قلت بلى يا رسول الله ﷺ قال فاتحة الكتاب واحسبه قال فيها شفاء من كل داء- وعنه- فاتحة الكتاب شفاء من كل شىء الا السام- والسام الموت- رواه الخلعي فى فوائده- وعن ابى سعيد بن المعلى- أعظم سورة في القران الحمد لله رب العلمين- رواه البخاري والبيهقي والحاكم من حديث انس- أفضل القران الحمد لله رب العلمين- وروى البخاري في مسنده من حديث ابن عباس- فاتحة الكتاب تعدل ثلثى القران- وعن ابى سليمان قال مر بعض اصحاب النبي ﷺ في بعض غزواتهم على رجل قد صرع فقرأ بعضهم في اذنه بام القران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- هى أم القران وهى شفاء من كل داء- رواه الثعلبي من طريق معاوية بن صالح عنه- وعن ابى سعيد الخدري مرفوعا- فاتحة الكتاب شفاء من السم- رواه سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب- وعنه قال- كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت ان سيد الحي سليم فهل معكم راق فقام معها رجل فرقاه بام الكتاب فبرىء فذكر للنبى ﷺ فقال وما كان يدريه انها رقية- رواه البخاري- ورواه ابو الشيخ وابن حبان في الثواب عنه وعن ابى هريرة معا- وعن السائب بن يزيد قال- عوّذنى رسول الله ﷺ بفاتحة الكتاب فىّ تفلا- رواه الطبراني في الأوسط- وعن انس- إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقد امنت كل شىء الا الموت- رواه البزار.
سورة البقرة
مدنيّة اخرج البخاري عن عائشة قالت ما نزلت سورة البقرة والنّساء الّا وانا عنده وهى مائتان وسبع «١» وثمانون اية وستة الف ومائة واحدى وعشرون كلمة وحروفها خمسة وعشرون الف وخمسمائة حرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (١) قيل في المقطعات في أوائل السور انها اسماء السور- وقيل هى مزيدة للتنبيه على انقطاع كلام واستيناف كلام اخر- وقيل هى اشارة الى كلمات منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر فقلت لها قفى فقالت لى قاف- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن

(١) عند اهل البصرة اما عند اهل الكوفة فمائتان وست وثمان اية- ابو محمد عفا الله عنه

صفحة رقم 12

ابى العالية- الالف آلاء الله- واللام لطفه- والميم ملكه- واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عنه الر وحم ون مجموعها الرحمن- وعن ابن عباس ان الم معناه انا الله اعلم- وقال البغوي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس المص انا الله اعلم وافصل والر انا الله ارى والمر انا الله اعلم وارى- وقيل اشارة الى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل- روى البخاري في تاريخه وابن جرير من طريق ضعيف انه ﷺ لما اناه اليهود تلا عليهم الم البقرة فحسبوا فقالوا كيف ندخل في دين مدته احدى وسبعون سنة- فتبسم رسول الله ﷺ فقالوا فهل غيره فقال المص والر- والمر- فقالوا خلطت علينا فلا ندرى بايها نأخذ- ورد هذه الأقوال بان كونها اسماء السور مستلزم لوقوع الاشتراك في الاعلام من واضع واحد وذلك ينافى المقصود بالعلمية- وايضا التسمية بثلاثة اسماء فصاعدا مستنكر وايضا تسمية بعض السور دون بعض بعيد- وبان هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للدلالة على الفصل والاستيناف- وان كان كذلك كانت على كل سورة- وبان الاقتصار على بعض حروف الكلمة غير مستعمل واما الشعر فشاذ على ان في الشعر قوله قفى في السؤال قرينة على ان قولها قاف من وقفت بخلاف أوائل السور إذ لا قرينة هناك على ان الالف من الآء الله- واللام لطفه ونحو ذلك- وما روى عن بعض الصحابة والتابعين فمصروف عن الظاهر والا فهى اقوال متعارضة- وتخصيص حرف بكلمة من الكلمات المشتملة على تلك الحروف دون غيرها ترجيح بلا مرجح وبان تبسم رسول الله ﷺ على فهم اليهودي- الظاهر انه ﷺ تعجب على جهله- وقيل انه مقسم بها لشرفها من حيث انها بسائط اسماء الله تعالى- ومادة خطابه وهذا التأويل يحوج الى إضمار أشياء لا دليل عليها واختار البيضاوي ان حروف التهجي لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها افتتحت السور بطائفة منها إيقاظا لمن يتحدى بالقران وتنبيها على ان المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن الإتيان بمثله وليكون أول ما يقرع الاسماع مستقلا بنوع من الاعجاز- فان النطق بأسماء الحروف من الأمي معجزة كالكتابة سيما وقد روعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الفائق في فنه حيث أورد اربعة عشر اسماء نصف عدد أسامي الحروف في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف

صفحة رقم 13

مشتملة على انصاف جميع أنواعها من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة وغيرها كما ذكر تفصيله- وايضا الكلام غالبا يتركب من تلك الحروف الاربعة عشر دون البواقي- قال والمعنى ان هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف- والحق عندى انها من المتشابهات «١» وهى اسرار بين الله تعالى وبين رسوله ﷺ لم يقصد بها إفهام العامة بل إفهام الرسول ﷺ ومن شاء افهامه من كمل اتباعه قال البغوي قال ابو بكر الصديق رضى الله عنه في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القران أوائل السور- وقال علىّ رضى الله عنه ان لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي- وحكاه الثعلبي عن ابى بكر وعن علىّ وكثير- وحكاه السمرقندي عن عمرو وعثمان وابن مسعود رضى الله عنهم أجمعين وحكاه القرطبي عن سفيان الثوري- والربيع بن خثعم- وابى بكر ابن الأنباري- وابن ابى حاتم وجماعة من المحدثين- قال السجاوندى المروي عن الصدر الاول في الحروف التهجي انها سر بين الله وبين نبيه صلى الله عليه وسلم- وقد يجرى بين المحرمين كلمات معميات يشير الى اسرار بينهما- وقيل انّ الله تعالى استأثر بعلم المقطعات والمتشابهات ما فهمه النبي ﷺ ولا أحد من اتباعه- وهذا بعيد جدّا فان الخطاب للافهام فلو لم يكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل او الخطاب بالهندي مع العربي- ولم يكن القران باسره بيانا وهدى- ويلزم ايضا الخلف في الوعد بقوله تعالى- ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ- فانه يقتضى ان بيان القران محكمه ومتشابهه من الله تعالى للنبى ﷺ واجب ضرورى- وروى عن ابن
عباس انا من الراسخين في العلم وانا ممن يعلم تأويله- وكذا

(١) المتشابه فيه قولان أحدهما انه يرجى نيل المراد منه بضرب من التأويل والتأمل والثاني انه لا يرجى نيل المراد منه فعلى القول الاول الرسول وغيره في ذلك سواء والادلة التي ذكرت هاهنا يؤيد هذا القول وعلى القول الثاني هو مختار الحنفية رحمهم الله ايضا الرسول وغيره سواء والادلة المذكورة مخدوشة عندهم فينبغى تفصيل المذهبين وكذا دليل كل من الفريقين مع الجواب عن دليل المخالف حتى ينتظم الكلام- قلت المتشابه التي يشتبه على السامع العارف باللغة المراد بحيث لا يدرك بالطلب ولا بالتأمل الا بعد بيان من الشارع فان بينه النبي ﷺ حتى ظهر المراد منه سميت مجملا على اصطلاح الأصوليين كالصلوة والزكوة والحج والعمرة واية الربوا ونحو ذلك وان لم يوجد البيان والتعليم من النبي ﷺ سميت متشابها على اصطلاحهم- والمتشابه بهذا المعنى أخص من المتشابه بالمعنى المذكور سابقا فالمقطعات واليد والوجه والاستواء على العرش من هذا القبيل- واختلف كلام العلماء في هذا النوع فقيل يمكن تأويله وقيل لا يمكن تأويله بل يجب الايمان به وتفويض المراد منه الى الله سبحانه فقيل استأثر الله سبحانه بعلمه ما فهم النبي ﷺ مراده ولا أحد من اتباعه وبه قال اكثر العلماء وقيل بل فهمه النبي ﷺ ومن شاء افهامه من اتباعه وهو سر بين الله وبين رسوله ﷺ وهو المختار عندى وما يدل على هذا من اقوال الصحابة مذكور في الكتاب- منه برد الله مضجعه

صفحة رقم 14

عن مجاهد وادعى المجدد للالف الثاني رضى الله عنه (من الامة المرحومة التي لا يدرى أولها خير أم آخرها ولعل آخرها فوجا هى اعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا) ان الله تعالى اظهر عليه تأويل المقطعات واسرارها لكنها مما لا يمكن بيانها للعامة فانه ينافى كونها سرّا من اسرار الله تعالى والله تعالى اعلم- وقيل انها اسماء الله تعالى أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية في الأسماء والصفات عن ابن عباس وسنده صحيح- وروى ابن ماجة عن على رضى الله عنه انه كان يقول يا كهيعص اغفر لى- وعن الربيع بن انس كهيعص معناه من يجير ولا يجار عليه- وقيل انها اسماء القران أخرجه عبد الرزاق عن قتادة قالوا ولذلك اخبر عنها بالكتاب والقران قلت ان كانت اسماء لله تعالى كانت دالة على بعض صفاته تعالى- كسائر اسماء الصفات- وكذا ان كانت اسماء للقران كانت دالة على بعض صفات القران كما ان لفظ القران والفرقان والنور والحيوة والروح والذكر والكتاب تدل على صفة من صفاته- وعلى كلا التقديرين فدلالة تلك الألفاظ ليست مما يفهمه العامة بل هى مختصة بفهم المخاطب ومن شاء الله تعالى تفهيمه- والحكم بانها من اسماء الله تعالى لا يتصور الا بعد فهم معناها- فهذان القولان على تقدير صحتهما راجعان الى ما حققناه انها اسرار بين الله تعالى وبين رسوله ﷺ لا يفهمه غيره الا من شاء الله من كمل اتباعه وكذلك قوله تعالى- يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ- وقوله تعالى- الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى - وهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ- ونحو ذلك مما يستحيل حملها على ظواهرها التي تتبعها الذين في قلوبهم زيغ من المجسمة- فان كلا منها تدل على صفة من صفات الله تعالى بحيث فهمها رسول الله ﷺ وبعض الكمل من اتباعه- وتوضيح ذلك ان لله تعالى صفاتا غير متناهية «١»

(١) قال البغوي انه قال ابن عباس قالت اليهود أتزعم انا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ثم تقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فانزل الله هذه الاية يعنى كلمات علمه وحكمته تعالى غير متناهية ومن هاهنا قال العلماء معلومات الله تعالى غير متناهية وكما ان علومه تعالى غير متناهية وان كان ذلك اللاتناهى بعدم تناهى تعلقاتها- فكذلك جزئيات سائر صفاته تعالى غير متناهية وايضا حصر الصفات فيما يعلمه الناس ممنوع كيف وما ذكر فى المتن من الحديث الصحيح يدل على ان من أسمائه تعالى ما استأثر بعلمه لم يعلّمه أحدا من خلقه فمن الجائز ان يعلم الله سبحانه رسوله من أسمائه وصفاته بالمقطعات ما لم يعلمه قبله غيره- عدم تناهى الصفات انما هو بمعنى عدم تناهى تعلقاتها وحمل الكلمات على الصفات مستبعد كل البعد ولا يجب وضع اللفظ بإزاء كل تعلق تعلق حيث يقدح تناهيها في ادراك الصفات بل اللفظ انما يوضع بإزاء معنى كلى تنطبق على جزئيات غير متناهية- ثم عدم وضع اللفظ بإزاء معنى من المعاني لا يوجب عدم درا ذلك المعنى لجواز ان يتصور المعنى من غير توسط اللفظ ولا امتناع التصور بالكنه يوجب عدم اللفظ إذ التصور بالوجه كاف- ان كان استفادة العلم الضروري بهذه الحروف بطريق الدلالة الوضعية عاد الاشكال بأصله إذ تلك الدلالة ليست موجودة لانها ليست بوضع العرب مع ان القران عربى وان كان لا بطريق الدلالة الوضعية بل بمجرد المقابلة ولزوم الروية يلزم الدرك من الحروف ما لها وضع وكلا الشقين محال قلت واضع الأسماء واللغات كلها هو الله سبحانه دون الناس- وكان ابتداء التعليم من الله سبحانه بالإلهام او البيان والا يلزم التسلسل فعلى هذا يمكن ان يكون هذه الحروف المقطعات في علم الله تعالى موضوعة للمعانى دالة عليها بالوضع فالهم الله سبحانه نبيه ﷺ معنى تلك الحروف وصفتها كما الهم آدم عليه السلام معانى سائر الأسماء- منه رحمه الله [.....]

صفحة رقم 15

حيث قال الله تعالى- لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي- وقال عز من قائل- وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ- ولا شك ان الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني متناهية- والعقول قاصرة عن درك كنه ذات الله تعالى وكنه صفاته- وانما يتصور دركه بنوع من المعية الذاتية او الصفاتية الغير المتكيفة- هيهات هيهات عن فهم العوام بل الخواص مع دركهم لا يدركون ذلك الدرك في مرتبة الذات حيث قال رئيس الصديقين شعر- العجز عن درك الإدراك ادراك- والبحث عن سر الذات اشراك- غير ان بعض صفاته تعالى لما شارك صفات الممكنات في الغايات او بعض وجوه المشاكلات عبر عنها بالأسماء التي تدل على صفات في المخلوقات كالحيوة والعلم والسمع والبصر والارادة والرحمة والقهر وغيرها فزعم البشر انه فهمها وفي الحقيقة لم يفهم الا بعض وجوهها- وبعضها ليست بهذا المثابة- فمنها ما استأثر الله تعالى بعلمه- ومنها ما افهمه الخواص من خلقه قال رسول الله ﷺ في دعائه اللهم انى أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او أنزلته في كتابك او علمته أحدا من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك- رواه ابن حبان فى صحيحه- والحاكم في المستدرك واحمد- وابو يعلى في حديث ابن مسعود لمن أصابه هم- والطبراني فى حديث ابى موسى فلعل الله سبحانه من ذلك الأسماء الخفية عن العامة التي لم يوضع بإذائها ألفاظ في لغاتهم علّم والهم بعضها لنبيه ﷺ ومن شاء من اتباعه بهذه الحروف وخلق فيهم علما ضروريا مستفادا من هذه الحروف كما علم آدم الأسماء وخلق فيه علما ضروريا من غير سبق علمه بوضع ذلك اللفظ لذلك المعنى كيلا يلزم التسلسل- ويتجلى تلك الأسماء والصفات على النبي ﷺ بتلاوة هذه الحروف- قال شيخى وامامى قدسنا الله بسره السامي انه يظهر بنظر الكشف القران كله كانه بحر ذخار للبركات الالهية ويظهر تلك الحروف في ذلك البحر كانها عيون فوارات تفور ويخرج منها البحر- فعلى هذه المكاشفة لا يبعد ان يجعل هذه الحروف اسماء للقران كانّ القران تفصيل لذلك الإجمال والله اعلم بمراده- وهذا التوجيه لا ينافى ما اختاره البيضاوي فان القران لكل اية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع- ويروى لكل حرف حد ولكل حد مطلع رواه البغوي من حديث ابن مسعود فكما ان هذه الحروف في الظاهر عنصر للقران وبسائطه وغالب

صفحة رقم 16

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية