ولما قالت اليهود : عُزَير ابن الله، وقالت النصارى : المسيح ابن الله، وقال المشركون : الملائكة بنات الله، ردَّ الله تعالى عليهم بقوله :
وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
قلت : هذه الجملة معطوفة على قوله : وقالت اليهود. . . الخ، ومن قرأ بغير واو جعلَها مستأنفة.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وقالت اليهود والنصارى والمشركون : اتخذ الله ولدا تعالى الله عن قولهم، وتنزه عن ذلك ؛ لأنه يقتضي الجنسية والمشابهة والاحتياج، والحق منزَّهٌ عن ذلك. بل كل ما استقر في السماوات السبع والأرَضين السبع ملكه وعبيده، فكيف يكون العبد ولداً لمالكه ؟. وأيضاً كل ما ظهر في الوجود كله قانت، أي : خاضع ومطيع لله، وعابد له، ومقهور تحت حكمه ومشيئته، وذلك مُنافٍ لحال البُنوة.
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ [ فَاطِر : ٤١ ]، وقال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ النُّور : ٣٥ ]، وقال في الحكم :" الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر بهجتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها ". فأهل الفَرْقِ يثبتون الأشياء مستقلة مع الله، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قال محيي الدين الحاتمي : من رأى الخلق لا فعلَ لهم فقد فاز، ومن رآهم لا حياة لهم فقد جاز، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل. هـ. قلت : ومن أثبتهم بالله فقد تمكن وصاله، وأنشدوا :
هـ. مَن أبصرَ الخلقَ كالسرابِ فقَد تَرقَّى عن الحجابِ إلى وُجودٍ تراهُ رتقا بِلاَ ابتعادٍ ولا اقْتِرابِ ولم تُشَاهِدْ به سواهُ هناك تهدي إلى الصوابِ فَلا خِطابَ بِه إليهِ وَلا مُشِيرَ إلى الخطابِ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي