آلم قيل في المقطعات في أوائل السور أنها أسماء السور، وقيل : هي مزيدة للتنبيه على انقطاع كلام واستئناف آخر، وقيل : هي إشارة إلى كلمات منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر : فقلت لها قفي فقالت لي قاف. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية : الألف آلاء الله واللام لطفه والميم ملكه، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه الر وحم ون مجموعها الرحمن، وعن ابن عباس أن الم معناه أنا الله أعلم، وقال البغوي : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس : المص أنا الله أعلم وأفصل والر أنا الله أرى والمر أنا الله أعلم و أرى، وقيل : إشارة إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل. روى البخاري في تاريخه وابن جرير من طريق ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم لما أتاه إليهم تلا عليهم ألم البقرة فحسبوا فقالو : كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : فهل غيره ؟ فقال : المص والر، والمر، فقالوا : خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ. ورد هذه الأقوال بأن كونها أسماء السور مستلزم لوقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد وذلك ينافي المقصود بالعلمية، وأيضا التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا مستنكر وأيضا تسمية بعض السور دون بعض بعيد، وبأن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للدلالة على الفصل والاستئناف، وإن كان كذلك كانت على كل سورة، وبأن الاقتصار على بعض حروف الكلمة غير مستعمل وأما الشعر فشاذ على أن في الشعر قوله قفي في السؤال قرينة على أن قولها قاف من وقفت بخلاف أوائل السور إذ لا قرينة هناك على أن الألف من آلاء الله واللام لطفه ونحو ذلك، وما روي عن بعض الصحابة والتابعين فمصروف عن الظاهر وإلا فهي أقوال متعارضة، وتخصيص حرف بكلمة من الكلمات المشتملة على تلك الحروف دون غيرها ترجيح بلا مرجح وبأن تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فهم اليهودي. الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم تعجب على جهله، وقيل : أنه مقسم بها لشرفها من حيث إنها بسائط أسماء الله تعالى ومادة خطابه وهذا التأويل يحوج إلى إضمار أشياء لا دليل عليها، واختار البيضوي أن حروف التهجي لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها افتتحت السور بطائفة منها إيقاظا لمن يتحدى بالقرآن وتنبيها على أن المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن الإتيان بملثه وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز، فإن النطق بأسماء الحروف من الأمي معجزة كالكتابة سيما وقد روعي في ذلك ما يعجز عنه الأديب الفائق في فنه حيث أورد أربعة عشر اسما و نصف عدد أسامي الحروف في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف المشتملة على أنصاف جميع أنواعها من المهموسة والمجهورة والشديدة الرخوة وغيرها كما ذكر تفصيله، وأيضا الكلام غالبا يتركب من تلك الحروف الأربعة عشر دون البواقي، قال : والمعنى أن هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف، والحق عندي أنها من المتشابهات وهي أسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها إفهام العامة بل إفهام الرسول صلى الله عليه وسلم ومن شاء إفهامه من كل أتباعه، قال البغوي : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وحكاه الثعلبي عن أبي بكر وعن علي وكثير، وحكاه السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم أجميعن وحكاه القرطبي عن سفيان الثوري والربيع بن خثعم وأبي بكر ابن الأنباري وابن أبي حاتم وجماعة من المحدثين، قال السجاوندي : المروي عن الصدر الأول في حروف التهجي أنها سر بين الله وبين نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد يجري بين المحرمين كلمات معميات يشير إلى أسرار بينهما، وقيل : إن الله تعالى استأثر بعلم المقطعات والمشابهات ما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أتباعه، وهذا بعيد جدا فإن الخطاب للإفهام فلو لم يكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل أو الخطاب بالهندي مع العربي، ولم يكن القرآن بأسره بيانا وهدى، ويلزم أيضا الخلف في الوعد بقوله تعالى : ثم إن علينا بيانه (١) فإنه يقتضي أن بيان القرآن محكمه ومتشابهه من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم واجب ضروري، وروي عن ابن عباس : أنا من الراسخين في العلم وأنا ممن يعلم تأويله، وكذا عن مجاهد وادعى المجدد للألف الثاني رضي الله عنه «من الأمة المرحومة التي لا يدري أولها خير أم آخرها ولعل آخرها فوجا هي أعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا » إن الله تعالى أظهر عليه تأويل المقطعات وأسرارها لكنها مما لا يمكن بيانها للعامة فإنه ينافي كونها سرا من أسرار الله تعالى والله تعالى أعلم، وقيل : إنها أسماء الله تعالى أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه في الأسماء والصفات عن ابن عباس وسنده صحيح، وروى ابن ماجه عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول : يا كهيعص اغفر لي، وعن الربيع بن أنس كهيعص معناه من يجير ولا يجار عليه، وقيل : إنها أسماء القرآن أخرجه عبد الرزاق عن قتادة، قالوا ولذلك أخبر عنها بالكتاب والقرآن، قلت : إن كانت أسماء الله تعالى كانت دالة على بعض صفات القرآن كما أن لفظ القرآن والفرقان والنور والحياة والروح والذكر والكتاب تدل على صفة من صفاته، وعلى كلا التقديرين فدلالة تلك الألفاظ ليست مما يفهمه العامة بل هي مختصة بفهم المخاطب ومن شاء الله تعالى تفهيمه، والحكم بأنها من أسماء الله تعالى لا يتصور إلا بعد فهم معناها –فهذان القولان على تقدير صحتهما راجعان إلى ما حققناه أنها أسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم لا يفهمه غيره إلا من شاء الله من كمل أتباعه وكذلك قوله تعالى : يد الله فوق أيديهم (٢) وقوله تعالى : الرحمن على العرش استوى (٣) و هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام (٤) وقال عز من قائل : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام و البحر يمده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله (٥) ولا شك أن الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني متناهية، والعقول قاصرة عن درك كنه ذات الله تعالى وكنه صفاته، وإنما يتصور دركه بنوع من المعية الذاتية أو الصفاتية الغير المتكيفة –هيهات هيهات عن فهم العوام بل الخواص مع دركهم لا يدركون ذلك الدرك في مرتبة الذات حيث قال رئيس الصديقين ( شعر ) :
| العجز عن درك الإدراك إدراك | والبحث عن سر الذات إشراك |
٢ سورة الفتح، الآية: ١٠.
٣ سورة طه، الآية: ٥.
٤ سورة البقرة، الآية: ٢١٠ [ونحو ذلك مما يستحيل حملها على ظواهرها التي تتبعها الذين في قلوبهم زيغ من المجسمة، فإن كلا منها تدل على صفة من صفات الله تعالى بحيث فهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض الكمل من أتباعه، وتوضيح ذلك أن لله تعالى صفات غير متناهية حيث قال الله تعالى: لو كان البحر مدادا لكمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي [سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
٥ سورة لقمان، الآية: ٢٧.
٦ رجال أحمد يعلى رجال الصحيح غير أبي مسلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. أنظر مجمع الزوائد في كتاب: الأدعية، باب: دعاء من أصابه هم أم حزن (١٧٤٤٥).
التفسير المظهري
المظهري