تَفْسِيرُ سُورَة الْبَقَرَةِ

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

(وبه نستعين على القوم الكافرين)
قوله تعالى: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
وقيل: فيه وجوه:
رُويَ عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: قوله: (والم) أنا اللَّه أعلم.
وقيل: إنه قسم أقسم بها.
وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.
وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ اللَّه: الأَلف اللَّه، واللام لطفه، والميم ملكه.
وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.
وقيل: إن الأَلف هو اللَّه، واللام جبريل، والميم مُحَمَّد.
وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.
وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله:

صفحة رقم 370

(الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ) أول سورة البقرة، (ذَلِكَ الْكِتَابُ) هو تفسير (الم)، و (الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أول سورة آل عمران، و (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أول سورة الأعراف، و (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ) أول سورة هود، وإبراهيم، و (الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) أول سورة لقمان، كلُّ ملحق بها فهو تفسيرُها.
وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.
وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع اللَّه خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.
وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)، وكقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.
والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.
وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره. وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع. مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجل قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا باللَّه.
ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمرًا جليلًا يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمَّل. ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ اللَّه وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهى أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا باللَّه؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة اللَّه، وأَن له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا باللَّه.

صفحة رقم 371

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية