تفسير سورة سورة الطور

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الطور
وهي مكية. وقد ثبت برواية جبير بن مطعم أنه قال :" سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في المغرب سورة الطور " ١.
١ - متفق عليه ورواه البخاري ( ٢/ ٢٨٩ رقم ٧٦٥، و أطرافه : ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤)، و مسلم ( ٤/ ٢٣٩ رقم ٤٦٣)..
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالطور﴾ قَالَ مُجَاهِد: هُوَ بالسُّرْيَانيَّة اسْم للجبل. وَالأَصَح أَنه اسْم الْجَبَل بِالْعَرَبِيَّةِ. وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: كل جبل ينْبت فَهُوَ طور، وكل مَا لَا ينْبت فَلَيْسَ بطور. وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار وَغَيره: هُوَ الطّور الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى. وَقد رُوِيَ هَذَا القَوْل عَن قَتَادَة وَعِكْرِمَة. وَعَن نوف الْبكالِي: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْجبَال أَنِّي منزل على جبل مِنْكُن، فشمخت الْجبَال بأنفسها، وتواضع الطّور وَقَالَ: أَنا رَاض بِمَا قسم الله لي، وَكَانَ عَلَيْهِ الْأَمر.
آية رقم ٢
وَقَوله: ﴿وَكتاب مسطور﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَنه الْقُرْآن، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. وَالْآخر: أَنه التَّوْرَاة كتبهَا الله تَعَالَى فِي الألواح. وَالثَّالِث أَنه الْكتاب الَّذِي أثبت الله فِيهِ أَعمال بني آدم، وَيخرج يَوْم الْقِيَامَة وفيكون صَحَائِف، فآخذ بِيَمِينِهِ وآخذ بِشمَالِهِ، وآخذ وَرَاء ظَهره، وَهَذَا قَول مَعْرُوف ذكره الْفراء وَغَيره.
وَيُقَال: إِن المُرَاد مِنْهُ الصُّحُف الَّتِي تقْرَأ مِنْهَا الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء الْقُرْآن على مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة بأيدي سفرة﴾ وَيُقَال: إِنَّه اللَّوْح الْمَحْفُوظ قد كتب فِيهِ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
— 266 —
{فِي رق منشور (٣) وَالْبَيْت الْمَعْمُور (٤)
— 267 —
آية رقم ٣
وَقَوله: ﴿فِي رق منشور﴾ وَالرّق: هُوَ الْأَدِيم الَّذِي يكْتب فِيهِ الشَّيْء.
وَقَوله: ﴿منشور﴾ أَي: مَبْسُوط، وَهَذَا يُؤَيّد القَوْل الَّذِي قُلْنَا إِن الْكتاب هُوَ صَحَائِف الْأَعْمَال فِي الْآخِرَة، لِأَن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَإِذا الصُّحُف نشرت﴾ وَالْمرَاد مِنْهُ صَحَائِف الْأَعْمَال فِي الْآخِرَة.
آية رقم ٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْبَيْت الْمَعْمُور﴾ قَالَ بَعضهم: هُوَ الْكَعْبَة، وعمارته بِالْحَجِّ وَالطّواف. وَالْقَوْل الْمَعْرُوف أَنه بَيت فِي السَّمَاء، قَالَه ابْن عَبَّاس وَعَامة الْمُفَسّرين وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ أَيْضا.
وَاخْتلفُوا فِي مَوْضِعه، فروى أنس بن مَالك بن صعصعة عَن النَّبِي فِي قصَّة الْمِعْرَاج أَنه قَالَ: " رفع لي الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء السَّابِعَة ".
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه فِي السَّمَاء السَّادِسَة. وَعَن الرّبيع بن أنس وَغَيره أَنه فِي السَّمَاء الدُّنْيَا بحيال الْكَعْبَة لَو سقط سقط عَلَيْهِ.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْبَيْت الْمَعْمُور [أنزلهُ] الله تَعَالَى من السَّمَاء لآدَم، وَوَضعه مَكَان الْكَعْبَة فَلَمَّا كَانَ زمَان نوح رَفعه الله تَعَالَى إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَهُوَ مَوضِع حج الْمَلَائِكَة وحرمته كَحُرْمَةِ الْكَعْبَة فِي الأَرْض.
قَالَ عَليّ وَغَيره: اسْمه الضراح يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لَا يعودون إِلَيْهِ أبدا وَقد أسْند هَذَا اللَّفْظ إِلَى الرَّسُول.
وَعَن بَعضهم أَنه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة. وَفِي بعض المسانيد " أَن الله تَعَالَى خلق نَهرا
— 267 —
﴿والسقف الْمَرْفُوع (٥) وَالْبَحْر الْمَسْجُور (٦) ﴾ تَحت الْعَرْش يُسمى نهر الْحَيَوَان فيدخله جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام كل يَوْم حِين تطلع الشَّمْس ثمَّ يخرج، وينتفض انتفاضة فيقطر مِنْهُ سَبْعُونَ ألف قَطْرَة يخلق الله تَعَالَى من كل قَطْرَة مِنْهَا ملكا فهم الْعباد فِي الْبَيْت الْمَعْمُور ". وَهَذَا خبر غَرِيب.
— 268 —
آية رقم ٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿والسقف الْمَرْفُوع﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه السَّمَاء، وَالْآخر: أَنه الْعَرْش.
آية رقم ٦
وَقَوله: ﴿وَالْبَحْر الْمَسْجُور﴾ أشهر الْأَقَاوِيل فِيهِ أَنه الممتلئ. وَعَن ربيع بن أنس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ قَالَ: إِن الله تَعَالَى جعل ذَلِك المَاء نِصْفَيْنِ حِين خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَجعل نصفا مِنْهُ تَحت الأَرْض السَّابِعَة وَنصفا مِنْهُ تَحت الْعَرْش، فَإِذا كَانَ بَين النفختين ينزل الله مِنْهُ قطرا على الأَرْض، فينبت بِهِ الأجساد فِي الْقُبُور.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ المفجور على مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿وَإِذا الْبحار فجرت﴾ وتفجيرها هُوَ بسطها وإرسالها على الأَرْض. وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ الْمُرْسل، وَذَلِكَ لِمَعْنى مَا بَينا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ الموقد نَارا، من قَوْلهم: سجرت التَّنور. وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لكعب الْأَحْبَار: أَيْن جَهَنَّم؟ قَالَ: هُوَ الْبَحْر، فَقَالَ: مَا أَرَاك إِلَّا صَادِقا، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا الْبحار سجرت﴾
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ الْبَحْر الَّذِي يبس مَاؤُهُ وَذهب، كَأَن بحار الأَرْض تفرغ عَن المَاء يَوْم الْقِيَامَة. وَعبر بَعضهم عَن هَذَا الْبَحْر الْمَسْجُور بالفارغ.
— 268 —
{إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع (٧) مَا لَهُ من دَافع (٨) يَوْم تمور السَّمَاء مورا (٩) وتسير الْجبَال سيرا (١٠) فويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (١١) الَّذين هم فِي خوض يَلْعَبُونَ (١٢)
— 269 —
آية رقم ٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ على هَذَا وَقع الْقسم، وَإِلَى هَذَا الْموضع كَانَ قسما على التَّقْدِير الَّذِي قُلْنَاهُ فِي السُّورَة الْمُتَقَدّمَة.
وَقَوله: ﴿وَاقع﴾ أَي: كَائِن.
آية رقم ٨
وَقَوله: ﴿مَا لَهُ من دَافع﴾ أَي: مَاله دَافع من الْكفَّار. وَعَن جُبَير بن مطعم: " أَنه أَتَى الْمَدِينَة ليفدي بعض أُسَارَى بدر، فَسمع النَّبِي يقْرَأ فِي الصَّلَاة سُورَة الطّور، فَلَمَّا سمع قَوْله: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع مَا لَهُ من دَافع﴾ غشية وَجل وَخَوف، وَكَانَ ذَلِك سَبَب إِسْلَامه ".
آية رقم ٩
قَوْله: ﴿يَوْم تمور السَّمَاء مورا﴾ أَي: تَدور، وَيُقَال: تَجِيء وَتذهب وَالْمرَاد سَيرهَا وَيُقَال تكفأ بِأَهْلِهَا.
آية رقم ١٠
وَقَوله ﴿وتسير الْجبَال سيراً﴾ أى تجىء وَتذهب على وَجه الأَرْض، وَيُقَال: سَيرهَا سير السَّحَاب بَين السَّمَاء وَالْأَرْض على مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهِي تمر مر السَّحَاب﴾.
آية رقم ١١
وَقَوله: ﴿فويل يَوْمئِذٍ للمكذبين الَّذين هم فِي خوض يَلْعَبُونَ﴾ أَي: فِي بَاطِل لاهون، وَيُقَال: يَخُوضُونَ فِي أَمر النَّبِي بالتكذيب، ويلعبون بِمَا هُوَ [الْجد]. وَعَن بَعضهم: أَنه رُؤِيَ فِي الْمَنَام، فَقيل لَهُ: كَيفَ الْأَمر؟ فَقَالَ: الْأَمر جد فأياك أَن تخلطه بِالْهَزْلِ. وَقيل: إِن الله تَعَالَى جعل كل مَا فِيهِ الْكفَّار لعبا.
آية رقم ١٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:وقوله :( فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون ) أي : في باطل لاهون، ويقال : يخوضون في أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالتكذيب، ويلعبون بما هو [ الجد ]١. وعن بعضهم : أنه رؤي في المنام، فقيل له : كيف الأمر ؟ فقال : الأمر جد فأياك أن تخلطه بالهزل. وقيل : إن الله تعالى جعل كل ما فيه الكفار لعبا.
١ - من ((ك))، و في الاصل : الحسد، تحريف..

آية رقم ١٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يدعونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعَا﴾ أَي: يدْفَعُونَ فِي نَار جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿دَعَا﴾ أَي: دفعا. والدع فِي اللُّغَة: هُوَ الدّفع بِشدَّة وعنف.
— 269 —
﴿يَوْم يدعونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعَا (١٣) هَذِه النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون (١٤) أفسحر هَذَا أم أَنْتُم لَا تبصرون (١٥) اصلوها فَاصْبِرُوا أَو لَا تصبروا سَوَاء عَلَيْكُم إِنَّمَا تُجْزونَ﴾
— 270 —
آية رقم ١٤
وَقَوله: ﴿هَذِه النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون﴾ يُقَال لَهُم هَذَا على طَرِيق التوبيخ والتقريع.
آية رقم ١٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفسحر هَذَا﴾ فِي التَّفْسِير: أَنهم لما كَانُوا يرَوْنَ الْآيَات فِي الدُّنْيَا وَدَلَائِل نبوة الرَّسُول فَيَقُولُونَ: إِنَّهَا سحر وَنحن لَا نبصر مَا يَقُول أَي: لَا نعلم فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وعاينوا الْعَذَاب يُقَال لَهُم: أفسحر هَذَا كَمَا تَزْعُمُونَ فِي الدُّنْيَا لما رَأَيْتُمْ من الْآيَات أم أَنْتُم لَا تبصرون، أَي: هَل أَنْتُم لَا تبصرون كَمَا لم تبصروا فِي الدُّنْيَا على زعمكم؟.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي قَوْله: ﴿أم أَنْتُم لَا تبصرون﴾ أَي: مَعْنَاهُ بل كُنْتُم لَا تبصرون، أَي: لَا تعلمُونَ، وَهَذَا قَول مَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿اصلوها﴾ أَي: ادخلوها. وَيُقَال: قاسوا حرهَا.
وَقَوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَو لَا تصبروا﴾ هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا﴾ وَالْمعْنَى: أَنكُمْ سَوَاء صَبَرْتُمْ أَو جزعتم، فالعذاب وَاقع بكم وَلَا يُخَفف عَنْكُم. وَفِي بعض الْآثَار: أَن أهل النَّار يجزعون مُدَّة مديدة، وينادون على أنفسهم بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور ثمَّ يَقُولُونَ: تَعَالَوْا نصبر، فيصبرون أَيْضا مُدَّة مديدة فَلَا يَنْفَعهُمْ وَاحِد من الْأَمريْنِ، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاء عَلَيْكُم﴾ أَي: مستو [كلتا] الْحَالَتَيْنِ، وَالْعَذَاب مُسْتَمر بكم فيهمَا.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزونَ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أَن هَذَا عَمَلكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ.
آية رقم ١٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم﴾ أَي: بساتين ونعمة.
— 270 —
﴿مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (١٦) إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم (١٧) فاكهين بِمَا آتَاهُم رَبهم ووقاهم رَبهم عَذَاب الْجَحِيم (١٨) كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (١٩) ﴾
— 271 —
آية رقم ١٨
وَقَوله: ﴿فاكهين﴾ قَالَ ابْن عَرَفَة وَهُوَ نفطويه النَّحْوِيّ فاكهين: ناعمين. وَيُقَال: فاكهين ذَوي فَاكِهَة. يُقَال: فلَان لِابْنِ أَي: ذُو لبن: وتامر أَي: ذُو تمر. وَقُرِئَ: ﴿فكهين﴾ أَي: معجبين مسرورين بحالهم.
وَقَوله: ﴿بِمَا آتَاهُم رَبهم﴾ أَي: أَعْطَاهُم رَبهم.
وَقَوله: ﴿ووقاهم رَبهم عَذَاب الْجَحِيم﴾ أَي: عَذَاب النَّار، والجحيم: مُعظم النَّار.
آية رقم ١٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أَي: تهنئون هَنِيئًا.
وَقَوله: ﴿بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: تَعْمَلُونَ من الطَّاعَات.
آية رقم ٢٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين على سرر﴾ هُوَ جمع سَرِير.
وَقَوله: ﴿مصفوفة﴾ أَي مضموم بَعْضهَا إِلَى بعض. وَيُقَال: مصطفة.
وَفِي التَّفْسِير: أَن ارْتِفَاع السرير يكون كَذَا كَذَا ميلًا، فَإِذا أَرَادَ الْمُؤمن أَن يَصْعَدهُ تطامن حَتَّى يرْتَفع عَلَيْهِ الْمُؤمن، ثمَّ يعود إِلَى مَا كَانَ.
وَقَوله: ﴿وزوجناهم﴾ أَي: قرناهم، قَالَه الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا من أهل الْمعَانِي. قَالُوا: وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ التَّزْوِيج الْمَعْرُوف الَّذِي يكون فِي الدُّنْيَا، فَإِن عقد التَّزْوِيج من عُقُود الدُّنْيَا لَيْسَ من عُقُود الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿بحور عين﴾ الْحور: الْبيض، وَمِنْه الْحوَاري، وَمِنْه الحواريون، لأَصْحَاب عِيسَى، وهم القصارون الَّذين يبيضون الثِّيَاب. وَالْعرب تسمى نسَاء الْأَمْصَار حواريات لبياضهن.
وَقَالَ بَعضهم:
(فَقَالَ للحواريات يبْكين غَيرنَا وَلَا تبكنا إِلَّا الْكلاب النوابح)
وَقَوله: ﴿عين﴾ أَي: حسان الْعين. وَيُقَال: سميت الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ حوراء؛ لشدَّة
— 271 —
﴿متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (٢٠) وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ بياضها، وَسَوَاد (حدقتيها).
— 272 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وأتبعناهم ذرياتهم﴾ وَقُرِئَ: " وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ " وَفِي الْخَبَر مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس وَمَرْفُوعًا إِلَى رَسُول الله: " أَن الله تَعَالَى يرفع ذُرِّيَّة الْمُؤمن إِلَى دَرَجَته، وَإِن لم يبلغهَا عَمَلهم؛ لتقر عينهم بهم " وَعَن بَعضهم أَن هَذَا فِي الْآبَاء مَعَ الْأَوْلَاد، وَالْأَوْلَاد مَعَ الْآبَاء جَمِيعًا، كَأَن الله تَعَالَى يبلغ الْوَالِد دَرَجَة الْوَلَد إِذا كَانَ أرفع مِنْهُ فِي الدرجَة، ويبلغ الْوَلَد دَرَجَة الْوَالِد إِذا كَانَ أرفع مِنْهُ فِي الدرجَة. وَقد ورد فِي بعض الْكتب: أَن هَذَا يكون أَيْضا للْأَخ مَعَ أَخِيه فِي الْإِيمَان يَقُول الْأَخ: يَا رب، ارفعه إِلَى درجتي، فَيَقُول: إِنَّه لم يعْمل مثل عَمَلك، فَيَقُول: إِنِّي عملت لنَفْسي وَله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي " أَن أَوْلَاد الْمُؤمنِينَ يكونُونَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة وَأَوْلَاد الْكفَّار مَعَ آبَائِهِم فِي النَّار. "
— 272 —
( ﴿بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن أَوْلَاد الْمُشْركين يكونُونَ خدم أهل الْجنَّة ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: أَنه مَاتَ صبي من الْأَنْصَار، فَقَالَت عَائِشَة: طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " يَا عَائِشَة أَو غير ذَلِك؟ إِن الله تَعَالَى خلق النَّار وَخلق لَهَا أَهلا، وخلقهم لَهَا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم، وَخلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا، خلقهمْ لَهَا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي رَحمَه الله بِمَكَّة، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد المقرىء أخبرنَا جدي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة، عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، عَن النَّبِي... وَالْخَبَر فِي صَحِيح مُسلم.
وَقد قَالَ أهل الْعلم: إِن الْأَصَح فِي ذرارى الْمُؤمنِينَ أَنهم فِي الْجنَّة، وَيحْتَمل أَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على مَا كَانَ عرفه فِي الأَصْل، ثمَّ إِن الله تَعَالَى أخبرهُ أَن ذرارى الْمُسلمين فِي الْجنَّة بِهَذِهِ الْآيَة وَغَيرهَا، وأنما ذرارى الْكفَّار: فَالْأَصَحّ أَن الْأَمر فيهم على التَّوَقُّف على مَا روى عَن النَّبِي " أَنه سُئِلَ عَن أَطْفَال الْمُشْركين فَقَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين ".
وَقَوله: ﴿بِإِيمَان﴾ أَي: بإيمَانهمْ، إِمَّا بإيمَانهمْ بِأَنْفسِهِم، أَو بِثُبُوت الْإِيمَان لَهُم
— 273 —
﴿وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء كل امْرِئ بِمَا كسب رهين (٢١) وأمددناهم بفاكهة وَلحم مِمَّا يشتهون (٢٢) يتنازعون فِيهَا كأسا﴾ بِإِيمَان الْآبَاء.
﴿ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ أَي: فِي الدرجَة على مَا قُلْنَا.
وَقَوله: ﴿وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء﴾ أَي: مَا نقصناهم من عَمَلهم من شَيْء. وَقَرَأَ ابْن كثير: " وَمَا ألتناهم " بِكَسْر اللَّام، وَالْأول هُوَ الأولى. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَمَا لتناهم " وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ الشَّاعِر:
(أبلغ بنى ثقل عني مغلغلة جهد الرسَالَة لَا ألتا وَلَا كذبا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل امْرِئ بِمَا كسب رهين﴾ هَذَا فِي الْمُشْركين، وَمَعْنَاهُ: أَن الْكفَّار محبوسون فِي النَّار بعملهم، وَأما الْمُؤمن فَهُوَ غير مَحْبُوس وَلَا مُرْتَهن، فَإِن ارْتهن بِعَمَلِهِ فَلَا بُد أَن يدْخل النَّار. وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: " لن يُنجي أحدا مِنْكُم عمله، قيل: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل لَهُ ".
— 274 —
آية رقم ٢٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأمددناهم بفاكهة﴾ هَذَا رُجُوع إِلَى صفة أهل الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَلحم طير مِمَّا يشتهون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
آية رقم ٢٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿يتنازعون فِيهَا كأسا﴾ أَي: يتعاطون، وَالْمعْنَى: بَعضهم يُعْطي بَعْضًا على مَا يفعل الشَّرَاب فِي الدُّنْيَا.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
— 274 —
﴿لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم﴾ وَيَطوف عَلَيْهِم غلْمَان لَهُم كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ منكون وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون قَالُوا إِنَّا كُنَّا قبل فِي أهلنا فِي أهلنا مشفقين
وَقَوله ﴿لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم﴾ أَي: لَا يجْرِي بَينهم كَلَام بَاطِل، وَلَا كَلَام يَأْثَم بِهِ قَائِله، على مَا يكون بَين الشَّرَاب فِي الدُّنْيَا. قَالَ القتيبي: مَعْنَاهُ: لَا يسكرون فَيكون مِنْهُم كَلَام لَغْو أَو كَلَام يأثمون بِهِ.
— 275 —
آية رقم ٢٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَطوف عَلَيْهِم غلْمَان لَهُم كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون﴾ أَي: مصون مَسْتُور من الشَّمْس وَالرِّيح، وَمن كل مَا يذهب صفاءه وبهاءه ويغيره.
آية رقم ٢٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن أهل الْجنَّة يَجْتَمعُونَ، ويذكرون أَحْوَال الدُّنْيَا، وَيسْأل بَعضهم بَعْضًا عَن ذَلِك.
آية رقم ٢٦
وَقَوله: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قبل فِي أهلنا مشفقين﴾ أَي: وجلين خَائِفين، فَيُقَال: إِن خوفهم ووجلهم هُوَ من يَوْم الْقِيَامَة. وَيُقَال: إِن خوفهم ووجلهم من أَن لَا تقبل مِنْهُم أَعْمَالهم، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون﴾ قَالَت عَائِشَة: عمِلُوا مَا عمِلُوا من الطَّاعَات، وخافوا أَن لَا تقبل مِنْهُم. وَيُقَال: إِن الْمُؤمن فِي بَيته وَجل؛ لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى معاشرة أَهله وَولده، وَلَا بُد لَهُ مَعَ ذَلِك أَن يَتَّقِي الله تَعَالَى، وَلَا يَقُول وَلَا يفعل مَا لَا يرضاه الله، وَهَذَا هُوَ أَشد شَيْء على الْمُؤمنِينَ أَن يَكُونُوا على حذر من رَبهم وعَلى طلب رِضَاهُ مِنْهُم فِيمَا بَين أُمُورهم مَعَ الْخلق.
آية رقم ٢٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن الله علينا﴾ أَي: أنعم الله علينا.
وَقَوله: ﴿ووقانا عَذَاب السمُوم﴾ أَي: عَذَاب جَهَنَّم، فَيُقَال: إِن السمُوم اسْم من أَسمَاء جَهَنَّم. وَيُقَال: عَذَاب السمُوم أَي: عَذَاب سموم جَهَنَّم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُنَّا من قبل نَدْعُوهُ﴾ أَي: نوحده ونعبده، وَالدُّعَاء هَاهُنَا بِمَعْنى
— 275 —
﴿فَمن الله علينا ووقانا عَذَاب السمُوم (٢٧) إِنَّا كُنَّا من قبل نَدْعُوهُ إِنَّه هُوَ الْبر الرَّحِيم (٢٨) فَذكر فَمَا أَنْت بنعمت رَبك بكاهن وَلَا مَجْنُون (٢٩) أم يَقُولُونَ شَاعِر نتربص﴾ التَّوْحِيد، وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين. وَيُقَال: إِنَّه الدُّعَاء الْمَعْرُوف.
قَوْله: ﴿إِنَّه هُوَ الْبر الرَّحِيم﴾ قرئَ بِفَتْح الْألف وَكسرهَا، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ على الِابْتِدَاء والاستئناف، وَمن قَرَأَ بِالْفَتْح فَمَعْنَاه: إِنَّا كُنَّا من قبل نَدْعُوهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْبر الرَّحِيم أَي: لِأَنَّهُ. وَالْبر: هُوَ الْبَار اللَّطِيف بعباده، ولطفه بعباده هُوَ إنعامه عَلَيْهِم مَعَ عظم جرمهم وذنبهم. والرحيم: هُوَ العطوف على مَا ذكرنَا. وَعَن بَعضهم: أَن الْبر الَّذِي يصدق وعده لأوليائه.
وَعَن ابْن عياس فِي عَذَاب السمُوم قَالَ: السمُوم هُوَ الطَّبَق السَّابِع من النَّار، وَهُوَ الطَّبَق الْأَعْلَى. والسموم يكون بِالْحرِّ وَيكون بالبرد.
قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَمَّا تنازعنا الحَدِيث وأسمحت هصرت بِغُصْن ذِي شماريخ ميال)
(الْيَوْم يَوْم بَارِد سمومه من يجزع الْيَوْم فَلَا ألومه)
وَيُقَال " السمُوم وهج النَّار.
— 276 —
آية رقم ٢٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذكر فَمَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بكاهن وَلَا مَجْنُون﴾ قَوْله: ﴿فَذكر﴾ أَي: فعظ، وَيُقَال: ذكر عِقَاب الْكَافرين، ونعيم الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿بكاهن وَلَا مَجْنُون﴾ الكاهن هُوَ الَّذِي يخبر عَن الْغَيْب كذبا. يُقَال: تكهن كهَانَة إِذا فعل ذَلِك. وَالْمَجْنُون: هُوَ الَّذِي زَالَ عقله وَاخْتَلَطَ.
آية رقم ٣٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ شَاعِر﴾ يُقَال: إِن " أم " هَاهُنَا بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام يَعْنِي: أتقولون شَاعِر. وَيُقَال: الْمَعْنى: بل. قَالَ النّحاس: " أَو " فِي اللُّغَة لِلْخُرُوجِ من حَدِيث إِلَى حَدِيث.
وَقَوله: ﴿شَاعِر نتربص بِهِ ريب الْمنون﴾ مَعْنَاهُ: حوادث الدَّهْر.
وَقَالَ الْخَلِيل: الْمنون هُوَ الْمَوْت، ذكره ابْن السّكيت أَيْضا. وَقيل: هُوَ صرف الدَّهْر،
— 276 —
﴿بِهِ ريب الْمنون (٣٠) قل تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعكُمْ من المتربصين (٣١) أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا أم هم قوم طاغون (٣٢) أم يَقُولُونَ تَقوله بل لَا يُؤمنُونَ (٣٣) فليأتوا بِحَدِيث﴾
وَقَالَ الشَّاعِر:
أَمن الْمنون وريبها نتوجع وَالْمَوْت لَيْسَ بمعتب من يجزع)
والمنون يؤنث وَيذكر، فَمن ذكر فعلى اللَّفْظ، وَمن أنث فَهُوَ على أَنه بِمَعْنى الْمنية. وَيُقَال: (ريب) الْمنون الدَّهْر، مكاره الدَّهْر، فَقَالَ: رَابَنِي كَذَا أَي: أصابني مِنْهُ مَا أكره. وَفِي التَّفْسِير: أَن هَذَا القَوْل قَالَه أَبُو جهل وَعقبَة بن أبي معيط وَشَيْبَة بن ربيعَة وَالنضْر بن الْحَارِث وَغَيرهم. قَالُوا: هُوَ شَاعِر نَنْتَظِر بِهِ حوادث الدَّهْر، وتتخلص مِنْهُ بهَا كَمَا تخلصنا من فلَان وَفُلَان.
— 277 —
آية رقم ٣١
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل تَرَبَّصُوا﴾ أَي: انتظروا.
﴿فَإِنِّي مَعكُمْ من المتربصين﴾ أَي: المنتظرين، وانتظاره كَانَ [إِمَّا] أَن يظفر بهم أَو يسلمُوا.
آية رقم ٣٢
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا﴾ أَي: عُقُولهمْ، وَكَانُوا يدعونَ أَنهم ذَوُو عقول وأحلام. وَالْعقل: هُوَ الدَّاعِي إِلَى الْحلم فَسَماهُ باسمه. وَيُقَال: إِن الْمَعْنى من هَذَا هُوَ تسفيههم وتجهيلهم أَي: لَيْسَ لَهُم حلم وَلَا عقل حَيْثُ قَالُوا مثل هَذَا القَوْل، وَحَيْثُ نسبوا إِلَى الشّعْر وَالْجُنُون من دعاهم إِلَى التَّوْحِيد وأتاهم بالبراهين.
وَقَوله: ﴿أم هم قوم طاغون﴾ أَي: بل هم قوم طاغون.
آية رقم ٣٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ تَقوله﴾ أَي: افتراه واختلقه.
وَقَوله: ﴿بل لَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: لَا يصدقون.
آية رقم ٣٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿فليأتوا بِحَدِيث مثله إِن كَانُوا صَادِقين﴾ أَي: بِكِتَاب مثل مَا أَتَى بِهِ
— 277 —
﴿مثله إِن كَانُوا صَادِقين (٣٤) أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ (٣٥) أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض بل لَا يوقنون (٣٦) ﴾ مُحَمَّد إِن كَانُوا صَادِقين أَنه اختلقه وافتراه. وَهَذَا بِمَعْنى التحدي على مَا ذكره فِي مَوَاضِع كَثِيرَة.
— 278 —
آية رقم ٣٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: أم خلقُوا من غير أَن يكون لَهُم خَالق وصانع أَي: تَكُونُوا بِأَنْفسِهِم.
وَقَوله: ﴿أم هم الْخَالِقُونَ﴾ أَي: خلقُوا أنفسهم، وَالْمرَاد على هَذَا القَوْل، أَنهم إِذا لم يدعوا أَنهم تَكُونُوا من غير خَالق وصانع، وَلَا ادعوا أَنهم الَّذين هم خلقُوا أنفسهم، وأقروا أَن خالقهم هُوَ الله، فَلَا يَنْبَغِي أَن يعبدوا مَعَه غَيره. وَالْقَوْل الثَّانِي أَن مَعْنَاهُ: أم خلقُوا من غير شَيْء أَي: لغير شَيْء، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: هَل يجوز أَن يكون " من " بِمَعْنى اللَّام؟ وَالْجَوَاب: أَن بَعضهم قد أجَاز ذَلِك، وَمن لم يجز قَالَ مَعْنَاهُ: أم خلقُوا من غير شَيْء توجبه الْحِكْمَة يعْنى: أَن الْحِكْمَة أوجبت خلقهمْ ذكره النّحاس أَيْضا وَالْأول أظهر فِي الْمَعْنى.
آية رقم ٣٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: أم يدعونَ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض للأصنام الَّتِي يعبدونها.
قَوْله ﴿بل لَا يوقنون﴾ أى لَا يوقنون بِمَا يدعونَ وَقيل أم خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض أى أهم الَّذين خلقُوا السَّمَوَات وَالْأَرْض. مَعْنَاهُ: أَنهم لم يخلقوا السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَفِي التَّفْسِير: أَنهم كَانُوا مقرين بِأَن الله خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض. فَالْمَعْنى: أَنهم إِذا كَانُوا مقرين بِأَن الله هُوَ الْخَالِق فَلم يشركوه مَعَه غَيره؟ !.
— 278 —
﴿أم عِنْدهم خَزَائِن رَبك أم هم المسيطرون (٣٧) أم لَهُم سلم يَسْتَمِعُون فِيهِ فليأت مستمعهم بسُلْطَان مُبين (٣٨) أم لَهُ الْبَنَات وَلكم البنون (٣٩) أم تَسْأَلهُمْ أجرا فهم من﴾
— 279 —
آية رقم ٣٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم عِنْدهم خَزَائِن رَبك﴾ أَي: عطايا رَبك، وَيُقَال: خزائنه من الرزق والمطر، فهم يملكُونَ ويعطون من شَاءُوا.
قَوْله: ﴿أم هم المسيطرون﴾ أَي: الأرباب المسلطون. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْمعْنَى: أَنهم لَيْسُوا كَذَلِك. يُقَال: تسيطر الرجل على فلَان، إِذا حمله على مَا يُحِبهُ ويهواه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم سلم﴾ أَي: درج ومرقى.
وَقَوله: ﴿يَسْتَمِعُون فِيهِ﴾ أَي: عَلَيْهِ، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي: على جُذُوع النّخل.
وَقَوله: ﴿فليأت مستمعهم بسُلْطَان مُبين﴾ أَي: فليأت من ادّعى الِاسْتِمَاع مِنْهُم بِحجَّة بَيِّنَة. وَفِي بعض التفاسير: كَمَا أَتَى جِبْرِيل بِالْحجَّةِ فِي أَنه قد سمع الْوَحْي.
آية رقم ٣٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُ الْبَنَات وَلكم البنون﴾ مَعْنَاهُ: كَيفَ تَقولُونَ أَن لَهُ الْبَنَات وَأَنْتُم لَا ترْضونَ ذَلِك لأنفسكم؟ وَالْمعْنَى: أَنه لَيْسَ الْأَمر كَمَا تَزْعُمُونَ.
آية رقم ٤٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم تَسْأَلهُمْ أجرا﴾ أى علا على تَبْلِيغ الرسَالَة.
وَقَوله {فهم من مغرم مثقلون أَي: فهم من المغرم الَّذِي لحقهم مثقلون. يُقَال: لحق فلَانا دين فادح، أَو دين ثقيل، فَهُوَ مثقل.
آية رقم ٤١
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم عِنْدهم الْغَيْب فهم يَكْتُبُونَ﴾ مَعْنَاهُ: علم الْغَيْب، وَيُقَال: اللَّوْح الْمَحْفُوظ، فهم يَكْتُبُونَ مِنْهُ مَا يزعمونه ويدعونه، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ عِنْدهم ذَلِك، فقد ادعوا مَا ادعوا فَقَالُوا مَا قَالُوا زورا وكذبا. وَيُقَال: أم عِنْدهم الْغَيْب أَي: كتاب من الله فهم يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ مِنْهُ.
آية رقم ٤٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يُرِيدُونَ كيدا﴾ أَي: كيدا بك، وكيدهم: هُوَ مَا دبروه فِي أمره
— 279 —
﴿مغرم مثقلون (٤٠) أم عِنْدهم الْغَيْب فهم يَكْتُبُونَ (٤١) أم يُرِيدُونَ كيدا فَالَّذِينَ كفرُوا هم المكيدون (٤٢) أم لَهُم إِلَه غير الله سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ (٤٣) وَإِن﴾ ليخرجوه من مَكَّة أَو يقتلوه أَو يحسبوه.
وَقَوله: ﴿فَالَّذِينَ كفرُوا هم المكيدون﴾ أَي: هم المقتولون، وَقد قتلوا ببدر. وَيُقَال: مَعْنَاهُ: أَن كيدنا ومكرنا نَازل بهم.
— 280 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم إِلَه غير الله﴾ فَإِن قيل: قد كَانُوا يدعونَ أَن لَهُم آلِهَة غير الله، فَكيف يَصح قَوْله أم لَهُم إِلَه غير الله يحي وَيُمِيت، وَيُعْطِي وَيمْنَع، ويرزق وَيحرم؟ !.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ﴾ نزه نَفسه عَن شركهم، وَعَما كَانُوا يعتقدونه من عبَادَة غَيره.
آية رقم ٤٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يرَوا كسفا من السَّمَاء﴾ أَي: جانبا من السَّمَاء، أَو قِطْعَة من السَّمَاء، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن بعض الْكفَّار قَالُوا: ﴿فأسقط علينا كسفا من السَّمَاء إِن كنت من الصَّادِقين﴾. وَالْمعْنَى أَنه [لَو] سقط عَلَيْهِم جَانب من السَّمَاء فظلوا فِيهِ يعرجون لقالوا: إِنَّمَا سكرت أبصارنا.
آية رقم ٤٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿فذرهم حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي فِيهِ يصعقون﴾ وَقُرِئَ: " يصعقون " يَعْنِي: يموتون. وَيُقَال: هُوَ يَوْم الْقِيَامَة، ويصعقون هُوَ نزُول الْعَذَاب بهم.
آية رقم ٤٦
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم لَا يُغني عَنْهُم كيدهم شَيْئا﴾ أَي: حيلتهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا هم ينْصرُونَ﴾ أَي: لَا يمْنَع مِنْهُم الْعَذَاب. وَيُقَال: لَا يكون لَهُم نَاصِر يدْفع عَنْهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن للَّذين ظلمُوا عذَابا دون ذَلِك﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنه عَذَاب
— 280 —
﴿يرَوا كسفا من السَّمَاء سَاقِطا يَقُولُونَ سَحَاب مركوم (٤٤) فذرهم حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي فِيهِ يصعقون (٤٥) يَوْم لَا يُغني عَنْهُم كيدهم شَيْئا وَلَا هم ينْصرُونَ (٤٦) وَإِن﴾ لقبر. وَعَن مُجَاهِد: أَنه الْجُوع فِي الدُّنْيَا. وَيُقَال ﴿أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن الْعَذَاب نَازل بهم، فَهَذَا دَلِيل على أَنه قد كَانَ فيهم من هُوَ متعنت يعرف وينكر.
— 281 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر لحكم رَبك﴾ أَي: لما حكم عَلَيْك، وَهَذَا تَعْزِيَة وتسلية لَهُ فِي الْأَذَى الَّذِي كَانَ يلْحقهُ من الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بمرأى منا، وَيُقَال: نَحن نرَاك ونحفظك ونرعاك. قَالَ أهل الْمعَانِي: وَهَذَا إِنَّمَا قَالَه لتيسير الْأَمر عَلَيْهِ وتسهيله، لِأَنَّهُ إِذا علم أَن الْأَذَى الَّذِي يلْحقهُ من الْكفَّار بِحكم الله ومرأى مِنْهُ، سهل عَلَيْهِ بعض السهولة، فَإِنَّهُ لَا يتْرك مجازاتهم على ذَلِك وإثابته على مَا لحقه من الْأَذَى.
وَقَوله: ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك﴾ أَي: صل حامدا لِرَبِّك.
وَعَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أَن مَعْنَاهُ: هُوَ أَنه إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك، وَتَعَالَى جدك، وَلَا إِلَه غَيْرك.
وَعَن بَعضهم أَنه إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة يَقُول: الله أكبر كَبِيرا، وَالْحَمْد لله كثيرا وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا، فَهُوَ المُرَاد من الْآيَة، قَالَه زر بن حُبَيْش. وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَص مَعْنَاهُ: أَنه يَقُول: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك إِذا قَامَ [من] أَي مجْلِس كَانَ. وَعَن بَعضهم أَنه بقول: إِذا قَامَ من الْمجْلس: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت، استغفرك وَأَتُوب إِلَيْك. فَهُوَ كَفَّارَة لكل مجْلِس جلسه الْإِنْسَان.
وَقَوله: ﴿حِين تقوم﴾ قد بَينا.
آية رقم ٤٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن اللَّيْل فسبحه﴾ أَي: صل لَهُ، وَيُقَال: إِنَّه صَلَاة الْمغرب
— 281 —
﴿للَّذين ظلمُوا عذَابا دون ذَلِك وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (٤٧) واصبر لحكم رَبك فَإنَّك بأعيننا وَسبح بِحَمْد رَبك حِين تقوم (٤٨) وَمن اللَّيْلَة فسبحه وإدبار النُّجُوم (٤٩) ﴾ وَالْعشَاء. قَالَ مُجَاهِد: هُوَ اللَّيْل كُله.
وَقَوله: ﴿وإدبار النُّجُوم﴾ قَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس: هُوَ الركعتان قبل الصُّبْح. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ".
فعلى هَذَا معنى " إدبار السُّجُود " رَكعَتَا الْمغرب، قَالَه ابْن عَبَّاس، " وإدبار النُّجُوم " رَكعَتَا الصُّبْح، وَإِنَّمَا سماهما إدبار النُّجُوم لِأَن الرجل يُصَلِّيهمَا عِنْدَمَا يَزُول سُلْطَان النُّجُوم من الضَّوْء، كَالرّجلِ يدبر عَن الشَّيْء فيزول سُلْطَانه عَنهُ. وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿وإدبار النُّجُوم﴾ هُوَ التَّسْبِيح بعد صَلَاة الصُّبْح.
— 282 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿والنجم إِذا هوى (١)
تَفْسِير سُورَة والنجم
وَهِي مَكِّيَّة، وَفِي قَول بَعضهم إِلَّا قَوْله تَعَالَى: {الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم﴾
الْآيَة. قَالَ: هِيَ نزلت بِالْمَدِينَةِ.
وَهَذِه السُّورَة أول سُورَة أعلنها النَّبِي وَقرأَهَا جَهرا عِنْد الْمُشْركين.
— 283 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

49 مقطع من التفسير