تفسير سورة سورة آل عمران
ابن الفرس
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قد(١) اختلف العلماء(٢) في تفسير المحكم والمتشابه اختلافا كثيرا.
والصحيح على مقتضى اللغة أن المحكم يرجع إلى معنيين.
أحدهما : المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه احتمال ولا إشكال والمتشابه يتعارض فيه الاحتمال. والثاني : أن المحكم ما انتظم وترتب ترتيبا مفيدا(٣) إلا أن(٤) هذا لا يقابله متشابه، وإنما يقابله المثبج(٥) والفساد.
وقد يجوز على مقتضى اللغة أن يعبر بما يتشابه (٦) في اللفظ المشترك وقد يطلق على ما ورد من صفات الله تعالى ما (٧) يوهم ظاهره (٨) الجهة والتشبيه(٩). وقد سمى الله تعالى المحكمات : أم الكتاب [ آل عمران : ٧ ]، أي أصل الكتاب وذلك يقتضي رد المتشابهات إلى المحكمات لتفهم منها فيؤخذ من هذا(١٠) أن المتشابه هو المحتمل للمعاني فيعرف المراد منه برده إلى المحكم وإن كان كثير منه يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منه.
وقد يجوز أن تسمّى المحكمات بمعنى أنها أنفع للناس وأفضل من المتشابهات كما تسمى فاتحة الكتاب : أم الكتاب ، ومكة : أم القرى (١١) وقد يجوز أن تسمى المحكمات ؛ لأن معناها بين، فتستنبط منه الفوائد وتقاس عليه المسائل(١٢) والذي يرجع إلى الأحكام(١٣) من هذا أن تأويل ما يتعلق/ بالأحكام الشرعية واجب وما يتعلق بها فلا (١٤) يجب تأويله.
وهل يحرم أم لا ؟ اختلف فيه وقد ظن قوم أنه لا يجوز ؛ لظاهر قوله تعالى : فأما الذين في قلوبهم زيغ الآية [ آل عمران : ٧ ]، وجعلوا الوقف عند قوله : إلا الله . ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات تعويلا على ذلك الظاهر والأكثر على جواز التأويل وعلى ذلك اختار قوم(١٥) الوقف(١٦) على قوله : والراسخون في العلم .
٢ في (ب) و(هـ): "أهـل العلم"..
٣ في (هـ): "بعيدا"..
٤ في (هـ): " لأن"..
٥ هـذه الكلمة بياض في (ب) وفي (ج) و(د): "الصحيح"، في (هـ): "المنتج"، يقال: ثبج الكتاب والكلام تثبيجا لم يبين وقيل: لم يأت به على وجه. انظر لسان العرب، ج ١، ص ٣٤٧..
٦ في (أ): "يتشابه به"..
٧ في غير (ب) و(هـ): "مما"..
٨ في (أ) و(د): "ظاهـر"؛ في (هـ): "الظاهـر"؟ كلمة "ظاهـرة" ساقطة في (ب)..
٩ ورد ما يشبهـه في كتاب المستصفى من علم الأصول للغزالي ج ١، ص ١٠٦، ط١، المطبعة الأميرية بولاق، مصر سنة ١٣٢٢هــ..
١٠ في (هـ): "منهـا"..
١١ قوله: "وقد يجوز... أم القرى" ساقط في (ب)..
١٢ في (ج): "ولا تقاس عليه المسائل"، والصواب ما أثبتناه..
١٣ في (ج): "للأحكام"..
١٤ في (هـ): "لا" بسقوط الفاء..
١٥ كلمة "قوم" ساقطة في (هـ)..
١٦ في (ج): "الوقوف"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وهذا النهي إنما هو أن يظهر الإنسان اللطف بالكفار والميل إليهم، وإن كان لا يعتقد ذلك. وقد اختلف في سبب هذه الآية. فقال ابن عباس : كان كعب ابن الأشرف(١)، وابن أبي الحقيق وقيس ابن زيد وقد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم(٢)، فقال رفاعة ابن المنذر وعبد الله ابن جبير، وسعيد ابن خيثمة(٣) لأولئك النفر : اجتنبوا(٤) أولئك اليهود، واحذروا مباطنتهم ؛ فأبى ذلك(٥) النفر إلا مباطنة اليهود، فنزلت الآية.
وقال آخرون : نزلت الآية (٦) في قصة حاطب(٧) بن أبي بلتعة(٨) وكتابه إلى أهل(٩) مكة. والآية عندي على العموم في هذه القصة وغيرها(١٠)، ويدخل تحتها فعل أبي لبابة في إشارته إلى خلقه حين بعثه (١١) النبي صلى الله عليه وسلم في استنزال بني قريظة، ثم أباح الله تعالى اتخاذهم أولياء في الظاهر بشرط الاتقاء فقال : إلا أن تتقوا منهم تقاة (١٢)، وذهب (١٣) قتادة إلى أن معنى الآية : إلا أن تتقوا منهم تقاة من جهة صلة الرحم أي ملامة، فالآية عنده مبيحة للإحسان إلى القرابة (١٤) من الكفار.
٢ في (ج) و(د):"عن يمينهـم"..
٣ هـو سعيد بن خيثمة بن الحارث الأوسي الأنصاري، أبو عبد الله، أو أبو خيثمة: صحابي كان أحد النقباء الإثني عشر بالعقبة واستشهـد يوم بدر. الأعلام، ج ٣، ص ١٣٣..
٤ في (ب) و(ج) و(د): "احتبسوا"..
٥ في غير (ب) و(د): "أولئك"..
٦ كلمة "الآية" ساقطة في (هـ)..
٧ هـو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي: صحابي شهـد الوقائع كلهـا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أشد الرماة في الصحابة، وكانت له تجارة واسعة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، ومات في المدينة. وكان أحد فرسان قريش وشعرائهـا في الجاهـلية. الأعلام: ج ٢، ص ١٦٣..
٨ في (د): "حاطب بن أبي بلتعة"، في (هـ): "حاطب بن بلتة" والصواب ما أثبتناه..
٩ كلمة "أهـل" ساقطة في (ج) و(د) و(هــ)..
١٠ كلمة "وغيرهـا" ساقطة في (هــ)..
١١ في (ج):"بعث"..
١٢ قوله: "فقال:ألا أن تتقوا منهـم... وذهـب... أن تتقوا منهـم تقاة" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
١٣ في (ب) و(ج): "فقال"..
١٤ في (هـ): "للقرابة"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
هذا النذر غير معمول به في شريعتنا، فلا يجوز لأحد أن يحبس ولده على مسجد من المساجد. وكان هذا معنى للتحبيس على الكنائس في شرع من قبلنا عرفا في الذكور خاصة. وكان فرضا على الأبناء(١) التزامه، فمعنى الآية : جعلت نذرا على أن يكون هذا المولود الذي في بطني محررا من كل خدمة وشغل. والبيت الذي نذرت له هو بيت المقدس، فإن(٢) قيل : كيف كان التحبيس شرطا في الذكور خاصة، وقد قالت امرأة عمران أم مريم : ما في بطني ، ولم تخص ذكرا من أنثى.
قيل(٣) : جزمت (٤) الدعوة رجاء(٥) منها أن يكون ذكرا.
٢ في (ب) و(هـ): " و إن"..
٣ كلمة "قيل" ساقطة في (ج)..
٤ في (هـ): "حرصت"..
٥ في غير(هـ): "رجاء أن"..
فيه دليل(١)على جواز تسمية الأطفال عند الولادة ؛ لأنها إنما قالت هذا بإثر الوضع، وهي مسألة قد اختلف(٢) فيها، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يسمى المولود إلا يوم(٣) سابعه، وذهب مالك إلى أنه يسمى إذا استهل صارخا وأن السقط لا يسمى، وذهب قوم إلى أنه يسمى يوم ولادته وإلى هذا(٤) ذهب ابن حبيب، واستحب أيضا أن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته. وحجة من أجاز تسميته يوم الولادة الآية المتقدمة. وإنما تصح الحجة بها على قول من يرى(٥) أن(٦) شريعة من قبلنا شرع لنا(٧). ولكنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل أن(٨) ذلك أيضا في شريعتنا ؛ وذلك(٩) قوله عليه الصلاة والسلام(١٠) :" ولد لي الليلة مولود سميته إبراهيم " (١١) ؛ وإن كان يروى(١٢) عنه عليه الصلاة والسلام (١٣)، وأنه في اليوم(١٤) السابع يعق(١٥) عن المولود ويسمّى.
٢ في غير (ب) و(هـ): "اختلف" بدون "قد"..
٣ في (د): "إلى يوم"..
٤ في غير (ب): "وإلى نحو هـذا"..
٥ في غير (هـ) "من رأى"..
٦ في غير (هـ) سقوط "أن"..
٧ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "لازمة لنا".
٨ "أن" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
٩ ذلك ساقط في (ب) و(ج) في (هـ) "هـو"..
١٠ في (أ) و(ب): "عليه السلام"..
١١ في غير (ب) و(ج) و(د): "بإبراهـيم" ورد في (ب) و(ج) و(د): "ولد ي الليلة سميتـه إبراهـيم" وفي (هـ): "ولد في الليلة سميته إبراهـيم" والحديث رواه مسلم في صحيحه، الجزء الثاني، باب "رحمتـه صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك" ص ١٨٠٧..
١٢ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "قد روى"..
١٣ كلمة "عليه الصلاة السلام": ساقطة في (ب) وأما في (هـ): "وعليـه السلام"..
١٤ في (أ) و(ج) و(د) و(هـ): "يوم"..
١٥ "يعق" بياض في (ب) و(ج) و(د)، والحديث أخرجه الترمذي في سننه. كتاب الأضاحي باب "من العقيقة"، ج ٤، ص ١٠١؛ وكذلك ابن ماجه كتاب الذبائح، باب "العقيقة"، والدارمي في كتاب الأضاحي باب "السنة في العقيقة" والنسائي في كتاب العقيقة، باب "متى يعق" بألفاظ مختلفة..
أصل في الحضانة، ومعنى كفلها زكرياء(١) أي ضمها إليه وقام بأمرها(٢) وقرئ وكفلها بالتشديد، زكرياء بالنصب، أي : أوجب كفالتها بالقرعة التي أخرجتها له. والآية أظهرها(٣) لخصومه فيها. وذلك أن زكرياء عليه السلام(٤) وخصومه فيها لما تنازعوا أيهم يكفلها تساهموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل : بأقلام بروها كالقداح. وقيل بعصيّ لهم فرموا بها في نهر الأردن، فصعد(٥) قلم زكرياء بالجرية وانحدرت قداح الآخرين(٦). وقيل : أن أقلام القوم عامت(٧) على الماء معروضة كما تفعل العيدان وبقي قلم زكرياء موتدا(٨) واقفا كأنما ركز في طين، فكفلها زكرياء عليه السلام بهذا(٩) الاستهام ؛ فذلك قوله تعالى : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم (١٠) الآية [ آل عمران : ٤٤ ]، وكان زكرياء قد قال لهم : أنا أحق بها منكم ؛ لأن عندي أختها أو خالتها(١١) على اختلاف في ذلك ؛ لأنه قيل : إن زوجته أم يحيى كانت خالة مريم وقيل : أختها فحكم الله تعالى بها لزكرياء لموضع أختها أو خالتها وعلى هذا شرعنا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة(١٢) (١٣) لجعفر بن أبي طالب(١٤) إذ تنازع(١٥) علي بن أبي طالب وجعفر وزيد بن حارثة فقال علي : هي (١٦) ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أحق بها.
وقال جعفر(١٧) : هي ابنة عمي وعندي خالتها، فأنا أحق بها. وقال زيد بن حارثة(١٨) : هي ابنة أخي، وتجشمت(١٩) لها السفر. وكان قد خرج إليها(٢٠) حين أصيب حمزة فأقدمها. وعلى هذا مذهبنا أن الحاضنة إذا كان زوجها وليا من أولياء المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء، وإن كان زوجها أبعد منهم، إلا على مذهب ابن وهب في أن الزوج يسقط حضانة الحاضنة(٢١)، وإن كان ذا رحم(٢٢) من المحضون.
اختلف في السبب الذي كفلها له زكرياء، فالأصح أنها كانت يتيمة توفيت(٢٣) أمها وتركتها صغيرة.
وذكر قتادة وغيره : أنهم كانوا يتشاءمون في ذلك الزمان في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد، فيتساهمون(٢٤) عليه، وأنهم فعلوا ذلك في مريم.
وقال ابن إسحاق (٢٥) : إنها لما ترعرعت(٢٦) أصابت بني إسرائيل مجاعة فقال لهم زكرياء : قد(٢٧) عجزن عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا، فخرج السهم على رجل يقال له : جريج، فجعل ينفق عليها وحينئذ(٢٨)، كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق.
٢ في (هـ): "بهـا"..
٣ في (هـ): "أخرجهـا"..
٤ "عليه السلام" كلمة ساقطة في (ج) و(هـ)..
٥ في (أ) و(ج) و(هـ): "فصاعد"؛ وفي (ب) و(د): "فصمر"..
٦ في (ب): "الأخرى"..
٧ في (ج) :"أقوام القوم علقت"..
٨ في (ب) و(ج) و(د):"مرتدا"؛ وفي (هـ): "ممتدا" والقصة ذكرهـا صاحب الكشاف ج١، ٣٥٧..
٩ في (هـ):"بذلك بذلك"..
١٠ في (غير (ب) و(ج) و(هـ) سقوط "يكفل مريم"..
١١ في (هـ): "وخالتهـا"..
١٢ هـو حمزة بن عبد المطلب بن هـاشم، أبو عمارة، من قريش، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحد صناديد قريش وساداتهـم في الجاهـلية والإسلام، أسلم وهـاجر مع النبي إلى المدينة، وحضر وقعة بدر وغيرهـا. وقال المدني: أول لواء عقده رسول الله كان لحمزة، وكان شعار حمزة في الحرب ريشة نعامة يضعهـا على صدره ولما كان يوم بدر قاتل بسيفين وفعل الأفاعيل وقتل يوم أحد فدفنه المسلمون في المدينة. الأعلام: ج ٢، ص ٣١٠..
١٣ انظر صحيح البخاري، كتاب الصلح، الباب السادس، ج ٣، ص ١٨، وكذلك في كتاب المغازي، الباب ٤٣، ج ٥، ص ٨٥، وانظر أيضا أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، الباب ٣٥، من أحق بالولد، ج ٢، ص ٧٠٨ – ٧٠٩..
١٤ قوله: "ابن أبي طالب" ساقط في (ب) و(هـ)..
١٥ في (ج) و(د): "تنازعا"، والصواب ما أثبتناه..
١٦ في (ج) و(د): "معي"..
١٧ هـو جعفر بن أبي طالب عبد مناف ابن عبد المطلب بن هـاشم صحابي هـاشمي من شجعانهـم، يقال له جعفر الطيار وهـو أخو علي بن أبي طالب... وهـو من السابقين إلى الإسلام هـاجر إلى الحبشة في الهـجرة الثانية ولم يزل هـناك إلى أن هـاجر النبي إلى المدينة فقدم عليه جعفر وهـو بخيبر سنة ٧ هـ، وحضر وقعة مؤتة بالبلقاء (من أرض الشام)، فنزل عن فرسه وقاتل ثم حمل الراية وتقدم صفوف المسلمين فقطعت يمناه فحمل الراية باليسرى فقطعت أيضا، فاحتضن الراية إلى صدره، وصبر حتى وقع شهـيدا فقيل: إن الله عوضه عن يديه جناحين في الجنة. الأعلام: ج ٢، ص ١١٨..
١٨ قوله: "ابن حارثة" ساقط في (هـ)..
١٩ في (ج) و(د): "تخشعت"، والصواب ما أثبتناه..
٢٠ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عنهـا"..
٢١ في غير (هـ): "الحاضن"..
٢٢ "رحم" ساقط على (هـ).
٢٣ في غير (هـ): "فتوفيت"..
٢٤ في (د): "يتساهـمون" بسقوط "الفاء"..
٢٥ هـو محمد بن إسحاق بن يسار ابن خيار أبو بكر المدني صاحب المغازي، روى عن أبيه وقتادة والزهـري وابن المنكدر والنخعي وعطاء وغيره. اختلف في تاريخ وفاته بين ١٥١ هـ / ٧٦٨م، وسنة ١٥٣هـ / ٧٧٠م. انظر: تهـذيب ج ٩، ص ٣٨ - ٤٦..
٢٦ قوله: "ترعرعت" كلمة ساقطة في (ب)، وفي (د) "تحررت"..
٢٧ في (و): "عن"..
٢٨ في (ب) و(ج) و(هـ): "ح"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
اختلف في صمت زكرياء، هل كان على اختيار منه أم لا ؟
فالذين ذهبوا إلى أنه عن(١) اختيار منه اختلفوا في الآية هل هي محكمة أو منسوخة.
فذهب قوم إلى أنها محكمة، ليس في شريعتنا(٢) ما نسخها، على القول بأن شريعة من قبلنا لازمة لنا أولا(٣). أما على(٤) القول بخلاف ذلك لا يحتاج إلى نظر(٥) فيها، هل هي محكمة أو منسوخة ؟
وتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام(٦) :" لا صمت يوم إلى الليل (٧) " على أن معناها : لا يصمت أحد فلا يذكر الله تعالى يوما إلى الليل، وهذا محظور في كل شريعة.
والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة، قالوا : نسخها قوله عليه الصلاة والسلام(٨) :" لا وصال في الصيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا عتق قبل ملك، ولا طلاق قبل نكاح، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وفاء بنذر في معصية الله " (٩).
قالوا : فنسخ إباحة الصمت وهذا النسخ، إنما يجوز على قول الكوفيين ومن تابعهم.
والذين ذهبوا إلى أن صمته لم يكن اختيارا منه، وإنما منع الكلام فلم يقدر عليه، فلا شك أن الآية عندهم محكمة.
وقد اختلف في السبب الذي لأجله منع الكلام زكرياء(١٠) عليه السلام(١١). فقال بعضهم : إنه قال : يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حقا فاجعل لي علامة أعرف بها صحة ذلك(١٢)، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس.
وقيل : لم(١٣) يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي يكون بها الولد وتتم البشارة فلما(١٤) قيل له(١٥) : كذلك الله(١٦) يفعل ما يشاء سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. واختلف هل كان منعه(١٧) الكلام بآفة نزلت به أم لا ؟ فقيل : ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث(١٨). وقيل : أخذ الله تعالى(١٩) عليه لسانه فجعل لا يقدر على الكلام ؛ فهذان القولان لمن رأى ذلك لآفة. وقال قوم : لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس، فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله والرمز بالإشارة. وقد اختلف في من حلف أن لا يكلم إنسانا فأشار إليه بالسلام هل يحنث أم لا ؟ فقال ابن عبد الحكم(٢٠) لا يحنث. وقال مالك : يحنث واحتج به ابن حبيب في أن الإشارة بالسلام كلام ؛ لقوله تعالى لزكرياء عليه السلام(٢١) : قال آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ، يريد ابن حبيب : أن الله تعالى(٢٢) جعل الرمز كلاما وهو الإشارة بعينها. وقال عيسى(٢٣) عن ابن القاسم : لا أرى الإشارة بالسلام كلاما، مثل قول ابن عبد الحكم.
وقد اختلف فيمن حلف أن لا يكلم إنسانا فكتب إليه أو أرسل رسولا(٢٤)، فقرأ المحلوف عليه الكتاب أو أبلغه(٢٥) الرسول، على أقوال في المذهب فقيل : يحنث، وروي ذلك(٢٦) عن مالك.
واحتج له بقوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب (٢٧) [ الشورى : ٥١ ]، أو يرسل رسولا. وهو بعيد(٢٨) لأن الصحيح في الاستثناء أنه منفصل. وقيل(٢٩) : لا يحنث وهو قول أشهب وابن عبد الحكم وابن شهاب(٣٠) وقيل : يحنث إلا أن ينوي المشافهة وهو(٣١) الذي رجع إليه مالك. وقيل : يحنث في الكتابة (٣٢) إلا أن ينوي المشافهة، ولا يحنث في الرسول، رواه أشهب عن مالك. واحتج أبو عبيد(٣٣) للقول بأنه لا يحنث(٣٤) بالكتاب(٣٥) ولا بالإشارة (٣٦) فقال : الكلام غير الخط والإشارة. وأصل هذا أن الله تعالى قال : آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ، وقال في موضع آخر : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [ مريم : ١١ ]، والرمز والإشارة بالعين والحاجب، والوحي الخط والإشارة، ويقال : كتب إليهم وأشار إليهم وفي قصة مريم : فلن أكلم اليوم إنسيا [ مريم : ٢٦ ]، ثم قال : فأشارت إليه [ مريم : ٢٩ ]، فصار الإيماء والخط خارجين(٣٧) عن معنى النطق.
٢ في (ب) و(هـ): "شرعنا"..
٣ في (ج) و(د): "أولى"، وهـي ساقطة في (هـ)..
٤ في (هـ): "فعلى"..
٥ في (هـ) "النظر"..
٦ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عليه السلام"..
٧ في (هـ): "الليل" والحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب "ما جاء متى ينقطع اليتم" باب٩، ص ٢٩٣ – ٢٩٤..
٨ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عليه السلام"..
٩ صحيح البخاري، ج ٣، كتاب الصوم، باب الوصال، ص ٢٤٢ –٢٤٣، وكذلك صحيح مسلم، كتاب الصوم، باب النهـي عن الوصال، ص ٧٧٤ – ٧٧٥، باب الوصال، ص ٧٦٦ وأخرجه أيضا الترمذي في سننه كتاب الصوم، باب "ما جاء في كراهـية الصوم" ج ٣، ص ١٤٨، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح، ج ٢، ص ٦٤٠ – ٦٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب "لا طلاق قبل نكاح"، ج ١، ص ٦٦٠..
١٠ في (هـ): الذي منع لأجله زكرياء الكلام..
١١ قوله: "عليه السلام"، ساقط في (أ) و(ب) و(ج)..
١٢ في غير (هـ):"أعرف صحة ذلك بهـا"وفي (ب): "أعرف به صحة ذلك بهـا" وفي (ج) و(د): "اعرف بهـا صحة ذلك".
١٣ في (ج): "لهـم" والصواب ما أثبتناه..
١٤ في (ج) و(د): "بلا"..
١٥ قوله: "له" ساقط في (ج)..
١٦ كلمة "كذلك الله" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
١٧ في (د): "منع"..
١٨ في (ب) و(هـ): "بعد ثلاثة أيام"..
١٩ كلمة "تعالى" ساقطة في (هـ)..
٢٠ هـو أبو عبد الله محمد ابن عبد الحكم، سمع من أصحاب مالك، له عدة تآليف منهـا: "أحكام القرآن" و"الوثائق والشروط" و"الرد على الشافعي" وغيرهـا. توفي سنة ٢٦٨ هـ / ٨٨٢ م. انظر: ترتيب المدارك ج٤، ص ١٥٧ - ١٦٥.
٢١ كلمة "عليه السلام" ساقطة في (أ) و(ج) و(هـ)..
٢٢ في (أ) و(ب): "أنه تعالى"..
٢٣ هـو عيسى ابن إبراهـيم بن مثرود المصري يروي عن ابن القاسم وغيرهـ توفي ٢٦١ هـ.
يراجع الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/٢٧٢) و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٢/٣٦٢)..
٢٤ كلمة "أو يرسل إليه رسولا" ساقطة في (هـ).
٢٥ في (أ) و(ب) و(ج) و(د): أو "بلغه" في (هـ): "وبلغه".
٢٦ "ذلك" سقطت في (ج)..
٢٧ "أو من وراء حجاب" ساقط في (ج).
٢٨ "وهـو بعيد" بياض في (د).
٢٩ في (ب) و(ج): "وقيل أنه"..
٣٠ هـو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهـاب، القرشي الزهـري، أحد الفقهـاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة، توفي سنة ١٢٤ هـ، على خلاف في ذلك، وقيل: مولده سنة ٥١ هـ. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص٤٥١ - ٤٥٢..
٣١ في (ج): "وهـذا".
٣٢ في (هـ): "بالكتابة"..
٣٣ هـو أبو عبيد القاسم ابن سلام البغدادي من أئمة القراء والفقه واللغة، له عدة تآليف منهـا: الناسخ والمنسوخ توفي سنة ٢٢٢ هـ / ٨٣٧، على خلاف في ذلك. انظر: تهـذيب التهـذيب، ج ٨، ص ٣١٥ – ٣١٨ وتذكرة الحفاظ، ج ٢، ص ٦٦٥، ونزهـة الألباء لابن الأنباري، ص ١٣٦ –١٤١، وتاريخ بغداد، ج ١٢، ص ٤٠٣ –٤١٦..
٣٤ في (هـ):"بأنه يحنث"..
٣٥ في (د): "بالكتابة"..
٣٦ في (هـ): "بهـما"..
٣٧ في (أ) و(ب): "من"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
استدل جمهور العلماء بهذه الآية(١) على صحة الحكم بالقرعة وكان النبي صلى الله عليه وسلم(٢) إذا سافر أقرع بين نسائه(٣) وقال عليه الصلاة والسلام(٤) :" لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا أن يستهمّوا عليه لاستهموا عليه(٥) ". وشذ قوم فلم(٦) يروها جملة(٧) وجعلوه قمارا وأجاز أبو حنيفة ومن تابعه القرعة في الرباع ولم يجزها(٨) في العبيد.
٢ في (ج) و(د): "عليه السلام"..
٣ صحيح البخاري، كتاب الهـبة باب، ١٥ ص ١٣٥، وكتاب الشهـادات، باب ١٥ ص ١٥٤، وكتاب الجهـاد والسير، باب ٦٤، ص ٢٢١ وكذلك صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب ١٣، ص ١٨٩٤، وسنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب ٤٧، ص ٦٢٤، وكتاب الأحكام، باب ٢٠، ص ٧٨٦ وسنن الدارمي، كتاب النكاح، باب ٢٦، ص ٥٤٠، ومسند ابن حنبل، ج ٦، ص ١١٤، ٢٥٩..
٤ في (ج) و(د): "عليه السلام"..
٥ انظر صحيح البخاري: كتاب الآذان، باب ٩، بنفس اللفظ، وباب ٧٣ ؛ وصحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب ٢٨ ؛ وسنن النسائي: كتاب المواقيت وكتاب الآذان ومسند الإمام أحمد ج ٢، ص ٣٠٣، ٥٣٣..
٦ في (ب) و(هـ): "لم"..
٧ في (هـ): "حجة"..
٨ في (ب) و(د) و(ج): "لم يجزهـا"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
|آل عمران : ٧٥|
أقام بعض الناس من هذه الآية(١) اتخاذ السجن والحبس فيه، لقوله تعالى : ما دمت عليه قائما واستدل بعضهم(٢) به على جواز ملازمة الغريم الذي ثبت غرمه(٣).
٢ "بعضهـم" ساقط في (ج) و(د) و(هـ)..
٣ في (ج) و(د) و(هـ): "عدمه"..
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية(٢)، فقال عكرمة : نزلت في أحبار اليهود أي رافع(٣) وكنانة ابن أبي الحقيق وكعب ابن الأشرف وحيي ابن الأخطب(٤) تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرئاسة التي(٥) كانوا بسبيلها. وقيل : نزلت بسبب خصومة الأشعث ابن القيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت(٦) اليمين على اليهودي فقال الأشعث(٧) : إذا يحلف يا رسول الله، ويذهب بمالي(٨)، فنزلت.
وقيل : إن(٩) الأشعث اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث، وكان في الحقيقة مبطلا قد غصب تلك(١٠) الأرض في جاهليته : فنزلت الآية فنكل الأشعث عن(١١) اليمين وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضا أخرى. وقيل : الآية نزلت بسبب خصومة غير الأشعث. وقال الشعبي(١٢) : نزلت الآية بسبب رجل أقام سلعة في السوق أول(١٣) النهار، فلما كان من آخره جاء رجل يساومه فحلف حانثا لقد منعها في(١٤) أول النهار من كذا كذا ولولا المساء ما باعها، فنزلت الآية.
واختلف العلماء في من قال :" علي عهد الله "، فقال مالك وجماعة من حلف بذلك وحنث فعليه الكفارة سواء نوى اليمين أم لا.
وقال عطاء : ليس ذلك(١٥) بيمين إلا أن ينوي اليمين، وهو قول الشافعي.
وحكي عن أحمد(١٦) أنه ليس في العهد كفارة قال(١٧) : هي أعظم من أن يكون فيها كفارة.
وحجة القول الأول قوله تعالى : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم (١٨) الآية(١٩)، فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان فدل على تأكيد الحلف به، ولذلك قال إبراهيم(٢٠) : كانوا ينهوننا عن الحلف بالعهد، وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير في الوفاء به، وقال تعالى : ومنهم من عاهد الله الآية [ التوبة ٧٥ ]، فذمهم على ترك الوفاء. وقال ابن القصار : مما احتج به قوله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [ النحل : ٩١ ]، فأمر(٢١) بالوفاء بعهده ثم عطف بقوله : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، ولم يتقدم غير ذكر العهد، فعلمنا(٢٢) أنه يمين مؤكد. واختلف في اليمين الغموس هل فيها كفارة(٢٣) ؟ وفي(٢٤) الآية حجة لقول الجمهور من العلماء(٢٥) في أن لا كفارة فيها لأنه تعالى ذكر(٢٦) في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان(٢٧) والعقوبة والإثم ولم يذكر فيها كفارة. فدل ذلك على أن ليس(٢٨) فيها كفارة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ(٢٩) مسلم لقي الله وهو عليه غضبان(٣٠) ".
وقال(٣١) سعيد ابن المسيب : اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية.
٢ في (هـ):"نزولهـا"..
٣ في (د): "أبي رافع"..
٤ في (ج): "ابن الخطيب"..
٥ في (ب) و(د) و(هـ): "الذين"..
٦ في غير (أ): "فوجيب"..
٧ هـو الأشعث ابن قيس ابن معدي كرب الكندي، أبو محمد، أمير كندة في الجاهـلية والإسلام، روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث، ولد سنة ٢٣ ق. هـ، وتوفي سنة ٤٠ هـ. انظر: الأعلام، ج ١، ص ٣٣٣ – ٣٣٤..
٨ في غير (أ) و(ب) و(هـ):"مالي"، والحديث رواه البخاري في صحيحه: كتاب الشهـادات وكتاب الخصومات، كما رواه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان..
٩ كلمة "أن" سقطت في (هـ).
١٠ في (ج) و(د): "ملك"..
١١ في (هـ): "على".
١٢ هـو أبو عمرو عامر ابن شراحيل الشعبي، وهـو من حمير وعداده في هـمدان، وهـو كوفي تابعي، جليل القدر وافر العلم، ولد سنة ٢١ هـ، على خلاف في ذلك أيضا. وتوفي بالكوفة سنة ١٠٥ هـ، على خلاف في ذلك أيضا. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص ٢٤٤ – ٢٤٥..
١٣ في (ب): "وأول"..
١٤ قوله "في" ساقط في (هـ)، في غير (ب) و(د) و(ج): "من"..
١٥ في (و): "بذلك"..
١٦ هـو الإمام أبو عبد الله أحمد ابن محمد ابن حنبل ابن هـلال الشيباني، المروزي الأصل، ولد في بغداد سنة ١٦٤ هـ، كان إمام المحدثين وصنف كتابه المسند وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وكان من أصحاب الإمام الشافعي وضرب وحبس لما دعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب وأصر على الامتناع، توفي سنة ٢٤١ هـ ببغداد. انظر: وفيات الأعيان، ج ١، ص. ١٧..
١٧ في (د): "وقال".
١٨ في (أ) سقوط كلمة و"إيمانهـم"، وفي (هـ): "وحجة القول الأول الآية"..
١٩ كلمة الآية..
٢٠ هـو إبراهـيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي أحد فقهـاء العراق الأعلام، توفي سنة ٩٦ هـ. انظر طبقات ابن سعد ٦/ ٢٧٠ وتذكرة الحفاظ للذهـبي ١ / ٦٩..
٢١ في (ب) و(د) و(هـ): "فأمروا"..
٢٢ في غير (هـ): "فأعلمنا".
٢٣ في (ج) و(د): "كفارة أم لا".
٢٤ في (ج) و(د): "ففي" ؛ وفي (هـ): "أم"..
٢٥ كلمة "من العلماء" ساقطة في (هـ)..
٢٦ كلمة "ذكر" ساقطة في (د)..
٢٧ كلمة"والعصيان" ساقطة في (و)..
٢٨ في (هـ): "أنه" وفي (و): "أنهـا"..
٢٩ كلمة "امرئ" ساقطة في (هـ)..
٣٠ صحيح البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، وكتاب الخصومات، وفي كتاب الشهـادات في موضعين (أي باب ١٩، ٢٣)، وكذلك صحيح مسلم في كتاب الأيمان، وسنن الترمذي في كتاب البيوع، وسنن ابن ماجه في كتاب الأحكام، ومسند أحمد، ج١، ص ٣٧٧ – ٣٧٩..
٣١ في (ج): وقد "قال"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
اختلف الناس في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين(٢) ؟ وليس في هذه(٣) الآية دليل على أحد القولين. ونبه (٤) تعالى(٥) بهذه الآية على أنه لا يقبل(٦) من آدمي دين غير دين الإسلام وهو دين كل من سمى من الأنبياء قبل هذه الآية. وهي الحنيفية السمحة، كذا(٧) قال جماعة من المفسرين. وقال عكرمة : لما نزلت هذه الآية، قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون فقال الله تعالى له :" حجهم يا محمد "، وأنزل عليه : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ آل عمران : ٩٦ ] /، فحج المسلمون وقعد الكفار. وذكر عن ابن عباس أنه قال : نزلت إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر (٨) إلى قوله : ولا هم يحزنون [ البقرة : ٦٢ ]، ثم (٩) أنزل الله تعالى (١٠) بعدها : ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (١١) الآية [ آل عمران : ٨٥ ].
وهذه إشارة إلى النسخ، قال بعضهم : إن قوله تعالى : ومن يبتغ غير الإسلام دينا الآية(١٢) نزلت في الحارث ابن سويد وكان مسلما ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي(١٣) من توبة ؟ قال : فنزلت، فأرسل إليه قومه فأسلم. وقال السدي : نسخ الله تعالى بقوله : إلا الذين تابوا [ آل عمران : ٨٩ ]، قوله : أولئك جزاءهم أن عليهم لعنة الله [ آل عمران : ٨٧ ]، وهذا الذي ذكره لا يصح على حقيقة النسخ. وقال عكرمة : نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب والحارث ابن سويد وابن الأسلت(١٤) في اثني عشر رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا(١٥) إلى أهليهم : هل لنا(١٦) من توبة ؟ فنزلت الآية.
وقال ابن عباس أيضا والحسن ابن أبي الحسن : نزلت في اليهود والنصارى شهدوا مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، وقال بعضهم : نزلت في طعمة ابن أبيرق.
وفي هذه الآية دليل على قبول توبة المرتد، خلافا لمن لم يقبلها. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة عند قوله : ومن يرتدد منكم عن دينه (١٧) [ البقرة : ٢١٧ ].
٢ في (ج): "أو هـما بمعنيين" وفي (هـ):"لقبين"..
٣ في غير (أ) و (ب) سقوط كلمة "هـذه"..
٤ في (هـ):"ونبه الله"..
٥ كلمة"تعالى" ساقطة في (ج)..
٦ كلمة "لا يقبل"ساقطة في (ج)..
٧ في (ب) و(ج) و(د): "كما"..
٨ قوله: "من آمن بالله واليوم الآخر" ساقط في (هـ)..
٩ "ثم" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ) وجاء مكانهـا: "فأنزل"..
١٠ كلمة: "تعالى" سقطت في (ج) و(د) و(هـ)..
١١ قوله: "فلن يقبل منه" ساقط في (ب) و(ج) و(د)..
١٢ قوله: "الآية": ساقطة في (ب) وفي (د) زيادة: "فلن يقبل منه"..
١٣ كلمة "لي" ساقطة في (ب) و(ج) و(د)..
١٤ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "وجرج بني الأسلت"..
١٥ في (هـ): "فكتبوا"..
١٦ "لنا" ساقطة في (هـ)..
١٧ في (د) زيادة: "فيمت وهـو كافر الآية"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
اختلف المفسرون في الكفر المزداد ما هو ؟ فقال الحسن وغيره : الآية في اليهود، كفروا بعيسى عليه السلام(١) بعد الإيمان بموسى عليه السلام(٢) ثم ازدادوا كفرا بسيدنا(٣) محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القول ضعف : لأن الكافرين بعيسى بعد الإيمان بموسى ليسوا الكافرين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال أبو العالية : الآية نزلت(٤) في اليهود كفروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة، ثم ازدادوا كفرا بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم بالسب(٥) والافتراء والسعي على الإسلام(٦) وغير ذلك. ويدخل في الآية على هذا القول المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم. وقال مجاهد : ازدادوا كفرا أي ثبتوا على كفرهم حتى بلغوا الموت به، فهذا قول عام ثم أخبر(٧) تعالى أن توبة هؤلاء غير مقبولة(٨) ؛ فإن قيل : وكيف(٩) يصح ذلك على قولكم : إن(١٠) توبة التوبة مقبولة، وقد قال تعالى : إنها غير مقبولة(١١) فكيف الانحلال عن هذه الأنشوطة(١٢) ؟
فالجواب أن العلماء قد اختلفوا في تأويل ذلك فقال الحسن وغيره : نفي(١٣) قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة والغرغرة والمعاينة. وقال أبو العالية(١٤) : المعنى لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بسيدنا(١٥) محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان(١٦) نحن نتوب من هذه الأفعال وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى أنه لن تقبل(١٧) تلك التوبة. وقال بعض المفسرين : إن الإشارة بالآية إلى قوم معيّنين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجرمهم، وهم(١٨) الذين أشار إليهم بقوله تعالى(١٩) : كيف يهدي الله قوما الآية [ آل عمران : ٨٦ ]، فأخبر عنهم أنه(٢٠) لا يكون لهم توبة فيتصور قبولها فتجيء كقول علقمة :
" علي لا حب لا يهتدي بمنارة " (٢١)
أي ليس لهم ثم توبة فتقبل كما أنه(٢٢) ليس ثم(٢٣) منار فيهتدي(٢٤) به. وهذا(٢٥) قول ضعيف لا يخلص(٢٦) عند السبر ؛ لأن الآية التي بعدها تغني عن ذلك، وإن جعل الأولى خاصة والأخرى عامة فمن يسلم له هذا. هذا، ولعل ذلك بالعكس بل لعلهما عامتان وهو الأظهر عندي.
٢ كلمة "عليه السلام" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(هـ)..
٣ كلمة "بسيدنا" ساقطة في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٤ كلمة "نزلت" ساقطة في (هـ)..
٥ في غير (هـ) "في السب"..
٦ في غير (ب): "عن الإسلام"..
٧ في (ج) و(د): "الله"..
٨ في (ج) و(د): "هـؤلاء مقبولة"..
٩ في (ب) و(ج): "كيف" بسقوط "الواو"..
١٠ في غير (ب):"بأن"..
١١ قولـه: "وقد قال تعالى: إنهـا غير مقبولة" ساقط في (ب) و(ج)..
١٢ في (ب) و(ج): "الأشرطة"، "الأنشوطة" بياض في (د)، والأنشوطة: هـي العقدة التي يسهـل حلهـا..
١٣ في (هـ): "إن نفي"..
١٤ في (هـ): "أبو المعالي"..
١٥ "بسيدنا" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
١٦ في غير (هـ): "الأخبار"..
١٧ في (ب) و(هـ): (تقبل) في (ج) و(د): "لا تقبل"..
١٨ قوله: "وقال بعض المفسرين... لجرهـم هـم" ساقطة كله في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
١٩ كلمة "تعالى" ساقط في (ب) و(هـ)..
٢٠ في (ب) و(ج) و(هـ): "أنهـم"..
٢١ انظر ديوان امرؤ القيس، ص ٩٢..
٢٢ في (هـ): "أن"..
٢٣ "ثم" ساقطة في (هـ)..
٢٤ في (ب) و(هـ): "يهـتدي"..
٢٥ في (ج): "وهـو"..
٢٦ في (و) و(د): "لا يخلو"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تضمنت هذه الآية أن(١) الأمن إنما يكون للداخل الذي يجني خارج الحرم(٢) ثم يلجأ إليه أما الجاني فيه خلاف(٣) ذلك فالأكثر(٤) على إقامة الحد عليه فيه(٥)، خلافا لمن منع ذلك من أهل العلم وحجة الجمهور ظاهر هذه الآية. وقد اختلف الناس أيضا فيمن أصاب حدا في غير الحرم من قتل أو زنا أو سرقة أو نحو ذلك(٦)، ثم لجأ إلى الحرم على حسب اختلافهم في تأويل (٧) هذه الآية، وهل هي محكمة أو منسوخة ؟
فقال قوم : بنص الآية أنه آمن لا يقام عليه حد ولا يخرج من الحرم لذلك(٨) حتى يخرج بنفسه(٩) لكنه لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم حتى يخرج فيؤخذ بما يجب عليه، وإن أتى في الحرم حدا أقيم ذلك(١٠) عليه فيه. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول عطاء وغيره. واحتج أهل هذا القول بظاهر قوله تعالى : ومن دخله كان آمنا (١١)، قالوا : فجعل الله تعالى بيته آمنا(١٢) لمن دخله فداخله آمن من كل شيء وجب عليه قبل دخوله حتى يخرج عنه، ومن أتى فيه حدا فالواجب على السلطان أخذه ؛ لأنه ليس ممن دخله مستجيرا به(١٣) وإنما جعله الله تعالى آمنا لمن دخله من غيره(١٤)، وعلتهم في أنه لا يكلم حتى يخرج، أن يكون سببا لخروجه(١٥) وأخذ الحد. وقال قوم : لا يخرج من لجأ إلى الحرم حتى يخرج منه ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته، وروي ذلك عن ابن عمر قال : لو وجدت(١٦) قاتل عمر في الحرم ما هجرته(١٧) وحجتهم(١٨) قوله تعالى : ومن دخله كان آمنا . قالوا(١٩) : ومن كان خائفا من الاحتيال عليه فإنه(٢٠) غير آمن، فغير جائز إذايته بالامتناع من مكالمته وغير ذلك مما يضطره إلى الخروج.
وقال أبو حنيفة : تقام فيه سائر الحدود الواقعة(٢١) في غير الحرم سوى القتل والرجم في الزنا(٢٢)، وهذا ضعيف ؛ فإن الأمن إذا اعتبر لم يتحقق مع إقامة سائر(٢٣) الحدود. وقال قوم : لا يجير الحرم ظالما ومن أتى فيه ما يوجب حده(٢٤) أو لجأ إليه ممن وجب عليه أقيم عليه الحد(٢٥) وحيث وجد منه ؛ لما جاء في الحديث(٢٦) الصحيح من أن الحرم لا يجير(٢٧) عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بجزية(٢٨)، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي رحمهما الله(٢٩).
واحتج بعض أصحابنا بأن(٣٠) النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة(٣١)، لم تعذه الكعبة، وهذا القول أولى بالصواب ؛ لأن الله تعالى أمر بإقامة الحدود ولم يخص بها مكانا دون مكان. ومما يشهد لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الفواسق والمؤذية(٣٢) فيقوم الدليل من هذا أن كل(٣٣) فاسق استعاذ بالحرم أخذ بجريمته(٣٤).
واختلف الذين ذهبوا إلى هذا القول في تأويل قوله : كان آمنا (٣٥)، فقيل : كان ذلك(٣٦) في الجاهلية، ثم نسخ. وهذا قول ضعيف، وقيل : إن " من " هنا لمن لا يعقل، والآية في أمان الصيد، وهو قول شاذ. وقال يحيى ابن جعدة(٣٧) في معنى الآية : أي (٣٨) أن من دخل البيت(٣٩) كان آمنا من النار.
واختلف الناس في قوله تعالى(٤٠) : مقام إبراهيم أي مقام هو، فقيل : هو الحجر المعروف، وقيل : البيت كله، وقيل مكة كلها، وقيل : الحرم. والضمير في قوله :" ومن(٤١) دخله " يجوز أن يعود على المقام، ويجوز أن يعود على البيت(٤٢)، وهو قول الجمهور، وقالوا : إن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذ الحرم حرم للبيت، إذ هو(٤٣) بسببه ولحرمته(٤٤).
قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا :
اختلف الناس في هذه الآية(٤٥) : هل هي من مجمل القرآن أو من عامة على قولين مشهورين :
قول مالك وأكثر الفقهاء أنها عامة، والآية خبر في معنى الأمر. وقد أجمع العلماء على(٤٦) أن على الإنسان في عمره حجة واحدة إذا كان مستطيعا. واختلفوا في الاستطاعة : فزعم(٤٧) قوم أنه من قدر على الوصول(٤٨) إلى البيت راجلا أو راكبا مع السبيل الآمنة المسلوكة فهو مستطيع، وإلى هذا ذهب مالك في المشهور عنه وغيره. وزعم قوم : أن الاستطاعة الزاد والراحلة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وغيرهم. وروي نحوه عن مالك، وحجة قول مالك المشهور عنه(٤٩) قوله تعالى : من استطاع إليه سبيلا وإذا(٥٠) كانت الحال التي ذكرنا فالاستطاعة موجودة وقوله تعالى : يأتوك رجالا الآية [ الحج : ٢٧ ].
ومن حجة أهل(٥١) القول الثاني ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله :" السبيل : الزاد والراحلة " (٥٢)، وهذا الحديث أحد رواته(٥٣) ضعفه ابن معين(٥٤) وغيره، مع أن التأويل يدخله دخولا حسنا.
واختلف في الحج مع لزوم الغرامة، فمنع(٥٥) من ذلك بعض أصحاب مالك جملة، ورأى / أن فرض الحج قد سقط بذلك. وذهب أكثرهم(٥٦) إلى أن الغرامة الكثيرة تسقط الفرض واليسيرة لا تسقطه، وهذا القول أظهر ؛ لأن الاستطاعة مع هذا موجودة إذا كان ما يغرمه لا يشق عليه وجوده، فهو ممن أوجب الله تعالى الحج عليه(٥٧) بقوله : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا الآية(٥٨).
واختلف(٥٩) قول مالك فيمن يخرج إلى الحج(٦٠) على أن يسأل جائيا(٦١) وذاهبا، وليست تلك عاداته في إقامته ؛ فروى عنه(٦٢) ابن وهب أنه قال : لا بأس بذلك. قيل له : فإن مات في الطريق ؟ قال : حسابه(٦٣) على الله.
وروى عنه ابن القاسم أنه قال : لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون(٦٤) أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون، وإني لأكره ذلك لقول الله سبحانه وتعالى(٦٥) : ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون(٦٦) حرج (٦٧).
واختلف في الابن إذا بذل للأب الاستطاعة التي هي المال، هل يلزمه فرض الحج أم لا ؟ ففي المذهب أنه لا يلزم الفرض(٦٨) ؛ لأنه غير مستطيع بنفسه فلا يلزمه قبوله. وقال الشافعي : يلزمه قبول الاستطاعة لأنه صار بمنزلة الواجد، ودليلنا قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها [ الطلاق : ٧ ]، وقال : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [ النجم : ٣٩ ].
واختلف فيمن مات ولم يحج هل يحج عنه من ماله أم لا ؟ فقال مالك : لا يحج عنه(٦٩) إلا ما يوصي به. وقال الشافعي : يلزم(٧٠) الحج عنه من رأس ماله، ودليل قولنا الآية المذكورة ومعناها أن يحجوا بأنفسهم وذلك ممتنع بعد الموت.
واختلف أيضا في المعصوب الذي لا يتمسك(٧١) على الراحلة هل يلزمه أن(٧٢) يحج عنه غيره من ماله أم لا ؟
ففي المذهب أنه لا يلزمه، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه مستطيع يلزمه أن يخرج غيره يؤدي(٧٣) غيره الحج.
ودليلنا قوله تعالى(٧٤) : من استطاع إليه سبيلا فأخبر عن صفة التكليف، وهو أن يفعله بنفسه فانتقى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة.
واختلف في الأعمى، ففي المذهب أن الحج يلزمه إذا وجد من يهديه الطريق ؛ لأنه مستطيع إذا كان على تلك الحال. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يخرج غيره يحج عنه ودليلنا ما قدمناه في المسألة التي قبل هذه.
واختلف في الطريق إذا كان على البحر هل يسقط ؟ وهذا عندنا إنما هو إذا كان البحر شديد الخوف والغالب فيه الغرر. وأما البحار المسلوكة التي يتصرف فيها التجار فلا تقع من وجوب الحج. والدليل على ذلك أن الاستطاعة هي القدرة إما بالدين أو بالمال(٧٥) وهذا قادر فهو إذن مستطيع. وقد قال تعالى : من استطاع إليه سبيلا . وذكر ابن شعبان(٧٦) لمالك قولا مثل الشافعي، واحتج بقوله تعالى : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا [ الحج : ٢٧ ] (٧٧).
واختلف في حج النساء ماشيات مع القدرة على ذلك : فجمهور أهل(٧٨) المذهب أنهن والرجال في ذلك سواء، فعليهن أن يمشين. وروي عنه أنه لا حج عليها إذا كانت لا تحج إلا ماشية(٧٩)، قال : لأن المشي منها عورة إلا أن يكون المكان قريبا(٨٠) من مكة. والقول الأول أظهر، لعموم قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا لعموم الآية(٨١)، وهذه مستطيعة(٨٢)، وهي داخلة تحت لفظ الناس.
واختلف في ذي المحرم هل هو من شرط الاستطاعة في(٨٣) المرأة أم لا ؟.
ففي المذهب وغيره أنها تحج إن(٨٤) لم يكن لها محرم إذا وجدت رفقة(٨٥) مأمونة. وقال أبو حنيفة : المحرم من الاستطاعة، ودليلنا قوله تعالى : من استطاع إليه سبيلا فعم.
واختلف هل للزوج أن يمنع المرأة(٨٦) من حج الفريضة أم لا ؟ فالجمهور على أنه ليس له منعها(٨٧). واضطرب قول الشافعي في ذلك، ومن حجة الجمهور أن الله تعالى(٨٨) قد فرض عليها(٨٩) الحج(٩٠) بقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا الآية وما هو فرض عليها فلن يسقطه الزوج.
واختلف في العبد يحج هل يجزيه عن حج الفريضة إذا أعتق(٩١) فالجمهور على أنه لا يجزيه. وقال داود ابن علي : يجزيه، وحكى الرازي هذا عن الشافعي وهو منه غلط. وهذا مبني على أن الخطاب هل يدخل تحته العبد أم لا ؟ (٩٢) وفيه خلاف بين الأصوليين، فمنهم من لا يدخله فيه إلا بدليل وهو قول ضعيف، ومنهم من يدخله تحته حتى يخرج منه بدليل، وهذا أصح في النظر، وكذا(٩٣) اختلف في الصغير(٩٤) إذا حج أو حج به هل يجزيه عن حجة الفريضة أم لا ؟ فالجمهور على أنه لا يجزيه، وشذت فرقة فأجازت حجه تعلقا بحديث ابن عباس في المرأة التي قالت :" ألهذا حج يا رسول الله ؟ " قال :" " نعم ولك أجر(٩٥) وبظاهر الآية. وحجة الجمهور أن الخطاب قاصر عن(٩٦) الصبي والعبد لأن(٩٧) من شرط الخطاب الحرية والبلوغ فلا يتعلق بالعبد والصبي.
وإن قلنا : إنهما داخلان تحت الخطاب فإنهما خارجان عنه بالدليل وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أيما صبي حج ثم أدرك فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى " (٩٨) وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى.
واختلف في الحج : هل هو على الفور أم(٩٩) على التراخي ؟ على قولين : ولمالك(١٠٠) ما يدل على كلا القولين لكن الذي عليه رؤساء المذهب والمنصوص عن مالك أنه على الفور، لا يجوز تأخيره إلا من عذر، ومن حجة بعضهم في أنه على الفور أن الأوامر عندهم على الفور، قالوا : فكذلك الإيجاب المطلق، يعنون أن قوله تعالى : ولله على الناس الآية إيجاب مطلق فهو على الفور كالأمر.
قوله تعالى : ومن كفر فإن الله غني عن العالمين :
اختلف في تأويله، فقال ابن عباس : أي من زعم أن الحج ليس بفرض ففسر الكفر بذلك، وقال قوم : المعنى من كفر بالله، وقيل : المعنى من كفر بهذه الآيات التي في البيت. وقيل : المعنى من كفر بأن من(١٠١) وجد ما يحج به ثم لم يحج، وهذا التأويل موافق لم ذهب إليه ابن حبيب وانفرد به دون سائر أهل العلم من أن الحج والصيام والزكاة مثل الصلاة من ترك فعل(١٠٢) شيء منها وإن كان مقر بفرضها فهو كافر وإنما قال جماعة من أهل العلم ذلك في ترك(١٠٣) الصلاة خاصة، فقالوا : لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب إلا بترك الصلاة خاصة(١٠٤). وأما مالك والشافعي(١٠٥) وجمهور أهل العلم فلا يرون التكفير بشيء من ذلك وإنما اختلفوا هل يقتل أو يؤدب بالضرب والسجن.
٢ في (هـ):"الذي يجني من خارج الحرم"..
٣ في (د): "خلاف ذلك".
٤ في (ب): "الأكثر" ؛ وفي (هـ): "والأكثر"..
٥ "فيه" ساقط في (ب)..
٦ في (هـ): "أو غير ذلك"..
٧ كلمة "تأويل" ساقطة في (هـ)..
٨ في (ب) و(ج) و(د): "كذلك"..
٩ في غير (هـ) "بنفسه" ساقطة..
١٠ سقوط كلمة "ذلك" في غير (هـ)..
١١ في (هـ): "لظاهـر الآية"..
١٢ في (هـ): "جعل الله بيته وبين آمنا"..
١٣ في (هـ): "مستجيرا به من غيره"..
١٤ قوله: "وإنما جعله الله تعالى أمنا لمن دخله من غيره) ساقط في (هـ)..
١٥ في (ب) و(ج): "إلى خروجه"..
١٦ في (ب): "ولو وجد"..
١٧ في غير (هـ): "هـجته"..
١٨ في (ب): "وحجته"..
١٩ "قالوا" ساقط في (هـ)..
٢٠ "فإنه" ساقط في (هـ)..
٢١ في غير (هـ): "المعلومة"..
٢٢ في (أ): "والزنى"..
٢٣ "سائر" ساقطة في (هـ)..
٢٤ في غير (ج): "حدا"..
٢٥ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "أقيم الحد على كل واحد منهـم"..
٢٦ كلمة "الحديث" ساقطة في (هـ)..
٢٧ في (أ) و(ب) و(هـ): "لا يعيذ"..
٢٨ صحيح البخاري، كتاب الصيد، ج١، الباب الثامن، وج٥، باب ٥١ ؛ صحيح مسلم، باب ٧٢، ص ٩٨٨؛ وسنن الترمذي، ج ٣، كتاب الحج باب ١، ص ٧٤..
٢٩ في غير (ب) و(هـ): سقوط كلمة "رحمهـما الله"..
٣٠ في (هـ): "أن"..
٣١ صحيح البخاري، في كتاب الصيد، باب ١٨، وكتاب الجهـاد، باب ١٦٩، وكتاب المغازي، باب ٤٨، وكذلك صحيح مسلم: كتاب الحج، باب ٨٥ ؛ وسنن الترمذي، كتاب الجهـاد، باب١٨، وسنن النسائي، كتاب ٥، الباب ١٨، سنن الدارمي: كتاب المناسك، الباب ٨، ومسند الإمام أحمد: ج٣، ص ١٦٤، ١٨٢، ٢٣١، ٢٣٣، ٢٤٠، وكذلك ج٤، ص ٤٢٣، ٤٢٤..
٣٢ صحيح البخاري: كتاب الصيد، باب ٧، وكذلك صحيح مسلم، كتاب الحج، باب ٩..
٣٣ في (ب) و(د) "على كل" وفي (ج): "على كل هـذا من كل" وفي (هـ): "على أن كل"..
٣٤ قولهـ (بالحرم أخذ بجريمتهـ) ساقطة في (ب) وأما في (ج) و(د) و(هـ) "بجريرته"..
٣٥ في (هـ): "في تأويل الآية" كلمة "تأويل" ساقطة في (ب)..
٣٦ في (ب): "فقيل ذلك كان"..
٣٧ كلمة "جعدة" ساقطة في (ب)..
٣٨ كلمة "أي" ساقطة في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٣٩ في (د): "للبيت"..
٤٠ كلمة "تعالى" ساقطة في (و)..
٤١ و"من" ساقطة في (ج) و(د)..
٤٢ في (ب) و(ج) و(د): "ويجوز للبيت" وفي (هـ): "يكون للبيت"..
٤٣ قوله: "وهـو قول الجمهـور... إذ هـو" ساقطة في (ج) و(د) و(هـ) ؛ وأما في (ب) فقوله: "وهـو قول الجمهـور... حرم البيت" ساقط.
٤٤ في (ب) و(هـ): "وسببه وحرمته"..
٤٥ في (هـ): "فيهـا"..
٤٦ "على" ساقطة في (ج)..
٤٧ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "فذهـب"..
٤٨ في (ج): "من قدر الوصول"؛ وفي (هـ) كلمة "الوصول" ساقطة..
٤٩ في (ب) و(هـ): "رحمه الله"..
٥٠ في (هـ): "إن"..
٥١ "أهـل" ساقطة في (هـ)..
٥٢ انظر سنن الترمذي: كتاب الحج باب ٣، ٤..
٥٣ في (ب): "رواياته": وفي (هـ): "رواية" ولعل في العبارة سقط تمامهـا "ضعف ابن معين"..
٥٤ في (ج): "ابن سفين"..
٥٥ في (ج) "يمنع"..
٥٦ في (ج): "عضهـم"..
٥٧ في (هـ): "فهـذا ممن أوجب اللهـ تعالى عليهـ الحج"..
٥٨ "الآية" سقطة في (ج) و(د) و(ب).
.
٥٩ في (ب) و(ج) و(د) و(ه): "إلا أنه اختلف"..
٦٠ في (هـ): "إلى الحج ذاهبا أبيا"..
٦١ قوله: "على أن يسأل جائيا" ساقطة في (ب)..
٦٢ في (ب): "فروى عن ابن وهب"، وفي (هـ): "فروى عنه"..
٦٣ في (هـ): "فحسابه"..
٦٤ في (ج): "حرج"..
٦٥ في (هـ) "لقوله تعالى"..
٦٦ من قوله: "أن يخرجون للحج... ينفقون" ساقط في (ب)..
٦٧ ورد في (ج) و(د): "وروى عنه ابن القاسم أنه قال: لا أرى للذين لا يجدون ما ينفقون حرجا في الابن إذ أبذل للأب الاستطاعة التي هي أن يخرجوا إلى الحج والغزو ويسألون، وإني لأكره ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجدون ما ينفقون"..
٦٨ قوله: "الغرض" ساقط في (هـ)..
٦٩ قوله"عنه" ساقط في (هـ)..
٧٠ في (د): "يلزمه"..
٧١ في (ب): "يتملك"..
٧٢ "أن" ساقطة في (ب) و(ج) و(د)..
٧٣ في (هـ) و(د): "يؤدي"..
٧٤ في (غير (ب) و(هـ): "قوله"..
٧٥ في غير (ب) و(هـ): "المال"..
٧٦ في (ج) و(د): "ابن سفيان"..
٧٧ في (ب) و(ج) و(هـ): "وأذن... يأتوك رجالا وعلى كل ضامر"..
٧٨ كلمة "أهل" ساقطة في غير (د)..
٧٩ في (هـ): "عليهن إذا كن لا يحججن إلا ماشيات"..
٨٠ في غير (هـ):"لقريب"..
٨١ قوله: "لعموم الآية" ساقط في غير (هـ)..
٨٢ قوله: "وهذه مستطيعة" ساقطة في غير (ج) و(د) و(هـ)..
٨٣ في (ج) و(د) و(هـ):"استطاعة المرأة"..
٨٤ في (ب) و(ج) و(د):"وإن"..
٨٥ في (ه):"صحبة"..
٨٦ في (ج) و(د): "الزوجة" قوله: "المرأة" ساقط في (هـ)..
٨٧ في (ج): "والجمهور على أنه ليس ذلك"وفي (هـ): "والجمهور أنه ليس له ذلك"..
٨٨ "تعالى" هذه الكلمة ساقطة في (هـ)..
٨٩ في (هـ): "علينا"..
٩٠ قوله: "إن الله تعالى قد فرض عليها الحج" ساقطة في (ج)..
٩١ "إذا أعتق" ساقط في غير (هـ)..
٩٢ "لا" ساقطة في (ب)..
٩٣ في (هـ): "وكذلك"..
٩٤ في (هـ):"الصبي"..
٩٥ والحديث في صحيح مسلم ٢/٩٧٤/١٣٣٦..
٩٦ في (ج) و(د): "على"..
٩٧ في (ب): "لا"..
٩٨ الجامع الصحيح للترمذي: أبواب الحج، باب٩٢، ص٢٠٢، وقد نقل في ص٢٠٣، إجماع أهل العلم على عدم إجزاء حج الصبي قبل أن يدرك الإسلام إذا أدرك، وكذلك المملوك في رقه إذا أعتق ووجد إلى ذلك سبيلا أن هذا قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق..
٩٩ في (أ) و(د): "أو"..
١٠٠ في (ب) و(د): "ولمالك رحمه الله"..
١٠١ في (و):"بأن وجدج"..
١٠٢ "فعل" ساقط في (هـ)..
١٠٣ "ترك" ساقط في (هـ)..
١٠٤ قوله: فقالوا: "لايكفر... الصلاة" ساقط في (هـ) وفي (ب) سقوط كلمة "خاصة"..
١٠٥ في (ب) و(ج) و(د) و(هـ): "وأما مالك والشافعي وأبو حنيفة"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس ابن قيس(١) ما شجر.
واختلف العلماء في قوله تعالى : حق تقاته فقالت(٢) فرقة : الآية على عموم لفظها وألزمت الآية تقوى الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال بشيء من الأشياء. ثم إن الله تعالى نسخ ذلك عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم [ التغابن : ١٦ ]، وبقوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : ٢٨٦ ]، قال كذلك قتادة والسدي والربيع ابن انس وابن زيد وغيرهم، وقالت(٣) جماعة من أهل العلم : لا نسخ في شيء من هذا، وعنى الآية اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم.
٢ في (هـ): "قالت" بسقوط الفاء..
٣ في (هـ): "قال"..
اختلف في حبل الله والمراد به(١) فقيل : عهده وقيل : القرآن. وقوله : لا تفرقوا يحتمل(٢) أن يكون التفرق في أصول الدين ويحتمل أن يكون ذلك نهيا عن التقاطع والتدابر، ويدل عليه ما بعده من الآية.
وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن الاختلاف فيها سبب استخراج الغوامض ودقائق معنى الشرع وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك يتواصلون. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك :" اختلاف أمتي رحمة " (٣).
٢ في (و): "محتمل"..
٣ هو حديث لا أصل له ومعناه باطل ضعفه ابن حزم والسبكي وغيرهما انظر الضعيفة للألباني رقم ٥٧..
هذا يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض، لكنه(١) على الكفاية لقوله تعالى : ولتكن منكم أمة الآية. وقد ورد الأمر بذلك في غير ما آية، ووردت أخبار كثيرة أوفاها ما ذكره(٢) أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه(٣) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (٤). وأما قوله تعالى(٥) : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم (٦) [ المائدة : ١٠٥ ]، فإنما يعني به(٧) من علم أنه لا يقبل الأمر ولا يقدر على منعه من الظلم، فحينئذ يقال للناهي عن المنكر : عليك نفسك، ولا يجعل هذا ناسخا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما(٨) إذا أمكن إزالة المنكر باللسان لم يتجاوز إلى العقوبة باليد، وإن انتهى بدون القتل لم يتجاوز إليه(٩) وإن لم ينته بما دونه جاز القتل. ويؤخذ هذا من قوله تعالى : فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله [ الحجرات : ٩ ]، وعليه يبني الشافعي(١٠) دفع الصائل على(١١) النفس والمال أنه جائز ولا شيء على الدوافع يدفع(١٢) عن نفسه وماله وعن نفس غيره أو ماله، وذلك مثل أن تصول بهيمة أو مجنون على مال رجل أو نفسه فيجوز عنده للموصول عليه(١٣)، ولغيره قتله ولا ضمان عليه، وهو(١٤) من قبيل النهي عن المنكر. وأبو حنيفة يخالف(١٥) في هذا الأصل ؛ لأنه يرى الفاعل ليس ظالما بفعله. ويجوز للإنسان أن يترك الصائل على ماله ولا يدفعه وفي تركه الدفع عن نفسه اختلاف(١٦).
ومن هذا الباب أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضل الناس بشبهة بدعة، فإنه تجب إزالته بما يمكن فإنه(١٧) نهي عن المنكر، فإن لم يكن(١٨) داعيا للناس إلى ضلالته أزيل ذلك(١٩) بإقامة الدليل على فساد شبهه(٢٠) وتبيين الحق له. وإن دعا الناس إلى شبهة وخرج مقاتلا على ذلك فهو الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله.
٢ في (ب) و(ج):"ذكر"..
٣ قوله "رضي الله تعالى منه" ساقط في (أ) و(ب) و(هـ)..
٤ صحيح مسلم، ج١، كتاب الإيمان، باب ٦٢٠، سنن النسائي، ج٨، كتاب الأيمان، باب ١٧؛ مسند الإمام أحمد، ج ٣، ص ٢٠..
٥ قوله "تعالى" ساقط في (أ)..
٦ قوله "إذا اهتديتم" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٧ قوله "به" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
٨ قوله "أما" ساقط في غير (ب)..
٩ في غير (هـ): "إلى القتل"..
١٠ قوله: "الشافعي" ساقط في (ب) و(ج) و(د) و(هـ)..
١١ في (ب) و(هـ): "عن"..
١٢ قول "يدفع" ساقط في (هـ)..
١٣ قوله "عليه" ساقط في (هـ)..
١٤ في (ب) و(هـ): "هذا"..
١٥ في (ج) و(د): "مخالف"..
١٦ في (هـ): "خلاف"..
١٧ في (و): "لأنه"..
١٨ قوله "يكن" ساقط في (ج)..
١٩ قوله "ذلك" ساقط في (هـ)..
٢٠ في (ب) و(ج) و(د): "شبهة"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
نهى الله تعالى بهذه الآية عن أن يتّخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمرهم ويفاوضونهم في الآراء ويستندون إليهم.
وقوله : من دونكم : يعني من دون المؤمنين. وقال ابن عباس : كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالا من اليهود(١)، للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضا وقتادة والسدي والربيع : نزلت في المنافقين نهى الله المؤمنين عنهم. روى أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تستضيؤوا بنار الكفار ولا تنقشوا في خواتمكم عربيا " (٢).
فسره الحسن ابن أبي الحسن(٣)، فقال : أراد عليه الصلاة والسلام(٤) : لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم(٥)، ولا تنقشوا في خواتمكم محمدا(٦) ويؤخذ من هذه الآية أنه لا يجوز استكتاب أهل الذمة.
وتصريفهم في البيع والشراء والاستنابة. وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر : إن هاهنا رجالا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منهم ولا أخط بقلم أفلا يكتبون عنك ؟ فقال(٧) : إذا أتخذ بطانة من دون المؤمنين ؟.
وقد اختلف في استغاثة المشركين(٨) وإعانتهم : فلم يجز ذلك مالك وأجازه أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا عليهم قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية، وقوله : وما كنت متخذ المضلين عضدا [ الكهف : ٥١ ]، وقوله في المنافقين : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا [ التوبة : ٤٧ ]، وقال عليه الصلاة والسلام(٩) :" لا أستعين بمشرك " (١٠). واختلف في الاستعانة بأهل الذمة وأهل الحرب إذا دخلوا بأمان على أهل البغي. فقال الشافعي : لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الرأي : لا بأس بذلك(١١)، وحجة القول الآية.
٢ سنن النسائي: كتاب الزينة، باب ٥١ بلفظ: "وعلى خواتكم"، وسنن ابن ماجه كتاب اللباس، باب ٣٩..
٣ في (هـ): "الحسن ابن أبي الحسن البصري"..
٤ في (أ) و(ب): "عليه السلام"..
٥ قوله "في شيء من أموركم" ساقط في غير (هـ)..
٦ في (ج) و(هـ): "محمد"..
٧ في (هـ): "قال"..
٨ في غير (أ) و(ب) و(هـ): "بالمشركين"..
٩ قوله: "وقال عليه الصلاة والسلام" ساقط في (ج) وفي (أ) و(ب) و(هـ): "عليه السلام"..
١٠ صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب ٥١، وكذلك سنن الترمذي: كتاب السير، الباب ١٠، وسنن أبي داود: كتاب الجهاد، الباب ١٥٣، ص ١٧٢..
١١ في (هـ): "به"..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
اختلف الناس في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا ؟ (١) فزعم بعض الكوفيين أنها ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم(٢) يفعله في الصبح. وذلك أنه كان يدعو على قوم ويلعنهم، فأنزل الله تعالى(٣) : ليس لك من الأمر شيء .
وذهب أكثر العلماء إلا أن هذا ليس بناسخ، وإنما هو زيادة فائدة اقتدى النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولو كان النسخ صحيحا لم يجز أن يلعن المنافقين، وهذا هو الصحيح أنها غير ناسخة لشيء، وإما نزلت على ما روي حين هزم وشج في وجهه حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه وتحيز صلى الله عليه وسلم عن الملحمة وجعل يمسح الدم على وجهه، ويقول :" لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم " (٤) فنزلت الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ما قيل(٥)، لما لحقه في تلك الحال من اليأس من فلاح قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم ويريح منهم، فروي أنه دعا عليهم واستأذن في أن يدعو عليهم. وروى ابن عمر(٦) وغيره أنه دعا على أبي سفيان والحارث ابن هشام، وصفوان ابن أمية باللعنة إلى غير هذا من معناه فقيل له بسبب ذلك : ليس لك من الأمر شيء أي عواقب الأمور بيد(٧) الله تعالى(٨) فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك.
وقد اختلف في الدعاء على الكفار والمنافقين وفي غير ذلك من حوائج الدنيا والآخرة في الصلاة، فأجازه أكثر العلماء ولم يروا الآية ناسخة لشيء من الدعاء في الصلاة. ومنع الكوفيون أن يدعى في الصلاة إلا بما في القرآن فمن أجل ذلك جعلوا هذا ناسخا للقنوت. وروي عن ابن سيرين أنه قال : يجوز أن يدعى في المكتوبة بأمر الآخرة فأما بأمر الدنيا فلا، فقال له ابن عون :" أليس في القرآن : وسألوا الله من فضله [ النساء : ٣٢ ].
٢ في (هـ): "رسول الله"..
٣ قوله "تعالى" ساقط في (هـ).
٤ سنن ابن ماجة: كتاب الفتن، الجزء٢، الباب ٢٣، ص ١٣٣٦..
٥ في (ج) "لما قيل" في (هـ): "ما فعل"..
٦ في (هـ): "أبو عمر"..
٧ في (ب) و(ج) و(د): "بأمر"..
٨ كلمة "تعالى" سقط في (ب) و(هـ)..
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
32 مقطع من التفسير