدُوهَا لِتَأْيِيدِهَا بِهِ - أَقُولُ: كَجَمِيعِ مُقَلِّدَةِ الْفِرَقِ وَالْمَذَاهِبِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهَا، فَإِنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا مَذَاهِبَهُمْ أُصُولًا وَالْقُرْآنَ فَرْعًا لَهَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَهَذَا شَرُّ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ الْمَذْمُومِ فِي الْحَدِيثِ.
(ثَانِيَتُهُمَا) التَّفْسِيرُ بِمُجَرَّدِ دَلَالَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَالْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبِ بِهِ - وَفَصْلُ ذَلِكَ بِمَا يُرَاجَعُ فِي مَحَلِّهِ.
فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الْمُحَقِّقَ جَزَمَ بِالْوَقْفِ عَنْ تَصْدِيقِ جَمِيعِ مَا عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ رُوَاةِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ مَا يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهِ فِي نَفْسِهِ. وَصَرَّحَ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِرِوَايَاتِ
— 9 —
كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَوَهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، مَعَ أَنَّ قُدَمَاءَ رِجَالِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ اغْتَرُّوا بِهِمَا وَعَدَلُوهُمَا. فَكَيْفَ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ مَا تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ كَذِبِ كَعْبٍ وَوَهْبٍ وَعَزْوِهِمَا إِلَى التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الرُّسُلِ مَا لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهُ وَلَا حَوَّمَتْ حَوْلَهُ؟ ! - وَكَذَا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - يَعْنِي بِخِلَافِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الرِّوَايَةِ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَإِنَّمَا الْوَقْفُ فِيمَا يُنْقَلُ نَقْلًا صَحِيحًا عَنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الَّتِي عِنْدَهُمْ، لَا نُصَدِّقُهُمْ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِمَّا حَرَّفُوا فِيهَا، وَلَا نُكَذِّبُهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِمَّا حَفِظُوا مِنْهَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: إِنَّهُمْ (أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ).
وَأَنْتَ تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّ النَّفْسَ إِلَيْهِ أَسْكُنُ مِمَّا يُنْقَلُ عَنِ التَّابِعَيْنِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ سَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْوَى مِنَ احْتِمَالِ سَمَاعِهِ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقِلَّةِ رِوَايَةِ الصَّحَابَةِ عَنْهُمْ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَ مَنْ أَطْلَقَ الْحُكْمَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الصَّحَابِيُّ الثِّقَةُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِالِاسْتِدْلَالِ
بَلْ بِالنَّقْلِ لَهُ حُكْمُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ رَوَوْا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، حَتَّى عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ الَّذِي رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنْ كُنَّا لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ " وَمِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ رَوَى عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنِ الْمَعْصُومِ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ الْمَاضِي أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَمْثَالِهِ لَا يُقْبَلُ فِي إِثْبَاتِهِ إِلَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَرْفُوعُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذِهِ قَاعِدَةُ الْإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الَّتِي يُصَرِّحُ بِهَا كَثِيرًا.
هَذَا وَإِنَّ كَلَامَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لَا يَنْقُضُ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ أَلْبَتَّةَ. وَإِنَّمَا يَعْنِي أَكْثَرُهَا لَا يَصِحُّ لَهُ سَنَدٌ مُتَّصِلٌ، وَمَا صَحَّ سَنَدُهُ إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ يَقِلُّ فِيهِ الْمَرْفُوعُ الَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ.
وَغَرَضُنَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ أَكْثَرَ مَا رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَوْ كَثِيرِهِ حِجَابٌ عَلَى الْقُرْآنِ وَشَاغِلٌ لِتَالِيهِ عَنْ مَقَاصِدِهِ الْعَالِيَةِ الْمُزَكِّيَةِ لِلْأَنْفُسِ، الْمُنَوَّرَةِ لِلْعُقُولِ، فَالْمُفَضِّلُونَ لِلتَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ لَهُمْ شَاغِلٌ عَنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ، الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا سَنَدًا وَلَا مَوْضُوعًا، كَمَا أَنَّ الْمُفَضِّلِينَ لِسَائِرِ التَّفَاسِيرِ لَهُمْ صَوَارِفُ أُخْرَى عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَكَانَتِ الْحَاجَةُ شَدِيدَةً إِلَى تَفْسِيرٍ تَتَوَجَّهُ الْعِنَايَةُ الْأُولَى فِيهِ إِلَى هِدَايَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الْمُنَزَّلَةِ فِي وَصْفِهِ، وَمَا أَنْزَلَ لِأَجْلِهِ مِنَ الْإِنْذَارِ وَالتَّبْشِيرِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَهُوَ مَا تَرَى تَفْصِيلَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْمُقْتَبَسَةِ مِنْ دُرُوسِ شَيْخِنَا الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ عَبْدِهِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَحْسَنَ جَزَاءَهُ - ثُمَّ الْعِنَايَةِ إِلَى مُقْتَضَى حَالِ هَذَا
— 10 —
الْعَصْرِ فِي سُهُولَةِ التَّعْبِيرِ، وَمُرَاعَاةِ أَفْهَامِ صُنُوفِ الْقَارِئِينَ، وَكَشْفِ شُبَهَاتِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْفَلْسَفَةِ وَالْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وَغَيْرِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَرَاهُ قَرِيبًا - هُوَ مَا يَسَّرَهُ اللهُ بِفَضْلِهِ لِهَذَا الْعَاجِزِ، وَهَاكَ مُوجَزًا مِنْ نَبَأِ تَيْسِيرِهِ لَهُ.
كُنْتُ مِنْ قَبْلِ اشْتِغَالِي بِطَلَبِ الْعِلْمِ فِي طَرَابُلُسَ الشَّامِ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ مَيَّالًا إِلَى التَّصَوُّفِ، وَكُنْتُ أَنْوِي بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الِاتِّعَاظَ بِمَوَاعِظِهِ لِأَجْلِ الرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمَّا رَأَيْتُ نَفْسِي أَهْلًا لِنَفْعِ النَّاسِ بِمَا حَصَّلْتُ مِنَ الْعِلْمِ - عَلَى قِلَّتِهِ - صِرْتُ أَجْلِسُ إِلَى الْعَوَامِّ فِي بَلَدِنَا أَعِظُهُمْ بِالْقُرْآنِ مُغَلِّبًا التَّرْهِيبَ عَلَى التَّرْغِيبِ، وَالْخَوْفَ عَلَى الرَّجَاءِ، وَالْإِنْذَارَ عَلَى التَّبْشِيرِ، وَالزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ فِيهَا.
فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْحَالِ الْغَالِبَةِ عَلَيَّ ظَفِرَتْ يَدِي بِنُسَخٍ مِنْ جَرِيدَةِ " الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " فِي أَوْرَاقِ وَالِدِي، فَلَمَّا قَرَأْتُ مَقَالَاتِهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَإِعَادَةِ مَجْدِ الْإِسْلَامِ وَسُلْطَانِهِ وَعِزَّتِهِ، وَاسْتِرْدَادِ مَا ذَهَبَ مِنْ مَمَالِكِهِ، وَتَحْرِيرِ مَا اسْتَعْبَدَ الْأَجَانِبُ مِنْ شُعُوبِهِ - أَثَّرَتْ فِي قَلْبِي تَأْثِيرًا دَخَلْتُ بِهِ فِي طَوْرٍ جَدِيدٍ مِنْ حَيَاتِي، وَأُعْجِبْتُ جِدَّ الْإِعْجَابِ بِمَنْهَجِ تِلْكَ الْمَقَالَاتِ فِي الِاسْتِشْهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَضَايَاهَا بِآيَاتٍ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَمَا تَضَمَّنَهُ تَفْسِيرُهَا مِمَّا لَمْ يُحَوِّمْ حَوْلَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى اخْتِلَافِ أَسَالِيبِهِمْ فِي الْكِتَابَةِ، وَمَدَارِكِهِمْ فِي الْفَهْمِ. وَأَهُمُّ مَا انْفَرَدَ بِهِ مَنْهَجُ " الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
(أَحَدُهَا) بَيَانُ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى فِي الْخَلْقِ وَنِظَامِ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ، وَأَسْبَابِ تَرَقِّي الْأُمَمِ وَتَدَلِّيهَا، وَقُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا.
(ثَانِيهَا) بَيَانُ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ سِيَادَةٍ وَسُلْطَانٍ، وَجَمْعٍ بَيْنَ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الْآخِرَةِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ دِينٌ رُوحَانِيٌّ اجْتِمَاعِيٌّ، وَمَدَنِيٌّ عَسْكَرِيٌّ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ الْحَرْبِيَّةَ فِيهِ لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الشَّرِيعَةِ الْعَادِلَةِ، وَالْهِدَايَةِ الْعَامَّةِ، وَعِزَّةِ الْمِلَّةِ، لَا لِأَجْلِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ بِالْقُوَّةِ.
(ثَالِثُهَا) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ جِنْسِيَّةٌ إِلَّا دِينَهُمْ، فَهُمْ إِخْوَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ نَسَبٌ وَلَا لُغَةٌ وَلَا حُكُومَةٌ.
تِلْكَ الْمَقَالَاتُ الَّتِي حَبَّبَتْ إِلَيَّ حَكِيمَيِ الشَّرْقِ، وَمُجَدِّدَيِ الْإِسْلَامِ وَمُصْلِحَيِ الْعَصْرِ: السَّيِّدَ جَمَالَ الدِّينِ الْحُسَيْنِيَّ الْأَفْغَانِيَّ وَالشَّيْخَ مُحَمَّدَ عَبْدَهُ الْمِصْرِيَّ، وَهُمَا اللَّذَانِ أَنْشَآ جَرِيدَةَ " الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى " فِي بَارِيسَ سَنَةَ ١٣٠١ هـ عَقِبَ احْتِلَالِ الْإِنْكِلِيزِ لِمِصْرَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ١٢٩٩ هـ وَكَانَ الْكَاتِبُ لِتِلْكَ الْمَقَالَاتِ الْعَالِيَةِ فِيهَا هُوَ الثَّانِي، وَلَكِنْ بِإِرْشَادِ الْأَوَّلِ وَإِدَارَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ، وَهُوَ أُسْتَاذُهُ فِي هَذَا الْمَنْهَجِ وَمُرَبِّيهِ عَلَيْهِ.
تَوَجَّهَتْ نَفْسِي بِتَأْثِيرِ " الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " إِلَى الْهِجْرَةِ إِلَى السَّيِّدِ جَمَالٍ وَالتَّلَقِّي عَنْهُ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْآسِتَانَةَ فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ بِتَرْجَمَتِي وَرَغْبَتِي فِي صُحْبَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَصُدُّنِي عَنْهَا إِلَّا إِقَامَتُهُ فِي
— 11 —
الْآسِتَانَةِ لِاعْتِقَادِي أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ طُولَ الْمُقَامِ فِيهَا، وَعَلَّلْتُ ذَلِكَ بِقَوْلِي " لِأَنَّ بِلَادَ الشَّرْقِ أَمْسَتْ كَالْمَرِيضِ الْأَحْمَقِ يَأْبَى الدَّوَاءَ وَيَعَافُهُ لِأَنَّهُ دَوَاءٌ ".
وَبَعْدَ أَنْ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فِيهَا تَعَلَّقَ أَمَلِي بِالِاتِّصَالِ بِخَلِيفَتِهِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ عَبْدِهِ، لِلْوُقُوفِ عَلَى اخْتِبَارِهِ وَآرَائِهِ فِي الْإِصْلَاحِ الْإِسْلَامِيِّ، وَمَا زِلْتُ أَتَرَبَّصُ الْفُرَصَ
لِذَلِكَ حَتَّى سَنَحَتْ لِي فِي رَجَبٍ سَنَةَ ١٣١٥ هـ وَكَانَ ذَلِكَ عَقِبَ إِتْمَامِ تَحْصِيلِي لِلْعِلْمِ فِي طَرَابُلُسَ وَأَخْذِ شَهَادَةِ الْعَالَمِيَّةِ أَوِ التَّدْرِيسِ مِنْ شُيُوخِي فِيهَا، فَهَاجَرْتُ إِلَى مِصْرَ، وَأَنْشَأْتُ الْمَنَارَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْإِصْلَاحِ.
اتَّصَلْتُ بِالشَّيْخِ فِي الضَّحْوَةِ الصُّغْرَى لِلْيَوْمِ الَّذِي وَصَلْتُ فِي لَيْلِهِ إِلَى الْقَاهِرَةِ فَكَانَ اتِّصَالِي بِهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ كَاتِّصَالِ اللَّازِمِ الْبَيِّنِ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ بِمَلْزُومِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ اقْتِرَاحٍ لِي عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ تَفْسِيرًا لِلْقُرْآنِ يَنْفُخُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ الَّتِي وَجَدْنَا رُوحَهَا وَنُورَهَا فِي مَقَالَاتِ " الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى " الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْعَامَّةِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ كَامِلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَهُ تَفَاسِيرُ كَثِيرَةٌ أُتْقِنُ بَعْضَهَا مَا لَمْ يُتْقِنْهَا بَعْضٌ. وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ شَدِيدَةٌ إِلَى تَفْسِيرِ بَعْضِ الْآيَاتِ، وَلَعَلَّ الْعُمْرَ لَا يَتَّسِعُ لِتَفْسِيرٍ كَامِلٍ. فَاقْتَرَحْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ دَرْسًا فِي التَّفْسِيرِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ١٣١٥ هـ ثُمَّ كَرَّرْتُ عَلَيْهِ الِاقْتِرَاحَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ يَعْتَذِرُ بِمَا أَذْكُرُ أَهَمَّهُ هُنَا.
زُرْتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ١٣ رَمَضَانَ فَقَرَأَ لِي عِبَارَةً مِنْ كِتَابٍ فَرَنْسِيٍّ فِي الطَّعْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَطَفِقَ يَرُدُّ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْإِفْرِنْجَ يَأْخُذُونَ مَطَاعِنَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ سُوءِ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ جَهْلِهِمْ هُمْ بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ نَظِيفٌ وَالْإِسْلَامَ نَظِيفٌ، وَإِنَّمَا لَوَّثَهُ الْمُسْلِمُونَ بِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ كُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِسَفْسَافِ الْأُمُورِ. وَطَفِقَ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) وَمَاذَا كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ لَوِ اهْتَدَوْا بِهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الطَّاعِنَ ادَّعَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُعَلِّمْهُمْ نَبِيُّهُمْ مِنْ صِفَاتِ الْخَالِقِ إِلَّا أَنَّهُ حَاكِمٌ قَاهِرٌ وَسُلْطَانٌ عَظِيمٌ، قَدْ أَوْجَبَ الْفَتْحَ عَلَى أَتْبَاعِهِ لِأَجْلِ قَهْرِ الْأُمَمِ لَا لِأَجْلِ تَرْبِيَتِهَا. وَقَالَ: فَأَيْنَ هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ النَّصَارَى خَالِقَهُمْ بِالْأَبِ الدَّالِّ عَلَى الرَّأْفَةِ وَالْعَطْفِ؟ ثُمَّ طَفِقَ الْأُسْتَاذٌ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِالْكَلَامِ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ وَمَا فِيهِ مِنْ مَعَانِي التَّرْبِيَةِ وَالْعَطْفِ وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنَى الْأَبِ، وَكَوْنِ طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ بِمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ لَا مَحَبَّتِهِ لَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُئُونِ الْوَالِدِ الَّتِي يُنَزَّهُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الِاتِّصَافِ بِهَا، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَهَاهُنَا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا أَذْكُرُ مُلَخَّصَهُ كَمَا كَتَبْتُهُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَهُوَ: (قُلْتُ) : لَوْ كَتَبْتَ تَفْسِيرًا عَلَى هَذَا النَّحْوِ تَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى حَاجَةِ الْعَصْرِ، وَتَتْرُكُ
كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَتُبَيِّنُ مَا أَهْمَلُوهُ...
قَالَ: " إِنَّ الْكُتُبَ لَا تُفِيدُ الْقُلُوبَ الْعُمْيَ. فَإِنَّ دُكَّانَ السَّيِّدِ عُمَرَ الْخَشَّابِ مَمْلُوءَةٌ بِالْكُتُبِ مِنْ
— 12 —
جَمِيعِ الْعُلُومِ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ شَيْئًا مِنْهَا، لَا تُفِيدُ الْكُتُبُ إِلَّا إِذَا صَادَفَتْ قُلُوبًا مُتَيَقِّظَةً عَالِمَةً بِوَجْهِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا تَسْعَى فِي نَشْرِهَا. إِذَا وَصَلَ لِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ كِتَابٌ فِيهِ غَيْرُ مَا يَعْلَمُونَ لَا يَعْقِلُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ، وَإِذَا عَقَلُوا مِنْهُ شَيْئًا يَرُدُّونَهُ وَلَا يَقْبَلُونَهُ، وَإِذَا قَبِلُوهُ حَرَّفُوهُ إِلَى مَا يُوَافِقُ عِلْمَهُمْ وَمَشْرَبَهُمْ، كَمَا جَرُّوا عَلَيْهِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي نُرِيدُ بَيَانَ مَعْنَاهَا الصَّحِيحِ وَمَا تُفِيدُهُ ".
" إِنَّ الْكَلَامَ الْمَسْمُوعَ يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَثِّرُ الْكَلَامُ الْمَقْرُوءُ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْمُتَكَلِّمِ وَحَرَكَاتِهِ وَإِشَارَاتِهِ وَلَهْجَتَهُ فِي الْكَلَامِ - كُلُّ ذَلِكَ يُسَاعِدُ عَلَى فَهْمِ مُرَادِهِ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَيْضًا يُمَكِّنُ السَّامِعَ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ الْمُتَكَلِّمَ عَمَّا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ فَإِذَا كَانَ مَكْتُوبًا فَمَنْ يَسْأَلُ؟ إِنَّ السَّامِعَ يَفْهَمُ ٨٠ فِي الْمِائَةِ مِنْ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْقَارِئَ لِكَلَامِهِ يَفْهَمُ مِنْهُ ٢٠ فِي الْمِائَةِ عَلَى مَا أَرَادَ الْكَاتِبُ. وَمَعَ ذَلِكَ كُنْتُ أَقْرَأُ التَّفْسِيرَ، وَكَانَ يَحْضُرُهُ بَعْضُ طَلَبَةِ الْأَزْهَرِ وَبَعْضُ طَلَبَةِ الْمَدَارِسِ الْأَمِيرِيَّةِ، وَكُنْتُ أَذْكُرُ كَثِيرًا مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَيْهَا حَالَةُ الْعَصْرِ فَمَا اهْتَمَّ لَهَا أَحَدٌ - فِيمَا أَعْلَمُ - مَعَ أَنَّهَا كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُكْتَبَ، وَمَا عَلَّمْتُ أَحَدًا مِنْهَا شَيْئًا خَلَا تِلْمِيذَيْنِ قِبْطِيَّيْنِ مِنْ مَدْرَسَةِ الْحُقُوقِ، وَكَانَا يُرَاجِعَانِي فِي بَعْضِ مَا يَكْتُبَانِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَا ".
" قَرَأْتُ تَفْسِيرَ سُورَةِ الْعَصْرِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَكُلُّ دَرْسٍ لَا يَقِلُّ عَنْ سَاعَتَيْنِ أَوْ سَاعَةٍ وَنِصْفٍ. بَيَّنْتُ فِيهَا وَجْهَ كَوْنِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ فِي خُسْرٍ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى، وَمَا الْمُرَادُ بِالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، مِمَّا لَوْ جُمِعَ لَكَانَ رِسَالَةً حَسَنَةً فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ. وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَتَبَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَ الْعَزِيزِ ".
(قُلْتُ) : إِنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَنَبِّهِينَ لِحَالَةِ الْعَصْرِ وَالْإِسْلَامِ فِي الْبِلَادِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مَا نَبَّهَهُمْ إِلَّا " الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى " وَأَنَا لَمْ أَنْتَبِهِ التَّنَبُّهَ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ إِلَّا بِهَا.
(قَالَ) :" إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُوجَدُ فِيهِمْ خَاصِّيَّةٌ أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَامِ بِأَيِّ مَوْضُوعٍ أَمَامَ أَيِّ إِنْسَانٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ يُدْرِكُ الْكَلَامَ وَيَقْبَلُهُ أَمْ لَا، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ كَانَتْ مَوْجُودَةً
عِنْدَ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ يُلْقِي الْحِكْمَةَ لِمُرِيدِهَا وَغَيْرِ مُرِيدِهَا، وَأَنَا كُنْتُ أَحْسُدُهُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّنِي تُؤَثِّرُ فِيَّ حَالَةُ الْمَجَالِسِ وَالْوَقْتِ، فَلَا تَتَوَجَّهُ نَفْسِي لِلْكَلَامِ إِلَّا إِذَا رَأَيْتُ لَهُ مَحَلًّا. وَهَكَذَا الْكِتَابَةُ، فَإِنَّنِي رُبَّمَا أَتَصَوَّرُ أَنْ أَكْتُبَ بِمَوْضُوعٍ وَعِنْدَمَا أُوَجِّهُ قُوَايَ لِجَمْعِ مَا يَحْسُنُ كِتَابَتُهُ تَتَوَارَدُ عَلَى فِكْرِي مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، وَوُجُوهٌ لِلْكَلَامِ جَمَّةٌ، ثُمَّ يَأْتِينِي خَاطِرٌ لِمَنْ أُلْقِي هَذَا الْكَلَامَ، وَمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ؟ فَأَتَوَقَّفُ عَنِ الْكِتَابَةِ، وَأَرَى تِلْكَ الْمَعَانِيَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَدِ امْتَصَّ بَعْضُهَا بَعْضًا حَتَّى تَلَاشَتْ وَلَا أَكْتُبُ شَيْئًا ".
— 13 —
إِنَّ حَالَةَ الْمُخَاطَبِ تُؤَثِّرُ بِي جِدًّا، وَلِذَلِكَ لَا أَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ عَنْ حَالَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَمَا أَجْتَمِعُ بِهَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ أَفْكَارَهُمْ مُنْصَرِفَةٌ عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مَعَ سَعَةِ وَقْتِهِمْ. وَعِنْدَ قِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ عَلَى حَسَبِ حَالَةِ الْحَاضِرِينَ، لِأَنَّنِي لَا أُطَالِعُ عِنْدَمَا أَقْرَأُ لَكِنِّي رُبَّمَا أَتَصَفَّحُ كِتَابَ تَفْسِيرٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَجْهٌ غَرِيبٌ فِي الْإِعْرَابِ أَوْ كَلِمَةٌ غَرِيبَةٌ فِي اللُّغَةِ. فَإِذَا حَضَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنَ الْبُلَدَاءِ الْخَامِلِي الْفِكْرِ أَحُلُّ لَهُمُ الْمَعْنَى بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَتَنَبَّهُ لِمَا أَقُولُ وَيُلْقِي لَهُ بَالًا، يُفْتَحُ عَلَيَّ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ ".
(قُلْتُ) : إِنَّ الزَّمَانَ لَا يَخْلُو مِمَّنْ يَقْدِرُ كَلَامَ الْإِصْلَاحِ قَدْرَهُ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلِينَ، وَسَيَزِيدُ عَدَدُهُمْ يَوْمًا فَيَوْمًا، فَالْكِتَابَةُ تَكُونُ مُرْشِدًا لَهُمْ فِي سَيْرِهِمْ. وَإِنَّ الْكَلَامَ الْحَقَّ وَإِنْ قَلَّ الْآخِذُ بِهِ وَالْعَارِفُ بِشَأْنِهِ، لَا بُدَّ أَنْ يُحْفَظَ وَيَنْمُوَ بِمُصَادَفَةِ الْمَبَاءَةِ الْمُنَاسِبَةِ لَهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى نَامُوسِ (أَيْ سُنَّةِ) الِانْتِخَابِ الطَّبِيعِيِّ، كَمَا حَفِظْتُ " الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى " فَإِنَّ أَوْرَاقَهَا الْأَصْلِيَّةَ الضَّعِيفَةَ قَدْ بَلِيَتْ لَكِنْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَقَالَاتِ الْبَدِيعَةِ الْمِثَالِ وَالْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ، قَدْ حُفِظَتْ فِي الطُّرُوسِ وَالنُّفُوسِ إِلَخْ.
وَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَقْنَعْتُهُ بِقِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ فِي الْأَزْهَرِ فَاقْتَنَعَ وَبَدَأَ بِالدَّرْسِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ أَيْ فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ١٣١٧ هـ وَانْتَهَى مِنْهُ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ١٣٢٣ هـ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) مِنَ الْآيَةِ ١٢٦ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَقَرَأَ زُهَاءَ خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ فِي سِتِّ سِنِينَ، إِذْ تُوُفِّيَ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَثَابَهُ.
كَانَتْ طَرِيقَتُهُ فِي قِرَاءَةِ الدَّرْسِ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِمَّا ارْتَآهُ فِي كِتَابَةِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ
أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهِ فِيمَا أَغْفَلَهُ أَوْ قَصَّرَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ، وَيَخْتَصِرُ فِيمَا بَرَزُوا فِيهِ مِنْ مَبَاحِثِ الْأَلْفَاظِ وَالْإِعْرَابِ وَنُكَتِ الْبَلَاغَةِ، وَفِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِهَا الْآيَاتُ، وَيَتَوَكَّأُ فِي ذَلِكَ عَلَى عِبَارَةِ " تَفْسِيرِ الْجَلَّالِينَ " الَّذِي هُوَ أَوْجَزُ التَّفَاسِيرِ، فَكَانَ يَقْرَأُ عِبَارَتَهُ فَيُقِرُّهَا أَوْ يَنْتَقِدُ مِنْهَا مَا يَرَاهُ مُنْتَقَدًا، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ فِي الْآيَةِ أَوِ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِمَّا فِيهِ هِدَايَةٌ وَعِبْرَةٌ.
وَكُنْتُ أَكْتُبُ فِي أَثْنَاءِ إِلْقَاءِ الدَّرْسِ مُذَكِّرَاتٍ أُودِعُهَا مَا أَرَاهُ أَهَمَّ مَا قَالَهُ، وَأَحْفَظُ مَا أَكْتُبُ لِأَجْلِ أَنْ أُبَيِّضَهُ، وَأَمُدَّهُ بِكُلِّ مَا أَتَذَكَّرُهُ فِي وَقْتِ الْفَرَاغِ، وَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَقْتَرِحَ عَلَى بَعْضِ الرَّاغِبِينَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ مِنْ قُرَّاءِ الْمَنَارِ فِي الْبِلَادِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمِنَ الْحَرِيصِينَ عَلَى حِفْظِهِ مِنَ الْإِخْوَانِ بِمِصْرَ أَنْ أَنْشُرَهُ فِي الْمَنَارِ. فَشَرَعْتُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ١٣١٨ هـ وَذَلِكَ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ مِنَ الْمَنَارِ، وَكُنْتُ أَوَّلًا أُطْلِعُ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ عَلَى مَا أُعِدَّهُ لِلطَّبْعِ كُلَّمَا تَيَسَّرَ
— 14 —
ذَلِكَ بَعْدَ جَمْعِ حُرُوفِهِ فِي الْمَطْبَعَةِ وَقَبْلَ طَبْعِهِ. فَكَانَ رُبَّمَا يُنَقِّحُ فِيهِ بِزِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ حَذْفِ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ، وَلَا أَذْكُرُ أَنَّهُ انْتَقَدَ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يَرَهُ قَبْلَ الطَّبْعِ، بَلْ كَانَ رَاضِيًا بِالْمَكْتُوبِ بَلْ مُعْجَبًا بِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ نَقْلًا عَنْهُ وَمَعْزُوًّا إِلَيْهِ، بَلْ كَانَ تَفْسِيرًا لِلْكَاتِبِ مِنْ إِنْشَائِهِ، اقْتَبَسَ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الدُّرُوسِ الْعَالِيَةِ جُلَّ مَا اسْتَفَادَهُ مِنْهَا، لِذَلِكَ كُنْتُ أَعْزُو إِلَيْهِ الْقَوْلَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ إِذَا جَاءَ بَعْدَ كَلَامٍ لِي فِي بَيَانِ مَعْنَى الْآيَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِذَا انْتَهَى النَّقْلُ وَشَرَعْتُ بِكَلَامِ لِي بَعْدَهُ قُلْتُ فِي بَدْئِهِ (أَقُولُ) وَلَمْ يَكُنْ هَذَا التَّمْيِيزُ مُلْتَزَمًا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بَلْ يَكْثُرُ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مَا لَا عَزْوَ فِيهِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَا فَهِمْتُهُ مِنْهُ وَمِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْأُخْرَى أَوْ مِنْ نَصِّ الْآيَةِ عَلَى أَنَّنِي عَبَّرْتُ عَنْهُ بِأَمَالٍ مُقْتَبَسَةٍ.
وَلَمَّا كَانَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - يَقْرَأُ كُلَّ مَا أَكْتُبُهُ، إِمَّا قَبْلَ طَبْعِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ، وَإِمَّا بَعْدَهُ وَهُوَ الْأَقَلُّ، لَمْ أَكُنْ أَرَى حَرَجًا فِيمَا أَعْزُوهُ إِلَيْهِ مِمَّا فَهِمْتُهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ كَتَبْتُهُ عَنْهُ فِي مُذَكِّرَاتِ الدَّرْسِ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ إِيَّاهُ يُؤَكِّدُ صِحَّةَ الْفَهْمِ وَصِدْقَ الْعَزْوِ. وَبَعْدَ أَنْ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى صِرْتُ أَرَى مِنَ الْأَمَانَةِ أَلَّا أَعْزُوَ إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَتَبْتُهُ عَنْهُ أَوْ حَفِظْتُهُ حِفْظًا، وَصِرْتُ أُكْثِرُ أَنْ أَقُولَ: قَالَ مَا مَعْنَاهُ، أَوْ مَا مِثَالُهُ، أَوْ مَا مُلَخَّصُهُ، مَثَلًا، عَلَى أَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ حَيَّا وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ لَأَقَرَّهُ كُلَّهُ.
وَقَدْ بَدَأْتُ فِي حَيَاتِهِ بِتَجْرِيدِ تَفْسِيرِ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الْمَنَارِ وَطَبْعِهِ عَلَى حِدَّتِهِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ طَبْعِ نِصْفِهِ، فَهُوَ قَدْ قَرَأَ مَا طُبِعَ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ. وَقَدِ اشْتَدَّ شُعُورِي بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلَيَّ وَحْدِي تَبِعَةَ تَأْلِيفِ تَفْسِيرٍ مُسْتَقِلٍّ وَتَبِعَةَ إِيدَاعِهِ مَا تَلَقَّيْتُهُ عَنْ هَذَا الْعَالِمِ الْكَبِيرِ الْمُشْرِقِ الْبَصِيرَةِ، وَذِي النَّصِيبِ الْوَافِرِ مِنْ إِرْثِ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). وَتَبِعَةُ الْأَمَانَةِ فِي النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَثْقَلُ مِنْ تَبِعَةِ تَحَرِّي الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَأَدَائِهِ بِبَيَانٍ فَصِيحٍ.
وَسَبَبُ الْبَدْءِ بِطَبْعِ الْجُزْءِ الثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ مُخْتَصَرًا وَغَيْرَ مُلْتَزَمٍ فِيهِ مَا الْتَزَمْتُهُ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ جَمِيعِ عِبَارَاتِ الْآيَاتِ وَذِكْرِ نُصُوصِهَا مَمْزُوجَةً فِيهِ. وَلِذَلِكَ اقْتَرَحْتُ عَلَى الْأُسْتَاذِ أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ فِيهِ وَيَزِيدَ فِيهِ مَا يَسْنَحُ لَهُ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ إِيضَاحٍ، وَلَاسِيَّمَا إِيضَاحُ مَا انتقدَ عَلَيْهِ إِجْمَالَهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَتَأْوِيلِ قِصَّةِ آدَمَ. فَقَرَأَ النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنْهُ بَعْدَ نَسْخِهِ لَهُ، وَزَادَ فِيهِ مَا يَرَاهُ الْقَارِئُ مَعْزُوًّا إِلَى خَطِّهِ وَمُمَيَّزًا بِوَضْعِهِ بَيْنَ عَلَامَتَيْنِ بِهَذَا الشَّكْلِ () وَزِدْتُ أَنَا فِي جَمِيعِ الْجُزْءِ زِيَادَاتٍ غَيْرَ قَلِيلَةٍ صَارَ بِهَا مُوَافِقًا لِسَائِرِ الْأَجْزَاءِ فِي أُسْلُوبِهِ وَكُنْتُ أُمَيِّزُ زِيَادَتِيَ الْأَخِيرَةَ عَنْ أَقْوَالِيَ الَّتِي أَسْنَدْتُهَا إِلَى نَفْسِي أَوَّلًا فِي حَالِ حَيَاةِ الْأُسْتَاذِ بِقَوْلِي: وَأَزِيدُ الْآنَ، أَوْ وَأَقُولُ الْآنَ، ثُمَّ تَرَكْتُ ذَلِكَ وَاكْتَفَيْتُ بِكَلِمَةِ (أَقُولُ).
— 15 —
هَذَا وَإِنَّنِي لَمَّا اسْتَقْلَلْتُ بِالْعَمَلِ بَعْدَ وَفَاتِهِ خَالَفْتُ مَنْهَجَهُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - بِالتَّوَسُّعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، سَوَاءٌ كَانَ تَفْسِيرًا لَهَا أَوْ فِي حُكْمِهَا، وَفِي تَحْقِيقِ بَعْضِ الْمُفْرَدَاتِ أَوِ الْجُمَلِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْإِكْثَارِ مِنْ شَوَاهِدِ الْآيَاتِ فِي السُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَفِي بَعْضِ الِاسْتِطْرَادَاتِ لِتَحْقِيقِ مَسَائِلَ تَشْتَدُّ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَحْقِيقِهَا، بِمَا يُثَبِّتُهُمْ بِهِدَايَةِ دِينِهِمْ فِي هَذَا الْعَصْرِ، أَوْ يُقَوِّي حُجَّتَهُمْ عَلَى خُصُومِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُبْتَدِعَةِ، أَوْ يَحِلُّ بَعْضَ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي أَعْيَا حَلُّهَا بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَأَسْتَحْسَنُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقْرَأَ الْفُصُولَ الِاسْتِطْرَادِيَّةَ الطَّوِيلَةَ وَحْدَهَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي يَقْرَأُ فِيهِ التَّفْسِيرَ لِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَالِاهْتِدَاءِ بِهِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي النُّهُوضِ بِإِصْلَاحِ أُمَّتِهِ وَتَجْدِيدِ شَبَابِ مِلَّتِهِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْهُ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَخُصَّنِي وَالْأُسْتَاذَ بِدَعَوَاتِهِ الصَّالِحَةِ.
مُحَمَّدٌ رَشِيدٌ رِضًا
— 16 —
مُقَدِّمَةُ التَّفْسِيرِ
(الْمُقْتَبَسَةُ مِنْ دَرْسِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ بِالْمَعْنَى، مَعَ الْبَسْطِ وَالْإِيضَاحِ)
التَّكَلُّمُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ السَّهْلِ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ وَأَهَمِّهَا، وَمَا كُلُّ صَعْبٍ يُتْرَكُ. وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنْ طَلَبِهِ. وَوُجُوهُ الصُّعُوبَةِ كَثِيرَةٌ.
أَهَمُّهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ سَمَاوِيٌّ تَنَزَّلَ مِنْ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا يَكْتَنِهُ كُنْهَهَا عَلَى قَلْبِ أَكْمَلِ الْأَنْبِيَاءِ. وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَارِفَ عَالِيَةٍ، وَمَطَالِبَ سَامِيَّةٍ، لَا يُشْرِفُ عَلَيْهَا إِلَّا أَصْحَابُ النُّفُوسِ الزَّاكِيَةِ، وَالْعُقُولِ الصَّافِيَةِ، وَإِنَّ الطَّالِبَ لَهُ يَجِدُ أَمَامَهُ مِنَ الْهَيْبَةِ وَالْجَلَالِ الْفَائِضَيْنِ مِنْ حَضْرَةِ الْكَمَالِ مَا يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ، وَيَكَادُ يَحُولُ دُونَ مَطْلُوبِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى خَفَّفَ عَلَيْنَا الْأَمْرَ بِأَنْ أَمَرَنَا بِالْفَهْمِ وَالتَّعَقُّلِ لِكَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْزَلَ الْكِتَابَ نُورًا وَهُدًى، مُبَيِّنًا لِلنَّاسِ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانُوا يَفْهَمُونَهُ.
وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي نَطْلُبُهُ هُوَ فَهْمُ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دِينٌ يُرْشِدُ النَّاسَ إِلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا وَحَيَاتِهِمُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصِدُ الْأَعْلَى مِنْهُ، وَمَا وَرَاءَ هَذَا مِنَ الْمَبَاحِثِ تَابِعٌ لَهُ وَأَدَاةٌ أَوْ وَسِيلَةٌ لِتَحْصِيلِهِ.
التَّفْسِيرُ لَهُ وُجُوهٌ شَتَّى:
(أَحَدُهَا) : النَّظَرُ فِي أَسَالِيبِ الْكِتَابِ وَمَعَانِيهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ لِيُعْرَفَ بِهِ عُلُوُّ الْكَلَامِ وَامْتِيَازُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقَوْلِ، سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَقَدْ أَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَقَاصِدِ
الْأُخْرَى وَنَحَا نَحْوَهُ آخَرُونَ.
(ثَانِيهَا) : الْإِعْرَابُ: وَقَدِ اعْتَنَى بِهَذَا أَقْوَامٌ تَوَسَّعُوا فِي بَيَانِ وُجُوهِهِ وَمَا تَحْتَمِلُهُ الْأَلْفَاظُ مِنْهَا.
(ثَالِثُهَا) : تَتَبُّعُ الْقَصَصِ، وَقَدْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ أَقْوَامٌ زَادُوا فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ مَا شَاءُوا مِنْ كُتُبِ التَّارِيخِ وَالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا عَلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ أَخَذُوا جَمِيعَ مَا سَمِعُوهُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ غَثٍّ وَسَمِينٍ، وَلَا تَنْقِيحٍ لِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَلَا يُطَابِقُ الْعَقْلَ.
— 17 —
(رَابِعُهَا) : غَرِيبُ الْقُرْآنِ.
(خَامِسُهَا) : الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ عِبَادَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْهَا. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ وَفَسَّرُوهَا وَحْدَهَا. وَمِنْ أَشْهَرِهِمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَكُلُّ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْفِقْهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، يُعْنَوْنَ بِتَفْسِيرِ آيَاتِ أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ أَكْثَرَ مِنْ عِنَايَتِهِمْ بِسَائِرِ الْآيَاتِ.
(سَادِسُهَا) : الْكَلَامُ فِي أُصُولِ الْعَقَائِدِ وَمُقَارَعَةِ الزَّائِغِينَ، وَمُحَاجَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ. وَلِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ الْعِنَايَةُ الْكُبْرَى بِهَذَا النَّوْعِ.
(سَابِعُهَا) : الْمَوَاعِظُ وَالرَّقَائِقُ، وَقَدْ مَزَجَهَا الَّذِينَ وَلِعُوا بِهَا بِحِكَايَاتِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْعُبَّادِ، وَخَرَجُوا بِبَعْضِ ذَلِكَ عَنْ حُدُودِ الْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ الَّتِي وَضَعَهَا الْقُرْآنُ.
(ثَامِنُهَا) : مَا يُسَمُّونَهُ بِالْإِشَارَةِ، وَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ كَلَامُ الْبَاطِنِيَّةِ بِكَلَامِ الصُّوفِيَّةِ. وَمِنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ الَّذِي يَنْسُبُونَهُ لِلشَّيْخِ الْأَكْبَرِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ. وَإِنَّمَا هُوَ لِلْقَاشَانِيِّ الْبَاطِنِيِّ الشَّهِيرِ، وَفِيهِ مِنَ النَّزَعَاتِ مَا يَتَبَرَّأُ مِنْهُ دِينُ اللهِ وَكِتَابُهُ الْعَزِيزُ.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الْإِكْثَارَ فِي مَقْصِدٍ خَاصٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ يَخْرُجُ بِالْكَثِيرِينَ عَنِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْكِتَابِ الْإِلَهِيِّ، وَيَذْهَبُ بِهِمْ فِي مَذَاهِبَ تُنْسِيهِمْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ؛ لِهَذَا كَانَ الَّذِي نُعْنَى بِهِ مِنَ التَّفْسِيرِ هُوَ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ
، أَيْ مِنْ فَهْمِ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دِينٌ، وَهِدَايَةٌ مِنَ اللهِ لِلْعَالِمِينَ، جَامِعَةٌ بَيْنَ بَيَانِ مَا يَصْلُحُ بِهِ أَمْرُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَا يَكُونُونَ بِهِ سُعَدَاءَ فِي الْآخِرَةِ وَيَتْبَعُهُ بِلَا رَيْبٍ: بَيَانُ وُجُوهِ الْبَلَاغَةِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْمَعْنَى وَتَحْقِيقُ الْإِعْرَابِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِفَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ أَيْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ كَالْمَسَائِلِ الَّتِي عَدُّوهَا مُشْكِلَةً، وَرُبَّمَا نُشِيرُ أَحْيَانًا إِلَى الْإِعْرَابِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِعِبَارَاتِ النَّحْوِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ، كَمَا نَفْعَلُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ نُكَتِ الْبَلَاغَةِ أَوْ قَوَاعِدِ الْأُصُولِ، حَتَّى لَا تَكُونَ الِاصْطِلَاحَاتُ شَاغِلًا لِلْقَارِئِ عَنِ الْمَعَانِي، صَارِفَةً لَهُ عَنِ الْعِبْرَةِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّفْسِيرِ وَالنَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ السَّابِقِينَ نَظَرُوا فِيَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتَنْبَطُوا الْأَحْكَامَ مِنْهُمَا، فَمَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَنْظُرَ فِي كُتُبِهِمْ وَنَسْتَغْنِيَ بِهِمْ - هَكَذَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الزَّعْمُ لَكَانَ طَلَبُ التَّفْسِيرِ عَبَثًا، يَضِيعُ بِهِ الْوَقْتُ سُدًى وَهُوَ - عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الْفِقْهِ - مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى آخَرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَخْطُرُ هَذَا عَلَى بَالِ مُسْلِمٍ؟
الْأَحْكَامُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي جَرَى الِاصْطِلَاحُ عَلَى تَسْمِيَتِهَا فِقْهًا هِيَ أَقَلُّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ التَّهْذِيبِ وَدَعْوَةِ الْأَرْوَاحِ إِلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُهَا وَرَفْعُهَا مِنْ حَضِيضِ الْجَهَالَةِ إِلَى أَوْجِ الْمَعْرِفَةِ،
— 18 —
وَإِرْشَادُهَا إِلَى طَرِيقَةِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا هُوَ أَجْدَرُ بِالدُّخُولِ فِي الْفِقْهِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا الْإِرْشَادُ إِلَّا فِي الْقُرْآنِ، وَفِيمَا أُخِذَ مِنْهُ - كَإِحْيَاءِ الْعُلُومِ - حَظٌّ عَظِيمٌ مِنْ عِلْمِ التَّهْذِيبِ، وَلَكِنَّ سُلْطَانَ الْقُرْآنِ
عَلَى نُفُوسِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَهُ وَتَأْثِيرَهُ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ لَا يُسَاهِمُهُ فِيهِ كَلَامٌ، كَمَا أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ حِكَمِهِ وَمَعَارِفِهِ لَمْ يُكْشَفْ عَنْهَا اللِّثَامُ. وَلَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا عَالِمٌ وَلَا إِمَامٌ. ثُمَّ إِنَّ أَئِمَّةَ الدِّينِ قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ سَيَبْقَى حُجَّةً عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبَشَرِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمِنْ أَدِلَّةِ ذَلِكَ حَدِيثُ: " وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ " وَلَا يُعْقَلُ إِلَّا بِفَهْمِهِ، وَالْإِصَابَةِ مِنْ حِكْمَتِهِ وَحِكَمِهِ.
خَاطَبَ اللهُ بِالْقُرْآنِ مَنْ كَانَ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ، وَلَمْ يُوَجِّهِ الْخِطَابَ إِلَيْهِمْ لِخُصُوصِيَّةٍ فِي أَشْخَاصِهِمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَفْرَادِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِهِدَايَتِهِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) فَهَلْ يُعْقَلُ أَنَّهُ يَرْضَى مِنَّا بِأَنْ لَا نَفْهَمَ قَوْلَهُ هَذَا وَنَكْتَفِيَ بِالنَّظَرِ فِي قَوْلِ نَاظِرٍ نَظَرَ فِيهِ، لَمْ يَأْتِنَا مِنَ اللهِ وَحْيٌ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا؟ ! كَلَّا إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَفْهَمَ آيَاتِ الْكِتَابِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَالَمٍ وَجَاهِلٍ.
يَكْفِي الْعَامِّيَّ مِنْ فَهْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إِلَخْ: مَا يُعْطِيهِ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَنَّ الَّذِينَ جُمِعَتْ أَوْصَافُهُمْ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ لَهُمُ الْفَوْزُ وَالْفَلَاحُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَيَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ الْأَوْصَافِ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى الْخُشُوعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّغْوِ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى مَا فِيهِ فَائِدَةٌ لَهُ، دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ أُخْرَوِيَّةٌ، وَبَذْلِ الْمَالِ فِي الزَّكَاةِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَصِدْقِ الْوَعْدِ، وَالْعِفَّةِ عَنْ إِتْيَانِ الْفَاحِشَةِ، وَأَنَّ مَنْ فَارَقَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ إِلَى أَضْدَادِهَا فَهُوَ الْمُتَعَدِّي حُدُودَ اللهِ، الْمُتَعَرِّضُ لِغَضَبِهِ، وَفَهْمُ هَذِهِ الْمَعَانِي مِمَّا يَسْهُلُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ أَيِّ طَبَقَةٍ كَانَ، وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ لُغَةٍ كَانَ. وَمِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْقُرْآنِ بِقَدْرِ مَا يَجْذِبُ نَفْسَهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَصْرِفُهَا عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ لِهِدَايَتِنَا وَهُوَ يَعْلَمُ مِنَّا كُلَّ
أَنْوَاعِ الضَّعْفِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. وَهُنَاكَ مَرْتَبَةٌ تَعْلُو عَلَى هَذِهِ وَهِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
لِلتَّفْسِيرِ مَرَاتِبُ أَدْنَاهَا: أَنْ يُبَيِّنَ بِالْإِجْمَالِ مَا يُشْرِبُ الْقَلْبَ عَظَمَةَ اللهِ وَتَنْزِيهَهُ، وَيَصْرِفُ النَّفْسَ عَنِ الشَّرِّ وَيَجْذِبُهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي قُلْنَا إِنَّهَا مُتَيَسِّرَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (٥٤: ١٧).
وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا فَهِيَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِأُمُورٍ:
(أَحَدُهَا) : فَهْمُ حَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي أُودِعَهَا الْقُرْآنُ بِحَيْثُ يُحَقِّقُ الْمُفَسِّرُ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمَالَاتِ أَهْلِ اللُّغَةِ، غَيْرَ مُكْتَفٍ بِقَوْلِ فُلَانٍ وَفَهْمِ فُلَانٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَلْفَاظِ كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ لِمَعَانٍ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، مِنْ ذَلِكَ لَفْظُ " التَّأْوِيلِ " اشْتُهِرَ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ مُطْلَقًا أَوْ عَلَى وَجْهٍ
— 19 —
مَخْصُوصٍ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِمَعَانٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فَمَا هَذَا التَّأْوِيلُ؟ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الْفَهْمَ الصَّحِيحَ أَنْ يَتَتَبَّعَ الِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي الْمِلَّةِ؛ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ. فَكَثِيرًا مَا يُفَسِّرُ الْمُفَسِّرُونَ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ بِالِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي الْمِلَّةِ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى. فَعَلَى الْمُدَقِّقِ
أَنْ يُفَسِّرَ الْقُرْآنَ بِحَسْبِ الْمَعَانِي الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي عَصْرِ نُزُولِهِ. وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَفْهَمَ اللَّفْظَ مِنَ الْقُرْآنِ نَفْسَهُ بِأَنْ يَجْمَعَ مَا تَكَرَّرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ وَيَنْظُرَ فِيهِ، فَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَ بِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَلَفْظِ " الْهِدَايَةِ " - سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْفَاتِحَةِ - وَغَيْرِهِ، وَيُحَقِّقُ كَيْفَ يَتَّفِقُ مَعْنَاهُ مَعَ جُمْلَةِ مَعْنَى الْآيَةِ فَيَعْرِفُ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبَ مِنْ بَيْنِ مَعَانِيهِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّ أَفْضَلَ قَرِينَةٍ تَقُومُ عَلَى حَقِيقَةِ مَعْنَى اللَّفْظِ مُوَافَقَتُهُ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْقَوْلِ، وَاتِّفَاقُهُ مَعَ جُمْلَةِ الْمَعْنَى، وَائْتِلَافُهُ مَعَ الْقَصْدِ الَّذِي جَاءَ لَهُ الْكِتَابُ بِجُمْلَتِهِ.
(ثَانِيهَا) : الْأَسَالِيبُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهَا مَا يَفْهَمُ بِهِ هَذِهِ الْأَسَالِيبَ الرَّفِيعَةَ. وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمُمَارَسَةِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَمُزَاوَلَتِهِ، مَعَ التَّفَطُّنِ لِنُكَتِهِ وَمَحَاسِنِهِ، وَالْعِنَايَةِ بِالْوُقُوفِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهُ. نَعَمْ إِنَّنَا لَا نَتَسَامَى إِلَى فَهْمِ مُرَادِ اللهِ تَعَالَى كُلِّهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ وَلَكِنْ يُمْكِنُنَا فَهْمُ مَا نَهْتَدِي بِهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ. وَيَحْتَاجُ هَذَا إِلَى عِلْمِ الْإِعْرَابِ وَعِلْمِ الْأَسَالِيبِ (الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ) وَلَكِنَّ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْفُنُونِ وَفَهْمِ مَسَائِلِهَا وَحِفْظِ أَحْكَامِهَا لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ.
تَرَوْنَ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا مُسَدَّدِينَ فِي النُّطْقِ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يُوَافِقُ الْقَوَاعِدَ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، أَتَحْسَبُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ طَبِيعِيًّا لَهُمْ؟ كَلَّا، وَإِنَّمَا هِيَ مَلَكَةٌ مُكْتَسَبَةٌ بِالسَّمَاعِ وَالْمُحَاكَاةِ، وَلِذَلِكَ صَارَ أَبْنَاءُ الْعَرَبِ أَشَدَّ عُجْمَةً مِنَ الْعَجَمِ عِنْدَمَا اخْتَلَطُوا بِهِمْ. وَلَوْ كَانَ طَبِيعِيًّا ذَاتِيًّا لَهُمْ لَمَا فَقَدُوهُ فِي مُدَّةِ خَمْسِينَ سَنَةً مِنْ بَعْدِ الْهِجْرَةِ.
(ثَالِثُهَا) : عِلْمُ أَحْوَالِ الْبَشَرِ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ وَجَعَلَهُ
آخِرَ الْكُتُبِ، وَبَيَّنَ فِيهِ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ فِي غَيْرِهِ. بَيَّنَ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْخَلْقِ وَطَبَائِعِهِمْ وَالسُّنَنَ الْإِلَهِيَّةَ فِي الْبَشَرِ، قَصَّ عَلَيْنَا أَحْسَنَ الْقَصَصِ عَنِ الْأُمَمِ وَسِيَرِهَا الْمُوَافَقَةِ لِسُنَّتِهِ فِيهَا. فَلَا بُدَّ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ فِي أَطْوَارِهِمْ وَأَدْوَارِهِمْ، وَمَنَاشِئِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، مِنْ قُوَّةٍ
— 20 —
وَضَعْفٍ، وَعِزٍّ وَذُلٍّ، وَعِلْمٍ وَجَهْلٍ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ، وَمِنَ الْعِلْمِ بِأَحْوَالِ الْعَالَمِ الْكَبِيرِ عُلْوِيِّهِ وَسُفْلِيِّهِ، وَيُحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى فُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهَمِّهَا التَّارِيخُ بِأَنْوَاعِهِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَنَا لَا أَعْقِلُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (٢: ٢١٣) الْآيَةَ - وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَحْوَالَ الْبَشَرِ، وَكَيْفَ اتَّحَدُوا، وَكَيْفَ تَفَرَّقُوا؟ وَمَا مَعْنَى تِلْكَ الْوَاحِدَةِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟ وَهَلْ كَانَتْ نَافِعَةً أَمْ ضَارَّةً؟ وَمَاذَا كَانَ مِنْ آثَارِ بَعْثِهِ النَّبِيِّينَ فِيهِمْ.
أَجْمَلَ الْقُرْآنُ الْكَلَامَ عَنِ الْأُمَمِ، وَعَنِ السُّنَنِ الْإِلَهِيَّةِ، وَعَنْ آيَاتِهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفَسِ، وَهُوَ إِجْمَالٌ صَادِرٌ عَمَّنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَمَرَنَا بِالنَّظَرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِنَفْهَمَ إِجْمَالَهُ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي يَزِيدُنَا ارْتِقَاءً وَكَمَالًا، وَلَوِ اكْتَفَيْنَا مِنْ عِلْمِ الْكَوْنِ بِنَظْرَةٍ فِي ظَاهِرِهِ، لَكُنَّا كَمَنْ يَعْتَبِرُ الْكِتَابَ بِلَوْنِ جِلْدِهِ لَا بِمَا حَوَاهُ مِنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ.
(رَابِعُهَا) : الْعِلْمُ بِوَجْهِ هِدَايَةِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ بِالْقُرْآنِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُفَسِّرِ
الْقَائِمِ بِهَذَا الْفَرْضِ الْكِفَائِيِّ أَنْ يَعْلَمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُنَادِي بِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ كَانُوا فِي شَقَاءٍ وَضَلَالٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ بِهِ لِهِدَايَتِهِمْ وَإِسْعَادِهِمْ. وَكَيْفَ يَفْهَمُ الْمُفَسِّرُ مَا قَبَّحَتْهُ الْآيَاتُ مِنْ عَوَائِدِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِأَحْوَالِهِمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ؟ هَلْ يَكْتَفِي مِنْ عُلَمَاءِ الْقُرْآنِ دُعَاةِ الدِّينِ وَالْمُنَاضِلِينَ عَنْهُ بِالتَّقْلِيدِ بِأَنْ يَقُولُوا تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِمْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ دَحَضَ أَبَاطِيلَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ؟ كَلَّا.
وَأَقُولُ الْآنَ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ " وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْرِفْ حَالَ النَّاسِ قَبْلَهُ يَجْهَلُ تَأْثِيرَ هِدَايَتِهِ وَعِنَايَةَ اللهِ بِجَعْلِهِ مُغَيِّرًا لِأَحْوَالِ الْبَشَرِ وَمُخْرِجًا لَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمَنْ جَهِلَ هَذَا يَظُنُّ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَمْرٌ عَادِيٌّ. كَمَا تَرَى بَعْضَ الَّذِينَ يَتَرَبَّوْنَ فِي النَّظَافَةِ وَالنَّعِيمِ يَعُدُّونَ التَّشْدِيدَ فِي الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ وَالسِّوَاكِ مِنْ قَبِيلِ اللَّغْوِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ عِنْدَهُمْ، وَلَوِ اخْتَبَرُوا غَيْرَهُمْ مِنْ طَبَقَاتِ النَّاسِ لَعَرَفُوا الْحِكْمَةَ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ وَتَأْثِيرَ تِلْكَ الْآدَابِ مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟
(خَامِسُهَا) : الْعِلْمُ بِسِيرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَتَصَرُّفٍ فِي الشُّئُونِ دُنْيَوِيِّهَا وَأُخْرَوِيِّهَا.
— 21 —
فَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْسِيرَ قِسْمَانِ:
(أَحَدُهَمَا) : جَافٌّ مُبْعِدٌ عَنِ اللهِ وَعَنْ كِتَابِهِ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ حَلُّ الْأَلْفَاظِ وَإِعْرَابُ الْجُمَلِ وَبَيَانُ مَا تَرْمِي إِلَيْهِ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ وَالْإِشَارَاتُ مِنَ النُّكَتِ الْفَنِّيَّةِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى تَفْسِيرًا، وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِينِ فِي الْفُنُونِ كَالنَّحْوِ وَالْمَعَانِي وَغَيْرِهِمَا.
(ثَانِيهُمَا) : وَهُوَ التَّفْسِيرُ الَّذِي قُلْنَا: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ - عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ - هُوَ الَّذِي يَسْتَجْمِعُ تِلْكَ الشُّرُوطَ لِأَجْلِ أَنْ تُسْتَعْمَلَ لِغَايَتِهَا، وَهُوَ ذَهَابُ الْمُفَسِّرِ إِلَى فَهْمِ الْمُرَادِ مِنَ الْقَوْلِ، وَحِكْمَةِ التَّشْرِيعِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْذِبُ الْأَرْوَاحَ، وَيَسُوقُهَا إِلَى الْعَمَلِ وَالْهِدَايَةِ الْمُودَعَةِ فِي الْكَلَامِ، لِيَتَحَقَّقَ فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: (هُدًى وَرَحْمَةً) وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَوْصَافِ. فَالْمَقْصِدُ الْحَقِيقِيُّ وَرَاءَ كُلِّ تِلْكَ الشُّرُوطِ وَالْفُنُونِ هُوَ الِاهْتِدَاءُ بِالْقُرْآنِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَهَذَا هُوَ الْغَرَضُ الَّذِي أَرْمِي إِلَيْهِ فِي قِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ.
وَتَكَلَّمَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَيْضًا عَنِ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ بَيَّنَ عَظِيمَ شَأْنِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِهِ بِمَا مِثَالُهُ: مَثَلُ النَّاطِقِينَ بِالْعَرَبِيَّةِ الْآنَ - مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى نِهَايَةِ بِلَادِ مُرَّاكُشَ - بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرَبِ فِي لُغَتِهِمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ مِنَ الْأَعَاجِمِ الْمُخَالِطِينَ لِلْعَرَبِ، وَجَدَ فِي كَلَامِهِمْ - بِسَبَبِ الْمُخَالَطَةِ - مُفْرَدَاتٍ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ. فَهَؤُلَاءِ الْأَقْوَامُ أَشَدُّ حَاجَةً إِلَى التَّفْسِيرِ، وَفَهْمِ الْقُرْآنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَاسِيَّمَا مَنْ كَانُوا فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ حَيْثُ بُدِئَ بِكِتَابَةِ التَّفْسِيرِ وَأَحَسَّ الْمُسْلِمُونَ بِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا يَكُونُ أَحْوَجَ مِنَّا إِلَى ذَلِكَ إِذَا بَقِينَا عَلَى تَقَهْقُرِنَا، وَلَكِنْ إِذَا يَسَّرَ اللهُ لَنَا نَهْضَةً لِإِحْيَاءِ لُغَتِنَا وَدِينِنَا فَرُبَّمَا يَكُونُ مَنْ بَعْدَنَا أَحْسَنَ حَالًا مِنَّا.
التَّفْسِيرُ عِنْدَ قَوْمِنَا الْيَوْمَ وَمِنْ قَبْلِ الْيَوْمِ بِقُرُونٍ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِمْ مِنَ اخْتِلَافٍ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْقُرْآنُ (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (٤: ٨٢) وَلَيْتَ أَهْلَ الْعِنَايَةِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ يَطْلُبُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَعْنًى تَسْتَقِرُّ
عَلَيْهِ أَفْهَامُهُمْ فِي الْعِلْمِ بِمَعَانِي الْكِتَابِ، ثُمَّ يَبُثُّونَهُ فِي النَّاسِ وَيَحْمِلُونَهُمْ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا صِنَاعَةً يُفَاخِرُونَ بِالتَّفَنُّنِ فِيهَا، وَيُمَارُونَ فِيهَا مَنْ يُبَارِيهِمْ فِي طَلَبِهَا، وَلَا يَخْرُجُونَ لِإِظْهَارِ الْبَرَاعَةِ فِي تَحْصِيلِهَا عَنْ حَدِّ الْإِكْثَارِ مِنَ الْقَوْلِ، وَاخْتِرَاعِ الْوُجُوهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَالْإِغْرَابِ فِي الْإِبْعَادِ عَنْ مَقَاصِدِ التَّنْزِيلِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَسْأَلُنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ أَقْوَالِ النَّاسِ وَمَا فَهِمُوهُ وَإِنَّمَا يَسْأَلُنَا عَنْ كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ لِإِرْشَادِنَا وَهِدَايَتِنَا، وَعَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ الَّذِي بَيَّنَ لَنَا مَا نُزِّلَ إِلَيْنَا (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (١٦: ٤٤)
— 22 —
يَسْأَلُنَا هَلْ بَلَغَتْكُمُ الرِّسَالَةُ؟ هَلْ تَدَبَّرْتُمْ مَا بُلِّغْتُمْ؟ هَلْ عَقَلْتُمْ مَا عَنْهُ نُهِيتُمْ وَمَا بِهِ أُمِرْتُمْ؟ وَهَلْ عَمِلْتُمْ بِإِرْشَادِ الْقُرْآنِ، وَاهْتَدَيْتُمْ بِهَدْيِ النَّبِيِّ وَاتَّبَعْتُمْ سُنَّتَهُ؟ عَجَبًا لَنَا نَنْتَظِرُ هَذَا السُّؤَالَ وَنَحْنُ فِي هَذَا الْإِعْرَاضِ عَنِ الْقُرْآنِ وَهَدْيِهِ، فَيَا لَلْغَفْلَةِ وَالْغُرُورِ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.
مَعْرِفَتُنَا بِالْقُرْآنِ كَمَعْرِفَتِنَا بِاللهِ تَعَالَى: أَوَّلُ مَا يُلَقَّنُ الْوَلِيدُ عِنْدَنَا مِنْ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى، هُوَ اسْمُ " اللهِ " تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَتَعَلَّمُهُ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ كَقَوْلِهِ: وَاللهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَاللهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ يَسْمَعُ الصَّبِيُّ مِمَّنْ يَعِيشُ مَعَهُمْ أَنَّهُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَعْقِلُ مَعْنَى ذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَعْرِفُ مِنْ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ إِلَّا مَا يُعَظِّمُهُ بِهِ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَتَرَبَّى بَيْنَهُمْ. وَذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ.
(أَحَدُهُمَا) : اعْتِقَادُ أَنَّ آيَةَ كَذَا إِذَا كُتِبَتْ وَمُحِيَتْ بِمَاءٍ وَشَرِبَهُ صَاحِبُ مَرَضِ كَذَا يُشْفَى، وَأَنَّ مَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ، لَا يَقْرَبُهُ جِنٌّ وَلَا شَيْطَانٌ، وَيُبَارَكُ لَهُ فِي كَذَا وَكَذَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ وَمَعْرُوفٌ لِلْعَامَّةِ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ لِلْخَاصَّةِ، وَمَعَ صَرْفِ النَّظَرِ عَنْ صِحَّةِ هَذَا
وَعَدَمِ صِحَّتِهِ نَقُولُ: إِنَّ فِيهِ مُبَالَغَةً فِي التَّعْظِيمِ عَظِيمَةً جِدًّا وَلَكِنَّهَا - وَيَا لَلْأَسَفِ - لَا تَزِيدُ عَنْ تَعْظِيمِ التُّرَابِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ بَعْضِ الْأَضْرِحَةِ ابْتِغَاءَ هَذِهِ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ نَفْسِهَا. أَقُولُ: وَنَحْوُ هَذَا مَا يُعَلَّقُ عَلَى الْأَطْفَالِ مِنَ التَّعَاوِيذِ وَالتَّنَاجِيسِ كَالْخِرَقِ وَالْعِظَامِ وَالتَّمَائِمِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الطَّلْسَمَاتِ وَالْكَلِمَاتِ الْأَعْجَمِيَّةِ، الْمَنْقُولَةِ عَنْ بَعْضِ الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ، هَذَا الضَّرْبُ مِنْ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ نُسَمِّيهِ - إِذَا جَرَيْنَا عَلَى سُنَّةِ الْقُرْآنِ - عِبَادَةً لِلْقُرْآنِ لَا عِبَادَةً لِلَّهِ بِهِ.
(ثَانِيهِمَا) : الْهِزَّةُ وَالْحَرَكَةُ الْمَخْصُوصَةُ وَالْكَلِمَاتُ الْمَعْلُومَةُ الَّتِي تَصْدُرُ مِمَّنْ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ، إِذَا كَانَ الْقَارِئُ رَخِيمَ الصَّوْتِ حَسَنَ الْأَدَاءِ عَارِفًا بِالتَّطْرِيبِ عَلَى أُصُولِ النَّغَمِ. وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ اللَّذَّةِ وَالنَّشْوَةِ هُوَ حُسْنُ الصَّوْتِ وَالنَّغَمِ، بَلْ أَقْوَى سَبَبٍ لِذَلِكَ هُوَ بُعْدُ السَّامِعِ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ. وَأَعْنِي بِالْفَهْمِ مَا يَكُونُ عَنْ ذَوْقٍ سَلِيمٍ تُصِيبُهُ أَسَالِيبُ الْقُرْآنِ بِعَجَائِبِهَا، وَتَمْلِكُهُ مَوَاعِظُهُ فَتَشْغَلُهُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ. لَا أُرِيدُ الْفَهْمَ الْمَأْخُوذَ بِالتَّسْلِيمِ الْأَعْمَى مِنَ الْكُتُبِ أَخْذًا جَافًّا لَمْ يَصْحَبْهُ ذَلِكَ الذَّوْقُ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ رِقَّةِ الشُّعُورِ وَلُطْفِ الْوِجْدَانِ، اللَّذَيْنِ هُمَا مَدَارُ التَّعَقُّلِ وَالتَّأَثُّرِ وَالْفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ.
لِهَذَا كُلِّهِ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْجَاهِلِيَّةَ الْيَوْمَ أَشَدُّ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالضَّالِّينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ مِنْ أُولَئِكَ مَنْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ أَمْرٌ عَظِيمٌ شَرِيفٌ، نَعَمْ رُبَّمَا كَانَ إِثْمُ صَاحِبِهَا مَعَ
الْجُحُودِ أَشَدَّ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ
— 23 —
دَائِمًا مَلُومًا مِنْ نَفْسِهِ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ الْحَقِّ، وَهَذَا اللَّوْمُ يُزَلْزِلُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْبَاطِلِ.
كَانَ الْبَدَوِيُّ رَاعِي الْغَنَمِ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ فَيَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا لِمَا عِنْدَهُ مِنْ رِقَّةِ الْإِحْسَاسِ وَلُطْفِ الشُّعُورِ، فَهَلْ يُقَاسُ هَذَا بِأَيِّ مُتَعَلِّمٍ الْيَوْمَ؟ أَرَأَيْتَ أَهْلَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، كَيْفَ انْضَوَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ بِجَاذِبِيَّةِ الْقُرْآنِ لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دِقَّةِ الْفَهْمِ، الَّتِي كَانَتْ سَبَبَ الِانْجِذَابِ إِلَى الْحَقِّ؟ ! وَأَشَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ هُنَا إِلَى الْبِنْتِ الْأَعْرَابِيَّةِ الَّتِي فَطِنَتْ لِاشْتِمَالِ الْآيَةِ الْآتِيَةِ عَلَى أَمْرَيْنِ وَنَهْيَيْنِ وَبِشَارَتَيْنِ. وَمُجْمَلُ الْخَبَرِ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ بِنْتًا مِنَ الْأَعْرَابِ خُمَاسِيَّةً أَوْ سُدَاسِيَّةً تُنْشِدُ:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَنْبِي كُلِّهِ قَتَلْتُ إِنْسَانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
مِثْلَ غَزَالٍ نَاعِمٍ فِي دَلِّهِ وَانْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصَلِّهِ
فَقُلْتُ لَهَا: قَاتَلَكِ اللهُ مَا أَفْصَحَكِ، فَقَالَتْ: وَيَحَكَ أَيُعَدُّ هَذَا فَصَاحَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٨: ٧) فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَنَهْيَيْنِ وَبِشَارَتَيْنِ.
لَمَّا رَأَى عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ تَأْثِيرَ الْقُرْآنِ فِي جَذْبِ قُلُوبِ النَّاسِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُحْفَظُ إِلَّا بِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَرَبُ قَدِ اخْتَلَطُوا بِالْعَجَمِ، وَفَهِمَ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَعَاجِمِ مَا فَهِمَهُ عُلَمَاءُ الْعَرَبِ أَجْمَعَ كُلٌّ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَدَوَّنُوا لَهَا الدَّوَاوِينَ وَوَضَعُوا لَهَا الْفُنُونَ، نَعَمْ إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِلُغَةِ الْأُمَّةِ وَآدَابِهَا فَضِيلَةٌ فِي نَفْسِهِ وَمَادَّةٌ مِنْ مَوَادِّ حَيَاتِهَا، وَلَا حَيَاةَ لِأُمَّةٍ مَاتَتْ لُغَتُهَا. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا وَحْدَهُ هُوَ
الْحَامِلَ لِسَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى حِفْظِ اللُّغَةِ بِمُفْرَدَاتِهَا وَأَسَالِيبِهَا وَآدَابِهَا، وَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا.
أَلَّفَ الْعَلَّامَةُ الْإِسْفَرَايِينِيُّ كِتَابًا فِي الْفِرَقِ خَتَمَهُ بِذِكْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَزَايَاهُمْ، وَعَدَّ مِنْ فَضَائِلِهِمُ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا عَلَى سَائِرِ الْفِرَقِ: التِّبْرِيزَ فِي اللُّغَةِ وَآدَابِهَا، وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَجْلَى بَيَانٍ. فَأَيْنَ هَذِهِ الْمَزَايَا الْيَوْمَ؟ وَأَيْنَ آثَارُهَا فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ؟ بَلْ فَهْمِ مَا دُونَهُ مِنَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ! وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْحَاجَةِ فِي التَّفْسِيرِ إِلَى تَحْصِيلِ مَلَكَةِ الذَّوْقِ الْعَرَبِيِّ، وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا فَهْمُ الْقُرْآنِ اهـ.
أَقُولُ الْآنَ: إِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ حُجَّةُ اللهِ الْبَالِغَةُ عَلَى دِينِهِ الْحَقِّ، فَلَا بَقَاءَ لِلْإِسْلَامِ إِلَّا بِفَهْمِ الْقُرْآنِ فَهْمًا صَحِيحًا، وَلَا بَقَاءَ لِفَهْمِهِ إِلَّا بِحَيَاةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي بَعْضِ بِلَادِ الْأَعَاجِمِ فَإِنَّمَا بَقَاؤُهُ بِوُجُودِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ مِنَ التَّفْسِيرِ مَا يَكْفِي لِرَدِّ الشُّبُهَاتِ عَنِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ، وَبِبَقَاءِ ثِقَةِ الْعَامَّةِ بِهِمْ وَبِمَا يَقُولُونَهُ تَقْلِيدًا لَهُمْ فِيهِ، أَوْ بِعَدَمِ عُرُوضِ الشُّبَهِ لَهُمْ مِنْ دُعَاةِ
— 24 —
الْأَدْيَانِ الْأُخْرَى، مَعَ تَأْثِيرِ الْوِرَاثَةِ وَالتَّقْلِيدِ مِنْ قَبِيلِ مَا يُسَمَّى فِي الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ: بِحَرَكَةِ الِاسْتِمْرَارِ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ عَلَى حِفْظِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَنَشْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ الْعِلْمُ وَالدِّينُ فِي أَوْجِ الْقُوَّةِ بِحَيَاةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
كَانَ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ صَارَ أَخًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ أُمَّتَهُ هِيَ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، لَا الْعَرَبِيَّةُ وَلَا الْفَارِسِيَّةُ وَلَا الْقِبْطِيَّةُ وَلَا التُّرْكِيَّةُ.... كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (٢١: ٩٢) وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّ وَحْدَةَ الْأُمَّةِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِوَحْدَةِ اللُّغَةِ، وَلَا لُغَةَ تَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْبُطُهُمْ إِلَّا لُغَةُ الدِّينِ الَّذِي جَعَلَهُمْ بِنِعْمَةِ اللهِ إِخْوَانًا، وَهِيَ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَعُدْ خَاصَّةً بِالْجِنْسِ الْعَرَبِيِّ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَجْنَاسِ - الْمُعَبَّرِ عَنْهُمْ فِي
اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِ بِالْأَصْنَافِ - مِنْ جِهَةِ أَنْسَابِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ.
وَلِهَذَا كَانَ يَجْتَهِدُ مُسْلِمُو الْعَجَمِ فِي خِدْمَةِ هَذِهِ اللُّغَةِ كَمَا يَجْتَهِدُ مُسْلِمُو الْعَرَبِ بِلَا فَرْقٍ، وَيَعُدُّونَهَا لُغَتَهُمْ؛ لِأَنَّهَا لُغَةُ الْقُرْآنِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا حُجَّتُهُ: وَهُمْ مِنْ أُمَّةِ الْقُرْآنِ كَالْعَرَبِ بِلَا فَرْقٍ. قَالَ تَعَالَى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ - قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ - فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ".
ثُمَّ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَصَبِيَّةُ الْجِنْسِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي حَرَّمَهَا الْإِسْلَامُ وَشَدَّدَ فِي مَنْعِهَا، بَعْدَ أَنْ ضَعُفَ الْعِلْمُ وَالدِّينُ فِي الْمُسْلِمِينَ بِضَعْفِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِيهِمْ، حَتَّى قَامَ بَعْضُ الْأَعَاجِمِ فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْأَخِيرَةِ يَدْعُونَ قَوْمَهُمْ إِلَى تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ بِلُغَتِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ. زَاعِمًا أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ لَيْسَ لَهُ لُغَةٌ. وَغَلَا بَعْضُ هَؤُلَاءِ فِي بُغْضِ الْعَرَبِيَّةِ فَدَعَا مُسْلِمِي قَوْمِهِ إِلَى الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْعَمَلِ عَلَى إِقَامَةِ هَذِهِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِلُغَةِ الْإِسْلَامِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَانَ مِنْ عَاقِبَةِ هَذَا الضَّعْفِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْأَعَاجِمِ - كَجَاوَةَ، الَّتِي يَقِلُّ فِيهَا الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ بِالدِّينِ وَلُغَتِهِ، الْقَادِرُونَ عَلَى دَفْعِ الشُّبَهِ عَنِ الْقُرْآنِ - صَارُوا يَرْتَدُّونَ عَنِ الْإِسْلَامِ لِإِيضَاعِ دُعَاةِ النَّصْرَانِيَّةِ خِلَالَهُمْ، وَسُؤَالِهِمُ الْفِتْنَةَ بِالتَّشْكِيكِ فِي الْقُرْآنِ وَالطَّعْنِ فِيهِ. وَأَيْنَ مَنْ يَفْهَمُهُ وَيُدَافِعُ عَنْهُ هُنَاكَ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ
يَفْخَرُ بِسَلَفِهِ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ وَالْمَجُوسِ حَتَّى بِفِرْعَوْنَ الَّذِي لَعَنَهُ اللهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ.
أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنْ نَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَنَعْتَبِرَ بِهِ، وَنَتَذَكَّرَ وَنَهْتَدِيَ، وَأَنْ نَعْلَمَ مَا نَقُولُهُ فِي صِلَاتِنَا مِنْ آيَاتِهِ وَأَذْكَارِهِ، وَأَكَّدَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَالِامْتِثَالُ لَهَا وَالْعَمَلُ بِهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى. وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ مُعْجِزًا
— 25 —
لِلْبَشَرِ وَلَا تَقُومُ حُجَّتُهُ فِي هَذَا عَلَيْهِمْ إِلَّا بِفَهْمِهِ، وَلَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ إِلَّا بِفَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ الْفُصْحَى، فَمَعْرِفَةُ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ، نَدْعُو إِلَيْهَا جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الْقُرْآنِ.
وَإِنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا ضَعُفُوا وَزَالَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ الْوَاسِعِ إِلَّا بِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا فَقَدُوا مِنَ الْعِزِّ وَالسِّيَادَةِ وَالْكَرَامَةِ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى هِدَايَتِهِ، وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ كَمَا يَرَوْنَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالِاتِّفَاقِ عَلَى إِحْيَاءِ لُغَتِهِ فَالدُّعَاءُ لَهُ دُعَاءٌ لَهَا (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٨: ٢٤ - ٢٦) وَبِالشُّكْرِ تَدُومُ النِّعَمُ، وَكُفْرُهَا مَجْلَبَةٌ لِلنِّقَمِ، وَلِذَلِكَ أَرْشَدَنَا اللهُ فِي فَاتِحَةِ كِتَابِهِ إِلَى الدُّعَاءِ بِأَنْ يَهْدِيَنَا صِرَاطَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَهَا نَحْنُ أُولَاءِ نَبْدَأُ بِالْمَقْصُودِ بِعَوْنِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
— 26 —
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
(١)
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا سَبْعٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ: هُوَ أَنَّ الْمَكِّيَّةَ أَكْثَرُ إِيجَازًا؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا هُمْ أَبْلَغُ الْعَرَبِ وَأَفْصَحُهُمْ، وَعَلَى الْإِيجَازِ مَدَارُ الْبَلَاغَةِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ مُعْظَمَهَا تَنْبِيهَاتٌ وَزَوَاجِرُ وَبَيَانٌ لِأُصُولِ الدِّينِ بِالْإِجْمَالِ. وَقَدْ قُلْتُ فِي مُقَدِّمَةِ الطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ لِمُجَلَّدِ الْمَنَارِ الْأَوَّلِ فِي أُسْلُوبِ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ مَا نَصُّهُ:
إِنَّ أَكْثَرَ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ لَا سِيَّمَا الْمُنَزَّلَةُ فِي أَوَائِلِ الْبِعْثَةِ قَوَارِعُ تَصُخُّ الْجَنَانَ، وَتَصْدَعُ الْوِجْدَانَ، وَتُفْزِعُ الْقُلُوبَ إِلَى اسْتِشْعَارِ الْخَوْفِ، وَتَدُعُّ الْعُقُولَ إِلَى إِطَالَةِ الْفِكْرِ فِي الْخَطْبَيْنِ الْغَائِبِ وَالْعَتِيدِ، وَالْخَطَرَيْنِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَهُمَا عَذَابُ الدُّنْيَا بِالْإِبَادَةِ وَالِاسْتِئْصَالِ، أَوِ الْفَتْحُ الذَّاهِبُ بِالِاسْتِقْلَالِ، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ وَهُوَ أَشَدُّ وَأَقْوَى، وَأَنْكَى وَأَخْزَى - بِكُلٍّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ أَنْذَرَتِ السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ أُولَئِكَ الْمُخَاطَبِينَ إِذْ أَصَرُّوا عَلَى شِرْكِهِمْ، وَلَمْ يَرْجِعُوا بِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ عَنْ ضَلَالِهِمْ وَإِفْكِهِمْ، وَيَأْخُذُوا بِتِلْكَ الْأُصُولِ الْمُجْمَلَةِ، الَّتِي هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ، وَلَيْسَتْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُنْكِرُهُ الْعَقْلُ، أَوْ يَسْتَثْقِلُهُ الطَّبْعُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَقْلِيدُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، يَصْرِفُ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ.
رَاجِعْ تِلْكَ السُّوَرَ الْعَزِيزَةَ، وَلَا سِيَّمَا قِصَارُ الْمُفَصَّلِ مِنْهَا كَـ (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ)، وَ (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ)، وَ (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)، وَ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، وَ (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، وَ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، وَ (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)، (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)، (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا).
تِلْكَ السُّوَرُ الَّتِي كَانَتْ بِنَذْرِهَا، وَفَهْمِ الْقَوْمِ لِبَلَاغَتِهَا وَعِبَرِهَا، وَتَفَزُّعِهِمْ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، حَتَّى يَفِرُّوا مِنَ الدَّاعِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (٧٤: ٥٠ - ٥١) - (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (١١: ٥) ثُمَّ إِلَى السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ الطِّوَالِ، فَلَا نَجِدُهَا تَخْرُجُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَنْ حَدِّ الْإِجْمَالِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (١٧: ٢٣ - إِلَى - ٣٧ مِنْهَا) وَقَوْلِهِ بَعْدَ إِبَاحَةِ الزِّينَةِ وَإِنْكَارِ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٧: ٣٣)
— 27 —
وَأَمَّا السُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ فَفِي أُسْلُوبِهَا شَيْءٌ مِنَ الْإِسْهَابِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مُخَاطَبَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ بَلَاغَةً وَفَهْمًا مِنَ الْعَرَبِ الْأُصَلَاءِ، وَلَا سِيَّمَا قُرَيْشٌ وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَكْثَرُهُ مُحَاجَّةٌ لَهُمْ - لِأَهْلِ الْكِتَابِ - وَنَعْيٌ عَلَيْهِمْ، وَإِثْبَاتٌ لِتَحْرِيفِهِمْ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَابْتِدَاعِهِمْ فِيهِ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ هِدَايَتِهِ، وَنِسْيَانِهِمْ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَدَعْوَةٌ لَهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَبَيَانٌ لِكَوْنِ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، هُوَ دِينُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَفِي هَذِهِ السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ أَيْضًا بَيَانٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ، وَلِأُصُولِ الْحُكُومَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِ فِيهَا، كَمَا تَرَاهُ فِي طِوَالِ الْمُفَصَّلِ مِنْهَا، كَالْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ مِنَ السُّوَرِ. فَقِيلَ: الْمَكِّيُّ مَا نَزَلَ فِي شَأْنِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ نُزُولُهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَالْمَدَنِيُّ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: الْمَكِّيُّ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَلَوْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَالَّذِي نَزَلَ فِي عَامِ الْفَتْحِ وَفِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الْمَكِّيَّ مَا نَزَلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَالْمَدَنِيَّ مَا نَزَلَ بَعْدَهَا، سَوَاءٌ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ نَفْسِهَا أَوْ ضَوَاحِيهَا أَوْ فِي مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ فِي غَزْوَةٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ. فَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ: هِيَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَلِبَيَانِ أَسَاسِ الدِّينِ وَكُلِّيَّاتِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، وَمِنْ تَرْكِ الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ الْمَعْرُوفَةِ لِلنَّاسِ بِعُقُولِهِمْ وَفِطْرَتِهِمْ، وَفِعْلِ الْخَيِّرَاتِ وَالْمَعْرُوفِ بِحَسْبِ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ الْمَوْكُولِ إِلَى الْقُلُوبِ وَالضَّمَائِرِ. وَالسُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ هِيَ الَّتِي
نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكُوُّنِ جَمَاعَتِهِمْ، بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ التَّفْصِيلِيَّةِ كَمَا قُلْنَا آنِفًا، وَسَتَرَى ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي الْقِسْمَيْنِ تَفْصِيلًا.
وَالسُّورَةُ: طَائِفَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ فَأَكْثَرَ، لَهَا اسْمٌ مَعْرُوفٌ بِالتَّوْقِيفِ وَالرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، قِيلَ: إِنَّ اسْمَهَا مُشْتَقٌّ مِنَ السُّورِ الَّذِي يُحِيطُ بِالْبَلَدِ.
وَقِيلَ: مِنَ السُّؤْرِ الْمَهْمُوزِ، وَمَعْنَاهُ الْبَقِيَّةُ، وَبَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ جُزْءٌ مِنْهُ فَالْمُرَادُ بِهَا جُزْءٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: مِنَ التَّسَوُّرِ، وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ.
وَقَدْ رُوِيَتْ أَسْمَاءُ السُّوَرِ عَنِ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعَةً وَمَوْقُوفَةً، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكْتُبُوهَا فِي مَصَاحِفِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُبُوا فِيهَا إِلَّا أَلْفَاظَ التَّنْزِيلِ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا هُمْ زَادُوا شَيْئًا - كَأَسْمَاءِ السُّوَرِ أَوْ لَفْظِ " آمِينَ " بَعْدَ الْفَاتِحَةِ - أَنَّهُ مِنَ التَّنْزِيلِ.
هَذَا - وَلَفْظُ " الْفَاتِحَةِ " صِفَةٌ، مُؤَنَّثُ الْفَاتِحِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: سُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ فَاتِحَةً؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ (وَتَكَلَّمَ عَنْ لَفْظِ الْفَاتِحَةِ وَعَنِ التَّاءِ فِيهِ) وَتُسَمَّى أُمَّ الْكِتَابِ.
وَقَالُوا: إِنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهَا هَذَا الِاسْمَ مَوْضُوعٌ. ثُمَّ قَالَ: يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَ الْكَلَامِ
— 28 —
عَنِ السُّوَرِ عَلَى الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ، وَهُوَ يُفِيدُ فِي مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ بِالْفَاتِحَةِ لِأَوَّلِ فَرْضِيَّتِهَا. وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَكَّةَ. وَقَالُوا: هِيَ الْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (١٥: ٨٧) وَهُوَ مَكِّيٌّ بِالنَّصِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِمَكَّةَ عِنْدَ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَأُخْرَى بِالْمَدِينَةِ حِينَ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ كَثِيرُونَ إِنَّهَا أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ بِتَمَامِهَا.
أَقُولُ الْآنَ ذَكَرَ الْحَافِظُ السَّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ: -
أَحَدُهَا: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (٩٦) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
ثَانِيهَا: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (٧٤) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
وَجَمَعُوا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ صَدْرُ سُورَةِ اقْرَأْ. وَالثَّانِي أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِتَمَامِهَا، أَوِ الثَّانِي أَوَّلُ مَا نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ آمِرًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فِي " الْإِتْقَانِ ".
ثَالِثُهَا: سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، قَالَ
فِي الْكَشَّافِ: ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ (اقْرَأْ) وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ (قَالَ السُّيُوطِيُّ) وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ هُوَ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا الَّذِي نَسَبَهُ إِلَى الْأَكْثَرِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا عَدَدٌ أَقَلُّ مِنَ الْقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ. وَحُجَّتُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " وَالْوَاحِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِخَدِيجَةَ: " إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً، فَقَدْ وَاللهِ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَمْرًا. فَقَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، مَا كَانَ اللهُ لِيَفْعَلَ بِكَ، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ " - وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخْبَرَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ بِذَلِكَ، وَأَنَّ وَرَقَةً أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَثْبُتَ وَيَسْمَعَ النِّدَاءَ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَلَا نَادَاهُ - أَيِ الْمَلَكُ - " يَا مُحَمَّدُ قُلْ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - حَتَّى بَلَغَ - (وَلَا الضَّالِّينَ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْحَدِيثِ: هَذَا مُرْسَلٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَنَقَلَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ احْتِمَالَ أَنَّ هَذَا بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ).
هَذَا - وَأَمَّا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فَقَدْ رَجَّحَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: " (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " وَنَزَعَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ مَنْزَعًا غَرِيبًا فِي حِكْمَةِ الْقُرْآنِ وَفِقْهِ الدِّينِ فَقَالَ مَا مِثَالُهُ.
وَمِنْ آيَةِ ذَلِكَ: أَنَّ السُّنَّةَ الْإِلَهِيَّةَ فِي هَذَا الْكَوْنِ - سَوَاءٌ أَكَانَ كَوْنَ إِيجَادٍ أَوْ كَوْنَ تَشْرِيعٍ - أَنْ يُظْهِرَ سُبْحَانَهُ الشَّيْءَ مُجْمَلًا ثُمَّ يَتْبَعُهُ التَّفْصِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدْرِيجًا، وَمَا مَثَلُ الْهِدَايَاتِ الْإِلَهِيَّةِ
— 29 —
إِلَّا مَثَلُ الْبَذْرَةِ وَالشَّجَرَةِ الْعَظِيمَةِ، فَهِيَ فِي بِدَايَتِهَا مَادَّةُ حَيَاةٍ تَحْتَوِي عَلَى جَمِيعِ أُصُولِهَا ثُمَّ تَنْمُو بِالتَّدْرِيجِ حَتَّى تَبَسُقَ فُرُوعُهَا بَعْدَ أَنْ تَعْظُمَ دَوْحَتُهَا ثُمَّ تَجُودُ عَلَيْكَ بِثَمَرِهَا. وَالْفَاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مُجْمَلِ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ تَفْصِيلٌ لِلْأُصُولِ الَّتِي وُضِعَتْ فِيهَا. وَلَسْتُ أَعْنِي بِهَذَا مَا يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالْإِشَارَةِ وَدَلَالَةِ الْحُرُوفِ، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ أَسْرَارَ الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ.
وَأَسْرَارُ الْفَاتِحَةِ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَأَسْرَارُ الْبَسْمَلَةِ فِي الْبَاءِ، وَأَسْرَارُ الْبَاءِ فِي نُقْطَتِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ عَلَيْهِمُ
الرِّضْوَانُ، وَلَا هُوَ مَعْقُولٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ ذَهَبَ بِهِمُ الْغُلُوُّ إِلَى سَلْبِ الْقُرْآنِ خَاصَّتَهُ وَهِيَ الْبَيَانُ.
(قَالَ) : وَبَيَانُ مَا أُرِيدُ هُوَ أَنَّ مَا نَزَلَ الْقُرْآنُ لِأَجْلِهِ أُمُورٌ:
(أَحَدُهَا) : التَّوْحِيدُ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا كُلُّهُمْ وَثَنِيِّينَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَدَّعِي التَّوْحِيدَ.
(ثَانِيهَا) : وَعْدُ مَنْ أَخَذَ بِهِ وَتَبْشِيرُهُ بِحُسْنِ الْمَثُوبَةِ، وَوَعِيدُ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَإِنْذَارُهُ بِسُوءِ الْعُقُوبَةِ. وَالْوَعْدُ يَشْمَلُ مَا لِلْأُمَّةِ وَمَا لِلْأَفْرَادِ فَيَعُمُّ نِعَمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَسَعَادَتَهُمَا، وَالْوَعِيدُ كَذَلِكَ يَشْمَلُ نِقَمَهُمَا وَشَقَاءَهُمَا، فَقَدْ وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، وَالْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَالسِّيَادَةِ، وَأَوْعَدَ الْمُخَالِفِينَ بِالْخِزْيِ وَالشَّقَاءِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا وَعَدَ بِالنَّعِيمِ. وَأَوْعَدَ بِنَارِ الْجَحِيمِ فِي الْآخِرَةِ.
(ثَالِثُهَا) : الْعِبَادَةُ الَّتِي تُحْيِي التَّوْحِيدَ فِي الْقُلُوبِ وَتُثْبِتُهُ فِي النُّفُوسِ.
(رَابِعُهَا) : بَيَانُ سَبِيلِ السَّعَادَةِ وَكَيْفِيَّةِ السَّيْرِ فِيهِ الْمُوصِّلِ إِلَى نِعَمِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(خَامِسُهَا) : قَصَصُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى وَأَخَذَ بِأَحْكَامِ دِينِهِ، وَأَخْبَارُ الَّذِينَ تَعَدَّوْا حُدُودَهُ وَنَبَذُوا أَحْكَامَ دِينِهِ ظِهْرِيًّا لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ، وَاخْتِيَارُ طَرِيقِ الْمُحْسِنِينَ وَمَعْرِفَةُ سُنَنِ اللهِ فِي الْبَشَرِ.
هَذِهِ هِيَ الْأُمُورُ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، وَفِيهَا حَيَاةُ النَّاسِ وَسَعَادَتُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالْأُخْرَوِيَّةُ، وَالْفَاتِحَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهَا إِجْمَالًا بِغَيْرِ مَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، فَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لِأَنَّهُ نَاطِقٌ بِأَنَّ كُلَّ حَمْدٍ وَثَنَاءٍ يَصْدُرُ عَنْ نِعْمَةٍ مَا فَهُوَ لَهُ تَعَالَى، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ مَصْدَرَ كُلِّ نِعْمَةٍ فِي الْكَوْنِ تَسْتَوْجِبُ الْحَمْدَ. وَمِنْهَا نِعْمَةُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّنْمِيَةِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِلْزَامِ الْعِبَارَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَصَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: (رَبِّ الْعَالَمِينَ). وَلَفْظُ (رَبِّ) لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمَالِكَ وَالسَّيِّدَ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ مَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِنْمَاءِ، وَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ يَرَاهَا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآفَاقِ مِنْهُ - عَزَّ وَجَلَّ -، فَلَيْسَ فِي الْكَوْنِ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِيجَادِ وَلَا بِالْإِشْقَاءِ وَالْإِسْعَادِ سِوَاهُ.
— 30 —
التَّوْحِيدُ أَهَمُّ مَا جَاءَ لِأَجْلِهِ الدِّينُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ فِي الْفَاتِحَةِ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بَلِ اسْتَكْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فَاجْتَثَّ بِذَلِكَ جُذُورَ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ فَاشِيَّةً فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ، وَهِيَ اتِّخَاذُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ تُعْتَقَدُ لَهُمُ
السُّلْطَةُ الْغَيْبِيَّةُ، وَيُدْعَوْنَ لِذَلِكَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَيُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ فِي الدُّنْيَا، وَيُتَقَرَّبُ بِهِمْ إِلَى اللهِ زُلْفَى. وَجَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَاتِ التَّوْحِيدِ وَمُقَارَعَةِ الْمُشْرِكِينَ هُوَ تَفْصِيلٌ لِهَذَا الْإِجْمَالِ.
وَأَمَّا الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ: فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مَطْوِيٌّ فِي (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ - وَهِيَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ - وَعْدٌ بِالْإِحْسَانِ، وَقَدْ كَرَّرَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً تَنْبِيهًا لَنَا عَلَى أَمْرِهِ إِيَّانَا بِتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ رَحْمَةً مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِنَا لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِنَا وَمَنْفَعَتِنَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ مَعًا لِأَنَّ مَعْنَى الدِّينِ: الْخُضُوعُ. أَيْ أَنَّ لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ السُّلْطَانَ الْمُطْلَقَ وَالسِّيَادَةَ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا - لَا حَقِيقَةً وَلَا ادِّعَاءً - وَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ يَكُونُ خَاضِعًا لِعَظَمَتِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا يَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخْشَى عَذَابَهُ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ. أَوْ مَعْنَى الدِّينِ: الْجَزَاءُ، وَهُوَ إِمَّا ثَوَابٌ لِلْمُحْسِنِ، وَإِمَّا عِقَابٌ لِلْمُسِيءِ، وَذَلِكَ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ. وَزِدْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وَهُوَ الَّذِي مَنْ سَلَكَهُ فَازَ، وَمَنْ تَنَكَّبَهُ هَلَكَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ.
وَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَبَعْدَ أَنْ ذُكِرَتْ فِي مَقَامِ التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أَوْضَحَ مَعْنَاهَا بَعْضَ الْإِيضَاحِ فِي بَيَانِ الْأَمْرِ الرَّابِعِ الَّذِي يَشْمَلُهَا وَيَشْمَلُ أَحْكَامَ الْمُعَامَلَاتِ وَسِيَاسَةَ الْأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أَيْ إِنَّهُ قَدْ وَضَعَ لَنَا صِرَاطًا سَيُبَيِّنُهُ وَيُحَدِّدُهُ وَتَكُونُ السَّعَادَةُ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ، وَالشَّقَاوَةُ فِي الِانْحِرَافِ عَنْهُ، وَهَذِهِ الِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهِ هِيَ رُوحُ الْعِبَادَةِ، وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) فَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ هُوَ كَمَالُ الْعِبَادَةِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ. وَالْفَاتِحَةُ بِجُمْلَتِهَا تَنْفُخُ رُوحَ الْعِبَادَةِ فِي الْمُتَدَبِّرِ لَهَا، وَرُوحُ الْعِبَادَةِ هِيَ: إِشْرَابُ الْقُلُوبِ خَشْيَةَ اللهِ وَهَيْبَتَهُ، وَالرَّجَاءَ لِفَضْلِهِ، لَا الْأَعْمَالُ الْمَعْرُوفَةُ مِنْ فِعْلٍ وَكَفٍّ وَحَرَكَاتِ اللِّسَانِ وَالْأَعْضَاءِ، وَقَدْ ذُكِرَتِ الْعِبَادَةُ فِي الْفَاتِحَةِ قَبْلَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامِهَا، وَالصِّيَامِ وَأَيَّامِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الرُّوحُ فِي الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يُكَلَّفُوا هَذِهِ الْأَعْمَالَ الْبَدَنِيَّةَ وَقَبْلَ نُزُولِ أَحْكَامِهَا الَّتِي فُصِّلَتْ فِي الْقُرْآنِ تَفْصِيلًا مَا، وَإِنَّمَا الْحَرَكَاتُ
وَالْأَعْمَالُ مِمَّا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى حَقِيقَةِ الْعِبَادَةِ، وَمُخُّ الْعِبَادَةِ الْفِكْرُ وَالْعِبْرَةُ.
وَأَمَّا الْأَخْبَارُ وَالْقَصَصُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هُنَاكَ قَوْمًا تَقَدَّمُوا وَقَدْ شَرَّعَ اللهُ شَرَائِعَ لِهِدَايَتِهِمْ. وَصَائِحٌ يَصِيحُ: أَلَا فَانْظُرُوا فِي الشُّئُونِ الْعَامَّةِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا وَاعْتَبِرُوا بِهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ يَدْعُوهُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ
— 31 —
مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْقَصَصَ إِنَّمَا هِيَ لِلْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّ غَيْرَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَرِيقَانِ: فَرِيقٌ ضَلَّ عَنْ صِرَاطِ اللهِ، وَفَرِيقٌ جَاحَدَهُ وَعَانَدَ مَنْ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَكَانَ مَحْفُوفًا بِالْغَضَبِ الْإِلَهِيِّ وَالْخِزْيِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَبَاقِي الْقُرْآنِ يُفَصِّلُ لَنَا فِي أَخْبَارِ الْأُمَمِ هَذَا الْإِجْمَالَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُفِيدُ الْعِبْرَةَ فَيَشْرَحُ حَالَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ قَاوَمُوا الْحَقَّ عِنَادًا، وَالَّذِينَ ضَلُّوا فِيهِ ضَلَالًا. وَحَالَ الَّذِينَ حَافَظُوا عَلَيْهِ وَصَبَرُوا عَلَى مَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِهِ.
فَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْفَاتِحَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ إِجْمَالًا عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي يُفَصِّلُهَا الْقُرْآنُ تَفْصِيلًا، فَكَانَ إِنْزَالُهَا أَوَّلًا مُوَافِقًا لِسُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي الْإِبْدَاعِ. وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْفَاتِحَةُ جَدِيرَةً بِأَنْ تُسَمَّى (أُمُّ الْكِتَابِ) كَمَا نَقُولُ إِنَّ النَّوَاةَ أُمُّ النَّخْلَةِ، فَإِنَّ النَّوَاةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى شَجَرَةِ النَّخْلَةِ كُلِّهَا حَقِيقَةً، لَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ تَكُونُ أَوَّلًا وَيَأْتِي بَعْدَهَا الْأَوْلَادُ.
وَأَقُولُ الْآنَ: هَذَا مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَبْسُوطًا مُوَضَّحًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نُزُولَ أَوَّلِ سُورَةِ الْعَلَقِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ لَا يُنَافِي هَذِهِ الْحِكَمَ الَّتِي بَيَّنَهَا؛ لِأَنَّهُ تَمْهِيدٌ لِلْوَحْيِ الْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ، خَاصٌّ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِعْلَامٌ لَهُ بِأَنَّهُ يَكُونُ - وَهُوَ أُمِّيٌّ - قَارِئًا بِعِنَايَةِ اللهِ تَعَالَى وَمُخْرِجًا لِلْأُمِّيِّينَ مِنْ أُمِّيَّتِهِمْ إِلَى الْعِلْمِ بِالْقَلَمِ، أَيِ الْكِتَابَةِ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) (٢: ١٢٩) فَسَّرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ الْكِتَابَ، بِالْكِتَابَةِ، ثُمَّ كَانَتِ الْفَاتِحَةُ أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً، وَأُمِرَ النَّبِيُّ بِجَعْلِهَا أَوَّلَ الْقُرْآنِ، وَانْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ.
— 32 —
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
لَا أَذْكُرُ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي الْبَسْمَلَةِ، مِنْ حَيْثُ لَفَظُهَا وَإِعْرَابُهَا، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ أَوْ جُزْءُ آيَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا؟ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وَقَدِ اخْتَصَرَ الْأُسْتَاذُ الْقَوْلَ فِيهِ اخْتِصَارًا وَقَالَ: إِنَّهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَنَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْآيَاتِ.
وَأَقُولُ الْآنَ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَنَّهَا جُزْءُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَانِهَا مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ، فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا آيَةٌ مَنْ كُلِّ سُورَةٍ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُقَهَائِهِمْ وَقُرَّائِهِمْ وَمِنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَمِنْهُمْ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَتْبَاعُهُ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالْإِمَامِيَّةُ، وَمِنَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُمْ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ: عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي الْمُصْحَفِ أَوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى سُورَةِ بَرَاءَةَ (التَّوْبَةِ) مَعَ الْأَمْرِ بِتَجْرِيدِ الْقُرْآنِ عَنْ كُلِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبُوا (آمِينَ) فِي آخِرِ الْفَاتِحَةِ، وَأَحَادِيثُ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ انْقِضَاءَ السُّورَةِ - حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ".
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ (أَيْ سُورَةَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ ") فَاقْرَأُوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى
— 33 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير