ابتدئت السورة بهذه الحروف التي ينطق بها، فقال : ألف لام ميم، وكذلك ابتدئت عدة سور بهذه الحروف التي ينطق بها مفردة حرفا حرفا، وهذه الأولى، وقد أعقبت الحروف بذكر الكتاب وشرفه، وجاءت سورة آل عمران مبتدأة بهذه الأحرف نفسها الم ١ [ آل عمران ] وعقبها ذكر جلال الله تعالى : اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢ [ آل عمران ].
ثم كانت سورة الأعراف مبتدأة بمثل هذه الأحرف وهي المص ١ [ الأعراف ] وذكر بعدها الكتاب، وهو قوله تعالى : كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ... ٢ [ الأعراف ].
وكانت سورة يونس مبتدأة بحروف مفردة، وهي الر ١ [ يونس ] وذكر بعدها الكتاب وآياته فقال تعالى : تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ١ [ يونس ].
وجاءت سورة هود مبتدأة أيضا بهذه الحروف الم ١ [ هود ] وذكر بعدها الكتاب، فقال تعالى بعدها : كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١ [ هود ].
وسورة يوسف ابتدئت أيضا بهذه الحروف الر ١ [ يوسف ] وجاء بعدها ذكر الكتاب فقال تعالى عقبها : تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ١ [ يوسف ].
وجاءت أيضا سورة الرعد مبتدأة بهذه الحروف المنفردة المر ١ [ الرعد ] وقد ذكر بعدها الكتاب الكريم فقال تعالى عقبها : تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ١ [ الرعد ].
وابتدئت سورة إبراهيم بهذه الأحرف المفردة فقال تعالى الَر ١ [ إبراهيم ]، وجاء بعدها ذكر الكتاب فقال تعالى بعدها : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ١ [ إبراهيم ].
وجاءت سورة الحجر مبتدأة بحروف مفردة وهي الَرَ ١ [ الحجر ] وذكر بعدها الكتاب فقال تعالى عقبها : تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ ١ [ الحجر ].
وجاءت سورة مريم مبتدأة بخمسة حروف وهي كهيعص ١ [ مريم ]، ولم يذكر بها ( القرآن ) عقب هذه الحروف، ولكن برحمة الله تعالى على زكريا، فقال تعالى : ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ٢ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا ٣ قَالَ رَبِّ... ٤ [ مريم ]، وقد ذكر ( الكتاب ) في عدة مواضع بعد ذلك في السورة، فكان يأمر الله تعالى بذكره عند ذكر القصص عن أنبياء الله تعالى، فإذا كان ( الكتاب ) لم يذكر في الكتاب الكريم عقب هذه الحروف، فقد تكرر ذكره تعالت كلماته في مواضع مختلفة بعد ذلك.
وجاءت سورة ( طه ) وإذا لم نعتبر كلمة طه ١ [ طه ] اسما فإنها تكون حروفا مجردة، وذكر بعدها القرآن الكريم في قوله تعالى : مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ٢ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى ٣ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ٤ [ طه ].
وجاءت سورة الشعراء مبتدأة بحروف ثلاثة طسم ١ [ الشعراء ] وجاء عقب هذه الحروف ذكر القرآن تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ [ الشعراء ].
وابتدئت سورة النمل بحرفين هما طس ١ [ النمل ]، وجاء ذكر القرآن بعدها فقال تعالى : تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ [ النمل ].
وابتدئت سورة القصص بثلاثة أحرف طسم ١ [ القصص ] وجاء بعدها ذكر القرآن الكريم، فقال تعالى عقب الحروف : تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ [ القصص ].
وجاءت سورة العنكبوت مبتدأة بهذه الحروف الم ١ [ العنكبوت ] وجاء بعدها اختبار الناس وهو قوله تعالى : أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ [ العنكبوت ].
وجاءت سورة الروم مبتدأة بالحروف الم ١ [ الروم ] ثم ذكر بعد ذلك انهزامهم ثم انتصارهم غُلِبَتِ الرُّومُ ٢ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِي بِضْعِ سِنِينَ... ٤ [ الروم ].
وجاءت سورة لقمان مبتدأة بالحروف الم ١ [ لقمان ] وذكر بعدها الكتاب : تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ٢ [ لقمان ].
وجاءت سورة السجدة مبتدأة بهذه الحروف الم ١ [ السجدة ] وعقبت بذكر الكتاب تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ٢ [ السجدة ].
وابتدئت سورة يس بحرف الياء والسين يس ١ [ يس ]، وذكر بعد الحرفين القرآن الكريم، وذلك إذا لم تعد اسما.
وجاءت سورة ( ص ) مبتدأة بالحرف ص ١ [ ص ]، وجاء ذكر القرآن الكريم فقال تعالى عقب هذا الحرف : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ١ [ ص ].
وابتدئت سورة غافر بحرفين حم ١ [ غافر ]، ذكر بعدها القرآن فقال تعالى عقبها : تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ٢ [ غافر ].
وابتدئت فصلت بالحرفين : حم ١ [ فصلت ] وعقبت بقوله تعالى عن الكتاب : تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢ [ فصلت ].
وابتدئت سورة الشورى بخمسة أحرف، وهي : حم ١ عسق ٢ [ الشورى ] وجاء بعدها ذكر لنزول القرآن فقال تعالى : كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٣ [ الشورى ].
وابتدئت سورة الزخرف ب حم ١ [ الزخرف ] وعقب الله تعالى هذين الحرفين بقوله تعالى : وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ [ الزخرف ].
وابتدأت سورة الدخان بحرفين حم ١ [ الدخان ] ثم جاء بعد ذلك ذكر القرآن فقال تعالى عقبها : وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ٢ [ الدخان ].
وابتدأت سورة الجاثية بحرفي : حم ١ [ الجاثية ]، وعقبها الله تعالى بتنزيل القرآن فقال تعالى : تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ٢ [ الجاثية ].
وابتدئت سورة الأحقاف بالحرفين حم ١ [ الأحقاف ] وذكر الله تعالى بعدهما القرآن، فقال تعالى : تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ٢ [ الأحقاف ].
وابتدئت سورة ق ١ [ ق ] بحرف - جاء بعده القسم بالكتاب وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ١ [ ق ].
وابتدئت سورة القلم بحرف ن ١ [ القلم ] وجاء بعدها ذكر القلم فقال تعالى : وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ١ [ القلم ] وفيه إشارة إلى الكتاب الكريم.
هذه هي السور التي ابتدئت بالحروف المفردة، ومن هذا الإحصاء يتبين :
أولا : أن السور التي صدرت بهذه الأحرف سور مكية نزلت بمكة ما عدا ثلاث سور هي البقرة، وآل عمران، والرعد، فإن هذه السور الثلاث مدنية، بينما الباقي مكي نزل بمكة حيث كان أكثر التحدي بالقرآن الكريم، وإن كان هناك تحد به في المدينة ؛ لأنه المعجزة الدائمة التي يتحدى بها المنكرون في كل الأحيان والعصور قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ٨٨ [ الإسراء ].
ثانيا : أن السور التي صدرت بهذه الأحرف ذكر الكتاب بعدها، مما يدل على أن للكتاب الكريم صلة بالابتداء بهذه الحروف، وثلاث سور فقط هي التي لم يأت ذكر للكتاب الكريم عقبها، وهي سورة مريم، فلم يذكر الكتاب عقب الحروف، وإن جاء ذكره بعد ذلك في مناسبات أخرى، وكرر ذكره بهذه المناسبات، وسورة العنكبوت فإن ذكر القرآن لم يعقب الأحرف، وكذلك سورة الروم، وما عدا هذه السور الثلاث ذكر القرآن الكريم في أعقابها.
ثالثا : أن عدد الحروف التي ابتدأت بها السور أربعة عشر حرفا، وهي نصف الحروف الهجائية، وهي تشتمل على أنواع مخارج الحروف المختلفة، وهذه الحروف هي الألف، واللام، والميم، والصاد، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والراء، والسين، والطاء، والحاء، والقاف، والنون.
ولا يحفظها ويقرأها إلا من يعرف القراءة والكتابة، فالأمي لا يعرفها وإن عرف بعضها، لا يعرفها كلها، وإلا كان قارئا كاتبا ؛ ولذلك هي في القرآن على لسان النبي الأمي من دلائل إعجازه.
قال الله تعالى : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ٤٨ [ العنكبوت ].
وإنه بتتبع السور الكريمة التي صدرت بهذه الحروف التي قدسها الله سبحانه وتعالى بذكرها، وإعقاب القرآن في أكثرها بها يدل على الارتباط الوثيق بينها وبين القرآن الكريم ؛ لأنه اشتمل عليها، ولأنها تشير إلى مقامه وإعجازه ومنزلته في هذا الوجود الإنساني، وإن كانت معانيه المحررة مستورة عنا، وهي في علم الله تعالى المكنون، ولكن لها إشارات توحي إلى معان عالية، تليق بتصدرها لكثير من سور القرآن. هذا ما نشير إليه إجمالا ونعرض له ببعض التفصيل.
الم ١ روى عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما قالا : إن هذه الحروف التي ابتدئت بها السور هي سر الله تعالى في الكتاب، و لله تعالى في كل كتاب سر. وتبعهما في هذا القول عامر الشعبي وسفيان الثوري، وجماعة من المحدثين، بل قاله أكثر علماء السلف، وهي من المتشابه الذي اختص به علم الله تعالى، وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا رضي الله عنهم : الحروف المقطعة في أوائل السور من المكتوم الذي استأثر به علم الله تعالى. وروي عن الربيع ابن خيثم، أنه قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه، فهو الذي تسألون عنه، وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، وما بكل ما تعلمون تعملون.
وإن هذه المأثورات عن كبار الصحابة، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وهي تدل على أن هذه الحروف من المتشابه الذي لا يعلم به أحد إلا الله تعالى، وعلينا أن نكف عما لا نعلم، عملا بقوله تعالى : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ٣٦ [ الإسراء ].
ولكن العقل طلعة(١) يحاول تعرف المجهول أو المكتوم، وكلما كان الإبهام كان تعرف كشفه، ولذلك حاول علماء أن يعرفوا سر وجود هذه الحروف وإن لم يعرفوا حقيقة المراد منها، وقالوا في ذلك أقوالا أربعة ؛ ثلاثة منها متلاقية في صوابها وواحد حاول تفسيرها، فأخطأ فيما قصد.
أولها : أن بعضهم حاول تفسيرها بأنها رموز للذات العلية ؛ أو أنها رموز لله ولآخرين، فقال قائل إن الم ترمز إلى أن الله يقول أنا الله أعلم، فالألف : أنا، واللام : الله، والميم : أعلم، وقالوا : الم أنا الله أرى، وقال بعضهم في الم : إن الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد، وقيل الألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح لطيف، والميم مجيد، وكل هذه التفسيرات ظنون، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، ولم يرد واحد منهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو وردت عنه لقبلناها صاغرين ولخرجت من المتشابه إلى المحكم.
ثانيها : ليس تعرفا لمعانيها، ولكنه تعرف لسر وجودها، أو لبعضها، وذلك بيان لإعجاز القرآن مع أنه مكون من حروفهم التي تتكون منها كلماتهم، ومع ذلك يعجزون عن أن يأتوا بمثله في تأليف نغمه، وسياق معانيه، وتآلف ألفاظه وفواصله، فهذا يدل على أنه من عند الله ويدل على عجزهم عن أن يأتوا بمثله

١ طلعة: أي كثير الطلوع أو التطلع، ونفس طلعة: كثيرة التطلع إلى الشيء. [الوسيط: (ط ل ع)]..

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير