افتتاح السورة
بسم الله الرحمان الرحيم
آلم( ١ ) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين( ٢ )
آلم هذه فاتحة سورة البقرة، وقد تنوعت فواتح السور في القرآن الكريم تبعا لتنوع موضوعاتها، فمنها من بدئ بالثناء إثبات الحمد لله، كما في سورة الفاتحة الحمد لله رب لعالمين( الفتحة : ٢ ) وكما في سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور( الأنعام : ١ ).
ومنها من بدء بالنداء مثل : يا أيها النبي( التحريم١، الطلاق١ ) يا أيها المزمل( المزمل : ١ ) يا أيها المدثر. ( المدثر : ١ ).
ومنها من بدئ بالقسم مثل والصافات( الصافات١ ) والذاريات ( الذاريات١ ) والطور
( الطور ١ ) والنجم( النجم١ ) والفجر( الفجر١ ) والشمس( الشمس١ ) والليل ( الليل ١ )والضحى ( الضحى١ ) والعاديات ( العاديات : ١ ) والعصر ( العصر١ ).
حروف المعجم
من سور القرآن ما بدأ ببعض الحروف الهجائية التي لا تكون كلمات مثل : ألف، لآم، ميم.
وفي القرآن صيغ مختلفة من هذه الفواتح منها ما هو ذو حرف واحد، مثل : ص والقرآن ذي الذكر ( ص١ ) ق والقرآن المجيد ( ق١ ) ن والقلم وما يسطرون . ( الليل١ ).
ومنها ما هو ذو حرفين مثل : طه( ١ ) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ( طه ١-٢ )، يس( ١ ) والقرآن الحكيم ( يس١-٢ )، حم( ١ ) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( غافر : ١-٢ ).
ومن السور ما بدئ بثلاثة حروف مثل : طسم، آلر، آلم.
وقد تكررت آلم. في بداية سورة البقرة وآل عمران، والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة. ومن السور ما بدئ بأربعة أحرف مثل : المص، آلمر، ومنها ما بدئ بخمسة أحرف مثل : كهيعص، حم( ١ )عسق.
معاني هذه الفواتح
ليس لهذه الفواتح في لغة العربية معان مستقلة ولم يرد من طريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان للمراد منها، بيد أنه قد أثرت عن السلف آراء متعددة في معاني هذه الحروف، وهذه الآراء على كثرتها ترجع إلى رأيين اثنين :
أحدهما : أنها جميعا مما استأثر الله به، ولا يعلم معناها أحد سواه وهذا رأي كثير من الصحابة والتابعين.
ثانيهما : أن لها معنى وقد ذهبوا في معناها مذاهب شتى.
١- فمنهم من قال : هي أسماء للسور التي بدئت بها، أو أن كلا منها علامة على انتهاء سورة والشروع في أخرى.
٢- ومنهم من قال : إنها رموز لبعض أسماء الله تعالى وصفاته، فنسب إلى ابن عباس في : كهيعص أن الكاف من الملك، والهاء من الله والياء من العزيز والصاد من المصور. ونسب إليه أنها إشارة إلى الكاف، هاد، أمين، عالم، صادق، وروي عن الضحاك في معنى آلر : أن الله أرفع.
٣- ومنهم من قال : إنها قسم أقسم الله به لبيان شرف هذه الحروف وفضلها إذ هي مباني كتابه المنزل على رسوله.
٤- ومنهم من قال : إن المقصود بها هو تنبيه السامعين وإيقاظهم.
٥- ومنهم من قال : إن المقصود منها سياسة النفوس المعرضة واستدراجها إلى استماع القرآن والإنصات إليه، فقد كان العرب يتواصون بعد الاستماع إلى القرآن، فلما سمعوا هذه الحروف أنصتوا إليها ثم استمعوا إلى ما بعدها.
٦- ومنهم من ذهب إلى أن هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان إعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وفي هذا دليل على أنه ليس من صنع البشر بل تنزيل من حكيم حميد، وقد لاحظ أصحاب هذا الرأي أن فواتح السور مكونة في جملتها من أربعة عشر حرفا، هي نصف حروف الهجاء، كما أنها حوت فوق كل ذلك من كل جنس من الحروف نصفه، فقد حوت نصف الحروف المهموسة ونصف الحروف المهجورة، ونصف الشديدة ونصف الرخوة ونصف المطبقة ونصف المنفتحة، وكأنه قيل«من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن » ويؤيد هذا الرأي أن السورة الكريمة التي بدئت بحروف الهجاء تتحدث في الأعم الأغلب عن نزول القرآن وإعجازه.
سر الإعجاز
ولا يبعد أن يكون سر الإعجاز في هذه الحروف هو اشتمالها على جميع الوجوه التي ذكرها العلماء في معانيها :
فهي بداية للسورة، وهي إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته وهي لون من التنبيه الذي يقرع الأذهان ويلفت الغافلين وهي مما أقسم الله به لبيان شرف القرآن وفضله، وهي مما استأثر الله بحقيقة المراد منه، فكل ما ذكره العلماء اجتهاد محمود لإدراك أسرارها أو حكمة الابتداء بها.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة