تفسير سورة سورة المجادلة

أسعد محمود حومد

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

أيسر التفاسير

أسعد محمود حومد

﴿تُجَادِلُكَ﴾
(١) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَزَوْجِها أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ أَوْسٌ قَدْ كَبرَ، وَسَاءَ خُلُقُهُ، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجِهِ يَوْماً فَرَاجَعَتْهُ فِي شَيءٍ فَغَضِبَ، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَالَ هًَذَا القَوْلَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ زَوْجُهُ أَبَداً.
ثُمَّ أَرَادَ أَوْسٌ مُرَاجَعَةَ زَوْجَتِهِ فَأَبَت ْ، وَقَالَتْ: وَاللهِ لاَ تَمسُّنِي حَتَّى يَحْكُمْ اللهُ وَرَسُولُُ، وَذَهَبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقُصُّ عَلَيهِ قِصَّتَهَا، وَتَشْتَكِي إِليهِ أَنَّها إِذَا فَارَقَتْهُ، وَضَمَّتْ أَوْلاَدَهَا إِليهَا جَاعُوا، لأَنَّهَا لاَ مَالَ لَهَا، وَإِنْ تَرَكَتْهُمْ لأَبِيهِمْ ضَاعُوا. ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَأَخَذَتْ تَبُثُّ شَكْوَاهَا إِلَى اللهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ. (وَتُعْرَفُ بِآيَاتِ الظِّهَارِ).
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ سَمِعَ شَكْوَى المَرْأَةِ التِي جَاءَتْ تُرَاجِعُ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَأْنِ زَوْجِهَا، وَتَبُتُّ شَكْوَاهَا إِلَى رَبِّهَا، وَهُوَ تَعَالَى يَسْمَعُ كُلَّ مَا تَتَرَاجَعَانِ بِهِ مِنَ الكَلاَمِ، وَهُوَ مُحِيطٌ سَمْعُهُ بِكُلِّ مَا يُسْمَعُ، وَمُحِيطٌ بَصَرُهُ بِكُلِّ مَا يُبْصَرُ.
تُجَادِلُكَ - تُحَاوِرُكَ وَتُرَاجِعُكَ الكَلاَمَ.
تَحَاوُرَكُمَا - مُرَاجِعَتَكُمَا القَوْلَ.
﴿يُظَاهِرُونَ﴾ ﴿نِّسَآئِهِمْ﴾ ﴿أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ﴿اللائي﴾
(٢) - الذِينَ يَقَعُ مِنْهُم الظِّهَارُ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ لامْرَأَتِهِ: (أَنْتِ عَليَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، وَهُوَ يُريدُ بِذَلِكَ تَحْرِيمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى ابْنِهَا، هُمْ مُخْطِئونَ فِيمَا يَصْنَعُونَ، فَزَوْجَةُ المَرءِ لَيْسَتْ أُمَّهُ، لأَنَّ أُمَّهُ هِيَ التِي وَلَدَتْهُ دُونَ غَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَبِّهَ المَرْءُ أُمَّهُ بِغَيِرِهَا مِنَ النِّسَاءِ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ، وَيُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِم، يَقُولُونَ قَوْلاً نُكراً لاَ يُجِيزُهُ الشَّرْعُ وَيَقُولُونَ كَذِباً وَزُوراً وَبَاطِلاً، لأَنَّ رَابِطَةَ الزَّوْجَةِ بِزَوْجِهَا هِيَ رَابِطَةٌ وَاسِعَةٌ خَاصَّةٌ، لَيْسَ مِثْلَهَا رَابِطَةُ الأُمِّ بِابْنِهَا، لأنَّهَا رَابَطةٌ تَقُومُ عَلَى الاحْتِرَامِ وَالإِجْلاَلِ.
وَاللهُ كَثِيرُ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ لِذُنُوبِ مِنْ تَابَ إِلَيهِ مِمَا قَالَ، وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ تَائِباً مُنِيبا. ً
يُظَاهِرُونَ - يُحَرِّمُونَ نِسَاءَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَمَا تَحْرُمُ الأُمُّ عَلَى الوَلَدِ.
مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ - قَوْلاً مُنْكَراً يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَالعَقْلُ.
زُوراً - كَذِباً وَبَاطِلاً مُنْحَرِفاً عَنِ الحَقِّ.
﴿يُظَاهِرُونَ﴾ ﴿نِّسَآئِهِمْ﴾
(٣) - وَالذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القَوْلَ المُنْكَرَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَمَّا قَالُوا، وَيُرِيدُونَ مُوَاقَعَةَ نِسَائِهِمْ، فَعَلَيْهِمْ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ قَبْلَ التَّمَاسِّ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ الإِعْتَاقُ فِي طَوْقِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ، وَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِظَةً لِلْمُتَسَرِّعِينَ، وَرَادِعاً لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقَعُوا فِيهِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأْعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ.
يَتَمَاسَّا - يَسْتَمْتِعَا بِالوِقَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(٤) - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَشتَرِيَ رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ، قَبْلَ التَّمَاسِّ، فَإِنْ أَفْطَرَ يَوْماً وَاحِداً مِنَ الشَّهْرَينِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الإِفْطَارُ لِعُذْرٍ أَوْ سَفَرٍ، لِزَمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الصِّيَامَ مِنْ جَدِيدٍ لِزَوَالِ التَّتَابُعِ.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ هَذَا الصَّوْمَ، لِكِبَرِ سِنِّهِ، أَوْ لِمَرَضٍ أَصَابَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الحِنْطَةِ، أَوْ صَاعٌ مِنَ الشَّعِيرِ، قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ التَّمَاسُّ بَيْنَهُمَا؛ وَقَدْ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الكَفَّارَةَ لِيُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى، وَيُصَدِّقُوا بِرَسُولِهِ، وَيَتَقَيَّدُوا بِحُدُودِ مَا فَرَضَ اللهُ، وَلاَ يَتَجَاوَزُوهَا، وَلِلْكَافِرِينَ بِفَرَائِضِ اللهِ وَحُدُودِهِ، عَذَابٌ أَلِيمٌ.
﴿آيَاتٍ﴾ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(٥) - إِنَّ الذِينَ يُعَانِدُونَ اللهَ، وَيَخْتَارُونَ لأَنْفُسِهِمْ حُدُوداً غَيْرَ الحُدُودِ التِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، سَيَلْحَقُهُمْ الخِزْيُ وَالنِّكَالُ، وَالخِذلاَنُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا لَحِقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الكُفَّارِ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ. وَكَيْفَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ تُبَيِّنُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ، وَتَحدُّ حُدُودَهُ، وَتُفَصِّلُ أَحْكَامَهُ، فَلاَ عُذْرَ لَهُمْ فِي مُخَالَفَتِهَا، وَالانْحِرَافِ عَنْهَا، وَلِلجَاحِدِينَ بِتِلْكَ الآيَاتِ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ القِيَامَةِ.
يُحَادُّونَ - يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ وَيُخَالِفُونَ.
كُبِتُوا - نَزَلَ بِهِمْ الهَوَانُ وَالخِزْيُ.
﴿أَحْصَاهُ﴾
(٦) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَبْعَثُ اللهُ الخَلْقَ جَمِيعاً وَيَجْمَعُهُمْ فِي صَعْيدٍ وَاحِدٍ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا عَمِلُوا مِنْ خَيرٍ وَشَرٍّ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سِجِلِّ أَعْمَالِهِمْ وَهُمْ قَدْ نَسُوهُ، وَاللهُ شَاهِدٌ عَلَى مَا يَعْمَلُونَ، لاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وَلاَ يَنْسَى شَيئاً.
أَحْصَاهُ اللهُ - أَحَاطَ بِهِ عِلْماً وَسَجّلَهُ المَلاَئِكَةُ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِ.
﴿السماوات﴾ ﴿ثَلاَثَةٍ﴾ ﴿القيامة﴾ ﴿أَيْنَ مَا﴾
(٧) - وَكَيْفَ لاَ يَعْلَمُ اللهُ مَا عَمِلَ هَؤُلاَءِ، وَهُوَ خَالقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَالِكُهُمَا، وَالمُتَصَرِّفُ فِيهِمَا، وَيَعْلَمُ مَا فِيهِمَا، فَلا يَتَنَاجَى ثَلاَثَةٌ إِلاَّ كَانَ مَعَهُمْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، وَيَعْلَمُ مَا يُدَبِّرُونَ، وَلاَ يَجْتَمِعُ خَمْسَةٌ إِلاَّ وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى سَادِسَهُمْ، وَلاَ يَجْتَمِعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ العَدَدِ وَلاَ أَقَلُّ، وَلاَ يَتَنَاجَوْنَ إِلاَّ كَانَ مَعَهُمْ يسْمَعُ وَيَرى، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُنَبِّئُهُمْ بِنَجْوَاهُمْ وَأَسْرَارِهِمْ، وَاللهُ تَعَالَى عَالمٌ وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِ خَلْقِهِ.
نَجْوَى ثَلاَثَةٍ - تَنَاجِيهِمْ وَمسَارَّتُهُمْ.
هُوَ رَابِعُهُمْ - يَعْلَمُهُ لأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى حَدِيثِهِمْ وَمسَارَّتِهِمْ.
﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ ﴿العدوان﴾ ﴿مَعْصِيَتِ﴾ ﴿جَآءُوكَ﴾
(٨) - كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ يَهُودِ المَدِينَةِ مُوَادَعَةٌ، وَكَانَ اليَهُودُ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، حَتَّى لَيَظُنَّ المُؤْمِنُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَنَاجَوْنَ بِقَتْلِهِ، أَوْ بِمَا يَكْرَهُ، فَإِذَا رَأَى المُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ فَتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهِ عليه وسلم عَنِ النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَعَادُوا إِلى النَّجْوَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُبَيِّنُ لِرَسُولِهِ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ إِنَّهُمْ يَتنَاجَوْنَ بِمَا هُوَ إِثْمٌ فِي نَفْسِهِ، وَبِمَا هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ، وَبِمَا هُوَ تَعَد عَلَى هُوَ تَعَد عَلَى المُؤْمِنينَ، وَتَوَاصٍ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ.
وَدَخَلَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: (وَعَلَيْكُمُ). وَكَانَ هَذَا النَّفَرُ مِنَ اليَهُودِ يَقْصدُ بِقَوْلِهِ هَذَا الإسَاءَةَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، والدُّعَاءَ عَلَيهِ، فَفَضَحَهُمْ اللهُ، وَكَشَفَ أَسْتَارَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ، انَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَيُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّداً لَوْ كَانَ نَبِيّاً حَقّاً لَعَذَّبَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَقُولُونَ، لأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ: قَائِلاً إِنَّ جَهَنَّمَ كَافِيَةٌ لِعِقَابِهِمْ وَعَذَابِهِمْ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمَصِيرُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
لَوْلاَ يُعَذَّبُنَا - هَلاَّ يُعَذِّبُنَا.
حَسْبُهُمْ جَهَنتَّمُ - كَافِيهِمْ جَهَنَّمُ عَذَاباً.
يَصْلَوْنَهَا - يَدْخُلُونَهَا أَوْ يُقَاسُونَ حَرَّهَا.
﴿آمنوا﴾ ﴿تَنَاجَيْتُمْ﴾ ﴿تَتَنَاجَوْاْ﴾ ﴿العدوان﴾ ﴿مَعْصِيَتِ﴾ ﴿تَنَاجَوْاْ﴾
(٩) - وَيُؤدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ لِئلاَّ يَكُونُوا كَالكَفَرَةِ وَالمُنَافِقِينَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فِي أَنْدِيتكُمْ وَخَلواتِكُمْ، فَلاَ تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أُولَئِكَ الكُفَّارُ، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَمَنْ وَالاَهُمْ عَلَى ضَلاَلِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ، وَتَنَاجَوا بِمَا هُوَ خَيْرٌ، وَاتَّقُوا اللهَ فِيمَا تَفْعَلُونَ وَفِيمَا تَذُرُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ.
﴿الشيطان﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(١٠) - إِنَّما التَّنَاجِي بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ، والشَّيْطَانُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْزُنَ الذِينَ آمَنُوا بإِيهَامِهِمْ أَنَّ هَذِهِ النَّجْوَى تَضُرُّهُمْ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَضُرُّ المُؤْمِنِينَ شَيْئاً، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ أَلاَّ يَهْتَمُّوا بِنَجْوَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، وَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ "). (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
إِنَّمَا النَّجْوَى - المَنْهِيُّ عَنْهَا.
لِيَحْزُنَ - لِيُوقِعَ الهَمَّ الشَّدِيدَ.
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿المجالس﴾ ﴿دَرَجَاتٍ﴾
(١١) - رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ، وذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا رَأَوا أَحَدَهُمْ مُقْبِلاً ضَنُّوا بِمَجَالِسِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَهُمُ اللهُ بِأَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الصُّفَّةِ، وَفِي المَكَانِ ضِيقٌ. وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَقَدْ سَبَقَهُمْ غَيْرُهُمْ إِلَى المَجْلِسِ، فَقَامُوا حِيَالَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِم النَّبِيُّ. ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى القَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَامُوا حِيَالَ الرَّسُولِ، فَلَمْ يُفْسَحْ لَهُمْ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأًنْصَارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ: قُمْ يَا فُلاَنُ وَأَنْتَ يَا فُلاَنُ... فَلَمْ يَزَلْ يُقِيمُهُمْ بِعِدَّةِ النَّفَرِ الذِينَ هُمْ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ. وَعَرَفَ النَّبِيُّ الكَرَاهَةَ فِي وُجُوهِهِمْ. وَأَرْجَفَ المُنَافِقُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: رَحِمَ اللهُ رَجُلاً يُفْسِحُ لأَخِيهِ، فَجَعَلُوا يَقُومُونَ بَعْدَ ذَلِكَ سِرَاعاً فَيُفْسِحُ القَوْمُ لإِخْوَانِهِمْ.
وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَوَسَّعُوا فِي المَجَالِسِ: مَجَالِسِ رَسُولِ اللهِ، أَوْ فِي مَجَالِسِ القِتَالِ، فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ فِي مَنَازِلِكُمْ فِي الجَنَّةِ، وَإِذَا دُعِيتُمْ إِلَى القِيَامِ مِنْ مَجْلِسِ رَسُولِ اللهِ فَقُومُوا (انْشُزُوا)، لأَنَّ الرَّسُولَ كَانَ يُؤْثِرُ الانْفِرَادَ لِتَدْبِيرِ شُُؤونِ المُؤْمِنِينَ.
(وَلاَ يَنْبَغِي لِقَادِمٍ أَنْ يُقِيمَ أَحَداً مِنْ مَجْلِسِهِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ).
وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " لاَ يُقِمِ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا " (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
فَإِذَا انْفَسَحَ المُؤْمِنُونَ وَنَشَزُوا، امْتِثَالاً لأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَرْفَعُهُمْ، وَيَرْفَعُ الَعالِمِينَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً فِي الثَّوَابِ وَالمَنْزِلَةِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ.
تَفَسَّحُوا في المَجَالِس - تَوَسَّعُوا فِيهَا وَلاَ تَضَامُّوا.
انْشُزُوا - انْهَضُوا للتَّوْسِعَةِ أَوْ لِعِبَادَةٍ أَوْ خَيْرٍ.
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿نَاجَيْتُمُ﴾ ﴿نَجْوَاكُمْ﴾
(١٢) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَدِّثُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، (أَيْ مُسَارَّةً)، أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ، وَتُؤهِّلُهُمْ لِبُلَوغِ هَذَا المُقَامِ، وَفِي تَقدِيمِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ ﷺ ثَوَابٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنُّفُوسِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، مَنْ يُرِيدُ مُنَاجَاةَ الرَّسُولِ، مِمَّنْ يَمْلِكُونَ شَيْئاً يَسْتَطِيعُونَ التَّصَدُّقَ بِهِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا لَمْ يَتَصَدّقْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ السُّؤَالِ فَقَدْ سَأَلَهُ قَوْمٌ حَتَّى شَقُّوا عَلَيهِ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُ.
﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ ﴿نَجْوَاكُمْ﴾ ﴿صَدَقَاتٍ﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿آتُواْ الزكاة﴾
(١٣) - أَبَخِلْتُمْ بِالمَالِ أَنْ تُنْفِقُوهُ فِي سَبْيلِ اللهِ، وَخِفْتُم الفَقْرَ إِنْ قَدَّمْتُمُ الصَّدَقَاتِ، وَوَسْوَسَ إِلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ هَذَا الإِنْفَاقَ فِيهِ ضَيَاعٌ لِلْمَالِ؟ فَمَا دُمْتُمْ لَمْ تُنْفِقُوا المَالَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَقَدْ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَرَخَّصَ لَكُمْ بِالمُنَاجَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِمِةِ صَدَقَاتٍ، فَتَدَارَكُوا ذَلِكَ بِالمُثَابَرَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهِهَا الأَكْمَلِ، وَعَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ هُوَ وَرَسُولُهُ، وَانْتَهُوا عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ.
أَأَشْفَقْتُمْ - أَخِفْتُم الفَقْرَ وَالعَيلَةَ.
تَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ - خَفّفَ عَنْكُمْ بِنَسْخِ حُكْمِهَا.
(١٤) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ مُوَالاَتَهُمْ لِلْيَهُودِ، وَمُنَاصَحَتَهُمْ إِيَّاهُمْ، وَنَقْلَهُمْ أَسْرَارَ المُؤْمِنينَ إِلَيهِمِ. فَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ مَا مَعْنَاهُ: أَلاَ تَرَى إِلَى حَالِ هَؤُلاَءِ المُنَاقِقِينَ، الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، الذِينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، لِكُفْرِهِمْ، وَلِكِتْمَانِهِمْ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ، وَهِيَ الحَقُّ الذِي يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، إِنَّهَا لَحَالٌ تُثِيرُ العَجَبَ. فَهُمْ يُنَاصِحُونَ اليَهُودَ، وَيُبَلِّغُونَهُمْ جَميِعَ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ دَخَائِلِ المُسْلِمِينَ، اكْتِسَاباً لِوِدِّهِمْ وَصَدَاقَتِهِمْ، وَهُمْ مَعَ المُؤْمِنينَ، يَتَظَاهَرُونَ بِالإِيْمَانِ، وَبِالإِخْلاَصِ لِلإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ. ثُمَّ يُخْبِرُ تَعَالَى: أَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَيْسُوا فِي الحَقِيقَةِ وَالوَاقِعِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنينَ لَطَبَعَ الإِيْمَانُ أَعْمَالَهُمْ. وَلَمَا وَالَوا اليَهُودَ أَعْدَاءَ اللهِ، وَهُمْ فِي نَفْسِ الوَقْتِ لَيْسُوا مِنَ اليَهُودِ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فِي دِينِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَفِظُوا بِمَودَّتِهِمْ، فَقَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَيهَا، إِذَا دَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى المُؤْمِنِينَ. وَيُؤْكِّدُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ إِيمَانَهُمْ وَإِخْلاَصَهُمْ، أَمَامَ الرّسُولِ ﷺ وَأَمَامَ المُؤْمِنينَ، بِحَلْفِ الأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مُخْلِصُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ صِدْقَهُ.
تَوَلَّوْا قَوْماً - اتَّخَذُوا اليَهُودَ أَوْلياءَ.
غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ - هُمُ اليَهُودُ.
(١٥) - وَقَدْ هَيأَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً يَصْلَوْنَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مُعَادَاةِ الرَّسُولِ وَالمُؤْمِنينَ وَغِشِّهمْ، وَعَلَى مُوَالاَتِهِم الكُفَّارَ وَمُنَاصَحَتِهِمْ، وَسَاءَ عَمَلُهُمْ هَذَا.
﴿أَيْمَانَهُمْ﴾
(١٦) - أَظْهَرُوا الإِيْمَانَ، وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ، وَتَسَتَّرُوا بِالإِيْمَانِ الكَاذِبِ، فَظَنَّ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقيقَةَ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ صَادِقُونَ، فَاغْتَرَّ بِهِمْ، وَتَمَكَّنُوا بِذَلِكَ مِنْ صَدِّ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، فَلهُمْ عِنْدَ اللهِ عَذَابٌ مُهِينٌ مُذِلٌّ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِمْ، وَعَلَى حَلْفِهِمْ بِاسْمِ اللهِ العَظِيمِ كَذِباً وَرِيَاءً.
جُنَّةً - وِقَايَةً لأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدُهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾
(١٧) - وَلَنْ يَنْفَعَ هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ عِنْدَ اللهِ شَيءٌ مِمَا ظَنُّوهُ نَافِعاً لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدٍ، وَلَنْ يَدْفَعَ شَيءٌ عَنْهُمْ عَذَابَ اللهِ وَنَقْمَتَهُ، فَلاَ المَالُ مَقْبُولٌ مِنْهُمْ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنَ العَذَابِ، وَلاَ الأَوْلاَدُ قَادِرُونَ عَلَى نَصْرِهِمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ، وَسَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ نَارِ جَهَنَّمَ وَمِنْ أَصْحَابِهَا، وَيَبْقَونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً.
لَنْ تُغْنِيَ - لَنْ تَنْفَعَ وَلَنْ تَدْفَعَ.
﴿الكاذبون﴾
(١٨) - وَاذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ حَالَهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَمَا يَبْعَثُهُم اللهُ جَمِيعاً مِنْ قُبُورِهِمْ، فَلاَ يُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَيَحْلِفُونَ لَهُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الهُدَى، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا بِعِبَادَتِهِ شَيئاً، فَيَقُولُونَ ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ اليَوْمَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ حَلْفَهُمْ أَمَامَ اللهِ نَافِعُهُمْ عِنْدَهُ، كَمَا كَانَ يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ العِبَادِ حَلْفُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ مُنْكِراً تَصَرُّفَهُمْ هَذَا، فَيَقُولُ: أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ فِيمَا يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَظُنُّونَهُ مِنْ أَنَّ أَيْمَانَهُمُ الكَاذِبَةَ تَرُوجُ عِنْدَ اللهِ، وَتُنْقِذُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللهِ وَعَذَابِهِ.
﴿الشيطان﴾ ﴿فَأَنسَاهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الشَّيْطَانِ﴾ ﴿الخَاسِرُونَ﴾
(١٩) - استَوْلَى الشَّيْطَانُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَسَيْطَرَ عَلَيهَا بِوَسْوَسَتِهِ، حَتَّى أَنْسَاهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَأَنْ يَتَّبِعُوا أَوَامِرَهُ، وَأَنْ يَجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، بِمَا زَيِّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنَ الشَّهَوَاتِ، فَهَؤُلاَءِ هُمْ جُنُودُ الشَّيْطَانِ وَحِزْبُهُ وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمْ الخَاسِرُونَ لأَنَّهُمْ فَوَّتُوا عَلَى أَنْفُسِهِم النَّعِيمَ، وَأَوْصَلُوهَا إِلَى الجَحِيمِ وَعَذَابِهِ.
اسْتَحْوَذَ - استَوْلَى وَغَلَبَ عَلَى عُقُولِهِمْ.
آية رقم ٢٠
﴿أولئك﴾
(٢٠) - إِنَّ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَوَامِرَ اللهِ، وَيُعَادُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ القِيَامِ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ، هُمْ فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الذِّلَّةِ، لأنَّ الغَلَبَةَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَسَيُلاَقُونَ الذِّلَّةُ فِي الدُّنْيَا بِالقَتْلِ والأَسْرِ وَالإِخْرَاجِ، وَفِي الآخِرَةِ بِالخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
يُحادُّونَ - يُعَادُونَ وَيُشَاقُّونَ وَيُخَالِفُونَ.
الأَذَلِّينَ - الزَّائِدِينَ فِي الذِّلَّةِ وَالهَوَانِ.
(٢١) - وَقَدْ قَضَى اللهُ تَعَالَى، وَحَكَمَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، بِأَنَّ النَّصْرَ والغَلَبَةَ سَتَكُونُ لَهُ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ وِلِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَضَاءُ اللهِ نَافِذٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ رَادَّ لَهُ، وَاللهُ قَوِيٌ لاَ يُقْهَرُ، عَزِيزٌ لاَ يُغَالَبُ.
عَزِيزٌ - غَالِبٌ عَلَى أَعْدَائِهِ غَيْرُ مَغْلُوبٍ.
﴿الآخر﴾ ﴿آبَآءَهُمْ﴾ ﴿إِخْوَانَهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الإيمان﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(٢٢) - لاَّ تَجِدُ قَوْماً يَجْمَعُونَ بَيْنَ الإِيْمَانِ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبَينَ مُوَادَّةِ أَعْدَاءِ اللهِ وَأَعْدَاءِ رَسُولِهِ، لأَنَّ المُؤْمِنِينَ حَقّاً لاَ يُوَالُونَ الكَافِرِينَ، وَلَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ هُمْ أَهْلَهُمْ، وَأَقْرِبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ الذِينَ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيهِمْ، وَالمُؤْمِنُونَ الذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ مُوَادَّةِ الكَافِرِينَ، وَلَوْ كَانُوا أَقْرَبَاءَهُمْ وَعَشِيرَتَهُمْ، هُمُ الذِينَ ثَبَّتَ اللهُ الإِيْمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى، وَقَوَّاهُمْ بِطُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾، وَسَيُدْخِلُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، رَضِيَ اللهَ عَنْهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّاتِ، وَرَضُوا بِمَا آتَاهُم اللهُ عَنْهُمْ، وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، فَأَدْخَلَهُمُ الجَنَّاتِ، وَرَضُوا بِمَا آتَاهُم اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَبِمَا عَوَّضَهُمْ بِهِ لاِسْخَاطِهِم الأَقَارِبَ وَالأَبْنَاءَ. وَهَؤُلاَءِ هُم أَنْصَارُ اللهِ، وَجُنْدُهُ، وَحِزْبُهُ، وَأَهْلُ كَرَامَتِهِ، وَهُمْ أَهْلُ الفَلاَحِ وَالسَّعَادَةِ والنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
بِرُوحٍ مِنْهُ - بِنُورٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِهِمْ أَو بِالقُرآنِ.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

22 مقطع من التفسير